← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 20876

قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عند ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير

عبير بنت عبد الله النعيم

Полный текст (980 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ومن ذلك ما جاء عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) عطف على قوله (قل) أي قل لهم ذلك لييأسوا , والكلام نهي من الله لرسوله مقصود منه تأكيد الأمر بالإسلام؛ لأن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده فذكر النهي عن الضد بعد ذلك تأكيد له , وهذا التأكيد لتقطع جرثومة الشرك من هذا الدين (٢). ٢ - صيغة المضارع تدل على التجدد والتكرار: ففي قوله تعالى: " ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٣). قال ابن عاشور: " وتعدية فعل (يعدون) إلى (في السبت) مؤذن بأن العدوان لأجل يوم السبت نظرا إلى ما دلت عليه صيغة المضارع من التكرير المقتضي أن عدوانهم يتكرر في كل سبت " (٤). وعند معرض تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ

стр. 142

أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١). قال: " واختيار صيغة المضارع في (يعبدون) و (يقولون) لاستحضار الحالة العجيبة من استمرارهم على عبادتها أي عبدوا الأصنام ويعبدونها تعجيباً من تصميمهم على ضلالهم " (٢). ٣ - الجملة الاسمية تدل على الدوام والثبوت: ومن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣) قال: "وأوثرت الجملة الإسمية في قوله (ونحن نسبح) لإفادة الدلالة على الدوام والثبات، أي هو وصفهم الملازم لجبلتهم " (٤). ثالثاً: القواعد المتعلقة بالقراءات ١ - كل قراءة صح سندها ووافقت وجها في العربية ولم تخالف رسم المصحف الإمام فهي قراءة صحيحة. ولقد نصّ ابن عاشور على هذه القاعدة في تفسيره فقال: " اتفق علماء

стр. 143

القراءات والفقهاء على أن كل قراءة وافقت وجها في العربية ووافقت خط المصحف - أي مصحف عثمان - وصح سند راويها؛ فهي قراءة صحيحة. وهذه الشروط الثلاثة هي شروط في قبول القراءة إذا كانت غير متواترة عن النبي ﷺ بأن كانت صحيحة السند إلى النبي ولكنها لم تبلغ حد التواتر فهي بمنزلة الحديث الصحيح وأما القراءة المتواترة فهي غنية عن هذه الشروط لأن تواترها يجعلها حجة في العربية ويغنيها عن الاعتضاد بموافقة المصحف المجمع عليه " (١). ٢ - القراءات يبيّنُ بعضها بعضا: ومن ذلك ما جاء عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٢) قال ابن عاشور: " وقرأه ابن عامر (نُشْراً) بضم النّون وسكون الشّين وهو تخفيف نُشُر الذي هو بضمّتين كما يقال: رُسْل في رُسُل. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف بفتح النّون، وسكون الشّين على أنّه مصدر، وانتصب إمّا على المفعولِية المطلقة لأنّه مرادف لـ (أرْسل) بمعناه

стр. 144

المجازي، أي أرسلها إرسالاً أو نَشَرها نَشْراً، وإمّا على الحال من الرّيح، أي ناشرة أي السّحاب، أو من الضّمير في (أرسل) أي أرسلها ناشِراً أي محيياً بها الأرض الميّتة، أي محيياً بآثارها وهي الأمطار. وقرأه عاصم بالباء الموحّدة في موضع النّون مضمومة وبسكون الشّين وبالتّنوين وهو تخفيف (بُشراً) بضمّهما على أنّه جمع بشير مثل نُذُر ونذير، أي مبشّرة للنّاس باقتراب الغيث. فحصل من مجموع هذه القراءات أنّ الرّياح تنشر السّحاب، وأنّها تأتي من جهات مختلفة تتعاقب فيكون ذلك سبب امتلاء الأسحبة بالماء وأنّها تحيي الأرض بعد موتها، وأنّها تبشّر النّاس بهبوبها، فيدخل عليهم بها سرور " (١). رابعاً: القواعد المتعلقة بالسنة والآثار ١ - إذا ثبت الحديث وكان نصاً في تفسير الآية فلا يصار إلى غيره: ومنه ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ (٢). حيث ذكر بعض الأقوال التي وردت في معنى مستقر ثم ذكر أن أقرب الأقوال ما جاء في حديث أبي ذر الهروي في صحيحي البخاري ومسلم بروايات

стр. 145

مختلفة حاصل ترتيبها أنه قال: " كنتُ مع رسول الله ﷺ في المسجد عند غروب الشمس فسألته (أو فقال): إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخرَّ ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعةً من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئاً حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش فيقال لها: ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها فذلك مستقرّ لها ومستقرها تحت العرش (١) فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ " (٢). ٢ - لا تحمل الآية على تفسيرات وتفصيلات غيبية لا دليل عليها من القرآن والسنة: أنزل الله القرآن الكريم تبياناً لكل شيء، وهدى لكل خير، فلو كان في تعريف الخلق بما أبهم عليهم فائدة تعود عليهم لبينه لهم، وإنما يذكر مواطن العبرة دون الاشتغال بما لا نفع فيه، ولا سبيل إلى معرفة هذه الأمور المبهمة المغيبة وهذا كله مما لا تعلق له بالأحكام التكليفية، ويتضمن ما قد

стр. 146

مضى وسلف كأمور بدء الخلق، وأخبار الأمم الماضية، ومالم يقع كالبعث وصفة الجنة والنار ونحوها، فكل هذا لا يصح تفسيره باجتهادات لا دليل عليها أو بأخبار إسرائيلية الله أعلم بصحتها (١). ولقد حرص ابن عاشور على تأصيل ها المعنى وتَرْك الاشتغال فيما لا طائل منه. ومن ذلك ما جاء عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ (٢) حيث قال: "لما شاعت قصة أهل الكهف حين نزل بها القرآن صارت حديث النوادي، فكانت مثار تخرصات في معرفة عددهم، وحصر مدة مكثهم في كهفهم، وربما أملى عليهم المتنصرة من العرب في ذلك قصصاً، وقد نبههم القرآن إلى ذلك وأبهم على عموم الناس الإعلام بذلك لحكمة، وهي أن تتعود الأمة بترك الاشتغال فيما ليست منه فائدة للدين أو للناس " (٣).

стр. 147

خامساً: القواعد المتعلقة بالنسخ ١ - كل حكم ورد في خطاب مشعر بالتوقيت، أو ربط بغاية مجهولة، ثم انقضى بانقضائها، فهو نسخ: ومن ذلك ما جاء عنه في قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (١). حيث ردّ ابن عاشور قول من قال إن الآية محكمة لقوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فقال: " إن قوله إن آية النساء مغياة، لا يجدي لأن الغاية المبهمة لما كان بيانها إبطالاً لحكم المغيي فاعتبارها اعتبار النسخ، وهل النسخ كله إلا إيذان بوصول غاية الحكم المراد لله غير مذكور في اللفظ، فذكرها في بعض الأحكام على إبهامها لا يكسو النزول غير شعار النسخ " (٢). ٢ - إذا وقع التعارض بين نصين فالمتراخي منهما ناسخ للأول: ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣) رجّح ابن عاشور أن هذه الآية ناسخة لما جاء قبلها من

стр. 148

الآيات بناءً على القاعدة أن المتأخر أو المتراخي ناسخ للأول ونقل قول ابن عباس في ذلك فقال: " روى أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (١) , و ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (٢) نسختها في المائدة ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (٣).

стр. 149

الفصل الثاني قواعد الترجيح المتعلقة بذات النص القرآني وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: القول الذي تؤيده الآيات القرآنية مقدم على غيره. المبحث الثاني: الأصل إطلاق اللفظ على ظاهره مالم يرد دليل يجب الرجوع إليه. المبحث الثالث: الأولى إعمال اللفظ بكلا معنييه الحقيقي والمجازي متى أمكن. المبحث الرابع: يقدم المجاز على الحقيقة إذا وجدت القرينة. المبحث الخامس: إذا خلت الأقوال في الآية من مستند شرعي وكانت متساوية، فالقول الموافق لما جاء في التوراة مقدم على غيره.

стр. 150

المبحث الأول القول الذي تؤيده الآيات القرآنية مقدم على غيره صورة القاعدة: إذا تنازع العلماء في تفسير آية من كتاب الله، وكان أحد الأقوال تؤيده آية أو آيات أخرى من كتاب الله، فهو أولى الأقوال بحمل الآية عليه، لأن تقوية القرآن له يدل على صحته واستقامته، وكونه أقرب الطرق في تفسير كلام الله تعالى إلى الصدق والصواب (١). وقد اعتنى ابن عاشور بهذه القاعدة، وهو إن لم ينصّ عليها إلا أنه عمل بها، وكان له منهجه فيها من حيث عنايته بتوضيح المعنى بمعنى آخر من آية أخرى توضحه، أو بالأحرى شرح معاني المفردات القرآنية، لفظة بلفظة، وكذلك تفسير مجمل الآية بآية أخرى من باب حمل المطلق على المقيد. أقوال العلماء في القاعدة: قال العز بن عبد السلام وهو يبيّن ضروب التفسير والترجيح بينها: " قد يتردد-المعنى- بين محامل كثيرة يتساوى بعضها مع بعض، ويترجح بعضها على بعض، وأولى الأقوال ما دل عليه الكتاب في موضع آخر، أو السنة، أو إجماع الأمة " (٢).

стр. 151

وقررّ شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمته في "أصول التفسير" أن أصح طرق التفسير هي تفسير القرآن بالقرآن، وبيّن أن ما أجمل في مكان قد يفسّر في موضع آخر، وما اختصر في مكان قد يبسط في موضع آخر (١). كما نصّ ابن جزيّ الكلبي على هذه القاعدة وعلى أنها وجه من أوجه الترجيح عنده، فقال: " وأما وجوه الترجيح فهي اثنا عشر، الأول: تفسير بعض القرآن ببعض فإذا دلّ موضع من القرآن على المراد بموضع آخر حملناه عليه، ورجحنا القول بذلك على غيره من الأقوال " (٢). واهتم ابن كثير بتفسير القرآن بالقرآن، ورجَّح بين الأقوال بما تقضي به هذه القاعدة، والناظر في تفسيره يجد ذلك واضحاً جلياً (٣). ومن أشهر المفسرين الذين اعتنوا بتفسير القرآن بالقرآن وطبقوا ذلك عملياً في تفسيرهم: العلامة محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره " أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن "، والذي حدد مقاصده من تأليفه في مقدمته فقال: " أولها: بيان القرآن بالقرآن لإجماع العلماء على أن أشرف أنواع التفسير وأجلها تفسير كتاب الله بكتاب الله، إذ لا أحد أعلم بمعنى كلام الله جل وعلا من الله جل وعلا " (٤).

стр. 152

الأمثلة التطبيقية على القاعدة: ١ - مثال حال الواقفين على النار: قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (١). اختلف المفسرون في المراد بقوله (بدا)؛ أي ما الذي بدا لهم من قوله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ على عدة أقوال ذكرها الطبري، وابن عاشور، وغيرهما من المفسرين. وهي التالي: أحدها: بدا لهم أعمالهم التي كانوا يخفونها في الدنيا، وهو قول الحسن. والثاني: بدالهم ما يكتمونه من الشرك. والثالث: بدا لهم جزاء ما كانوا يخفونه، قاله المبرد. والرابع: بدا للأتباع ما كان يُخفيه الرؤساء، قاله الزجاج. والخامس: بدا لهم ما كان يخطر لهم من الإيمان لما يرون من صدق دلائله (٢). ورجح ابن عاشور أن المراد بقوله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ﴾ أي: بدا لهم ما يخفونه مما خطر لهم من الإيمان، وهذا الترجيح انفرد به ابن عاشور فيما يظهر

стр. 153

لي عن غيره من المفسرين، واستدل على اختياره هذا بما جاء في القرآن الكريم، وهذا قوله: "وعلمنا أنّ البَداء هو ظهور أمر في أنفسهم كانوا يخفونه في الدنيا، أي خطر لهم حينئذٍ ذلك الخاطر الذي كانوا يخفونه، أي الذي كان يبدو لهم، أي يخطر ببالهم وقوعه، فلا يُعلنون به، فبدا لهم الآن، فأعلنوا به وصرّحوا مُعترفين به. ففي الكلام احتباك، تقديره: بل بدا لهم ما كان يبدو لهم في الدنيا فأظهروه الآن وكانوا يخفونه، وذلك أنّهم كانوا يخطر لهم الإيمان لما يرون من دلائله أو من نصر المؤمنين فيصدّهم عنه العناد والحرص على استبقاء السيادة والأنفة من الاعتراف بفضل الرسول وبسبق المؤمنين إلى الخيرات قبلهم، وفيهم ضعفاء القوم وعبيدهم (١) وقريب من ترجيح ابن عاشور هذا ما اختاره ابن عطية حيث يقول: " الذي كانوا يخفونه في الدنيا نبوة محمد ﷺ وأقواله، وذلك أنهم كانوا يخفون ذلك في الدنيا بأن يحقروه عند من يرد عليهم ويصفوه بغير صفته .. " (٢). وفسره الطبري وأبو حيان بما كانوا يخفون عن الناس من قبائحهم - أي أعمالهم - (٣). واختار ابن كثير والألوسي أن المراد بـ ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ أي ما كانوا يكذبون به في الدنيا من الجزاء وهو النار (٤).

стр. 154

واحتمل الرازي، والقرطبي، وكذلك الشوكاني، والقاسمي تلك الأقوال المذكورة جميعها (١). قال الرازي: " واعلم أن اللفظ محتمل لوجوه كثيرة. والمقصود منها بأسرها أنه ظهرت فضيحتهم في الآخرة وانهتكت أستارهم " (٢). حجة من قال: إن المراد بقوله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ﴾ أي أعمالهم التي أخفوها في الدنيا ذكر القرطبي أنهم استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ (٣). قال الطبري: " بل بدا لهم ما كانوا يخفون من أعمالهم السيئة التي كانوا يخفونهامن قبل ذلك في الدنيا، فظهرت، ولو ردّوا إلى الدنيا فأمْهلوا لرجعوا إلى مثل العمل الذي كانوا يعملونه في الدنيا قبل ذلك، من جحود آيات الله، والكفر به، والعمل بما يسخط عليهم ربِّهم " (٤). وقال الزمخشري: " ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ ... ﴾ من قبائحهم، وفضائحهم في صحفهم، وبشهادة جوارحهم عليهم، فلذلك تمنوا ما تمنوا ضجراً، لا أنهم

стр. 155

عازمون على أنهم لو ردوا لآمنوا " (١). حجة من قال: إن المراد بقوله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ﴾ أي ما يكتمونه من الشرك: وهذا القول يشبه سابقه، وأصحاب هذا القول استدلوا على ذلك بما جاء في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٢) أي عرفوا أنهم هالكون بشركهم، فتمنوا لذلك (٣). قال مقاتل: "وذلك أنهم حين قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ أوحى الله إلى الجوارح، فشهدت عليهم بما كتموا من الشرك، فذلك قوله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ ... ﴾، يعنى ظهر لهم من الجوارح مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ بألسنتهم من قبل أن تنطق الجوارح بالشرك، فتمنوا عند ذلك الرجعة إلى الدنيا، ﴿فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ (٤) " (٥). قال النيسابوري: " قال أكثر المفسرين: إن المشركين في بعض مواقف القيامة يجحدون الشرك فيقولون ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٦) فينطق الله

стр. 156

تعالى جوارحهم فتشهد عليهم بالكفر فذلك معنى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ " (١). حجة من قال: إن المراد بقوله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ﴾ أي جزاء عقائدهم وأعمالهم: وهذا القول اعتمده أبو السعود فقال: "والمراد بها النار التي وقفوا عليها إذ هي التي سيق الكلام لتهويل أمرها والتعجيب من فظاعة حال الموقوفين عليها وبإخفائها تكذيبهم بها، فإن التكذيب بالشيء كفر به وإخفاء له لا محالة، وأما ما قيل من أن المراد بما يخفون كفرهم ومعاصيهم أو قبائحهم وفضائحهم التي كانوا يكتمونها من الناس فتظهر في صحفهم وبشهادة جوارحهم عليهم أو شركهم الذي يجحدون به في بعض مواقف القيامة بقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، ثم يظهر بما ذكر من شهادة الجوارح عليهم، أو ما أخفاه رؤساء الكفرة عن أتباعهم من أمر البعث والنشور أو ما كتمه علماءُ أهل الكتابين من صحة نبوةِ النبي ﵊ ونُعوته الشريفة عن عوامِّهم، على أن الضميرَ المجرورَ للعوام والمرفوعَ للخواص، أو كفرُهم الذي أخفَوْه عن المؤمنين والضميرُ المجرور للمؤمنين والمرفوعُ للمنافقين، فبعدَ الإغضاءِ عما في كلَ منها من الاعتساف والاختلال لا سبيل إلى شيء من ذلك أصلاً لما عرفت من أن سَوْق النظم الشريف لتهويل أمر النار، وتفظيعِ حال أهلها، وقد

стр. 157

ذُكر وقوفُهم عليها، وأُشير إلى أنه اعتراهم عند ذلك من الخوف والخشية والحَيْرة والدهشة ما لا يُحيط به الوصفُ، ورُتّب عليه تمنِّيهم المذكورُ بالفاء القاضيةِ بسببية ما قبلها لما بعدها، فإسقاطُ النار بعد ذلك من تلك السببية وهي في نفسها أدهى الدواهي وأزجرُ الزواجر، وإسنادُها إلى شيء من الأمور المذكورة التي دونها في الهول والزجر مع عدم جَرَيانِ ذكرها ثَمةَ أمرٌ يجب تنزيهُ ساحةِ التنزيل عن أمثاله، وأما ما قيل من أن المراد جزاءُ ما كانوا يُخفون فمن قبيل دخولِ البيوت من ظهورِها وأبوابُها مفتوحة فتأمل " (١). وردّ القاسمي ما ذهب إليه أبو السعود فقال: "لا ريب في بلاغة ما قرره ونفاسته، لولا تكلفه حمل الإخفاء على ماذكره، مما هو غير ظاهر فيه، وليس له نظائر في التنزيل الكريم. فمجازيته حينئذ من قبيل المعمى. وفي الوجوه الأُوَل إبقاؤه على حقيقته بلا تكلف، وشموله لها غير بعيد؛ لأن في كل منها ما يؤيده، كما بيناه، غاية الأمر أنما قرره وجه منها بديع. وأما كونه المراد لا غير، فدونه خرط القتاد , والله أعلم بأسرار كتابه " (٢). حجة من قال: إن المراد بالآية: بدا للأتباع ما كان يُخفيه الرؤساء: قال الزجاج: " والدليل على صحة هذا القول أنه تعالى ذكر عقبيه ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (٣). أي ظهر للذين

стр. 158

اتبعوا الغواة ماكان الغواة يخفون عنهم من أمر البعث والنشور " (١). حجة من قال: إن المراد بقوله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ﴾ أي ما كان يخطر لهم من الإيمان: وهذا القول انفرد به ابن عاشور عن المتقدمين كما قدمت وفي ذلك يقول: "وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٢). وهذا التفسير يغني عن الاحتمالات التي تحيّر فيها المفسّرون وهي لا تلائم نظم الآية، فبعضها يساعده صدرُها وبعضها يساعدُه عجزها وليس فيها ما يساعده جميعها " (٣). وهذا القول ذهب إليه عدد من علماء التفسير المعاصرين ومن قولهم: " بل ظهر لهم يوم القيامة ما كانوا يعلمونه من أنفسهم من صدق ما جاءت به الرسل في الدنيا، وإن كانوا يظهرون لأتباعه خلافه. ولو فرض أن أعيدوا إلى الدنيا فأمهلوا لرجعوا إلى العناد بالكفر والتكذيب. وإنهم لكاذبون في قولهم: لو رددنا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا، وكنا من المؤمنين " (٤). القول الراجح: الذي يظهر لي والله أعلم أن القول الراجح هو ما اختاره ابن عاشور من أن

стр. 159

المراد بـ ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ الإيمان، مستندا في ذلك إلى القاعدة الترجيحية حيث قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (١). أما ما اختاره الطبري وغيره من المفسرين من أنهم بدت لهم أعمالهم، السيئة أو شركهم، وغيرها من الأقوال أراها والله تعالى أعلم قد جانبت الصواب، لأن الآيات في معرض الحديث عن المشركين والكافرين، وهم لم يكونوا يخفون أعمالهم أو وشركهم بل على العكس من ذلك كانوا يكابرون ويجادلون. ومما يعضد هذا القول القاعدة الترجيحية (القول الذي يدل عليه السياق أولى من غيره)، وسياق الآيات التي تسبق الآية موضع البحث تعضد هذا القول، والأمر يبدو جليا لمن يقرأها قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا

стр. 160

عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (١). ٢ - مثال خلق الإنسان: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (٢). اختلف المفسرون في المراد من قوله: ﴿صَلْصَالٍ﴾، فمنهم من ذهب إلى أنه الطين اليابس الذي لم تصبه نار، إذا نُقر يسمع له صلصلة، ومنهم من قال بأنه الطين المنتن (٣) ورجّح ابن عاشور أنه الطين اليابس الذي يشبه الفخار واستدل على ذلك بما جاء في القرآن، وهذا قوله: " والصلصال: الطين الذي يترك حتى ييبس فإذا يبس فهو صلصال وهو شبه الفَخّار؛ إلا أن الفَخّار هو ما يبس بالطبخ بالنّار. قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ (٤) (٥)، وما رجحه ابن عاشور هو الذي عليه جمهور المفسرين (٦).

стр. 161

في حين خالف بعض المفسرين منهم مجاهد حيث يقول: أن الصلصال هو الطين المنتن (١). حجة من قال: إن الصلصال هو الطين اليابس الذي يسمع له صلصلة: حجتهم في ذلك أنه جاء مفسراً في موضع آخر بالفخار في يبسه، أي بما تقضي به قاعدة المبحث. قال أبو عبيدة: " الصلصال: الطين اليابس الذي لم تصبه نار، فإذا نقرته صلّ , فسمعت له صلصلة، فإذا طبخ بالنار فهو فخار , وكل شئ له صَلصلةَ صوت , فهو صلصال سوى الطين" (٢). وقال الطبري في ذلك: " والذي هو أولى بتأويل الآية أن يكون الصلصال في هذا الموضع الذي له صوت من الصلصلة، وذلك أن الله تعالى وصفه في موضع آخر فقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ (٣) فشبهه تعالى ذكره بأنه كان كالفخَّار في يُبسه " (٤). وقال الرازي: " الصلصال الطين اليابس الذي يصلصل وهو غير مطبوخ، وإذا طبخ فهو فخار. قالوا: إذا توهمت في صوته مداً فهو صليل، وإذا توهمت فيه

стр. 162

ترجيعاً فهو صلصلة. قال المفسرون: خلق الله تعالى آدم ﵇ من طين فصوره وتركه في الشمس أربعين سنة، فصار صلصالاً كالخزف ولا يدري أحد ما يراد به، ولم يروا شيئاً من الصور يشبهه إلى أن نفخ فيه الروح , وحقيقة الكلام أنه تعالى خلق آدم من طين على صورة الإنسان فجف فكانت الريح إذا مرت به سمع له صلصلة؛ فلذلك سماه الله تعالى صلصالاً " (١). وكذلك رجحه ابن كثير بموجب هذه القاعدة فقال بعد أن ذكر الخلاف في المراد بالصلصال: " والظاهر أنه كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ (٢) وتفسير الآية بالآية أولى" (٣). وقال الشنقيطي: " بيّن تعالى في هذه الآية الكريمة أنه خلق أبانا آدم من صلصال من حمأ مسنون، والصلصال الطين اليابس الذي يصلّ أي يصوِّت من يبسه إذا ضربه شيء ما دام لم تمسه النار فإذا مسته النار فهو حينئذ فخار، وأصل الصليل والصلصلة واحد، والفرق بينهما أنك إذا توهمت في الصوت مداً فهو صليل، وإذا توهمت فيه ترجيعاً فهو صلصلة " (٤).

стр. 163

حجة من قال: إنه الطين المنتن: حجتهم في ذلك أنه مأخوذ من قولهم: صلَّ اللحم وأصلَّ: إذا أنتن، يقال ذلك باللغتين كلتيهما: يفعل وأفعل، وهذا القول من رواية مجاهد (١). وقال الكسائي: "هو الطين المنتن " (٢). القول الراجح: إن الصلصال هو الطين اليابس , وذلك بناء على القاعدة , حيث دلَّ على هذا المعنى موضع آخر من القرآن فترجح بذلك، وهذا المعنى هو الذي رجحه ابن عاشور كما تقدم. وفي معناه يقول الراغب الأصفهاني: " أصل الصلصال تردد الصوت من الشئ اليابس ومنه قيل صلّ المسمار، وسُمِّى الطين الجاف صلصالاً، قال تعالى: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (٤) والصلصلة بقية ماء سميت بذلك لحكاية صوت تحركه في المزادة (٥). ومما يؤيد هذا القول ويرجحه القاعدة الترجيحية: (يجب حمل كلام الله

стр. 164

تعالى على المعروف من كلام العرب) ومن المعروف عند العرب أن الصلصال هو الطين اليابس، قال ابن منظور: " الصلصال من الطين مالم يجعل خزفاً سمي به لتصلصله، وكل ما جفّ من طين أو فخار فقد صلّ صليلاً وطين صلال ومصلال أي يصوت الخزف الجديد " (١). أما قول من قال بأنه الطين المنتن فهذا قول مردود , وقد ردّ الطبري والرازي هذا القول، وبينا ضعفه. قال الطبري: " ولو كان معناه في ذلك المُنتِن لم يشبهه بالفخارِّ، لأن الفخار ليس بمنتن فيشبَّه به في النتن غيره " (٢). وكذلك ضعّفه الرازي بقوله: " وهذا القول عندي ضعيف، لأنه تعالى قال: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ وكونه حمأ مسنوناً يدل على النتن والتغير، وظاهر الآية يدل على أن هذا الصلصال إنما تولد من الحمأ المسنون، فوجب أن يكون كونه صلصالاً مغايراً لكونه حمأ مسنوناً، ولو كان كونه صلصالاً عبارة عن النتن والتغير لم يبق بين كونه صلصالاً، وبين كونه حمأ مسنوناً تفاوت " (٣). وقد وضَّح الشنقيطي هذا الإشكال الذي وقع لبعض المفسرين في مسألة خلق الإنسان، وبيّن أنه لا تعارض بين الآيات، وإنما الآيات تدل على أن الله خلق الإنسان على مراحل أو أطوار، يقول الشنقيطي: " في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ

стр. 165

خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ظاهر هذه الآية أن آدم خلق من صلصال؛ أي طين يابس. وقد جاء في آيات أخر ما يدل على خلاف ذلك، كقوله تعالى: ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ (١)، وكقوله: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ (٢). والجواب: أنه ذكر أطوار ذلك التراب، فذكر طوره الأول بقوله: ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾، ثم بُلّ فصار طيناً لازباً، ثم خمِّر فصار حمأ مسنوناً، ثم يبس فصار صلصالاً كالفخار. وهذا واضح " (٣). ٣ - مثال أصحاب الأيكة: قال تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠)﴾ (٤). اختلف المفسرون في أصحاب الأيكة (٥) هل هم أهل مدين أو هم قوم

стр. 166

آخرون، وقد ساق هذا الخلاف ابن عاشور في تفسيره فقال: " وقد اختلف في أن أصحاب الأيكة هم مدين، أو هم قوم آخرون ساكنون في الأيكة جوار مدين أرسل شعيب إليهم وإلى أهل مدين. وإلى هذا مال كثير من المفسرون. روى عبد الله بن وهب عن جبير بن حازم عن قتادة قال: أُرسل شعيب إلى أمتين: إلى قومه من أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة. وقال جابر بن زيد: أرسل شعيب إلى قومه أهل مدين وإلى أهل البادية وهم أصحاب الأيكة " (١). ورجّح ابن عاشور أنهما أمتان أرسل إليهما شعيب وفيه يقول: " والأظهر أن أهل الأيكة قبيلة غير مدين فإن مدين هم أهل نسب شعيب وهم ذرية مَدين بن إبراهيم من زوجه «قطورة» سكَن مدين في شرق بلد الخليل كما في التوراة، فاقتضى ذلك أنه وجده بلَداً مأهولاً بقوم فهم إذن أصحاب الأيكة , فبنى مدين وبنُوه المدينةَ , وتركوا البادية لأهلها وهم سكان الغيضة " (٢). وما رجحه ابن عاشور في كون قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتين , إنما استند فيه على ما جاء في القرآن الكريم ضمن قاعدة المبحث، وفي ذلك يقول:

стр. 167

" والذي يشهد لذلك ويرجحه أن القرآن لمَّا ذكرَ هذه القصةَ لأهل مدين وصف شعيباً بأنه أخوهم، ولما ذكرها لأصحاب الأيكة لم يصف شعيباً بأنه أخوهم إذ لم يكن شعيب نسيباً ولا صهراً لأصحاب الأيكة، وهذا إيماء دقيق إلى هذه النكتة " (١). وما رجحه ابن عاشور في هذه الآية قد رجحه من قبله ابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، والشوكاني، والألوسي (٢). في حين ذهب الطبري، وابن كثير، والقاسمي، والشنقيطي إلى أن أصحاب الأيكة هم أهل مدين (٣). حجة أصحاب القول الأول القائلين بأن أصحاب الأيكة قوم آخرون ليسو هم أهل مدين: حجتهم في ذلك ما جاء في القرآن من بيان أنهما أمتان أو قبيلتان. قال ابن عاشور مؤكداً ترجيحه هذا المبني على القاعدة بما جاء في سورة الحجر عند قوله تعالى ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (٤): " ويظهر أن ضمير التثنية عائد

стр. 168

إلى أصحاب الأيكة باعتبار أنهم قبيلتان، وهما مدين وسكان الغيضة الأصليون الذين نزل مدين بجوارهم، وهذا عندي هو مقتضى ذكر قوم شعيب ﵇ باسم مدين مرات، وباسم أصحاب الأيكة مرات " (١). كما أكد الرازي هذا المعنى بقوله: " فإن قيل هلاّ قال أخوهم شعيب كما في سائر المواضع. جوابه: أن شعيباً لم يكن من أصحاب الأيكة " (٢). وقال أبو حيان: " وكان شعيب ﵇ من أهل مدين، فلذلك جاء: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ (٣) ولم يكن من أهل الأيكة، فلذلك قال هنا: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾. ومن غريب النقل ما روي عن ابن عباس ﵄ أن أصحاب الأيكة هم: أصحاب مدين، وعن غيره أن أصحاب الأيكة هم: أهل البادية، وأصحاب مدين هم: الحاضرة" (٤). حجة أصحاب القول الثاني القائلين بأن أصحاب الأيكة هم أهل مدين: قال ابن كثير مدللا على اختياره: " هؤلاء -أعني أصحاب الأيكة -هم أهل مدين على الصحيح. وكان نبي الله شعيب من أنفسهم، وإنما لم يقل هنا أخوهم شعيب؛ لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجرة. وقيل: شجر ملتف كالغَيضة، كانوا يعبدونها؛ فلهذا لما قال: كذب أصحاب الأيكة المرسلين، لم

стр. 169

يقل: "إذ قال لهم أخوهم شعيب"، وإنما قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾، فقطع نسبة الأخوة بينهم؛ للمعنى الذي نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسبا , ومن الناس مَنْ لم يتفطن لهذه النكتة، فظن أن أصحاب الأيكة غير أهل مدين، فزعم أن شعيبًا ﵇، بعثه الله إلى أمتين، ومنهم مَنْ قال: ثلاث أمم " (١). وقال القاسمي: " والصحيح أنهم أمة واحدة. وصفوا في كل مقام بشيء، ولذلك وعظ هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان، كما في قصة مدين سواء بسواء , فدل ذلك على أنهما أمة واحدة " (٢). القول الراجح: هو ما رجحه الطبري وغيره في أنهما أمة واحدة. قال الطبري: " وأصحاب الأيكة: هم أهل مدين، والأيكة: الشجر، بعث الله شعيباً إلى قومه من أهل مدين، وإلى أهل البادية، قال: وهم أصحاب لأيكة، وليكة ولأيكة: واحد " (٣). قلت: وإن قيل أن ما رجحه ابن عاشور ومن سبقه من المفسرين استدلوا به بمقتضى القاعدة الترجيحية أي ما فسرته آيات أخرى، قلنا: إن أصحاب القول الثاني أيضاً استدلوا على قولهم بدلالة الآيات الأخرى. وفي ذلك يقول الشنقيطي: " قال أكثر أهل العلم: إن أصحاب الأيكة هم

стр. 170

مدين. قال ابن كثير: وهو الصحيح، وعليه فتكون هذه الآية بينتها الآيات الموضحة قصة شعيب مع مدين، ومما أستدل به أهل هذا القول أنه قال هنا لأصحاب الأيكة: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (١)، وهذا الكلام ذكر الله عنه أنه قاله لمدين في مواضع متعددة كقوله في هود: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ (٢) إلى غير ذلك من الآيات " (٣). وأما ما رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة شعيب ﵇ من طريق محمد بن عثمان ابن أبي شيبة بسنده إلى عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ " إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهما شعيباً

стр. 171

النبي " (١). فهذا الحديث قد تكلم عليه بعض العلماء، منهم ابن كثير قال فيه: هذا غريب، وفي رفعه نظر، والأشبه أنه موقوف " (٢). وعليه فإنه يترجح أنهما أمة واحدة وصفوا في كل مقام بشيء، والله تعالى أعلم. ٤ - مثال الذبيح: قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ (٣). اختلف المفسرون في الذبيح، فذهب بعض المفسرين إلى أن الذبيح هو إسماعيل ﵇، وذهب آخرون إلى أن الذبيح إسحاق، وقد ساق هذا الخلاف ابن عاشور في تفسيره فقال: " واختلف علماء السلف في تعيين الذبيح فقال جماعة من الصحابة والتابعين: هو إسماعيل وممن قاله أبو هريرة وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وعبد الله بن عُمر، وابن عباس، ومعاوية بن أبي سفيان. وقاله من التابعين سعيد بن المسيِّب، والشعبي، ومجاهد، وعلقمة، والكلبي،

стр. 172

والربيع بن أنس، ومحمد بن كعب القُرظي، وأحمد بن حنبل. وقال جماعة: هو إسحاق، ونقل عن ابن مسعود، والعباس بن عبد المطلب، وجابر بن عبد الله، وعمر، وعلي من الصحابة، وقاله جمع من التابعين منهم: عطاء وعكرمة والزهري والسّدِّي. وفي «جامع العتبية» أنه قول مالك بن أنس " (١). ورجّح ابن عاشور أن الذبيح هو إسماعيل ﵇ مستدلاً على ذلك بما جاء في القرآن الكريم يفسر ذلك فقد قال: " شاع من أخبار أهل الكتاب أن الذبيح هو إسحاق بن إبراهيم بناء على ما جاء في «سفر التكوين» في «الإِصحاح» الثاني والعشرين .... والتأمُّل في هذه الآية يقوّي الظن بأن الذبيح إسماعيل، فإنه ظاهر قوي في أن المأمور بذبحه هو الغلام الحليم في قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ (٢) وأنه هو الذي سأل إبراهيمُ ربه أن يهب له فساقت الآية قصة الابتلاء بذبح هذا الغلام الحليم الموهوب لإِبراهيم، ثم أعقبت قصته بقوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣)، وهذا قريب من دلالة النص على أن إسحاق هو غير الغلام الحليم الذي مضى الكلام على قصته، لأن الظاهر أن قوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ﴾ بشارة ثانية , وأن ذكر اسم إسحاق يدل على أنه غير الغلام الحليم الذي أجريت عليه الضمائر المتقدمة (٤).

стр. 173

وممن وافق قوله قول ابن عاشور فيمن سبقه من المفسرين ابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير، والألوسي، والقاسمي، والشنقيطي (١). في حين ذهب الطبري، والرازي، والقرطبي إلى أن الذبيح هو إسحاق ﵇ (٢). واحتمل الشوكاني كلا القولين ولم يرجح فقال بعد أن ذكرهما: " وكل هذا أيضاً يحتمل فانظر ماذا ترى؟ " (٣). حجة من قال: إن الذبيح هو إسماعيل ﵇: ذكر ابن عطية بعض الأدلة على هذا القول، فقال: " ويستدل بأن بالبشارة اقترنت بأن من ورائه يعقوب، فلو قيل له في صباه: اذبحه , لناقض ذلك البشارة بيعقوب، ويستدل بظاهر هذه الآية أنه بشر بإسماعيل، وانقضى أمر ذبحه ثم بشر بإسحاق بعد ذلك " (٤). كما ذكر الرازي أدلة أصحاب هذا القول بعدة وجوه: الأول: " أن رسول الله ﷺ قال: " أنا ابن الذبيحين " وقال له أعرابي: «يا ابن

стр. 174

الذبيحين! فتبسم فسئل عن ذلك فقال: إن عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر لله لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد ولده، فخرج السهم على عبد الله فمنعه أخواله وقالوا له افد ابنك بمائة من الإبل، ففداه بمائة من الإبل، والذبيح الثاني إسماعيل» (١). الحجة الثانية: نقل عن الأصمعي أنه قال سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح، فقال: يا أصمعي أين عقلك، ومتى كان إسحق بمكة وإنما كان إسماعيل بمكة , وهو الذي بنى البيت مع أبيه، والمنحر بمكة. الحجة الثالثة: أن الله تعالى وصف إسماعيل بالصبر دون إسحق في قوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (٢) وهو صبره على الذبح، ووصفه أيضاً بصدق الوعد في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ (٣) لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى به. الحجة الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ (٤) فنقول لو كان الذبيح إسحق لكان الأمر بذبحه إما أن يقع قبل ظهور يعقوب، منه أو بعد ذلك , فالأول: باطل؛ لأنه تعالى لما بشرها بإسحق، وبشرها معه بأنه يحصل منه يعقوب فقبل ظهور يعقوب منه لم يجز الأمر بذبحه،

стр. 175

وإلا حصل الخلف في قوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾. والثاني: باطل لأن قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (١) يدل على أن ذلك الابن لما قدر على السعي ووصل إلى حد القدرة على الفعل أمر الله تعالى إبراهيم بذبحه، وذلك ينافي وقوع هذه القصة في زمان آخر، فثبت أنه لا يجوز أن يكون الذبيح هو إسحق. الحجة الخامسة: حكى الله تعالى عنه أنه قال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (٢) ثم طلب من الله تعالى ولداً يستأنس به في غربته فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣) وهذا السؤال إنما يحسن قبل أن يحصل له الولد، لأنه لو حصل له ولد واحد لما طلب الولد الواحد، لأن طلب الحاصل محال ,وقوله: ﴿هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ لا يفيد إلا طلب الولد الواحد، وكلمة من للتبعيض وأقل درجات البعضية الواحد فكأن قوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ لا يفيد إلا طلب الولد الواحد فثبت أن هذا السؤال لا يحسن إلا عند عدم كل الأولاد , فثبت أن هذا السؤال وقع حال طلب الولد الأول، وأجمع الناس على أن إسماعيل متقدم في الوجود على إسحق، فثبت أن المطلوب

стр. 176

بهذا الدعاء هو إسماعيل، ثم إن الله تعالى ذكر عقيبه قصة الذبيح فوجب أن يكون الذبيح هو إسماعيل. الحجة السادسة: الأخبار الكثيرة في تعليق قرن الكبش بالكعبة، فكان الذبيح بمكة , ولو كان الذبيح إسحق كان الذبح بالشام " (١). وقال الألوسي: " والذي أميل أنا إليه أنه إسماعيل ﵇ بناءً على أن ظاهر الآية يقتضيه , وأنه المروى عن كثير من أئمة أهل البيت , ولم أتيقن صحة حديث مرفوع يقتضي خلاف ذلك، وحال أهل الكتاب لا يخفى على ذوي الألباب." (٢) وقال ابن عاشور معللاً ترجيحه لهذا القول بالرغم مما جاء في سفر التكوين بقوله: " فإن قلت: فعلامَ جنحتَ إليه، واستَدللت عليه من اختيارك أن يكون لابتلاء بذبح إسماعيل دون إسحاق، فكيف تتأول ما وقع في «سفر التكوين»؟ قلت: أرى أن ما في «سفر التكوين» نُقِل مشتّتاً غير مرتبة فيه أزمان الحوادث بضبط يعين الزمن بين الذبح وبين أخبار إبراهيم، فلما نقَل النقلةُ التوراة بعد ذهاب أصلها عقب أسر بني إسرائيل في بلاد أشور زمن بختنصر، سجلت قضية الذبيح في جملة أحوال إبراهيم ﵇، وأدمج فيها ما اعتقده بنو إسرائيل في غربتهم من ظنهم الذبيح إسحاق. ويدل لذلك قول الإِصحاح الثاني والعشرين «وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم فقال خذ ابنك وحيدك» الخ؛ فهل المراد من قولها: بعد هذه الأمور، بعد جميع الأمور

стр. 177

المتقدمة أو بعد بعض ما تقدم" (١). حجة من قال: إن الذبيح هو إسحاق ﵇ وليس إسماعيل: استدل أصحاب هذا القول على ما جاء في القرآن، وعلى ماذكرته الأسفار أيضاً وقال الطبري مستدلاً على قوله بما جاء في القرآن فقال: " وأولى القولين بالصواب في المَفْديّ من ابني إبراهيم خليل الرحمن على ظاهر التنزيل قول من قال: هو إسحاق، لأن الله قال: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٢) فذكر أنه فدَى الغلامَ الحليمَ الذي بُشِّر به إبراهيم حين سأله أن يهب له ولدًا صالحًا من الصالحين، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣) فإذ كان المفدِيّ بالذبح من ابنيه هو المبشَّر به، وكان الله تبارك اسمه قد بين في كتابه أن الذي بُشِّر به هو إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فقال جل ثناؤه: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ (٤) وكان في كل موضع من القرآن ذكر تبشيره إياه بولد، فإنما هو معنيّ به إسحاق، كان بيَّنا أن تبشيره إياه بقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ (٥) في هذا الموضع نحو سائر أخباره في غيره من آيات القرآن.

стр. 178

وبعد: فإن الله أخبر جل ثناؤه في هذه الآية عن خليله أنه بشَّره بالغلام الحليم عن مسألته إياه أن يهب له من الصالحين، ومعلوم أنه لم يسأله ذلك إلا في حال لم يكن له فيه ولد من الصالحين، لأنه لم يكن له من ابنيه إلا إمام الصالحين، وغير موهم منه أن يكون سأل ربه في هبة ما قد كان أعطاه ووهبه له. فإذ كان ذلك كذلك فمعلوم أن الذي ذكر تعالى ذكره في هذا الموضع هو الذي ذكر في سائر القرآن أنه بشَّره به وذلك لا شك أنه إسحاق، إذ كان المفديّ هو المبشَّر به. وأما الذي اعتلّ به من اعتلّ في أنه إسماعيل، أن الله قد كان وعد إبراهيم أن يكون له من إسحاق ابن، فلم يكن جائزاً أن يأمره بذبحه مع الوعد الذي قد تقدم; فإن الله إنما أمره بذبحه بعد أن بلغ معه السعي، وتلك حال غير ممكن أن يكون قد وُلد لإسحاق فيها أولاد، فكيف الواحد؟ وأما اعتلال من اعتل بأن الله أتبع قصة المفديّ من ولد إبراهيم بقوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١) ولو كان المفديّ هو إسحاق لم يبشَّر به بعد، وقد ولد، وبلغ معه السعي، فإن البشارة بنبوه إسحاق من الله فيما جاءت به الأخبار جاءت إبراهيم وإسحاق بعد أن فُدِي تكرمة من الله له على صبره لأمر ربه فيما امتحنه به من الذبح، وقد تقدمت الرواية قبلُ عمن قال ذلك. وأما اعتلال من اعتلّ بأن قرن الكبش كان معلقا في الكعبة فغير مستحيل أن يكون حُمل من الشام إلى الكعبة. وقد رُوي عن جماعة من أهل العلم أن

стр. 179

إبراهيم إنما أمر بذبح ابنه إسحاق بالشام، وبها أراد ذبحه (١) .. وذكر ابن عاشور أن من حجتهم على ذلك ما جاء في سفر التكوين في الإصحاح الثاني والعشرين، وعلى ما كان يقصه اليهود عليهم (٢). القول الراجح: هو ما ذهب إليه ابن عاشور وجمهور المفسرين بناءً على القاعدة الترجيحية (القول الذي تؤيده الآيات القرآنية مقدم على غيره)، وقد ذكر ابن عاشور عدة أدلة تؤكد أن الذبيح هو إسماعيل ﵇، ومنها ما وقع في «سفر التكوين» في الإِصحاح الثاني والعشرين، وهذا قوله: " أن الله امتحن إبراهيم فقال له: «خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق واذهب إلى أرض المريا وأصعده هنالك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك» إلى آخر القصة. ولم يكن إسحاق ابناً وحيداً لإِبراهيم فإن إسماعيل وُلد قبله بثلاث عشرة سنة. ولم يزل إبراهيم وإسماعيل متواصلين وقد ذكر في الإِصحاح الخامس والعشرين من سفر التكوين عند ذكر موت إبراهيم ﵇ «ودفَنه إسحاق وإسماعيلُ ابناه»، فإقحام اسم إسحاق بعد قوله: ابنَك وحيدَك، من زيادة كاتب التوراة (٣). وممن رجح هذا القول بناءً على قاعدة المبحث أيضاً بوضوح الشنقيطي

стр. 180

حيث يقول: " اعلم وفقني الله وإياك. أن القرآن العظيم قد دل في موضعين، على أن الذبيح هو إسماعيل لا إسحاق أحدهما في الصافات، والثاني في هود. أما دلالة آيات الصافات على ذلك فهي واضحة جداً من سياق الآيات، وإيضاح ذلك أنه تعالى قال عن نبيه إبراهيم: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (١). قال بعد ذلك عاطفاً على البشارة الأولى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢) فدل ذلك على أن البشارة الأولى شيء غير المبشر به في الثانية؛ لأنه لا يجوز حمل كتاب الله على أن معناه: فبشرناه بإسحاق، ثم بعد
следующие страницы →