← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20860

العقد المنظوم في الخصوص والعموم

القرافي

Полный текст (844 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

تقريره: أن فعل الرسول ﷺ على خلاف العموم الخاص بالأمة، ودل الدليل على أن الأمة مثله ﵊، جاز بمقتضى هذا الدليل المسوي فعل ذلك الذي فعله ﷺ ، وعلى هذا يبطل حكم العموم في حق الأمة، فيصير ذلك إبطالًا للنص بالكلية، وهذا ليس تخصيصًا بل نسخًا. وهذا الذي صرح به في هذا القسم هو مراده في القسم قبله، ويبقى الكلام في غاية الإشكال من جهة أنه شرع في التخصيص بما يمنع التخصيص. وأما الشيخ سيف الدين ﵀ فإنه لم يسلك هذا المسلك، بل قال: إما أن نقول بوجوب التأسي على من سواه أو لا. والأول يلزم منه النسخ دون التخصيص بخروج الجميع من النص. وإن لم نقل بالتأسي، فإن افعل مخصص له ﷺ وحده إن كان النص متناولًا له ﷺ ولأمته، وإن كان متناولًا للأمة فقط، لا يكون فعله ﷺ مخصصًا عن العموم، لعدم دخوله، فإن قيل- أيضًا- بوجوب المتابعة على الأمة، كان نسخًا عن الأمة (لا) تخصيصًا. ثم قال: وهذا التفصيل يحكى، (ولا أرى للخلاف) في التخصيص بفعله ﵊ وجهًا- فإن كان المراد تخصيصه وحده فلا يتأتى فيه خلاف، أو تخصيص غيره فليس هو تخصيصًا بل نسخًا، مع أن الخلاف يحكى في تخصيص العموم يفعله ﷺ ، وقال به الأكثرون من الشافعية والحنفية والحنابلة، ونفاه الأقلون كالكرخي قال: والأظهر عندي الوقف؛ لأن دليل التأسيس عام، فليس مراعاة أحد العمومين أولى من الآخر.

стр. 737

فهذه جملة كلامه في هذه المسألة في الأحكام، ولم نذكر شيئاً من كلام الشيخ فخر الدين ﵀. احتج من منع التخصيص مطلقًا: بأن المخصص العام هو الدليل الذي دل على وجوب متابعته ﷺ وهو قوله: ﴿واتبعوه﴾، وذلك أعم من الذي يدل على بعض الأشياء فقط، فالتخصيص بالفعل يكون تقديمًا للعام على الخاص، وهو غير جائز. ومثال ذلك: أن الدليل المسوي عام في جملة الشريعة كقوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾﴾ وما آتاكم الرسول فخذوه﴾، والنص الذي يقصد تخصيصه هو مثل قوله ﷺ : (ولا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها لبول أو غائط)، وهذا إنما يتناول فرعًا من الشريعة وهو هيئة قضاء الحاجة، فلا يقضي عليه ذلك العموم الذي هو أعم منه؛ لأن تقديم العام على الخاص خلاف القاعدة. والجواب: أن المخصص ليس هو مجرد قوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾، بل هو مع ذلك الفعل، ومجموعها أخص من العام الذي يدعى تخصيصه بالفعل. وتقريره بالبسط: أن قوله تعالى: ﴿واتبعوه﴾ مع استقباله ﷺ لبيت المقدس لقضاء الحاجة يقتضي خروجنا من النهي في قوله ﷺ (ولا تستقبلوا

стр. 738

القبلة ولا تستدبروها لبول أو غائط) في حالة كوننا في الأبنية، وهذا مجموع أخص من حديث النهي عن الاستقبال. فائدة: قال الغزالي- ﵀ في المستصفى: للمسالة ثلاثة مثل: أحدها: أنه ﷺ نهى عن الوصال وواصل، وهذا نص لم يتناوله ﵊، وإنما قالوا له: إنك تواصل؛ لأنهم فهموا اندراجه في حكمهم. وثانيها: أنه ﷺ نهى عن استقبال القبلة واستدبارها، وصيغة الحديث لا يتناوله ﵊ أيضا، ثم إنه [﵊] استدبر البيت الحرام، ويحتمل أن يكون هذا مخصصًا؛ لأنه كان في خلوة، والبيان لازم له ﷺ إظهاره.

стр. 739

ونهى ﷺ عن كشف العورة، ثم كشف فخذه بحضرة أبي بكر وعمر، ويحتمل أنه لم يدخل في النهي، أو أريد بالفخذ ما يقرب منه. المسألة السابعة: التخصيص بالتقرير: من فعل فعلا (يخالف العموم) حضرة الرسول ﷺ ولم ينكره عليه، كان عدم إنكاره ﵊ على ذلك الفاعل يوجب تخصيص ذلك العموم بهذا الفعل. وأما في حق غيره فإنما يستفاد من قوله ﷺ : (حكمي على الواحد

стр. 740

حكمي على الجماعة) ونحوه من النصوص المستوية، فيكون ذلك التقرير تخصيصًا في حق الكل حينئذ، وإلا فلا. هذا كلام فخر الدين ﵀، ويلزم عليه ما تقدم أنه يكون حينئذ نسخًا لا تخصيصًا إذا سوينا الكل بهذا الشخص الذي أقره رسول الله ﷺ ، فيفضي تقريره النسخ إلى إبطاله، فلا يستقيم في هذا ونحوه إلا ما تقدم من حمله على طائفة معينة من القضاء أو غيرهم. * * *

стр. 741

القسم الثاني: في تخصيص المقطوع بالمظنون وفيه مسائل: المسألة الأولى: يجوز تخصيص الكتاب بخبر الواحد عند الشافعية والمالكية والحنفية ، وقال قوم: لا يجوز أصلًا، وقال عيسى بن أبان: إن كان خص قبل ذلك بدليل مقطوع به جاز، وإلا فلا. وقال الكرخي: إن كان قد خص قبل ذلك بدليل منفصل فصار مجازا فيجوز حينئذ، وإن خص بدليل متصل ولم يخص أصلا لم يجز، واختار القاضي أبو بكر- رحمة الله عليهم أجمعين- الوقف. ووجه قول عيسى بن أبان: أنه إذا خص بدليل مقطوع، قطع بضعفه، فيتسلط عليه حينئذ خبر الواحد فيخصصه، وإن لم يخصص بمقطوع، لم يقطع بضعفه، فلم يجز تخصيصه بخبر الواحد. ووجه قول الكرخي: أن المخصص المتصل عنده يكون مع صيغة العموم حقيقة فيما بقي كلامًا واحدًا، فيكون حقيقة، والحقيقة قوية، فلا ينهض خبر

стр. 742

الواحد لتخصيصه حينئذ، والمخصص المنفصل لا يمكن جعله من لفظ العموم (لفظًا واحدًا، فيتعين أن لفظ العموم) قد بقي مجازًا، بسبب التخصيص السابق. فمدار الفريقين في التخصيص وعدمه: القوة والضعف، غير أن عيسى بن أبان يلاحظ الضعف في الصيغة من جهة (القطع والظن، والكرخي من جهة) المنفصل والمتصل. حجة الجمهور: أن العموم (وخبر الواحد دليلان متعارضان)، وخبر الواحد أخص من العموم، فوجب تقديمه على العموم، وإنما قلنا: إنهما دليلان؛ لأن العموم دليل بموافقة الخصم في هذه المسألة، وأما خبر الواحد فهو- أيضًا- دليل على ما تقرر من موضوعه؛ ولأن الخصم هنا يساعده عليه، وإذا ثبت ذلك، وجب تقديمه على العموم؛ لأن تقديم العموم [عليه] يفضي إلى إلغائه بالكلية، أما تقديمه على العموم فلا يفضي إلى إلغاء العموم بالكلية، فكان أولى في سائل المخصصات. الثاني: أن الصحابة مجمعة على تخصيص القرآن بخبر الواحد، وقع ذلك في صور خمس. إحداها: أنهم خصصوا قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ بما رواه الصديق أن رسول الله ﷺ قال: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث).

стр. 743

وثانيها: أنهم خصصوا عموم قوله تعالى: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك﴾ بخبر محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة أنه ﷺ جعل للجدة السدس؛ لأن المتوفاة إذا خلفت زوجًا، وبنتين، وجدة، فللزوج الربع: ثلاثة، وللبنتين الثلثان: ثمانية، وللجدة السدس، عالت

стр. 744

المسألة إلى ثلاثة عشر، وثمانية من ثلاثة عشر أقل من ثلثي التركة. قلت: (وفي هذا المثال نظر، بسبب أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال)، ونحن نورثهما الثلثين في كثير من الأحوال، وإنما خرجت هذه الحالة الخاصة، ولا يلزم من إخراج الخاص إخراج العام، فلا يلزم إخراج مطلق الحالة، فالعموم باق على حاله على ما تقدم تقريره قبل هذا، فليطالع من هناك. وثالثها: أنهم خصصوا عموم قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ لخبر أبي سعيد في المنع من بيع الدرهم بالدرهمين. قلت: وهذا- أيضًا- من الطراز الأول، فإن البيع له أحوال، يقع مع حالة الزيادة، ومع عدم حالة الزيادة، ومع الربويات، ومع غير الربويات، والعام في الأشخاص مطلق في الأحوال، فلا يتناول العموم حالة الزيادة في الربويات، فلا يكون إخراجهما تخصيصًا.

стр. 745

ورابعها: خصصوا قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ بما ورد في المجوس من خبر عبد الرحمن بن عوف، وهو قوله ﷺ بما ورد في المجوس من خبر عبد الرحمن بن عوف، وهو قوله ﷺ : (سنوا بهم سنة أهل الكتاب). وتقريره: أن الآية اقتضت قتل الكل، وخبر عبد الرحمن إنما ورد فيه الجزية أي سنوا بهم سنة أهل الكتاب في الجزية، فبطل القتل فيهم مع أهل الكتاب، وخرج الجميع من عموم المشركين، وبقي عبدة الأوثان وما شاكلهم (فيمن لا) يجوز أخذ الجزية منهم.

стр. 746

قلت: وهذا أيضا مما تقدم أن لفظ المشركين عام فيهم، مطلق في أزمنتهم وأحوالهم وبقاعهم، وحالة الجزية حالة خاصة لا يلزم من عدم ثبوت الحكم فيها عدمه في مطلق الحالة، فالذي دل عليه باق، فلا تخصيص، لعدم التنافي. وخامسها: خصصوا قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ بخبر أبي هريرة في المنع من نكاح المرأة على عمتها وخالتها وبنت أختها وبنت أخيها. قلت: وهذا أيضًا مطلق في الأحوال، فلا يتعين التخصيص. احتج المانعون بالخبر والإجماع والمعقول: أما الإجماع: فلأن عمر ﵁ رد خبر فاطمة بنت

стр. 747

قيس وقال: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة، لا ندري لعلها نسيت أو كذبت، ولم ينكر عليه أحد، فكان إجماعًا. وأما الخبر: فهو ما روي أن رسول الله ﷺ قال: (إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فإن وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردوه)، والخبر الذي يخصص الكتاب على مخالفة الكتاب فوجب رده. وأما المعقول فوجهان: الأول: أن الكتاب مقطوع به، وخبر الواحد مظنون، والمقطوع أولى من المظنون.

стр. 748

الثاني: أن النسخ تخصيص في الأزمان، وهذا التخصيص تخصيص في الأشخاص والأعيان، فنقول: لو جاز التخصيص في الأعيان بخبر الواحد، لجاز التخصيص في الأزمان بخبر الواحد. وتقريره: أن التخصيص في الأشخاص لو جاز لكان لأجل أن تخصيص العام أولى من إلغاء الخاص، وهذا المعنى قائم في النسخ، فيلزم جواز نسخ المتواتر بخبر الواحد، ولما لم يجز ذلك، علمنا أن ذلك أيضا غير جائز. والجواب عن الأول: أن الإجماع ليس بصحيح، بسبب أنه لم يوافق عليه الكل تصريحًا ولا سكوتًا، أما التصريح فلعدم النقل، وأما التلويح والسكوت فلأنه لم يكن الكل حضرين حتى يتعين ذلك، سلمنا ذلك أنه إجماع، لكنا لا ندعي التخصيص بكل ما كان من أخبار الآحاد حتى يكون ذلك واردًا علينا، وإنما نجوزه بالخبر الذي لا يكون راويه متهمًا بالكذب والنسيان، وحديث عمر ﵁ صريح في رواية بالتهمة بالكذب والنسيان، فليس من صور النزاع، فلم يكن ذلك قادحًا في غرضنا، بل هو بأن يكون حجة لنا أولى، وذلك أن عمر ﵁ بين أن روايتها إنما صارت مردودة، لكونها غير مأمونة من الكذب والنسيان، ولو كان خبر الواحد المقتضي التخصيص الكتاب مردودًا كيف ما كان، لما كان لذلك التعليل وجه.

стр. 749

وعن الثاني: أن السابق إلى الفهم أن مخالفة الحديث للكتاب إنما تكون معارضة لما فهم أنه مراد من الكتاب، كما إذا قلنا: زيد يخالف عمرًا في كلامه، أي: فيما فهم عنه أنه مراده، أما إذا خالفه في ظاهر لفظه ووافق مقصوده، إنما يقال له: موافق لا مخالف، والمخصص موافق للمراد وبيان له، فلا يكون مخالفًا له، فلا يتناول هذا الحديث الخبر المخصص، سلمنا أن ظاهره يدل على ذلك، لكن يلزمكم أن لا تجوزوا تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة، فإنها على خلاف الكتاب. وعن الثالث: أن البراءة الأصلية يقينية، ثم إنا نتركها بخبر الواحد، فبطل قولكم: (المقطوع لا يترك بالمظنون). وبسط ذلك: أن البراءة الأصلية يقينية الأصل، مظنونة الاستصحاب، بمعنى أن الواحد منا يقطع بأنه ولد بريئًا من جميع الحقوق قطعًا، ثم إنه إذا كبر وصار بالغًا، لا يحصل له ذلك القطع في خصوص ذلك الزمان، بل بظنه، ولذلك يقبل في شغل ذمته الشاهدين، والشاهد واليمين، ولو كان ذلك اليقين باقيًا لما رفعناه بالأسباب المظنونة، كذلك العموم مقطوع السند مظنون الدلالة، وخبر الواحد إنما يفيد في صرف الدلالة عن الفرد المخرج، وهي ظنية، وليس لخبر الواحد اثر في السنة أصلًا، فحصل التشبيه بين البراءة والعموم في أن الخبر إنما رفع المظنون، فالمرفوع فيهما مظنون وأصلهما مقطوع. وعن الرابع: أن الفرق بينهما: أن النسخ رفع للحكم لما علم أنه كان ثابتًا فيه، والتخصيص في الأعيان إخراج لما لم يكن الحكم ثابتًا فيه ألبتة،

стр. 750

ولا شك أنه إذا علم ثبوت الحكم في شيء، ثم قصد إلى رفعه بعد، وإبطال الشرع فيه، أنه يحتاط فيه ما يحتاط لما لم يتصف بشيء من ذلك. فلذلك فرق الناس بين التخصيص والنسخ. المسألة الثانية: يجوز تخصيص السنة المتواترة وعموم الكتاب بالقياس، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأبي الحسين البصري، والأشعري، وأبي هاشم أخيرًا . ومنهم من منع منه مطلقًا، وهو قول الجبائي وأبي هاشم أولا، ومنهم من فصل، ثم ذكروا فيه وجوهًا أربعة: أولها: قول عيسى بن أبان: إن تطرق التخصيص للعموم (جاز)، وإلا فلا. وثانيها: قول الكرخي، وهو أنه إذا خص بدليل منفصل جاز، وإن خص

стр. 751

بدليل متصل منع؛ لأجل القوة والضعف الذين تقدم ذكرهما، كما تقدم تقريره. وثالثها: قول كثير من فقهائنا الشافعية كابن سريج وغيره: أنه يجوز بالقياس الجلي، دون الخفي. ثم اختلفوا في تفسير الجلي والخفي على ثلاثة أوجه: أحدها: أن الخفي قياس الشبه، والجلي قياس المعنى. وثانيها: أن الجلي هو الذي يفهم علته من لفظه، كقوله ﷺ : (لا يقضي القاضي وهو غضبان)، فإنه يفهم أن علة ذلك ومنعه من تشويش الفكر، فيتعدى ذلك الجائع، والحاقن، وكل ما يخل بالفكر. وثالثها: قول أبي سعيد الإصطخري: أن الجلي: هو الذي لو قضى

стр. 752

القاضي بخلافه نقض قضاؤه، والخفي: هو الذي لا ينقض قضاء الفاضي بخلافه. ورابعها: قول الغزالي: إن العام والقياس إن تفاوتا في إفادة الظن، رجحنا الأقوى، وإن تعادلا، توقفنا. وأما القاضي أبو بكر وإمام الحرمين فقد ذهبا إلى الوقف. وتحرير ما قاله الغزالي: أن مراتب الظنون الحاصلة من القياس متفاوتة، فالمنصوص على علته أقوى في الظن من القياس الذي استنبطت علته من أوصاف غير مذكورة، وما نص على علته بالتصريح أولى مما نصل على علته بالإيماء، وما كانت علته يشهد نوعها لنوع الحكم، أقوى مما يشهد جنسها بجنس الحكم، وما ثبتت علته بالمناسبة أقوى مما ثبتت بالدوران،

стр. 753

ونحو ذلك مما هو مذكور في باب التعارض والترجيح من الأقيسة. والعموم الذي قلت أفراده (أولى من الذي كثرت أفراده) في إفادة الظن؛ لأن تطرق احتمال المخصص إليه أقل، فإن كثرة الأنواع توجب كثرة احتمال التخصيص، والعموم الذي لا يكاد يوجد إلا مخصوصًا أضعف مما لا يوجد مخصوصًا إلا على الندرة، والعموم الذي يستعمل لفظه مجازًا في كثير من الصور، أضعف مما لم يتجوز بلفظه إلا في الندرة، وهذا عين التخصيص، فإن اللفظ قبل دخول آلة التخصيص عليه قد يستعمل مجازًا ويستعمل حقيقة لا تخصيصًا، إنما التخصيص بعد القضاء بالعموم. إذا تقرر تفاوت رتب الظنون في القياس والعموم، فقد تستوي المرتبتان في الظن، وقد ترجح إحداهما، فتصور ما قاله الغزالي في إتباع الراجح منهما على وجد، وإلا توقفنا، فإن المقصود إنما هو القضاء بالراجح، ويلزم الغزالي على هذا التوقيف الحسن أن يقول بذلك في خبر الواحد مع العموم، فإن هذه المرجحات متجهة هنالك كما هي متجهة ها هنا من جهلة غلبة المجاز على أحدهما وقلته في الآخر وكثرة الأفراد وقلتها، ونحو ذلك.

стр. 754

وهذا السؤال قد يتخيل أنه لازم للواقفة أيضًا، فيقال: لم توقفوا ها هنا ولم يتوقفوا في خبر الواحد مع العموم، لاختلاف الأحوال بينهما كما تقدم؟ غير انه غير وارد عليهم؛ لأنهم لم يسلكوا مسلك الغزالي في استقراء مراتب الظنون، بل خصصوا العموم بخبر الواحد بعمل الصحابة- رضوان الله عليهم- وقواه استفاضة ذلك بينهم، ولم يجدوا مثل ذلك الاشتهار في القياس، فتوقفوا، لتقارب المدارك، والغزالي إنما لزمه ذلك من جهة ما ذكره من التعليل، وأشار إليه في المدرك الذي لم يعرجوا هم عليه، بل توقفوا في ذلك. تنبيه: القول بالوقف يشارك التخصيص من وجه ويباينه من وجه. أما المشاركة؛ فلأن المطلوب من تخصيص العام بالقياس ترك الاحتجاج به في الذي تناوله القياس، والواقف يشاركه فيه. وأما المباينة: فهي أن القائل بالتخصيص يحكم بمقتضى القياس، والواقف لا يحكم به. واعلم أن نسبة قياس الكتاب إلى عموم الكتاب، كنسبة قياس الخبر المتواتر إلى عموم الخبر المتواتر، وكنسبة قياس خبر الواحد إلى عموم خبر الواحد، والخلاف جار في الكل، وكذا القول في قياس الخبر المتواتر بالنسبة

стр. 755

إلى عموم الكتاب وبالعكس، أما قياس خبر الواحد إذا عارضه عموم الكتاب أو السنة المتواترة، وجب أن يكون تجويزه أبعد. لنا: أن العموم والقياس دليلان متعارضان، والقياس خاص، فوجب تقديمه، أما أنهما دليلان، فبالاتفاق بيننا وبين الخصوم. وأما أنه يجب تقديم الخاص منهما؛ فلأنهما: إما أن يعمل بهما، أو يلغيا أو يقدم العام على الخاص، وهذه الأقسام الثلاثة باطلة، فيتعين الرابع وهو تقديم الخاص على العام وهو المطلوب. احتج المانعون بأمور: أحدها: أن (الحكم) المدلول عليه بالعموم معلوم، والحكم المدلول عليه بالقياس مظنون، والمعلوم راجح على المظنون. وثانيها: أن القياس فرع النص، فإن خصصنا العموم بالقياس، لقدمنا الفرع على الأصل، وإنه غير جائز. وثالثها: أن حديث معاذ دل على أنه لا يجوز الاجتهاد إلا بعد فقد ذلك الحكم في الكتاب والسنة، وذلك يمنع من تخصيص النص بالقياس.

стр. 756

ورابعها: أن الأمة مجمعة على أن من شرط القياس أن لا يرده النص، وإن كان العموم مخالفًا له فقد رده. وخامسها: أنه لو جاز التخصيص بالقياس، لجاز النسخ به، وقد تقدم تقريره. والجواب عن الأول: أن الحكم الثابت بالعموم ليس معلومًا، بل سند الكتاب والسنة المتواترة معلوم، والدلالة ظنية، فيكون الحكم الثابت به مظنونًا. ودلالة القياس قد تكون قطعية إذا كانت مقدماته كلها معلومة، فيكون الحكم الثابت به معلومًا. وعن الثاني: أن القياس فرع لنص آخر غير النص الذي عمومه مخصوص بالقياس، وحينئذ يزول السؤال. وعن الثالث: لا نسلم أن حديث معاذ دل على أنه لا يجوز الاجتهاد إلا بعد فقدان الكتاب، ولا نسلم أن عموم الكتاب إذا عارضه القياس المخصص لبعض صوره يكون الحكم ثابتًا في تلك الصورة التي يتناولها القياس بالكتاب، بل الحكم عندنا حينئذ مفقود من الكتاب، ثم إن حديث معاذ إن اقتضى أنه لا يجوز تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة أيضًا؛ لأنه كما اقتضى تأخير القياس عن الكتاب والسنة، فقد اقتضى تأخير السنة عن الكتاب، فالنسبة بينهما واحدة، ولا شك في فساد ذلك.

стр. 757

وعن الرابع: أن الذي وقع عليه الإجماع هو أن القياس لا ينسخ المتواتر. أما رده لأخبار الآحاد بجملته ذلك الخبر، ففيه خلاف عند الحنفية والمالكية وغيرهم من الفقهاء إذا تعارض قياس وخبر واحد، وإن نصًا لا ظاهرًا هل نعرض عن الخبر بالكلية، أو عن القياس بالكلية؟ خلاف. وإذا بطل الخبر الصحيح الصريح بجميع أفراده، فأولى تخصيص العموم الذي ليس فيه إلا تخصيص بعض الأفراد وإخراجها عن اللفظ؛ لأنه أسهل من الإبطال بالكلية، وليس في هذين الموطنين إجماع. وعن الخامس: ما تقدم من الفرق بين النسخ والتخصيص، من جهة أن النسخ إبطال للحكم من محل اتفقنا على أن الحكم ثابت فيه، أو علم ثبوت الحكم فيه، ورفع الشيء بعد دلالة الدليل على ثبوت الحكم فيه يقتضي الاحتياط فيه أكثر من بيان أن الحكم ليس ثابتًا فيه البتة، لسلامة المخرج حينئذ عن المعارض المقتضي لثبوت الحكم في الصورة المخرجة. فإن قلت: لما كان القياس فرعًا لنص آخر، فكل مقدمة لابد (منها في) دلالة النص على الحكم، كانت معتبرة في الجانبين، وأما المقدمات التي لابد

стр. 758

منها في دلالة القياس، فهي مختصة بجانب القياس فقط، فإذن إثبات الحكم بالقياس يتوقف على مقدمات أكثر، وإثباته بالعموم يتوقف على مقدمات أقل، فكان إثبات الحكم بالعموم أولى وأظهر من إثباته بالقياس، والأقوى (لا) يصير مرجوحًا بالأضعف. وبسطه: أن النصوص تتوقف على عصمة قائليها، وصحة سندها، وعدم إجمالها في دلالتها، ونحو ذلك من مقدمات النصوص المعتبرة فيها، وهي كلها مشتركة بين النص الذي هو أصل القياس وبين النص الذي يخصصه بالقياس. والقياس في نفسه يحتاج لكون حكمه مما يقبل التعليل، وأن أصله معلل بعلة كذا، ووجود تلك العلة في الفرع، وانتفاء الفوارق، فهذه مقدمات تختص بالقياس الذي هو أصله، فحينئذ القياس باعتبار مقدماته ومقدمات أصله يكون أكثر مقدمات من النص الذي يخصصه، فيكون أضعف منه، فيقدم (العموم) عليه. فقد أجيب عن هذا السؤال: بأن دلالة بعض العمومات على مدلوله أقوى وأقل مقدمات من دلالة عموم آخر على مدلوله. وتقريره: ما تقدم من بيان تفاوت الظنون الحاصلة من النصوص في تقرير كلام الغزالي، وحينئذ جاز أن يكون النص القليل المقدمات هو أصل

стр. 759

القياس، والكثير المقدمات هو النص المخصوص، فيكون مجموع مقدمات القياس مع أصله أقل من مقدمات النص المخصوص، فيكون القياس أرجح، فيقدم على العموم. هذا هو جواب الإمام فخر الدين، فلما فرغ منه قال: "وحينئذ يظهر أن الحق ما قاله الغزالي من النظر إلى الحاصل من الظنون الحاصلة من مقدمات القياس ومقدمات العموم. قلت: وجوابه بهذا التفصيل لا يعم جميع العمومات، فإن من العمومات ما مقدماته أكثر، فجاز أن يكون هو أصل القياس، فلا يقدم ذلك القياس على العموم الذي مقدماته أعم، فلا يصح تعميم هذه الدعوى لتخصيص العموم بالقياس مطلقًا، ويتجه حينئذ قوله الغزالي بالتفصيل؛ لأنه لا يرد عليه هذا السؤال؛ لأن الظن متى كان أقوى، كانت المقدمات مساعدة على ذلك الظن، وإلا لما كان الظن أقوى. فائدة: المحدثون والنحاة على عدم صرف "أبان" هذا، وكذلك أبان بن عثمان (ابن عفان)، وحيث وقع لا يصرفونه، ومانع صرفه خفي صعب، فإن العلمية محققة، ولكن أي شيء معها؟ وليس هو من أوزان الفعل المضارع

стр. 760

مثل: أحمد ويشكر، وتغلب، ويزيد ونحوه، فهو مشكل كثيرًا، لخروجه عن ضابط ما لا ينصرف، إلا في العملية وهي وحدها غير مانعة على الصحيح. جوابه: قال ابن يعيش في شرح المفصل: من الناس من يصرفه بناء على أن وزنه فعال، من أبان يبين. والجمهور على عدم الصرف، بناء على أن وزنه أفعل، وأصله أبين، صيغة مبالغة في الظهر الذي هو البيان والإبانة، كما تقول: هذا أبين من هذا، أي أظهر منه، فلوحظ أصله، فلم يصرف. والفرق بينه وبين الاسم إذا سمي بما لم يسم فاعله نحو: بيع وقيل، فإن أصله بيع وقيل بضم الباء والقاف- والقاعدة: أنه إذا سمي بفعل نحو ضرب المبني لما لم يسم فاعله لم ينصرف؛ لأنه من أبنية الأفعال المخصصة بها، فإذا عدل به عن أصله وقيل: بيع، وقيل ينبغي أن لا ينصرف، ملاحظة لأصله كما قلتم في أبان- قال: والفرق أن بيع صار إلى أبنية الأسماء مثل: ديك، وبير، وفيل، وأما "أبان" فهو أقل، وليس في الأسماء وزانه، فلذلك لم ينصرف.

стр. 761

والسؤال، وجوابه، والفرق، الكل حسن ينبغي أن يكون على الخاطر، لأنها فوائد لا توجد في أكثر الكتب، بل في أفرادها ونوادرها. المسألة الثالثة: قال الإمام فخر الدين- ﵀: إذا قلنا: المفهوم حجة- فلا شك أن دلالة أضعف من دلالة المنطوق، فهل يجوز تخصيص العام بها؟ مثاله: إذا ورد في إيجاب الزكاة قوله ﵊: (في كل أربعين شاة شاة)، ثم قال: (في سائمة الغنم الزكاة) وهذا مفهومه يقتضي تخصيص ذلك العام. قال: ولقائل أن يقول: إنما رجحنا الخاص على العام؛ لأن دلالة الخاص على ما تحته أقوى من دلالة العام على ذلك الخاص، والأقوى أرجح، فأما هاهنا فلا نسلم أن دلالة المفهوم على مدلوله أقوى من دلالة العام على ذلك الخاص، بل الظاهر أنه أضعف، وإذا كان كذلك كان تخصيص العام بالمفهوم ترجيحًا للأضعف على الأقوى، وهو غير جائز. قال الشيخ سيف الدين الآمدي- ﵀: لا أعرف خلافًا بين القائلين بالمفهوم والعموم، أنه يجوز تخصيص العموم بالمفهوم، كان مفهوم موافقة أو مخالفة حتى إذا قال: من دخل داري فأضربه، ثم قال: إن دخل زيد داري فلا تقل له أف، فإن ذلك يدل على تحريم ضرب زيد وإخراجه من

стр. 762

العموم بالمفهوم الموافق. قال الغزالي في المستصفى: مفهوم الموافقة كتحريم الضرب من تحريم التأفيف قاطع كالنص مخصص به، ومفهوم المخالفة عند القائلين به كالنص مخصص به، حتى إذا ورد عام في إيجاب الزكاة، ثم قال: (في سائمة الغنم الزكاة) خصص العام بالمعلوفة وبقيت السائمة، لأجل المفهوم. قلت: فهذه ظواهر كلام العلماء (فيما) يقتضي التخصيص، وأن الذي قاله الإمام فخر الدين شاذ. * * *

стр. 763

الباب الثاني والعشرون في بناء العام على الخاص قال الشيخ أبو إسحاق في اللمع: عندنا يتقدم الخاص، ويتوقف فيهما عند القاضي أبي بكر، وعند الحنفية: إن تأخر الخاص خصص العام، (وإن تقدم نسخة العام، وقال بعض أصحابنا: إن ورد الخاص بعد) العام كان نسخًا لما يتناوله من العام، بناء على أن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الخطاب، قال بعض أصحابنا كما قالت المعتزلة، وقال أصحاب أبي حنيفة: إن كان الخاص والعام متفقًا على العمل (بهما)،

стр. 764

قضي بالخاص على العام كقوله ﷺ : (في الرقة ربع العشر) مع قوله ﷺ : (ليس فيما دون خمسة أواق صدقة)، وقال أهل الظاهر: إن كانا في القرآن، قضي بالخاص على العام، أو في السنة سقطا، فهذه ستة مذاهب. قال الإمام فخر الدين- ﵀: إذا روي عن رسول الله ﷺ خبران، خاص وعام- كالمتنافيين- فإما أن يعلم تأريخهما، أو لا يعلم، فإن علم التأريخ، فإما أن يعلم مقارنتها، أو يعلم تأخر أحدهما (عن الآخر)، (فإن علمنا مقارنتهما) نحو أن يقول: في الخيل زكاة، ويقول عقيبة: ليس في الذكور من الخيل زكاة، فالحق: أن يكون الخاص مخصصًا للعام. ومنهم من قال: بل ذلك القدر من العام يصير معارضًا للخاص.

стр. 765

لنا وجوه: الأول: أن الخاص أقوى دلالة على ما يتناوله من العام، والأقوى راجح، فالخاص راجح. بيان الأول: أن العام يجوز إطلاقه من غير إرادة ذلك الخاص، (أما ذلك الخاص) فلا يجوز إطلاقه من غير إرادة ذلك الخاص، فثبت أنه قوي. قلت: ومعنى قوله: "كالمتنافيين": أن ظاهر اللفظ يقتضي التنافي، وإذا جمع بينهما، يحمل العام على مأخذ الخاص، ذهب المتنافي فلذلك قال: "كالمتنافيين"، ولم يقل: "متنافيان"، فإن التنافي ليس محققًا، لإمكان الجمع. الثاني: (أن السيد إذا قال لعبده): اشتر كل ما في السوق من اللحم، ثم قال- عقيبه-: لا تشتر لحم البقر، فهم من كلامه الأول أنه أخرج لحم البقر منه. الثالث: أن إجراء العام على عمومه إلغاء للخاص، واعتبار الخاص لا يوجب إلغاء واحد منهما، فكان ذلك أولى. قلت: فإن قلت: لم لا حملتم قوله في الزكاة على التطوع، وقوله: (لا زكاة في الذكور من الخيل) على نفي الوجوب؟ وهذا وإن كان مجازًا، لكن التخصيص أيضًا مجاز، فلم كان مجازكم أولى من مجازنا؟ قلت: افرض الكلام فيما إذا قال: أوجبت الزكاة في الخيل، ثم قال: لا أوجبها في الذكور من الخيل؛ ولأن قوله: (في الخيل زكاة) يقتضي وجوب الزكاة في الإناث، فلو حملناه على التطوع لكنا قد عدلنا باللفظ عن ظاهره في

стр. 766

الإناث، لدليل لا يتناول الإناث، وليس كذلك إذا أخرجنا الذكور من قوله: (في الخيل)؛ لأنا نكون أخرجنا من العام شيئاً لدليل يتناوله واقتضى إخراجه. قلت: وعليه مناقشة؛ لأن قوله: (في الخيل زكاة) لا يقتضي الوجوب في الإناث؛ لأنها لا تقتضي الإيجاب، بل هي أعم من الوجوب والندب؛ لأن ثبوت الزكاة فيها يصدق بالطريقتين. ثم قال: أما إذا علمنا تأخير الخاص عن العام، فإن ورد الخاص قبل حضور وقت العمل بالعام، كان ذلك بيانًا للتخصيص، ويجوز ذلك عند من يجوز تأخير بيان العام، ولا يجوز عند المانعين منهم وإن ورد الخاص بعد وقت حضور العمل بالعام، كان ذلك نسخًا وبيانًا لمراد المتكلم فيما بعد، دون ما قبل؛ لأن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة في عادة الشرع، وإن كان العقل يقتضي جوازه بناء على تجويز تكليف ما لا يطاق، لكن تكليف ما لا يطاق غير واقع، فيعتقد إذا عملنا بالعام ولم يأت بيان أن العموم مراد، فيكون الرفع بد ذلك نسخًا لما هو (مراد أو بيانًا)؛ لأن المتكلم أراد عدم الحكم فيما بعد ذلك، دون ما قبله؛ لأن الحكم الثابت قبل العموم، لا بالخصوص الناسخ. أما إذا كان العام متأخرًا عن الخاص، فعند الشافعي وأبي الحسين- رحمهما الله- أن العام مبني على الخاص، وهو المختار، وعند أبي حنيفة والقاضي عبد الجبار: أن العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم.

стр. 767

لنا وجوه: الأول: أن الخاص أقوى دلالة- على ما يتناوله- من العام، كما تقدم تقريره، والأقوى راجح. الثاني: أن إجراء العام على عمومه يوجب إلغاء الخاص، واعتبار الخاص لا يوجب إلغاء واحد منهما بالكلية، فكان أولى. احتج أبو حنيفة وأصحابه- ﵏ بأمور: أحدها: ما روي عن ابن عباس ﵄ قال: (كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث) فإذا كان العام متأخرًا، كان أحدث، فوجب الأخذ به. قلت: ويرد على هذا الوجه أن الأحدث صيغة عامة في أفراد (الأحدث)، مطلق في أحوالها ومتعلقاتها وأزمنتها وبقاعها، كما تقدم تقريره،

стр. 768

فنحمله على بعض متعلقاته وهو الأحدث من الأحكام، ودن الأدلة، والنزاع إنما هو في الأدلة، ويكون هذا تقييدًا لتلك الحالة أو المتعلق، لا تخصيصًا للعموم، ويبقى لفظ الراوي على عمومه، والأحكام هي السابقة للفهم عند هذا اللفظ، ولذلك قال العلماء: أحكام أوائل الإسلام كانت فيها الرخص كثيرة، ولما قويت عصابة الإسلام واستقرت، تجددت العزائم ناسخة لتلك الأحكام السابقة، وهو معنى الحديث. وثانيها: قالوا: لفظان تعارضا، وعلم التأريخ بينهما، فوجب تسليط الأخير على الأول، كما لو كان الأخير خاصًا. واحترزنا بقولنا: (لفظان) عن العام الذي يخصه الفعل، فإنا- هناك- سلطنا المتقدم. وثالثها: أن اللفظ العام- في تناوله الأفراد، ما دخل تحته- يجري مجرى ألفاظ خاصة، كل واحد منها (يتناول واحدًا فقط من تلك الآحاد؛ لأن قوله: (اقتلوا المشركين)، قائم مقام قوله: (اقتلوا زيدًا المشرك، اقتلوا عمرًا، اقتلوا خالدًا) ولو قال ذلك- بعد ما قال: (لا تقتلوا زيدًا) لكان الثاني ناسخًا. واحتج ابن القاص على التوقف: بأن هذين الخطابين) كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه، وأخص من وجه آخر؛ لأنه إذا قال: (لا تقتلوا اليهود)، ثم قال- بعده- (اقتلوا المشركين)، فقوله: (لا تقتلوا اليهود) أخص من قوله: (اقتلوا المشركين)، من حيث إن اليهودي أخص من المشرك (من وجه)، وأعم منه من حيث إنه دخل في المتقدم من الأوقات ما لم يدخل في

стр. 769

المتأخر، وهو ما بين ورود المتقدم والمتأخر. ظهر أن الخاص المتقدم أعم في الأزمان، وأخص في الأعيان، والعام المتأخر بالعكس، فكل واحد أعم من الآخر من وجه، وأخص من وجه، وإذا ثبت ذلك: وجب الوقف والرجوع إلى الترجيح، كما في كل خطابين هذا شأنهما. والجواب عن الأول: ما تقدم من حمله على الأحكام، أو نقول: هو قول صحابي، وفي كونه حجة خلاف، أو نقول: يحمل كلامه على ما إذا كان المتأخر هو الخاص. وعن الثاني: أن الفرق فيما ذكروه: أن الخاص أقوى من العام، فوجب تقديمه عليه؛ ولأنا لو لم نسلط الخاص المتأخر على العام المتقدم لزم إلغاء الخاص، أما لو تسلط العام المتأخر على الخاص المتقدم، لا يلزم ذلك، فظهر الفرق. وعن الثالث: بالفرق بين صيغة العموم والتنصيص على الأفراد على سبيل الخصوص: أن صيغة العموم حقيقة في العموم، وهي تدل على نوع تضمنًا، وفي التنصيص على الأنواع تدل مطابقة، لفظ التنصيص على الأفراد لا يقبل الاستثناء في كل فرد نص عليه، وفي العموم تقبله؛ ولأن اللفظ إذا كان عامًا، احتمل التنصيص، وليس كذلك إذا كان خاصًا، ولهذا لو كان قوله: (لا تقتلوا اليهود) مقارنًا لقوله: (اقتلوا المشركين) لخصه، ولو قارن المنفصل لناقضه ولم يخصه؛ لأن الخاص لا يحتمل التخصيص.

стр. 770

وأما الذي تمسك به ابن القاص فضعيف؛ لأنه فرض الخاص المتقدم نهيًا فلا جرم عم الأزمان، وفرض العام المتأخر أمرًا، فلا جرم لم يعم الأزمان، بناء على أنه ليس للتكرار، وهو- أيضًا- مما يمنع، فلا جرم صح له ما ادعاه من كون الخاص أعم من العام على هذا الوجه. أما لو فرض الخاص المتقدم أمرًا والعام المتأخر نهيًا، فإنه حينئذ لا يستقيم كلامه؛ لأن الخاص المتقدم، لا شك أنه خاص في الأعيان، وهو أيضًا خاص في الأزمان، بناء على أن الأمر لا يفيد التكرار. وأما العام المتأخر إذا فرضناه نهيا، كان أعم من المتقدم في الأعيان بالاتفاق، وفي الأزمان أيضًا؛ لأن الأمر لا يتناول كل الأزمان، بل زمانا واحدًا، فها هنا المتأخر أعم من المتقدم من كل الوجوه، فبطل ما قاله. ثم تحته مشى على أن النهي- أيضًا- يقتضي التكرار، فيتناول الأزمنة من حين وروده إلى آخر الدهر، والأمر- وإن سلمنا أنه للتكرار- فإنما يتناول من حين وروده إلى آخر المستقبل، فيفصل النهي السنة الكائنة قبل ورود الأمر. ثم إذا سلم له أن كل واحد منهما أعم وأخص من وجه، لا يلزم التوقف أيضًا؛ لأن عموم المشركين في الأشخاص وعموم النهي الخاص في الأزمان، ودلالة الشخص على الأشخاص ليس من الأزمنة، والزمان أبعد منها، والمقصود المهم إنما هو الأشخاص ودلالة الخاص على أفراده أقوى، فوجب ترجيحه. ثم ينبغي له أن لا يتوقف إلا في الأفراد التي يتناولها الخاص من العام، أما ما عداها فسالم عن معارضة هذه الشبهة، فلا يليق إطلاق القول بالتوقف مطلقًا.

стр. 771

فائدة: يقع في (بعض) نسخ الأصول، ابن العاص، بالعين المهملة، وهو تصحيف، وإنما هو القاص بالقاف والصاد المهملة، اسمه: أحمد، واشتهر بأبي العباس، من الفقهاء الشافعية، وهو: أبو العباس (بن أبي) أحمد، المعروف بابن القاص الطبري، صاحب أبي العباس ب سريج، مات سنة خمس وثلاثمائة، وله مصنفات كثيرة: (المفتاح)، و (أدب القضاة)، و (المواقيت)، و (التلخيص)، وفيه يقول الشاعر: عقم النساء فلم يلدن شبيهه *** إن النساء بمثله عقم وعنه أخذ أهل طبرستان، ذكره أبو إسحاق في طبقات الفقهاء وتصحف (بابن الفارض) بالفاء واحدة من فوقها، والراء المهملة. و"بالعارض" بالعين، وإنما هو القاص بالقاف والصاد المهملة.

стр. 772

وأما إذا (لم يعلم) التأريخ، فعند الشافعي- ﵁ إنما الخاص منهما يخص العام. وعند أبي حنيفة- ﵁ يتوقف فيهما، ويرجع إلى غيرهما، أو إلى ما يرجع أحدهما على الآخر، وهذا هو مقتضى أصله؛ لأن الخاص دائر ين أن يكون منسوخًا، أو مخصصًا، وناسخًا مقبولًا، وناسخًا مردودًا، وعند حصول التردد يجب التوقف؛ لأن الخاص يحتمل عند الجهل بالتأريخ أن يكون متقدمًا، فيكون منسوخًا عنده بالعام المتأخر، فمقتضى قاعدته. وإن كان متأخرًا وورد قبل العمل بالعام، كان مخصصًا، أو بعد العمل فيكون ناسخًا مقبولًا، إن كان مساويًا له أو أقوى منه من جهة السند، فإن المتقدم إن كان متواترًا لا ننسخه بالآحاد المتأخر، وإن كان متواترًا نسخ العام المتقدم في الأفراد التي يتناولها الخاص، فلم (تعارضت الاحتمالات) وجب التوقف على قاعدته. واحتج أصحابنا على مذهبهم بوجهين: أحدهما: أنه ليس للخاص مع العام إلا أن يقارنه، أو يتقدمه، أو يتأخر عنه، وقد ثبت تخصيص العام بالخاص على التقديرات الثلاثة، فعند الجهل بالتأريخ يكون الحكم أيضًا كذلك، وهذا الوجه الضعيف، بسبب أن الخاص المتأخر عن العام- إن ورد قبل حضور وقت العمل بالعام، كان تخصيصًا، وإن ورد بعده كان ناسخًا.

стр. 773

وعلى هذا يقول: إن كان العام والخاص مقطوعين، أو مظنونين، أو العام مظنونًا والخاص مقطوعًا-: وجب ترجيح الخاص على العام؛ لأن الخاص دائر ين أن يكون ناسخًا، أو مخصصًا. وعلى التقديرين: فالخاص مقدم في هذه الصورة. وأما إذا كان العام مقطوعًا، والخاص مظنونًا- فبتقدير أن يكون الخاص مخصصًا- وجب العمل به؛ (لأن تخصيص الكتاب بخبر الواحد حائز، لكن بتقدير أن يكون ناسخًا، لا يجب العمل به)؛ لأن نسخ الكتاب بخبر الواحد لا يجوز. والحاصل: أن الخاص دائر بين أن يكون مخصصًا، وبين أن يكون ناسخًا مقبولًا، (أو ناسخًا مردودًا، وإذا كان كذلك، لم يجب تقديم الخاص على العام مطلقًا، بل يفصل في النصوص، ويقال: هل هما حالة النطق مقطوعين، أو مظنونين، أو أحدهما؟ وتخرج أحكامها على هذه القواعد المتقدمة، ولا يجزم بالتقديم مطلقًا، بل يقدم العام المقطوع على الخاص المظنون؛ لاحتمال تأخره عن وقت العمل بالعام، ويقدم الخاص المقطوع على العام المظنون السند؛ لأن أسوأ حالة أن يكون ناسخًا، وهو يصلح لذلك. وثانيهما: قالوا: العموم يخص بالقياس مطلقًا؛ فلأن يخص بخبر الواحد أولى.

стр. 774

وهذا الوجه- أيضًا- ضعيف؛ لأن القياس يقتضي أصلا يقاس عليه- فذلك الأصل إن كان متقدمًا على العام، لم يجز القياس عليه عند أبي حنيفة؛ لأنه خاص متقدم على عام، فيكون منسوخًا بالعام على قاعدته، والقياس على المنسوخ باطل. فكذلك إذا جهل تقدمه وتأخره، لا يجوز القياس عليه؛ لأنه دائر عنده بين أن يكون منسوخًا، فيبطل القياس، أو لا، فيصلح القياس، والدائر بين الصحيح والباطل باطل. ولأبي حنيفة- ﵀ أن يمنع هذه الطريقة التي للأصحاب على أصله، فلا يستقيم تمسك الأصحاب بها. قال الإمام فخر الدين: إن فقهاء الأمصار- في هذه الأعصار- لم يزالوا يخصصون أعم الخبرين بأخصهما، مع فقد علمهم بالتأريخ، مع أن ابن عمر لم يخص قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾، بقوله ﷺ : (لا تحرم

стр. 775

الرضعة والرضعتان﴾، وعنه أيضًا لما سئل عن نكاح النصرانية حرمه محتجًا بقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾، وجعل العام رافعًا لقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾ مع خصوصه. ويمكن الجواب عنه (من وجهين): أحدهما: أنا (لا) ندعي الإجماع إلا بعده في الأعصار المتأخرة، ولا تنافي بين تقدم الخلاف وتأخر الإجماع. وثانيهما: أن القاعدة المتقدمة (أن العام في الأشخاص، مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع والمتعلقات)، ومن جملة الأحوال: خمس رضعات، والرضعة
следующие страницы →