بهذا الدعاء هو إسماعيل، ثم إن الله تعالى ذكر عقيبه قصة الذبيح فوجب أن يكون الذبيح هو إسماعيل.
الحجة السادسة: الأخبار الكثيرة في تعليق قرن الكبش بالكعبة، فكان الذبيح بمكة , ولو كان الذبيح إسحق كان الذبح بالشام " (١).
وقال الألوسي: " والذي أميل أنا إليه أنه إسماعيل ﵇ بناءً على أن ظاهر الآية يقتضيه , وأنه المروى عن كثير من أئمة أهل البيت , ولم أتيقن صحة حديث مرفوع يقتضي خلاف ذلك، وحال أهل الكتاب لا يخفى على ذوي الألباب." (٢)
وقال ابن عاشور معللاً ترجيحه لهذا القول بالرغم مما جاء في سفر التكوين بقوله: "
فإن قلت: فعلامَ جنحتَ إليه، واستَدللت عليه من اختيارك أن يكون لابتلاء بذبح إسماعيل دون إسحاق، فكيف تتأول ما وقع في «سفر التكوين»؟
قلت: أرى أن ما في «سفر التكوين» نُقِل مشتّتاً غير مرتبة فيه أزمان الحوادث بضبط يعين الزمن بين الذبح وبين أخبار إبراهيم، فلما نقَل النقلةُ التوراة بعد ذهاب أصلها عقب أسر بني إسرائيل في بلاد أشور زمن بختنصر، سجلت قضية الذبيح في جملة أحوال إبراهيم ﵇، وأدمج فيها ما اعتقده بنو إسرائيل في غربتهم من ظنهم الذبيح إسحاق. ويدل لذلك قول الإِصحاح الثاني والعشرين «وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم فقال خذ ابنك وحيدك» الخ؛ فهل المراد من قولها: بعد هذه الأمور، بعد جميع الأمور
стр. 177
المتقدمة أو بعد بعض ما تقدم" (١).
حجة من قال: إن الذبيح هو إسحاق ﵇ وليس إسماعيل:
استدل أصحاب هذا القول على ما جاء في القرآن، وعلى ماذكرته الأسفار أيضاً وقال الطبري مستدلاً على قوله بما جاء في القرآن فقال: " وأولى القولين بالصواب في المَفْديّ من ابني إبراهيم خليل الرحمن على ظاهر التنزيل قول من قال: هو إسحاق، لأن الله قال: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (٢) فذكر أنه فدَى الغلامَ الحليمَ الذي بُشِّر به إبراهيم حين سأله أن يهب له ولدًا صالحًا من الصالحين، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣) فإذ كان المفدِيّ بالذبح من ابنيه هو المبشَّر به، وكان الله تبارك اسمه قد بين في كتابه أن الذي بُشِّر به هو إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فقال جل ثناؤه: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ (٤) وكان في كل موضع من القرآن ذكر تبشيره إياه بولد، فإنما هو معنيّ به إسحاق، كان بيَّنا أن تبشيره إياه بقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ (٥) في هذا الموضع نحو سائر أخباره في غيره من آيات القرآن.
стр. 178
وبعد: فإن الله أخبر جل ثناؤه في هذه الآية عن خليله أنه بشَّره بالغلام الحليم عن مسألته إياه أن يهب له من الصالحين، ومعلوم أنه لم يسأله ذلك إلا في حال لم يكن له فيه ولد من الصالحين، لأنه لم يكن له من ابنيه إلا إمام الصالحين، وغير موهم منه أن يكون سأل ربه في هبة ما قد كان أعطاه ووهبه له. فإذ كان ذلك كذلك فمعلوم أن الذي ذكر تعالى ذكره في هذا الموضع هو الذي ذكر في سائر القرآن أنه بشَّره به وذلك لا شك أنه إسحاق، إذ كان المفديّ هو المبشَّر به. وأما الذي اعتلّ به من اعتلّ في أنه إسماعيل، أن الله قد كان وعد إبراهيم أن يكون له من إسحاق ابن، فلم يكن جائزاً أن يأمره بذبحه مع الوعد الذي قد تقدم; فإن الله إنما أمره بذبحه بعد أن بلغ معه السعي، وتلك حال غير ممكن أن يكون قد وُلد لإسحاق فيها أولاد، فكيف الواحد؟ وأما اعتلال من اعتل بأن الله أتبع قصة المفديّ من ولد إبراهيم بقوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١) ولو كان المفديّ هو إسحاق لم يبشَّر به بعد، وقد ولد، وبلغ معه السعي، فإن البشارة بنبوه إسحاق من الله فيما جاءت به الأخبار جاءت إبراهيم وإسحاق بعد أن فُدِي تكرمة من الله له على صبره لأمر ربه فيما امتحنه به من الذبح، وقد تقدمت الرواية قبلُ عمن قال ذلك. وأما اعتلال من اعتلّ بأن قرن الكبش كان معلقا في الكعبة فغير مستحيل أن يكون حُمل من الشام إلى الكعبة. وقد رُوي عن جماعة من أهل العلم أن
стр. 179
إبراهيم إنما أمر بذبح ابنه إسحاق بالشام، وبها أراد ذبحه (١) ..
وذكر ابن عاشور أن من حجتهم على ذلك ما جاء في سفر التكوين في الإصحاح الثاني والعشرين، وعلى ما كان يقصه اليهود عليهم (٢).
القول الراجح:
هو ما ذهب إليه ابن عاشور وجمهور المفسرين بناءً على القاعدة الترجيحية (القول الذي تؤيده الآيات القرآنية مقدم على غيره)، وقد ذكر ابن عاشور عدة أدلة تؤكد أن الذبيح هو إسماعيل ﵇، ومنها ما وقع في «سفر التكوين» في الإِصحاح الثاني والعشرين، وهذا قوله: " أن الله امتحن إبراهيم فقال له: «خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحاق واذهب إلى أرض المريا وأصعده هنالك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك» إلى آخر القصة.
ولم يكن إسحاق ابناً وحيداً لإِبراهيم فإن إسماعيل وُلد قبله بثلاث عشرة سنة. ولم يزل إبراهيم وإسماعيل متواصلين وقد ذكر في الإِصحاح الخامس والعشرين من سفر التكوين عند ذكر موت إبراهيم ﵇ «ودفَنه إسحاق وإسماعيلُ ابناه»، فإقحام اسم إسحاق بعد قوله: ابنَك وحيدَك، من زيادة كاتب التوراة (٣).
وممن رجح هذا القول بناءً على قاعدة المبحث أيضاً بوضوح الشنقيطي
стр. 180
حيث يقول: " اعلم وفقني الله وإياك. أن القرآن العظيم قد دل في موضعين، على أن الذبيح هو إسماعيل لا إسحاق أحدهما في الصافات، والثاني في هود.
أما دلالة آيات الصافات على ذلك فهي واضحة جداً من سياق الآيات، وإيضاح ذلك أنه تعالى قال عن نبيه إبراهيم: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (١). قال بعد ذلك عاطفاً على البشارة الأولى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢) فدل ذلك على أن البشارة الأولى شيء غير المبشر به في الثانية؛ لأنه لا يجوز حمل كتاب الله على أن معناه: فبشرناه بإسحاق، ثم بعد
стр. 181
انتهاء قصة ذبحه يقول أيضاً: وبشرناه بإسحاق، فهو تكرار لا فائدة فيه ينزّه عنه كلام الله، وهو واضح في أن الغلام المبشَّر به أولاً الذي فُدي بالذبح العظيم، هو إسماعيل، وأن البشارة بإسحاق نص الله عليها مستقلة بعد ذلك.
وقد أوضحنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (١) أن المقرر في الأصول أن النص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ إذا احتمل التأسيس والتأكيد معاً، وجب حمله على التأسيس ولا يجوز حمله على التأكيد إلا لدليل يجب الرجوع إليه.
ومعلوم في اللغة العربية، أن العطف يقتضي المغايرة، فآية الصافات هذه دليل واضح للمنصف على أن الذبيح إسماعيل لا إسحاق، ويستأنس لهذا بأن المواضع التي ذكر فيها إسحاق يقيناً عبر عنه في كلها بالعلم لا الحلم، وهذا الغلام الذبيح وصفه بالحلم لا العلم
وأما الموضع الثاني الدال على ذلك ذكرنا أنه في سورة هود فهو قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ (٢) لأن رسل الله من الملائكة بشرتها بإسحاق، وأن إسحاق يلد يعقوب، فكيف يعقل أن يؤمر إبراهيم بذبحه، وهو صغير، وهو
стр. 182
عنده علم يقين بأنه يعيش حتى يلد يعقوب.
فهذه الآية أيضاً دليل واضح على ما ذكرنا، فلا ينبغي للمنصف الخلاف في ذلك بعد دلالة هذه الأدلة القرآنية على ذلك. والعلم عند الله تعالى" (١).
٥ - مثال الإحياء والإماتة:
قال تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٢).
اختلف المفسرون في المراد بالموتتين والإحياءين من قوله تعالى: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ على ثلاثة أقوال (٣):
الأول: إن الله أحياهم حين خلقهم في الدنيا، ثم أماتهم فيها عند انقضاء آجالهم، ... ثم أحياهم في قبورهم للمساءلة، ثم أماتهم إلى وقت البعث. ثم أحياهم للبعث، قاله السدي (٤).
الثاني: إن الله أحياهم حين أخذ عليهم الميثاق في ظهر آدم، وذلك قوله:
стр. 183
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (١)، ثم إن اللَّه أماتهم بعد أخذ الميثاق عليهم، ثم أحياهم حين أخرجهم، ثم أماتهم عند انقضاء آجالهم، ثم أحياهم للبعث فتكون حياتان وموتتان في الدنيا وحياة في الآخرة، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٢).
الثالث: إنه خلقهم أمواتاً في أصلاب آبائهم، ثم أحياهم بإخراجهم، ثم أماتهم عند انقضاء آجالهم، ثم أحياهم للبعث، فهما ميتتان إحداهما في أصلاب الرجال، والثانية في الدنيا، وحياتان: إحداهما في الدنيا والثانية في الآخرة، قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة والضحاك (٣).
وهذا القول الثالث هو الذي اختاره ابن عاشور في تفسيره مستدلاً على ذلك بما جاء في القرآن.
وهذا قوله: " والمراد بإحدى الموتتين: الحالةُ التي يكون بها الجنين لَحْماً لا حياة فيه في أول تكوينه قبل أن يُنفخ فيه الروح، وإطلاق الموت على تلك الحالة مجاز وهو مختار الزمخشري والسكاكي , بناء على أن حقيقة الموت انعدام الحياة من الحي بعد أن اتصف بالحياة، فإطلاقه على حالة انعدام الحياة قبلَ حصولها فيه
стр. 184
استعارةٌ، إلا أنها شائعة في القرآن حتى ساوت الحقيقة , فلا إشكال في استعمال (أمتَّنا) في حقيقته ومجازه، ففي ذلك الفعل جمع بين الحقيقة والاستعارة التبعية تبعاً لِجريان الاستعارة في المصدر، ولا مانع من ذلك لأنه واقع ووارد في الكلام البليغ كاستعمال المشترك في معنييه، . وأما الموتة الثانية فهي الموتة المتعارفة عند انتهاء حياة الإنسان والحيوان.
والمراد بالاحياءتَيْن: الاحياءة الأولى عند نفخ الروح في الجسد بعد مبدأ تكوينه، والإِحياءة الثانية التي تحصل عند البعث، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ " (١)(٢).
وهذا القول الذي رجحه ابن عاشور هو قول جمهور السلف (٣).
حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن الحياة تحصل ثلاث مرات أحدهما في الدنيا والثانية في القبر والثالثة عند البعث، والموت؛ مرة عند
стр. 185
انقضاء الأجل وأخرى بعد المساءلة في القبر:
حجتهم قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ (١) وقالوا أن قوله ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾: خطاب لأهل القبور بعد إحياءهم في قبورهم , وقالوا: إن لفظ الميت لا ينطلق في العرف على النطفة.
وردوا على الذين قالوا أن الموتة الأولى إشارة إلى الحالة الحاصلة عند كون الإنسان نطفة وعلقة، والموتة الثانية إشارة إلى ما حصل في الدنيا، كما قالوا: لو كان الثواب والعقاب للروح دون الجسد فما معنى الإحياء والإماتة (٢).
وأصحاب هذا القول يقولون: إن الإماتة لا تصدق إلا على خروج الروح من الجسد (٣).
قال الرازي: "احتج أكثر العلماء بهذه الآية في إثبات عذاب القبر، وتقرير الدليل أنهم أثبتوا لأنفسهم موتتين حيث قالوا: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾ فأحد الموتتين مشاهد في الدنيا فلا بد من إثبات حياة أخرى في القبر حتى يصير الموت
стр. 186
الذي يحصل عقيبها موتاً ثانياً، وذلك يدل على حصول حياة في القبر" (١).
حجة أصحاب القول الثاني القائلين: إن الله أحياهم حين أخذ عليهم الميثاق في ظهر آدم ثم أماتهم بعد أخذ الميثاق عليهم، ثم أحياهم حين أخرجهم، ثم أماتهم عند انقضاء آجالهم، ثم أحياهم للبعث:
ذكر الطبري وجه تأويل ابن زيد في تفسيره فقال: " وأما ابن زيد، فقد أبان عن نفسه ما قصَد بتأويله ذلك، وأنّ الإماتة الأولى عند إعادة الله جل ثناؤه عبادَه في أصلاب آبائهم، بعد ما أخذَهم من صُلب آدم، وأن الإحياء الآخر هو نفخ الأرواح فيهم في بطون أمهاتهم، وأن الإماتة الثانية هي قبضُ أرواحهم للعود إلى التراب، والمصير في البرزخ إلى يوم البعث، وأن الإحياء الثالثَ هو نفخُ الأرواح فيهم لبعث الساعة ونشر القيامة" (٢).
حجة أصحاب القول الثالث القائلين: إنه خلقهم أمواتاً في أصلاب آبائهم، ثم أحياهم بإخراجهم، ثم أماتهم عند انقضاء آجالهم، ثم أحياهم للبعث، فهما ميتتان، وإحياءان:
حجتهم بينها الطبري في تفسيره فقال: " إن هؤلاء ذهبوا إلى نحو قول العرب للشيء الدارس والأمر الخامل الذكر: هذا شيء ميِّتٌ، وهذا أمر ميِّت - يراد بوصفه بالموت: خُمول ذكره، ودُرُوس أثره من الناس. وكذلك يقال في ضد ذلك وخلافه: هذا أمر حيّ، وذكر حيٌّ - يراد بوصفه بذلك أنه نابه مُتعالم في
стр. 187
الناس، كما قال أبو نُخَيْلة السعديّ: (١)
وأَحْيَيْتَ لِي ذكْري، وَمَا كُنْتُ خَامِلا ... وَلَكِنَّ بَعْضَ الذِّكْرِ أَنْبَهُ مِنْ بَعْضٍ (٢).
يريد بقوله: "فأحييتَ لي ذكري"، أي: رفعته وشهرته في الناس حتى نبه فصار مذكورًا حيًّا، بعد أن كان خاملا ميتًا. فكذلك تأويل قول من قال في قوله: "وكنتم أمواتًا" لم تكونوا شيئًا، أي كنتم خُمولا لا ذكر لكم، وذلك كان موتكم فأحياكم، فجعلكم بَشرًا أحياء تُذكرون وتُعرفون، ثم يميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم، كالذي كنتم قبل أن يحييكم، من دروس ذكركم، وتعفِّي آثاركم، وخمول أموركم، ثم يحييكم بإعادة أجسامكم إلى هيئاتها، ونفخ الروح فيها" (٣).
وذكر له الزمخشري مسوغاً غير هذا فقال: " فإن قلت: كيف صحّ أن يسمي خلقهم أمواتاً: إماتة؟ قلت: كما صحّ أن تقول: سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم الفيل! وقولك للحفار: ضيق فم الركية ووسع أسفلها، وليس ثم نقل من كبر إلى صغر ولا من صغر إلى كبر، ولا من ضيق إلى سعة، ولا من سعة إلى ضيق، وإنما أردت الإنشاء على تلك الصفات، والسبب في
стр. 188
صحته أن الصغر والكبر جائزان معاً على المصنوع الواحد، من غير ترجح لأحدهما، وكذلك الضيق والسعة. فإذا اختار الصانع أحد الجائزين وهو متمكن منهما على السواء فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر، فجعل صرفه عنه كنقله منه، ومن جعل الإماتتين التي بعد حياة الدنيا والتي بعد حياة القبر لزمه إثبات ثلاث إحياءات، وهو خلاف ما في القرآن " (١).
وقال الشنقيطي في (أضواء البيان): " والأظهر عندي أن المسوغ الذي سوغ إطلاق اسم الموت على العلقة، والمضغة مثلاً، في بطون الأمهات، أن عين ذلك الشيء، الذي هو نفس العلقة والمضغة، له أطوار كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ (٢) ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ (٣)، ولما كان ذلك الشيء، تكون فيه الحياة في بعض تلك الأطوار، وفي بعضها لا حياة له، صح إطلاق الموت والحياة عليه من حيث إنه شيء واحد، ترتفع عنه الحياة تارة وتكون فيه أخرى " (٤).
القول الراجح:
ومما تقدم تبين لنا أن القول الثالث هو أصح الأقوال وأولاها بتفسير الآية، وهو الذي تقرره القاعدة، وعليه أكثر المفسرين، وهو الذي ذهب إليه ابن
стр. 189
عاشور في تفسيره، وترجيحه هذا بناء على قاعدة (القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على غيره) حيث قال بعد أن ذكر تفسير الآية أن ذلك في معنى قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١)(٢).
وكذلك رجحه الطبري بناءً على هذه القاعدة فقال: "وأولى ما ذكرنا من الأقوال التي بيَّنّا بتأويل قول الله جل ذكره: "كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم" الآية، القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود وعن ابن عباس: من أن معنى قوله: "وكنتم أمواتًا" أمواتَ الذكر، خمولا في أصلاب آبائكم نطفًا، لا تُعرفون ولا تُذكرون: فأحياكم بإنشائكم بشرًا سويًّا حتى ذُكِرتم وعُرِفتم وحَيِيتم، ثم يُميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم رُفاتًا لا تُعرفون ولا تُذكرون في البرزخ إلى يوم تبعثون، ثم يحييكم بعد ذلك بنفخ الأرواح فيكم لبعث الساعة وصَيحة القيامة" (٣).
وكذلك رجحه الرازي بمضمون هذه القاعدة وذكر بأن قوله تعالى يدل عليه وهو: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٤) ومما تقدم تبين لنا أن
стр. 190
ابن عاشور قد تابع جمهور المفسرين في ترجيح ذلك القول مستندا في ذلك إلى القاعدة.
وأما أصحاب القول الأول الذين يرون أن الحياة تحصل ثلاث مرات أحدهما في الدنيا والثانية في القبر والثالثة عند البعث، والموت؛ مرة عند انقضاء الأجل وأخرى بعد المساءلة في القبر فقد ردّ قولهم عدد من العلماء منهم الطبري، والرازي، والزمخشري، وأبو حيان , حيث ساق الطبري بعض الأدلة التي تدل بالمنقول والمعقول على عدم حصول الحياة في القبر وذكر بأنه لا إنابة في القبور بعد الممات (١).
كما استبعده الرازي في تفسيره مبيناً أن الآية تدل على المنع من حصول حياة القبر، وبيّن أنه لو كان الأمر كذلك لكان قد حصلت الحياة ثلاث مرات أولها: في الدنيا، وثانيها في القبر، وثالثها في: القيامة، والمذكور في الآية ليس إلا حياتين فقط، فتكون إحداهما في الحياة الدنيا والحياة الثانية في القيامة، والموت الحاصل بينهما هو الموت المشاهد في الدنيا (٢).كما ردّه الزمخشري، وأبو حيان، وبيّنا بطلانه، وذكرا أنه خلاف القرآن (٣)(٤).
стр. 191
وأما القول الثاني بأن الله أحياهم حين أخذ عليهم الميثاق في ظهر آدم، ، ثم أماتهم بعد أخذ الميثاق عليهم، ثم أحياهم حين أخرجهم، ثم أماتهم عند انقضاء آجالهم، ثم أحياهم للبعث:
فقد ضعفه الطبري واستبعده، وذكر أنه خلاف الظاهر، لأن ابن زيد ذكر أنّ الله أحياهم ثلاثة إحياءات، وأماتهم ثلاث إماتات , والله جل ثناؤه أخبر في كتابه -عن الذين أخبر عنهم من خلقه- أنهم قالوا: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (١).
كما ضعفه ابن عطية، وابن جزي، وأبو حيان، وملخص قولهم أنه يترتب عليه أن يكون الإحياء ثلاث مرات وهو خلاف القرآن (٢)، وكذلك استبعده ابن كثير في تفسيره وذكر أنه قول غريب (٣).
المبحث الثاني
الأصل إطلاق اللفظ على ظاهره ما لم يرد دليل يصرفه عن ظاهره
صورة القاعدة:
إذا اختلف المفسرون في تفسير آية من كتاب الله فالأصل في نصوص القرآن أن تحمل على ظواهرها، وتفسَّر على حسب ما يقتضيه ظاهر اللفظ، ولا يجوز أن يعدل بألفاظ الوحي عن ظاهرها إلا بدليل واضح يجب الرجوع إليه (١).
شرح مفردات القاعدة:
الظاهر لغة: قال ابن فارس: "الظاء والهاء والراء أصل صحيح واحد يدل على قوة وبروز، ومن ذلك ظهر الشيء يظهر ظهوراً فهو ظاهر" (٢).
وقال ابن منظور: " الظاهر: خلاف الباطن؛ ظهر يظهر ظهوراً , فهو ظاهر وظهير " (٣).
اصطلاحاً: هو مدلول النص المفهوم بمقتضى الخطاب العربي، أو المعنى الذي يسبق إلى فهم السامع من المعاني التي يحتملها اللفظ (٤).
والدليل لغة: قال ابن منظور: " الدليل: ما يستدل به , والدليل الدال ,
стр. 195
وقد دله على الطريق يدله دلالة ودلولة، والدليل والدليلي الذي يدلك" (١).
واصطلاحاً: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري (٢)، إما أن يكون عقلياً ظاهراً أو سمعياً ظاهراً.
أما الدليل العقلي الظاهر، هو الذي يعلم به كل المراد، وأن الظاهر غير مراد، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٣) يعلم المستمع أن الخالق لا يدخل في هذا العموم.
وأما الأدلة السمعية فهي الدلالات في الكتاب والسنة التي تصرف بعض الظواهر، فإذا وجد الدليل جاز صرف اللفظ عن ظاهره.
ولقد اشترط العلماء لصحة حمله على معنى معين خلاف الظَّاهر شروطاً:
الأول: أن يكون المعنى المدعى موافقاً لوضع اللغة أو عرف الاستعمال وعادة صاحب الشرع، وكل تأويل خرج عن هذا فليس بصحيح.
الثاني: أن يقوم الدليل على أن المراد بذلك اللفظ هو المعنى الذي حمل عليه، ويسلم ذلك من الدليل المعارض (٤).
ونصّ ابن عاشور في المقدمة الرابعة من تفسيره على هذه القاعدة حين ذكر طرائق المفسرين للقرآن، وعدّ ثلاث طرق ذكر منها: وجوب الاقتصار
стр. 196
على الظاهر من المعنى الأصلي للتركيب مع بيانه وإيضاحه وأنه هو الأصل (١).
ولكن مما يجب الإشارة إليه أن ابن عاشور قد خالف في هذه القاعدة أحياناً، وذلك بناء على عقيدته الأشعرية، وسيتضح ذلك من خلال الأمثلة التطبيقية. (٢)
أقوال العلماء في هذه القاعدة:
قال ابن القيم: "إذا جاء النص وكان دالاً على الحكم وظاهرا فيه، يسقط الاجتهاد ولا يعتد به. إذ لا اجتهاد مع النص وهذا ما أقره السلف ".
وحذّر ابن القيم من مخالفته فقال: " فإن من الناس من إذا استبان لهم في الكتاب والسنة، أو أقوال الصحابة خلاف ذلك، لم يلتفتوا إليه ولم يأخذوا بشيء منه إلا بقول من قلدوه " (٣).
وقال ابن تيمية في الفتاوى: إنه يجوز باتفاق المسلمين أن تفسر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى ويصرف الكلام عن ظاهره؛ لأنه لا محذور في ذلك عند أحد من أهل السنة، وذلك لأن القرآن يدل عليه والسنة توافقه والسلف عليه؛ ولأنه تفسير للقرآن بالقرآن ليس تفسيراً له بالرأي، كما بين أن المحذور إنما هو صرف القرآن عن فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين (٤).
كما ذكر ابن تيمية في الفتاوى: إن لفظ الظاهر عند المتكلمين استعمل
стр. 197
استعمالاً يخالف ما كان عليه السلف، وما أريد به في هذه القاعدة. فقال: "ولفظ الظاهر في عرف المتأخرين قد صار فيه اشتراك فإن أراد بإجرائه على الظاهر الذي هو من خصائص المخلوقين حتى يُشبّه الله بخلقه فهو ضال؛ بل يجب القطع بأن الله ليس كمثله شيئ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. فقد قال ابن عباس ﵄: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء , يعني أن موعود الله في الجنة من الذهب والحرير والخمر واللبن تخالف حقائقه حقائق الأمور الموجودة في الدنيا؛ فالله تعالى أبعد عن مشابهة مخلوقاته بما لا يدركه العباد ليست حقيقته كحقيقة شيء منها , وأما إن أراد بإجرائه على الظاهر الذي هو الظاهر في عرف سلف الأمة لا يحرف الكلم عن مواضعه ولا يلحد في أسماء الله تعالى ولا يقرأ القرآن والحديث بما يخالف تفسير سلف الأمة وأهل السنة , بل يجري ذلك على مااقتضته النصوص وتطابق عليه دلائل الكتاب والسنة وأجمع عليه سلف الأمة فهذا مصيب في ذلك وهو الحق " (١).
كما ذكر ابن جرير الطبري في تفسيره أنه لا يجوز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته. (٢).
وكذلك نصّ الرازي على هذه القاعدة في معرض تفسيره لبعض الآيات حيث قال: " إن الأصل حمل اللفظ على ظاهره إلا إذا منع منه مانع " (٣).
كما أن هذه القاعدة من أكثر القواعد دوراناً في تفسير الشنقيطي، ومن
стр. 198
أقواله القيّمة في ذلك قوله: " والتحقيق الذي لا شك فيه، وهو الذي كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ وعامة علماء المسلمين، أنه لا يجوز العدول عن ظاهر كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ في حال من الأحوال بوجه من الوجوه، حتى يقوم دليل صحيح شرعي صارف عن الظاهر إلى المحتمل المرجوح " (١).
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
١ - مثال غضب الله:
قال تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٢).
للمفسرين في معنى غضب الله تعالى أقوال من أبرزها:
الأول: إن غضبُ الله على من غضب عليه من خلقه هو إحلالُ عقوبته بمن غَضبَ عليه، إمّا في دنياه، وإمّا في آخرته، كما وصف به نفسه جلّ ذكره في كتابه فقال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٣). وكما قال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ (٤).
الثاني: الغضب من الله معناه مفهوم، كالذي يعرف من معاني الغضب، غير
стр. 199
أنه - وإن كان كذلك من جهة الإثبات - فمخالف معناه منه معنى ما يكون من غضب الآدميين الذين يزعجهم ويحركهم ويشق عليهم ويؤذيهم.
لأن الله جل ثناؤه لا تحل ذاته الآفات، ولكنه له صفة، كما العلم له صفة، والقدرة له صفة، على ما يعقل من جهة الإثبات، وإن خالفت معاني ذلك معاني علوم العباد، التي هي معارف القلوب، وقواهم التي توجد مع وجود الأفعال وتعدم مع عدمها (١).
وهذان القولان ذكرهما ابن جرير في تفسيره، والقول الأخير الذي حكاه هو قول السلف، وأما الأول فهو قول المؤولة من أشعرية وغيرهم، ولم يرجح ابن جرير قول السلف على غير عادته.
أما ابن عاشور فقد خالف القاعدة التي نص عليها حيث يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ " وإذْ كانت حقيقة الغضب يستحيل اتصاف الله تعالى بها وإسنادُها إليه على الحقيقة , للأدلة القطعية الدالة على تنزيه الله تعالى عن التغيرات الذاتية والعرضية، فقد وجب على المؤمن صَرف إسناد الغضب إلى الله عن معناه الحقيقي، وطريقةُ أهل العلم والنظر في هذا الصرف أن يصرف اللفظ إلى المجاز بعلاقة اللزوم أو إلى الكناية باللفظ عن لازم معناه فالذي يكون صفة لله من معنى الغضب هو لازمه، أعني العقاب والإهانة يوم الجزاء واللعنة أي الإبعاد عن أهل الدين والصلاح في الدنيا أو هو
стр. 200
من قبيل التمثيلية " (١).
وما اختاره ابن عاشور هو قول الأشعرية , وقد سبقه إليه الطبري وابن عطية، والرازي والقرطبي، وأبو حيان، والشوكاني (٢).
في حين وافق قول الألوسي ما ذهب إليه سلف الأمة من إثبات هذه الصفة لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته (٣).
حجة من قال: إن غضب الله على من غضب عليه من خلقه، إحلالُ عقوبته بمن غَضبَ عليه:
حجتهم في ذلك أن الغضب حالة تعرض للنفس عند حصول مالا يلائمها من ثوران وغيره، والله تعالى منزّه عن مشابهة المخلوقين.
قال ابن عطية: "وغضب الله تعالى عبارة عن إظهاره عليهم محناً وعقوبات وذلة ونحو ذلك، مما يدل على إنه قد أبعدهم عن رحمته بعداً مؤكداً مبالغاً فيه " (٤).
وقال القرطبي: " ومعنى الغضب في صفة الله تعالى إرادة العقوبة، فهو صفة ذات، وإرادة الله تعالى من صفات ذاته؛ أو نفس العقوبة " (٥).
стр. 201
قال ابن عاشور: " والغضب المتعلق بالمغضوب عليهم هو غضبُ اللَّهِ. وحقيقة الغضب المعروف في الناس أنه كيفية تعرض للنفس يتبعها حركة الروح إلى الخارج وثورانها فتطلب الانتقام، فالكيفيةُ سبب لطلب الانتقام وطلب الانتقام سبب لحصول الانتقام , والذي يظهر لي أن إرادة الانتقام ليست من لوازم ماهية الغضب بحيث لا تنفك عنه ,ولكنها قد تكون من آثاره، وأن الغضب هو كيفية للنفس تعرض من حصول ما لا يلائمها فتترتب عليه كراهية الفعل المغضوب منه وكراهية فاعله، ويلازمه الإعراض عن المغضوب عليه ومعاملتُه بالعُنف وبقطع الإحسان وبالأذى وقد يفضى ذلك إلى طلب الانتقام منه فيختلف الحد الذي يثور عند الغضب في النفس باختلاف مراتب احتمال النفوس للمنافرات واختلاف العادات في اعتبار أسبابه، فلعل الذين جعلوا إرادة الانتقام لازمة للغضب بنَوا على القوانين العربية " (١).
حجة من أثبت صفة الغضب لله تعالى:
حجتهم في ذلك أن القاعدة المتبعة في أسماء الله وصفاته كما نص على ذلك أئمة السلف إثباتها كما أثبتها الله لنفسه من غير تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل.
قال الألوسي: " وأنا أقول كما قال سلف الأمة هو صفة لله تعالى لائقة بجلال ذاته لا أعلم حقيقتها ولا كيف هي ,والعجز عن درك الإدراك إدراك " (٢).
وقال شارح العقيدة الواسطية الشيخ زيد فياض في "الروضة الندية": " ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب، والرضا والعداوة والولاية والحب، والبغض، ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة
стр. 202
ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى كما يقولون مثل ذلك في السمع، والبصر، والكلام، وسائر الصفات، ولا يقال أن الرضا إرادة الإحسان والغضب إرادة الانتقام فإنه نفي للصفة ...
ويُقال لمن تأول الغضب والرضا لم تأولت ذلك؟
فلا بد أن يقول لأن الغضب غليان دم القلب والرضا والميل والشهوة، وذلك لا يليق بالله تعالى، فيُقال له: غليان دم القلب في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الغضب، ويقال له أيضاً، وكذلك الإرادة والمشيئة فينا ميل الحي إلى الشيء أو إلى ما يلائمه ويناسبه، فالمعنى الذي صرفت إليه اللفظ كالمعنى الذي صرفته عنه سواء، فإن جاز هذا جاز ذلك وإن امتنع هذا امتنع ذاك فإن قالوا: الإرادة التي يوصف الله بها مخالفة للإرادة التي يوصف بها العبد وإن كان كل منهما حقيقة قيل له: إن الغضب والرضا الذي يوصف به الله مخالف لما يوصف به العبد، وإن كلاً منهما حقيقة، فإذا كان ما يقوله في الإرادة يمكن أن يقال في هذه الصفات لم يتعين التأويل، بل يجب تركه، وصفات الله تليق به، وصفات العبد تليق به , بل لو قيل غضب ملك خازن النار وغضب غيره من الملائكة لم يجب أن يكون مماثلاً لكيفية غضب الآدميين، فغضب الله أولى " (١).
القول الراجح:
هو إثبات صفة الغضب لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه.
стр. 203
قال الشيخ الهراس في شرح العقيدة الواسطية عند قول المصنف ابن تيمية ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (١) ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ (٢): " تضمنت هذه الآيات إثبات بعض صفات الفعل لله من الرضا والغضب واللعن والكره والسخط والمقت والأسف، وهي عند أهل الحق صفات حقيقية لله على ما يليق به، ولا تشبه ما يتصف به المخلوق من ذلك، ولا يلزم منها ما يلزم في المخلوق فلا حجة للأشاعرة والمعتزلة على نفيها , ولكنهم ظنوا أن اتصاف الله بما يلزمه أن تكون هذه الصفات فيه على نحو ما هي في المخلوق ,وهذا الظن الذي ظنوه في ربهم أرداهم فأوقعهم في حمأة النفي والتعطيل " (٣).
"وما ذكره ابن عاشور هنا وغيره من المفسرين من قبله تأويلات أشعرية قد خالف فيها القاعدة، والصواب إثبات الصفة لله تعالى على ما يليق بجلال الله تعالى، والداعي إلى تصورهم هذا في حق الله تعالى ليس إلا توهم التشبيه بغضب الآدمي. فالله ﵎ له غضب وحياء ومكر واستهزاء يليق بجلاله وعظمته، يغضب متى شاء ويرضى متى شاء كما يليق به فإرجاع هذه الصفة إلى الإرادة أو إيقاع الفعل خطأ ظاهر، وخلاف مذهب
стр. 204
السلف الصالح " (١).
٢ - مثال الإيمان في نسخ القبلة:
قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
اختلف المفسرون في المراد بالإيمان من قوله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ فمنهم من فسّره على ظاهره، ومنهم من فسره بالصلاة، وقد ذكر هذه الأقوال ابن عاشور في تفسيره فقال: " فإن فُسِّر الإيمان على ظاهره كان التقدير ليضيع حق إيمانكم حين لم تزلزله وسَاوس الشيطان عند الاستقبال إلى قبلة لا تَودونها، وإن فُسِّر الإيمانُ بالصلاة كان التقدير ما كان الله ليضيع فضل صلاتكم أو ثوابها " ورجّح ابن عاشور أن المراد بالإيمان في هذه الآية الصلاة وفي ذلك يقول: " وفي إطلاق اسم الإيمان على الصلاة تنويه بالصلاة لأنها أعظم أركان الإيمان (٣).
ثم ساق ابن عاشور سبب نزول هذه الآية، والتي تدل على أن المراد بالإيمان في هذه الآية الصلاة.
стр. 205
وترجيح ابن عاشور هنا لايعني مخالفته للقاعدة التي نصّ عليها، وذلك أن القاعدة ضابطها: أن الأصل إطلاق اللفظ على ظاهره مالم يرد دليل يصرفه عن ظاهره وقد تظاهرت الأدلة على أن المراد بالإيمان في هذه الآية هو الصلاة.
وكذلك رجّح الطبري أيضاً أن المراد بـ " إِيمَانَكُمْ " في هذه الآية صلاتكم وكذلك ابن عطية والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، والشنقيطي (١).
حجة من قال: إن المراد بـ " إِيمَانَكُمْ " صلاتكم:
استدلوا على ذلك بما جاء في السنة في سبب نزول هذه الآية.
روى الطبري بسنده عن السدي قال: " لما وُجِّه رسول الله ﷺ قبَل المسجد الحرام، قال المسلمون: ليتَ شِعْرنا عن إخواننا الذين مَاتوا وهم يصلون قبل بيت المقدس! هل تقبَّل الله منا ومنهم أو لا؟ فأنزل الله جل ثناؤه فيهم: "وما كان الله ليضيع إيمانكم" قال، صلاتكم قبَلَ بيت المقدس: يقول: إنّ تلك طاعة وهذه طاعة " (٢).
قال ابن عطية: " وسمى الصلاة إيماناً لما كانت صادرة عن الإيمان والتصديق
стр. 206
في وقت بيت المقدس وفي وقت التحويل، ولما كان الإيمان قطباً عليه تدور الأعمال وكان ثابتاً في حال التوجه هنا وهنا ذكره، إذ هو الأصل الذي به يرجع في الصلاة وغيرها إلى الأمر والنهي " (١).
قال القرطبي: " اتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس " (٢).
وقال القاسمي: " وإنما عدل إلى لفظ الإيمان، الذي هو عام في الصلاة وغيرها ليفيدهم أنه لم يضع شيئاً مما عملوه ... ، وذكر بلفظ الخطاب دون الغائب، ليتناول الماضين والباقين (٣).
حجة من قال أن المراد بقوله بـ " إِيمَانَكُمْ " أي الإيمان على ظاهره:
حجتهم في ذلك أن الأصل في اللفظ أن يطلق على ظاهره،
قال ابن عاشور: " فإن فسر الإيمان على ظاهره كان التقدير ليضيع حق إيمانكم حين لم تزلزله وساوس الشيطان عند الاستقبال إلى قبلة لا تودونها " (٤).
وبذلك فسّره الزمخشري، وأبو السعود.
قال الزمخشري: " أي ثباتكم على الإيمان وأنكم لم تزلّوا ولم ترتابوا، بل شكر صنيعكم وأعدّ لكم الثواب العظيم " (٥).
стр. 207
وقال أبو السعود: " ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي ما صحَّ وما استقام له أن يُضيعَ ثباتَكم على الإيمان بل شكرَ صنيعَكم وأعدَّ لكم الثوابَ العظيمَ (١) ".
القول الراجح:
إن المراد بـ " إِيمَانَكُمْ " في هذه الآية صلاتكم، وهذا اختيار جميع المفسرين من بينهم ابن عاشور.
وإنما عبَّر في هذه الآية عن الصلاة بالإيمان؛ لأنها العمدة والذي تصح به الأعمال، بل إن ذكر الإيمان هنا أولى من ذكر الصلاة لئلا يتوهم اندراج صلاة المنافقين إلى بيت المقدس (٢)
ومما يعضد هذه القول ويجليه القاعدة الترجيحية: (أن القول الذي يدل عليه السياق أولى من غيره)، وقد تنبه إلى ذلك الشنقيطي حيث يقول في تفسيره لهذه الآية: " إيمانكم أي صلاتكم بالبيت على الأصح، ويستروح ذلك قوله قبله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ (٣) ولا سيما على القول بدلالة الاقتران " (٤) ... .
كما يعضد هذا القول أيضاً قاعدة ترجيحية أخرى وهي: (إذا صح سبب
стр. 208
النزول فهو مرجح لما وافقه) (١).
وقد أخرج البخاري وابن جرير عن البراء بن عازب ﵁ قال: " وكان الذي مات على القبلة قبل أن تُحَوَّل قِبل البيت رجال قُتلوا لم نَدْر ما نقول فيهم فأنزل الله تعالى: " ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٢).
ويشهد له ما أخرجه أحمد والترمذي عن ابن عباس قال لما وُجِّه النبي إلى الكعبة قالوا يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ ؟ فأنزل الله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ الآية. صححه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح (٣).
٣ - مثال إتيان الله تعالى:
قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٤).
اختلف المفسرون في صفة إتيان الله ﵎ الذي ورد في قوله: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله﴾.
فقال بعضهم: لا صفة لذلك غير الذي وصَف به نفسه من
стр. 209
المجيء والإتيان والنزول، وغيرُ جائز تكلُّف القول في ذلك لأحد إلا بخبر من الله ﷻ ، أو من رسول مرسل.
وقال آخرون: معنى قوله: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله: هل ينظرون إلا أن يأتيهم أمرُ الله (١).
وهذه الأقوال ذكرها ابن عاشور في تفسيره وذكر قول السلف ولكن بخلط وضعف، ومال إلى التأويل، حيث يقول: "والإتيان حضور الذات في موضع من موضع آخر سبق حصولها فيه، وأسند الإتيان إلى الله تعالى في هذه الآية على وجه الإثبات فاقتضى ظاهره اتصاف الله تعالى به، ولما كان الإتيان يستلزم التنقل أو التمدد ليكون حالاً في مكان بعد أن لم يكن به حتى يصح الإتيان، وكان ذلك يستلزم التنقل والجسم والله منزه عنه، تعين صرف اللفظ عن ظاهره بالدليل العقلي، فإن كان الكلام خبراً أو تهكماً فلا حاجة للتأويل، لأن اعتقادهم ذلك مدفوع بالأدلة وإن كان الكلام وعيداً من الله لزم التأويل، لأن الله تعالى موجود في نفس الأمر لكنه لا يتصف بما هو من صفات الحوادث كالتنقل والتمدد لما علمت، فلا بد من تأويل هذا عندنا على أصل الأشعري في تأويل المتشابه " (٢).
وبقول ابن عاشور قال ابن عطية من قبله حيث تأول إتيان الله تعالى بحكمه وأمره ونهيه وعقابه، وكذلك الرازي فقد أخذ بمذهب المعطلة والمؤولة، ولم يتورع في إنكار هذه الصفة فحسب بل حكى إجماع العقلاء على نفيها.
стр. 210
كما ذهب إلى ذلك القرطبي، وأبو حيان، والشوكاني (١).
أما الطبري، وابن كثير، والألوسي، والقاسمي أجمعين فقد أثبتوا لله تعالى هذه الصفة كما أثبتها لنفسه سبحانه وأثبتها له رسوله ﷺ (٢).
حجة من قال: إن إتيان الله حقيقي كما ينبغي لجلال الله وعظمته:
حجتهم في ذلك إجماع أهل السنة على أن صفات الله تجري على ظاهرها مع نفي التشبيه والكيفية عنها.
قال ابن القيم: " وبإثبات أفعاله وقيامها به تزول عنك جميع الإشكالات , وتصدق النصوص بعضها بعضاً، وتعلم مطابقتها للعقل الصريح , وإن أَنْكَرت حقيقة الأفعال وقيامها به سبحانه اضطرب عليك هذا الباب أعظم اضطراب، وبقيت حائراً في التوفيق بين النصوص وبين أصول النفاة، وهيهات لك بالتوفيق بين النقيضين، والجمع بين الضدين يوضحه أن الأوهام الباطلة والعقول الفاسدة لما فهمت من نزول الرب ومجيئه وإتيانه، وهبوطه، ودنوه، وهو أن يفرغ مكاناً ويشغل مكاناً، نفت حقيقة ذلك فوقعت في محذورين، محذور التشبيه ومحذور التعطيل ولو علمت هذه العقول الضعيفة أن نزوله سبحانه ومجيئه وإتيانه لا يشبه نزول المخلوق وإتيانه ومجيئه، كما أن سمعه وبصره وعلمه وحياته كذلك بل يده
стр. 211
الكريمة، ووجهه الكريم كذلك، وإذا كان نزولاً ليس كمثله نزول، فكيف تنفى حقيقته، فإن لم تنف المعطلة حقيقة ذاته وصفاته، وأفعاله بالكلية، وإلا تناقضوا فإنهم أي معنى أثبتوه لزمهم في نفيه ما ألزموا به أهل السنة المثبتين لله ما أثبته لنفسه ولا يجدون إلى الفرق سبيلاً، فلو كان الرب سبحانه مماثلاً لخلقه لزمه في نزول خصائص نزولهم ضرورة ثبوت أحد المثلين للآخر " (١).
وكذلك قال الألوسي في تفسير قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ﴾: " بالمعنى اللائق به جل شؤونه منزهاً عن مشابهة المحدثات والتقيد بصفات الممكنات " (٢).
وقال عند تفسيره لقوله تعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (٣): " وأنت تعلم أن المشهور من مذهب السلف عدم تأويل مثل ذلك بتقدير مضاف ونحوه، بل تفويض المراد منه إلى اللطيف الخبير مع الجزم بعدم إرادة الظاهر , ومنهم من يبقيه على الظاهر إلا أنه يدعي أن الإتيان الذي ينسب إليه تعالى ليس الإتيان الذي يتصف به الحادث، وحاصل ذلك أنه يقول بالظواهر وينفي اللوازم ويدعي أنها لوازم في الشاهد، وأين التراب من رب الأرباب " (٤).
وقال القاسمي: " وصفه تعالى بالإتيان في ظلل من الغمام كوصفه بالمجيء في
стр. 212
آيات أخر ونحوهما مما وصف به نفسه في كتابه أو صح عن رسوله ﷺ .والقول في جميع ذلك من جنس واحد، وهو مذهب السلف وأئمتها: إنهم يصفونه سبحانه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، والقول في صفاته كالقول في ذاته، والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله
فلو سأل سائل: كيف يجيء سبحانه أو كيف يأتي .. ؟ فليقل له: كيف هو في نفسه؟ فإذا قال: لا أعلم كيف ذاته! فليقل له: وكذلك لا تعلم كيفية صفاته .. ! فإن العلم بكيفية الصفة يتبع العلم بكيفية الموصوف " (١).
حجة من قال: إن المراد يأتيهم حكم الله وأمره، أونهيه وعقابه:
حجتهم في ذلك تمسكهم ببعض الشبه التي ألجأتهم إلى تأويل هذه الصفة. ومن ذلك ظنهم أن إثبات هذه الصفات فيها مشابهة الله تعالى بالمخلوقين.
قال ابن عطية: " وهذا الكلام على كل تأويل فإنما هو بحذف مضاف تقديره أمر ربك، أو بطش ربك، أو حساب ربك، وإلا فالإتيان المفهوم من اللغة مستحيل في حق الله تعالى " (٢).
وقال الرازي: " أجمع المعتبرون من العقلاء على أنه منزه عن المجيء والذهاب ويدل عليه وجوه:
أحدها: ما ثبت في علم الأصول أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب لا
стр. 213
ينفك عن الحركة والسكون، وهما محدثان، وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث، فيلزم أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب يجب أن يكون محدثاً مخلوقاً، والإله القديم يستحيل أن يكون كذلك.
وثانيها: إن كل ما يصح عليه الانتقال من مكان إلى مكان، فأما أن يكون في الصغر والحقارة كالجزء الذي لا يتجزأ وذلك باطل باتفاق العقلاء، وإما أن لا يكون كذلك بل يكون شيئاً كبيراً فيكون أحد جانبيه مغايراً للآخر فيكون مركباً من الأجزاء والأبعاض وكل ما كان مركباً، فإن ذلك المركب يكون مفتقراً في تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب هو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محتاج في وجوده إلى المرجح والموجد، فكل ما كان كذلك فهو محدث مخلوق مسبوق بالعدم، والإله القديم يمتنع أن يكون كذلك.
وثالثها: إن كل ما يصح عليه الانتقال من مكان إلى مكان فهو محدود ومنته فيكون مختصاً بمقدار معين، مع أنه كان يجوز في العقل وقوعه على مقدار أزيد منه أو أنقص فاختصاصه بذلك القدر المعين لا بد وأن يكون لترجيح مرجح، وتخصيص مخصص، وكل ما كان كذلك كان فعلاً لفاعل مختار، وكل ما كان كذلك فهو محدث مخلوق، فالإله القديم الأزلي يمتنع أن يكون كذلك.
ورابعها: أنا متى جوزنا في الشيء الذي يصح عليه المجيء والذهاب أن يكون إلهاً قديماً أزلياً فحينئذ لا يمكننا أن نحكم بنفي الإلهية عن الشمس والقمر، وكان بعض الأذكياء من أصحابنا يقول: الشمس والقمر لا عيب فيهما يمنع من القول بإلهيتهما سوى أنهم جسم يجوز عليه الغيبة والحضور، فمن جوز المجيء
стр. 214
والذهاب على الله تعالى فلم لا يحكم بإلهية الشمس، وما الذي أوجب عليه الحكم بإثبات موجود آخر يزعم أنه إله.
وخامسها: إن الله تعالى حكى عن الخليل ﵊ أنه طعن في إلهية الكواكب والقمر والشمس بقوله: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (١) ولا معنى للأفول إلا الغيبة والحضور فمن جوز الغيبة والحضور على الله تعالى , فقد طعن في دليل الخليل ﵇، وكذب الله في تصديق الخليل ﵇ في ذلك " (٢).
القول الراجح:
الواجب أن نصف الله كما وصف به نفسه من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل فهو يأتي إتيانا يليق بجلاله وعظمته.
وأما ما ذهب إليه ابن عاشور وغيره فقد خالف فيه القاعدة التي نصّ عليها في مواضع من تفسيره، والذي دعاه إلى ذلك عقيدته الأشعرية.
قال السعدي: " وهذه الآية وما أشبهها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، المثبتين للصفات الاختيارية، كالاستواء، والنزول، والمجيء، ونحو ذلك من الصفات التي أخبر بها تعالى، عن نفسه، أو أخبر بها عنه رسوله ﷺ ، فيثبتونها على وجه يليق بجلال الله وعظمته، من غير تشبيه ولا تحريف، خلافاً للمعطلة على اختلاف أنواعهم، من الجهمية، والمعتزلة، والأشعرية ونحوهم، ممن ينفي
стр. 215
هذه الصفات، ويتأول لأجلها الآيات بتأويلات ما أنزل الله عليها من سلطان، بل حقيقتها القدح في بيان الله وبيان رسوله، والزعم بأن كلامهم هو الذي تحصل به الهداية في هذا الباب، فهؤلاء ليس معهم دليل نقلي، بل ولا دليل عقلي " (١).
ومما يشهد لهذا الترجيح قاعدة: (إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له)، وقد جاءت الآثار عن الصحابة والتابعين كثيرة جداً تشهد بذلك منها:
ما أورد الطبراني من حديث المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن مسروق عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم، قيامًا شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينتظرون فَصْل القضاء، وينزل الله في ظُلَل من الغمام من العرش إلى الكرسي" (٢).
وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبى العالية: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة يقول: والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام والله ﵎ يجيء فيما يشاء، وهي في بعض القراءة: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام، وهي كقوله: ويوم