الكريمة، ووجهه الكريم كذلك، وإذا كان نزولاً ليس كمثله نزول، فكيف تنفى حقيقته، فإن لم تنف المعطلة حقيقة ذاته وصفاته، وأفعاله بالكلية، وإلا تناقضوا فإنهم أي معنى أثبتوه لزمهم في نفيه ما ألزموا به أهل السنة المثبتين لله ما أثبته لنفسه ولا يجدون إلى الفرق سبيلاً، فلو كان الرب سبحانه مماثلاً لخلقه لزمه في نزول خصائص نزولهم ضرورة ثبوت أحد المثلين للآخر " (١).
وكذلك قال الألوسي في تفسير قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ﴾: " بالمعنى اللائق به جل شؤونه منزهاً عن مشابهة المحدثات والتقيد بصفات الممكنات " (٢).
وقال عند تفسيره لقوله تعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (٣): " وأنت تعلم أن المشهور من مذهب السلف عدم تأويل مثل ذلك بتقدير مضاف ونحوه، بل تفويض المراد منه إلى اللطيف الخبير مع الجزم بعدم إرادة الظاهر , ومنهم من يبقيه على الظاهر إلا أنه يدعي أن الإتيان الذي ينسب إليه تعالى ليس الإتيان الذي يتصف به الحادث، وحاصل ذلك أنه يقول بالظواهر وينفي اللوازم ويدعي أنها لوازم في الشاهد، وأين التراب من رب الأرباب " (٤).
وقال القاسمي: " وصفه تعالى بالإتيان في ظلل من الغمام كوصفه بالمجيء في
стр. 212
آيات أخر ونحوهما مما وصف به نفسه في كتابه أو صح عن رسوله ﷺ .والقول في جميع ذلك من جنس واحد، وهو مذهب السلف وأئمتها: إنهم يصفونه سبحانه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، والقول في صفاته كالقول في ذاته، والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله
فلو سأل سائل: كيف يجيء سبحانه أو كيف يأتي .. ؟ فليقل له: كيف هو في نفسه؟ فإذا قال: لا أعلم كيف ذاته! فليقل له: وكذلك لا تعلم كيفية صفاته .. ! فإن العلم بكيفية الصفة يتبع العلم بكيفية الموصوف " (١).
حجة من قال: إن المراد يأتيهم حكم الله وأمره، أونهيه وعقابه:
حجتهم في ذلك تمسكهم ببعض الشبه التي ألجأتهم إلى تأويل هذه الصفة. ومن ذلك ظنهم أن إثبات هذه الصفات فيها مشابهة الله تعالى بالمخلوقين.
قال ابن عطية: " وهذا الكلام على كل تأويل فإنما هو بحذف مضاف تقديره أمر ربك، أو بطش ربك، أو حساب ربك، وإلا فالإتيان المفهوم من اللغة مستحيل في حق الله تعالى " (٢).
وقال الرازي: " أجمع المعتبرون من العقلاء على أنه منزه عن المجيء والذهاب ويدل عليه وجوه:
أحدها: ما ثبت في علم الأصول أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب لا
стр. 213
ينفك عن الحركة والسكون، وهما محدثان، وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث، فيلزم أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب يجب أن يكون محدثاً مخلوقاً، والإله القديم يستحيل أن يكون كذلك.
وثانيها: إن كل ما يصح عليه الانتقال من مكان إلى مكان، فأما أن يكون في الصغر والحقارة كالجزء الذي لا يتجزأ وذلك باطل باتفاق العقلاء، وإما أن لا يكون كذلك بل يكون شيئاً كبيراً فيكون أحد جانبيه مغايراً للآخر فيكون مركباً من الأجزاء والأبعاض وكل ما كان مركباً، فإن ذلك المركب يكون مفتقراً في تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب هو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محتاج في وجوده إلى المرجح والموجد، فكل ما كان كذلك فهو محدث مخلوق مسبوق بالعدم، والإله القديم يمتنع أن يكون كذلك.
وثالثها: إن كل ما يصح عليه الانتقال من مكان إلى مكان فهو محدود ومنته فيكون مختصاً بمقدار معين، مع أنه كان يجوز في العقل وقوعه على مقدار أزيد منه أو أنقص فاختصاصه بذلك القدر المعين لا بد وأن يكون لترجيح مرجح، وتخصيص مخصص، وكل ما كان كذلك كان فعلاً لفاعل مختار، وكل ما كان كذلك فهو محدث مخلوق، فالإله القديم الأزلي يمتنع أن يكون كذلك.
ورابعها: أنا متى جوزنا في الشيء الذي يصح عليه المجيء والذهاب أن يكون إلهاً قديماً أزلياً فحينئذ لا يمكننا أن نحكم بنفي الإلهية عن الشمس والقمر، وكان بعض الأذكياء من أصحابنا يقول: الشمس والقمر لا عيب فيهما يمنع من القول بإلهيتهما سوى أنهم جسم يجوز عليه الغيبة والحضور، فمن جوز المجيء
стр. 214
والذهاب على الله تعالى فلم لا يحكم بإلهية الشمس، وما الذي أوجب عليه الحكم بإثبات موجود آخر يزعم أنه إله.
وخامسها: إن الله تعالى حكى عن الخليل ﵊ أنه طعن في إلهية الكواكب والقمر والشمس بقوله: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (١) ولا معنى للأفول إلا الغيبة والحضور فمن جوز الغيبة والحضور على الله تعالى , فقد طعن في دليل الخليل ﵇، وكذب الله في تصديق الخليل ﵇ في ذلك " (٢).
القول الراجح:
الواجب أن نصف الله كما وصف به نفسه من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل فهو يأتي إتيانا يليق بجلاله وعظمته.
وأما ما ذهب إليه ابن عاشور وغيره فقد خالف فيه القاعدة التي نصّ عليها في مواضع من تفسيره، والذي دعاه إلى ذلك عقيدته الأشعرية.
قال السعدي: " وهذه الآية وما أشبهها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، المثبتين للصفات الاختيارية، كالاستواء، والنزول، والمجيء، ونحو ذلك من الصفات التي أخبر بها تعالى، عن نفسه، أو أخبر بها عنه رسوله ﷺ ، فيثبتونها على وجه يليق بجلال الله وعظمته، من غير تشبيه ولا تحريف، خلافاً للمعطلة على اختلاف أنواعهم، من الجهمية، والمعتزلة، والأشعرية ونحوهم، ممن ينفي
стр. 215
هذه الصفات، ويتأول لأجلها الآيات بتأويلات ما أنزل الله عليها من سلطان، بل حقيقتها القدح في بيان الله وبيان رسوله، والزعم بأن كلامهم هو الذي تحصل به الهداية في هذا الباب، فهؤلاء ليس معهم دليل نقلي، بل ولا دليل عقلي " (١).
ومما يشهد لهذا الترجيح قاعدة: (إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له)، وقد جاءت الآثار عن الصحابة والتابعين كثيرة جداً تشهد بذلك منها:
ما أورد الطبراني من حديث المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن مسروق عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم، قيامًا شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينتظرون فَصْل القضاء، وينزل الله في ظُلَل من الغمام من العرش إلى الكرسي" (٢).
وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبى العالية: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة يقول: والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام والله ﵎ يجيء فيما يشاء، وهي في بعض القراءة: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام، وهي كقوله: ويوم
стр. 216
تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا " (١).
٤ - مثال الميزان:
قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (٢).
اختلف العلماء في المراد بالموازين هنا هل هي حقيقة تؤخذ على ظاهرها من الآية أو لا؟ وقد ساق ابن عاشور أقوال المفسرين في هذه الآية فقال: " اختلف علماء السلف في المراد من الموازين هنا: أهو الحقيقةُ أم المجاز، فذهب الجمهور إلى أنه حقيقة , وأن الله يجعل في يوم الحشر موازين لوزن أعمال العباد تشبه الميزان المتعارف
وذهب مجاهد وقتادة والضحّاك وروي عن ابن عباس أيضاً أن الميزان الواقع في القرآن مثَلٌ للعدل في الجزاء كقوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ (٣).
ورجّح ابن عاشور المعنى المجازي للميزان لأنه فيما يرى وإن أخذ الميزان على ظاهره إلا إنه عند وزن الأعمال لا بد أن يلجأ للتأويل، وهذا نابع من عقيدته الأشعرية، وإن كان قد قرر في تفسيره أن الميزان حقيقي حيث نقل كلام ابن العربي على ذلك وملخصه أنه لا يمتنع أن يكون الميزان والوزن على
стр. 217
ظاهره وإنما يبقى النظر في كيفية وزن الأعمال وهي أعراض. (١).
ثم علق بقوله: " وكلا القولين مقبول , والكلّ متفقون على أن أسماء أحوال الآخرة إنما هي تقريب لنا بمتعارفنا , والله تعالى قادر على كل شيء " .... إلى أن يقول: " ويظهر لي أن التزام صيغة جمع الموازين في الآيات الثلاث التي ذكر فيها الميزان يرجح أن المراد بالوزن فيها معناه المجازي، وأن بيانه بقوله " القسط" في هذه الآية يزيد ذلك ترجيحاً" (٢).
وكأن ابن عاشور فيما ظهر لي من تفسيره أنه متردد في تفسير هذه الآية فبعد أن ذكر ما يوافق قول جمهور المفسرين في الميزان نجده بعد ذلك يميل إلى القول الآخر.
وهذا يعد مأخذاً لا سيما وقد ذكر القول الأول ضمن قاعدة الأصل إطلاق اللفظ على ظاهره
والذي اختاره ابن عاشور هو الذي مال إليه الطبري، والزمخشري.
قال في «الكشاف»: «الموازين الحساب السوي والجزاء على الأعمال بالنّصفَة من غير أن يُظلم أحدٌ». أي فهو مستعار للعدل في الجزاء لمشابهته للميزان في ضبط العدل في المعاملة كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ (٣) ... .
في حين رجّح معظم المفسرين ومن اعتمدتهم في هذا البحث أن الميزان
стр. 218
في معناه الحقيقي (١).
حجة أصحاب القول الأول الذي يقولون: إن الميزان حقيقي:
حجتهم في ذلك ماجاء في السنة فيما روى الإمام أحمد، عن ابن مسعود: «أنه كان يجني سواكا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ : "مم تضحكون"؟ قالوا: يا نبي الله! من دقة ساقيه. فقال: والذي نفسي بيده، لهما أثقل في الميزان من أحد» (٢).
وقال الطبري في تفسيره: " والصواب من القول في ذلك عندي القول الذي ذكرناه عن عمرو بن دينار، من أن ذلك هو"الميزان" المعروف الذي يوزن به، وأن الله جل ثناؤه يزن أعمال خلقه الحسنات منها والسيئات .. لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ بقوله: "ما وُضِع في الميزان شيء أثقل من حسن الخُلق" (٣)، ونحو ذلك من الأخبار التي تحقق أن ذلك ميزانٌ يوزن به الأعمال " (٤).
стр. 219
وقال ابن عطية: " والميزان يوم القيامة: بعمود وكفتين توزن بهم الأعمال ليبين المحسوس المعروف عندهم" (١).
وقال أبو العز الحنفي في شرحه للعقيدة الطحاوية: " والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان " (٢). ثم ذكر عدة روايات تدل على ذلك , منها:
ما رواه الإمام أحمد من حديث أبي عبد الرحمن الحبلي قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله ﷺ : «إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب. فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيبهت الرجل، فيقول: لا يا رب. فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم اليوم عليك. فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فيقول: أحضروه. فيقول: يا رب، وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم. قال: فتوضع السجلات في كفة، (والبطاقة في كفة)، قال: فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم» (٣).
стр. 220
وقد وردت أحاديث أيضا بوزن الأعمال أنفسها، كما في صحيح مسلم، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان» (١).
وفي الصحيح، وهو خاتمة كتاب البخاري، قوله ﷺ : «كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (٢).
قال ابن أبي العز الحنفي بعد أن ساق تلك الروايات: " فلا يلتفت إلى ملحد معاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، وإنما يقبل الوزن الأجسام! ! فإن الله يقلب الأعراض أجساما " (٣).
كما صحح القرطبي هذا القول، وبين أن المراد بالميزان وزن أعمال العباد كما ورد به الخبر (٤)، وكذلك أبو حيان بقوله: "قال جمهور الأمة والميزان له عمود وكفتان ولسان، وهو الذي دل عليه ظاهر القرآن والسنة " (٥).
وكذلك رجحه ابن كثير وساق الأدلة من السنة على ذلك (٦) والشوكاني
стр. 221
في فتح القدير وبين أن هذا القول هو الذي قامت عليه الأدلة (١). وكذلك الألوسي (٢) والقاسمي (٣).
كما قرر الشنقيطي هذا القول ضمن هذه القاعدة، وهي أن ظاهر القرآن لا يجوز العدول عنه إلا بدليل يجب الرجوع إليه (٤).
حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن الميزان مجازي:
حجتهم في ذلك أن الأعمال أعراض كما ذكر ابن عاشور وغيره.
قال مجاهد: هذا مثَل، والمراد بالموازين العدل، ويروى مثله عن قتادة والضحاك والمعنى: بالوزن القسط بينهم في الأعمال فمن أحاطت حسناته بسيئاته ثقلت موازينه، .. ومن أحاطت سيئاته بحسناته فقد خفت موازينه قالوا وهذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ (٥) , وهذا القول حكاه الطبري عن ابن عباس ﵄ (٦).
وقال الزمخشري في الكشاف: " الموازين الحساب السوي والجزاء على الأعمال بالنصفة من غير أن يظلم أحد " (٧).
стр. 222
القول الراجح:
ومما تقدم تبين لنا أن القول الأول هو القول االراجح، وهو الذي اتفق عليه جميع المفسرين وفقاً للقاعدة الترجيحية الأصل إطلاق اللفظ على ظاهره.
كما أنه مما يؤيد هذا القول الراجح ويقويه القاعدة الترجيحية: (إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له). وقد تقدمت الأحاديث في ذلك.
قال الزجاج: "والأولى أن يتبع ما جاء في الأسانيد الصحاح من ذكر الميزان فإنه جاء في الخبر أنه ميزان له كفتان، من حيث ينقل أهل الثقة، فينبغي أن يقبل ذلك" (١).
وقال القشيري معلقاً على كلام الزجاج: "وقد أحسن فيما قال، إذ لو حمل الميزان على هذا فليحمل الصراط على الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد، والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة , وقد أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل، وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر، وصارت هذه الظواهر نصوصا " (٢).
قال ابن عطية: " وهذا القول أصح من الأول من جهات:
أولها: أن ظواهر كتاب الله تقتضيه وحديث الرسول عليه
стр. 223
السلام ينطق به، من ذلك: قوله لبعض الصحابة وقد قال له يا رسول الله! أين أجدك في القيامة؟ فقال: «اطلبني عند الحوض فإن لم تجدني فعند الميزان»، ولو لم يكن الميزان مرئياً محسوساً لما أحاله رسول الله ﷺ على الطلب عنده.
وجهة أخرى: أن النظر في الميزان والوزن والثقل والخفة المقترنات بالحساب لا يفسد شيء منه ولا تختل صحته، وإذا كان الأمر كذلك فلم نخرج من حقيقة اللفظ إلى مجازه دون علة؟ .
وجهة ثالثة: وهي أن القول في الميزان هو من عقائد الشرع الذي لم يعرف إلا سمعاً، وإن فتحنا فيه باب المجاز غمرتنا أقوال الملحدة والزنادقة في أن الميزان والصراط والجنة والنار والحشر ونحو ذلك إنما هي ألفاظ يراد بها غير الظاهر. ... فينبغي أن يجري في هذه الألفاظ إلى حملها على حقائقها، وأما «الثقل» و «الخفة» فإن الآثار تظاهرت بأن صحائف الحسنات والسيئات توضع في كفتي الميزان فيحدث الله في الجهة التي يريد ثقلاً وخفة على نحو إحداثه ذلك في جسم رسول الله ﷺ في وقت نزول الوحي عليه " (١).
أضف إلى ذلك أن هذا الترجيح تعضده قاعدة: (وجوب حمل نصوص الوحي على الحقيقة) , وذلك أنه إذا اختلف المفسرون في تفسير آية من كتاب الله بين الحقيقة والمجاز فإن حملها على الحقيقة هو الصواب.
وعلى القول بجواز وقوع المجاز في القرآن فالذي يجب الجزم به واعتقاده ولا تجوز مخالفته، أن آيات الصفات ومسائل الغيب كالجنة والنار والميزان والصراط ونحوها، وأخبار الأمم البائدة وكل من ادعى فيها المجاز فهو في دعواه
стр. 224
باطل" (١).
أما قول من قال: إن الميزان يصرف عن معناه الحقيقي، فقد ردّه معظم العلماء.
قال الرازي موجهاً حمل لفظ الميزان على العدل: " إن حمل هذا اللفظ على مجرد العدل مجاز وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز من غير ضرورة غير جائز، لا سيما وقد جاءت الأحاديث الكثيرة بالأسانيد الصحيحة في هذا الباب" (٢).
٥ - مثال غيظ النار:
قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ (٣)
زعم بعض المفسرين أن النار لا تبصر، ولا تتكلم، ولا تغتاظ. وأن ذلك كله من قبيل المجاز، أو أن الذي يفعل ذلك خزنتها، في حين أجمع من يعتد به من أهل العلم على أن النصوص من الكتاب والسنة، لا يجوز صرفها عن ظاهرها إلا لدليل يجب الرجوع إليه، كما هو معلوم في محله (٤)
واحتمل ابن عاشور كلا المعنيين الحقيقي والمجازي حيث خالف القاعدة التي نصّ عليها في تفسيره، وذلك نابع من عقيدته الأشعرية، وهذا قوله: " وإسناد
стр. 225
الرؤية إلى النار استعارة والمعنى: إذا سيقوا إليها فكانوا من النار بمكان ما يرى الرائي من وصل إليه سمعوا لها تغيظاً وزفيراً من مكان بعيد، ويجوز أن يكون معنى: (رأتهم) رآهم ملائكتها أطلقوا منافذها فانطلقت ألسنتها بأصوات اللهيب كأصوات المتغيظ وزفيره فيكون إسناد الرؤية إلى جهنم مجازاً عقلياً ...
ويجوز أن يكون الله قد خلق لجهنم إدراكاً للمرئيات بحيث تشتد أحوالها عند انطباع المرئيات فيها فتضطرب وتفيض وتتهيأ لالتهام بعثها فتحصل منها أصوات التغيظ والزفير فيكون إسناد الرؤية والتغيظ والزفير حقيقة، وأمور العالم الأخرى لا تقاس على الأحوال المتعارفة في الدنيا " (١). وممن ذهب إلى ما ذهب إليه ابن عاشور أبو حيان والشوكاني والقاسمي حيث احتملوا كلا المعنيين الحقيقي والمجازي (٢).
وكذلك ابن عطية إلا أنه ساق أقوالاً تدل على أنها تقتضي الحقيقة، فقد قال: " ولفظ (رأتهم) يحتمل الحقيقة ويحتمل المجاز على معنى صارت منهم على قدر ما يرى الرائي من البعد إلا أنه ورد حديث يقتضي الحقيقة ويحتمل المجاز، في هذا ذكر الطبري وهو أن رسول الله ﷺ قال: «من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ بين عيني جهنم مقعده من النار»، فقيل: يا رسول الله! أو لجهنم عينان؟ فقال: «اقرؤوا إن شتئم ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ الآية، وروي
стр. 226
في بعض الآثار أن البعد الذي تراهم منه مسيرة خمسمائة سنة " (١)
وذهب الطبري والرازي والقرطبي وابن كثير والألوسي إلى القول بظاهر الآية أي أنها تغتاظ وتزفر حقيقة (٢).
حجة من قال: إن النار لا تبصر ولا تغتاظ:
حجتهم في ذلك ذكرها الرازي في تفسيره فقال: " وهؤلاء المعتزلة ليس لهم حجة في هذا الباب إلا استقراء العادات، .. وقد احتاجوا إلى تأويل هذه الآية وذكروا فيها وجوهاً:
أحدها: قالوا معنى رأتهم ظهرت لهم , من قولهم: " دورهم تتراءى وتتناظر"، وقال ﵇: «إن المؤمن والكافر لا تتراءى ناراهما» أي لا تتقابلان لما يجب على المؤمن من مجانبة الكافر والمشرك، ويقال دور فلان متناظرة، أي متقابلة.
وثانيها: أن النار لشدة اضطرامها وغليانها ,صارت ترى الكفار وتطلبهم وتتغيظ عليهم. وثالثها: قال الجبائي: إن الله تعالى ذكر النار وأراد الخزنة الموكلة بتعذيب أهل النار، لأن الرؤية تصح منهم ولا تصح من النار فهو كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٣) أراد أهلها (٤).
стр. 227
حجة من قال: إن النار تبصر وتغتاظ وتزفر:
حجتهم في ذلك أنه يجب إجراء الآية على ظاهرها.
قال الرازي: " فالنار على ماهي عليه يجوز أن يخلق الله الحياة والعقل والنطق فيها، وأنه يجب إجراء الآية على الظاهر، لأنه لا امتناع في أن تكون النار حية رائية مغتاظة على الكفار " (١).
وقال الألوسي: " وإسناد الرؤية إليها حقيقة على ما هو الظاهر وكذا نسبة التغيظ والزفير فيما بعد إذ لا امتناع في أن يخلق الله تعالى النار حية مغتاظة زافرة على الكفار فلا حاجة إلى تأويل الظواهر الدالة على أن لها إدراكاً كهذه الآية " (٢).
قال ابن عاشور: " ويجوز أن يكون الله قد خلق لجهنم إدراكاً للمرئيات بحيث تشتد أحوالها عند انطباع المرئيات فيها فتضطرب وتفيض وتتهيأ لالتهام بعثها فتحصل منها أصوات التغيظ والزفير، فيكون إسناد الرؤية والتغيظ والزفير حقيقة، وأمور العالم الأخرى لا تقاس على الأحوال المتعارفة في الدنيا " (٣).
القول الراجح:
إن النار تبصر وتغتاظ وتزفر حقيقة، وذلك عملاً بموجب القاعدة الترجيحية: الأصل إطلاق اللفظ على ظاهره.
стр. 228
قال الشنقيطي: " اعلم أن التحقيق أن النار تبصر الكفار يوم القيامة، كما صرح الله بذلك في قوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (١) ورؤيتها إياهم من مكان بعيد، تدل على بصرها كما لا يخفى، كما أن النار تتكلم كما صرح الله به في قوله: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (٢) والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة، كحديث محاجة النار مع الجنة، وكحديث اشتكائها إلى ربها، فأذن لها في نفسين، ونحو ذلك، ويكفي في ذلك أن الله جل وعلا صرح في هذه الآية، أنها تراهم وأن لها تغيظاً على الكفار، وأنها تقول: هل من مزيد " (٣).
وأما قول من قال أن النار لا تبصر ولا تغتاظ فهذا قول باطل، وقد بيّن بطلانه عدد من المفسرين قال الشنقيطي: " واعلم أن ما يزعمه كثير من المفسرين وغيرهم، من المنتسبين للعلم من أن النار لا تبصر، ولا تتكلم، ولا تغتاظ. وأن ذلك كله من قبيل المجاز، أو أن الذي يفعل ذلك خزنتها كله باطل ولا معول عليه لمخالفته نصوص الوحي الصحيحة بلا مستند، والحق هو ما ذكرنا " (٤).
ومما يؤيد هذا الترجيح ويقويه القاعدة الترجيحية التالية: (إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له على ما خالفه) (٥).
стр. 229
قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: «إن القول بأن النار تراهم هو الأصح، ثم قال لما رُوِيَ مرفوعاً أن رسول الله ﷺ قال: «من كَذَبَ عليَّ متعمداً فليتبوَّأ بين عيني جهنم مقعداً» قيل يا رسول الله! أو لَها عينان؟ قال: «أو ما سمعتم الله يقول: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ (١) وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق فيقول: إني وكلت بثلاث: بكل جبار عنيد , وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر, وبالمصورين» , قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح " (٢).
المبحث الثالث
الأولى إعمال اللفظ بكلا معنييه الحقيقي والمجازي متى أمكن
صورة القاعدة:
إذا كان المقام صالحا لإرادة المعنى الحقيقي والمجازي، بأن لم يكن المعنى الحقيقي قاطعاً، ولم يكن الصارف عن الحقيقي قاطعا في الصرف، فإنه من الأولى العمل بكلا القولين.
شرح مفردات القاعدة:
الحقيقة لغة: من فعيلة، من حق الشيء بمعنى ثبت، وأحققت الشيء أي أوجبته، وتحقق عنده الخبر أي صح (١).
اصطلاحاً: هي اللفظ المستعمل فيما وضع له، فيشمل هذا الوضع: اللغوي والشرعي والعرفي والاصطلاحي (٢).
المجاز لغة: هو مفعول من الجواز الذي هو التعدي، كما يقال جزت موضع كذا أي جاوزته وتعديته، أو من الجواز الذي هو قسيم الوجوب والامتناع، وهو راجع إلى الأول لأن الذي لا يكون واجباً ولا ممتنعاً، يكون متردداً بين الوجود والعدم، فكأنه ينتقل من هذا إلى هذا (٣).
стр. 233
اصطلاحاً: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة (١).
وقد اختلف علماء السلف والخلف جميعاً في وقوع المجاز في القرآن على قولين:
القول الأول:
جواز وقوع المجاز في القرآن، وقد ذهب إليه بعض الفرق، مثل المعتزلة والجهمية والأشاعرة، وكذلك بعض علماء أهل السنة والجماعة.
ومن أوائل من قال بالمجاز شيخ العربية سيبويه، فقد قال في كلامه على قوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٢): فالليل والنهار لا يمكران ولكن الذي يمكر فيهما هو الناس وهذا على سبيل التجوز (٣).
وأول من عرف عنه أنه تكلم بهذا المصطلح (المجاز) أبو عبيد معمر بن المثنى.
وقال ابن قدامة: " من منعه - أي المجاز في القرآن- فقد كابر، ومن سلم وقال لا أسميه مجازاً، فهو نزاع في عبارة لا فائدة في المشاحة فيه " (٤).
ثم ابن قتيبة وهو من أوائل من عالجه بوصفه مصطلحا علميا بلاغيا وذلك في كتابه (تأويل مشكل القرآن) فقد قال: "المجاز أسلوب من أساليب العرب تعبر به عن المعاني"، وقال أيضا: "وقد تبين لمن عرف اللغة أن القول يقع فيه المجاز"،
стр. 234
ومما قال أيضا: "من أنكر المجاز شبهتهم أن ذلك دربا من الكذب فلو أُخِذ بكلامهم هذا لكان أكثر كلامنا كذبا" (١).
المذهب الثاني:
منع المجاز في القرآن، وقد ذهب إلى هذا القول الظاهرية وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وأبو إسحاق الإسفراييني، وقالوا إن التقسيم في الكلام إلى حقيقة ومجاز كلام محدث.
ومنع هؤلاء العلماء جميعاً المجاز، لأن معناه: صرف الكلام عن حقيقته، الذي قد يكون وسيلة للتأويل والانحراف في تفسير كلام الله عن مراده، إلا أن المتأمل لأقوال بعض المانعين نجدهم قيدوا استعمال المجاز في القرآن بشروط، كتعذر حمل الكلام على الحقيقة وغيرها (٢)، كما قال الرازي: " وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الكلام عن المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة " (٣).
ووضع شرطين للجواز بقول المجاز وهما:
١ - أن يكون منقولاً عن معنى وضع اللفظ بإزائه.
٢ - أن يكون النقل لمناسبة بين الأصل والفرع (٤).
стр. 235
وأضاف ابن القيم شرطين آخرين هما:
١ - بيان امتناع إرادة الحقيقة.
٢ - الجواب عن الدليل الموجب لإرادة الحقيقة.
ثم قال: " فمن لم يقم بهذه الأمور الأربعة كانت دعواه صرف اللفظ عن ظاهره دعوى باطلة " (١).
القول الراجح في المجاز:
وقوع المجاز في القرآن، وأظن المسألة والله أعلم كما قال ابن قدامة لفظية، لا تأثير لها في المعنى.
وقال السيوطي: " وأما المجاز فالجمهور أيضا على وقوعه فيه , وأنكره جماعة منهم الظاهرية وابن القاص من الشافعية (٢) وابن خويز منداد من المالكية (٣)
стр. 236
وشبهتهم: أن المجاز أخو الكذب , والقرآن منزه عنه , وأن المتكلم لا يعدل إليه إلا إذا ضاقت به الحقيقة فيستعير , وذلك محال على الله تعالى، وهذه شبهة باطلة , ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة , ولو وجب خلو القرآن من المجاز وجب خلوه من الحذف والتوكيد وتثنية القصص وغيرها " (١).
وقال الشوكاني: "المجاز واقع في لغة العرب عند جمهور أهل العلم" (٢).
أما عن موقف شيخ الإسلام ابن تيمية في المجاز فما نقل عنه مضطرب في هذا الباب, أو هو قال به في فترة من حياته ثم رجع عنه نظراً لاستفحال أمر المعطلة والمؤولة الذين دخلوا من باب المجاز على آيات الصفات وعطلوها، وقد ورد عن شيخ الإسلام ما يثبت القول به , وإن لم ينص على اسمه.
ومما تقدم تبين لنا أن الدافع لإنكار من أنكر المجاز هو امتداد القول به لآيات الصفات ومن ثم وقع الخبط والخلط والضلال في ذلك، مع أن المذهب الحق هو أنها خارجة عن ذلك , فإذا استثني ذلك يرتفع الخلاف ويصبح المجاز أسلوبا سائغا من أساليب العربية، سواء سمي مجازا أو أسلوبا من أساليب العرب في بيانها , فيكون الخلاف في ذلك خلافا في اللفظ والاصطلاح لا في التعبير والتطبيق, وكونه يأخذ اسم المجاز أضبط وأدق وأدعى لمعرفة مجاريه وأوديته ودواعي القول به ... .
стр. 237
ولقد اعتنى ابن عاشور بهذه القاعدة، وبين في المقدمة التاسعة من تفسيره أهمية البلاغة ودورها في أساليب العرب، وأن القرآن من بلاغته تحتمل ألفاظه الكثير من المعاني، ما لم يمنع من ذلك مانع شرعي أو لغوي، وأن اللغة العربية تتمتع بمميزات جعلتها لغة القرآن، ومنها أنها أوفر اللغات مادة وأقلها حروفاً، وأفصحها لهجة، وأكثرها تصرفاً في الدلالة على غرض المتكلم، ثم أشار إلى أنه يجب أن يحمل المشترك في القرآن على ما يحتمله من المعاني سواء المعاني الحقيقية أم المجازية (١) حيث يقول:
" فمختلف المحامل التي تسمح بها كلمات القرآن وتراكيبه وإعرابه ودلالته من اشتراك وحقيقة ومجاز وصريح وكناية وبديع ووصل ووقف إذا لم تفض إلى خلاف المقصود من السياق يجب حمل الكلام على جميعها "- إلى أن يقول -: " وقد كان المفسرون غافلين عن تأصيل هذا الأصل , فلذلك كان الذي يرجح معنى من المعاني التي يحتملها لفظ آية من القرآن يجعل غير ذلك المعنى ملغى , ونحن لا نتابعهم على ذلك بل نرى المعاني المتعددة التي يحتملها اللفظ بدون خروج عن مهيع الكلام العربي البليغ، معانيَ في تفسير الآية , فنحن في تفسيرنا هذا إذا ذكرنا معنيين فصاعداً فذلك على هذا القانون , وإذا تركنا معنى مما حمل بعض المفسرين عليه في آيات من القرآن فليس تركنا إياه دالاً على إبطاله، ولكن قد يكون ذلك لترجح غيره، وقد يكون اكتفاء بذكره في تفاسير أخرى تجنبا للإطالة " (٢).
стр. 238
أمثلة تطبيقية على القاعدة:
١ - مثال إيذاء الكافرين:
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (١).
اختلف العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾، فمنهم من حمله على المعنى الحقيقي، ومنهم من حمله على المعنى المجازي، وقد ساق ابن عاشور هذين الاحتمالين في تفسيره فقال: " وقوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ يجوز أن يكون فعل " دع " مراداً به أن لا يعاقبهم فيكون " دع " مستعملاً في حقيقته وتكون إضافة أذاهم من إضافة المصدر إلى مفعوله، أي دع أذاك إياهم.
ويجوز أن يكون " دع " مستعملاً مجازاً في عدم الاكتراث وعدم الاغتمام، فيما يقولونه مما يؤذي ويكون إضافة أذاهم من إضافة المصدر إلى فاعله، أي لا تكترث بما يصدر منهم من أذىً إليك فإنك أجلّ من الاهتمام بذلك، وهذا من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه. وأكثر المفسرين اقتصروا على هذا الاحتمال الأخير" (٢).
إلى أن ذكر أن اللفظ يحتمل المعنيين، فقال: " والوجه: الحمل على كلا المعنيين، فيكون الأمر بترك أذاهم صادقاً بالإِعراض عما يؤذون به النبي ﷺ من
стр. 239
أقوالهم، وصادقاً بالكف عن الإِضرار بهم، أي أن يترفع النبي ﷺ عن مؤاخذتهم على ما يصدر منهم في شأنه، وهذا إعراض عن أذى خاص لا عموم له، فهو بمنزلة المعرف بلام العهد، فليست آيات القتال بناسخة له" (١).
وقد احتمل هذين المعنيين من قبل ابن عاشور كل من ابن عطية، والقرطبي، والشوكاني والقاسمي (٢)، وهم بناء على ذلك يرون هم وأصحاب القول الأول أن الآية منسوخة بآية السيف.
وذهب كل من الطبري، والألوسي (٣) إلى أن المراد بالآية المعنى المجازي أي أعرض عن أقوالهم وما يؤذونك، ولا تشتغل به، فالمصدر على هذا التأويل مضاف إلى الفاعل، وهذا تأويل مجاهد أيضاً (٤).
في حين يرى كل من الرازي وأبو حيان وابن كثيرأن المراد بالآية المعنى الحقيقي (٥) أي أمره ﵎ بترك معاقبتهم، والصفح عن زللهم، فالمصدر على هذا مضاف إلى المفعول.
стр. 240
وهم يرون أن هذه الآية منسوخة , وناسخها آية السيف (١).
كما اختار هذا القول الشنقيطي، في معرض تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) حيث قال: " وهو الظاهر في معنى الآية - أنه كان في أول الأمر مأموراً بالإعراض عن المشركين، ثم نسخ ذلك بآية السيف , ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) , وقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات " (٤).
حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن المراد من قوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ تحمل على المعنى الحقيقي:
وهم الذين يرون أن المعنى لا تعاقبهم ولا تجازيهم، وهم يرون أن هذه الآية منسوخة، لأن هناك الكثير من المواقف في سيرته ﷺ تدل على أنه قد ضرب على أيدي الكافرين بيد من حديد وقاتلهم ,ولذلك نرى أن معظم من رجّح هذا القول ذهب إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف ومنهم الزجاج (٥)،
стр. 241
وابن حزم في الناسخ والمنسوخ (١)، والكرمي كذلك (٢)، والمقري أيضاً (٣)، وابن الجوزي في نواسخ القرآن (٤).
والذي يظهر لي والله أعلم أن هذه الآية محكمة وليست منسوخة؛ لأن الأصل عدم النسخ مالم يقم دليل صحيح صريح على خلاف ذلك، وحيث إنه لا دليل على ذلك , فإن الآية محكمة. ويبقى موقف الرسول ﷺ من أعدائه مرتبط بحسب الأحوال والأشخاص.
حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن قوله: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ تحمل على المعنى المجازي:
الذي يظهر لي والله أعلم أن أصحاب هذا القول رأوا في هذا المعنى تسلية للرسول صلى الله عليه ليصبر على أذاهم.
قال الطبري: " وأعرض عن أذاهم لك، واصبر عليه " (٥).
وقال الألوسي: " أي لا تبال بإيذائهم إياك بسبب إنذارك إياهم واصبر على ما ينالك منهم " (٦).
وقد يكون مستندهم في ذلك اللغة لأن معنى "دع" في اللغة يحتمل هذا
стр. 242
المعنى .. قال ابن منظور في اللسان: "دع كلمة يدعى بها للعاثر في معنى قم، وانتعش، واسلم" (١).
القول الراجح:
إن كلا القولين محتمل كما ذهب إليه عدد من المفسرين منهم ابن عطية والقرطبي، الشوكاني، والقاسمي كما تقدم، وهو الذي رجحه ابن عاشور بناء على هذه القاعدة فهو يرى أن كلا المعنيين محتمل، وأن الفعل "دعهم"مستعملاً في حقيقته ومجازه.
قال ابن جزي في التسهيل: " ودع أذاهم يحتمل وجهين أحدهما لا تؤذهم فالمصدر على هذا مضاف إلى المفعول ونسخ من الآية على هذا التأويل ما يخص الكافرين بآية السيف والآخر احتمل إذايتهم لك وأعرض عن أقوالهم , فالمصدر على هذا مضاف للفاعل " (٢)
ولكن هناك اعتراض قد يورده بعضهم وهو أن بين هذه الآية والآية في سورة الأنفال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ (٣) تناقضا وتعارضا؛ إذ الآية الأولى تطلب من النبي ﷺ تحريض المؤمنين وحثهم على القتال , بل والتجلد لقتالهم , بينما الآية الثانية تطلب من النبي ﷺ يطيع الكافرين والمنافقين , وأن يدع أذاهم ولا يقابلهم بمثله ويكفيه التوكل على الله ,
стр. 243
فهو حسبه وكفى بالله وكيلاً ,فكيف يأمره في الأولى التحريض على قتالهم بهذا الجَلَد ,ويأمره في الثانية بترك آذاهم , فظنوا هذا تناقضاً , فطاروا به فرحاً, واتخذوه حجراً.
والجواب:
ليس هناك أي تضارب , فالكافرون والمنافقون كانوا يؤذون رسول الله ﷺ بألسنتهم وباختلاق أقوال عليه , فأمره الله بأن يدع أذاهم له , فهو يتولى رد كيدهم في نحرهم , ودحض افتراءاتهم على رسوله , فكفى بالله وكيلاً , فأمره في آية الأحزاب أن لا يقابل اللسان بالسنان , بينما أَمَرَه في شأن الكفار المحاربين أن يحرض المؤمنين على قتالهم , والتجلد لهم , فأمره الله سبحانه في آية الأنفال بمقابلة الَسَّنان بالسَّنان, فالحكمة تقتضي وضع السيف في موضعه واللين في موضعه , فلا تعارض إذن بين الآيتين (١).
قلت: وما ذهب إليه ابن عاشور هو القول الراجح من أن الآية غير منسوخة , وأنه يمكننا الأخذ بكلا القولين: الصبر وكف الأذى، ولكن يبقى كف الأذى وعدم معاقبتهم راجع للأحوال، وهذا الترجيح أي الأخذ بكلا القولين تعضده قاعدة عمل بها المفسرون في تفاسيرهم وهي: (أنه إذا احتمل اللفظ معان عدة ولم يمتنع إرادة الجميع حمل عليها) (٢).
стр. 244
٢ - مثال هوْي النجوم:
قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ (١).
اختلف المفسرون في معنى قوله هوى على قولين:
الأول: بمعنى غاب.
والثاني: إذا سقط منه شهاب على الشياطين التي تسترق السمع (٢).
واحتمل ابن عاشور كلا المعنيين الحقيقي والمجازي فقال: " والهُوِيّ: السقوط، أطلق هنا على غروب الكوكب، استعير الهُوِيُّ إلى اقتراب اختفائه ويجوز أن يراد بالهوِيّ: سقوط الشهاب حين يلوح للناظر أنه يجري في أديم السماء، فهو هويّ حقيقي فيكون قد استعمل في حقيقته ومجازه (٣).
وبيّن القاسمي من قبله تلك المعاني وذكر أنها محتملة (٤).
وذكر كل من الطبري، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني المعنى الحقيقي لـ "هوى" وهو سقط على اختلاف منهم، فمنهم يرى أن المراد بسقوطه ما سيكون يوم القيامة من انتثار له، ومنهم من يرى أن المراد بسقوطه رجومه على الشياطين ... (٥).
стр. 245
أما ابن عطية والألوسي فقد ذهبا إلى المعنى المجازي للآية (١).
حجة من يرى أن ﴿هَوَى﴾ بمعنى غاب وغرب:
حجتهم في ذلك أن الظاهر والسابق إلى الفهم يدل على هذا (٢).
قال ابن عطية معلقاً على تأويل هوى بمعنى نزل بقوله: "وفي هذا الهوي بعد وتحامل على اللغة، إلى أن يقول: " هوى إلى الغروب، وهذا هو السابق إلى الفهم من كلام العرب " (٣).
وروى عبد الرزاق عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (والنجم إذا هوى قال: «الثريا إذا غابت» (٤).
وقال الألوسي: " هوى أي غرب " (٥).
حجة من يرى أن ﴿هَوَى﴾ بمعنى سقط أي المعنى الحقيقي:
استدلوا على ذلك بما جاء في اللغة.
قال ابن فارس: "هوى الشيء يهوي: سقط، وهاوية جهنم لأن الكافر يهوي فيها " (٦).
وقال ابن منظور: " هوى بالفتح، يهوي هوياً وهوياً وهوياناً وانهوى:
стр. 246
سقط من فوق إلى أسفل، وأهواه هو. يقال أهويته إذا ألقيته من فوق. وقوله : ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ (١) يعني مدائن قوم لوط أي أسقطها فهوت أي سقطت، وهوى السهم هوياً: سقط من علوٍ إلى سُفلٍ ... وفي صفته ﷺ : كأنما يهوي من صبب أي ينحط، وذلك مشية القوي من الرجال. يقال هوى يهوي هَوياً بالفتح إذا هبط، وهوى يهوي هُوياً بالضم إذا صعد " (٢).
قال ابن عطية: " وهذا القول تسعده اللغة (٣).
وقال القرطبي: " قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ قال ابن عباس ومجاهد: معنى ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ والثريا إذا سقطت مع الفجر " (٤).
وقال السعدي: " يقسم تعالى بالنجم عند هويه أي: سقوطه في الأفق في آخر الليل عند إدبار الليل وإقبال النهار، لأن في ذلك من آيات الله العظيمة، ما أوجب أن أقسم به " (٥)
القول الراجح:
يظهر لي والله أعلم أن القول الراجح هو القول الثاني وهو: أن هوى بمعنى سقط في معناها الحقيقي، والسقوط يتضمن ما كان في الدنيا من سقوطها
стр. 247
رجوماً على الشياطين، أو انتثارها يوم القيامة.
قال الخازن: " قوله : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ قال ابن عباس: يعني الثريا إذا سقطت وغابت , والعرب تسمي الثريا نجماً ,ومنه قولهم: إذا طلع النجم عشاء ابتغى
الراعي كساء , وجاء في الحديث عن أبي هريرة مرفوعاً: «ما طلع النجم قط وفي الأرض من العاهة شيء إلا رفع» (١) أراد بالنجم الثريا , وروي عن ابن عباس ﵄ أنه الرجوم من النجوم وهي ما ترمى به الشياطين عند استراق السمع , وقيل: هي النجوم إذا انتثرت يوم القيامة " (٢).
قال البيضاوي: " ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ أقسم بجنس النجوم أو الثريا فإنه غلب فيها إذا غرب أو انتثر يوم القيامة أو انقض أو طلع فإنه يقال: هوى هوياً بالفتح إذا سقط وغرب " (٣).
ومما يرجح هذا القول ويقويه قاعدة: (القول الذي يدل عليه السياق أولى من غيره ... ) (٤)، فقد ذكر صاحب كتاب "لمسات بيانية": "أن هذا القول يدل عليه كونه مناسباً لما قبله , حيث إنه في خواتيم سورة الطور (إدبار النجوم) أي
стр. 248
غروبها فهي إذن مرتبطة بالتسبيح ومرتبطة بإدبار النجوم فأصبح هناك تناسق بين إدبار النجوم والنجم إذا هوى" (١) , كما يقوي هذه القول القاعدة الترجيحية الآتية: (يجب حمل كلام الله تعالى على المعروف من كلام العرب) (٢) , والجاري في استعمال هوي النجوم سقوطها، قال أبو حيان: " قال مجاهد وسفيان: هو الثريا وهويها سقوطها مع الفجر، وهو علم عليها بالغلبة، ولا تقول العرب النجم مطلقاً إلا للثريا " (٣).
٣ - مثال الفرش:
قال تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ (٤).
اختلف المفسرون في المراد بالفرش على قولين:
الأول: إنها الحشايا المفروشة للجلوس والنوم مرفوعة بكثرة حشوها زيادة في الاستمتاع بها.
والثاني: إن المراد بالفرش النساء مرفوعات في القدر (٥).
وذكر ابن عاشور كلا القولين ورجحهما وهذا قوله: " لما جرى ذكر الفُرش وهي مما يعد للاتكاء والاضطجاع وقت الراحة في المنزل , يخطر بالبال بادئ
стр. 249
ذي بدء مصاحبة الحُور العين معهم في تلك الفرش فيتشوف إلى وصفهن، فكانت جملة: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ (١) بياناً لأن الخاطر بمنزلة السؤال عن صفات الرفيقات
فضمير المؤنث من " أنشأناهن " عائد إلى غير مذكور في الكلام ولكنه ملحوظ في الأفهام كقول أبي تمام في طالع قصيدة:
هُنّ عوادي يوسفٍ وصواحبه ... ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (٢) وهذا أحسن وجه في تفسير الآية، فيكون لفظ " فرش " في الآية مستعملاً في معنييه ويكون " مرفوعة " مستعملاً في حقيقته ومجازه، أي في الرفع الحسي والرفع المعنوي ". (٣).
ورجّح الطبري وكذلك ابن كثير أن المراد بالفرش المرفوعة هي الفرش المعروفة والمرفوعة أي طويلة وعالية , وساقا حديث أبي سعيد الذي يصف ارتفاعها، وكذلك استظهر الرازي أبو حيان والشوكاني والألوسي هذا القول (٤).
стр. 250
وذكر ابن عطية والقرطبي، وكذلك القاسمي والشنقيطي كلا القولين ولم يرجحوا (١).
حجة القائلين بأن المراد بـ ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ الفرش المعدة للاتكاء عليها:
استدل أصحاب هذا القول بحديث أبي سعيد عن النبي ﷺ في قوله ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قال: " إن ارتفاعها لكما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض لمسيرة خمس مئة عام " (٢).
قال أبو حيان: " والظاهر أن الفراش ما يفترش للجلوس عليه والنوم " (٣).
قال الألوسي: " مرفوعة منضدة مرتفعة أو مرفوعة على الأسرة فالرفع حسي كما هو الظاهر ... وقال بعضهم: أي رفيعة القدر على أن رفعها معنوي بمعنى شرفها وأياً مّا كان فالمراد بالفرش ما يفرش للجلوس عليها" (٤).