١٢ - باب الشروط مع الناس بالقول
٢٧٢٨ - عن سعيد بن جبير- قال: إنا لعند ابن عباس ﵄ قال: حدثني أبيُّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : «موسى رسول الله .. فذكر الحديث قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾: كانت الأولى نسيانًا، والوسطى شرطًا، والثالثة عمدًا قَالَ ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾، ﴿لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾، ﴿فَانْطَلَقَا ... فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ قرأها ابن عباس «أمامهم ملك» (١).
١٣ - باب الشروط في الولاء
٢٧٢٩ - عن عائشة قالت: جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عامٍ أوقية، فأعينيني. فقالت: إن أحبوا أن أعُدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت. فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم، فأبوا عليها، فجاءت من عندهم ... -ورسول الله ﷺ جالس- فقالت: إني عَرضتُ ذلك عليهم، فأبَوا إلا أن يكون الولاء لهم، فسمع النبي ﷺ فأخبَرَت عائشة النبي ﷺ فقال: «خُديها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق». ففعلت عائشة. ثم قام رسول الله ﷺ في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرط ليس في كتاب (٢) الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، فقضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق».
стр. 912
١٤ - باب إذا اشترط في المزارعة «إذا شئت أخرجتك»
٢٧٣٠ - عن ابن عمر ﵄ قال: «لما دفع أهل خيبر عبد الله بن عمر قام عمر خطيبًا فقال: إن رسول الله ﷺ عامل يهود خيبر على أموالهم وقال نقرُّكم ما أقركم الله (١)، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك فعُدي عليه من الليل ففدعت يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدوُّ غيرهم، هم عدوُّنا وتُهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم (٢). فلما أجمع عمر على ذلك أتاه أحد بني أبي الحقيق فقال: يا أمير المؤمنين، أتخرجنا وقد أقرَّنا محمد ﷺ : كيف بك إذا أُخرجت من خيبر تعدو بك قلوصُك ليلة بعد ليلة. فقال: كان ذلك هزيلة من أبي القاسم. فقال: كذبت يا عدو الله. فأجلاهم عمر، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من التمر وإبلًا وعروضًا من أقتاب وحبال وغير ذلك».
قال الحافظ: ... وهذا لا يقتضي حصر السبب في إجلاء عمر إياهم (٣).
١٥ - باب الشروط في الجهاد، والمصالحة مع أهل الحرب، وكتابة الشروط
٢٧٣١، ٢٧٣٢ - حدثني عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرازق أخبرنا معمر قال أخبرني الزهري قال أخبرني عروة عن المسور بن مخرمة ومروان-
стр. 913
يُصدِّق كل واحد منهما حديث صاحبه- قالا» خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ : «إن خالد بن الوليد بالنميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين». فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقَتَرة الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبي ﷺ ، حتى إذا كان بالثَّنيَّة التي يُهبط عليهم منها بَرَكت به راحلته، فقال الناس: حَل حَل. فألحَّت. فقالوا خلأت القصواء. فقال النبي ﷺ : «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخُلق، ولكن حبسها حابس الفيل». ثم قال: «والذي نفسي بيده، لا يسألونني خُطة يُعظمون فيها حُرمات الله إلا أعطيتهم إياها». ثم زجرها فوثبَت. قال فعدَل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرُّضًا، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه، وشُكَي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهمًا من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالرَّي حتى صدروا عنه. فبينما هم كذلك، إذ جاء بُديل بن وَرقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة - وكانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة- فقال: إني تركت كعب بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العود المطافيل، وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيت. فقال رسول الله ﷺ : إنا لم نجيء لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهتكمُ الحرب وأضرَّت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة ويُخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل الناس فعلوا، وإلا فقد جمُّوا. وإن هم أبَوا فو الذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره. فقال بُديل: سأبلغهم ما تقول.
قال فانطلق حتى أتى قريشًا قال: إنا جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا.
стр. 914
فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول. قال سمعته يقول كذا وكذا. فحدَّثهم بما قال النبي ﷺ فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: أو لست بالوَلد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا. ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عُكاظ، فلما بلَّحوا عليَّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رُشد اقبلوها ودعوني آته. قالوا: ائته. فأتاه، فجعل يكَّلم النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ نحوًا من قوله لبديل. فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فإني والله لا أرى وجوهًا، وإني لأرى أشوابًا من الناس خليقًا أن يفرُّوك ويدعوك. فقال له أبو بكر: امصص بَظَر اللات، أنحن نفرُّ عنه وندعهُ؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك. قال وجعل يكلَّم النبي ﷺ ، فكلما تكلَّم كلمة أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر (١)، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ، ضرب يده بنعل السيف، وقال له آخر يدك عن لحية رسول الله ﷺ . فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر، ألست أسعى في غدرتَك؟ وكان المغيرة صَحَب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم. فقال النبي ﷺ : «أما الإسلام فأقبلُ وأما المال فلست منه في شيء».
ثم إن عروة جعل
стр. 915
يرمُق أصحاب النبي ﷺ بعينيه. فو الله ما تنخم رسول الله ﷺ نُخامةً إلا وقعت في كفَّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدُّون إليه النظر تعظيمًا له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدتُ على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت مليكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدًا، والله إن يتنخَّمُ نُخامة إل وقعت في كفَّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدُّدون إليه النظر تعظيمًا له، وإنه قد عرَض عليكم خطة رُشد فأقبلوها.
فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتيه، فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال رسول الله ﷺ : هذا فلان، وهو من قوم يُعظمون البدن، فابعثوها له. فبُعثت له، واستقبله الناس يُلبُّون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يُصدُّوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البُدن قد قُلِّدت وأُشعرت، فما أرى أن يُصدُّوا عن البيت. فقام رجل منهم يُقال له مكرز بن حفص فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ : «هذا مكرز، وهو رجل فاجر». فجعل يكلم النبي ﷺ . فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو. قال معمر: فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي ﷺ : «قد سهل لكم من أمركم». قال معمر قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتُب بيننا وبينكم كتابًا. فدعا النبي ﷺ الكاتب، فقال النبي ﷺ : «بسم الله الرحمن الرحيم» فقال سهيل: أما
стр. 916
«الرحمن» فو الله ما أدري ما هي، ولكن اكتب «باسمك اللهم» كما كنت نكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا «بسم الله الرحمن الرحيم»، فقال النبي ﷺ : «اكتب باسمك اللهم». ثم قال: «هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله»، فقال سهيل: والله لو كنَّا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله. فقال النبي ﷺ : وإني لرسول الله وإن كذَّبتموني، اكتب «محمد بن عبد الله» قال الزهري: وذلك لقوله «لا يسألونني خُطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها» فقال له النبي ﷺ : على أن تُخلُّوا بيننا وبين البيت فنطوف به. فقال: سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل- وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا.
قال المسلمون: سبحان الله، كيف يُردُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سُهيل ابن عمرو يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن تردُه إلى فقال النبي ﷺ : إنا لم نقض الكتاب بعد. قال: فو الله إذًا لم أصالحك على شيء أبدًا. قال النبي ﷺ : فأجزه لي، قال: ما أنا بمجيزة لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بل قد أجزناه لك (١). قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أُردُّ إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عُذُّب عذابًا شديدًا في الله. قال فقال عمر ابن الخطاب: فأتيت نبي الله ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقًا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نُعطي
стр. 917
الدَّنية في ديننا إذًا؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري، قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى ﷺ فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال قلت: لا. قال فإنك آتيه ومُطوَّف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقًا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطى الدنية في ديننا إذًا؟ قال: أيها الرجل، إنه لرسول الله ﷺ ، وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه فو الله إنه على الحق (١). قلت أليس كان يحدَّثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى ﷺ فأخبرتك أنا تأتيه العام؟ قال قلت: لا: فإنك آتيه ومُطوَّف به. قال الزهري قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا.
قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: قوموا فانحروا (٢) ثم احلقوا. قال: فو الله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم (٣) منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بُدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلَّم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحرَ بُدنه، ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا،
стр. 918
حتى كان بعضهم يقتُل غمًا. ثم جاء نسوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ - حتى بلغ- بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدًا، فاستله الآخر، فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جرَّبت به ثم جرَّبت به ثم جرَّبت. فقال أبو بصير: أرني انظر إليه، فأمكنه منهن فضربه حتى برد، وفرَّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: لقد رأى هذا ذُعرًا، فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قُتل والله صاحبي وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله، قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم. قال النبي ﷺ : ويل أمَّه مسعر حرب لو كان له أحد، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر. قال وينفلت منهم أبو جندل بين سُهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمع منهم عصابة، فو الله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها. فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل فمن أتاه فهو آمن فأرسل النبي ﷺ إليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ - حتى بلغ- حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾.
стр. 919
وكانت حميَّتهم أنهم لم يقروُّا أنه نبيُّ الله، ولم يُقرُّوا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت».
قال أبو عبد الله معرَّة العُرِّ: الجرَبُ. تزَيِّلوا. وحميتُ القومَ: منعتهم حماية. وأحميتُ الحمى: جعلته حمى لا يُدْخل. وأحميت الرَّجل إذا أغضبته إحماء.
قال الحافظ: ... وقد اختلف العلماء في المدة التي تجوز المهادنة فيها مع المشركين: فقيل لا تجاوز عشر سنين على ما في هذا الحديث وهو قول الشافعي والجمهور، وقيل تجوز الزيادة، وقيل لا تجاوز أربع سنين، وقيل ثلاثًا، وقيل سنتين، والأول هو الراجح والله أعلم (١).
стр. 920
١٦ - باب الشروط في القرض
٢٧٣٤ - عن أبي هريرة ﵁ «عن رسول الله ﷺ أنه ذكر رجلًا سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فدفعها إليه إلى أجل مسمى» (١).
стр. 921
١٧ - باب المكاتب، وما لا يحل من الشروط التي تخالف كتاب الله
٢٧٣٥ - عن عائشة ﵂ قالت: أتتها بريرة تسألها في كتابتها فقالت: إن شئت أعطيت أهلك ويكون الولاء لي. فلما جاء رسول الله ﷺ ذكرته ذلك، قال النبي ﷺ : «ابتاعيها فأعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق». ثم قام رسول الله ﷺ على المنبر، فقال: «ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطًا ليس في كتاب (١) الله فليس له وإن اشترط مائة شرط».
١٨ - باب ما يجوز من الاشتراط والثُّنيا في الإقرار
والشروط التي يعارفها الناس بينهم. وإذا قال مائة إلا واحدة أو اثنتين. وقال ابن عون عن ابن سيرين: قال الرجل لكريِّه: أدخل ركابك، فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم، فلم يخرج، فقال شريح: من شرط على نفسه طائعًا غير مكره فهو عليه. وقال أيوب عن ابن سيرين: إن رجلًا باع طعامًا. قال: إن لم آتك الأربعاء فليس بيني وبينك بيع (٢)، فلم يجئ، فقال شريح للمشتري: أنت أخلفت، فقضى عليه» (٣).
стр. 922
٢٧٣٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدة (١)، من أحصاها دخل الجنة» (٢).
١٩ - باب الشروط في الوقف
٢٧٣٧ - عن ابن عمر ﵄ «أن عمر بن الخطاب أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها فقال يا رسول الله، إني أصبت أرضًا بخيبر لم أُصب مالًا قط أنْفَس عندي منه، فما تأمر به؟ قال إن شئت حبَسْت أصلها وتصدَّقت بها (٣). قال فتصدق بها عمر أنه لا يُباع ولا يوهب ولا يورث. وتصدق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيَّف، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويُطعم غير متموِّل».
стр. 923
٥٥ - كتاب الوصايا
١ - باب الوصايا، قول النبي ﷺ وصية الرجل مكتوبة عنده
٢٧٣٩ - عن عمرو بن الحارث خَتَن رسول الله ﷺ أخي جُويرية بنت الحارث قال: «ما ترك رسول الله ﷺ عند موته درهمًا ولا دينارًا ولا عبدًا ولا أمة ولا شيئًا، إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضًا جعلها صدقة» (١).
٢٧٤٠ - عن طلحة بن مُصَرِّف قال: «سألت عبد الله بن أبي أوفى ﵄: هل كان النبي ﷺ أوصى؟ فقال: لا. فقلت: كيف كُتب على الناس الوصيَّة أو أُمروا بالوصية؟ قال: أوصى بكتاب الله» (٢).
٢٧٤١ - عن إبراهيم عن الأسود قال: «ذكروا عند عائشة أن عليًا ﵄ كان وصيًا، فقالت: متى أوصى إليه وقد كنت مسندته إلى صدري- أو قالت: حَجْري- فدعا بالطسْت، فلقد انخنث في حجْري فما شعرت أنه قد مات، فمتى أوصى إليه؟ » (٣).
стр. 924
قال الحافظ ... والمعتبر فيه أن يعقل ما يوصي به. وروى الموطأ (١) فيه أثرًا عن عمر أنه أجاز وصية غلام لم يحتلم، وذكر البيهقي أن الشافعي علق به على صحة الأثر المذكور، وهو قوي فإن رجاله ثقات وله شاهد، وقيد مالك صحتها بما إذا عقل ولم يخلط، وأحمد بسبع وعنه بعشر.
٢ - باب أن يترُك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس
٢٧٤٢ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: «جاء النبي ﷺ يعودني وأنا بمكة، وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها، قال: يرحم الله ابن عفراء. قلت: يا رسول الله أُوصي بمالي كله؟ قال: لا. قلت: فالشطر؟ قال: لا. قلت: الثلث؟ قال: فالثلث والثلث كثير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة، حتى اللقمة التي ترفعها إلى فيّ امرأتك، وعسى الله أن يرفعك فينتفع بك ناس ويُضرَّ بك آخرون. ولم يكن له يومئذ إلا ابنة» (٢).
стр. 925
٣ - باب الوصية بالثلث
وقال الحسن: لا يجوز للذِّميِّ (١) وصيَّة إلا الثلث وقال الله : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
٢٧٤٤ - عامر بن سعد عن أبيه ﵁ قال: «مرضت فعادني النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن لا يرُدَّني على عقبي. قال: لعل الله يرفعك وينفع بك ناسًا. قلت: أريد أن أوصي وإنما لي ابنة. قلت: أوصي بالنصف؟ قال: النصف كثير. قلت: فالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير- أو كبير- قال فأوصى الناس بالثلث فجاز ذلك لهم» (٢).
٤ - باب قول الموصي لوصيِّه: تعاهد ولدي. وما يجوز للوصيِّ من الدعوى
٢٧٤٥ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت: «كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص ... الحديث ... فقال رسول الله ﷺ : «هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحَجرُ». ثم قال لسودة بنت زمعة احتجبي منه. لما رأى من شبهه بعتبة. فما رآها حتى لقي الله» (٣).
стр. 926
٥ - باب إذا أومأ المريض برأسه إشارة بيِّنة جازت
٢٧٤٦ - عن أنس ﵁ «أن يهوديًا رضَّ رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: من فعل بك؟ أفلان أو فلان؟ حتى سُمِّي اليهودي فأومأت برأسها، فجيء به، فلم يزل حتى اعترف، فأمر النبي ﷺ فرُضَّ رأسه بالحجارة (١).
٦ - باب لا وصية لوارث
٢٧٤٧ - عن ابن عباس ﵄ قال: «كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحبَّ، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والرُّبع» (٢).
٧ - باب الصدقة عند الموت
٢٧٤٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رجل للنبي ﷺ يا رسول الله: أي الصدقة أفضل؟ قال: «أن تصدَّق وأنت صحيح حريص، تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تُمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان
стр. 927
كذا وقد كان لفلان» (١).
٨ - باب قول الله ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾
ويُذكر أن شُريحًا وعمر بن عبد العزيز وطاوسًا وعطاء وابن أُذينة أجازوا إقرار المريض بدَين. وقال الحسن أحق ما تصدق به الرجل آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة (٢). وقال إبراهيم والحكم: إذا أبرأ الوارث من الدين برئ (٣). وأوصى رافع بن خديج أن لا تُكشف امرأته الفزارية عما أغلق عليه بابها (٤). وقال الحسن إذا قال لمملوكه عند الموت: كنت (٥) أعتقتك جاز (٦). وقال الشَّعبي: إذا قالت المرأة عند موتها: إن زوجي قضاني وقبضت (٧) منه جاز. وقال بعض الناس (٨): لا يجوز إقراره لسوء الظن به للورثة. ثم
стр. 928
استحسن فقال: يجوز إقراره بالوديعة والبضاعة والمضاربة (١). وقد قال النبي ﷺ : «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» ولا يحل مال المسلمين لقول النبي ﷺ : «آية المنافق إذا ائتُمن خان» وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فلم يخص وارثًا ولا غيره.
٢٧٤٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا ائتُمن خان، وإذا وعد أخلَف» (٢).
٩ - باب تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾
ويُذكر أن النبي ﷺ قضى بالدَّين (٣) قبل الوصية. وقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فأداء الأمانة أحق من تطوع الوصية. وقال النبي ﷺ : «لا صدقة إلا عن ظهر غنىً». وقال ابن عباس: لا يُوصِي العبد إلا بإذن أهله. وقال النبي ﷺ : «العبد راع في مال سيده» (٤).
٢٧٥٠ - عن حكيم بن حزام ﵁ قال: «سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال لي: يا حكيم، إن هذا المال خَضر حلوٌ، فمن أخذه بسخاوة (٥) نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس
стр. 929
لم يُبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا (١) خير من اليد السفلى. وقال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، لا أرزأُ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا فكان أبو بكر يدعو حكيمًا ليُعطيه العطاء بعدك شيئًا. ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله، فقال: يا معشر المسلمين، إني أعرضُ عليه حقَّه الذي قسم الله له من هذا الفيء فأبى أن يأخذه. فلم يرزأ حكيم أحدًا من الناس بعد النبي ﷺ حتى توفي ﵀» (٢).
٢٧٥١ - عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كلكم راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية ومسؤولة عن رعيَّتها، والخادم في مال سيده راع ومسؤول عن رعيته، قال: وأحسب أن قد قال: والرجل راع في مال أبيه» (٣).
١٠ - باب إذا وقف أو أوصى لأقاربه، ومِن الأقارب ؟
وقال الأنصاري حدثني أبي عن ثمامة عن أنس بمثل حديث ثابت «قال
стр. 930
اجعلها لفقراء قرابتك، قال أنس: فجعلها لحسان وأُبيَّ بن كعب وكانا أقرب إليه مني».
١١ - باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب ؟
٢٧٥٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: «قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) [الشعراء: ٢١٤] قال: يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم، لا أُغني عنكم من الله شيئًا. يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا. يا صفية عمه رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا. ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا».
стр. 931
١٢ - باب هل ينتفع الواقف بوقفه ؟
٢٧٥٥ - عن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا سوق بدنة فقال: «أركبها»، قال: يا رسول الله إنها بدنة، قال: «أركبها ويلك» في الثانية أو في الثالثة» (١).
١٥ - باب إذا قال أرضي أو بستاني صدقة الله عن أمي فهو جائز، وإن لم يُبيَّن لمن ذلك
٢٧٥٦ - عن ابن عباس ﵄ «أن سعد بن عُبادة ﵁ تُوفيت أمَّه وهو غائب عنها فقال: يا رسول الله إن أمي تُوفيت وأنا غائب عنها، أينفعها شيء إن تصدَّقت به عنها؟ قال: نعم. قال: فإني أُشهدك أن حائطي المخراف صدقة عليها» (٢).
١٦ - باب إذا تصدق أو وقف بعض رقيقه أو دوابَّه فهو جائز
٢٧٥٧ - عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب (٣) بن مالك ﵁: قلت يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله
стр. 932
- ﷺ ، قال: أُمسك عليك بعض مالك فهو خير لك. قلت: أمسك سهمي الذي بخيبر» (١).
١٧ - باب من تصدَّق إلى وكيله ثم ردَّ الوكيل إليه
٢٧٥٨ - عن أنس ﵁ قال: لما نزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ جاء أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله يقول الله ﵎ في كتابه ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحبَّ أموالي إلىَّ بيرحاء - قال وكانت حديقة كان رسول الله ﷺ يدخلها ويستظل بها ويشرب من مائها - فهي إلى الله وإلى رسول الله ﷺ أرجو بره وذُخره، فضعها أي رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله ﷺ : «بخٍ يا أبا طلحة، ذلك مال رابح قبلناه منك ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين». فتصدَّق به أبو طلحة على ذوي رحمه. قال: وكان منهم أُبيٌّ وحسّان. قال وباع حسان حصته منه من معاوية فقيل له تبيع صدقة أبي طلحة؟ فقال: ألا أبيع صاعًا من تمر بصاع من دراهم؟ قال: وكانت تلك الحديثة في موضع قصر بني حُدَيلة الذي بناه معاوية» (٢).
١٨ - باب قول الله : ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨]
٢٧٥٩ - عن ابن عباس ﵄ قال: «إن ناسًا يزعمون أن هذه
стр. 933
الآية نُسخت، ولا والله ما نُسخت، ولكنها مما تهاون الناس، هما واليان: والٍ يرث وذاك الذي رزق، ووالٍ لا يرث (١) فذاك الذي يقوم بالمعروف، يقول لا أملك لك أن أُعطيك».
٢٧٦١ - عن ابن عباس ﵄ أن سعد بن عُبادة ﵁ استفتى رسول الله ﷺ فقال: إن أمي ماتت وعليها نذرٌ، فقال: «اقضِهِ عنها» (٢).
٢٠ - باب الإشهاد في الوقف والصدقة
٢٧٦٢ - عن عكرمة مولى ابن عباس يقول: «أنبأنا ابن عباس أن سعد بن عبادة ﵁ - أخا بني ساعدة - توفيت أمه وهو غائب، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها شيء إن تصدقت به عنها؟ (٣) قال: «نعم». قال: فني أُشهدك أن حائطي المخراف صدقة عليها».
٢١ - باب قول الله تعالى:
﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا * وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَ ا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢، ٣].
стр. 934
٢٧٦٣ - عن الزهري قال: «كان عروة بن الزبير يحدَّثُ أنه سأل عائشة ﵂ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قالت: هي اليتيمة في حَجِر وليَّها، فيرغب في جمالها ومالها، ويُريد أن يتزوجها بأدنى من سُنة نسائها، فُنهوا عن نكاحهنَّ إلا أن يُقسطوا لهن في إكمال الصَّداق، وأُمروا بنكاح من سواهنَّ من النساء، قالت عائشة: ثم استفتى الناس رسول الله ﷺ بعدُ، فأنزل الله ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧].
قالت [عائشة] فبيَّن الله في هذه أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا في نكاحها ولم يُلحقوها بسنَّتها بإكمال الصداق، فإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء. قال فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يُقسطوا لها الأوفى من الصداق ويُعطوها حقها» (١).
باب وما للوصي أن يعمل في مال اليتيم وما يأكل منه بقدر عمالته
٢٧٦٤ - عن ابن عمر ﵄ «أن عمر تصدَّق بمال له على عهد رسول الله ﷺ وكان يقال له ثمغ، وكان نخلًا - فقال عمر: يا رسول الله إني استفدت مالًا وهو عندي نفيس فأردت أن أتصدَّق به (٢)، فقال النبي ﷺ : «تصدق بأصله، لا يُباع ولا يوهب ولا يُورث، ولكن يُنفق
стр. 935
ثمره». فتصدق به عمر، فصدَقتهُ تلك في سبيل الله وفي الرقاب والمساكين والضيَّف وابن السبيل ولذي القربى، ولا جُناح على من وليه أن يأكل منه بالمعروف، أو يوكل صديقه غير متموَّل به».
٢٧٦٥ - عن عائشة ﵂ ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قالت: أنزلت في والي اليتيم أن يُصيب من ماله إذا كان محتاجًا بقدر ماله (١) بالمعروف».
٢٣ - باب قول الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]
٢٧٦٦ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات». قالوا: يا رسول الله وما هُنَّ؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق؛ وأكل الربا، وأكل (٢) مال اليتيم، والتَّوالي يوم الزحف، وقذف المحصنات (٣) المؤمنات الغافلات».
стр. 936
٢٤ - باب ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لأعنتكم: لأخرجكم وضيَّق ع ليكم. وعَنَتْ (١): خضعت.
٢٧٦٧ - عن أيوب عن نافع قال: ما ردَّ (٢) ابن عمر على أحد وصيَّته وكان ابن سيرين أحب الأشياء إليه في مال اليتيم أن يجتمع إليه نصحاؤه وأولياؤه فينظروا الذي هو خير له. وكان طاووس إذا سُئل عن شيء من أمر اليتامى قرأ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾. وقال عطاء في يتامى الصغير والكبير: يُنفق الولي على كل إنسان بقدره من حصته.
٢٥ - باب استخدام اليتيم في السفر والحضر إذا كان صلاحًا له .
٢٧٦٧ - عن أنس ﵁ قال: «قدم رسول الله ﷺ المدينة ليس له خادم، فأخذ أبو طلحة بيدي فانطلق بي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن أنسًا غلام كيَّس فليخدمك، قال فخدمته في السفر والحضر، ما قال لي لشيء صنعته لم صنعت هذا هكذا؟ ولا لشيء لم أصنعه لم لم تصنع هذا وهكذا؟ » (٣).
стр. 937
٢٦ - باب إذا وقف أرضًا ولم يُبيَّن الحدود فهو جائز، وكذلك الصدقة
٢٧٦٩ - حدثنا عبد الله بن مَسلمة عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحب ماله إليه بيرحاء مستقبلة المسجد، وكان النبي ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيَّب، قال أنس: فلما نزلت ﴿لن تنالوا البرَّ حتى تُنفقوا مما تُحبون﴾ وإن أحب أموالي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برَّها وذخرها عند الله، فضعها حيث أراك الله، فقال: بخ، ذلك مال رابح - أو رايح، شك ابن مسلمة - وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين. قال أبو طلحة: أفعل ذلك يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه (١)».
٢٧٧ - عن ابن عباس ﵄ «أن رجلًا (٢) قال لرسول الله ﷺ إن أمَّه توفيت أينفعها إن تصدقتُ عنها؟ قال: نعم. قال: فإن لي مخرافًا فأنا أشهدك أني قد تصدقت به عنها».
٢٧ - باب إذا وقف جماعة أرضًا مشاعًا فهو جائز
٢٧٧١ - عن أنس ﵁ قال: «أمر النبي ﷺ ببناء مسجد فقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله (٣)».
стр. 938
٢٩ - باب الوقف للغني والفقير والضيف
قال الحافظ: ... وفيه جواز الوقف على الأغنياء لأن ذوي القربي والضيف (١) لم يقيد بالحاجة وهو الأصح عند الشافعية.
٣٠ - باب وقف الأرض للمسجد
٢٧٧٤ - عن أنس بن مالك ﵁ «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة أمر بالمسجد وقال: يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا، فقالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله» (٢).
٣١ - باب وقف الدواب والكُراع والعروض والصامت
وقال الزهري فيمن جعل ألف دينار في سبيل الله، ودفعها إلى غلام له تاجر يتجر بها، وجعل ربحه صدقة للمساكين والأقربين، هل للرجل أن يأكل من ربح تلك الألف شيئًا وإن لم يكن جعل ربحها صدقة في المساكين؟ قال: ليس له أن يأكل منها (٣).
стр. 939
٢٧٧٥ - عن ابن عمر ﵄ أن عمر حمل على فرس له في سبيل الله أعطاها رسول الله ﷺ له فحمل عليها رجلًا، فأُخبر عمر أنه قد وقفها يبيعها، فسأل رسول الله ﷺ أن يبتاعها فقال: «لا تبتعُها، ولا ترجعنَّ في صدقتك» (١).
٣٢ - باب نفقة القيَّم للوقف
٢٧٧٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقتسم ورثتي دينارًا ولا درهمًا، ما تركت - بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي - فهو صدقة» (٢).
٣٣ - باب إذا وقف أرضًا أو بئرًا أو اشترط لنفسه مثل دلاء المسلمين
ووقف أنس دارًا، فكان إذا قدم نزلها. وتصدَّق الزبير بدوره وقال للمردودة من بناته (٣): أن تسكن غير مضرة ولا مُضر بها، فإن استغنت بزوج فليس لها حق. وجعل ابن عمر نصيبه من دار عمر سُكنى لذوي الحاجات من آل عبد الله.
٢٧٧٨ - عن أبي عبد الرحمن «أن عثمان ﵁ حيث حُوصر أشرف عليهم وقال: أنشدُكم الله، ولا أنشد إلا أصحاب النبي ﷺ : ألستم تعلمون
стр. 940
أن رسول الله ﷺ قال: من حفرَ رُومة فله الجنة، فحفرتها؟ ألستم تعلمون أنه قال: من جهَّز جيش العسرة فله الجنة، فجهَّزته؟ قال فصدَّقوه بما قال. وقال عمر في وقفه: لا جُناح على من وليه أن يأكل، وقد يليه الواقف وغيره، فهو واسع لكل» (١).
٣٦ - باب قضاء الوصيَّ ديون الميت بغير محضر من الورثة
٢٧٨١ - عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ «أن أباه استشهد يوم أحد وترك ست بنات وترك عليه دينًا، فلما حضره جذاذ النخل أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله قد علمت أن والدي استُشهد يوم أحُد وترك عليه دينًا كثيرًا، وإني أحبُّ أن يراك الغُرماء. قال: اذهب فبيدر كل تمر على ناحية. ففعلت، ثم دعوته، فلما نظروا إليه أغروا بي تلك الساعة، فلما رأى ما يصنعون طاف حول أعظمها بيدرًا ثلاث مرات، ثم جلس عليه ثم قال: ادع أصحابك، فما زال يكيل لهم حتى أدى الله أمانة والدي، وأنا والله راض أن يؤدي الله أمانة والدي ولا أرجع إلى أخواتي تمرة، فسلم والله والبيادر كلها حتى أني أنظر إلى البيدر الذي عليه رسول الله ﷺ كأنه لم ينقص تمرة واحدة» (٢).
стр. 941
تمت قراءة هذا الجزء
في يوم الخميس ١٩/ ٦/١٤١٣ هـ
في يوم الأحد ٢٠/ ٦/١٤١٣ هـ
فاستغرقنا سنة كاملة ولله الحمد
стр. 942
٥٦ - كتاب الجهاد والسير
١ - باب فضل الجهاد والسير
٢٧٨٢ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ سألت رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: «الصلاة على ميقاتها». قلت: ثم أي؟ قال: «ثم بر الوالدين». قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله».
فسكتُّ عن رسول الله ﷺ ، ولو استزدته لزادني» (١).
٢٧٨٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيَّة، وإذا استُنفرتم فانفروا» (٢).
٢٧٨٤ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: «لكُنَّ أفضل الجهاد حجٌ مبرور» (٣).
٢٧٨٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: دُلَّني على عمل يعدل الجهاد. قال: لا أجده. قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتُر، وتصوم ولا تُفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد ليستنُّ في طوله، فيُكتب له حسنات» (٤).
стр. 943
٢ - باب أفضل الناس مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله
٢٧٨٦ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قيل يا رسول الله أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله ﷺ : «مؤمن (١) يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله». قالوا: ثم من؟ قال: «مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شرَّه (٢) والله أعلم بمن يُجاهد في سبيله - كمثل الصائم القائم. وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه (٣) أن يُدخله الجنة أو يرجعه سالمًا مع أجر أو غنيمة».
٣ - باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء
٢٧٨٨، ٢٧٨٩ - عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ فأطعمته وجعلت تَفلي (٤) رأسه، فنام رسول الله ﷺ ، ثم استيقظ وهو يضحك،
стр. 944
قالت: فقلت: وما يُضحك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أمتي عُرضوا عليَّ غزاة في سبيل الله، يركبون ثبَجَ هذا البحر ملوكًا على الأسرة - أو مثل الملوك على الأسرَّة، شك إسحاق -» قالت: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها رسول الله ﷺ . ثم وضع رأسه، ثم استيقظ وهو يضحك. فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: «ناس من أمتي عُرضوا عليَّ غزاة في سبيل الله» - كما قال في الأول - قالت: قلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: «أنت من الأولين». فركبَت البحر في زمن معاوية بن أبي سفيان فصُرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت».
٤ - باب درجات المجاهدين في سبيل الله
٢٧٩٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقًا على الله أن يُدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي وُلد فيها» (١). فقالوا: يا رسول الله، أفلا نُبشَّر الناس؟ قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة ... - أراه قال: وفوقه عرش الرحمن - ومنه تفجَّر أنهار الجنة»
стр. 945
٥ - باب الغدوة والرَّوحة في سبيل الله، وقاب قوس أحدكم في الجنة
٢٧٩٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لقاب قوس في الجنة خير مما تطلُعُ عليه الشمس وتغرب. وقال: لغدوة أو روحة في سبيل الله خير مما تطلُعُ عليه الشمس وتغرُب» (١).
٦ - باب الحور العين وصفتهن
٢٧٩٦ - عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لروحة في سبيل الله أو غدوة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم من الجنة أو موضوع قيد - يعني سوطه - خير من الدنيا وما فيها. ولو أن امرأة من أهل الجنة اطَّلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحًا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها» (٢).
٧ - باب تمني الشهادة
٢٧٩٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «والذي نفسي بيده، لولا أن رجالًا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلَّفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلَفتُ عن سرية تغدو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أني أُقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أُقتل ثم أحيا، ثم أُقتل ثم أحيا، ثم أُقتل» (٣).
стр. 946
٢٧٩٨ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: خطب النبي ﷺ فقال: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها خالد بن الوليد عن غير إمرة ففُتح له. وقال: ما يسرُّنا أنهم عندنا» (١). أول قال: «ما يسرُّهم أنهم عندنا، وعيناه تذرفان».
٨ - باب فضل من يُصرع في سبيل الله فمات فهو منهم
٢٧٩٩، ٢٨٠٠ - عن أنس بن مالك عن خالته أم حرام بنت مِلحان قالت: نام النبي ﷺ يومًا قريبًا مني ... الحديث ... فخرجت مع زوجها عُبادة بن الصامت غازيًا أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية، فلما انصرفوا من غزوتهم قافلين فنزلوا الشام فقُربت إليها دابة لتركبها فصرعتها فماتت» (٢).
٩ - باب من يُنكبُ في سبيل الله
٢٨٠١ - عن أنس ﵁ قال: بعث النبي ﷺ أقوامًا من بني سُليم إلى بني عامر في سبعين، فلما قدموا قال لهم خالي: أتقدَّمكم، فإن أمَّنوني حتى أُبلَّغهم عن رسول الله ﷺ وإلا كنتم مني قريبًا. فتقدم فأمَّنوه، فبينما يحدَّثُهم عن النبي ﷺ إذا أومُئوا إلى رجل منهم فطعنه فأنفذه، فقال: الله أكبر، فُزت وربَّ الكعبة. ثم مالوا على بقية أصحابه فقتلوهم إلا رجل أعرج صعد الجبل، قال همام: وأراه آخر معه، فأخبر جبريل ﵍ النبي ﷺ أنهم قد لقوا ربَّهم فرضي عنهم وأرضاهم؛ فكنا نقرأ (٣). أن بلَّغوا قومنا أن قد لقينا ربَّنا فرضي عنا وأرضانا، ثم نُسخ
стр. 947
بعد، فدعا عليهم أربعين صباحًا؛ على رِعلٍ وذكوان وبني لحيان وبني عُصيَّة الذين عصَوا الله ورسوله».
قال الحافظ: ... وفي الباب ما أخرجه أبو داود والحاكم والطبراني من حديث أبي مالك الأشعري مرفوعًا «من وقصه فرسه أو بعيره في سبيل الله أو لدغته هامة أو مات على أي حتف شاء الله فهو شهيد» (١).
١١ - باب قول الله :
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]
٢٨٠٤ - عن أبي سفيان بن حرب أن هرقل قال له: «سألتك كيف كان قتالكم إياه، فزعمت أن الحرب سجال ودول، فكذلك الرسل تُبتلى ثم تكون لهم العاقبة» (٢).
١٢ - باب قول الله
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]
٢٨٠٥ - عن أنس ﵁ قال: غاب عمَّي أنس بن النَّضر عن قتال بدر. فقال: يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع (٣). فلما كان يوم أُحد وانكشف
стр. 948
المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ... الحديث».
٢٨٠٦ - وقال: «إن أُخته - وهي تسمى الرُّبيَّع - كسرت ثنية امرأة فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص، فقال أنس: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا تُكسر ثنيَّتها، فرضوا بالأرش وتركوا القصاص، فقال رسول الله ﷺ : إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره». (١).
١٣ - باب عمل صالح قبل القتال
٢٨٠٨ - عن البراء ﵁ قال: أتى النبي ﷺ رجل مقنع بالحديد فقال: يا رسول الله، أُقاتل أو أُسلم؟ قال: «أسلم ثم قاتل». فأسلم ثم قاتلَ فقُتل. فقال رسول الله ﷺ : «عمل قليلًا وأُجر كثيرًا» (٢).
١٤ - باب من أتاه سهم غربٌ فقتله
٢٨٠٩ - عن أنس بن مالك أن أم الرُّبيَّع بنت البراء وهي أم حارثة بن سراقة أتت النبي ﷺ فقال: يا نبيَّ الله ألا تحدَّثني عن حارثة - وكان قُتل يوم بدر أصابه سهم غربٌ - فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء. قال: «يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى» (٣).
стр. 949
١٥ - من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا
٢٨١٠ - عن أبي موسى ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (١).
١٦ - باب من اغبرَّت قدماه في سبيل الله
٢٨١١ - عن عبد الرحمن بن جبير أن رسول الله ﷺ قال: «ما غبرَّنا قدما عبد في سبيل الله فتمسَّه النار» (٢).
١٧ - باب مسح الغبار عن الرأس في سبيل الله
٢٨١٢ - عن عكرمة أن ابن عباس قال له ولعليَّ بن عبد الله: ائتيا أبا سعيد فاسمعا من حديثه. فأتيا وهو وأخوه في حائط لهما يسقيانه، فلما رآنا جاء فاحتبى وجلس فقال: «كنا ننقل لبن المسجد لبنة لبنة، وكان عمَّار ينقل لبنتين لبنتين (٣)، فمرَّ به النبي ﷺ ومسح عن رأسه الغبار (٤) وقال:
стр. 950
ويح عمار تقتله الفئة الباغية، عمار يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار».
١٩ - باب فضل قول الله تعالى
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١].
٢٨١٥ - ع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: «اصطبح ناس الخمر (١) يوم أحد، ثم قُتلوا شهداء، فقيل لسفيان: من آخر ذلك اليوم؟ قال: ليس هذا فيه».
٢٠ - باب ظلَّ الملائكة على الشهيد
٢٨١٦ - عن جابر قال: «جيء بأبي إلى النبي ﷺ وقد مُثَّل به ووضع بين يديه، فذهب أكشف عن وجهه، فنهاني قومي، فسمع صوت نائحة، فقيلك ابنه عمرو - أو أخت عمرو - فقال: لم تبكي، أو لا تبكي، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها» (٢).
٢٣ - باب من طلب الولد للجهاد
٢٨١٩ - عن أبي هريرة ﵁ رسول الله ﷺ قال: «قال سليمان بن داود ﵁: لأطوفن الليلة على مائة امرأة - أو تسع