تفرغ قوم للجدال وأغفلوا ... طريق التقى حتى غلا المتهور
وقاسوا بآراءٍ ضعافٍ وفرطوا ... ورأى الذي لا يتبع الحق أبتر
جزى اللَّه رب الناس عنا ابن حنبل ... وصاحبه خيرًا إذا الناس أحضروا
سميُّ نبي اللَّه أعني محمدًا ... فقل في ابن نوح والمقالةُ تقصر
سقى اللَّه قبرًا حله ما ثوى به ... من الغيث وسميا يروح ويبكر
هما صبرا للحق عند امتحانهم ... وقاما بنصر اللَّه والسيف يقطر
وأربعة جاءُوا من الشام سادة ... عليهم كبول بالحديد تسمر
دُعُوا فأبوا إلا اعتصاما بدينهم ... فأجلوا عن الأهلين طرًّا وسيروا
إلى البلد المشحون من كل فتنة ... وفي السجن كالسراق ألقوا وصيروا
فما زادهم إلا هدى وتمسكا ... بدينهم واللَّه بالخلق أبصر
إذا مُيِّز الأشياخُ يومًا وحُصِّلوا ... فأحمدُ من بين المشايخ جَوْهَرُ
رقيقٌ أدِيمُ الوجه حُلْوٌ مهذَّبُ ... إلى كل ذي تقوى وقورٌ موقَّرُ
أبيٌّ إذا ما خاف ضيمٌ مؤمَّر ... ومُرٌّ إذا ما خاشَنُوه مُذَكِّرُ
لعمرك ما يهوى لأحمد نكبةً ... من الناس إلا ناقص العقل مُعْوِرُ
هو المحنةُ اليومَ الذي يُبْتَلَى به ... فيعتبر السُّنِّيُّ فينا ويُسْبَرُ
شَجًى في حلوق الملحدين وقرة ... لأعين أهل النسك عفٌّ مشمِّر
فقا أعين المراق فعلُ ابن حنبل ... وأخرس من يبغي العيوب ويحقر
جرى سابقًا في حلْبة الصدق والتقى ... كما سبق الطّرْف الجَوَادُ المضَمَّرُ
وَبلَّد عَنْ إدراكه كلّ كَوْدَنٍ ... قَطُوف إذا ما حاول السبق يعثر
إذا افتخر الأقوامُ يومًا بسيِّد ... ففيه لنا -والحمد للَّه- مفخَرُ
فقل للأُلى يَشْنَوْنَه لصلاحه ... وصحته واللَّه بالعذر يعذِر
جُعِلتم فداءً أجمعين لنعله ... فإنكم منها أذل وأحقر
стр. 422
أريحانَةَ القُرّاء تَبْغُون عَثْرَةً ... وكلكم من جيفة الكلب أقذر
فيا أيها الساعي ليُدِركَ شأوَه ... رويدك عن إدراكه ستقصِّر
تمسك بالعلم الذي كان قَدْ وَعَى ... ولم يُلْهِهِ عنه الخَبِيصُ المزَعْفَرُ
ولا بغلة هِمْلاَجَة مغربية ... ولا حُلَّة تُطْوى مرارًا وتُنْشَرُ
ولا منزل بالساج والكِلسِ متقن ... ينقَّش فيه جِصُّه ويصوّرُ
ولا أمة بَرّاقةُ الجِيدِ بضَّةٌ ... بمنطقها تُصْبِي الحليم وتَسْحَر
حَمى نفسه الدنيا وقد سَنَحَت له ... فمنزلُه إلا من القُوتِ مُقْفِرُ
فإن يك في الدنيا مُقِلاًّ فإنه ... من الأدب المحمود والعلم مُكْثِرُ
وقل للألئ حادُوا معًا عن طريقه ... ولم يمكثوا حتى أجابوا وغيروا
فلا تأمنوا عُقْبَى الذي قد أتيتُمُ ... فإن الذي جئتم ضلال مزوَّر
فيا علماء السوءِ أين عقولكم ... وأين الحديث المسند المتحبر
ألا إنني أرجو النجاة ببعضكم ... وكل امريءٍ يشني الضلال يؤجر
تأسى بكم قوم كثير فأصبحوا ... لكم ولهم في كل مصر معيِّر
ويا تسعة كانوا كتسعة صالح ... نبي الهدى إذ ناقة اللهِ تعقر
نكصتم على الأعقاب حين امتحنتم ... ولم يكُ فيكمُ لذلك منكر
كتبتم بأيديكم حتوف نفوسكم ... فيا سوءتا مما يخط المقدر
وأشمتم أعداء دين محمد ... ولم تضرب الأعناق منكم وتنشر
فسبحان من يُعصى فيعفو ويغفر ... ويظهر إحسان المسيء ويستر
"المناقب" ص ٥١٧ - ٥٢٠، "المحنة" ص ٢٠٣ - ٢٠٨، "الجوهر المحصل" ص ١٤٨، "المنهج الأحمد" ١/ ١٢٥
قال إبراهيم بن إسحاق الغَسِيلي: أنشدني الهيضم بن أحمد لأبيه يرثي أحمد بن حنبل:
يا ناعيَ العلم بيوم أحمدا ... نعيت بحرًا كان يجري مُزبدَا
ومكرمات وتقى وسؤددا ... صلابة في دينه تجردا
стр. 423
إذا غدا قلت الربيع قد غدا ... يا أحمد الخير الذي تحمَّدا
أشبهت سفيان الذي تعبَّدا ... ومسعرًا دانيته ومعضدا
أشبهتهم قناعة ومهتدى ... وعفة بنتَ بها ومقتدى
وكنت في هذا وذاك أوحدا ... سُميتَ في هذا وذاك المفردا
قد زلزلت أرض العراق كمدا ... والشام حزنا والحجاز أرعدا
يا أحمد بن حنبل لا تبعدا ... شيَّدت للدين بناء مرفدا
إذ كنت في الدِّين له مشيدا ... ولم ترد قصرًا بها ممردا
ولا حصانا كالعقاب أجردا ... ولا إماء كالسعالى نُهَّدا
ألبسن ريطا وحلين عسجدا ... فقمن يشبهن غصونا ميدا
إن المنيات توافي الموعدا ... تنزل بالنازل دنياه الردى
وحظه منها الذي تزوَّدا
قال: وأنشدني الهيضم لأبيه:
لتبك عيون مسبلات بوبلها ... على زينة الدنيا وعالم ألها
قليل عليه فاستقلا بكاكما ... على مستقل بالخطوب مقلها
إمام لأهل العلم تفري مطيهم ... إليه الفلا بين السديس وبزلها
فبان بيوم كان مقدار يومه ... وصار إلى دار البلى ومحلها
فتلك المطايا قد أُرحْنَ من السَّرى ... ومِن شدَّ اتساع الرحال وحلها
لمهلك ثاو كان مأوى رحالهم ... إذا ما أنيخت كل عيس برحلها
ليرو رميم تحت ردم من الثرى ... تصوب عليه البارقات بهطلها
ستحدث أحداث يقال لمثلها ... ألا مثله في مثلها عند مثلها
قال: وأنشدني الهيضم لأبيه:
للزاهدين مع الدموع دموعُ ... والعابدين لهم عليك خشوعُ
يبكون فقدك والجفون شفاؤها ... هَمَلاَنُها ورقادها ممنوعُ
стр. 424
يا أحمد الحبر الذي وارى الثرى ... وبه الشتات من الجميع جميعُ
أروى محلتَكَ السماءُ وجادها ... دِيَمُ الخريف وصَيِّفٌ وربيعُ
"المناقب" لابن الجوزي ص ٥٢٠ - ٥٢٢، "الجوهر المحصل" ص ١٤٩، "المنهج الأحمد" ١/ ١٢٦
قال أحمد بن المبارك: سمعت علي بن حجر يقول -ونعى إليه أحمد بن حنبل رجل يقال له إبراهيم- فقال علي بن حجر:
نعى لي إبراهيم أورع عالم ... سمعت به من معدم ومُخَوَّل
إماما على قصد السبيل وسنة ... النبي أمين اللَّه آخر مرسل
فقلت وفاض الدمع مني بأربع ... على النحر فيضا كالجمان المفصل
سلام عديد القطر والنجم والثرى ... على أحمد البر التقي ابن حنبل
ألا فتأهب للمنايا فإنما الـ ... ـبقاء قليل بعده لك أيْ علي
"المناقب" لابن الجوزي ص ٥٢٢
قال عبد السلام بن علي: أنشدنا أبو مُزاحم الخاقاني:
جزى اللَّه ابن حنبل التقيَّا ... عن الإسلام إحسانًا هنيَّا
فقد أعطاه إذ صبر احتسابا ... على الأسواط إيمانا قويَّا
هو الورع الذي امتحنوه قدما ... فألفوه عليما لا غبيا
وجاءَ بصادق الآثار حتى أقام ... بذلك الدِّين الرضيا
حبا المتوكل السني بدْءًا ... وعودًا أحمد المال السنيا
فآثر أحمد الإقلال زهدا ... على الدنيا وكان بها سخيا
فأحمد جامع ورعا وزهدا ... وعلمًا نافعًا حبرا تقيا
وأحمد كان للفتوى إماما ... رضًا للمسلمين معًا وقيَّا
وأحمد محنة للناس طرا ... نَمِيز به المعوج والسويا
"المناقب" لابن الجوزي ص ٥٢٣، "الجوهر المحصل" ص ١٤٩
قال عبد السلام بن علي: أنشدنا أبو مُزاحم الخاقاني:
стр. 425
لقد صار في الآفاق أحمد محنة ... وأمر الورى فيها فليس بمُشْكلِ
ترى ذا الهوى جهلا لأحمد مُبغضا ... وتعرف ذا التقوى بحُبِّ ابن حنبل
"المناقب" لابن الجوزي ص ٥٢٣، "المنهج الأحمد" ١/ ١٢٦
قال أبو بكر محمد بن هارون بن حميد المُجَدَّر: لما دفنا أحمد بن حنبل
نشدنا ابن الخبازة فيه:
ومن أَفْضَت الدنيا إليه فعافَهَا ... وقال: هبلتِ، الدينُ أنبل متكلي
ومن رام إبليسُ استمالةَ قلبه ... فألفاه كالقِدْح الذي لم يُمَيَّل
ومن لم يزل في سنة اللَّه صابرًا ... على الضرب والأنكال والسجن مُذْ بُلي
كأني أرى الجلاد يثني سياطه ... على بدن بالٍ من الصوم مُنْحَل
وأعضاؤه تجري الدماء كأنها ... عيون إذا ما الصوت منكبه عَلي
وقد وهنت من شدة الضرب نفسه ... وحسَّ دَبِيبَ الموت في كل مَفْصِل
وقال له الجهال يا مُبْتَلَى أجِبْ ... فإنك إن تأب الإجابة تقتل
فقال على البرّ الرحيم توكلي ... أعوذ بربي من مقالة مبطل
ويا مَنْ يُعَافِي من يشاءُ ويبتلي ... أغثني بصبر منك غير مؤجَّل
وإن كنت في ذا الحال قدَّرْتَ مِيتَتي ... أَمِتْني سليمَ الدِّين غيرَ مبدِّل
فما حَجَبَ البرُّ الرحيم سؤالَه ... لقد خصَّه منه بصبرٍ معجل
فعاش حميدًا ثم مات مفردا ... به أحدٌ من دهره لم يمثل
فبُورك مولودًا وبورك ناشئًا ... وبورك كهلًا من أمينٍ معَدَّل
وبُورك مقبوضا وبورك ملحدًا ... وبورك مبعوثا إلى خير منزل
أرجِّي له الحسنى بإظهاره التُّقَى ... وما يشَإِ العلامُ بالسر يفعل
وبَعْدُ فإنَّ السنة اليوم أصبحَتْ ... معززة حتى كأن لم تذلل
تصول وتسطو إذا أقيم منارها ... وحُطَّ مَنار الإفك والزودر من عَل
وولى أخو الإبداع في الدِّين هاربا ... إلى النار يهوى مدبرًا غير مقبلِ
стр. 426
شَفَى اللَّه منه بالخليفة جعفر ... خليفتنا ذي السنة المتوكل
وجامع أهل الدّين بعد تشتُّت ... وفارى رءُوسَ المارقين بمقصَل
أطال لنا ربُّ العباد بقاءه ... سليما من الأهواء غيرَ مبدِّل
وبوأه بالنصر للدين جنةً ... يجاور في روضاتها خيرَ مُرسَل
"المناقب" لابن الجوزي ص ٥٢٣ - ٥٢٥، "المنهج الأحمد" ١/ ١٢٣
قال محمد بن ناصر: أنشدنا جعفر بن أحمد السراج لنفسه في الإمام أحمد:
سقى اللَّه قبرًا فيه ابن حنبلٍ ... من الغيث وَسْمِيًّا على إِثرِهِ ولي
على أن دمعي فيه ريُّ عظامه ... إذا فاض، ما لم يَبْلَ منها وما بَلِي
فللَّهِ ربّ الناس مذهب أحمد ... فإنَّ عليه ما حَيِيتُ مُعَوَّلي
دَعَوْه إلى خَلْق القُرَان كما دَعَوْا ... سواه فلم يَسْمَعْ ولم يتأَوَّلِ
ولا رده ضربُ السياط وسَجْنُه ... عن السنة الغراءِ والمذهب الجَلِي
ولما يزدهم والسياطُ تَنُوشُه ... فشَلَّتْ يمينُ الضارب المتبتل
على قوله: القرآن -وليشهد الورى- ... كلامُك يا رب الورى كيفما تُلي
فمن مُبْلِّغ أصحابَه أنني به ... أفاخر أهل العلم في كل محفل
وألقى به الزهادَ كلَّ مطلِّقٍ ... من الخوف دنياه طلاقَ التبتُّلِ
مناقبه إن لم تكن عالمًا بها ... فكشف طروس القوم عنهن واسأَل
لقد عاش في الدنيا حميدًا موفقًا ... وصار إلى الأُخرى إلى خير منزل
وإني لراجٍ أن يكون شفيعَ مَنْ ... تولاه من شيخ ومن مُتَكَهَّلِ
ومن حَدَثٍ قد نَوَّرَ اللَّه قلبَه ... إذا سألوا عن أصله قال: حَنْبَلِي
"المناقب" لابن الجوزي ص ٥٢٥، "المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٢٠٨، "المنهج الأحمد" ١/ ١٢٣
قال عبد الملك بن أبي القاسم الكَرُوخِي: أنشدنا أبو إسماعيل عبد اللَّه بن محمد الأنصاري في مدح أحمد بن حنبل:
стр. 427
وإمامِي القوَّامُ للَّه الذي ... دَفَنُوا حميدَ الشأن في بَغْدَانَ
جَمَعَ التُّقَى والزهد في دنياهم ... والعلم بعد طهارة الأردانِ
خَصِمُ النبي وصَيْرَفيُّ حديثه ... ومفلِّق أعرافها بمعانِ
حَبْرُ العراق، ومحنةٌ لذوي الهوى ... يدري ببغضته ذَوُو الأضغانِ
عَرَفَ الهدى فاجتاب ثوبي نُصْرة ... وسخا بمهجت على عِرْفان
عُرضَتْ له الدنيا فأعرض سالمًا ... عنها كفعل الراهب الخُمْصانِ
هانت عليه نفسُه في دينه ... ففدى الإمامُ الدينَ بالجثمان
للَّه ما لَقِيَ ابن حنبل صابرًا ... عزمًا وينصره بلا أعوانِ
أنا حنبليٌّ ما حييتُ فإن أَمُتْ ... فوصيتي ذا كم إلى إخوانِي
"المناقب" لابن الجوزي ص ٥٢٦
قال يحيى بن محمد العنبري: أنشدنا أبو عبد اللَّه البوسندي في أحمد بن حنبل:
إنَّ ابن حنبلَ إن سألتَ إمامُنَا ... وبه الأئمةُ في الأنامِ تمسَّكوا
حَذْوَ الشراكِ على الشراكِ وإنَّما ... يحذو المثالَ مثالُهُ المستمسكُ
خلف النبيَّ محمدًا بعدَ الأُلي ... خَلَفوا الخلائفَ بعدهُ واستهلكوا
"البداية والنهاية" ١٠/ ٧٨٧
قال جمال الدين الصرصري:
ألذُّ وأحلى من شَمُولٍ وشمألِ ... وأليقُ من ذكرى حبيبٍ ومنزل
وأطيبُ من مِسْكٍ تَضَوَّعَ نَشْرُه ... ونَدَّ وكافورٍ ومن عَرْفِ مَنْدِل
وَأحسنُ من روضٍ تفتَّقَ نَوْرُه ... على حَافتي ماءِ الغديرِ المُسَلسَل
ثناءٌ على الرحمنِ من نثرِ ناظمٍ ... مجيدٍ على عِقدِ الإمام ابن حنبل
حَوى أَلْفَ أَلْفٍ مِنْ أَحَادِيثَ أُسْنِدَتْ ... وَأَثْبَتَهَا حِفْظًا بِقَلْبٍ مُحَصّلِ
أَجَابَ عَلَى سِتِّينَ أَلْفَ قَضِيَّةٍ ... بِأَخْبَرِنَا لا مِنْ صَحَائِفِ نُقَّلِ
٢٣ - باب في تمسكه بالسنة والأثر
قال محمد بن هارون المخرمي: إذا رأيت الرجل يقع في أحمد بن حنبل فاعلم أنه مبتدع.
"الجرح والتعديل" ١/ ٣٠٨، "تاريخ دمشق" ٥/ ٢٩٤، "تهذيب الكمال" ١/ ٤٥٧
قال أحمد بن إبراهيم الدورقي: من سمعتموه يذكر أحمد بن حنبل بسوء فاتهموه على الإسلام.
"تاريخ بغداد" ٤/ ٤٢٠، "طبقات الحنابلة" ١/ ٤٠، "تاريخ دمشق" ٥/ ٣٢١، "المناقب" ص ٥٩٦، "المحنة" ص ١٥٦، "تهذيب الكمال" ١/ ٤٥٧، "المنهج الأحمد" ١/ ٩٣
قال أبو الحسن الطرخاباذي الهمداني: أحمد بن حنبل محنة به يعرف المسلم من الزنديق.
"تاريخ بغداد" ٤/ ٤٢٠، "تاريخ دمشق" ٥/ ٣٢٢، "المحنة" ص ١٥٠، "تهذيب الكمال" ١/ ٤٥٧
قال قتيبة بن سعيد: أحمد بن حنبل إمامنا، من لم يرض به فهو مبتدع.
"طبقات الحنابلة" ١/ ٣٢، "المنهج الأحمد" ١/ ٨٢
قال أبو داود: قلت لأبي عبد اللَّه: أرى رجلًا من السنة مع رجل من أهل البدع، أَترك كلامه؟ قال: لا، أو تُعْلِمه أن الذي رأيته معه صاحب بدعة، فإن ترك كلامه، وإلا فألحقه به. قال ابن مسعود: المرء بخدنه (١).
"طبقات الحنابلة" ١/ ٤٢٩، "المناقب" لابن الجوزي ص ٢٣٦
قال سفيان بن وكيع: أحمد عندنا محنة، من عاب أحمد عندنا فهو فاسق.
"تاريخ دمشق" ٥/ ٣٢٢، "المحنة" ص ١٥٧، "طبقات الشافعية" ٢/ ٣٣
قال الحسن بن أيوب البغدادي: قيل لأبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل: أحياك اللَّه يا أبا عبد اللَّه على الإسلام. قال: والسنة.
"تاريخ دمشق" ٥/ ٣٢٣، "المناقب" لابن الجوزي ص ٢٢٩
стр. 430
قال عبد اللَّه: سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم يوم الجنائز (١).
"تاريخ دمشق" ٥/ ٣٣٢، "المناقب" ص ٥٠٥، "تهذيب الكمال" ١/ ٤٦٧، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٣٤٠، "الوافي بالوفيات" ٦/ ٣٦٨، "البداية والنهاية" ١٠/ ٧٩٣
قال أبو الحسين بن المنادي: استأذن أحمد زوجته في أن يتسرى طلبا للاتباع فأذنت له، فاشترى جارية بثمن يسير وسماها ريحانة؛ استنانا برسول اللَّه ﷺ .
"المناقب" لابن الجوزي ص ٢٢٩
قال الميموني: ما رأَت عيني أفضل من أحمد بن حنبل، وما رأيت أحدًا من المحدثين أشد تعظيما لحرمات اللَّه وسنة نبيه ﷺ إذا صحت عنده ولا أشد اتباعا منه.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٢٢٩، "المنهج الأحمد" ١/ ٩٣
قال الميموني: قال لي أحمد بن حنبل: يا أبا الحسن، إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٢٣١، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٩٦
قال عبد الرحمن الطبيب: اعتل أحمد بن حنبل وبشر بن الحارث، فكنت أدخل على بشر فأقول: كيف تجدك؟ فيحمد اللَّه ثم يخبرني فيقول: أحمد اللَّه إليك أجد كذا وكذا. وأدخل على أبي عبد اللَّه أحمد ابن حنبل فأقول: كيف تجدك يا أبا عبد اللَّه؟
فيقول: بخير، فقلت له يوما: إن أخاك بشرا عليل وأسأله عن حاله فيبدأ
стр. 431
بحمد اللَّه ثم يخبرني، فقال لي: سله عمن أخذ هذا؟
فقلت له: إني أهاب أن أسأله.
فقال: قل له: قال لك أخوك أبو عبد اللَّه: عمن أخذت هذا؟
قال: دخلت إليه فعرفته ما قال، فقال لي: أبو عبد اللَّه لا يريد الشيء إلا بإسناده، عن ابن عَون، عن ابن سيرين: إذا حمد اللَّه العبد قبل الشكوى لم تكن شكوى، وإنما أقول لك: أجد كذا؛ أعرّف قدرة اللَّه فيَّ. قال: فخرجت من عنده فمضيت إلى أبي عبد اللَّه فعرفته ما قال، فكنت بعد ذلك إذا دخلت إليه يقول: أحمد اللَّه إليك، ثم يذكر ما يجده.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٢٣١
قال المروذي: قال لي أحمد: ما كتبت حديثا عن النبي ﷺ إلا وقد عملت به، حتى مر بي في الحديث أن النبي ﷺ احتجم وأعطى أبا طيبة دينارًا، فأعطيت الحجام دينارًا حين احتجمت.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٢٣٢، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢١٣، ٢٩٦
قال أبو يعقوب إسحاق بن حبَّة الأعمش: سمعت أحمد بن حنبل سئل عن الوساوس والخطرات؛ فقال: ما تكلم فيها الصحابة ولا التابعون.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٢٣٢
قال المروذي: قلت لأبي عبد اللَّه: من مات على الإسلام والسُّنَّة مات على خير؟ فقال لي: اسكت، من مات على الإسلام والسُّنَّة مات على الخير كله.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٢٣٤، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٩٦
قال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: من رد حديث رسول اللَّه ﷺ فهو على شفا هلكة.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٢٣٥، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٩٧
قال الحسن بن ثواب: قال لي أحمد بن حنبل: ما أعلم الناس في زمان أحوج منهم إلى طلب الحديث من هذا الزمان، قلت: ولم؟
قال: ظهرت بدع، فمن لم يكن عنده حديث وقع فيها.
"المناقب" ص ٢٣٧
стр. 432
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي قال: قبور أهل السنة من الفسَّاق روضة من رياض الجنة، وقبور أهل البدع من الزهاد حفرة من حفر النَّار.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٢٣٩
قال علي بن عبد الصمد الطيالسي: مسحت يدي على أحمد بن حنبل، ثم مسحت يدي على بدني وهو ينظر، فغضب غضبًا شديدًا، وجعل ينفض يده ويقول: عمن أخذتم هذا؟ وأنكره إنكارًا شديدًا.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٣٤٦، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٢٥
قال ابن أبي دؤاد: ما رأيت أحدًا أشد قلبًا من هذا، يعني: أحمد، جعلنا نكلمه، وجعل الخليفة يكلمه، يسميه مرة ويكنيه مرة، وهو يقول: يا أمير المؤمنين، أوجدني شيئًا من كتاب اللَّه أو سنة رسوله ﷺ حتى أجيبك إليه.
"والمحنة" لعبد الغني المقدسي ص ١٠٦، "سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٩٥
قال أحمد بن شهاب الإسفراييني: سمعت أحمد بن حنبل، وسئل عمن نكتب في طريقنا؟ فقال: عليكم بهناد، وبسفيان بن وكيع، وبمكة ابن أبي عمر، وإياكم أن تكتبوا -يعني: عن أحد من أصحاب الأهواء، قليلا ولا كثيرا، عليكم بأصحاب الآثار والسنن.
"سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٣١
قال عبد اللَّه: كتب إلي الفتح بن شخرف أنه سمع موسى بن حزام الترمذي يقول: كنت أختلف إلى أبي سليمان الجوزجاني في كتب محمد، فاستقبلني أحمد بن حنبل، فقال: إلى أين؟ قلت: إلى أبي سليمان.
فقال: العجب منكم! تركتم إلى النبي ﷺ : يزيد، عن حميد، عن أنس، وأقبلتم على ثلاثة إلى أبي حنيفة ﵀: أبو سليمان، عن محمد، عن أبي يوسف، عنه!
قال: فانحدرت إلى يزيد بن هارون.
"سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٣١
стр. 433
باب في المحنة
٢٤ - فصل ابتداء المحنة مع المأمون
قال العجلي: دخلت على أحمد بن حنبل و [محمد بن نوح] (١) وهما محبوسان بصور، فسألت محمد بن نوح كيف كان تقييده -يعني: أحمد، وأحمد قريب منا يسمع؟
قال: لما امتحن أحمد جمع له كل جهمي ببغداد، فقال بعضهم: إنه مُشَبِّه. وقال إسحاق بن إبراهيم والي بغداد: أليس تقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ قال: بلى ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
قالوا: شَبَّه. قال: أي شيء أردت بهذا؟
قال: ما أردت به شيئًا، قلت كما قال القرآن.
فسألوه عن حديث جامع بن شداد: "وكتب في الذكر" (٢) قال: كان محمد بن عبيد يخطئ فيه، قال: إن كان محمد بن عبيد يقول: "وخلق في الذكر" (٣) ثم تركه.
وسألوه عن حديث مجاهد: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، وحديث آخر عن مجاهد (٤).
стр. 434
قال: قد اختلط بأخرة.
قال له إسحاق بن إبراهيم: أليس زعمت أنك لا تحسن الكلام! أراك قائما بحجتك، فطرح القيد في رجله (١).
"معرفة الثقات" ١/ ١٩٥ - ١٩٧
قال صالح: سمعت أبي يقول: لما أدخلنا على إسحاق بن إبراهيم للمحنة، فقرئ عليه كتاب الذي كان إلى طرسوس، فكان فيما قرئ علينا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فقال أبي: فقلت: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فقال بعض من حضر: سله ما أراد بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾؟
قال أبي: فقلت: هو كما قال ﵎.
قال صالح: ثم امتحن القوم، فوجه بمن امتنع إلى الحبس، فأجاب القوم جميعا غير أربعة: أبي ﵀، ومحمد بن نوح، وعبيد اللَّه بن عمر القواريري، والحسن بن حماد سجادة. ثم أجاب عبيد اللَّه بن عمر، والحسن بن حماد، وبقي أبي، ومحمد بن نوح في الحبس، فمكثا أيامًا في الحبس، ثم ورد كتاب من طرسوس بحملهما، فحمل أبي ومحمد ابن نوح -رحمة اللَّه عليهما- مقيدين زميلين. أخرجا من بغداد فصرنا معهما إلى الأنبار.
فسأل أبو بكر الأحول أبي، فقال له: يا أبا عبد اللَّه، إن عرضت على السيف تجيب؟ فقال: لا
стр. 435
قال أبي: فانطلق بنا حتى دخلنا في الرحبة، فلما دخلنا منها وذلك في جوف الليل، وخرجنا من الرحبة عرض لنا رجل فقال: أيكم أحمد بن حنبل؟
فقيل له: هذا، فسلم على أبي ثم قال: يا هذا، ما عليك أن تقتل هاهنا، وتدخل الجنة هاهنا: ثم سلم وانصرف.
فقلت: من هذا؟ فقيل: هذا رجل من ربيعة العرب، يعمل الشعر في البادية، يقال له: جابر بن عامر.
فلما صرنا إلى أذنة، ورحلنا منها، وذلك في جوف الليل، فتح لنا بابها، لقينا رجل ونحن خارجون من الباب وهو داخل فقال: البشرى فقد مات الرجل، قال أبي: وكنت أدعو اللَّه أني لا أراه.
قال صالح: فصار أبي ومحمد بن نوح إلى طرسوس، وجاء نعي المأمون في البذَنْدُون، فردا في أقيادهما إلى الرقة، وأخرجا من الرقة في سفينة مع قوم محبسين، فلما صارا بعانة، توفي محمد بن نوح، وتقدم أبي فصلى عليه، ثم صار إلى بغداد وهو مقيد، فمكث بالياسرية أياما، ثم صُير إلى الحبس في دار اكتريت عند دار عمارة. ثم نقل بعد ذلك إلى حبس العامة في درب الموصلية، فمكث في السجن منذ أُخذ وحُمل إلى [أن] (١) ضُرب وخُلي عنه، ثمانية وعشرين شهرا.
قال أبي: فكنت أصلي بهم، وأنا مقيد. وكنت أرى فوران يحمل له في دورق ماء باردا فيذهب به إلى السجن.
"السيرة" لصالح ص ٤٨ - ٥٠
قال حنبل: سمعت أبا عبد اللَّه، وذكر الذين حملوا إلى الرقة إلى المأمون وأجابوا، وهم سبعة، فذكرهم، فقال هو: لا، لو كانوا صبروا وقاموا للَّه لكان الأمر قد انقطع، وحذرهم الرجل -يعنى: المأمون- ولكن لما أجابوا
стр. 436
وهم عين البلد اجترأ على غيرهم. فكان أبو عبد اللَّه إذا ذكرهم يغتم لذلك، فيقول: هم أول من ثلم هذِه الثلمة، وأفسد هذا الأمر.
قال حنبل: ثم خرجت إلى الكوفة إلى أبي نعيم، فحدثني أبي قال: ورد كتاب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بإحضار أبي عبد اللَّه أحمد، وعبيد اللَّه بن عمر القواريري، والحسن بن حماد المعروف بسجادة، ومحمد بن نوح بأن يمتحنهم فوجه إليهم إسحاق بن إبراهيم عند أبي نعيم الفضل، فأخبرني أبو نعيم بقصة أبي عبد اللَّه، وأنه قد أخذوا من حضر للمحنة، فقدمت بعد ذلك، وقد أخرج أبو عبد اللَّه ولم أحضر خروجه إلى الرقة، وأخبرني أبي بعد قدومي من الكوفة، أن أبا عبد اللَّه أتاه رسول صاحب الربع عند غروب الشمس، فذهب به.
قال أبي: وذهبت معه فقال له صاحب الربع: إذا كان غدا فاحضر دار الأمير.
قال أبي: لما انصرفنا من عنده قلت لأبي عبد اللَّه: لو تواريت.
قال: كيف أتوارى؟ إن تواريت لم آمن عليك وعلى ولدي وولدك والجيران، ويلقى الناس بسببي المكروه، ولكني أنظر ما يكون.
فلما كان من الغد حضر أبو عبد اللَّه وهؤلاء المسمون معه، فأدخلوا إلى إسحاق فامتحنهم، فأبى أبو عبد اللَّه والقوم أن يجيبوا، وأجاب بعضهم: علي بن الجعد، وأبو معمر إسماعيل وغيرهم أجابوا فأطلقوا، والذين لم يجيبوا أمر بحبسهم جميعا.
قال: فسمعت أبا عبد اللَّه يقول: بعدما خرج من الحبس، قال: لما دخلنا على إسحاق بن إبراهيم قرأ علينا كتاب المأمون الذي كتب به إلى إسحاق تسمية رجل رجل، بنسبه ولقبه، وكان فيه: أما أحمد فذاك الصبي، وأما ابن نوح فذاك ما له ولهذا عليه بالغيبة، وأما فلان فالآكل أموال اليتامى،
стр. 437
وأما فلان فكذا، وفلالن كذا، يسمي رجلًا رجلًا.
قال أبو عبد اللَّه: وكان في الكتاب، أقرأ عليهم: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
قال أبو عبد اللَّه: فقلت: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فقال لي إسحاق: ما أردت بهذا؟
قلت: كتاب، لم أزد في كتابه شيئا، كما وصف نفسه ﵎.
ثم امتحن القواريري، فأبى أن يجيبه وامتنع، فأمر بحبسه وتقييده، وسجادة أيضا كذلك. فلما كان بعد ذلك بيوم أو يومين جاء بهما فأجاباه فخلا عنهما، فكان أبو عبد اللَّه بعد ذلك يقول: أليس قد حبسنا؟ أليس قد ضربنا قال اللَّه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، ثم قال: القيد كره، والحبس كره، والضرب كره، فأما إذا لم ينل بمكروه فلا عذر له.
قال حنبل: قال أبي: ثم ورد كتاب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم: أن احمل إلي أحمد بن محمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، فأخرجنا جميعا على بعير، ومحمد بن نوح -زميل أبي عبد اللَّه- فبلغني أن رجلًا سأل أبا عبد اللَّه، قال: يا أبا عبد اللَّه، إن عرضت على السيف تجيب؟ قال: لا أجيب. فقال: فسمعت أبا عبد اللَّه بعد ذلك يقول: لما وصلنا إلى الرحبة، وذلك في السحر، ونحن في خارج الرحبة، إذ سأل عني وتقدم إلى محمد بن نوح فقال له: ذاك أحمد بن حنبل، فدنا مني وسلم علي بكلام شدد به عزمي، ثم قال لي: يا أحمد، أو يا هذا، وما عليك أن تقتل هاهنا وتدخل الجنة هاهنا؟ ثم سلم وذهب. فجعلت أنظر إليه في أثرة، حتى غاب، فسألت عن أمره، فقيل لي: رجل من العرب من ربيعة، مسكنه البادية، متخل عن الدنيا، يعمل الصوف.
стр. 438
وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: ما رأيت أحدا على حداثة سنه، وقلة علمه، أقوم بأمر اللَّه من محمد بن نوح، وإني لأرجو أن يكون اللَّه قد ختم له بخير، قال لي ذات يوم وأنا معه خلوين: يا أبا عبد اللَّه، اللَّه اللَّه اللَّه، إنك لست مثلي ولست مثلك، إنْ اللَّهُ ابتلاني فأجبت فلا تقتاس بي، فإنك لمست مثلي أنت رجل يقتدى بك، وقد مد هذا الخلق أعناقهم إليك؛ لما يكون فيك، فاتق اللَّه واثبت لأمر اللَّه، أو نحو من هذا الكلام، قال أبو عبد اللَّه: فعجبت من تقويته لي وموعظته إياي، ثم قال أبو عبد اللَّه: انظر بما ختم له، فلم يزل ابن نوح كذلك، ومرض حتى صار إلى بعض الطريق فمات، فصليت عليه، ودفنته أظنه قال: بعانة.
قال أبو عبد اللَّه: وكنت أدعو اللَّه ألا يريني وجهه -يعنى: المأمون- وذلك أنه بلغني أنه كان يقول: لئن وقعت عيني على أحمد لأقطعنه إربا إربا.
قال أبو عبد اللَّه: فكنت أدعو اللَّه ألا يريني وجهه. قال: فلما دخلنا طرطوس أقمنا أيامًا، فإذا رجل قد دخل علينا، فقال لي: يا أبا عبد اللَّه، قد -مات الرجل -يعني: المأمون. فحمدت اللَّه وظننت أنه الفرج، إذا رجل قد دخل، فقال: إنه قد صار مع أبي إسحاق المعتصم رجل يقال له: ابن أبي دؤاد وقد أمر بإحضاركم إلى بغداد، فجاءني أمر آخر وحمدت اللَّه على ذلك وظننت أنا قد استرحنا، حتى قيل لنا: انحدروا إلى بغداد.
قال أبو عبد اللَّه: فصيرت في سفينة من الرقة ومعي أسرى لهم، فكنت في أمر عظيم من الأذى. فقدم أبو عبد اللَّه إلى بغداد، وذلك في شهر رمضان وهو مريض فحبس في دار عمارة، وكان مقيدًا فحبس في ذلك الحبس قليلا، ثم تحول إلى سجن العامة في التغيير، فمكث في السجن نيفًا وثلاثين شهرا، فكنا نأتيه إلى السجن أنا وأبي وأصحاب أبي عبد اللَّه، فأكثر ذلك ندخل عليه حينا وحينا لم يأذن لنا السجان، فسأله أبي أن يحدثني ويقرأ علي وقال له: أنت
стр. 439
هاهنا فارغ، فأجابه، فقرأ علي في السجن كتاب الإرجاء وغيره، فرأيت أبا عبد اللَّه يصلي بأهل الحبس. وهو محبوس معهم وعليه القيد، وكان قيدًا واسعًا. فكان في وقت الصلاة والوضوء والنوم، يخرج إحدى الحلقتين من إحدى رجليه ويشدها على ساقه، فإذا صلى ردها في رجله، وكان ذلك بغير علم من إسحاق بن إبراهيم. فقلت له في الحبس: يا عم، أراك تصلي بأهل الحبس!
قال: ألا تراني وما أصنع؟ يعنى: في إخراج القيدين إحدى رجليه.
قلت: بلى.
ثم ذكر أبو عبد اللَّه حُجْرًا وأصحابه، فقال: أليس كانوا مقيدين؟ أليس كانوا يصلون جماعة على الضرورة؟ (١) لا بأس بذلك.
قال أبو عبد اللَّه: وإن كان فيهم مطلق ورضوه صلى بهم.
قلت: فالذي في رجله القيد، لا يمكنه أن يقعد في الصلاة على ما فعل النبي ﷺ وعلى آله في الركعة الآخرة، يمنعه القيد ذلك.
قال أبو عبد اللَّه: كيف ما تيسر وأطاق، إلا أني أنا أطيق ذلك، لأني أخرجه من رجلي. ثم قال: فكرت في أمرنا، فرأيت مثلنا، في هذا الأمر مثل حجر وأصحابه لما أخرجوا وقيدوا، فكأنا كنا في مثال أمرهم، ثم
قال أبو عبد اللَّه: أولئك أنكروا شيئا، ونحن دعينا إلى الكفر باللَّه، فالحمد للَّه على معونته وإحسانه، وسبحان اللَّه لهذا الأمر الذي أبلى منه العباد.
"ذكر المحنة" لحنبل ص ٣٤ - ٤١
стр. 440
قال محمد بن إبراهيم البُوشنْجي: أخذ أحمد أيام المأمون ليحمل إلى المأمون ببلاد الروم، فبلغ أحمد الرقة، ومات المأمون بالبذندون قبل أن يلقاه أحمد، وذلك في سنة ثمان عشرة ومائتين.
"المناقب" لابن الجوزي ص ٣٩٤
قال صالح: سمعت أبا عبد اللَّه السلال يقول: دخلت على أبي عبد اللَّه لما قدم من طرسوس وهو عليل شديد العلة، ومحمد بن نوح عليل، فسلمت على أبي عبد اللَّه ففتح عينيه فنظر إلي، ثم غمضهما، ثم فتحهما، فقال: صليتم الظهر؟
فقلت: لا، فغمض عينيه فقال: أرجو أن يكون قد جاء أحد الفرجين.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٥٥
قال الفضل بن زياد: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أول يوم امتحنه إسحاق، لما خرج من عنده، وذلك في جمادى الآخرة سنة ثمان عشرة ومائتين، فقعد في مسجده، فقال له جماعة: أخبرنا بمن أجاب. فكأنه ثقل عليه، فكلموه أيضًا.
قال: فلم يجب أحد من أصحابنا، والحمد للَّه. ثم ذكر من أجاب ومن واتاهم على أكثر ما أرادوا، فقال: هو مجعول محدث، وامتحنهم مرة مرة، وامتحنني مرتين مرتين، فقال لي: ما تقول في القرآن؟
قلت: كلام اللَّه غير مخلوق. فأقامني وأجلسني في ناحية، ثم سألهم، ثم ردني ثانية، فسألني وأخذني في التشبيه. فقلت: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فقال لي: وما السميع البصير؟ فقلت: هكذا قال تعالى.
"سير أعلام النبلاء" ١١/ ٢٣٩
стр. 441
٢٥ - فصل المحنة أيام المعتصم
قال صالح: قال أبي ﵀: لما كان في شهر رمضان ليلة تسع عشرة خلت منه، حولت من السجن إلى دار إسحاق بن إبراهيم، وأنا مقيد بقيد واحد، يوجه إلي كل يوم رجلين سماهما أبي. -قال صالح: وهما أحمد ابن رباح، وأبو شعيب الحجام- يكلماني ويناظراني، فإذا أرادا الانصراف، دعي بقيد فقيدت فمكثت على هذا الحال ثلاثة أيام، وصار في رجلي أربعة أقياد. فقال لي أحدهما في بعض الأيام في كلام دار، وسألته عن علم اللَّه؟ فقال: علم اللَّه مخلوق.
قلت: يا كافر، كفرت. فقال لي الرسول الذي كان يحضر معهم من قبل إسحاق: هذا رسول أمير المؤمنين.
فقلت: إن هذا قد كفر، وكان صاحبه الذي يجيء معه خارج، فلما دخل قلت: إن هذا زعم أن علم اللَّه مخلوق، فنظر إليه كالمنكر عليه، ثم انصرف.
قال أبي: فلما كان الليلة الرابعة بعد عشاء الآخرة وجه -يعني: المعتصم- ببغا إلى إسحاق، يأمره بحملي، فأدخلت على إسحاق، فقال لي: يا أحمد، إنها واللَّه نفسك، إنه قد حلف أن لا يقتلك بالسيف، وأن يضربك ضربا بعد ضرب، وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس، أليس
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] أفيكون مجعولا إلا مخلوقا؟ فقلت: فقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] أفخلقهم؟ فقال: اذهبوا به.
قال أبي: فأنزلت إلى شاطئ دجلة، فأحدرت إلى الموضع المعروف بباب البستان، ومعي بغا الكبير ورسول من قبل إسحاق.
فقال بغا لمحمد الحارس بالفارسية: ما تريدون من هذا؟ قال: يريدون
стр. 442
منه أن يقول: القرآن مخلوق. فقال: ما أعرف شيئًا من هذا إلا قول: لا إله إلا اللَّه، وأن محمدا رسول اللَّه، وقرابة أمير المؤمنين من النبي ﷺ .
قال أبي: فلما صرنا وما معي أحد يمسكني، فجعلت أكاد أخرّ على وجهي حتى انتهى بي إلى الدار فأدخلتُ ثم خرج بي إلى حجرة، فصيرت في بيت منها، وأغلق علي الباب، وأقعد عليه رجل، وذلك في جوف الليل، وليس في البيت سراج، فاحتجت إلى الوضوء، فمددت يدي أطلب شيئًا، فإذا بإناء فيه ماء وطست، فتهيأت للصلاة، وقمت أصلي. فلما أصبحت جائني الرسول، فأخذ بيدي فأدخلني الدار، وإذا هو جالس، وابن أبي دؤاد حاضر، وقد جمع أصحابه، والدار غاصة بأهلها.
فلما دنوت منه سلمت، فقال: ادنه. ادنه. فلم يزل يدنيني حتى قربت منه. ثم قال لي: اجلس، فجلست. وقد أثقلتني الأقياد، فلما مكثت هنيهة، قلت: تأذن في الكلام؟ قال: تكلم.
قلت: إلى ما دعا إليه رسوله؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه.
فقلت: فأنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه، ثم قلت: إن جدك ابن عباس حكى أن وفد عبد القيس لما قدموا على النبي ﷺ ، أمرهم بالإيمان باللَّه تعالى. فقال: "أتدرون ما الإيمان؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمد رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا الخمس من المغنم" (١).
قال صالح: قال أبي: فقال لي عند ذلك: لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك، ثم التفت إلى عبد الرحمن بن إسحاق فقال له: يا عبد الرحمن، ألم آمرك أن ترفع المحنة؟
стр. 443
قال أبي: فقلت في نفسي: اللَّه أكبر، إن في هذا لفرجا للمسلمين. قال: ثم قال: ناظروه، وكلموه.
ثم قال: يا عبد الرحمن كلمه، فقال لي عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟ قلت: ما تقول في علم اللَّه؟ قال: فسكت.
قال أبي: فجعل يكلمني هذا وهذا، فأرد على هذا، ثم أقول: يا أمير المؤمنين، أعطني شيئًا من كتاب اللَّه أو سنة رسوله ﷺ أقول به، فيقول لي ابن أبي دؤاد: وأنت لا تقول إلا كما في كتاب اللَّه أو سنة رسوله! فقلت له: تأولتَ تأويلا، فأنت أعلم، وما تأولتُ ما يحبس عليه، ويقيد عليه.
فقال ابن أبي دؤاد: فهو واللَّه يا أمير المؤمنين، ضال مضل مبتدع يا أمير المؤمنين، وهؤلاء قضاتك والفقهاء فسلهم.
قال: فيقول لهم: ما تقولون؟ فيقولون: يا أمير المؤمنين، هو ضال مضل مبتدع.
قال: فلا يزالون يكلموني، وجعل صوتي يعلو على أصواتهم، فقال لي إنسان منهم: قال اللَّه تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] فيكون محدثًا إلا مخلوقًا؟ قلت له:
قال اللَّه تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ فالذكر هو القرآن، وتلك ليس فيها ألف ولام. فجعل ابن سماعة لا يفهم ما أقول، فجعل يقول لهم: ما يقول؟ فقالوا: إنه يقول كذا وكذا.
قال: فقال لي إنسان منهم حديث خباب: يا هَنَتاه، تقربْ إلى اللَّه بما استَطَعْتَ، فَإنَّكَ لَنْ تَتَقَرَّبْ إلَيْه بشَيءٍ أحَبَّ إلَيْه منْ كَلامه (١).
стр. 444
فقلت: نعم هكذا هو. قال: فجعل ابن أبي دؤاد ينظر إليه، ويلحظه متغيظا عليه.
قال أبي: وقال بعضهم: أليس قال: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢]؟
قال: قلت: قد قال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] فدمرت إلا ما أراد اللَّه.
وقال: فقال لي بعضهم فيما يقول، وذكر حديث عمران بن حصين: "إنَّ اللَّه ﵎ كَتَبَ الذِّكر" فقال: "إنَّ اللَّه خَلَقَ الذِّكْرَ".
فقلت: هذا خطأ، حدثنا غير واحد: "كتَبَ الذِّكْر".
قال أبي: فكان إذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد يتكلم، فلما قارب الزوال، قال لهم: قوموا، ثم حبس عبد الرحمن بن إسحاق، فخلا بي وبعبد الرحمن، فجعل يقول لي: أما كنت تعرف صالحا الرشيدي؟ كان مؤدبي، وكان في هذا الموضع جالسا، وأشار إلى ناحية من الدار، فتكلم وذكر القرآن، فخالفني، فأمرت به فسحب ووطئ.
قال أبي: ثم جعل يقول لي: ما أعرفك، ألم تكن تأتينا؟
فقال له عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين، أعرفه منذ ثلاثين سنة، يرى طاعتك والحج والجهاد معك، وهو ملازم لمنزله.
قال: فجعل يقول: واللَّه إنه لفقيه، وإنه لعالم، ومما يسرني أن يكون مثله معي، يرد عني أهل الملل، ولئن أجابني إلى شيء له فيه أدنى فرج لأطلقن عنه بيدي، ولأوطئن عقبه، ولأركبن إليه بجندي، ثم التفت إلي فيقول: ويحك يا أحمد ما تقول؟
فأقول: يا أمير المؤمنين: أعطوني شيئًا من كتاب اللَّه أو سنة رسوله ﷺ .
فلما طال بنا المجلس ضجر، فقام، فرددت إلى الموضع الذي كنت فيه. ثم وجه إلي برجلين سماهما وهما، صاحب الشافعي، وغسان، من أصحاب ابن أبي دؤاد، يناظراني فيقيمان معي، حتى إذا حضر الإفطار وجه إلينا بمائدة
стр. 445
عليها طعام، فجعلا يأكلان، وجعلت أتعلل حتى رفع المائدة، وأقاما إلى غد، وفي خلال ذلك يجيء ابن أبي دؤاد فيقول لي: يا أحمد يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول؟
فأقول له: أعطوني شيئًا من كتاب اللَّه أو سنة رسوله حتى أقول له.
فقال لي ابن أبي دؤاد: واللَّه لقد كتب اسمك في السبعة، فمحوته، ولقد ساءني أخذهم إياك، وإنه واللَّه ليس هو السيف، إنه ضرب بعد ضرب، ثم يقول لي: ما تقول؟
فأرد عليه نحوا مما رددت عليه، ثم يأتي رسوله، فيقول: أين أحمد بن عمار أخو الرجل الذي أنزلت في حجرته، فيذهب ثم يعود، فيقول: يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول؟
فأرد عليه نحوا مما رددت على ابن أبي دؤاد، فلا يزال رسله تأتي.
قال أحمد بن عمار -وهو يختلف فيما بيني وبينه- ويقول: يقول لك أمير المؤمنين: أجبني حتى أجيء فأطلق عنك بيدي.
قال: فلما كان في اليوم الثاني أدخلت عليه، فقال: ناظروه، كلموه.
قال: فجعلوا يتكلمون. هذا من هاهنا، وهذا من هاهنا، فأرد على هذا وهذا، فإذا جاؤوا بشيء من الكلام مما ليس في كتاب اللَّه ولا سنة رسوله ﷺ ، ولا فيه خبر ولا أثر، قلت: ما أدري ما هذا؟
فيقولون: يا أمير المؤمنين، إذا توجهت له الحجة علينا ثبت (١)، وإذا كلمناه بشيء يقول: لا أدري ما هذا.
فيقول: ناظروه، ثم يقول: يا أحمد، إني عليك شفيق.
стр. 446
فقال رجل منهم: أراك تذكر الحديث وتنتحله.
فقلت له: ما تقول في قول اللَّه تعالى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١١]؟
فقال: خص اللَّه بها المؤمنين.
فقلت له: ما تقول: إن كان قاتلا أو كان عبدًا أو يهوديًا أو نصرانيًا؟
قال أبي: وإنما احتججت عليه بهذا، لأنهم كانوا يحتجون علي بظاهر القرآن، ولقوله: أراك تنتحل الحديث.
وكان إذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد، فيقول: يا أمير المؤمنين، واللَّه لئن أجابك لهو أحب إلي من مائة ألف دينار، ومائة ألف دينار، فيعيد ما شاء اللَّه من ذلك، ثم أمرهم بعد ذلك بالقيام، وخلا بي وبعبد الرحمن، فيدور بيننا كلام كثير، وفي خلال ذلك يقول لي: تدعو أحمد بن أبي دؤاد، فأقول: ذلك إليك. فيوجه إليه فيجيء فيتكلم، فلما طال بنا المجلس قام، ورددت إلى الموضع الذي كنت فيه، وجاءني الرجلان اللذان كانا عندي بالأمس، فجعلا يتكلمان، فدار بيننا كلام كثير.
فلما كان وقت الإفطار جيء بطعام على نحو مما أتى به في أول ليلة فأفطرا، وتعللت، وجعلت رسله تأتي أحمد بن عمار فيمضي إليه، ويأتيني برسالته على نحو مما كان أول ليلة، وجاءني ابن أبي دؤاد، فقال: إنه قد حلف أن يضربك ضربا بعد ضرب، وأن يحبسك في موضع لا ترى فيه الشمس.
فقلت له: فما أصنع؟ حتى إذا كدت أن أصبح، قلت: لخليق أن يحدث من أمري في هذا اليوم شيء، وقد كنت أخرجت تكتي من سراويلي، فشددت بها الأقياد أحملها بها إذا توجهت إليهم، فقلت لبعض من كان مع الموكلين ارتد لي خيطا، فجاءني بخيط، فشددت بها الأقياد، وأعدت التكة في
стр. 447
السراويل، ولبسته كراهية أن يحدث شيئًا من أمري فأتعرى. فلما كان في اليوم الثالث أدخلت عليه والقوم حضور، فجعلت أدخل من دار، وقوم معهم السيوف، وقوم معهم السياط، وغير ذلك من الزي والسلاح، وقد حشرت الدار الجند، ولم يكن في اليومين الماضيين كثير أحد من هؤلاء، حتى إذا صرت إليه، قال: ناظروه، كلموه. فعادوا بمثل مناظرتهم. ودار بيننا كلام كثير، حتى إذا كان في الوقت الذي يخلو فيه فجاءني، ثم اجتمعوا فشاورهم ثم نحاهم، ودعاني فخلا بي وبعبد الرحمن، فقال لي: ويحك يا أحمد، أنا عليك واللَّه شفيق، وإني لأشفق عليك مثل شفقتي على هارون ابني، فأجبني.
فقلت: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئًا من كتاب اللَّه، أو سنة رسوله ﷺ . فلما ضجر وطال المجلس، قال لي: عليك لعنة اللَّه، لقد كنت طمعت فيك، خذوه واسحبوه.
قال: فأخذْتُ وسُحبتُ، ثم خُلعت، ثم قال: العُقَابَين والسياط، فجيء بالعقابين والسياط.
قال أبي: وقد كان صار إلي شعرة أو شعرتان من شعر النبي ﷺ ، فصررتهما كم قميصي، فنظر إسحاق بن إبراهيم إلى الصرة في كم قميصي. فوجه إلي: ما هذا مصر؟ أرني كمك.
فقلت: شعر من شعر النبي ﷺ ، وسعى بعض القوم إلى القميص ليحرقه في وقت ما أقمت بين العقابين. فقال لهم -يعني: المعتصم: لا تحرقوه، انزعوه عنه.
قال أبي: ظننت أنه درئ عن القميص الحرق بسبب الشعر الذي كان فيه، ثم صيِّرتُ بين العقابين، وشدت يدي، وجيء بكرسي فجلس عليه، وابن أبي دؤاد قائم على رأسه، والناس أجمعون قيام من حضر فقال لي إنسان ممن
стр. 448
شدني: خذ ناتئ الخشبتين بيدك وشد عليهما، فلم أفهم ما قال: فتخالعت يداي لما شدت، ولم أمسك الخشبتين.
قال صالح: ولم يزل أبي رحمة اللَّه عليه يتوجع منهما إلى أن توفي.
ثم قال للجلادين: تقدموا، فنظر إلى السياط، فقال: ائتوا بغيرها، ثم قال لهم: تقدموا. فقال لأحدهم: ادنه، أوجع، قطع اللَّه يدك. فتقدم فضربني سوطين، ثم تنحى، ثم قال لآخر: ادنه، أوجع، شد قطع اللَّه يدك! ثم تقدم فضربني سوطين، ثم تنحى. فلم يزل يدعو واحدا بعد واحد، يضربني سوطين ويتنحى، ثم قام حتى جاءني، وهم محدقون بي. فقال: ويحك يا أحمد، تقتل نفسك! ؟ ويحك، أجبني حتى أطلق عنك بيدي. فجعل بعضهم يقول لي: ويلك، إمامك على رأسك قائم.
قال: فجعل عجيف ينخسني بقائم سيفه، ويقول: تريد أن تغلب هؤلاء كلهم؟ ! وجعل إسحاق بن إبراهيم يقول: ويحك، الخليفة على رأسك قائم! ثم يقول بعضهم: يا أمير المؤمنين، دمه في عنقي.
قال: ثم رجع فجلس على الكرسي، ثم قال للجلاد: ادنه، شد، قطع اللَّه يدك. ثم لم يزل يدعو بجلاد بعد جلاد فيضربني بسوطين ويتنحى، وهو يقول: شد، قطع اللَّه يدك. ثم قام إلى الثانية فجعل يقول: يا أحمد أجبني، فجعل عبد الرحمن بن إسحاق يقول: من صنع بنفسه من أصحابك في هذا الأمر ما صنعت؟ هذا يحيى بن معين، وهذا أبو خيثمة، وابن أبي إسرائيل. وجعل يعدد علي من أجاب.
قال: وجعل وهو يقول: ويحك، أجبني. فجعلت أقول نحو ما كنت أقول لهم. فرجع فجلس، ثم جعل يقول للجلاد: شد، قطع اللَّه يدك!
قال أبي: فذهب عقلي، فما عقلت إلا وأنا في حجرة مطلق عني الأقياد، فقال لي إنسان ممن حضر: إنا أكببناك على وجهك، وطرحنا على ظهرك
стр. 449
بارية، ودسناك. فقلت: ما شعرت بذاك.
قال: فجاؤوني بسويق، فقالوا: اشرب. فقلت: لا أفطر.
فجيء به إلى دار إسحاق بن إبراهيم.
قال أبي: فنودي بصلاة الظهر، فصلينا الظهر.
وقال ابن سماعة: صليت والدم يسيل من ضربك!
فقلت: به صلى عمر، وجرحه يثغب دما. فسكت.
ثم خلي عنه فصار إلى المنزل، ووجه إليه الرجل من السجن ممن يبصر الضرب والجراحات يعالج منه، فنظر إليه فقال: قال لنا: واللَّه لقد رأيت منه ضرب السيوط، ما رأيت ضربا أشد من هذا، لقد جر عليه من خلفه، ومن قدامه، ثم أدخل ميلا في بعض تلك الجراحات، فقال: لم ينقب، فجعل يأتيه فيعالجه، وقد كان أصاب وجهه غير ضربة. ثم مكث يعالجه ما شاء اللَّه، ثم قال له: إن هذا شيء أريد أن أقطعه، فجاء بحديدة، فجعل يعلق اللحم بها، ويقطعه بسكين معه، وهو صابر، يحمد اللَّه لذلك، فبرأ منه، ولم يزل يتوجع من مواضع منه، وكان أثر الضرب بينا في ظهره إلى أن توفي رحمة اللَّه عليه.
سمعت أبي يقول: واللَّه لقد أعطيت المجهود من نفسي، ولوَددتُ أني أبو من هذا الأمر كفافًا لا علي ولا لي.
قال صالح: أخبرني أحد الرجَلين اللذين كانا معه، وقد كان هذا الرجل صاحب حديث قد سمع ونظر ثم جاءني بعد، فقال: يا ابن أخي، رحمة اللَّه على أبي عبد اللَّه، واللَّه ما رأيت أحدا -يعني: يشبهه- لقد جعلت أقول له في وقت ما يوجه إلينا الطعام: يا أبا عبد اللَّه، أنت صائم، وأنت في موضع تقية، ولقد عطش فقال لصاحب الشراب: ناولني، فناوله قدحا فيه ماء ثلج، فأخذه فنظر إليه هنيهة ثم رده عليه. قال: فجعلت أعجب من صبره، على الجوع
стр. 450
والعطش، وما هو فيه من الهول.
قال صالح: وقد كنت ألتمس وأحتال أن أوصل إليه طعاما أو رغيفا، أو رغيفين في هذِه الأيام، فلم أقدر على ذلك.
وأخبرني رجل حضره قال: تفقدته في هذِه الأيام الثلاثة، وهم يناظرونه، ويكلمونه فما لحن، ولا ظننت أن يكون أحد في مثل شجاعته وشدة قلبه.
قال صالح: دخلت على أبي -رحمة اللَّه عليه- يوما، وقلت له: بلغني أن رجلًا جاء إلى فضل الأنماطي، فقال: اجعلني في حل إذ لم أقم بنصرتك.
فقال فضل: لا جعلت أحدًا في حل. فتبسم أبي وسكت، فلما كان بعد أيام قال: مررت بهذه الآية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] فنظرت في تفسيرها، فإذا هو ما حدثني به هاشم بن القاسم قال: حدثنا المبارك قال: حدثني من سمع الحسن يقول: إذا جثت الأمم بين يدي اللَّه ﵎ يوم القيامة نودوا: ليقم من أجره على اللَّه، فلا يقوم إلا من عفا في الدينا. قال أبي: فجعلت الميت في حل من ضربه إياي، ثم جعل يقول: وما على رجل ألا يعذب اللَّه بسببه أحدًا.
"السيرة" لصالح ص ٥١ - ٦٥
قال حنبل: فلما طال حبس أبي عبد اللَّه، وكان أبي، إسحاق بن حنبل، يختلف في أمره، ويكلم القواد وأصحاب السلطان في أمره، رجاء أن يطلق ويخلى له السبيل. فلما طال ذلك، ولم يره يتم أتى على إسحاق بن إبراهيم فدخل عليه، فقال له: أيها الأمير، إن بيننا وبين الأمير حرمًا، في حرمة منها ما يرعاها الأمير جوار بمرو، وكان والدي حنبل مع جدك الحسين بن مصعب.
قال: قد بلغنى ذلك.
قال: فقلت: فإن رأى الأمير أن يرعى لنا ذلك ويحفظه، وقلت له:
стр. 451
الأمير على ما يحبس ابن أخي لم يجحد التنزيل، وإنما اختلفوا في التأويل، فاستحل منه ما استحل من الحبس الطويل، يا أيها الأمير، اجمع له الفقهاء والعلماء. قال أبي: ولم أذكر له أهل الحديث والآثار.
قال: فقال لي إسحاق: وترضى؟
قلت: نعم أيها الأمير، فمن فلحت حجته كان أغلب.
قال أبي: فقال لي ابن أبي ربعي: ماذا صنعت؟ تجمع على ابن أخيك المخالفين له، فيثبتون عليه الحجة وممن يريد ابن أبى دؤاد من أهل الكلام والخلاف؟ وهلا شاورتني في ذلك؟
قلت له: قد كان الذي كان.
قال أبي: ولما ذكرت لإسحاق بن إبراهيم ما بينا وبينه من الحرمة المتقدمة، قال لحاجبه محمد البخاري: يا بخاري، اذهب معه إلى ابن أخيه، فلا يكلم ابن أخيه بشيء إلا أخبرتني به.
فقال أبي: فدخلت على أبي عبد اللَّه ومعي حاجبه، فقلت له: يا أبا عبد اللَّه، قد أجاب أصحابك، وقد أعذرت فيما بينك وبين اللَّه، وقد أجاب أصحابك والقوم، وبقيت أنت في الحبس والضيق.
فقال لي: يا عم، إذا أجاب العالم تقية والجاهل يجهل، فمتى يتبين الحق؟ قال أبي: فأمسكت عنه.
فلما كان بعد أيام من لقاء أبي لإسحاق بن إبراهيم، وكلامه إياه، لقي إسحاق المعتصم فأخبره بقول ألي وما كلمه به، فغدونا بعد ذلك إلى الحبس وأردنا الدخول على أبي عبد اللَّه، على ما كنا نختلف، وكان في دارنا رجل يقال له: هارون، يختلف إلى أبي عبد اللَّه بطعامه من المنزل ويقضي حوائجه ويخدمه، فقيل لنا: قد حول الليلة أبو عبد اللَّه إلى دار إسحاق بن إبراهيم. فذهبت أنا وأبي وأصحابنا إلى دار إسحاق،
стр. 452
فأردنا الدخول على أبي عبد اللَّه والوصول إليه، فحيل بينا وبين ذلك، وجاء هارون بإفطار أبي عبد اللَّه وذلك في رمضان في خمس بقين من شهر رمضان سنة تسع عشرة ومائتين. فدفع هارون إفطار أبي عبد اللَّه إلى بعض الأعوان؛ ليوصله إلى أبي عبد اللَّه، فبعث إسحاق فأخذ الزنبيل الذي فيه إفطاره، فنظر إليه فإذا فيه رغيفان وشيء من قثاء وملح، فعجب إسحاق من ذلك. فلما كان الغد من اليوم الذي حول فيه أبو عبد اللَّه إلى دار إسحاق، ونحن عند باب إسحاق، إذ جاء أبو شعيب بن الحجام ومحمد بن رباح، فدخلا على أبي عبد اللَّه في دار إسحاق، ومعهما صورة السموات والأرض وغير ذلك.
قال أبو عبد اللَّه: فسألاني عن شيء ما أدري ما هو، قال أبو عبد اللَّه: فلما سألني ابن الحجام وابن رباح، قلت: ما أدري ما هذا، وما أعرف ما هذا.
قال: ثم قلت لابن الحجام في كلام بيني وبينه: ويحك بعد طلبك العلم والحديث، صرت إلى هذا! وسألته عن علم اللَّه ما هو؟
فقال: علم اللَّه مخلوق. فقلت له: كفرت باللَّه العظيم يا كافر.
فقال لي رسول إسحاق وكان معه: هذا رسول أمير المؤمنين. فقلت له: إن هذا كفر باللَّه. فقلت لصاحبه ابن رباح الذي جاء معه: إن هذا -أعني ابن الحجام- قد كفر، زعم أن علم اللَّه مخلوق.
فنظر إليه، وأنكر علي مقالته، وقال: ويحك، ماذا قلت؟
ثم انصرفنا، قال حنبل: فبلغني ما روي عن أبي شعيب بن الحجام، وأنه قال لما خرج من عند أبي عبد اللَّه قال: ما رأيت لهذا نظيرا، فعجبت من هذا الذي هو فيه، وعظته لي وتوبيخه إياي.
وقال أبو عبد اللَّه: قال لي إسحاق، لما دخلت عليه في السجن:
стр. 453
يا أحمد، لو أجبت أمير المؤمنين إلى ما دعاك إليه.
قال: فكلمته بكلام، فقال لي: يا أحمد، إني عليك مُشفق، وإن بيننا وبينك حرمة، وقد تألى لئن لم تجبه ليقتلنك.
فقلت له: ما عندي في هذا الأمر إلا الأمر الأول.
فقال لي إسحاق حينئذ، وأمرني، فحملت في زورق إلى دار أبي إسحاق.
قال: وكانت في سراويلي تكة، فلما حولوني من السجن، زادوا في قيودي وثقلت علي القيود ولم أقدر أن أمشي فيها، أخرجت التكة من السراويل وشددت بها قيودي، ثم لففت السراويل لفًّا بغير تكة ولا خيط، فمضى بي إلى دار أبي إسحاق المعتصم، ومعي بغا، ورسول إسحاق بن إبراهيم، فلما صرت إلى دار أبي إسحاق، ثم أخرجت من الزورق وحملت على دابة والأقياد علي، وما معي أحد يمسكني فظننت أني سأخرُّ على وجهي إلى الأرض من ثقل القيود، وسلم اللَّه حتى انتهيت إلى الدار. فأدخلت إلى الدار في جوف الليل وأغلق علي، وأقعد علي رجلان، وليس في البيت سراج، فقمت أصلي ولا أعرف القبلة، فصليت، فلما أصبحت فإذا أنا على القبلة.
قال أبو عبد اللَّه: فلما أدخلت من الغد إلى أبي إسحاق، وهو قاعد وابن أبى دؤاد حاضر، فلما نظر إلي أبو إسحاق فسمعته يقول لهم وقد قربت منهم: أليس زعمتم لي أنه حدث؟ أليس هذا شيخ مكتهل؟
فلا أدري ما احتج به الخبيث عليه، لم أفهمه، وفي الدار كثير من الناس، فلما دنوت سلمت.
فقال لي: ادنه، فلم يزل يدنيني، حتى قربت منه، ثم قال: اجلس، فجلست، وقد أثقلني الحديد والأقياد، فلما مكثت ساعة، قلت له: يا أمير المؤمنين، تأذن لي في الكلام؟ قال: تكلم.
стр. 454
قلت له: إلى ما دعا إليه ابن عمك رسول اللَّه ﷺ ؟
قال: إلى شهادة ألا إله إلا اللَّه.
قلت: فأنا أشهد ألا إله إلا اللَّه. ثم قلت له: إن جدك ابن عباس يحكي أن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول اللَّه ﷺ ، أمرهم بالإيمان باللَّه. فذكرت الحديث كله، وقلت: يا أمير المؤمنين، فإلى ما أدعى وهذِه شهادتي وإخلاصي للَّه بالتوحيد! يا أمير المؤمنين، دعوة بعد دعوة محمد ﷺ !
قال: فسكت، وتكلم ابن أبي دؤاد بكلام لم أفهمه، وذلك أني لم أكن أتفقد كلامه، ولا ألتفت إلى ذلك منه.
قال أبو عبد اللَّه: ثم قال لي أبو إسحاق: لولا أنك كنت في يدي من كان قبلي، لما عرضت لك، ثم قال لعبد الرحمن بن إسحاق: ألم آمرك أن ترفع المحنة؟ قال أبو عبد اللَّه: فقلت في نفسي: اللَّه أكبر، إن في هذا الأمر لفرجا للمسلمين.
ثم قال: ناظروه وكلموه، يا عبد الرحمن، كلمه.
فقال عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟ فلم أجبه. ثم قال ابن أبي دؤاد لعبد الرحمن: كلمه. فسألني عبد الرحمن، فقال لي: ما تقول في القرآن؟
فقال لي أبو إسحاق: أجبه.
فقلت له: ما تقول في العلم؟ فسكت. فقلت لعبد الرحمن: القرآن من علم اللَّه، ومن زعم أن علم اللَّه مخلوق فقد كفر باللَّه.
قال: فسكت عبد الرحمن، فلم يرد علي شيئًا. فقالوا بينهم: يا أمير المؤمنين، أكفرنا وأكفرك. فلم يلتفت إلى ذلك منهم.
قال أبو عبد اللَّه: فقال لي عبد الرحمن: كان اللَّه ولا قرآن. قلت له: فكان اللَّه ولا علم؟ فأمسك. ولو زعم أن اللَّه كان ولا علم لكفر باللَّه.
ثم قال أبو عبد اللَّه: لم يزل اللَّه عالما متكلما، نعبد اللَّه لصفاته غير
стр. 455
محدودة ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه، ونرد القرآن إلى عالمه ﵎، إلى اللَّه فهو أعلم به، منه بدأ وإليه يعود.
قال أبو عبد اللَّه: وجعلوا يتكلمون من هاهنا ومن هاهنا، فأقول: يا أمير المؤمنين، ما أعطوني شيئا من كتاب اللَّه، ولا سنة رسول اللَّه فأقول به.
قال: فقال ابن أبي دؤاد: وأنت لا تقول إلا ما في كتاب اللَّه أو سنة رسوله!
فقلت له: وهل يقوم الإسلام إلا بالكتاب والسنة؟ ثم قلت له: تأولت تأويلا تدعو الناس إليه فأنت أعلم وما تأولت، وتَحبس عليه وتَقتل عليه!
فقال ابن أبى دؤاد: هو واللَّه يا أمير المؤمنين ضال مضل مبتدع، وهؤلاء قضاتك والفقهاء فسلهم.
فقال لهم: ما تقولون؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين، هو ضال مضل مبتدع، فلم يزالوا يكلموني، وجعل صوتي يعلو على أصواتهم إلى أن قال لي عبد الرحمن بن إسحاق: قال اللَّه : ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] أفيكون محدث إلا مخلوقا؟
فقلت له: قال اللَّه : ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] فالذكر هو القرآن، وتلك ليس فيها ألف ولا لام؟
قال: وكان ابن سماعة لا يفهم ما أقول، فقال: ما يقول؟
قالوا: إنه يقول: كذا وكذا.
وقال لي إنسان منهم: حديث خباب: يا هناه، تقرب إلى اللَّه بما استطعت، فإنك لن تقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه.
قلت: نعم، هو هكذا. قال أبو عبد اللَّه: فجعل ابن أبى دؤاد ينظر إليه، ويلحظه متلظيا مغضبا عليه.
قال أبو عبد اللَّه: واحتج علي بعضهم، فذكرت ابن عرعرة في حديث:
стр. 456
"إن اللَّه كتب الذكر" فقال المحتج علي: إن اللَّه خلق الذكر.
فقلت: حدثناه غير واحد: "إن اللَّه كتب الذكر".
قال أبو عبد اللَّه: وما كان في القوم أرأف بي ولا أرحم من أبى إسحاق، فأما الباقون فأرادوا قتلي، وشاركوا فيه لو أطاعهم أو أجابهم إلى ذلك.
قال حنبل: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: كان القوم إذا انقطعوا عن الحجة، عرض ابن أبى دؤاد، فتكلم، فلما كان في اليوم الثاني من آخر النهار، قال لهم أبو إسحاق: انصرفوا. واحتبس عبد الرحمن بن إسحاق، فخلا بي وبعبد الرحمن، وقال أبو عبد اللَّه: واحتج أبو إسحاق علي بصالح الرشيدي، وكان مؤدبه، وكان صالح صاحب سنة، فقال لي أبو إسحاق: كان صالح في هذا الموضع جالسًا، وأشار إلى موضع من الدار، وتكلم بكلام في القرآن، فأمرت به فسحب ووطئ.
قال أبو عبد اللَّه: فقال له عبد الرحمن بن إسحاق: يا أمير المؤمنين، أنا وأحمد هذا، منذ ثلاثين سنة، نبدي طاعتكم والحج معكم والجهاد معكم، ولعله يجيب بعد ليلته.
فقال أبو إسحاق: واللَّه إنه لفقيه، واللَّه إنه لعالم، ولوددت أنه معي يصلح من شأني، فإن أجابني إلى ما أريد لأطلقن عنه. ثم قال لي: يا أحمد ويحك، لقد غمني أمرك ولقد أسهرت ليلي، ولولا أنك كنت في يدي من كان قبلي، ما عرضت لك، ولا امتحنت أحدًا بعدك، ولو أنه وراء حائطي هذا. ثم التفت إلي وقال: ويحك يا أحمد ما تقول؟ فأقول له: يا أمير المؤمنين، ما أعطوني شيئا من كتاب اللَّه ولا سنة عن رسول اللَّه ﷺ .
فلما طال ذلك قام، فرددت إلى الموضع الذي كنت فيه، ووجه الرجلين الشافعي وغسان، فكانا معي فلما حضر الإفطار جيء بالطعام، فأكلا ولم آكل إلا تعللا، ولم آكل إلا الشيء الذي أقيم به رمقي من التلف، وجعلته عندي
стр. 457
بمنزلة المضطر.
فقال له أبو بكر بن عبيد اللَّه: يا أبا عبد اللَّه، فلم تخافهم على نفسك في مثل هذا؟ قال: الأمر الذي كنت فيه أعظم، فلم يلتفتوا إلى هذا مني، أعانني اللَّه على ذلك.
قال حنبل: فبينا نحن في ليلة خمس وعشرين من شهر رمضان في مسجدنا نصلى التراويح، إذا رسول إسحاق بن إبراهيم قد وافانا، فأخذ أبي وحمله على دابة، وذهبنا معه والناس يصلون التراويح، فذهبنا معه إلى دار إسحاق، فمضوا به إلى دار أبي إسحاق في المحرم، فبتنا تلك الليلة وفى صبيحتها ضُرب أبو عبد اللَّه، فقال لي: إني لما أصبحت أتاني ابن حماد بن دنقش وهو صاحب أبي إسحاق، فقال لي: إن أمير المؤمنين يقرئك السلام، ويقول لك: ابن أخيك إذا كانت له حجة انساب عليهم، فإذا كانت الحجة عليه، قال: لست بصاحب كلام إنما أنا صاحب أثر، فكلمه فليجبني.
قال أبي: فصرت إلى أبي عبد اللَّه، فقلت: يا أبا عبد اللَّه، قد عرف الأمر، وقد أبليت عذرا فيما بينك وبين ربك وأنت أعلم، قال أبى: فسكت أبو عبد اللَّه، فلم يرد علي شيئا، وجاء ابن أبي دؤاد، فدخل علينا، وقد كان غسان قال لأبي إسحاق: يا أمير المؤمنين، إن أحمد من بلادي، يعني من مرو، فإن رأيت أن تأذن لي حتى أكلمه وأناظره، فأذن له، فكان غسان والشافعي الأعمى يكلمانه، وجاء ابن أبي دؤاد، فجلس، فقال: يا أحمد، إني عليك مشفق، ولقد غمني حيث وجدت اسمك مع هؤلاء، فأجبني.
فقال له أبو عبد اللَّه: علام أجبيكم؟ لا أمر من كتاب اللَّه وسنة عن رسول اللَّه ﷺ -
стр. 458
قال له ابن أبي دؤاد: وأنت لا تقول إلا بما كان عن رسول اللَّه وفي كتاب اللَّه! يا أحمد، واللَّه ما هو القتل بالسيف، يا أحمد، إنما هو ضرب بعد ضرب، ثم قام ابن أبي دؤاد، فالتفت إلي، فقال لي: كلمه.
فقلت له: تنح حتى أكلمه، إنه واللَّه ليس السيف، الأمر أدهى من ذلك. فقام وأمر به فأخرج، وذلك في اليوم الثالث من مناظرته، فقال لي أبي: فخرجت، مع أبي عبد اللَّه، فلما صرنا في الدار، قلت لابن أبي دؤاد: مر البواب ألا يعرض لي، فالتفت ابن أبي دؤاد إلى ابن دنقش، فقال: هذا مالكم وله؟ هذا محبوس، هذا ماله ولهذا الأمر.
ثم التفت أبو عبد اللَّه إلي، فقال لي: يا عمي، أين تذهب؟ انتظر حتى ننظر ما يكون من أمري.
فقلت له: وأين أذهب؟ أنا هاهنا قاعد، يقول: وإنما أردت ألا يكون علي سبيل، وأراد أبو عبد اللَّه يقول: لعله القتل، فأكون بالحضرة فأحمله، لأنه أُعلم أنهم أجمعوا على قتله.
قال أبي: فجلست عند الستر، وجاء عبد الرحمن فجلس إلى جنبي، وأدخل أبو عبد اللَّه، فقال عبد الرحمن: سألني أمير المؤمنين أمس، فقال: عمه -يعني: عم أبي عبد اللَّه- في أي الرجال هو؟
قلت: يا أمير المؤمنين، من أدبه زهيبته كذا وكذا، وهم يا أمير المؤمنين أهل بيت لهم قدر وقديم، فإن سألك أمير المؤمنين عن شيء فلا تخالفه.
قال أبي: فورد علي أمر أنساني أمر ابن أخي، وصرت، أفكر في أمري وما قد بليت، ففرج اللَّه ولم أدخل عليه، وجاء النوفلي فجلس، فقال لأصحاب ابن أبي دؤاد: هذا الجاهل -يعني: أبا عبد اللَّه- يقول: العلم، وما العلم والقرآن!
قال أبي: فسكت، فلم أجب أحدا منهم.
стр. 459
قال حنبل: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: لما احتج علي عبد الرحمن بابن عرعرة واليمامي، قطعني، فسكت.
فقال برغوث: يا أمير المؤمنين، كافر حلال الدم اضرب عنقه، ودمه في عنقي. وقال شعيب كذلك أيضا.
فقلت: أعلا دمي، فلم يلتفت إلى قولهما. قال: وسمعت أبا عبد اللَّه أيضا يقول: أما برغوث وشعيب فإنهما تعللا قتلي، وقالا له: يا أمير المؤمنين، اضرب عنقه ودمه في أعناقنا، ولم يكن في القوم أشد تكفيرا ولا أخبث منهما، وأما ابن سماعة فجعل يكلمني بكلام رقيق، وقال له ابن سماعة: يا أمير المؤمنين إنه في أهل بيت شرف، ولهم قديم، ولعله يصير إلى الذي يحبه أمير المؤمنين. فكأنه رق عند ذلك.
وكان أبو إسحاق ألين علي، قال لي: أنا عليك شفيق، لقد أسهرت ليلي، كيف بليت بك؟ ويحك، أتق اللَّه في نفسك وفي دمك.
قال أبو عبد اللَّه: وكان إذا كلمني ابن أبي دؤاد لم أجبه ولم ألتفت إلى كلامه، وإذا كلمني أبو إسحاق ألنت له القول والكلام، فلم يكن لهم علي حجة. فقال لي أبو إسحاق في اليوم الثالث: أجبني يا أحمد إلى ما أدعوك إليه، قد بلغني أنك تحب الرياسة. وذلك لما أوغروا قلبه علي وأعطوه العشوة، ثم قال لي: إن أجبتني إلى ما يكون فيه خلاص لك، أطلقت عنك ولآتينك في حشمي وموالي، ولأطأن بساطك ولأنوهن باسمك يا أحمد، اللَّه اللَّه في نفسك.
قلت له: يا أمير المؤمنين، هذا القرآن، وأحاديث الرسول ﷺ ، وأخباره فما وضح علي من حجة صرت إليها.
قال: فيتكلم هذا ويتكلم هذا، وهم جماعة كبيرة، فأرد على هذا وأكلم هذا، فإذا تكلم بشيء من الكلام مما ليس في كتاب اللَّه ولا سنة الرسول ﷺ -
стр. 460
ولا عندي خبر، قلت: ما أدري ما هذا؟ ما أعرف هذا، فيقولون: يا أمير المؤمنين، إذا توجهت له الحجة علينا وثب علينا، وإذا كانت عليه قال: لا أدري ما هذا.
قال أبو عبد اللَّه: وكان أبو إسحاق لا يعلم ولا يعرف ويظن أن القول قولهم ولا يدري فيقول: يا أحمد، اتق اللَّه في نفسك، إني عليك مشفق.
قال حنبل: ست أبا عبد اللَّه يقول: قال له ابن أبي دؤاد -يعنى لأبي إسحاق- لما انقطع أصحابه: واللَّه الذي لا إله إلا هو، يا أمير المؤمنين، لئن أجابك لهو أحب إليَّ من مائة ألف، ومائة ألف عدد مرارا كثيرة، وكان شعيب وبرغوث أشدهما لإباحة دمي، وكان عبد الرحمن ألينهم قولًا.
قال أبو عبد اللَّه: وقد كنت في اليوم الذي حدث من أمري ما حدث -يعني: اليوم الثالث جاءني ابن أبي دؤاد فقال: يا أحمد، إنه قد حلف أن يضربك ضربًا شديدًا، وأن يحبسك في أضيق الحبوس، فكلمت رجلا، فطلب لي خيطا، فجعلته في تكتي، وخشيت أن تتفلت السراويل، لما لم يكن فيه تكة، ولما أدخلت عليه في اليوم الثالث، وعنده ابن أبي دؤاد وأصحابه، قال: ناظروه وكلموه، فدار بيننا كلام كثير.
قال: واحتجوا علي يومئذ، فقالوا: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (١).
فقلت له: يا أمير المؤمنين ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾، هذا يا أمير المؤمنين ينصرف على غير القرآن، وليست فيه ألف ولا لام، ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ فهذا هو القرآن يا أمير المؤمنين، ليس عندهم تمييز لهذا ولا بيان، فعلام تدعوني إليه؟ لا من كتاب اللَّه ولا من سنة نبيه، تأويل