← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20875

الجامع لعلوم الإمام أحمد - المقدمات

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (453 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

٥ - القياس: يستعمله للضرورة. وهناك من الأصول الملحقة بهذِه الأصول المتفق عليها بين الأئمة أصول أخرى مختلف فيها بينهم من آخذ بالواحد منها، ومن لا يعتبره أو مقدم له، أو مؤخر أو من منكر على عد الآخرين له أصلا، ومن معول عليه بأولية في الاعتبار. وهي: - الاستحسان. - الاستصحاب. - سد الذرائع وإبطال الحيل. - الأخذ بالمصالح المرسلة. - شرع من قبلنا. - العرف. وسنفصل في الصفحات التالية إن شاء اللَّه ما أجملناه، وقبل أن نخوض في ذلك، نبين موقف الامام أحمد من الإجماع ودعوى إنكاره له: قال القاضي أبو يعلى: الإِجماع حجة مقطوع عليها، يجب المصير إليها، وتحرم مخالفته، ولا يجوز أن تجتمع الأمَّةُ على الخطأ (١). وقد نص أحمد ﵀ على هذا في رواية عبد اللَّه وأبي الحارث: في الصحابة إذا اختلفوا لم يُخْرَج من أقاويلهم، أرأيت إن أجمعوا، له أن يخرج من أقاويلهم؟ هذا قول خبيث، قول أهل البدع، لا ينبغي أن يخرج من أقاويل الصحابة إذا اختلفوا.

стр. 387

وقد علق القول في رواية عبد اللَّه فقال: من ادعى الإِجماع فقد كذب، لعل الناس قد اختلفوا، هذِه دعوى بشر المَرِّيسي والأصم، ولكن يقول: لا نعلم، لعل الناس اختلفوا ولم يبلغه. وكذلك نقل المروذي عنه: أنه قال: كيف يجوز للرجل أن يقول: أجمعوا؟ ! إذا سمعتهم يقولون: أجمعوا فاتهمهم، لو قال: إني لم أعلم لهم مخالفًا جاز. وكذلك نقل أبو طالب عنه: أنه قال: هذا كذب، ما علمه أن الناس مجمعون؟ ! ولكن يقول: لا أعلم فيه اختلافًا، فهو أحسن من قوله: إجماع الناس. وكذلك نقل أبو الحارث: لا ينبغي لأحد أن يدعي الإِجماع، لعل الناس اختلفوا. وظاهر هذا الكلام أنه قد منع صحة الإِجماع، وليس ذلك على ظاهره، وإنما قال هذا على طريق الورع، نحو أن يكون هناك خلاف لم يبلغه. أو قال هذا في حق من ليس له معرفة بخلاف السلف؛ لأنه قد أطلق القول بصحة الإِجماع في رواية عبد اللَّه وأبي الحارث. وادعى الإِجماع في رواية الحسن بن ثواب، فقال: أذهب في التكبير من غداة يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، فقيل له: إلى أي شيء تذهب؟ قال: بالإِجماع عمر وعلي وعبد اللَّه بن مسعود، وعبد اللَّه بن عباس. وهذا قول جماعة الفقهاء والمتكلمين (١). قال ابن القيم: ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيا ولا قياسا ولا قول صاحب ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعا ويقدمونه على الحديث الصحيح وقد كذب أحمد من ادعى هذا الإجماع ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت وكذلك الشافعي أيضا نص

стр. 388

في رسالته الجديدة على أن ما لا يعلم فيه بخلاف لا يقال له إجماع، ولفظه: ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعا. وقال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول ما يدعي فيه الرجل الإجماع، فهو كذب، من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا ما يدريه! ولم ينته إليه فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا هذِه دعوى بشر المرسى والأصم، ولكنه يقول: لا نعلم الناس اختلفوا أو لم يبلغني ذلك. هذا لفظه. ونصوص رسول اللَّه ﷺ أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ لتعطلت النصوص وساغ لكل من لم يعلم مخالفا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص، فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده (١). قال ابن بدران: فلا يتوهمن متوهم أن الإمام أنكر الإجماع إنكارا عقليا وإنما أنكر العلم بالإجماع على حادثة واحدة انتشرت في جميع الأقطار وبلغت الأطراف الشاسعة ووقف عليها كل مجتهد ثم أطبق الكل فيها على قول واحد وبلغت أقوالهم كلها مدعى الإجماع عليها، وأنت خبير بأن العادة لا تساعد على هذا كما يعلمه كل منصف تخلى عن الجمود والتقليد، نعم يمكن أن يعلم هذا في عصر الصحابة دون ما بعدهم من العصور لقلة المجتهدين يومئذ وتوفر نقل المحدثين على نقل فتاواهم وأرائهم. فلا تتهمن أيها العاقل الإمام بإنكار الإجماع مطلقا؛ فتفترى عليه (٢).

стр. 389

قال الشيخ أبو زهرة: وننتهي من هذا إلى أمرين: أولهما: أن أحمد ﵁ لا ينفي وجود الإجماع نفيا مطلقا في كل مسائل العلم، بل ينفيه في الدعاوي التي كان يدعيها بعض العلماء في جيله. كما نفاه أبو يوسف في دعوى الأوزاعي أن رأيه عليه عامة أهل العلم، وكما كان ينفيه الشافعي في وجه من يناظره، ولا يحتج بالإجماع ليرد الحديث الصحيح. ثانيهما: أن أحمد ﵁ كان يقرر أن هناك مسائل لا يعلم فيها مخالفًا وأن مثل هذِه المسائل يأخذ بها إذا لم يجد حديثًا في موضعها، بل يقول إنه لا يعلم مخالفًا، وذلك ورع في الدين (١). المبحث الأول: الأصول المتفق عليها * الأصل الأول: النصوص للنصوص -أي الكتاب والسنة- عند الإمام أحمد ﵀ المكانة الأولى في الاستدلال، وقد اشتهر بوقوفه عندها، وطلبه لها حتى اجتمع له من النصوص ما لم يجتمع لغيره، فكان إذا تكلم، تكلم بها، وإذا أفتى أفتى بموجبها. ويمسك عن الفتوى ما لم تكن موافقة للكتاب والسنة. قال ابن هانئ: قيل لأبي عبد اللَّه: يكون الرجل في قومه، فيسأل عن الشيء فيه اختلاف؛ قال: يفتي بما يوافق الكتاب والسنة، وما لم يوافق الكتاب والسنة أمسك عنه. قال ابن القيم: فإذا وجد النص -يعني الإمام- أفتى بموجبه ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه كائنا من كان، ولهذا لم يلتفت إلى خلاف عمر في المبتوتة؛ لحديث فاطمة بنت قيس، ولا إلى خلافة في التيمم؛

стр. 390

للجنب لحديث عمار بن ياسر، ولا خلافة في استدامة المحرم الطيب الذي تطيب به قبل إحرامه؛ لصحة حديث عائشة في ذلك، ولا خلافه في منع المفرد والقارن من الفسخ إلى التمتع؛ لصحة أحاديث الفسخ، وهذا كثير جدا (١). وكان الإمام أحمد ﵀ دائما يطلب النصوص فِي مناقشاته ومناظراته، وفيما كتبه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن، وتأولته على غير تأويله وكان دائما يطالبهم بالنصوص لإثبات ما ذكروا، فكان من أحسن مناظرتهم أن يقال: ائتونا بكتاب أو سنة حتى نجيبكم إلى ذلك وإلا فلسنا نجيبكم إلى ما لم يدل عليه الكتاب والسنة (٢). مرتبة السنة من الكتاب عند الإمام أحمد: كان الإمام أحمد ﵀: يرى أن القرآن هو القسم الأول من الأصل الأول، والسنة القسم الثاني، وجعل ابن القيم النصوص في رتبة واحدة، يفيد بأن منزلتهما من حيث العمل والاحتجاج عند الإمام واحدة. قال الشيخ أبو زهرة: وكون الإمام أحمد لا يفرق بين القرآن والسنة من حيث العمل، أو يجعلهما في رتبة واحدة، هذا لا يتنافى مع اعتبار القرآن الأصل الأول في الاعتبار؛ لأنه المبين لمقدار الاحتجاج في السنة، والأصل الذي تقوم عليه الشرائع الثابتة بها، والتقدم في الاعتبار لا يتعارض مع التلاقي بينهما في أحكام الشريعة، من غير تعارض ولا تناف ولا تضاد (٣).

стр. 391

والسنة عند الإمام متممة للقرآن الكريم ومبينة له، ولذلك لا تعارض بينهما، بل يحمل ظاهر القرآن على ما جاءت به السنة، فتخصص عامه، وتقيد مطلقه، وتبين مجمله. وقد صنف الإمام أحمد ﵁ كتابا في طاعة الرسول ﷺ رد فيه على من احتج بظاهر القرآن في معارضة سنن رسول اللَّه ﷺ وترك الاحتجاج بها، فقال في أثناء خطبته: إن اللَّه جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه، وجعل رسوله الدال على ما أراد من ظاهره وباطنه، وخاصه وعامه، وناسخه ومنسوخه، وما قصد له الكتاب، فكان رسول اللَّه ﷺ هو المعبر عن كتاب اللَّه، الدال على معانيه، شاهده في ذلك أصحابه الذين ارتضاهم اللَّه لنبيه، واصطفاهم له، ونقلوا ذلك عنه فكانوا هم أعلم الناس برسول اللَّه ﷺ ، وبما أراد اللَّه من كتابه، بمشاهدتهم وما قصد له الكتاب، فكانوا هم المعبرين عن ذلك بعد رسول اللَّه ﷺ ، قال جابر: ورسول اللَّه ﷺ بين أظهرنا عليه يتنزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به. ثم ساق الآيات الدالة على طاعة الرسول (١). قال الشيخ أبو زهرة: وإن هذا الكلام يدل على ثلاثة أمور: أحدهما: أن ظاهر القرآن لا يقدم على السنة، وذلك صريح قوله. وثانيهما: أن رسول اللَّه ﷺ هو الذي يفسر القرآن، وليس لأحد أن يتأول فيه أو يفسره، لأن السنة وحدها بيانه، فلا يطلب البيان من غير طريقها.

стр. 392

ثالثها: أن الصحابة هم الذين يفسرون القرآن، إذا لم يكن ثمة أثر عن النبي ﷺ ؛ لأنهم هم الذين شاهدوا التنزيل، وسمعوا التأويل، وعرفوا سنة محمد ﷺ فتفسيرهم من السنة (١). * الأصل الثاني: فتاوى الصحابة روى عبدوس بن مالك عن أبي عبد اللَّه، قال: أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول اللَّه ﷺ والاقتداء بهم وترك البدع. قال ابن بدران: فكانت فتاواه لذلك من تأملها وتأمل فتاوى الصحابة رأى مطابقة كل منهما على الأخرى ورأى الجميع كأنها تخرج من مشكاة واحدة، حتى إن الصحابة إذا اختلفوا على قولين جاء عنه في المسألة روايتان، وكان تحريه لفتاوى الصحابة كتحري أصحابه لفتاواه ونصوصه بل أعظم، حتى إنه ليقدم فتاواهم على الحديث المرسل (٢). قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ: قلت لأبي عبد اللَّه حديث عن رسول اللَّه مرسل برجال ثبت أحب إليك أو حديث عن الصحابة والتابعين متصل برجال ثبت؟ قال أبو عبد اللَّه: عن الصحابة أعجب إلى (٣). قال الشيخ أبو زهرة: ولذلك كانت أقوال الصحابة وفتاويهم حجة عنده -أي الإمام أحمد- تلي حجة أحاديث الرسول ﷺ الصحيحة، وتتقدم على المرسل من الأحاديث، والضعيف من الأخبار، وقد اتفق العلماء -الذين نقلوا فقهه- على ذلك، ولم يختلفوا فيه، فكلهم مجمع على أنه كان يأخذ بفتوى الصحابة، ولا يجتهد برأيه ما وجد في موضوع الفتوى أثرا منقولا

стр. 393

عن صحابي (١). ومن ثم صارت فتاواه إمامًا وقدوة لأهل السنة على اختلاف طبقاتهم، حتى إن المخالفين لمذهبه في الاجتهاد والمقلدين لغيره ليعظمون نصوصه وفتاواه ويعرفون لها حقها وقربها من النصوص وفتاوى الصحابة. مرتبة الأخذ بفتوى الصحابي عنده في الأصول: فتوى الصحابي عند الإمام أحمد في المرتبة الثانية بعد النص -الكتاب والسنة- وقد ادعى بعض العلماء أن الإمام أحمد إذا وجد فتوى الصحابي لا يلتفت إلى النصوص ولا يتجه إليها، لأن فتوى الصحابي أغنته عن الاستنباط، أي لا يجتهد إلا حيث لم يجد فتوى الصحابي، وهذا زعم خاطئ فقد قال الإمام في رواية الأثرم: إذا كان في المسألة عن النبي ﷺ حديث لم نأخذ فيها بقول أحد من الصحابة ولا بقول من بعدهم. ويرد ذلك الزعم أيضًا ما ذكرناه عن ابن القيم في الأصل الأول حيث قال: فإذا وجد النص -يعني الإمام- أفتى بموجبه ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه كائنا من كان ولهذا لم يلتفت إلى خلاف عمر في المبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس .. (٢)، وذكر أمثلة كثيرة لذلك. * الأصل الثالث: الاختيار من أقوال الصحابة إذا اختلفوا فتاوى الصحابة عند الإمام أحمد كانت على درجتان: أولاهما: إذا لم يعرف خلاف بينهم في تلك الفتوى، أو وجد قول لأحدهم ولم يهده استقراؤه إلى قول آخر. وثانيهما: إذا اختلفوا فيما بينهم، ووجد قولان أو ثلاثة، كما كان في

стр. 394

مسألة ميراث الأخوة الأشقاء، أو لأب مع أبي الأب، فإنهم اختلفوا في ذلك على أقوال، فأبو بكر اعتبر أبا الأب كالأب يحجب الأخوة، وزيد اعتبره كأخ بشرط ألا يقل عن الثلث، وعلي اعتبره كالأخ بشرط ألا يقل عن السدس، وهكذا. أما في المرتبة الأولى، فإنه يأخذ بقول الصحابي، ولا يسمى ذلك إجماعًا خلافًا للحنفية، وقد وافق في ذلك الشافعي، ومن أمثال ذلك أخذه برأي أنس في قبوله شهادة العبد. فاعتبره أحمد قولا واحدًا لا يعلم خلافه. وأما المرتبة الثانية، فإنه قد اختلف النقل عن أحمد فيها، فقيل إنه يعتبر أقوالهم جميعًا، وتعتبر تلك الأقوال أقوالا له، فيكون في المسألة عنده قولان، أو ثلاثة على حسب اختلاف أقوال أولئك، وذلك لأنه يتحرج من أن يقدم برأيه بعض هذِه الأقوال على بعض، إذ كلهم من رسول اللَّه ﷺ ملتمس نورًا وهداية، وهم الذين شاهدوا التنزيل، وعاينوا الرسول، وساعة مع الرسول أخير من اجتهاد سنين (١). قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ: قيل لأبي عبد اللَّه: يكون الرجل في قومه فيسأل عن الشيء فيه اختلاف؟ قال: يفتي بما وافق الكتاب والسنة، وما لم يوافق الكتاب والسنة أمسك عنه. قيل له: أفيجاب عليه؟ قال: لا. (٢) وهذِه الرواية تتفق مع المنصوص عليه في رسالة الشافعي ﵁، فإنه كان يتخير من أقوال الصحابة ما يجده أقرب إلى النصوص، كما اختار من أقوال الصحابة في المسألة ميراث الإخوة على الجد الصحيح قول زيد ورجحه بالقياس الفقهي، وقرر أنه لولا الأقوال المأثورة لكان يقتضي

стр. 395

القياس أن يحجب الأخوة الجد. وأبو حنيفة كان يسلك مثل ذلك المسلك فكان يتخير من أقوال الصحابة إن اختلفوا، وكان لا يخرج عن أقوالهم إلى غيرها، ولكنه يأخذ بما شاء، ويدع ما شاء. وهناك رواية ثالثة عن الإمام أحمد، وهي أنه: إذا اختلف الصحابة لا يتخير من أول الأمر من بين الأقوال أقربها إلى النصوص، بل يرجح أولا أقوال الخلفاء. وقد روى هذِه الرواية أيضًا ابن القيم في موضع آخر من كتابه "إعلام الموقعين" فقد جاء فيه ما نصه: إذا قال الصحابي قولا، فإما أن يخالفه صحابي آخر، أو لا يخالفه، فإن خالفه مثله لم يكن قول أحدهما حجة على الآخر، وإن خالفه أعلم منه، كما إذا خالف الخلفاء الراشدون أو بعضهم غيرهم من الصحابة في حكم، فهل يكون الشق الذي فيه الخلفاء الراشدون أو بعضهم حجة على الآخرين، فيه قولان للعلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد، والصحيح أن الشق الذي فيه الخلفاء أو بعضهم أرجح وأولى أن يؤخذ به من الشق الآخر، فإن كان الأربعة في شق، فلا شك أنه الصواب، وإن كان أكثرهم في شق، فالصواب فيه أغلب، وإن كانوا اثنين فشق أبي بكر وعمر أقرب إلى الصواب؛ فإن اختلف أبو بكر وعمر، فالصواب مع أبي بكر، وهذِه جملة لا يعرف تفصيلها إلا من له خبرة واطلاع على ما اختلف فيه الصحابة وعلى الراجح من أقوالهم (١). وتقديم أقوال الخلفاء على هذِه الرواية له وجهة، لأن قول الخلفاء قد

стр. 396

صادف عملا ارتضاه جمهور المسلمين وقبلوه، بل آثروه، لأنه لو كان مخالفًا لكتاب اللَّه وسنة رسوله، أو كان غيره أقرب منها، لقوموا آراء الخليفة ونهوه وله من دينه وقوة عقله، وهدايته ما يجعله يستسيغ رأي مخالفه، إن ثبت له أنه أقرب إلى الدين وكتاب اللَّه وسنة رسوله ومصلحة المصلحين والدارس لحياة الخلفاء الأولين، وخصوصًا أبا بكر وعمر، يرى أن رأيهما كان مزكى في أكثر الأحوال بموافقة جمهور المؤمنين، فهو رأي يقارب الإجماع، فكان تقديمه له وجهة قوية. ويظهر أن أحمد ﵁ كان إذا وجد آراء للخلفاء الراشدين أو لبعضهم اختارها دودن غيرها، وإن لم يجد اختار أقرب الآراء إلى كتاب اللَّه وسنة رسول اللَّه ﷺ ، وإن لم يبد له وجه من القرب ترك الأمر وتوقف، أو كان له في الموضوع قولان، فجاء الذين من بعده فوجدوا هذِه الأحوال وروى بعضهم الفتوى التي اختار فيها قول الخلفاء، وجاء راو آخر فلم يرو إلا واقعة التخير بالقرب من الأصول، وجاء ثالث، فروى واقعة ترك الأقوال جملة، ونسبتها كلها إليه فكل رواية صادقة لأنها روت واقعة صحيحة، ومن مجموع هذِه الروايات، وهذِه الوقائع يستبين رأيه، وهو الترجيح أولا بقائل القول، ثم بدليله، ثم ترك الأقوال بعدها (١). ومما تقدم يمكن تلخيص رأي الإمام أحمد في قول الصحابي -الأصلين الثاني والثالث- في النقاط التالية: ١ - إذا كان قول الصحابي مما لا مجال للرأي فيه، فإن له حكم المرفوع عند أحمد. واختار أبو الخطاب، وابن عقيل: أنه ليس له حكم المرفوع، بل

стр. 397

حكمه حكم المجتهد فيه. ٢ - إذا كان قول الصحابي مما للرأي فيه مجال، وانتشر، ولم يظهر خلافه، فظاهر كلام أحمد أنه إجماع وحجة. ٣ - إذا كان قول الصحابي مما للرأي فيه مجال، ولم ينتشر، ولم يظهر خلافه، وكان موافقًا للقياس أو مخالفًا ومعه قياس أضعف، فهو حجة، نقل هذا القاضي أبو يعلى. ٤ - إذا كان قول الصحابي مما للرأي فيه مجال، ولم ينتشر، ولم يظهر خلافه، وكان مخالفًا للقياس، ففيه روايتان: الأولى: أنه حجة ويقدم على القياس، وهي التي رجحها المتأخرون. الثانية: أنه ليس بحجة، ويقدم القياس عليه، وهي أضعف ثبوتًا من الأولى (١). * فتوى التابعي: إذا لم يكن نص ولا فتوى صحابي، ولا حديث مرسل، فهل يحتج الإمام بفتوى التابعي؟ فيه روايتان: إحداهما: تقول يحتج به، والأخرى: تقول لا يحتج به، وفقه التابعي كتفسيره. ومن قال يحتج به، اختلفوا في تقديمه على القياس، ففريق قدمه على القياس، لأن القياس لا يلجأ إليه إلا عند الضرورة، ولا ضرورة؛ وفي الموضوع فتوى التابعي، خاصة إن كان معروفًا بالفضل والتقى، فتعتبر أثرًا سلفيًا يقدم على الرأي الفقهي.

стр. 398

وفريق قدم القياس عليه، لأنه دليل معتبر ولا دليل يعارضه. قال الشيخ أبو زهرة: المشهور عند الحنابلة المقرر عند علمائهم أن أحمد ﵁ كان في كثير من الأحيان يباعد الاجتهاد بالرأي تورعًا حتى كان إذا لم يجد أثرًا أخذ بفتاوى علماء الأثر، كمالك والثوري وابن عيينة والأوزاعي وغيرهم، ومن كان شأنه كذلك فلابد أنه كان يقبل فتاوى بعض كبار التابعين كسعيد بن المسيب والفقهاء السبعة الذين انتهى إليهم فقه عمر وابن عمر وزيد بن ثابت، ولا يأخذ بهذِه الأقوال على أنها أصل فقهي، بل بالاحتياط والاستئناس كما كان شأنه في الخبر الضعيف (١). * الأصل الرابع: الأخذ بالحديث المرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه اعتبر الإمام أحمد المرسلات من الأحاديث حجة، ولكنه أخرها عن فتوى الصحابة، وضعها في قرن مع الأحاديث الضعيفة -وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه فالعمل به بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف (٢)، بل إلى صحيح وضعيف- وللضعيف عنده مراتب، فإذا لم يجد في الباب أثرا يدفعه ولا قول صاحب ولا إجماعا على خلافه كان العمل به عنده

стр. 399

أولى من القياس. وليس أحد من الأئمة إلا وهو موافقه على هذا الأصل من حيث الجملة: فقدَّم الإمام أبو حنيفة حديث القهقهة في الصلاة على محض القياس، وأجمع أهل الحديث على ضعفه، وقدَّم حديث الوضوء بنبيذ التمر على القياس وأكثر أهل الحديث يضعفه، وقدَّم حديث أكثر الحيض عشرة أيام وهو ضعيف باتفاقهم على محض القياس فإن الذي تراه في اليوم الثالث عشر مساو في الحد والحقيقة والصفة لدم اليوم العاشر، وقدَّم حديث لا مهر أقل من عشرة دراهم وأجمعوا على ضعفه بل بطلانه على محض القياس فإن بذل الصداق معاوضة في مقابلة بذل البضع فما تراضيا عليه جاز قليلا كان أو كثيرًا. وقدَّم الإمام الشافعي خبر تحريم صيد وج مع ضعفه على القياس، وقدم خبر جواز الصلاة بمكة في وقت النهي مع ضعفه ومخالفته لقياس غيرها من البلاد، وقدم في أحد قوليه حديث من قاء أو رعف فليتوضأ وليبن على صلاته على القياس مع ضعف الخبر وإرساله. وأما الإمام مالك فإنه يقدم الحديث المرسل والمنقطع والبلاغات وقول الصحابى على القياس. ويمكن تلخيص موقف الإمام أحمد من الحديث المرسل والحديث الضعيف في النقاط الآتية: ١ - أن الإمام أحمد ﵀ يأخذ بالمرسل إذا لم يجد نصا، ولا قول صاحب، ولا إجماعا على خلافه، فإن ذلك مقدم عليه. ٢ - أن المرسل عنده في رتبة الحديث الضعيف، ورأيه فيه قريب من رأيه في الضعيف. فالحديث الضعيف لم يكن يقول به إذا وجد خلافه، أو أثبت منه، وإنما كان يقدمه، ويقدم المرسل على القياس، كما ذكر ابن القيم عنه.

стр. 400

٣ - أن المرسل عنده أيضا ليس في رتبة واحدة، كما أن الضعيف ليس في رتبة واحدة. وهذا بالطبع في مرسل غير الصحابي، أما مرسل الصحابي فإنه لم ينقل عنه فيه خلاف (١). * الأصل الخامس: القياس للضرورة كان للإمام أحمد موقف حسن في القياس، فلم ينفِ القياس نفيًا باتّا، كما فعل الظاهرية الذين حكموا بالنصوص دون سواها، ولم يغال في القياس مغالاة العراقيين، وأخذ به وقرره عندما قال: لا يستغني أحد عن القياس. قال ابن القيم: فإذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نص ولا قول الصحابة أو واحد منهم ولا أثر مرسل أو ضعيف عدل إلى الأصل الخامس وهو القياس فاستعمله للضرورة، وقد قال في كتاب الخلال نقلا عن الميموني: سألت الشافعي عن القياس، فقال: إنما يصار إليه عند الضرورة (٢). قال الشيخ أبو زهرة: وهي كلمة حق بالنسبة للمفتي الذي يتصدى للإفتاء، فإنه مضطر إليه لا محالة، لأن الناس يجدّ لهم من الحوادث ما يقتضي قياس غير منصوص على منصوص، ولا يستطيع الفقيه أن يجد شيئًا من ذلك، فإما ألا يفتي فيكون الناس في حرج شديد، ولا يعلمون أحكام الدين في أعمالهم، وإما أن يفتي، رفعًا للحرج، وإجابة لداعي الإرشاد والهداية (٣).

стр. 401

ومع هذا النقل عن الإمام أحمد، وأنه يحتج بالقياس؛ فقد رويت عنه رواية أخرى: أنه ينفي القياس. إذ جاء في رواية الميموني عن الإمام أحمد أنه قال: يتجنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين: المجمل، والقياس (١). ونقل أبو الحارث عن الإمام أحمد؛ وقد ذكر أهل الرأي وردهم للحديث؛ فقال: ما تصنع بالرأي والقياس، وفي الأثر ما يغنيك عنه؟ ! (٢) فظاهر هذا أن الإمام أحمد ﵁ لا يرى العمل بالقياس، ولا يقول به، ما دام في الأثر ما يغني عنه أما إذا لم يجد فيصار للقياس للضرورة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: القياس الصحيح حق؛ فإن اللَّه بعث رسوله ﷺ بالعدل، وأنزل الميزان مع الكتاب، والميزان يتضمن العدل، وما يعرف به العدل، وقد فسروا إنزال ذلك بأن ألهم العباد معرفة ذلك. واللَّه ورسوله يسوي بين المتماثلين، ويفرق بين المختلفين، وهذا هو القياس الصحيح (٣). وقال ابن القيم: وقد كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يجتهدون في النوازل، أو يقيسون بعض الأحكام على بعض، ويعتبرون النظير بنظيره، ثم أشار إلى قول المزني، ﵀، بأن الفقهاء في عصر رسول اللَّه ﷺ إلى يومنا وهلم جرا، استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم؛ قال: وأجمعوا بأن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، فلا يجوز لأحد إنكار القياس، لأنه التشبيه بالأمور، والتمثيل عليها (٤).

стр. 402

هل كان الامام يأخذ بالقياس بجميع أنواعه، أو يفرق بين هذِه الأنواع؟ قال القاضي أبو يعلى: القياس على ضربين: واضح وخفي، فالواضح ما وجد معنى الأصل في الفرع بكماله كعلة الربا في البر، فحملنا الأرز عليه، لأن فيه معنى البر من الكيل والجنس. والإمام أحمد قد استعمل هذا القياس في رواية ابن القاسم؛ فقال: لا يجوز الحديد والرصاص متفاضلًا، قياسًا على الذهب والفضة. أما الخفي فهو قياس غلبة الشبه، وصورته: أن يتجاذب الحادثة أصلان: حاظر ومبيح، ولكل واحد من الأصلين أوصاف خمسة، والحادثة لا تجمع أوصاف واحد منهما، غير أنها بأحد الأصلين أكثر شبها مثل: إن كانت بالإباحة أشبه بأربعة أوصاف، وبالحظر بثلاثة أوصاف ففي هذا روايتان؛ إحداهما: ليس هذا بقياس أصلًا، والقياس ما وجد في الفرع أوصاف الأصل بكمالها، فإذا وجد بعضها في الفرع، لم يكن قياسًا. نص عليه الإمام أحمد، ﵀، في رواية أحمد بن الحسين بن حسان؛ فقال: القياس أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، فأما إذا أشبهه في حال وخالفه في حال فأردت أن تقيس عليه، فهذا خطأ. قد خالفه في بعض أحواله، ووافقه في بعض، فإذا كان مثله في كل أحواله فأقبلت به وأدبرت به، فليس في نفسي منه شيء. والرواية الثانية: أنه قياس صحيح، وتلحق الحادثة بأكثرهما ولا يؤخر حكمهما، وقد نبه أحمد على هذا في رواية حرب، في يهودي قذف يهودية؛ يتلاعنان؟ قال: ليس لهذا وجه، لأنه ليس عدلًا، واللعان إنما هو شهادة، وليس بعدل فتجوز شهادته. كأنه لم ير بينهما اللعان، فقد قاس اللعان على الشهادة في امتناعه من الكافر مع قلة شبهه بالشهادة، وكثرة

стр. 403

شَبَهِه بالأيمان، فدل هذا من قوله على جوازه مع كثرة الشبه (١). هل يجري القياس في جميع المسائل الشرعية أو لا ؟ إن المتابع والمتتبع لأقوال الإمام أحمد وأصحابه من بعده، يجد أنهم لا يفرقون في استعمال القياس والعمل به فيما تدرك علته، ومن ذلك الحدود والكفارات والمقدرات والأسباب، قال الطوفي في "شرح مختصر الروضة": إن إجراء القياس في الأسباب هو مذهبنا، وكذا جريان القياس في المقدرات والحدود والكفارات، وهو ما قال به الإمام أحمد (٢)، وذكر الأدلة على ذلك، وفند مزاعم المخالف لهم. قال ابن القيم: فهذِه الأصول الخمسة من أصول فتاويه وعليها مدارها وقد يتوقف في الفتوى لتعارض الأدلة عنده أو لاختلاف الصحابة فيها أو لعدم اطلاعه فيها على أثر أو قول أحد من الصحابة والتابعين، وكان شديد الكراهة والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف كما قال لبعض أصحابه إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام. وكان يسوغ استفتاء فقهاء الحديث وأصحاب مالك ويدل عليهم ويمنع من استفتاء من يعرض عن الحديث ولا يبني مذهبه عليه ولا يسوغ العمل بفتواه (٣).

стр. 404

المبحث الثاني: الأصول المختلف فيها * أولًا: الاستحسان نقل القاضي أبو يعلى عن الإمام أحمد ﵀، أنه أطلق القول في الاستحسان في مسائل وذكر منها: أ- قوله في رواية صالح في المضارب: إذا خالف فاشترى غير ما أمره به صاحب المال: فالربح لصاحب المال، ولهذا أجرة مثله إلا أن يكون الربح يحيط بأجرة مثله فيذهب، وكنت أذهب إلى أن الربح لصاحب المال، ثم استحسنت. ب- قوله في رواية الميموني: استحسن أن يتيمم لكل صلاة، ولكن القياس أنه بمنزلة الماء، حتى يحدث، أو يجد الماء. ج- قوله في رواية المروذي: يجوز شري أرض السواد، ولا يجوز بيعها. فقيل له: كيف يشتري ممن لا يملك؟ فقال: القياس كما تقول، ولكن هو استحسان، واحتج بأن أصحاب النبي ﷺ رخصوا في شراء المصاحف، وكرهوا بيعها. هذا يشبه ذلك. ثم قال القاضي أخيرًا عن الاستحسان: إنه حجة، وإنه أولى القياسين، إلا أنهم استحسنوه ليفصلوا بهذِه التسمية بينه وبين ما لم يكن معدولًا إليه لكونه أولى مما عُدل عنه (١). قال ابن قدامة: القول بالاستحسان مذهب أحمد ﵀، وهو أن تترك حكمًا إلى حكم هو أولى منه، وهذا مما لا ينكر، وإن اختلفت تسميته، فلا فائدة في الاختلاف في الاصطلاحات مع الاتفاق في المعنى (٢).

стр. 405

وقال أبو البركات: ويحتمل عندي أن يكون الاستحسان ترك القياس الجلي وغيره، لدليل نص من خبر واحد، أو غيره، أو ترك القياس لقول الصحابي فيما لا يجري فيه القياس (١). أما شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀: فقد جعل الاستحسان قسمين: الأول: الاستحسان بمجرد الرأي: وهذا يرده، ويعتبر القول به شرعًا في الدين بما لم يأذن به اللَّه، ويعتبر كل استحسان خالص النص بالرأي استحسانًا باطلًا لا يجوز القول به ولا اعتباره. الثاني: الاستحسان لدليل: وهو العدول عن القياس لما هو أقوى منه، وعنده أن هذا الاستحسان يعد حجة (٢). وخلاصة الأمر: أن جمهور الحنابلة يقولون بالاستحسان، وينصون على أنه مذهب أحمد، ﵀، وإن نقل عنهم رد الاستحسان فذلك راجع إلى القول بالاستحسان من غير دليل (٣). * ثانيًا: الاستصحاب الاستصحاب هو ظن دوام الشيء بناء على ثبوت وجوده قبل ذلك. وهذا الظن حجة عند الأكثرين منهم مالك وأحمد وجماعة من أصحاب الشافعي خلافا لجمهور الحنفية وأبي الحسين البصري وجماعة من المتكلمين (٤). قال القاضي أبو يعلى: وهو على ضربين: أحدهما: استصحاب براءة الذمة من الوجوب حتى يدل دليل شرعي عليه.

стр. 406

وهذا صحيح بالإجماع من أهل العلم، والاحتجاج به سائغ. وإلى هذا المعنى أومأ أحمد ﵀ في رواية صالح ويوسف بن موسى: لا يُخمّس السَّلَب، ما سمعنا أن النبي ﷺ خمس السَّلَب. فجعل عدم الدليل الشرعي مبقيًا على الأصل في منع التخميس ونفي الاستحقاق. وكذلك نقل الأثرم وابن بَدِينا في الحُلي يوجد لُقَطَة: إنما جاء الحديث في الدراهم والدنانير. فمنع من تملّك الحُلي، واستدام الأصل، وهو عدم الملك في اللقطة؛ لأنه لم يرد دليل، وإنما ورد في الدراهم والدنانير (١). قال الشيخ أبو زهرة: الحنابلة يأخذون بالاستصحاب أصلا من أصول الفتيا، ويتوسعون فيه أكثر من الحنفية، وأكثر من المالكية، ويقاربون الشافعية في ذلك، وإنه في الواقع كلما أكثر الفقهاء، ووسعوا في باب الاستدلال بالرأي قل اعتمادهم على الاستصحاب، وكلما قللوا من الاستدلال بالرأي أكثروا من اعتبار الاستصحاب، وذلك استقراء ثابت (٢). * ثالثًا: سد الذرائع وإبطال الحيل قال ابن بدران: سد الذرائع هو مذهب مالك وأصحابنا، وهو ما ظاهره مباح ويتوصل به إلى محرم وأباحه أبو حنيفة والشافعي ومعناه عند القائل به يرجع إلى إبطال الحيل ولذلك أنكر المتأخرون من الحنابلة على أبي الخطاب ومن تابعه عقد باب في كتاب الطلاق يتضمن الحيلة على تخليص الحالف من يمينه في بعض الصور وجعلوه من باب الحيل الباطلة (٣).

стр. 407

قال صالح: حدثني أبي، قال: الحيل لا نراها (١). وقال أبو داود: سمعت أحمد ذكر الحيل من أمر أصحاب الرأي؛ فقال: يحتالون لنقض سنن رسول اللَّه ﷺ (٢). وقال ابن بطة: حدثني أبو حفص عمر بن أحمد بن عبد اللَّه بن شهاب قال: حدثنا أبي، حدثنا أبو بكر الأثرم قال: وقيل لأبي عبد اللَّه في حديث عبد اللَّه بن عمرو: ولا يحل لواحد منهما أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله، يرويه ابن عجلان. قال أبو عبد اللَّه: وفي حديث عبد اللَّه بن عمرو إبطال الحيل. قال أبو عبد اللَّه: ألا ترى أن اللَّه مسخ قوما قردة باستعمالهم الحيلة في دينهم، والمواربة في دينهم، ومخادعتهم لربهم، مع أنهم أظهروا التمسك وتحريم ما حرمه رب العالمين، مع فساد باطنهم وقبيح مرادهم فقال: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] ذكر لنا -واللَّه أعلم- أن الحيتان كانت تأتيهم يوم السبت كالمخاض آمنة، فلا يعرضون لها، ثم لا يرونها إلى يوم السبت الآخر، فلما طال نظرهم إليها وتأسفهم عليها تشاوروا فيها، فقال بعضهم لبعض: إن اللَّه إنما حرمها يوم السبت فاصنعوا لها المصايد يوم الجمعة، فإذا جاء يوم السبت فدخلت فيها فخذوها يوم الأحد، ففعلوا ذلك، وكان ما قص اللَّه علينا من خبرهم (٣). قال صاحب "المغني": والحيل كلها محرمة لا تجوز في شيء من الدين

стр. 408

وهي أن يظهر اعتقادا مباحا يريد به محرما مخادعة وتوصلا إلى فعل ما حرم اللَّه واستباحة محظوراته أو إسقاط واجب أو دفع حق (١). قال ابن تيمية: وقد بسطنا الكلام على قاعدة إبطال الحيل وسد الذرائع في كتاب كبير مفرد، وقررنا فيه مذهب أهل المدينة بالكتاب والسنة، وإجماع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار (٢). وتابع ابن القيم شيخه واستدل على وجوب سد الذرائع بتسعة وتسعين دليلًا ذكرها في كتابه "إعلام الموقعين" (٣). والخلاصة: أن الإمام أحمد وأصحابه يرون وجوب سد الذرائع وإبطال الحيل، وأن الأمر فيه نكير شديد على من توسع فيها، وتتبعها، وأفتى بها؛ ليحل الحرام ويحرم الحلال. قال عبد الخالق بن منصور: سمعت أحمد بن حنبل يقول: من كان عنده كتاب "الحيل" في بيته يفتي به فهو كافر بما أنزل اللَّه على محمد ﷺ (٤). * رابعًا: المصالح المرسلة كان منهج الإمام أحمد التمسك بما عليه السلف الصالح، يأخذ بفتاواهم المنصوص عليها، فإذا لم يجد نصًّا لهم أخذ بمناهجهم، واتبع مثل طريقهم، حتى يكون دائمًا مستضيئًا بمشكاتهم، وقد أخذوا بالمصلحة سبيلًا من سبل الفتوى، فحق عليه أن يأخذ بها. وقد أخذ بها في كثير من المسائل (٥)، ومن الأمثلة على ذلك: جمع القرآن الكريم في المصحف، تضمين الصانع،

стр. 409

قتل الجماعة بالواحد، ومنع بيع أمهات الأولاد. وقد أخذ بها ﵀ في السياسة الشرعية بشكل عام -وهي ما ينهجه الإمام لإصلاح الناس، وحملهم على ما فيه مصلحة، وإبعادهم عما فيه مفسدة- وفتاويه التي هي من قبيل السياسة الشرعية كثيرة، منها: نفي أهل الفساد والدعارة إلى بلد يؤمن فيه من شرهم، ومنها تغليظ الحد على شرب الخمر في نهار رمضان، ومنها عقوبة من طعن في الصحابة، وقرر أن ذلك واجب، وليس للسلطان أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستنيبه، فإن تاب وإلا كرر العقوبة (١). هل يعتبر الأصحاب من بعد الإمام المصلحة المرسلة دليلًا من الأدلة الشرعية أو لا؟ قال ابن بدران: واختلف في حجية المصالح المرسلة فذهب أصحابنا إلى اعتبارها (٢)، وقال ابن قدامة ﵀: إنها ليست بحجة (٣)، وتبعه على ذلك أبو البركات، فقال: المصالح المرسلة لا يجوز بناء الأحكام عليها، قاله ابن الباقلاني وجماعة المتكلمين وهو قول متأخري أصحابنا أهل الأصول والجدل، وقال مالك: يجوز ذلك (٤). وأما ابن القيم ﵀ فإنه حينما عدّ أصول فتاوى الإمام أحمد، ﵀، لم يذكر المصالح المرسلة (٥) مثها، ولكننا حينما نقرأ في

стр. 410

كثير من كتبه نجده يذكر المصالح، وأن الشريعة جاءت لتحقيقها، وهو من مجتهدي الحنابلة وأئمتهم (١)، وقد قال: فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها (٢). كما يستدلون بما جاء عنه في "الطرق الحكمية" وفي أثناء كلامه على جواز العمل في السلطنة بالسياسة الشرعية، نقل كلام ابن عقيل، مقرًّا له ومستدلًا به، ثم يعلق على ذلك ابن القيم ﵀ بأن قال: فإذا ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع اللَّه ودينه (٣). وجاء عنه قوله: وتعليق العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات بالشروط، أمر قد تدعو إليه الضرورة، أو الحاجة، أو المصلحة، فلا يستغني عنه المكلف (٤). أما شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقد جاء عنه في "الفتاوى" في إجاباته: بأن اللَّه بعث الرسل لتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها (٥). وأما ابن بدران في تعليقه على "الروضة" فقد قال: والمختار عندي اعتبار أصل المصالح المرسلة، ولكن الاسترسال فيها وتحقيقها يحتاج إلى نظر

стр. 411

سديد وتدقيق (١). وخلاصة الأمر: أن الحنابلة لا يهدرون المصالح في فتاواهم ودراساتهم، ولكن ما دامت مصالح شهد لها الشرع بعمومات، أو قواعد كلية وأصول عامة، أو اعتبر جنسها، فهي في الواقع غير مستقلة ببناء الأحكام عليها. هذا، وقد اشترط الحنابلة للعمل بالمصالح المرسلة شروطًا، هي: ١ - أن تكون المصلحة متفقة مع مقاصد الشارع الإسلامي، بأن تكون ملائمة للمصلحة التي أخذ بها السلف الصالح، ﵃، وبالأولى لا تنافي أصلًا ولا دليلًا من أدلته، بل تكون متفقة مع المصالح التي قصد الشارع إلى تحصيلها، بأن تكون من جنسها، وليست غريبة عنها، وإن لم يشهد لها دليل خاص. ٢ - أن يكون بالأخذ بها رفع حرج لازم في الدين، فلو لم يؤخذ بالمصلحة في موضعها لكان الناس في حرج، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. ٣ - يشترط أن تكون معقولة في ذاتها، جرت على المناسبات المعقولة التي إذا عرضت على أهل العقول تلقوها بالقبول. ٤ - أن لا تكون فيما نص عليه، ولا يعارض التشريع بها نصًّا ولا إجماعًا. ويمكن أن نشير إلى نقطة أخرى قد تطرق إليها علماء الأصول وهي المصالح والنصوص (٢).

стр. 412

* خامسًا: شرع من قبلنا قال ابن بدران: أما شرع من قبلنا فإنه يجوز أن يتعبد نبي بشريعة نبي قبله عقلا لأنه ليس بمحال ولا يلزم منه محال وكان نبينا ﷺ قبل البعثة متعبدا في الفروع بشرع من قبل عند القاضي والحلواني، وأومأ إليه أحمد، واختار ابن عقيل والمجد أنه كان متعبدا بشريعة إبراهيم ﵇ ولم يكن ﷺ على ما كان عليه قومه. قال حنبل: قال أحمد: من زعم أن النبي ﷺ كان على دين قومه، فهو قول سوء، أليس كان لا يأكل ما ذبح على النصب؟ ! وبعد البعثة تعبد بشرع من قبله. ونقل في "التحرير" هذا القول عن أحمد والشافعي وأكثر أصحابهما والحنفية والمالكية (١)، ومن ثم كان شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ عند أكثر أصحابنا وغيرهم. قال القاضي وغيره: بمعنى أنه موافق لا متابع انتهى. وخلاصة الأمر: أن جمهور الحنابلة يرجحون أن شرع من قبلنا شرع لنا إما بكتاب أو بخبر الصادق أو بنقل متواتر فأما الرجوع إليهم أو إلى كتبهم فلا، وقال الشيخ تقي الدين وغيره ويثبت أيضا بأخبار الآحاد عن نبينا ﷺ (٢). * سادسًا: العرف الحنابلة يلاحظون العرف في كثير من فتاواهم وأحكامهم، وبخاصة في باب المعاملات، لأنهم يتوسعون فيها، ويعتبرون المعاني والمقاصد، ولا يقفون عند الألفاظ فقط، وفي صيغ العقود ينظرون كثيرا إلى ما تعارف

стр. 413

عليه الناس، وفي الشروط في المعاملات والأنكحة يعتبرون المشروط عرفا، كالمشروط شرعا، ولذلك يجرون العرف مجرى الشرط (١). ويكثر تطبيق العرف لدى الحنابلة في مسائل الأيمان والحنث فيها، فإن مرجعها عندهم إلى العرف (٢). قال ابن القيم: وقد أجرى العرف مجرى النطق في أكثر من مائة موضع منها نقد البلد في المعاملات وتقديم الطعام إلى الضيف. . إلخ (٣). وخلاصة الأمر: أن الحنابلة يعتبرون العرف، ويستخدمونه في التطبيق فيما تختلف فيه أعراف الناس وبيئتهم، ولا يعد ذلك اختلافًا في الأحكام الشرعية ولا أصل الخطاب، كما أن العرف لا يعد دليلًا مستقلًا من الأدلة الشرعية، وإنما هو قاعدة من القواعد الفقهية يظهر أثرها في مجال التطبيق فقط (٤). هذِه هي أصول مذهب الإمام أحمد وأصحابه من بعده، وكلها ينتهي إلى السنة، وهي كيفما تنوعت، وتفرعت، تنبع من معين واحد، وهو الآثار، فهو إما أن يستقى من الآثار نصًا فإن لم يجد أثرًا يسعفه في قضيته، حاكى الأثر في طريقته، فهي مأخوذة منها بالمنهاج، كما أخذت فروع كثيرة من الآثار بالنص، وهو في كلا الأمرين متبع ينهج منهاج السلف، أو يقول مقالة السلف. ولو استقريت الأصول أصلا أصلا لوجدت أنه ينهج المنهاج السلفي لا يعدوه ولا يسلك غير سبيله، فقد وجد السلف يقيسون الأشباه بالأشباه،

стр. 414

ويعطون حكم النظير لنظيره، فأخذ بالقياس إن لم يجد نصًا. ووجد الصحابة يبقون الشيء على ما هو عليه من حكم، حتى يتغير الموضوع أو تتغير الحال، فأفتى بما سماه العلماء من بعده استصحاب الحال وأبقى الأحكام الثابتة على ما هي عليه، حتى يقوم الدليل على التغيير الموجب لحكم آخر، غير الذي ثبت في الماضي، لزوال ما كان يقتضيه ويثبته. ووجد الصحابة في عصر الراشدين قد أخذوا بالمصالح المرسلة، واعتبروها وحدها مسوغا للحكم إن لم يكن ثمة نص، فوجد الصحابة جمعوا القرآن في المصاحف وجمعوا الناس على مصحف واحد، ووجدهم قتلوا الجماعة بالواحد، وضمنوا الأجير العام، لأنهم رأوا المصالح في ذلك، وسنوا بذلك لمن يتبعهم في طرق الاجتهاد أن يتبعهم فاتبعهم أحمد في ذلك، وأفتى بالمصالح المرسلة كما أفتوا، واختارها أصلا من أصول الاستدلال، إذ قد فتحوا له عين الطريق، فسلكه متبعًا لهم، مهتديًا بهديهم سالكًا سبيلهم. ووجدهم قد أعطوا الوسيلة حكم الغاية، والمقدمة حكم النتيجة، فجعلوا وسيلة المطلوب مطلوبة، ووسيلة الممنوع ممنوعة، فأفتى بما سمى من بعد بالذرائع، سدًا وطلبًا. وبذلك كان في فقهه كله سلفيًا تابعًا سواء في ذلك ما اجتهد فيه وما نقل حكمه؛ فكان من مشكاة السلف دائمًا في فقهه، وإن ذلك لم يجعل فقهه جامدًا، بل جعله خصبًا نيرًا (١).

стр. 415

الباب الثالث: مصطلحات مذهب الإمام أحمد (١) المبحث الأول: ألفاظ الإمام أحمد في أجوبته ودلالتها ألفاظ الإمام ﵁ على ثلاثة أقسام: الأول: صريحة في الحكم بما لا يحتمل غيرها. الثاني: أو ظاهرة فيه مع احتمال غيرها. الثالث: محتملة لشيئين فأكثر على السواء. وتفصيل ذلك في ما يلي: ١ - ألفاظ الوجوب: قال ابن حامد: اعلم وفقنا اللَّه وإياك للصواب أن أجوبته إذا وردت بلفظ (الأحب إلي) فذلك عَلَمٌ للإيجاب (٢). وقيل: فإن قال: (أحبُّ إليَّ كذا)، (ولا أحب كذا)، فإطلاق هذا يقتضي الاستحباب دون الإيجاب، لأن هذا هو المعهود في عرف التخاطب (٣).

стр. 416

قال المرداوي (١): وقال في "الرعاية"، و"الحاوي": وإن قال: يفعل السائل كذا (احتياطًا) فهو واجب. وقيل: مندوب. وقال نقلًا عن ابن حامد ﵀: وإن قال (يعجبني) فهو للوجوب (٢). ٢ - ألفاظ الندب: قول الإمام أحمد ﵁: (أحب كذا) أو (يعجبني) أو (أعجب إليَّ) أو (هذا حسن) أو (أحسن) أو (أستحسن كذا) أو (أستحب كذا) أو (أختار كذا) للاستحباب والندب على الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب (٣)، وقيل: للوجوب. ٣ - ألفاظ التحريم: قول الإمام: (هذا حرام) صريح في الحرمة. قوله: (لا ينبغي) أو (لا يصلح) أو (أستقبحه) أو هو (قبيح) أو (لا أراه) يحمله الأصحاب على التحريم (٤). فإن قال: (هذا حرام) ثم قال: (أكرهه) أو (لا يعجبني) فحرام، وقيل: يكره (٥). قال ابن حامد: إذا صدر الجواب من إمامنا في مسألة بأن يقول (لا تجزئ) أو طلاق يقول: (أخشى أن يقع) أو ما شابه ذلك فكله عَلَمٌ للتحريم كأنه قال قد وقع الطلاق (٦).

стр. 417

وقوله: (لا يعجبني) أو (لا أحبه) أو (لا أستحسنه) أو (يفعل السائل كذا احتياطًا). وقيل: ذلك كله للتحريم، وقيل: للتنزيه. وقوله: (أخشى) أو (أخاف أن يكون) أو (لا يكون) ظاهر في المنع كما ذكر المرداوي ﵀ (١). وقيل: بالوقف. قال أبو يعلى: وكذلك إذا قال: (هذا شنيع عند الناس) فإن هذا يقتضي المنع (٢). وقوله: (لا يجوز)، (ما أراه) تفيد التحريم، وعليه عامة الأصحاب (٣). قال ابن حمدان: والأولى النظر إلى القرائن في الكل، فإن دلت على وجوب أو ندب أو تحريم، أو كراهة، أو إباحة، حمل قوله عليه سواء تقدمت، أو تأخرت أو توسطت (٤). ٤ - ألفاظ دالة على الكراهة: وقوله: (أكره هذا)، قال أبو يعلى: وأما الكراهة فقد روي عنه ألفاظ تقتضي التنزيه، وألفاظ اقتضت التحريم. وقال: ويجب أن يقال في جوابه بأحب وأكره، إذا نقل عنه في مسألة صريح القول بالتحريم، أجاب فيها بأكره، حمل على التحريم، فيبنى مطلق كلامه على مقيده. وإذا لم يكن عنه صريح القول حمل على التنزيه؛ لأن هذِه اللفظة تستعمل في التحريم وفي التنزيه (٥).

стр. 418

٥ - ألفاظ دالة على الإباحة: قال ابن حامد: وكل ما يرد عن أبي عبد اللَّه ﵁ في الأجوبة إذا سئل عن إباحة شيء؛ فقال: (لا ينبغي هذا)، أو أجاب فقال: (ينبغي هذا) إن أكده هما حق بمثابة جوابه (لا يفعل هذا) و (يفعل هذا) (١). قال ابن حامد: فإن أجاب بأنه (يصلح) كانت للإباحة والتحليل (٢). قوله: (يجوز) أو (لا بأس بكذا) أو (أرجو أن لا بأس به) أو (لا نرى به بأسًا) أو (أرجو) يدل على الإباحة وفاقًا (٣). فإن أجاب في شيء ثم قال في نحوه (أخير منه) فهو للجواز، وقيل للكراهة. ٦ - ألفاظ تدل على التسوية في الحكم عند بعضهم، وعلى الفرق عند الآخرين: قال ابن حامد: فـ (الأهون) و (الأشد) يحتمل وجهين (٤). إن سئل الإمام أحمد ﵁ عن شيء فأجاب، ثم سئل عن غيره فقال: ذاك (أهون)، أو (أشد)، أو (أبشع)، فإن إجابته تدل على التسوية عند بعض الفقهاء؛ لأن الشيئين قد يستويان في الوجوب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة، ويكون أحدهما آكد؛ لأن بعض الواجبات عنده آكد من بعض.

стр. 419

وقال ابن حامد: اللفظ يقتضي الفرق في الحكم، فإن قوله: (أهون) يجوز أن يريد به نفي التحريم فيكون مكروهًا، أو نفي الوجوب فيكون مندوبًا. والأولى النظر إلى القرائن في الكل، وما عرف من عادة أحمد ﵁ في ذلك ونحوه وحسن الظن به، وحمله على أصلح المحامل. وأربحها، وأرجحها، وأنجحها (١). ٧ - ألفاظ تدل على الإذن بأنها مذهبه مع ضعف لا يوجب الرد: إذا سئل الإمام أحمد عن شيء فقال: (أجبن عنه). قال ابن حامد: أنه إذن منه بأنه مذهبه، وأنه ضعيف لا يقوي القوة التي يقطع بها، ولا يضعف الضعف الذي يوجب الرد (٢). ومن أمثلته: قوله عن الرجل الذي يأتي أهله في رمضان ناسيًا: (أجبن عنه أن أقول ليس عليه شيء). وكذلك إذا قال الإمام: (إني لأتفزعه)، أو (لأتهيبه)، أو (لا أجترئ عليه) أو (لأتوقاه)، أو (من الناس من يتوقاه)، أو (إني لأستوحش منه) (٣). ٨ - ألفاظ تدل على الوقف لا غير: قال ابن حامد: إذا صدر الجواب من أبي عبد اللَّه بـ (ما سمعت) و (لا أعرف) فذلك لا يكسب قطعا بتحريم ولا تحليل ولا إبطال بل يقتضي ذلك الوقف لا غير (٤). وقوله: (أخشى) أو (أخاف أن يكون) أو (ألَّا) كيجوز، أو (لا يجوز) أو

стр. 420

(وأجبن عنه) فقيل: يحمل على التوقف؛ لتعارض الأدلة (١). ٩ - ألفاظ تدل على إعلام السائل بالأحكام وبيان المراد لا التوقف: قال ابن حامد: وكل ما ينقل عن أبي عبد اللَّه من الأجوبة بـ (أخاف) أن يكون قد لزمه، أو (أخاف أن يكون قد أفسد صلاته أو حنث) أو فذلك بأسره مستحق به إعلام الأحكام وبيان المراد. .، إذا ورد منه الجواب بهذِه الصيغة فإن ذلك عَلَمٌ لإيجاب الحكم ولإثباته، وهذا مذهب شيوخنا، قطع عبد العزيز وغيره به (٢). قال القاضي أبو يعلى: وكذلك إذا قال (أخاف أن لا يكون)، أو (يكون) فإنه يجري مجرى الصريح (٣). ١٠ - ألفاظ تدل على التوسعة على السائل وترك الضيق عليه: إذا كان جوابه (إن شاء)، قال ابن حامد: وذلك عندي توسعة على السائل وترك الضيق عليه، فإن فعله أو تركه لم يكن حرجًا، وهو الأشبه عندي بظاهر المذهب (٤). ١١ - ألفاظ تدل على رده ما عورض به من جواب من أحد أصحابه: قوله (لا يجوز هذا) أو (هذا فاسد) أو (لا يقنع) أو (هذا لا يكتفى به)، قال ابن حامد: وهذا أمر بين العلماء منتشر (٥).

стр. 421

المبحث الثاني: مصطلحات الأصحاب في نقل المذهب وحكايته، والترجيح فيه ١ - إذا قيل (وعنه): يعني الإمام أحمد ﵁. ٢ - قولهم: (نصًّا): معناه: نسبته إلى الإمام أحمد ﵁. ٣ - قول الأصحاب وغيرهم: (المذهب كذا) قد يكون بنص الإمام، أو بإيمائه، أو بتخرجهم ذلك، واستنباطهم من قوله، أو تعليله. ٤ - قولهم: (على الأصح)، أو (الصحيح)، أو (الظاهر)، أو (الأظهر)، أو (المشهور)، أو (الأشهر)، أو (الأقوى)، أو (الأقيس) قد يكون عن الإمام ﵁ أو عن بعض أصحابه. قال ابن حمدان ﵀: ثم (الأصح) عن الإمام ﵁ أو الأصحاب: قد يكون شهرة، وقد يكون نقلًا، وقد يكون دليلًا، أو عند القائل، وكذا القول في (الأشهر، والأظهر، والأولى، والأقيس)، ونحو ذلك (١). ٥ - قولهم: (وقيل): قد يكون رواية بالإيماء، أو وجهًا، أو تخريجًا، أو احتمالًا (٢). ٦ - (الرواية): قد تكون نصًّا، أو إيماء، أو تخريجًا من الأصحاب. والروايات المطلقة نصوص للإمام أحمد وكذا قولنا و (عنه) (٣). قال ابن حمدان ﵀: واختلاف الأصحاب في ذلك ونحوه كثير لا طائل فيه، إذ اعتماد المعنى على الدليل ما لم يخرج عن أقوال الإمام،

стр. 422

وصحبه. وما قاربها، أو ناسبها إلا أن يكون مجتهدًا مطلقًا، أو في مذهب إمامه، أو يرى في مسألة خلاف قول إمامه وأصحابه لدليل ظهر له، وقوى عنده، وهو أهل لذلك (١). ٧ - من قال من الأصحاب: (هذِه المسألة رواية واحدة) أراد نص الإمام أحمد ﵁. ٨ - من قال: (فيها روايتان) فإحداهما بنص، والأخرى بإيماء أو تخريج من نصٍ آخر، أو نص جهله منكره. ٩ - من قال: (فيها وجهان) أراد عدم نصه عليهما سواء جهل مسنده أو علمه. ١٠ - (القولان): قد يكون الإمام أحمد نص عليهما -كما ذكره أبو بكر عبد العزيز في "الشافي"، أو على أحدهما، وأومأ إلى الآخر، قد يكون مع أحدهما وجه، أو تخريج، أو احتمال بخلافه. ١١ - (التخريج): هو نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها، والتسوية بينهما فيه (٢). والتخريج في معنى الوجه (٣) ولا يكون تخريجا ولا احتمالا إلا إذا فهم المعنى (٤). ١٢ - (التخريج، والنقل): التخريج أعم من النقل، لأن التخريج يكون من القواعد الكلية للإمام، أو الشرع، أو العقل، لأن حاصل معناه بناء فرع على أصل بجامع مشترك.

стр. 423

وأما النقل: فهو أن ينقل النص عن الإمام، ثم يخرج عليه فروعًا فيجعل كلام الإمام أصلًا، وما يخرجه فرعًا وذلك الأصل مختص بنصوص الإمام. ١٣ - (الاحتمال): قد يكون لدليل مرجوح بالنسبة إلى ما خالفه، أو دليل مساوٍ له (١). ١٤ - (التوقف): هو ترك العمل بالأول، والثاني، والنفي، والإثبات إن لم يكن فيهما قول لتعارض الأدلة، وتعادلها عنده، فله حكم ما قبل الشرع من حظر أو إباحة، وقف (٢). ١٥ - (على الأصح): يقصد به ابن مفلح في "الفروع" أصح الروايتين. ١٦ - (في الأصح): يقصد به ابن مفلح في "الفروع" أصح الوجهين. ١٧ - (وعنه كذا، أو: وقيل كذا): يقصد بهما ابن مفلح في "الفروع" أن المقدم خلافه. ١٨ - إذا قال: (ويتوجه، أو يقوي، أو عن قول، أو رواية، وهو أو هي أظهر، أو أشهر، أو متجه، أو غريب، أو بعد حكم مسألة: فدل، أو هذا يدل، أو ظاهره، أو يؤيده، أو المراد كذا) فهو من عنده. ١٩ - إذا قال: (المنصوص، أو الأصح، أو الأشهر، أو المذهب كذا) فثم قول.

стр. 424

وبالتتبع لهذِه المصطلحات نجدها تنقسم إلى خمسة أقسام (١): - القسم الأول: ألفاظ تعني نقل المذهب بالرواية عن الإمام أحمد وهي على نوعين: ١ - "الصريح" ويعبر عنه الأصحاب بلفظ: (الرواية) و (الروايات المطلقة) وما في معناها: (نصًّا/ النص/ نص عليه/ المنصوص عليه/ وعنه/ رواه الجماعة). ٢ - "التنبيهات" وهي حكاية الراوي حركة الإمام الجوابية (٢)، ولهم في هذا عدة عبارات منها: (أومأ إليه/ أشار إليه/ دل كلامه عليه/ توقف فيه/ سكت عنه). فهذِه تعني حكاية الوارد عن الإمام أحمد بالرواية عنه، فليس للأصحاب فيها سوى النقل. - القسم الثاني: وألفاظه: (الوجه/ الاحتمال/ التخريج/ النقل والتخريج/ الاتجاه، ويقال: التوجيه/ القول/ قياس المذهب/ الوقف) وهذِه من فقه الأصحاب في إطار أصول المذهب، وقواعده، والتنظير بمسائله فيما لا نص فيه، ولا رواية عن الإمام؛ حينما تعوزهم الرواية عن

стр. 425

الإمام، ويفقدون النص عنه، فإن الفقيه المتمذهب يفزع إلى نصوص إمامه فيجيل نظره في ذلك النص: في منطوقه، ومفهومه، وعامه، وخاصه، ومطلقه، ومقيده، مستظهرًا علته، مبينًا مدركه، حتى يتم له بيان الحكم التكليفي فيما لم يتكلم فيه الإمام في إطار المذهب على وجه التخريج، أو الوجه، أو الاحتمال، أو قياس المذهب، فيحصل للفقيه المتمذهب أمران: أولها: بيان حكم الواقعة، أو الفرع المقرر المفترض. وثانيها: أن يكون ذلك الحكم في دائرة المذهب بواحد من المسالك الممنوحة لمجتهد المذهب من الأصحاب المتقدم ذكرها. - القسم الثالث: ألفاظ من الأصحاب يصدق أي مصطلح منها على أي مصطلح في القسمين قبله، منها: (المذهب/ ظاهر المذهب/ القول). - المذهب كذا: سواء كان من نص الإمام، أم مخرجًا عليه. وقد أطال ابن حمدان في "صفة الفتوى" في الحط على من ينصون على أن كذا هو المذهب بلا علم ولا هدى، وبسط القول بمبحث نفيس محذرًا من الاغترار بهم، ولأهميته نقله عنه المرداوي في: خاتمة "الإنصاف" ١٢/ ٢٦٧ - ٢٧٦. - ظاهر المذهب: هو المشهور من المذهب (١)، أي: سواء كان رواية، أو وجهًا، ونحوه. قال المرداوي في مقدمة: "تصحيحه" (٢): قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى: وقد نقل عن أبي البركات جدنا، أنه كان يقول لمن يسأله عن ظاهر المذهب، أنه ما رجحه أبو الخطاب في "رؤوس مسائله"، قال:
следующие страницы →