لنا خيرًا أمِناه وقرَّبناه وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسب سريرته. ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة» (١).
٦ - باب تعديل كم يجوز ؟
٢٦٤٣ - عن عبد الله بن بريدة عن أبي الأسود قال: «أتيت المدينة وقد وقع بها مرض وهم يموتون موتًا ذريعًا، فجلست إلى عمر ﵁ فمرَّت جنازة فأثنى خيرًا، فقال عمر: وجبت. ثم مر بأخرى فأثنى خيرًا، فقال عمر: وجبت. ثم مر بالثالثة فأثني شرًا، فقال: وجبت. فقلت: وما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النبي ﷺ : «أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة». قلنا: وثلاثة؟ قال: «وثلاثة». قلنا: واثنان؟ قال: «واثنان» (٢). ثم لم نسأله عن الواحد» (٣).
٧ - باب الشهادة على الأنساب، والرضَّاع المستفيض، والموت القديم
٢٦٤٤ - عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ قالت: استأذن
стр. 877
عليَّ أفلَح فلم آذن له، فقال: أتحتجبين مني وأنا عمُّك؟ (١). فقلت وكيف ذلك؟ فقال: أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي. فقالت: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: «صدق أفلح، ائذني له».
٢٦٤٧ - عن عائشة ﵂ قالت: «دخل النبي ﷺ وعندي رجل فقال: «يا عائشة من هذا؟ » قلت: أخي من الرَّضاعة. قال: «يا عائشة انظرن من إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة» (٢).
٨ - باب شهادة القاذف والسارق والزاني (٣).
وجلد عمر أبا بكرة وشبل بن معبد ونافعًا بقذف المغيرة، ثم استتابهم وقال: من تاب قبلت شهادته ......
وقال بعض الناس (٤): لا تجوز شهادة القاذف وإن تاب. ثم قال: لا يجوز نكاح بغير شاهدين، فإن تزوج بشهادة محدودين جاز، وإن تزوج بشهادة عبدين لم يجز. وأجاز شهادة المحدود والعبد (٥) والأمة لرؤية هلال رمضان
стр. 878
وكيف تعرف توبته. وقد نفى (١) النبي ﷺ الزاني سنة، ونهى النبي ﷺ عن كلام كعب بن مالك وصاحبيه حتى مضى خمسون ليلة.
٩ - باب لا يشهد على شهادة جور إذا أُشهد
٢٦٥٠ - عن النعمان بن بشير ﵄ قال: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، ثم بدا له فوهبها لي، فقال: لا أرضى حتى تشهد النبي ﷺ فأخذ بيدي وأنا غلام فأتى بي النبي ﷺ فقال: إن أمَّه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا. قال: «ألك ولد سواه؟ » قال: نعم. قال فأراه قال: «لا تُشهدني على جور» (٢).
٢٦٥١ - عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» - قال عمران: لا أدري أذكر النبي ﷺ بعدُ قرنين أو ثلاثة (٣) - قال النبي ﷺ : «إن بعدكم قومًا يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يُستشهدون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السَّمن» (٤).
стр. 879
قال الحافظ: ... وتأولوا حديث عمران بتأويلات: أحدها أنه محمول على شهادة الزور (١).
قال الحافظ: ... (كانوا يضربوننا (٢) على الشهادة والعهد).
١٠ - باب ما قيل في شهادة الزور
لقول الله : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ (٣) الزُّورَ﴾ وكتمان الشهادة ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] تلووا ألسنتكم بالشهادة.
٢٦٥٣ - عن أنس ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن الكبائر قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور» (٤).
٢٦٥٤ - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «ألا أُنبئكم بأكبر الكبائر (ثلاثًا)؟ » قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين - وجلس وكان متكئًا فقال -: ألا وقول الزور». قال فما زال يكرِّرها (٥) حتى قلنا: ليته سكت.
стр. 880
١١ - باب شهادة الأعمى (١) وأمره ونكاحه وإنكاحه ومبايعته وقبوله في التأذين وغيره وما يُعرف بالأصوات
وأجاز شهادته قاسم والحسن وابن سيرين والزهري وعطاء. وقال الشعبي: تجوز شهادته إذا كان عاقلًا. وقال الحكم: رُبَّ شيء تجوز فيه. وقال الزهري: أرأيت ابن عباس لو شهد على شهادة أكنت ترُدُّ؟ وكان ابن عباس يبعث رجلًا، إذا غابت الشمس أفطر. ويسأل عن الفجر فإذا قيل له طلع صلى ركعتين .. وقال سليمان بن يسار: استأذنت على عائشة فعرفت صوتي، قالت: سليمان؟ ادخل فإنك مملوك ما بقي عليك شيء. وأجاز سمرة بن جندب شهادة امرأة منتقبة (٢).
٢٦٥٦ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ «إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يُؤذِّن - أو قال: حتى تسمعوا أذان - ابن أم مكتوم» وكان ابن أم مكتوم رجلًا أعمى لا يؤذِّن حتى يقول له الناس: أصبحت (٣).
٢٦٥٧ - عن المسور بن مخرمة ﵁ قال: قدمت على النبي ﷺ أقبية، فقال لي أبي مخرمة: انطلق بنا إليه عسى أن يعطينا منها شيئًا. فقام أبي على الباب فتكلم، فعرف النبي ﷺ صوته، خرج النبي ﷺ ومعه قباء وهو يريد محاسنه وهو يقول: «خبأت هذا لك، خبأت هذا لك» (٤).
стр. 881
١٣ - شهادة الإماء والعبيد
٢٦٥٩ - عن ابن أبي مليكة قال: حدثني عقبة بن الحارث أو سمعته منه «أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، قال فجاءت أمةٌ سوداء (١) فقالت: قد أرضعتكما. فذكرتُ ذلك للنبي ﷺ فأعرض عني، قال فتنحيت فذكرت ذلك له، قال: وكيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما. فنهاه عنها».
١٤ - باب شهادة المرضعة
٢٦٦٠ - عن عقبة بن الحارث قال: تزوجت امرأة، فجاءت امرأة فقالت: إني قد أرضعتكما، فأتيت النبي ﷺ فقال: «وكيف وقد قيل؟ دعها عنك. أو نحوه» (٢).
١٥ - تعديل النساء بعضهن بعضًا
٢٦٦١ - حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود - وأفهمني بعضه أحمد - حدثنا فُليح بن سليمان عن ابن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيَّب وعلقمة بن وقاص الليثي وعُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله منه. قال الزهري وكلهم حدثني طائفة من حديثها - وبعضهم أوعى من بعض وأثبت له اقتصاصًا - وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدق بعضهم بعضًا.
стр. 882
زعموا أن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرًا أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سَهمها أخرج بها معه. وأقرع بيننا في غزاة غزاها فخرج سهمي فخرجت معه بعد ما أُنزل الحجاب، فأنا أُحمل في هودجٍ وأُنزل فيه. فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة أذن ليلة من رحيل، فقمت حين آذن بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فسلمت صدري، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه فأقبل الذين يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوا على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يثقلن ولم يغشهُنَّ اللحم، وإنما يأكلن العُلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقَل الهودج فاحتملوه، وكنت جارية حديثة السنِّ، فبَعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أحد، فأممتُ منزلي الذي كنتُ به فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إليَّ. فبينا أنا جالسة غلبتني عيناني فنمت، وكان صفوان بن المُعطل السُّلمي ثم الذَّكوانيُّ من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حتى أناخ راحلته فوَطئ يَدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا مُعرِّسين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك. وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أُبيّ بن سلول.
فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرًا، والناس يفيضون من قول أصحاب الإفك، ويريبُني في وجَعي أني لا أرى من النبي ﷺ اللطف الذي كنت أرَى منه حين أمرض، إنما يدخل فيُسلِّم ثم يقول: «كيف تيكم؟ » لا أشعرُ بشيء من ذلك حتى نقهتُ، فخرجت
стр. 883
أنا وأُمُّ مسطح قبل المناصع متبرزنا، لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكُنف قريبًا من بيوتنا، وأمرُنا أمرُ العرب الأُوَل» في البرِّية أو في التنزه. فأقبلت أنا وأُمُّ مسطح بنت أبي رُهم نمشي، فعثرت في مرطها فقالت: تعس مسطح. فقلتُ لها: بئس ما قلت، أتسُبِّين رجلًا شَهدَ بدرًا؟ فقالت: يا هَنتَاه، ألم تسمعي ما قالوا؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا على مرضي. فلما رجعت إلى بيتي دخل عليَّ رسول الله ﷺ فسلَّم فقال: «كيف تيكم؟ » فقلت: ائذن لي إلى أبَويَّ - قالت: وأنا حينئذ أريد أن استيقن الخبر من قبَلهما - فأذن لي رسول الله ﷺ ، فأتيت أبَويَّ، فقلتُ لأمي: ما يتحدَّث به الناس؟ فقالت: يا بُنية، هوِّني على نفسك الشأن، فوالله لقلَّما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها. فقلت: سبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا؟ قالت: فبتُ تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمعٌ ولا أكتحلُ بنوم.
ثم أصبحت، فدعا رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحيُ يستثيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلمُ في نفسه من الوُدِّ لهم، فقال أسامة: أهلُكَ يا رسول الله ولا نعلم والله إلا خيرًا. وأما عليُّ بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يُضيِّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدُقك. فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال: يا بريرة هل رأيت فيها شيئًا يريبك؟ فقالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرًا أغمصه عليها قط أكثر من أنها جارية حديثة السنِّ تنام عن العجين فتأتي الداجن فتأكله. فقام رسول الله ﷺ من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبيّ ابن سلول، فقال رسول الله ﷺ : «من يعذُرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمتُ على
стр. 884
أهلي إلا خيرًا، وقد ذكروا رجلًا ما علمتُ عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي». فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، والله أنا أعذُرك منه، إن كان من الأوس ضرَبنا عُنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك. فقام سعد بن عُبادة وهو سيد الخزرج - وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا، ولكن احتَملته الحمية - فقال: كذَبتَ لعَمر الله، والله لا تقتُله ولا تقدر على ذلك. فقام أُسَيد بن الحَضير فقال كذبت لعمرُ الله، والله لنقتلنَّه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيّان الأوس والخزرج حتى هموُّا، ورسول الله ﷺ على المنبر. فنزل فخفضهم حتى سكتوا وسكت.
وبكيتُ يومي لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، فأصبح عندي أبواي وقد بكيت ليلتي ويومًا حتى أظنُّ أن البكاء فالق كبدي. قالت: فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي إذا استأذنت امرأة من الأنصار فأذنتُ لها فجلست تبكي معي، فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله ﷺ فجلس ولم يجلس عندي من يوم قيلَ فيَّ ما قيل قبلها، وقد مكث شهرًا لا يُوحى إليه في شأني شيء. قالت: فتشهَّد ثم قال: «يا عائشة فإني بلغني عنكِ كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيُبرئك الله، وإن كنت ألَممْت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه». فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قَلَص دمعي حتى ما أُحس منه قطرة. وقلت لأبي: أجِب عني رسول الله ﷺ . قال: والله لا أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله ﷺ فيما قال. قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . قالت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن، فقلت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس ووقر في أنفسكم وصدَّقتم به، وإن قلت
стр. 885
لكم إني بريئة - والله يعلم أني بريئة - لا تُصدِّقونني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر - والله يعلم أني بريئة - لتُصدِّقنِّي (١)
والله ما أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا وسف إذ قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. ثم تحوَّلت على فراشي وأنا أرجو أن يُبرِّئني الله. ولكن والله ما ظننت أن يُنزل في شأني وحيًا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يُتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رُؤيا تُبرِّئُني، فوالله ما رام مجلسَهُ ولا خرجَ أحد من أهل البيت حتى أُنزل عليه الوحي، فأخذه ما يأخذه من البُرحاء، حتى إنه ليتحرد منه مثل الجُمان من العَرَق في يوم شات. فلما سُرِّيَ عن رسول الله ﷺ وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي: «يا عائشة أحمدي الله، فقد برأك الله». قالت لي أمي:
стр. 886
قومي إلى رسول الله ﷺ . فقلت: لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله. فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] الآيات.
فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر الصديق ﵁ - وكان يُنفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه - والله لا أُنفق على مسطح الذي أبدًا بعد أن قال لعائشة فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢].
فقال أبو بكر ﵁: بلى والله، إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يُجرى عليه. وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: يا زينب ما علمت؟ ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله، أحمي سَمعي وبصَري، والله ما علمت عليها إلا خيرًا. قالت: وهي التي كانت تُساميني، فعصمها الله بالورع». قال وحدثنا فُلَيح عن هشام بن عروة عن عائشة وعبد الله بن الزبير مثله. قال وحدثنا فُلَيح عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن بن سعيد عن القاسم بن محمد بن أبي بكر مثله.
١٦ - باب إذا زكى رجل رجلاً كفاه
٢٦٦٢ - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: أثنى رجل على رجل عند النبي ﷺ ، فقال: «ويلك، قطعت عنق صاحبك، قطعت عنق صاحبك» (مرارًا). ثم قال: «من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة فليقل: أحسب فلانًا. والله حسيبه. ولا أزكي على الله أحدًا. أحسبه كذا وكذا. إن كان يعلم ذلك منه» (١).
стр. 887
١٧ - باب ما يكره من الإطناب في المدح، وليقُل ما يعلم
٢٦٦٣ - عن أبي موسى ﵁ قال: سمع النبي ﷺ رجلًا يُثني على رجل ويطريه في مدحه فقال: «أهلكتم - أو قطعتم - ظهر الرجل» (١).
١٨ - باب بلوغ الصبيان وشهادتهم
٢٦٦٤ - عن ابن عمر ﵄ «أن رسول الله ﷺ عرضه يوم أُحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، ثم عرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني» قال نافع: فقدمت على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فحدثته الحديث فقال: إن هذا الحدٌّ بين الصغير والكبير (٢)، وكتب إلى عماله أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة.
٢٦٦٥ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «غُسل يوم الجمعة واجب على كلِّ محتلم» (٣).
стр. 888
١٩ - باب سؤال الحاكم المدَّعى: هل لك بينة؟ قبل اليمين
٢٦٦٦، ٢٦٦٧ - عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف على يمين - وهو فيها فاجر - ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان». قال فقال الأشعث بن قيس: فيَّ والله كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدَّمته إلى النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «ألك بيِّنة؟ » (١)
قال قلت: لا. قال فقال لليهودي: احلف. قال قلت: يا رسول الله إذن يحلف ويذهب بمالي. قال فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية».
٢٠ - باب اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود
وقال النبي ﷺ : «شاهداك أو يمينه».
وقال قتيبة: حدثنا سفيان عن ابن شُبرمة كلمني أبو الزناد في شهادة
стр. 889
الشاهد ويمين المدعي، فقلت: قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] قلت: إذا كان يُكتفى بشهادة شاهد ويمين المدَّعى فما تحتاج أن تُذكَّر إحداهما الأخرى، ما كان يصنع بذكر هذه الأخرى؟ (١)
٢١ - باب إذا ادَّعى أو قذف فله أن يتلمس البيِّنة وينطلق لطلب البيِّنة
٢٦٧١ - عن ابن عباس ﵄ «أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النبي ﷺ : البيِّنة، أو حدُّ (٢) في ظهرك، فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البيِّنة؟ فجعل يقول: البينة وإلا حدٌّ في ظهرك. فذكر حديث اللِّعان».
٢٢ - باب اليمين بعد العصر
٢٦٧٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بطريق يمنع منه ابن السبيل. ورجل بايع رجلًا لا يبايعه إلا للدنيا،
стр. 890
فإن أعطاه ما يريد وفى له وإلا لم يف له. ورجل ساوم رجلًا بسلعة بعد العصر (١) فحلف بالله لقد أعطى بها كذا وكذا فأخذها».
٢٣ - باب يحلف المدَّعى عليه حيثما وجبت عليه اليمين
قال الحافظ: ... أي وجوبًا، وهو قول الحنفية والحنابلة، وذهب الجمهور إلى وجوب التغليظ، ففي المدينة عند المنبر (٢)، وبمكة بين الركن والمقام وبغيرهما بالمسجد الجامع. واتفقوا على أن ذلك في الدماء والمال الكثير لا في القليل.
٢٤ - باب إذا تسارع قوم في اليمين
٢٦٧٤ - عن أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ عرض على قوم اليمين فأسرعوا، فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف» (٣).
٢٥ - باب قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَ ابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧].
стр. 891
٢٦٧٥ - عن عبد الله بن أبي أوفى ﵄ قال: «أقام رجل سلعته فحلف بالله لقد أُعطي بها ما لم يُعطها. فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾» (١).
٢٦ - باب كيف يُستحلف ؟
قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ وقول الله : ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ يقال: بالله وتالله ووالله.
وقال النبي ﷺ : «ورجل حلف بالله كاذبًا بعد العصر» ولا يُحلف (٢) بغير الله.
٢٦٧٨ - عن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فإذا هو يسأله عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «خمس صلوات في اليوم والليلة»، فقال: هل عليَّ غيره؟ قال: «لا، إلا أن تطوَّع». فقال رسول الله ﷺ : «وصيام شهر رمضان»، هل عليَّ غيره؟ قال: «لا، إلا أن تطوَّع». قال وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، هل عليَّ غيره؟ قال: «لا، إلا أن تطوَّع». قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقُص. قال رسول الله ﷺ : «أفلح (٣) إن صدق».
٢٧ - باب من أقام البينة بعد اليمين
٢٦٨٠ - عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له
стр. 892
بحق أخيه شيئًا (١) بقوله فإنما أقطعُ له قطعة من النار، فلا يأخذها».
قال الحافظ: ... وقد ذهب الجمهور (٢) إلى قبول البيِّنة.
٢٨ - من أمر بإنجاز الوعد. وفعله الحسن
٢٦٨١ - عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: أخبرني أبو سفيان أن هرقل قال له «سألتك ماذا يأمركم؟ فزعمت أنه يأمر بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء (٣) بالعهد وأداء الأمانة، قال: وهذه صفة نبي».
٢٦٨٣ - عن جابر بن عبد الله ﵃ قال: لما مات النبي ﷺ جاء أبا بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي فقال أبو بكر: من كان له على النبي ﷺ دين، أو كانت له قبَلَه عدة فليأتنا: قال جابر: فقلت وعدني رسول الله ﷺ أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا - فبسط يديه ثلاث مرات - قال جابر: فعدَّ في يدي خمسمائة ثم خمسمائة ثم خمسمائة» (٤).
٢٦٨٤ - عن سعيد بن جبير قال: «سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري حتى أقدَمَ على حبر العرب فأسأله.
стр. 893
فقدمت فسألت ابن عباس فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله ﷺ إذا قال فعل» (١).
٢٩ - باب لا يُسأل أهل الشرك عن الشهادة وغيرها
٢٦٨٥ - عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: «يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أُنزل على نبيه ﷺ أحدث الأخبار بالله تقرؤونه لم يُشب؟ وقد حدَّثكم الله أن أهل الكتاب بدَّلوا ما كتب الله وغيَّروا بأيديهم الكتاب فقالوا: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩] أفلا ينهاكم بما جاءكم من العلم عن مُساءلتهم؟ ولا والله ما رأينا منهم رجلًا قط يسألكم عن الذي أُنزل عليكم» (٢).
قال الحافظ: ... لا تقبل ملة على ملة وتقبل بعض الملة على بعضها (٣).
٣٠ - باب القرعة في المشكلات
٢٦٨٦ - عن النعمان بن بشير ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «مثل
стр. 894
المُدهن (١) في حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها (٢)، فكان الذين في أسفلها يمرُّون بالماء على الذين في أعلاها، فتأذوا به، فأخذ فأسًا فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه فقالوا: مالك؟ قال: تأذيتم بي ولا بُدَّّ لي من الماء، فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجّوا أنفسهم، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم».
٢٦٨٧ - عن خارجة بن زيد الأنصاري أن أم العلاء امرأة من نسائهم قد بايعت النبي ﷺ أخبرته «أن عثمان بن مظعون طار له سهمه في السُّكنى حين أقرعت الأنصار سكنى المهاجرين، قالت أم العلاء فسكن عندنا عثمان بن مظعون، فاشتكى فمرَّضناه، حتى إذا تُوفيَ وجعلناه في ثيابه دخل علينا رسول الله ﷺ فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال لي النبي ﷺ : «وما يُدريك أن الله أكرمه؟ » فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : «أما عثمان فقد جاءه والله اليقين، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري (٣) - أنا رسول الله - ما يُفعل به». قالت: فوالله لا أزكي أحدًا بعده أبدًا، وأحزنني
стр. 895
ذلك. قالت: فنمت فأُريت لعثمان عينًا تجري، فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: «ذلك عمله».
٢٦٨٨ - عن عائشة ﵁ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها. غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي ﷺ تبتغي بذلك رضا رسول الله ﷺ » (١).
٢٦٨٩ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التَّهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا» (٢)(٣).
стр. 896
٥٣ - كتاب الصلح
٢ - باب ما جاء في الإصلاح بين الناس
٢٦٩٠ - عن سهل بن سعد ﵁ «أن ناسًا من بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء، فخرج إليهم النبي ﷺ في أناس من أصحابه يصلح بينهم، فحضرت الصلاة ولم يأت النبي ﷺ ، فأذّن بلال بالصلاة ولم يأت النبي ﷺ . فجاء إلى أبي بكر فقال: إن النبي ﷺ حُبس، وقد حضرت الصلاة، فهل لك أن تؤُم الناس؟ فقال: نعم، إن شئت. فأقام الصلاة فتقدم أبو بكر، ثم جاء النبي ﷺ يمشي في الصفوف حتى قام في الصف الأول، فأخذ الناس في التصفيح حتى أكثروا، وكان أبو بكر لا يكاد يلتفت في الصلاة، فالتفت فإذا هو بالنبي ﷺ وراءه، فأشار إليه بيده فأمره أن يصلِّي كما هو، فرفع أبو بكر يده فحمد الله (١)،
ثم رجع القهقري،
стр. 897
وراءه حتى دخل في الصف، فتقدم النبي ﷺ فصلى بالناس، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس، إذا نابكم شيء في صلاتكم أخذتم بالتصفيح، إنما التصفيح للنساء، من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان الله، فإنه لا يسمعه أحد إلا التفت. يا أبا بكر، ما منعك حين أشرت إليك بم تُصلِّ بالناس؟ فقال: ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يصلِّي بين يدي النبي ﷺ ».
٢٦٩١ - عن أنس ﵁ قال: «قيل للنبي ﷺ : لو أتيت عبد الله بن أُبيّ. فانطلق إليه النبي ﷺ وركب حمارًا، فانطلق المسلمون يمشون معه - وهي أرض سبخة - فلما أتاه النبي ﷺ قال: إليك عنِّي، والله لقد آذاني نتن حمارك. فقال رجل من الأنصار منهم: والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحًا منك. فغضب لعبد الله رجل من قومه، فشتما، فغضب لكلِّ واحد منهما أصحابه، فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنها نزلت ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١) اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾» (٢).
٢ - باب ليس الكاذب الذي يُصلح بين الناس
٢٦٩٢ - عن ابن شهاب أن حميد بن عبد الرحمن أخبره أن أمّه أمّ كلثوم بنت عقبة (٣) أخبرته أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس الكذَّاب
стр. 898
الذي يصلح بين الناس فينمى خيرًا أو يقول خيرا» (١).
٣ - باب قول الإمام لأصحابه: اذهبوا بنا نصلح
٢٦٩٣ - عن سهل بن سعد ﵁ «أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأُخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: اذهبوا بنا نصلح بينهم» (٢).
٤ - باب قوله تعالى: ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾
٢٦٩٤ - عن عائشة ﵂ ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قالت: «هو الرجل يرى من امرأته ما لا يُعجبه كِبرًا أو غيره فيريد فراقها، فتقول: أمسكني، واقسم لي ما شئت. قالت: ولا بأس إذا تراضيا» (٣).
стр. 899
٥ - باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود
٢٦٩٥، ٢٦٩٦ - عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ قالا: «جاء أعرابي فقال: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله. فقام خصمه فقال: صدق، اقض بيننا بكتاب الله. فقال الأعرابي: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، فقالوا لي: على ابنك الرَّجم، ففديت ابني منه بمائة من الغنم ووليدة، ثم سألت أهل العلم فقالوا: إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام. فقال النبي ﷺ : «لأقضين بينكما بكتاب الله، أما الوليدة والغنم فردٌ عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام. وأما أنت يا أُنيس- لرجل- فاغد على امرأة هذا فارجمها». فغدا عليها أنيس فرجمها» (١).
٢٦٩٧ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ» (٢).
٦ - باب كيف يُكتب «هذا ما صالح فلان بن فلان (٣) فلان بن فلان»
٢٦٩٨ - عن البراء بن عازب ﵄ قال: لما صالح رسول الله ﷺ أهل الحديبية كتب علي بن أبي طالب رضوان الله عليه بينهم كتابًا. فكتب «محمد رسول الله» فقال المشركون: لا تكتب محمد رسول الله،
стр. 900
لو كنت رسولًا لم نُقاتلك. فقال لعلي: امحُه. فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه رسول الله ﷺ بيده، وصالحهم على أن يدخل هو وأصحابه ثلاثة أيام، ولا يدخلوها إلا بجُلبّان السلاح. فسألوه: ما جلبَّان السلاح؟ فقال: القراب بما فيه» (١).
٢٦٩٩ - عن البراء ﵁ قال: «اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يَدَعوه يدخل مكة، حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام. فلما كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ﷺ ، فقالوا: لا نُقرُّ بها، فلو نعلم أنك رسول الله ما منعناك، لكن أنت محمد بن عبد الله. قال: أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله، ثم قال: لعلي أمح «رسول الله» قال: لا والله لا أمحوك أبدًا، فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب فكتب (٢): هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، لا يدخل مكة سلاح إلا في القراب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع أحدًا من أصحابه أراد أن يقيم بها. فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليًا فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الأجل. فخرج النبي ﷺ ، فتبعتهم ابنة حمزة- يا عم، يا عم- فتناولها عليٌّ فأخذ بيدها وقال لفاطمة:
стр. 901
دونك ابنة عمك احمليها. فاختصم فيها عليٌّ (١) وزيد وجعفر. فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي وخالتها تحتي. وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بها النبي ﷺ لخالتها وقال: الخالة بمنزلة الأم، وقال لعلي أنت مني وأنا منك. وقال لجعفر أشبهت خلقي وخُلقي. وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا».
٧ - باب الصلح مع المشركين
٢٧٠٠ - عن البراء بن عازب ﵄ قال: صالح النبي ﷺ المشركين يوم الحديبية على ثلاثة أشياء: على أن من أتاه من المشركين ردَّه إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردُّوه. وعلى أن يدخلها من قابل ويقيم بها ثلاثة أيام، ولا يدخلها إلا بجلبُّان السلاح: السيف والقوس ونحوه. فجاء أبو جندل (٢) يحجل في قيوده فردَّه إليهم».
٨ - باب الصلح في الدية
٢٧٠٣ - عن أنس أن الرُّبيّع- وهي ابنة النضر- كسرت ثنية جارية، فطلبوا الأرش وطلبوا العفو، فأبَوا. فأتوا النبي ﷺ فأمرهم بالقصاص، فقال أنس بن النضر: أتُكسر ثنيَّة الرُّبيع يا رسول الله؟ لا والذي بعثك
стр. 902
بالحق لا تُكسر ثنيَّتُها. (١) فقال: يا أنس كتاب الله القصاص. فرضي القوم وعفوا، فقال النبي ﷺ : «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره».
٩ - باب قول النبي ﷺ للحسن بن علي ﵄: «ابني هذا سيد، ولعل الله أن يُصلح به بين فئتين عظيمتين، وقوله جل ذكره ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ .
٢٧٠٣ - عن الحسن قال: «استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لأتُولى حتى تقتل أقرانها. فقال له معاوية- وكان والله خير الرجلين- أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس، من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس- عبد الرحمن بن سمُرة وعبد الله بن عامر بن كُريز- فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه. فأتياه فدخلا عليه فتكلَّما وقالا له وطلبا إليه. فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها. قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك. قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به. فما سألهما شيئًا إلا قالا: نحن لك به. فصالحه (٢). فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر- والحسن بن علي إلى جنبه-
стр. 903
وهو يُقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين».
١٠ - باب هل يشير الإمام بالصُّلح ؟
٢٧٠٥ - عن عائشة ﵂ قالت: «سمع رسول الله ﷺ صوت خصوم بالباب، عالية أصواتهم، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج عليهما رسول الله ﷺ فقال: «أين المتألّي على الله لا يفعل بالمعروف؟ » فقال: أنا يا رسول الله، فله أيُّ ذلك أحبَّ» (١).
١٢ - باب إذا أشار الإمام بالصلح فأبى، حكم عليه بالحكم البين
٢٧٠٩ ـ- عن عروة بن الزبير أن الزبير كان يُحدث أنه خاصم رجلًا من الأنصار قد شهد بدرًا إلى رسول الله ﷺ في شراج من الحرَّة كانا يسقيان به كلاهما، فقال رسول الله ﷺ للزبير: «اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك» (٢). فغضب الأنصاري فقال: يا رسول الله أن كان ابن عمّتك. فتلوَّن وجه رسول الله ﷺ ثم قال: «اسق، ثم احبس حتى يبلغ الجدر». فاستوعى رسول الله
стр. 904
- ﷺ حينئذ حقه للزبير. وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي سعة له وللأنصاري فلما أحفظ الأنصاري رسول الله ﷺ استوعى للزبير حقه في صريح الحكم، قال عروة قال الزبير: والله ما أحسب هذه الآية إلا في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾».
١٣ - باب الصلح بين الغرماء وأصحاب الميراث، والمجازفة في ذلك
وقال ابن عباس: لا بأس أن يتخارج الشريكان (١) فيأخذ هذا دينًا وهذا عينًا فإن توَى لأحدهما لم يرجع على صاحبه
٢٧٠٩ - عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «توفي أبي وعليه دين، فعرضت على غرمائه أن يأخذوا التمر بما عليه فأبوا، ولم يروا أن فيه وفاء، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: إذا جَددته فوضعته في المربد آذنت رسول الله ﷺ . فجاء ومعه أبو بكر وعمر، فجلس عليه ودعا بالبركة ثم قال: ادع غُرماءك فأوفهم. فما تركت أحدًا له على أبي دَينٌ إلا قضيتَه، وفضل ثلاثة عشر وسقًا: سبعةٌ عجوةٌ وستةٌ لونٌ، أو ستةٌ عجوةٌ وسبعةٌ لون. فوافيت مع رسول الله ﷺ المغرب فذكرت ذلك له، فضحك فقال: ائت أبا بكر وعمر فأخبرهما، فقالا: لقد علمنا- إذ صنع رسول الله ﷺ ما صنع- أن سيكون ذلك» (٢).
стр. 905
١٤ - باب الصلح بالدَّين والعين (١)
٢٧١٠ - عن عبد الله بن كعب أن كعب بن مالك أخبره أنه تقاضى ابن أبي حدْرد دينًا كان له عليه في عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج رسول الله ﷺ إليهما حتى كشف سجفَ حجرته فنادى كعب بن مالك، فقال: «يا كعب»، فقال: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن ضع الشَّطر، فقال كعب: قد فعلت يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «قم فاقضه» (٢).
стр. 906
٥٤ - كتاب الشروط
١ - باب ما يجوز من الشروط في الإسلام، والأحكام، والمبايعة
٢٧١١، ٢٧١٢ - عن مروان والمسور بن مخرمة ﵄ يخبران عن أصحاب رسول الله ﷺ قال: «لما كاتب سُهيل بن عمرو يومئذ كان فيما اشترط (١) سهيل بن عمرو على النبي ﷺ أن لا يأتيك منا أحد (٢) - وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه. فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا منه، وأبي سهيل إلا ذلك فكاتبه النبي ﷺ على ذلك، فردَّ يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلمًا. وجاءت المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله ﷺ يومئذ- وهي عاتق- فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعهم إليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ - إلى قوله- وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾».
٢٧١٣ - قال عروة فأخبرتني عائشة «أن رسول الله ﷺ كان يمتحنهن بهذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ (٣) -
стр. 907
إلى- غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال عروة قالت عائشة: فمن أقرَّ بهذا الشرط منهن قال لها رسول الله ﷺ : «قد بايعتك» كلامًا يكلمها به، والله ما مسَّت يده يد امرأة قط في المبايعة، وما بايعهم إلا بقوله».
٢ - باب إذا باع نخلاً قد أُبر
٢٧١٦ - عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من باع نخلًا قد أُبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع» (١).
٤ - باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمَّي جاز
٢٧١٨ - عن جابر «أنه كان يسير على جمل له قد أعيا، فمرَّ النبي ﷺ فضربه، فسار سيرًا ليس يسير مثله. ثم قال: بعنيه بأوقية، فبعته، فاسثنيت حملانه إلى أهلي. فلما قدمنا أتيته بالجمل ونقدني ثمنه، ثم انصرفت، فأرسل على أثري قال: ما كنت لآخذ جملك، فخذ جملك ذلك فهو مالك» (٢).
стр. 908
٥ - باب الشروط في المعاملة
٢٧٢٠ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «أعطى رسول الله ﷺ خيبر اليهود أن يعملوها ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها» (١).
٦ - باب الشروط في المهر عند عُقدة النكاح
وقال عمر: إن مقاطع الحقوق عند الشروط، ولك ما شرطت. وقال المسور: «سمعت النبي ﷺ ذكر صهرًا له فأثنى عليه في مصاهرته فأحسن قال: حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي» (٢).
٢٧٢١ - عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج» (٣).
٧ - باب الشروط في المزارعة
٢٧٢٢ - عن رافع بن خديج ﵁ قال: «كنا أكثر الأنصار حقلًا، فكنا نُكري الأرض، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه. فنُهينا عن ذلك، ولم نُنْه عن الوَرِق» (٤).
стр. 909
٩ - باب الشروط التي لا تحل في الحدود
٢٧٢٤، ٢٧٢٥ - عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ أنهما قالا: » إن رجلًا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله. فقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه-: نعم فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي. فقال رسول الله ﷺ : «قل». قال: إن ابني عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، وإني أُخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله: الوليدة والغنم ردُّ، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام. اغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها». قال فغدا عليها فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرُجمت» (١).
١٠ - باب ما يجوز من شروط المكاتب إذا رضي بالبيع على أن يُعتق
٢٧٢٦ - عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه قال: دخلت على عائشة ﵂ قالت: دخلت علي بريرة وهي مكاتبة فقالت: يا أم
стр. 910
المؤمنين اشتريني، فإن أهلي يبيعوني فأعتقيني. قالت: نعم قالت: إن أهلي لا يبغونني حتى يشترطوا ولائي. قالت: لا حاجة لي فيك. فسمع ذلك رسول الله ﷺ أو بلغه- فقال: «ما شأن بريرة؟ » فقال: اشتريها فأعتقيها وليشترطوا ما شاءوا. قالت فاشتريتها فأعتقتها واشترط أهلها ولاءها، فقال النبي ﷺ : «الولاء لمن أعتق، وإن اشترطوا مائة شرط ﷺ » (١).
١١ - باب الشروط في الطلاق
٢٧٢٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن التلقي، وأن يبتاع المهاجر للأعرابي، وأن تشترط المرأة طلاق أختها، وأن يستام الرجل على سوم أخيه. ونهى عن النَّجش، وعن التصرية» (٢).
قال الحافظ: ... في الرجل يقول امرأته طالق وعبده حر إن لم يفعل كذا يقدم الطلاق والعتاق (٣).
стр. 911
١٢ - باب الشروط مع الناس بالقول
٢٧٢٨ - عن سعيد بن جبير- قال: إنا لعند ابن عباس ﵄ قال: حدثني أبيُّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : «موسى رسول الله .. فذكر الحديث قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾: كانت الأولى نسيانًا، والوسطى شرطًا، والثالثة عمدًا قَالَ ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾، ﴿لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾، ﴿فَانْطَلَقَا ... فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ قرأها ابن عباس «أمامهم ملك» (١).
١٣ - باب الشروط في الولاء
٢٧٢٩ - عن عائشة قالت: جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عامٍ أوقية، فأعينيني. فقالت: إن أحبوا أن أعُدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت. فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم، فأبوا عليها، فجاءت من عندهم ... -ورسول الله ﷺ جالس- فقالت: إني عَرضتُ ذلك عليهم، فأبَوا إلا أن يكون الولاء لهم، فسمع النبي ﷺ فأخبَرَت عائشة النبي ﷺ فقال: «خُديها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق». ففعلت عائشة. ثم قام رسول الله ﷺ في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرط ليس في كتاب (٢) الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، فقضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق».
стр. 912
١٤ - باب إذا اشترط في المزارعة «إذا شئت أخرجتك»
٢٧٣٠ - عن ابن عمر ﵄ قال: «لما دفع أهل خيبر عبد الله بن عمر قام عمر خطيبًا فقال: إن رسول الله ﷺ عامل يهود خيبر على أموالهم وقال نقرُّكم ما أقركم الله (١)، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك فعُدي عليه من الليل ففدعت يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدوُّ غيرهم، هم عدوُّنا وتُهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم (٢). فلما أجمع عمر على ذلك أتاه أحد بني أبي الحقيق فقال: يا أمير المؤمنين، أتخرجنا وقد أقرَّنا محمد ﷺ : كيف بك إذا أُخرجت من خيبر تعدو بك قلوصُك ليلة بعد ليلة. فقال: كان ذلك هزيلة من أبي القاسم. فقال: كذبت يا عدو الله. فأجلاهم عمر، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من التمر وإبلًا وعروضًا من أقتاب وحبال وغير ذلك».
قال الحافظ: ... وهذا لا يقتضي حصر السبب في إجلاء عمر إياهم (٣).
١٥ - باب الشروط في الجهاد، والمصالحة مع أهل الحرب، وكتابة الشروط
٢٧٣١، ٢٧٣٢ - حدثني عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرازق أخبرنا معمر قال أخبرني الزهري قال أخبرني عروة عن المسور بن مخرمة ومروان-
стр. 913
يُصدِّق كل واحد منهما حديث صاحبه- قالا» خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ : «إن خالد بن الوليد بالنميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين». فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقَتَرة الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبي ﷺ ، حتى إذا كان بالثَّنيَّة التي يُهبط عليهم منها بَرَكت به راحلته، فقال الناس: حَل حَل. فألحَّت. فقالوا خلأت القصواء. فقال النبي ﷺ : «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخُلق، ولكن حبسها حابس الفيل». ثم قال: «والذي نفسي بيده، لا يسألونني خُطة يُعظمون فيها حُرمات الله إلا أعطيتهم إياها». ثم زجرها فوثبَت. قال فعدَل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرُّضًا، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، وشُكَي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهمًا من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالرَّي حتى صدروا عنه. فبينما هم كذلك، إذ جاء بُديل بن وَرقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة - وكانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة- فقال: إني تركت كعب بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العود المطافيل، وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيت. فقال رسول الله ﷺ : إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهتكمُ الحرب وأضرَّت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويُخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل الناس فعلوا، وإلا فقد جمُّوا. وإن هم أبَوا فو الذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره. فقال بُديل: سأبلغهم ما تقول.
قال فانطلق حتى أتى قريشًا قال: إنا جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا.
стр. 914
فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول. قال سمعته يقول كذا وكذا. فحدَّثهم بما قال النبي ﷺ فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: أو لست بالوَلد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا. ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عُكاظ، فلما بلَّحوا عليَّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رُشد اقبلوها ودعوني آته. قالوا: ائته. فأتاه، فجعل يكَّلم النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ نحوًا من قوله لبديل. فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فإني والله لا أرى وجوهًا، وإني لأرى أشوابًا من الناس خليقًا أن يفرُّوك ويدعوك. فقال له أبو بكر: امصص بَظَر اللات، أنحن نفرُّ عنه وندعهُ؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال وجعل يكلَّم النبي ﷺ ، فكلما تكلَّم كلمة أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر (١)، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ، ضرب يده بنعل السيف، وقال له آخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ . فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر، ألست أسعى في غدرتَك؟ وكان المغيرة صَحَب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم. فقال النبي ﷺ : «أما الإسلام فأقبلُ وأما المال فلست منه في شيء».
ثم إن عروة جعل
стр. 915
يرمُق أصحاب النبي ﷺ بعينيه. فو الله ما تنخم رسول الله ﷺ نُخامةً إلا وقعت في كفَّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدُّون إليه النظر تعظيمًا له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدتُ على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت مليكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدًا، والله إن يتنخَّمُ نُخامة إل وقعت في كفَّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدُّدون إليه النظر تعظيمًا له، وإنه قد عرَض عليكم خطة رُشد فأقبلوها.
فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتيه، فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال رسول الله ﷺ : هذا فلان، وهو من قوم يُعظمون البدن، فابعثوها له. فبُعثت له، واستقبله الناس يُلبُّون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصدُّوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البُدن قد قُلِّدت وأُشعرت، فما أرى أن يُصدُّوا عن البيت. فقام رجل منهم يُقال له مكرز بن حفص فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ : «هذا مكرز، وهو رجل فاجر». فجعل يكلم النبي ﷺ . فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو. قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي ﷺ : «قد سهل لكم من أمركم». قال معمر قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتُب بيننا وبينكم كتابًا. فدعا النبي ﷺ الكاتب، فقال النبي ﷺ : «بسم الله الرحمن الرحيم» فقال سهيل: أما