← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 20876

قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عند ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير

عبير بنت عبد الله النعيم

Полный текст (980 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأرجح الميزان أي أثقله حتى مال " (١). وفي اصطلاح الأصوليين: تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى بدليل (٢). والمراد به هنا: تقوية أحد الأقوال في تفسير الآية لدليل من الأدلة الشرعية أو قاعدة من القواعد التفسيرية التي قرّرها العلماء، وتضعيف أو ردّ ما سواه , فمن القواعد الترجيحية ما يدل على الرجحان، ومنها ما يشير إلى البطلان، ومنها ما تضعف بعض الأقوال التفسيرية (٣). وقيل: بيان اختصاص الدليل بمزيد قوة عن مقابله ليُعمل بالأقوى (٤). وقيل: تقوية أحد الدليلين المتعارضين (٥). وأما المفسرون فليس للترجيح عندهم حدّ أو تعريف متفق عليه، ولم أرَ من ذكر له تعريفاً من المتقدمين, واستعمالهم للترجيح في تفاسيرهم يدل على توسعهم في إطلاقه، فهو عندهم يشمل كلّ تقديم لقول على آخر، سواء كان تقديماً يلزم منه ردّ الأقوال الأخرى، أو كان تقديماً لا يلزم منه ذلك. التعريف بالمركب الإضافي "قواعد الترجيح ": تعريف قواعد الترجيح كاسم مركب لم يتعرض له أحد من المتقدمين، وعرفه من المتأخرين الدكتور حسين الحربي وأحسن في تحديد معالمه حيث

стр. 107

يقول: قواعد الترجيح عند المفسرين: ضوابط وأمور أغلبية يتوصل بها إلى معرفة الراجح من الأقوال المختلفة في تفسير كتاب الله تعالى (١).

стр. 108

المبحث الثاني نشأة قواعد الترجيح إن القرآن الكريم منذ اللحظات الأولى لنزوله على النبي ﷺ ، أثار حركة فكرية علمية ثقافية عند العرب، حيث دعاهم إلى الالتفات إلى ما جاءهم من جديد في أساليب التعبير والبيان، بما لم يعهدوه من قبل، فتعلقت قلوبهم وأسماعهم بروعة بيانه وبليغ نظمه وكان الرسول ﷺ هو المرجع للصحابة في فهم معانيه وتوضيح غامضه. ولم يكن تفسير القرآن وضبط قواعده يظهر في عهد النبي ﷺ كعلم مستقل بنفسه، وإنما كان يروى منه عن النبي ﷺ ما كان يتعرض لتفسيره. ولكن يمكننا القول أن قواعد التفسير - وقواعد الترجيح جزء منها - قد ظهرت بواكيرها والإشارة إليها منذ عهده ﷺ ، وإن كانت لم توجد كفن مدون ومستقل إلا في القرن الرابع عشر. فالنبي ﷺ هو أول من اهتم بهذه القواعد من حيث التطبيق العملي، واستعملها في تفسيره لبعض الآيات، وصحح فهم الصحابة بناء عليها , يدل على ذلك ما ثبت عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: " لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (١) قلنا: يا رسول الله! أينا لا يظلم نفسه؟ قال: ليس كما

стр. 109

تقولون: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ بشرك، أَوَلم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١) (٢). حيث نبّه الرسول ﷺ أمته إلى هذه القاعدة، وإن لم ينص عليها , وأرشدهم إلى اعتبارها، وهي تفسير القرآن بالقرآن. وفي عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهم العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، كان لديهم سنة رسول الله ﷺ المبينة عن الله تعالى ما أراد، ولهم من سليقتهم العربية ومعرفتهم لأسباب النزول وطبيعة الحال التي نزل فيها الوحي، وإدراكهم لأسرار القرآن الكريم، ما أغناهم عن وضع قواعد لتفسير القرآن الكريم. وإذا كانت الأصول والقواعد والضوابط، توضع لتكون موازين ضبط للفهم والإدراك، منعاً للانحراف، فإن ما توفر للصحابة من ملكة اللسان والوقوف على مشاهد نزول الوحي وأسبابه، وبيان المبلغ عن ربه ﵎، كافٍ كل الكفاية لأداء الغرض الذي من أجله توضع القواعد والضوابط. ولذلك يحمل إلينا تاريخهم المضيء نماذج من الفهم للقرآن الكريم ,كانت الأساس الثاني بعد المنهج النبوي، لقواعد وضوابط التفسير وأصوله، التي وضعت فيما بعد.

стр. 110

وقد اهتم الصحابة رضوان الله عنهم بهذه القواعد التفسيرية وإن لم ينصوا عليها ومنهم: أبي بن كعب، حيث أخرج الطبري عن محمد بن كعب القرظي قال: مرّ عمر بن الخطاب برجل يقرأ ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ .. حتى بلغ ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (١) قال: وأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا؟ قال: أبي بن كعب، فقال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه، فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم. قال: أنت سمعتها من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم قال: لقد كنت أظن أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا، فقال أبي: بلى تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢)، وفي سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (٣)، وفي الأنفال ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ (٤) (٥).

стр. 111

فاحتج أبي ﵁ بهذه الآيات التي تلاها من سورة الجمعة، والحشر، والأنفال؛ مما يدل على اعتمادهم لمضمون هذه القاعدة في الترجيح بين الأقوال. وفي استنباط علي بن أبي طالب ﵁ أقل مدة الحمل من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (١) ومن قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٢)، واعتراضه بذلك على حكم عمر ﵁ بالرجم على المرأة التي ولدت لستة أشهر، ونزول عمر ﵁ عن رأيه لأكبر دليل على اعتمادهم لما تقرره هذه القاعدة (٣). كما اهتم الصحابة ومن تبعهم رضوان الله عليهم بتفسير القرآن بناءً على ضوابط وقواعد أخرى، ومن تلك القواعد على سبيل المثال: الترجيح بناءً على السياق، فعلى الرغم من أن التفسير في عهد الصحابة الكرام كان ذا طابع جزئي يُعنى بتفسير المفردة القرآنية, إلا أنه لم يكن يغفل سياقها؛ ولهذا جاء تفسيرهم سليماً خالياً من الخلل بعامة, وإن لم يكن قد ورد عنهم صراحة ما يعد توصيفاً للسياق وتأصيلاً له، عدا إشارات قد تدل علي ما نحن بصدده, ومن ذلك إنكار عبد الله بن عمر ﵄ على الخوارج، ونعته لهم بأنهم شرار الخلق، حين عمدوا إلى آيات نزلت في الكفار؛ فجعلوها في المسلمين (٤) وهذا لا يكون إلا بتجاهل السياق.

стр. 112

ثم مضى عصر الصحابة، وجاء عهد تلامذتهم من التابعين الذين أخذوا علم الكتاب والسنة عنهم، وكل طبقة من هؤلاء التابعين تخرجت على يد من كان عندها من الصحابة، وتطور الزمن، واتسع الفتح الإسلامي، واختلط العرب بغيرهم من الأمم الداخلة في دين الله تعالى أفواجاً، واتسعت رقعة الدولة الإسلامية، فلم تعد اللغة العربية سليقة لكثير من المسلمين وخاصة سكان الحضر , فكان ذلك وغيره من الأسباب مدعاة للتدوين. ثم يمضي عهد التابعين، ويليه عهد تابعي التابعين، ومع كل جيل تتسع آفاق المعرفة، خاصة وأنهم كانوا قد تفرقوا في الأمصار المفتوحة. وفي أواخر عهد بني أمية وأول عهد العباسيين كانت الخطوات الأولى للتصنيف والتدوين، حيث دونت السنة النبوية وهي تضم بين جنباتها تفسير القرآن الكريم، ومناهج تفسيره، ثم سرعان ما اتجه العلماء إلى فصل العلوم بعضها عن بعض. فأصبح للحديث علماؤه ومصنفاته، وللتفسير علماؤه ومصنفاته، وللقراءات علماؤها ومصنفاتها .. ثم أخذ العلماء يضعون لكل هذه العلوم تفصيلات تكون قواعد وضوابط وأصولاً لإدراك تلك العلوم. وليس من السهل معرفة أول من دوّن قواعد علم التفسير وضوابطه وأصوله، ولكن بالتأكيد أن هذه العلوم والقواعد والأصول كانت حصيلة بحوث طويلة ودراسات كبيرة قام بها علماؤنا الأفذاذ من عهد حركة التدوين. وقد اهتم بهذا الطريق من السلف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقد ظهر هذا واضحاً من خلال المرويات عنه في تفسير الطبري.

стр. 113

وهذا صالح بن كيسان (١) يستند إلى السياق في تحديد المراد بالنفس في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ (٢) فيقول: "إنما يراد بهذا الكافر, اقرأ ما بعدها يدلك على ذلك" (٣). أما عن موقف أئمة التفسير من هذه القواعد فقد اعتنوا بها، حيث كان المفسرون يُضمّنون مقدمات تفاسيرهم أهم تلك القواعد والأصول. فقد أشار العز بن عبد السلام في كتابه الموسوم بـ (الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز) حيث ذكر بعض القواعد الترجيحية دون ذكر أمثلة لها (٤). وذكر المفسر محمد بن جزي الكلبي في مقدمة تفسيره اثني عشر وجهاً في الترجيح (٥). واستعمل ابن جرير الطبري هذه القواعد الترجيحية في تفسيره، ومن أمثلة ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ

стр. 114

وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١): " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال معنى ذلك: أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا من المطر والنبات، ففتقنا السماء بالغيث والأرض بالنبات. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في ذلك لدلالة قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ على ذلك، وأنه جلّ ثناؤه لم يعقب ذلك بوصف الماء بهذه الصفة إلا والذي تقدمه من ذكر أسبابه " (٢). ومن الذين أسهموا في إبراز دور السياق واستثمروه الراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢ هـ)، في كتابه (مفردات القرآن) , فقد أثنى الزركشي على منهجه وهو يتحدث عن تفسير بعض آي القرآن الذي لم يرد فيه نقل, حيث قال: "وطريق التوصل إلى فهمه: النظر إلى مفردات الألفاظ من لغة العرب، ومدلولاتها، واستعمالاتها، بحسب السياق, وهذا يعتني به الراغب كثيراً في كتاب (المفردات) , فيذكر قيداً زائداً على أهل اللغة في تفسير مدلول اللفظ؛ لأنه اقتنصه من السياق" (٣). كما يمكننا الإشارة إلى ما فعله الشافعي في إخراجه كتاب (الرسالة) التي

стр. 115

تعتبر أول إخراج علمي في علم أصول الفقه وقواعد التفسير، حيث تحدث فيها عن الكتاب والسنة، وعن مراتب البيان، كما تحدث فيها عن الناسخ والمنسوخ، والعموم والخصوص، والمجمل والمفصل، والأمر والنهي، وهذه كلها علوم مشتركة بين أصول الفقه وأصول التفسير. قال الجويني في شرح الرسالة: لم يُسبق الشافعي في تصانيف الأصول ومعرفتها. غير أن هذه العلوم الأصولية كانت مفرقة مبعثرة حتى جاء الشافعي فجمع بين أشتاتها وألف بين متفرقاتها .. ثم سار العلماء من بعده ينهجون نهجه ويقتفون أثره (١). كما اعتنى ابن عاشور تعالى بهذه القواعد في تفسيره ونصّ على بعض منها في المقدمات التي ذكرها لتفسيره , من ذلك ما ذكره في المقدمة التاسعة فيما يتعلق بالمفردة القرآنية من أن اللفظ إذا احتمل معانٍ عدّة ولم يمتنع إرادة الجميع حمل عليها (٢). وكذلك الشنقيطي اعتنى بهذه القواعد الترجيحية في تفسيره , ومن أكثر تلك القواعد التي بنى عليها تفسيره قاعدة (القول الذي تؤيده الآيات القرآنية أولى من غيره) بل كان الترجيح بهذه القاعدة هدفا سعى إليه في تفسيره، ولذلك سماه بـ (أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن).

стр. 116

ثم دون هذا العلم كفن مستقل نظري في القرن الرابع عشر، ومن تلك الكتب المعاصرة التي بحثت في هذا الفن: "القواعد الحسان لتفسير القرآن " للعلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي، و" عقود المرجان في قواعد المنهج الأمثل في تفسير القرآن من خلال أضواء البيان " للدكتور أحمد سلامة أبو الفتوح، و "قواعد الترجيح عند المفسرين " للدكتور حسين الحربي وهكذا بقي هذا المنهج محل عناية المفسرين قديماً وحديثاً.

стр. 117

المبحث الثالث الفرق بين قواعد التفسير وقواعد الترجيح يمكننا أن نبيّن الفرق بين قواعد التفسير وقواعد الترجيح من خلال التعرف على الموضوعات التي يبحث فيها كل علم من هذه العلوم. ولكي تكون الصورة واضحة جلية لكل منهما فإنني سأتحدث عنهما من حيث التعريف، وموضوع كل منهما ثم الغاية والفائدة والعلوم التي استمدا منها. أولاً: قواعد التفسير تعريفه: هي: تلك الضوابط والكليات التي تُلتزم كي يتوصل بها إلى المعنى المراد من كلام الله تعالى (١). موضوع قواعد التفسير: تفسير القرآن. فائدته: استنباط معاني القرآن وفهمه على الوجه الصحيح، وضبط التفسير بقواعد صحيحة.

стр. 118

استمداد قواعد التفسير: ١ - القرآن الكريم. ٢ - السنة النبوية. ٣ - بعض ما أثر عن الصحابة ﵃ في الكلام على التفسير. ٤ - أصول الفقه لأن حقيقتها استقراء كليات الأدلة. ٥ - اللغة والبيان والنحو والتصريف. ٦ - كتب علوم القرآن ومقدمات بعض كتب التفسير (١). وقواعد التفسير تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: قواعد عامة يستفاد منها في فهم القرآن؛ كقاعدة: «المفرد المضاف يفيد العموم» (٢). كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٣). وقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (٤) المقصود: نعم الله. القسم الثاني: قواعد ترجيحية يستفاد منها في الموازنة بين الأقوال، ومعرفة الراجح منها والمرجوح؛ كقاعدة: «القول الذي تؤيده قرائن السياق مرجح على

стр. 119

ما خالفه» (١). كقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ (٢) أي بعلمه، قالوا: لأن الله افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم، وقوله تعالى: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (٣) قال الطبري: "وأوْلى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ من المطر والنبات. ففتقنا السماء بالغيث والأرض بالنبات، وإنما قلنا: ذلك أوْلى بالصواب؛ لدلالة قوله - تعالى -: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (٤) على ذلك" (٥) ثانياً: قواعد الترجيح: تقدم معنا تعريف قواعد الترجيح وهو: ضوابط وأمور أغلبية يتوصل بها إلى معرفة الراجح من الأقوال المختلفة في تفسير كتاب الله تعالى (٦).

стр. 120

موضوع قواعد الترجيح: أقوال المفسرين المختلفة في تفسير كتاب الله تعالى. فائدته: معرفة أصح الأقوال وأولاها بالقبول في تفسير كتاب الله، وتصفية وتنقية كتب التفسير مما علق ببعضها من أقوال شاذة وضعيفة. استمدادها: ١ - أصول الدين. ٢ - لغة العرب. ٣ - أصول الفقه والقواعد الفقهية. ٤ - علوم الحديث. ٥ - علوم القرآن. ٦ - استقراء ترجيحات أئمة التفسير (١). ومما تقدم تبين لنا أن قواعد التفسير أشمل من قواعد الترجيح، ذلك أن قواعد التفسير هي تلك الأمور المنضبطة التي يستخدمها المفسر في تفسيره وتصير منهجاً يسير عليه لاستنباط معاني القرآن الكريم، بينما قواعد الترجيح ناتجة عن قواعد التفسير أي تنبني عليها. ومثال ذلك: قاعدة: حمل معنى الآية على الغالب في أسلوب القرآن، ومعهود استعماله فهذه القاعدة التفسيرية تبنى عليها قاعدة ترجيحية حال الاختلاف

стр. 121

وهي (القول الذي يوافق استعمال القرآن والغالب من أسلوبه أولى بتفسير الآية من غيره) أو (إعمال الأغلب في القرآن وتقديم المفهوم الجاري في استعماله أولى). وعليه فإن كل قاعدة من قواعد الترجيح هي في الأصل قاعدة من قواعد التفسير، كما أن كل قاعدة من قواعد التفسير تصلح أن تكون قاعدة من قواعد الترجيح، فبينهما تداخل ظاهر.

стр. 122

المبحث الرابع أنواع قواعد الترجيح (١) - تنقسم قواعد الترجيح إلى عدة أقسام: - قواعد ترجيحية متعلقة بالنص القرآني. - قواعد ترجيحية متعلقة بالسنة والأثر - قواعد ترجيحية متعلقة باللغة. ويندرج تحت كل نوع من هذه الأنواع الرئيسية قواعد ترجيحية كثيرة: أولا: قواعد الترجيح المتعلقة بالنص: ويندرج تحت هذه القواعد ما يلي: ١ - القواعد الترجيحية المتعلقة بالنسخ. ٢ - القواعد الترجيحية المتعلقة بالقراءات. ٣ - الترجيح برسم المصحف. ٤ - الترجيح بالحقيقة والمجاز. ٥ - الترجيح بالسياق القرآني. ٦ - الترجيح بالمعاني الشرعية. ٧ - الترجيح بالأغلب من طريقة القرآن وعاداته. ٨ - الترجيح بظاهر القرآن.

стр. 123

ثانياً: قواعد الترجيح المتعلقة بالسنة والأثر: ويندرج تحت هذه القواعد ما يلي: ١ - الترجيح بدلالة الحديث النبوي. ٢ - الترجيح بتفسير وقول الصحابي. ٣ - الترجيح بالإجماع. ٤ - الترجيح بأسباب النزول. ثالثاً: قواعد الترجيح المتعلقة باللغة، ومنها: ١ - الترجيح بالتقديم والتأخير. ٢ - الترجيح بالأغلب من لغة العرب. ٣ - الترجيح بالعموم في القرآن. ٤ - الترجيح بالتأسيس والتأكيد. ٥ - الترجيح بعودة الضمير إلى أقرب مذكور. ٦ - الترجيح بتوافق الضمائر. ٧ - الترجيح بالتقدير وعدمه. ٨ - الترجيح بناءً على التصريف. ٩ - الترجيح بناءً على الناحية البلاغية.

стр. 124

المبحث الخامس الأسباب الموجبة للترجيح إن طلب أصح الأوجه في تفسير كلام الله تعالى من أهم مقاصد دراسة التفسير وتحصيله، لذلك مما ينبغي العلم به العلم بالتفسير الذي اتفق عليه العلماء؛ لما يترتب على ذلك من صحة فهم المراد من كلام الله تعالى، فتفسير الآية بما هو راجح أمر لازم حتماً؛ لأنه أقرب إلى الصحة، ولا يسع أحداً أن يعدل عن تفسير الآية بالراجح إلى المرجوح؛ لأنه أبعد عن الصواب. قال الطبري: " وكتاب الله لا توجّه معانيه وما فيه من البيان إلى الشواذ من الكلام والمعاني، وله في الفصيح من المنطق والظاهر من المعاني المفهوم، وجه صحيح موجود " (١). كما قرّر أصل المسألة علماء الأصول بتقريرهم وجوب العمل بالراجح، وحكوا إجماع الصحابة على ذلك. وقد وقع الخلاف بين المفسرين في تفسير كثير من النصوص القرآنية وهذا الخلاف بدا ظاهراً بعد عصر الصحابة رضوان الله عليهم لأن الاختلاف كان قليلا جدا بينهم وسبب ذلك وجود الرسول ﷺ بينهم، وكذلك سعة علم الصحابة الشرعي ومعرفتهم للغة العربية وأساليبها ومعانيها، وتأثير العصر عليهم.

стр. 125

والتفسير المنقول إلينا إما أن يكون مجمعاً عليه أو لا. فإن كان مجمعاً عليه؛ فلا حاجة إلى الترجيح، والإجماعات في التفسير كثيرة. قال ابن قدامة: " ويجب على المجتهد في كل مسألة أن ينظر أول شيء للإجماع فإن وجده لم يحتج إلى النظر في سواه " (١). أما إن كان التفسير مختلفاً فيه، فالاختلاف نوعان: الأول: اختلاف تضاد: مثل تفسير قوله تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ (٢). قيل: المجادلون هم المسلمون، وقيل الكفار (٣). وفي مثل هذا النوع يعمل بقواعد الترجيح لبيان القول الصواب في الآية. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن الكريم قليلاً جداً , وهو وإن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة قليل بالنسبة إلى ما بعدهم, وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر " (٤).

стр. 126

الثاني: اختلاف تنوع: وفي هذا النوع يعمل بقواعد الترجيح لبيان القول الأولى إن احتاج الأمر إلى ذلك وإن كانت الآية تحتمل المرجوح (١). ويمكن أن نرجع اختلاف السلف في التفسير إلى أنواع معدودة منها: أولاً: أن يعبر كل واحد من المفسرين عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى ومثال ذلك: "تفسير الصراط المستقيم " فقد قال بعضهم: هو القرآن، وقيل: الإسلام، وقيل: هو السنة والجماعة، وقيل العبودية، وقيل: طاعة الله ورسوله، فهذه الأقوال كلها تدل على ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها (٢). ونحو ذلك وكل هذه الأنواع من اختلاف التنوع , وليست من اختلاف التضاد، وهو اختلاف لا ضرر فيه , قال الزركشي: " يكثر في معنى الآية أقوالهم واختلافهم ويحكيه المصنفون للتفسير بعبارات متباينة الألفاظ , ويظن من لا فهم عنده أن في ذلك اختلافا فيحكيه أقوالا , وليس كذلك , بل يكون كل واحد منهم ذكر معنىً ظهر من الآية، وإنما اقتصر عليه لأنه أظهر عند ذلك القائل أو لكونه أليق بحال السائل, وقد يكون بعضهم يخبر عن الشئ بلازمه ونظيره، والآخر بمقصوده وثمرته , والكل يؤول إلى معنىً واحد غالباً والمراد الجميع،

стр. 127

فليتفطن لذلك، ولا يُفهم من اختلاف العبارات اختلاف المرادات كما قيل: عباراتنا شتى وحسنك واحد ... وكل إلى ذاك الجمال يشير (١). ثانياً: أن يذكر كل مفسر من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه (٢). ومثال ذلك ما نقل في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٣). فمن المفسرين من قال: السابق الذي يصلي في أول الوقت، والمقتصد الذي يصلي في أثنائه، والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار. ومنهم من يقول: السابق المحسن بأداء المستحبات مع الواجبات, والظالم آكل الربا أو مانع الزكاة ,والمقتصد الذي يؤدي الزكاة المفروضة ولا يأكل الربا , وأمثال هذه الأقاويل وقيل الظالم هو من يظلم نفسه بركوبه المأثم واجتراحه المعاصي، والمقتصد الغير مبالغ في طاعة ربه، والسابق هو المبرز الذي تقدم (٤).

стр. 128

ثالثاً: ما يكون اللفظ فيه محتملاً للأمرين أي يكون اللفظ مشتركاً: فإذا اشتمل النص الشرعي على كلمة مشتركة كان غالباً من الاختلاف في تعيين المراد من هذه الكلمة (١). مثال ذلك لفظة (قروء) في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢). فإن هذه اللفظة تحتمل في اللغة العربية أكثر من معنى واحد، فتحتمل أن يراد بها عند الإطلاق الحيض، ويحتمل أن يراد بها الطهر، كما تحتمل إرادة المعنيين معاً. ولما كان هذا اللفظ الشرعي محتملاً، اختلف الفقهاء في المراد من القرء في هذا المقام على قولين: القول الأول: إن المراد منه الحيض، وهذا قول أهل الكوفة، وقول عمر بن الخطاب وعلى ابن أبي طالب وابن مسعود وأبي موسى ومجاهد وقتادة والضحاك وعِكْرِمَة والسدي. القول الآخر: هي الأطهار، وهو قول عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت والزُّهري وأبان بن عثمان، والشافعي، وهو قول أهل الحجاز (٣).

стр. 129

ومثاله لفظ (قسورة) فإنه يراد بها الرامي، ويراد بها الأسد، ولفظ (عسعس) يراد به إقبال الليل، وإدباره (١). رابعاً: الاختلاف في وجوه الإعراب (٢): لا شك أن للإعراب تأثيره في المعنى، ومثال الاختلاف في وجوه الإعراب: اختلافهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣) حيث جاءت كلمة (الصابئون) في الآية مرفوعة وما قبلها منصوب، والتقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئون كذلك. قال ابن كثير: لما طال الفصل حسن العطف بالرفع. وقيل: الصابئون معطوف على محل إن واسمها، ومحلها الرفع، والتقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك (٤). خامساً: أن يكون في الآية أكثر من قراءة فيفسر كل منهم الآية على حسب قراءة مخصوصة (٥):

стр. 130

مثال ذلك: ما أخرجه ابن جرير الطبري عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ (١) أن معنى سكرت: سدت , ثم أخرج عن ابن عباس ﵄ أنه قال: سكرت بمعنى أخذت وسحرت ثم أورد قول قتادة من قرأ " سكّرت" مشددة يعني سدت , ومن قرأ سكرت فإنه يعني سحرت (٢). سادساً: الاختلاف في العموم والخصوص (٣): والعموم والخصوص من أسباب الاختلاف بين المفسرين، فقد يختلفون في عموم لفظ أو خصوصه. مثال ذلك اختلافهم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ (٤). قال الطبري: " اختلف أهل التأويل في هذه الآية: هل نزلت مراد بها كل مشركة، أو مراد بحكمها بعض المشركات دون بعض؟ وهل نسخ منها بعد وجوب الحكم بها شيء أو لا؟

стр. 131

فقال بعضهم: نزلت مرادًا بها تحريم نكاح كل مشركة على كلّ مسلم من أيّ أجناس الشِّرك كانت، عابدةَ وثن كانت، أو كانت يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو من غيرهم من أصناف الشرك، ثم نسخ تحريم نكاح أهل الكتاب بقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (١) إلى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢). وروى الطبري بسنده عن عكرمة والحسن البصري قالا: " ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ , فنُسخ من ذلك نساء أهل الكتاب، أحلّهُن للمسلمين. وكذلك عن الربيع قوله: " ولا تنكحوا المشركات" إلى قوله: " لعلهم يتذكرون"، قال: حرم الله المشركات في هذه الآية، ثم أنزل في"سورة المائدة"، فاستثنى نساء أهل الكتاب فقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ﴾. وقال آخرون: بل أنزلت هذه الآية مرادًا بحكمها مشركات العرب، لم

стр. 132

ينسخ منها شيء ولم يُستثن، وإنما هي آية عامٌّ ظاهرُها، خاصٌّ تأويلها " (١). والأصل بقاء العام على عمومه مالم يرد مخصص. سابعاً: الاختلاف في حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز (٢): من ذلك اختلافهم في تفسير: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ (٣) قيل كانت تحمل الأشواك وتنثرها أمام بيت رسول الله ﷺ إيذاء له ,فكان جزاؤها في الآخرة من جنس عملها في الدنيا، حيث تحمل الحطب على ظهرها في نار جهنم لتزداد النار حرارة والتهاباً وسعيراً عليها وعلى زوجها. وقيل: كانت تمشي بين الناس بالنميمة فتنمي العداوة بينهم كما تزداد النار اشتعالاً وحرارة حين يلقى الحطب فيها (٤). ثامناً: الاختلاف في الإطلاق والتقييد (٥): من أسباب الاختلاف أيضاً: الاختلاف في الإطلاق والتقييد، فقد يرى بعض المفسرين بقاء المطلق على إطلاقه، وقد يقول بعضهم بتقييد هذا المطلق بقيد ما: من ذلك عتق الرقبة في كفارة اليمين وكفارة الظهار فقد وردت مطلقة

стр. 133

كما في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢). ووردت مقيدة كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ

стр. 134

مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (١). فحمل بعض المفسرين المطلق على المقيد وقالوا لا تجزئ الرقبة الكافرة، وأبقى بعضهم المطلق على إطلاقه (٢). والأولى بقاء المطلق على إطلاقه مالم يرد ما يقيده، وإذا دار اللفظ بين الإطلاق والتقييد فإنه يحمل على الإطلاق؛ لأن الأصل بقاء الشيء على ما كان عليه. تاسعاً: ومن أسباب اختلاف المفسرين اختلافهم في النسخ والإحكام (٣) فقد يقول بعض المفسرين بالنسخ لمجرد التعارض، ولو أمعنوا النظر وأعملوا الفكر لما وجدوا تعارضاً بين النصوص يدعو إلى القول بالنسخ، فإعمال النص خير من إهماله، ولقد توسع المتقدمون في النسخ حتى أدخلوا فيه ما ليس منه, فاعتبروا التخصيص والبيان والتقييد من قبيل النسخ , مثال ذلك اختلافهم في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤) فعن السدي في قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ قال هذا نسخته الزكاة، وعن طاوس قال: العفو اليسير من كل شيء، وكان مجاهد

стр. 135

يقول (العفو) الصدقة المفروضة، وقال الكلبي: كان الرجل بعد نزول هذه الآية إذا كان له مال من ذهب أو فضة أو زرع أو ضرع نظر إلى ما يكفيه وعياله لنفقة سنة أمسكه وتصدق بسائره، وإن كان مما يعمل بيده أمسك ما يكفيه وعياله يوما وتصدق بالباقي، حتى نزلت آية الزكاة المفروضة فنسخت هذه الآية وكل صدقة أمروا بها، وقال قوم: هي محكمة، وفي المال حق سوى الزكاة (١). والراجح أنها محكمة فلا تعارض بينها وبين ماورد في شأن الزكاة المفروضة، لأن العفو هنا هو اليسير الزائد عن الحاجة، ولا شك أن الزكاة لا تفرض إلا على الأغنياء ونصابها يسير وهو زائد عن حاجة الغني فلا تعارض في ذلك بين هذه الآية والآيات الأخرى. تلكم أهم أسباب اختلاف المفسرين في التفسير. وينبغي على المفسر في تعامله مع هذا النوع من الاختلاف أن يعتمد على قواعد الترجيح والتي منها: مراعاة النظر الكلية الشاملة للآيات، ومراعاة السياق، وأن الأصل عودة الضمير على أقرب مذكور سابق، وأن الأصل هو الأخذ بظاهر النص فالأصل هو إجراء الكلام على معناه الظاهر، فلا نلجأ إلى القول بالمجاز إلا بقرينة تمنع من استعمال المعنى الحقيقي، وأن الأصل بقاء العام على عمومه ما لم يرد ما يخصصه، وبقاء المطلق على إطلاقه ما لم يرد ما يقيده، وأن إعمال النص خير من إهماله وعليه فلا نلجأ للنسخ إلا عند التعارض الشديد، وأن الأصل بقاء

стр. 136

النظم القرآني على نسقه وترتيبه، والاستفادة من تنوع القراءات المتواترة في إثراء المعنى فلا نرجح قراءة متواترة على قراءة أخرى متواترة، ولا يجوز رد القراءة المتواترة ولا تضعيفها، وينبغي أن يجتهد المفسر في التوفيق بين الأقوال حيث لا تعارض بينها، وأن يراعي في تفسيره مقتضيات العصر ومستجداته ومعطياته العلمية. أما ما ورد من أقوال مختلفة في التفسير لا يمكن الجمع بينها بوجه من الوجوه: فسبيلنا فيها النظر في صحة تلك الآراء المتناقضة فنقدم الصحيح على الضعيف، ويقدم تفسير الصحابة على تفسير التابعين، فإن كان الخلاف في تفسير الصحابة ينظر في الأمر: فإن كان للصحابي الواحد قولان متناقضان ينظر في المتأخر منهما فيعتمد لأنه يدل على تراجعه عن رأيه القديم، فقد يرى رأياً ثم يثبت له بعد ذلك ضعفه، وإن خالف الصحابي الواحد سائر الصحابة يقدم رأي جمهور الصحابة على رأي الواحد منهم، وإن خالف رأي صحابي رأي صحابي آخر يقدم رأي أرسخهما قدماً في التفسير كابن عباس ﵄ وهذا ما ذهب إليه الزركشي، لأن الرسول ﷺ دعا لابن عباس فقال: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " أما إذا تعارض التفسير بالرأي مع التفسير النبوي ولم يمكن التوفيق بينهما: فيقدم التفسير النبوي لأنه لا اجتهاد مع نص، وكذا إذا تعارض التفسير بالرأي مع ما ثبت من أقوال الصحابة؛ لأن ما يصح نسبته إلى الصحابة في التفسير النفس إليه أميل؛ لاحتمال سماعه من الرسول ﷺ ، ولما امتازوا به من الفهم الصحيح والعمل الصالح ,ولما اختصوا به من معاينة أسباب التنزيل.

стр. 137

لكن إذا تعارض التفسير بالرأي مع تفسير التابعي ينظر في المسألة فإن كان التابعي مما لم يعرف بالأخذ عن أهل الكتاب أو كان التفسير في ما فيه مجال للرأي, فحينئذ نلجأ للترجيح بين التفسير بالرأي وقول التابعي إلا إذا كان إجماعا للتابعين فإنه يقدم على التفسير بالرأي , وذلك كله بشرط وجود التعارض الحقيقي أما إذا تيسر الجمع بين المعقول والمنقول فلا نلجأ إلى الترجيح (١).

стр. 138

المبحث السادس قواعد التفسير عند ابن عاشور اتضح فيما سبق أن قواعد الترجيح جزء من قواعد التفسير، وهذا يدعوني إلى تناول قواعد التفسير عند ابن عاشور كإطار عام لقواعد الترجيح عنده. ولن أستطيع في هذا المبحث أن أحصر قواعد التفسير عند ابن عاشور لأنها كثيرة جدا، وإنما يمكنني أن ألقي الضوء على نماذج من قواعد التفسير في تفسيره وبيان مدى عنايته بها، وسأذكرها على الترتيب الآتي: أولاً: القواعد المتعلقة بأسباب النزول: ١ - القاعدة الأولى: إذا تعددت المرويات في سبب النزول اقتصر على الصحيح أولى ابن عاشور أسباب النزول عناية فائقة، حيث نهج في إيرادها منهجاً قويماً يعتمد على التمحيص والمناقشة والترجيح، فنجده يجمع أسباب النزول المختلفة في الآية الواحدة ويتعقبها، ويرجح أقربها للصواب، ويعلل ردّه للروايات الأخرى. ومن أمثلة ذلك: ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى

стр. 139

رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١). قال ابن عاشور: " والمخاطب بهذا النّهي المسلمون لا الرّسول ﷺ لأنّ الرّسول لم يكن فحّاشاً ولا سبّاباً؛ لأنّ خُلقه العظيم حائل بينه وبين ذلك، ولأنّه يدعوهم بما ينزل عليه من القرآن فإذا شاء الله تركه من وحيه الّذي ينزله، وإنّما كان المسلمون لغيرتهم على الإسلام ربّما تجاوزوا الحدّ ففرطت منهم فرطات سبّوا فيها أصنام المشركين. روى الطّبري عن قتادة قال: «كان المسلمون يسبّون أوثان الكفّار فيردّون ذلك عليهم فنهاهم الله أن يستَسبّوا لربّهم». وهذا أصحّ ما روي في سبب نزول هذه الآية وأوفَقُه بنظم الآية. وأمّا ما روى الطّبري عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس ﵄ أنّه لمّا نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (٢) قال المشركون: لئن لم تنته عن سبّ آلهتنا وشتمها لنهجُوَنّ إلهك، فنزلت هذه الآية في ذلك، فهو ضعيف؛ لأنّ عليّ بن أبي طلحة ضعيف وله منكرات ولم يلق ابن عبّاس " (٣). ٢ - القاعدة الثانية: السبب الخاص لا يخصص العموم. واشتهرت عند العلماء بـ (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) ومن ذلك ما جاء عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 140

إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١) قال: " وقوله: ﴿بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يعمّ كل دين: من قرض أو من بيع أو غير ذلك. وعن ابن عباس ﵄ أنّها نزلت في السلَم يعني بيعَ الثمار ونحوها من المثليات في ذمة البائع إذا كان ذا ذمة إلى أجلٍ وكان السلَم من معاملات أهل المدينة , ومعنى كلامه أنّ بيع السلم سبب نزول الآية، ومن المقرر في الأصول أنّ السبب الخاص لا يخصّص العموم " (٢). فرجّح ابن عاشور أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ثانياً: القواعد اللغوية ١ - الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده: وهذه من القواعد التي نصّ عليها ابن عاشور في تفسيره، وقد ذُكرت المحرمات: بعضها بصيغة النهي، وبعضها بصيغة الأمر الصريح أو المؤول؛ لأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ (٤).

стр. 141

ومن ذلك ما جاء عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) عطف على قوله (قل) أي قل لهم ذلك لييأسوا , والكلام نهي من الله لرسوله مقصود منه تأكيد الأمر بالإسلام؛ لأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده فذكر النهي عن الضد بعد ذلك تأكيد له , وهذا التأكيد لتقطع جرثومة الشرك من هذا الدين (٢). ٢ - صيغة المضارع تدل على التجدد والتكرار: ففي قوله تعالى: " ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٣). قال ابن عاشور: " وتعدية فعل (يعدون) إلى (في السبت) مؤذن بأن العدوان لأجل يوم السبت نظرا إلى ما دلت عليه صيغة المضارع من التكرير المقتضي أن عدوانهم يتكرر في كل سبت " (٤). وعند معرض تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ

стр. 142

أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١). قال: " واختيار صيغة المضارع في (يعبدون) و (يقولون) لاستحضار الحالة العجيبة من استمرارهم على عبادتها أي عبدوا الأصنام ويعبدونها تعجيباً من تصميمهم على ضلالهم " (٢). ٣ - الجملة الاسمية تدل على الدوام والثبوت: ومن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣) قال: "وأوثرت الجملة الإسمية في قوله (ونحن نسبح) لإفادة الدلالة على الدوام والثبات، أي هو وصفهم الملازم لجبلتهم " (٤). ثالثاً: القواعد المتعلقة بالقراءات ١ - كل قراءة صح سندها ووافقت وجها في العربية ولم تخالف رسم المصحف الإمام فهي قراءة صحيحة. ولقد نصّ ابن عاشور على هذه القاعدة في تفسيره فقال: " اتفق علماء

стр. 143

القراءات والفقهاء على أن كل قراءة وافقت وجها في العربية ووافقت خط المصحف - أي مصحف عثمان - وصح سند راويها؛ فهي قراءة صحيحة. وهذه الشروط الثلاثة هي شروط في قبول القراءة إذا كانت غير متواترة عن النبي ﷺ بأن كانت صحيحة السند إلى النبي ولكنها لم تبلغ حد التواتر فهي بمنزلة الحديث الصحيح وأما القراءة المتواترة فهي غنية عن هذه الشروط لأن تواترها يجعلها حجة في العربية ويغنيها عن الاعتضاد بموافقة المصحف المجمع عليه " (١). ٢ - القراءات يبيّنُ بعضها بعضا: ومن ذلك ما جاء عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٢) قال ابن عاشور: " وقرأه ابن عامر (نُشْراً) بضم النّون وسكون الشّين وهو تخفيف نُشُر الذي هو بضمّتين كما يقال: رُسْل في رُسُل. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف بفتح النّون، وسكون الشّين على أنّه مصدر، وانتصب إمّا على المفعولِية المطلقة لأنّه مرادف لـ (أرْسل) بمعناه

стр. 144

المجازي، أي أرسلها إرسالاً أو نَشَرها نَشْراً، وإمّا على الحال من الرّيح، أي ناشرة أي السّحاب، أو من الضّمير في (أرسل) أي أرسلها ناشِراً أي محيياً بها الأرض الميّتة، أي محيياً بآثارها وهي الأمطار. وقرأه عاصم بالباء الموحّدة في موضع النّون مضمومة وبسكون الشّين وبالتّنوين وهو تخفيف (بُشراً) بضمّهما على أنّه جمع بشير مثل نُذُر ونذير، أي مبشّرة للنّاس باقتراب الغيث. فحصل من مجموع هذه القراءات أنّ الرّياح تنشر السّحاب، وأنّها تأتي من جهات مختلفة تتعاقب فيكون ذلك سبب امتلاء الأسحبة بالماء وأنّها تحيي الأرض بعد موتها، وأنّها تبشّر النّاس بهبوبها، فيدخل عليهم بها سرور " (١). رابعاً: القواعد المتعلقة بالسنة والآثار ١ - إذا ثبت الحديث وكان نصاً في تفسير الآية فلا يصار إلى غيره: ومنه ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ (٢). حيث ذكر بعض الأقوال التي وردت في معنى مستقر ثم ذكر أن أقرب الأقوال ما جاء في حديث أبي ذر الهروي في صحيحي البخاري ومسلم بروايات

стр. 145

مختلفة حاصل ترتيبها أنه قال: " كنتُ مع رسول الله ﷺ في المسجد عند غروب الشمس فسألته (أو فقال): إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخرَّ ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعةً من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئاً حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش فيقال لها: ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها فذلك مستقرّ لها ومستقرها تحت العرش (١) فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ " (٢). ٢ - لا تحمل الآية على تفسيرات وتفصيلات غيبية لا دليل عليها من القرآن والسنة: أنزل الله القرآن الكريم تبياناً لكل شيء، وهدى لكل خير، فلو كان في تعريف الخلق بما أبهم عليهم فائدة تعود عليهم لبينه لهم، وإنما يذكر مواطن العبرة دون الاشتغال بما لا نفع فيه، ولا سبيل إلى معرفة هذه الأمور المبهمة المغيبة وهذا كله مما لا تعلق له بالأحكام التكليفية، ويتضمن ما قد
следующие страницы →