← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 20876

قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عند ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير

عبير بنت عبد الله النعيم

Полный текст (980 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

سقط من فوق إلى أسفل، وأهواه هو. يقال أهويته إذا ألقيته من فوق. وقوله : ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ (١) يعني مدائن قوم لوط أي أسقطها فهوت أي سقطت، وهوى السهم هوياً: سقط من علوٍ إلى سُفلٍ ... وفي صفته ﷺ : كأنما يهوي من صبب أي ينحط، وذلك مشية القوي من الرجال. يقال هوى يهوي هَوياً بالفتح إذا هبط، وهوى يهوي هُوياً بالضم إذا صعد " (٢). قال ابن عطية: " وهذا القول تسعده اللغة (٣). وقال القرطبي: " قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ قال ابن عباس ومجاهد: معنى ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ والثريا إذا سقطت مع الفجر " (٤). وقال السعدي: " يقسم تعالى بالنجم عند هويه أي: سقوطه في الأفق في آخر الليل عند إدبار الليل وإقبال النهار، لأن في ذلك من آيات الله العظيمة، ما أوجب أن أقسم به " (٥) القول الراجح: يظهر لي والله أعلم أن القول الراجح هو القول الثاني وهو: أن هوى بمعنى سقط في معناها الحقيقي، والسقوط يتضمن ما كان في الدنيا من سقوطها

стр. 247

رجوماً على الشياطين، أو انتثارها يوم القيامة. قال الخازن: " قوله : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ قال ابن عباس: يعني الثريا إذا سقطت وغابت , والعرب تسمي الثريا نجماً ,ومنه قولهم: إذا طلع النجم عشاء ابتغى الراعي كساء , وجاء في الحديث عن أبي هريرة مرفوعاً: «ما طلع النجم قط وفي الأرض من العاهة شيء إلا رفع» (١) أراد بالنجم الثريا , وروي عن ابن عباس ﵄ أنه الرجوم من النجوم وهي ما ترمى به الشياطين عند استراق السمع , وقيل: هي النجوم إذا انتثرت يوم القيامة " (٢). قال البيضاوي: " ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ أقسم بجنس النجوم أو الثريا فإنه غلب فيها إذا غرب أو انتثر يوم القيامة أو انقض أو طلع فإنه يقال: هوى هوياً بالفتح إذا سقط وغرب " (٣). ومما يرجح هذا القول ويقويه قاعدة: (القول الذي يدل عليه السياق أولى من غيره ... ) (٤)، فقد ذكر صاحب كتاب "لمسات بيانية": "أن هذا القول يدل عليه كونه مناسباً لما قبله , حيث إنه في خواتيم سورة الطور (إدبار النجوم) أي

стр. 248

غروبها فهي إذن مرتبطة بالتسبيح ومرتبطة بإدبار النجوم فأصبح هناك تناسق بين إدبار النجوم والنجم إذا هوى" (١) , كما يقوي هذه القول القاعدة الترجيحية الآتية: (يجب حمل كلام الله تعالى على المعروف من كلام العرب) (٢) , والجاري في استعمال هوي النجوم سقوطها، قال أبو حيان: " قال مجاهد وسفيان: هو الثريا وهويها سقوطها مع الفجر، وهو علم عليها بالغلبة، ولا تقول العرب النجم مطلقاً إلا للثريا " (٣). ٣ - مثال الفرش: قال تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ (٤). اختلف المفسرون في المراد بالفرش على قولين: الأول: إنها الحشايا المفروشة للجلوس والنوم مرفوعة بكثرة حشوها زيادة في الاستمتاع بها. والثاني: إن المراد بالفرش النساء مرفوعات في القدر (٥). وذكر ابن عاشور كلا القولين ورجحهما وهذا قوله: " لما جرى ذكر الفُرش وهي مما يعد للاتكاء والاضطجاع وقت الراحة في المنزل , يخطر بالبال بادئ

стр. 249

ذي بدء مصاحبة الحُور العين معهم في تلك الفرش فيتشوف إلى وصفهن، فكانت جملة: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ (١) بياناً لأن الخاطر بمنزلة السؤال عن صفات الرفيقات فضمير المؤنث من " أنشأناهن " عائد إلى غير مذكور في الكلام ولكنه ملحوظ في الأفهام كقول أبي تمام في طالع قصيدة: هُنّ عوادي يوسفٍ وصواحبه ... ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (٢) وهذا أحسن وجه في تفسير الآية، فيكون لفظ " فرش " في الآية مستعملاً في معنييه ويكون " مرفوعة " مستعملاً في حقيقته ومجازه، أي في الرفع الحسي والرفع المعنوي ". (٣). ورجّح الطبري وكذلك ابن كثير أن المراد بالفرش المرفوعة هي الفرش المعروفة والمرفوعة أي طويلة وعالية , وساقا حديث أبي سعيد الذي يصف ارتفاعها، وكذلك استظهر الرازي أبو حيان والشوكاني والألوسي هذا القول (٤).

стр. 250

وذكر ابن عطية والقرطبي، وكذلك القاسمي والشنقيطي كلا القولين ولم يرجحوا (١). حجة القائلين بأن المراد بـ ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ الفرش المعدة للاتكاء عليها: استدل أصحاب هذا القول بحديث أبي سعيد عن النبي ﷺ في قوله ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ قال: " إن ارتفاعها لكما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض لمسيرة خمس مئة عام " (٢). قال أبو حيان: " والظاهر أن الفراش ما يفترش للجلوس عليه والنوم " (٣). قال الألوسي: " مرفوعة منضدة مرتفعة أو مرفوعة على الأسرة فالرفع حسي كما هو الظاهر ... وقال بعضهم: أي رفيعة القدر على أن رفعها معنوي بمعنى شرفها وأياً مّا كان فالمراد بالفرش ما يفرش للجلوس عليها" (٤).

стр. 251

حجة القائلين بأن المراد بـ ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أي النساء الحور العين مرفوعات في القدر والجمال .. : استدلوا على ذلك بما جاء في اللغة من أن الفرش تأتي بمعنى النساء، قال ابن منظور: " ومنه قول الشاعر: ظللت مفترش الهلباء تشتمني ... عند الرسول فلم تصدق ولم تصب ومنه قول الآخر في تعديد على صهره: وأفرشتك كريمتي " (١). قال البغوي: " دليل هذا التأويل قوله في عقبه: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ (٢) خلقناهن خلقًا جديدًا قال ابن عباس ﵄: يعني الآدميات العجز الشمط، يقول خلقناهن بعد الهرم خلقا آخر. ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ (٣) (٤). القول الراجح: الذي يظهر لي والله أعلم أن المراد بالفرش في قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ الفرش المعروفة كما ذكر ابن جرير وغيره من المفسرين.

стр. 252

ويقوي هذا القول ويعضده القاعدة الترجيحية: (الأصل إطلاق اللفظ على ظاهره) وهذه القاعدة رجّح بها ابن عاشور في تفسيره لكنه في هذا المثال رأى أن معنى الفرش يحتمل الحقيقة والمجاز. قال السعدي: " ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أي: مرفوعة فوق الأسرة ارتفاعا عظيما، وتلك الفرش من الحرير والذهب واللؤلؤ وما لا يعلمه إلا الله " (١). وقد ردّ الرازي على من قال أن المراد بالفرش النساء فقال: " يبعد ظاهراً لأن وصفها بالمرفوعة ينبئ عن خلاف ذلك " (٢). كما يؤيد هذا القول القاعدة الترجيحية: (يجب حمل كلام الله على المعروف من كلام العرب) (٣). قال ابن فارس: " الفاء والراء والشين أصل صحيح يدل على تمهيد الشيء وبسطه. يقال فرشت الفراش أفرشه، والفرش مصدر، والفرش المفروش أيضاً " (٤). وأما قول من قال أن القول بأن الفرش بمعنى النساء يدل عليه الآية: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ فقد وضحه الشيخ ابن عثيمين وبين وجه مجيء هذه الآية بقوله: " ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ الفراش ما ينام عليه الإنسان (مرفوعة) أي عالية،

стр. 253

ولما كان الذي مع الإنسان في الفراش الحور العين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ أي: أنشأناهن إنشاءً عجيباً غريباً بديعاً " (١). ٤ - مثال تطهير الثياب: قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٢). اختلف المفسرون في المراد بقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ فقال ابن سيرين وابن زيد بن أسلم والشافعي وجماعة: هو أمر بتطهير الثياب حقيقة، وذهب الشافعي وغيره من هذه الآية إلى وجوب غسل النجاسات من الثياب، وقال الجمهور: هذه الألفاظ استعارة في تنقية الأفعال والنفس والعرض، وهذا كما تقول فلان طاهر الثوب، ويقال للفاجر دنس الثوب. وقال ابن عباس ﵄ والضحاك وغيره، المعنى لا تلبسها على غدرة ولا فجور، وقال ابن عباس ﵄: المعنى لا تلبسها من مكسب خبيث، وقال النخعي: المعنى طهرها من الذنوب، وهذا كله معنى قريب بعضه من بعض (٣). ورجّح ابن عاشور كلا المعنيين الحقيقي والمجازي فقال: " وللتطهير إطلاق حقيقي وهو التنظيف , وإزالة النجاسات , وإطلاق مجازي , وهو التزكية , قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ

стр. 254

تَطْهِيرًا﴾ (١). والمعنيان صالحان في الآية فتحمل عليهما معاً , فتحصل أربعةُ معان لأنه مأمور بالطهارة الحقيقية لثيابه إبطالاً لما كان عليه أهل الجاهلية من عدم الاكتراث بذلك. وقد وردت أحاديث في ذلك يقوّي بعضها بعضاً وأقواها مَا رواه الترمذي «إِن الله نظيف يحب النظافة». وقال: هو غريب. والطهارة لجسده بالأولى , ومناسبة التطهير بهذا المعنى لأن يعطف على: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (٢) لأنه لما أمر بالصلاة أُمر بالتطهر لها؛ لأن الطهارة مشروعة للصلاة. وليس في القرآن ذكر طهارة الثوب إلاّ في هذه الآية في أحد محاملها وهو مأمور بتزكية نفسه. والمعنى المركب من الكنائي والمجازي هو الأعلق بإضافة النبوة عليه " (٣). ووافق قول ابن عاشور هذا كل من قول: القرطبي، وابن كثير، والشنقيطي حيث ذكروا عدة معان في الآية واحتملوا جميع تلك المعاني، قال القرطبي: " ليس بممتنع أن تحمل الآية على عموم المراد فيها بالحقيقة والمجاز " (٤). وذهب الطبري إلى المعنى الأول وهو غسل الثياب معللا ذلك بأنه أظهر

стр. 255

المعاني، وكذلك أبو حيان، والشوكاني، والقاسمي (١)، وذكر ابن عطية وكذلك الرازي كلا القولين وذكرا أن الجمهور ذكروا أن هذه الألفاظ استعارة في تنقية الأفعال، وكذلك مال الألوسي إلى المعنى المجازي (٢) ... . حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن المراد تطهير الثياب حقيقة بإزالة النجاسات: حجتهم في ذلك أنه من الأولى حمل الآية حلى حقيقتها، وظاهر اللفظ يدل على ذلك. قال الطبري: " وهذا القول الذي قاله ابن سيرين وابن زيد في ذلك أظهر معانيه، والذي قاله ابن عباس، وعكرمة وابن زكريا قول عليه أكثر السلف من أنه عُنِيَ به: جسمك فطهر من الذنوب، والله أعلم بمراده من ذلك " (٣). وقال أبو حيان: " ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ الظاهر أنه أمر بتطهير الثياب من النجاسات، لأن طهارة الثياب شرط في صحة الصلاة، ويقبح أن تكون ثياب المؤمن نجسة " " (٤). وقال الشوكاني: " وهذا القول أولى؛ لأنه المعنى الحقيقي , وليس في استعمال

стр. 256

الثياب مجاز عن غيرها لعلاقة مع قرينة ما يدلّ على أنه المراد عند الإطلاق، وليس في مثل هذا الأصل أعني الحمل على الحقيقة عند الإطلاق خلاف، وفي الآية دليل على وجوب طهارة الثياب في الصلاة " (١). واستصوب ابن الأثير في المثل السائر الوجه الأول , قال في الفصل الثالث من فصول مقدمته: " اعلم أن الأصل في المعنى أن يحمل على ظاهر لفظه، ومن يذهب إلى التأويل يفتقر إلى دليل كقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ فالظاهر من لفظ الثياب هو مايلبس ومن تأول ذهب إلى أن المراد هو القلب، لا الملبوس ,وهذا لا بد له من دليل، لأنه عدول عن ظاهر اللفظ " (٢). حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن المراد بتطهير الثياب تزكية النفس وتنقية العمل: استدلوا على ذلك بما رواه عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: أتاه رجل وهو جالس فقال: أرأيت قول الله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: لا تلبسها على معصية ولا على غدرة، ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفيّ: وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ... لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ (٣). وقال القرطبي في تفسيره: " والعرب تكني عن النفس بالثياب، قاله ابن عباس.

стр. 257

ومنه قول عنترة: فشككت بالرمح الطويل ثيابه * ليس الكريم على القنا بمحرم وقال امرؤ القيس: ... * فسلي ثيابي من ثيابك تنسل * وقال: ... ثياب بني عوف طهارى نقية * ... وأوجههم بيض المسافر غران أي أنفس بني عوف" (١). وقال الألوسي: " وكلمات جمهور السلف دائرة على نحو هذا المعنى في هذه الآية الكريمة. وهي كلمة عربية كانت العرب إذا نكث الرجل ولم يف بعهد قالوا إن فلاناً لدنس الثياب وإذا وفى وأصلح قالوا إن فلاناً لطاهر الثياب " (٢). القول الراجح: الذي يظهر لي والله أعلم أن المراد بالآية تطهير الثياب من النجاسات حقيقة، ومما يرجح هذا القول القاعدة الترجيحية: (القول الذي يدل عليه السياق أولى من غيره، مالم توجد حجة يجب إعمالها) , وفي الآية ما يدل على ذلك فقوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ قرينة تدل على أن المراد تطهير الثياب لأنه شرط في صحة الصلاة. وقد أشار الشنقيطي إلى ذلك (٣). كما يقوي هذا القول القاعدة الترجيحية (الأصل إطلاق اللفظ على ظاهره مالم يرد دليل يصرفه عن ظاهره) وظاهر اللفظ يدل على أن المقصود

стр. 258

بالثياب الثياب الحقيقية. قال ابن العربي: " وإذا حملناها على الثياب المعلومة (الظاهرة) فهي تتناول معنيين: أحدها: تقصير الأذيال، فإنها إذا أرسلت تدنّست؛ ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁ لغلام من الأنصار وقد رأى ذيله مسترخياً: يا غلام، ارفع إزارك، فإنه أتقى وأنقى، وأبقى .. والمعنى الثاني: غسلها من النجاسة؛ وهو ظاهر منها صحيح فيها " (١). ٥ - مثال الشرح: قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (٢). اختلف المفسرون في معنى الشرح فقيل: هو شق الصدر وإخراج ما فيه من الغل والحسد، وقيل: هو الإنعام عليه بالإيمان ومعرفة الحق والحكمة. وقد ذكر ابن عاشور هذه الأقوال فقال: " وشرح صدره كناية عن الإِنعام عليه بكل ما تطمح إليه نفسه الزكية من الكمالات، وإعلامه برضى الله، عنه وبشارته بما سيحصل للدّين الذّي جاء به من النصر. وعلى هذا الوجه حمله كثير من المفسرين ونسبه ابن عطية إلى الجمهور. ويجوز أن يجعل الشرح شرحاً بدنياً. وروي عن ابن عباس أنه فسر به وهو ظاهر صنيع الترمذي إذ أخرج حديث شقِّ الصدر الشريف في تفسير هذه

стр. 259

السورة فتكون الآية إشارة إلى مرويات في شَق صدره ﷺ شقّاً قُدُسياً، وهو المروي بعض خبره في «الصحيحين»، والمروي مطولاً في السيرة والمسانيد ... إلى أن قال وكلا المعنيين للشرح يفيد أنه إيقاع معنى عظيم لنفس النبي ﷺ " (١). ومما تقدم يظهر لنا مدى اهتمام ابن عاشور بإيفاء معاني الآيات حقها فهو لا يغفل معناها المجازي والحقيقي إن كانت الآية تحتمله. وقد ذكر هذين المعنيين كل من الرازي، والقرطبي، والألوسي ولم يرجحوا بينهما وكذلك أبو حيان وابن كثير، والشنقيطي وقالوا بأن الأولى العموم لهذا المعنى وغيره - يعني الحقيقي والمجازي (٢) أما الطبري، والشوكاني، والقاسمي فقد رجّحوا في هذه الآية المعنى المجازي لها ولم يذكرا غيره، وكذلك ابن عطية ذهب إليه وذكر أنه قول الجمهور، كما أنه ساق المعنى الآخر للشرح ونسبه إلى ابن عباس وجماعة (٣). حجة القائلين بأن المراد بالشرح المعنى المجازي للآية: استدلوا على ذلك بشهادة القرآن لهذا المعنى كما في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ

стр. 260

شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ (١)، فقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ بيان لشرح الصدر للإسلام. كما أن ضيق الصدر دليل على الضلال، كما في نفس الآية: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (٢) الآية (٣). وقال النسفي: " ألم نشرح لك صدرك استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الانكار فأفاد إثبات الشرح فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك؛ ولذا عطف عليه وضعنا اعتبار للمعنى أى فسحناه بما أودعناه من العلوم والحكم حتى وسع هموم النبوة ودعوة الثقلين وأزلنا عنه الضيق والحرج الذى يكون مع العمى والجهل وعن الحسن ملئ حكمة وعلما ". (٤) قال الشوكاني: " معنى شرح الصدر فتحه بإذهاب ما يصد عن الإدراك، والاستفهام إذا دخل على النفي قررّه، فصار المعنى: قد شرحنا لك صدرك، وإنما خصّ الصدر لأنه محل أحوال النفس من العلوم والإدراكات، والمراد الامتنان عليه ﵌ بفتح صدره وتوسيعه حتى قام بما قال به من الدعوة، وقدرعلى ما قدر عليه من حمل أعباء النبوة وحفظ الوحي، وقد مضى

стр. 261

القول في هذا عند تفسير قوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ " (١). حجة القائلين: إن المراد بالشرح المعنى الحقيقي للآية وهو شق الصدر: استدلوا على ذلك بما جاء في السنة من حديث أنس بن مالك وغيره أن النبي ﷺ قال: " بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلا يقول أحد الثلاثة بين الرجلين فأتيت فانطلق بي فأتيت بطست من ذهب فيها من ماء زمزم فشرح صدري إلى كذا وكذا قال قتادة فقلت للذي معي ما يعني قال إلى أسفل بطنه فاستخرج قلبي فغسل بماء زمزم ثم أعيد مكانه ثم حشي إيمانا وحكمة ... " (٢). القول الراجح: إن الآية تحتمل المعنيين كما ذكر ابن عاشور وغيره من المفسرين , وقد تقدم ذكرهم، وذلك عملا بالقاعدة الترجيحية: (الأولى إعمال اللفظ بكلا معنييه الحقيقي والمجازي) ولأنه لا منافاة بين الشرح الحقيقي والمجازي، بل إن الشرح المجازي أو المعنوي مترتب على ما فعل بصدره ﷺ ليلة الإسراء. قال أبو حيان: " والأولى العموم لهذا ولغيره من مقاساة الدعاء إلى الله وحده

стр. 262

واحتمال المكاره من إذاية الكفار " (١). وقال ابن كثير: " يعني: أما شرحنا لك صدرك، أي: نورناه وجعلناه فَسيحًا رحيبًا واسعًا كقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ (٢)، وكما شرح الله صدره كذلك جعل شَرْعه فسيحا واسعًا سمحًا سهلا لا حرج فيه ولا إصر ولا ضيق. وقيل: المراد بقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ شرح صدره ليلة الإسراء، ولا منافاة، فإن من جملة شرح صدره الذي فُعِل بصدره ليلة الإسراء، وما نشأ عنه من الشرح المعنوي أيضًا، والله أعلم" (٣). وقال السيد طنطاوي في "الوسيط": " وأصل الشرح: البسط للشئ وتوسعته، يقال: شرح فلان الشئ، إذا وسعه، ومنه شرح فلان الكتاب، إذا وضحه، وأزال مجمله، وبسط ما فيه من غموض. والمراد بشرح الصدر هنا: توسعته وفتحه، لقبول كل ما هو من الفضائل والكمالات النفسية. وإذهاب كل ما يصد عن الإِدراك السليم وعن الحق الخير والهدى. وهذا الشرح، يشمل الشق البدنى لصدره ﷺ كما يشمل الشرح المعنوى

стр. 263

لصدره ﷺ عن طريق إيداعه الإِيمان والهدى والعلم والفضائل" (١). ومما يقوي هذا الترجيح ويؤيده قاعدة: (إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له). وقد تواترت أحاديث شق صدر الرسول ﷺ ، وقد تقدم حديث مسلم في ذلك. ومنه أيضاً ما رواه عبد الله بن أحمد قال: ": حدثني محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البزاز حدثنا يونس بن محمد، حدثنا معاذ بن محمد بن معاذ بن محمد بن أبي بن كعب، حدثني أبي محمد بن معاذ، عن معاذ، عن محمد، عن أبي بن كعب: أن أبا هريرة ﵁ كان جريًّا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره، فقال: يا رسول الله، ما أولُ ما رأيت من أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله ﷺ جالسا وقال: " لقد سألتَ يا أبا هريرة، إني لفي الصحراء ابنُ عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسي، وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟ قال: نعم فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط. فأقبلا إلي يمشيان، حتى أخذ كل واحد منهما بعَضُدي، لا أجد لأحدهما مسا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه. فأضجعاني بلا قَصْر ولا هَصْر. فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره. فهوى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغِلّ والحَسَد. فأخرج شيئًا كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها، فقال له: أدخل الرأفة والرحمة، فإذا مثل الذي

стр. 264

أخرج شبهُ الفضة، ثم هز إبهام رجلي اليمنى فقال: " اغد واسلم. فرجعت بها أعدو رقة على الصغير ورحمة للكبير " (١).

стр. 265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 266

المبحث الرابع يقدم المجاز على الحقيقة إذا وجدت القرينة صورة القاعدة: إن الأصل أن يحمل اللفظ على الحقيقة، ولكن إذا منع مانع أو وجدت قرينة تصرفه عن الحقيقة، فلا مانع من حمله على المجاز، وتفسيره بذلك (١). شرح مفردات القاعدة: القرينة لغة: فعيلة بمعنى مفعولة من الاقتران، وقارن الشيء الشيء صاحبه، والقرين المصاحب، ومنه يقال للزوجة: فلانة قرينة فلان (٢). اصطلاحاً: لم أقف على تعريف للقرينة في الاصطلاح عند العلماء، والسبب في ذلك أن القرينة تختلف باختلاف الموضوع الذي تلازمه ولذلك يمكنني تعريف القرينة هنا فيما يتعلق بهذا المبحث بأنها: هي الصارف عن الحقيقة إلى المجاز. وبالنظر إلى تفسير ابن عاشور فإننا نجده يقر ما ذكره العلماء من وجوب حمل اللفظ على حقيقته إلا إذا وجد صارف يصرفه عن المعنى الحقيقي، ويضيف بأن المعنى المجازي أحياناً قد يكون أرجح من الحقيقي؛ لكونه أسبق إلى الفهم من معناه الحقيقي ومن قوله في ذلك: " وليس سبق إطلاق اللفظ على أحد

стр. 267

المعنيين بمقتضٍ ترجيح ذلك المعنى فكم من إطلاق مجازي للفظ هو أسبق إلى الأفهام من إطلاقه الحقيقي. وليس قولهم في علم الأصول بأن الحقيقة أرجح من المجاز بمقبول على عمومه " (١). أقوال العلماء في هذه القاعدة: قال الشيخ عبد القاهرالجرجاني في "دلائل الإعجاز" في آخر فصل "المجاز الحكمي": " ومن عادة قوم ممن يتعاطى التفسير بغير علم أن يتوهموا أبداً في الألفاظ الموضوعة على المجاز والتمثيل أنها على ظواهرها " أي على الحقيقة " فيفسدوا المعنى بذلك ويبطلوا الغرض ويمنعوا أنفسهم والسامع منهم العلم بموضع البلاغة وبمكان الشرف وناهيك بهم إذا أخذوا في ذكر الوجوه وجعلوا يكثرون في غير طائل هنالك ترى ما شئت من باب جهل قد فتحوه وزند ضلالة قد قدحوا به " (٢). وقال أبو حيان: "لا يحمل على المجاز ما أمكنت الحقيقة إلا أن يكون ثمّ قرينة مرجحةً المجاز على الحقيقة " (٣). وأكد السرخسي في أصوله على ذلك بقوله: "ولكنا نقول المراد بمطلق الكلام ما هو الحقيقة فيه، والحقيقة ما كانت الصيغة موضوعة له لغة، وهذه

стр. 268

الصيغة موضوعة لمقصود العموم فكانت حقيقة فيها، وحقيقة الشيء ثابت بثبوته قطعا ما لم يقم الدليل على مجازه كما في لفظ الخاص فإن ما هو حقيقة فيه يكون ثابتا به قطعا حتى يقوم الدليل على صرفه إلى المجاز" (١). وقال الجصاص: "وحكم اللفظ أن يحمل على حقيقته حتى تقوم الدلالة على جواز صرفه إلى المجاز " (٢). ويقول الرازي في تفسيره أيضاً: " إن الأصل في الكلام حمله على الحقيقة، وأنه إنما يعدل عن الحقيقة إلى المجاز عند قيام الدلالة على أن حمله على حقيقته ممتنع، فحينئذ يجب حمله على المجاز " (٣). أمثلة تطبيقية على القاعدة: ١ - مثال الختم: قال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٤). اختلف المفسرون في المراد بالختم في هذه الآية: فمنهم من ذهب إلى أن الختم حقيقي، ومنهم من ذهب إلى أن الختم مجازي. ورجّح ابن عاشور أن المراد بالختم في هذه الآية المعنى المجازي، وهذا

стр. 269

قوله: " وليس الختم على القلوب والأسماع ولا الغشاوة على الأبصار هنا حقيقة كما توهمه بعض المفسرين فيما نقله ابن عطية بل ذلك جار على طريقة المجاز بأن جعل قلوبهم أي عقولهم في عدم نفوذ الإيمان والحق والإرشاد إليها، وجعل أسماعهم في استكاكها عن سماع الآيات والنذر، وجعل أعينهم في عدم الانتفاع بما ترى من المعجزات والدلائل الكونية، كأنها مختوم عليها ومغشًّى دونها إما على طريقة الاستعارة بتشبيه عدم حصُول النفع المقصود منها بالختم والغشاوة ثم إطلاق لفظ خَتَم على وجه التبعية ولفظ الغشاوة على وجه الأصلية وكلتاهما استعارة تحقيقيه إلا أن المشبه محقق عقلاً وحساً, ولك أن تجعل الختم والغشاوة تمثيلاً بتشبيه هيئة وهمية متخيلة في قلوبهم أي إدراكهم من التصميم على الكفر وإمساكهم عن التأمل في الأدلة " (١). وقد ذهب إلى هذا القول كل من ابن عطية، والرازي، والشوكاني، والألوسي (٢)، في حين رجح الطبري، وابن كثير، والقاسمي، والشنقيطي أن الختم حقيقي كما أخبر رسول الله ﷺ (٣). في حين جوّز القرطبي وأبو حيان كلا المعنيين (٤).

стр. 270

حجة القائلين بأن الختم حقيقي: استدلوا بما رواه أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : إنّ المؤمنَ إذا أذنب ذنبًا كانت نُكْتهٌ سوداءُ في قلبه، فإن تاب وَنزع واستغفر، صَقَلت قلبه، فإن زاد زادت حتى تُغْلق قلبه، فذلك"الرَّانُ" الذي قال الله جل ثناؤه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١) (٢). قال مجاهد: " كانوا يُرَوْنَ أنّ القلبَ في مثل هذا - يعني الكفَّ - فإذا أذنبَ العبد ذنبًا ضُمّ منه - وقال بإصبعِه الخنصر هكذا - فإذا أذنب ضُمَّ - وقال بإصبع أخرى - فإذا أذنب ضُمَّ - وقال بإصبع أخرى هكذا، حتى ضم أصابعَه كلَّها، قال: ثم يُطبع عليه بطابَعٍ. قال مجاهد: وكانوا يرون أن ذلك الرين " (٣). وقال الطبري: " إنّ الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلفتها أتاها حينئذ الخَتْم من قبل الله والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مَسْلك، ولا للكفر منها مَخْلَص، فذلك هو الطَّبع. والختم الذي ذكره الله ﵎ في قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف، التي لا يوصَل إلى ما فيها إلا بفضِّ ذلك عنها ثم حلّها. فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وَصَف الله أنه ختم على

стр. 271

قلوبهم، إلا بعد فضِّه خَاتمَه وحلِّه رباطَه عنها " (١). حجة القائلين بأن الختم مجازي، كناية عن إعراضهم وتكبرهم: قال البيضاوي: " ولا تغشية على الحقيقة ,وإنما المراد بهما أن يحدث في نفوسهم هيئة تمرنهم على استحباب الكفر والمعاصي واستقباح الإيمان والطاعات , بسبب غيهم وانهماكهم في التقليد وإعراضهم عن النظر الصحيح , فتجعل قلوبهم بحيث لا ينفذ فيها وأسماعهم تعاف استماعه , فتصير كأنها مستوثق منها بالختم وأبصارهم لا تجتلي الآيات المنصوبة لهم في الأنفس والآفاق كما تجتليها أعين المستبصرين , فتصير كأنها غطي عليها وحيل بينها وبين الإبصار , وسماه على الاستعارة ختما وتغشية أو مثل قلوبهم ومشاعرهم المؤوفة بها بأشياء ضرب حجاب بينها وبين الاستنفاع بها ختما وتغطية وقد عبر عن إحداث هذه الهيئة بالطبع في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ (٢) وبالإغفال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ " (٣) (٤). وقال القاسمي: إن المعتزلة سلكوا في هذه الآية مسلك التاويل، وذكروا في ذلك عدّة أقاويل " (٥):

стр. 272

منها: أن القوم لما أعرضوا عن الحق، وتمكن ذلك في قلوبهم، حتى صار كالطبيعة لهم، شبه بالوصف الخلقي المجبول عليه. ومنها: أن المراد به تمثيل قلوبهم بقلوب البهائم التي خلقها الله تعالى خالية عن الفطن، أو بقلوب قدّر ختم الله تعالى عليها. ومنها: أن أعراقهم لما رسخت في الكفر، واستحكمت بحيث لم يبق إلى تحصيل إيمانهم طريق سوى الإلجاء والقسر؛ ثم لم يفعل ذلك محافظة على حكمة التكليف، عبر عن ذلك بالختم، لأنه سدّ لطريق إيمانهم بالكلية، وفيه إشعار بترامي أمرهم في الغي والعناد. ومنها: أن ذلك في الآخرة، وإنما أخبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه، ويعضده قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ (١). القول الراجح: الذي يظهر لي والله أعلم أن كلا المعنيين جائز فقد يكون هذا الختم حقيقي محسوس كالختم على الوعاء فلا يبصر حقاً ولا يرى باطلا كما ذكر الطبري وغيره من المفسرين ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ (٢)، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ

стр. 273

مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١)، وقد يكون مجازياً كما ذكر ابن عاشور. قال القرطبي: " والختم مصدر ختمت الشئ ختما فهو مختوم ومختم، شدد للمبالغة، ومعناه التغطية على الشئ والاستيثاق منه حتى لا يدخله شئ، ومنه: ختم الكتاب والباب وما يشبه ذلك، حتى لا يوصل إلى ما فيه، ولا يوضع فيه غير ما فيه ... إلى أن قال: " والختم يكون محسوسا ومعنىً " (٢). قال أبو حيان: " ونسبة الختم إلى الله تعالى بأي معنى فسر إسناد صحيح، إذ هو إسناد إلى الفاعل الحقيقي إذ الله تعالى خالق كل شيء " (٣). ويؤيد هذا القول ويدعمه القاعدة الترجيحية التالية: (الأولى إعمال اللفظ بكلا معنييه الحقيقي والمجازي متى أمكن) وحيث لا يوجد مانع من الأخذ بكلا المعنيين في هذه الآية فإنه تعيّن الأخذ بهما. أما من جعل معنى الختم مجازيا - كما ذكر ابن عاشور - فإن ذلك لا دليل عليه , والقاعدة الترجيحية المعتمدة في ذلك أنه يقدم المجاز على الحقيقة إذا وجدت القرينة، وبما أنه لا قرينة هنا، فإنه لا وجه لقصر معنى الختم على المعنى المجازي.

стр. 274

٢ - مثال مرض القلوب: قال الله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (١). اتفق المفسرون جميعا في هذه الآية على أن المراد بالمرض المعنى المجازي للآية (٢) ,والمنقول عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة وسائر السلف الصالح حمل المرض في الآية على المعنى المجازي (٣) , وهو الذي رجّحه ابن عاشور في تفسيره، وذكر قرينة تدل على ذلك حيث يقول: " والمراد بالمرض في هاته الآية هو معناه المجازي لا محالة لأنه هو الذي اتصف به المنافقون وهو المقصود من مذمتهم وبيان منشأ مساوي أعمالهم " (٤). قال ابن فارس: " المرض كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة أو نفاق أو تقصير في أمر " (٥).

стр. 275

قال الطبري: " فالمرض الذي أخبرَ الله جل ثناؤه عنهم أنَّه زادهم على مرضهم، نظيرُ ما كان في قلوبهم من الشَّكِّ والحيْرة قبل الزيادة، فزادهم الله بما أحدث من حدوده وفرائضِه - التي لم يكن فرضَها قبلَ الزيادة التي زادها المنافقين - من الشك والحيرة، إذْ شكُّوا وارتَابوا في الذي أحدَث لهم من ذلك إلى المرض والشك الذي كان في قلوبهم في السَّالف، من حدوده وفرائضه التي كان فَرَضها قبل ذلك " (١). وقال القرطبي: " والمرض عبارة مستعارة للفساد الذي في عقائدهم. وذلك إما أن يكون شكا ونفاقا، وإما جحدا وتكذيبا, والمعنى: قلوبهم مرضى لخلوها عن العصمة والتوفيق والرعاية والتأييد " (٢). وذكر العلماء قرينة تدل على المجاز ومن ذلك قول أبي حيان: " وحمله على المجاز أولى لأن قلوبهم لو كان فيها مرض لكانت أجسامهم مريضة بمرضها، أو كان الحمام عاجلهم، قال: بعض المفسرين يشهد لهذا الحديث النبوي والقانون الطبي، أما الحديث، فقوله ﷺ : «إن في جسد ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح الجسد جميعه، وإذا فسدت فسد الجسد جميعه، ألا وهي القلب» (٣). وأما القانون الطبي فإن الحكماء وصفو القلب على ما اقتضاه علم التشريح،

стр. 276

ثم قالوا: إذا حصلت فيه مادة غليظة، فإن تملكت منه ومن غلافه أو من أحدهما فلا يبقى مع ذلك حياة وعاجلت المنية صاحبه، وربما تأخرت تأخيراً يسيراً، وإن لم تتمكن منه المادة المنصبة إليه ولا من غلافه، أخرت الحياة مدة يسيرة؟ وقالوا: لا سبيل إلى بقاء الحياة مع مرض القلب، وعلى هذا الذي تقرر لا تكون قلوبهم مريضة حقيقة " (١). القول الراجح: إن المراد بالمرض في هذه الآية المعنى المجازي كما قرّر ذلك ابن عاشور، ومن سبقه من المفسرين، ومما يؤكد هذا الصورة القاعدة الترجيحية والتي نصّ عليها ابن عاشور، وهي أن (إعمال الأغلب في القرآن وتقديم المفهوم الجاري في استعماله أولى) وفي ذلك يقول: " وإطلاق المرض على هذا شائع مشهور في كلام العرب " (٢). ٣ - مثال السبب: قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ (٣). السبب في الحقيقة هو الحبل، قال ابن فارس السبب: الحبل (٤)، ولكن اتفق المفسرون في هذه الآية على أن المراد بالسبب في هذه الآية المعنى المجازي , أي:

стр. 277

كل شيء يتوصل به غيره كالطريق وسيأتي بيان بعض أقوالهم (١). قال أبو عبيدة: " ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أي طريقاً وأثراً ومنهجاً (٢). قال ابن عطية: " السبب في هذه الآية، الطريقة المسلوكة؛ لأنها سبب الوصول إلى المقصد " (٣). وقال الرازي: "السبب في أصل اللغة عبارة عن الحبل ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى المقصود , وهو يتناول العلم والقدرة والآلة فقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ (٤) معناه: أعطيناه من كل شيء من الأمور التي يتوصل بها إلى تحصيل ذلك الشيء " (٥). وقال ابن كثير: " أي فسلك طريقاً حتى وصل إلى أقصى ما يسلك فيه من الأرض من ناحية المغرب، وهو مغرب الأرض " (٦).

стр. 278

وكذلك يرى ابن عاشور في هذه الآية المراد بالسبب المعنى المجازي وذلك بناءً على قرينة ترجح ذلك وهذا قوله: " والسبب حقيقته الحبل، وأطلق هنا على ما يتوسل به إلى الشيء من علم أو مقدرة أو آلات التسخير على وجه الاستعارة , كقوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ (١). وكُلّ شَيْءٍ مستعمل هنا في الأشياء الكثيرة كما تقدم في نظائره غير مرة منها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى﴾ (٢) أي آتيناه وسائل أشياء عظيمة كثيرة. والمراد هنا معنى مجازي وهو الطريق، لأن الطريق وسيلة إلى المكان المقصود " (٣). ثم ذكر ابن عاشور القرينة التي تدل أنه مجازي فقال: " وقرينة المجاز ذكر الإتباع والبلوغ في قوله: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ (٤). والدليل على إرادة غير معنى السبب في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ اسم السبب دون إضماره، لأنه لما أريد به معنى غير ما أُريد بالأول حسن إظهار اسمه تنبيهاً على اختلاف المعنيين، أي فاتبع طريقاً للسير

стр. 279

وكان سيره للغزو، كما دلّ عليه قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ (١). ومما يؤيد هذا المعنى ويرجحه قاعدة: (القول الذي تؤيده الآيات القرآنية مقدم على غيره). قال أبو عبيدة: اتبع بالصول في السير، وأتبع بالقطع. معناه: اللحاق كقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ (٢)، وقال يونس: اتبع بالقطع للجد الحثيث في الطلب وبالوصل مجرد الانتقال. والفاء في قوله: " فأتبع" فاء الفصيحة: أي فأراد بلوغ المغرب فأتبع سبباً يوصله، لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أي: أقصى ما يسلك من الأرض من ناحية المغرب (٣). ٤ - مثال يمين الله ﵎: قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤). اختلف المفسرون في المراد من قوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ فمنهم من قال أن المراد بيمينه قوته وقدرته، ومنهم من أثبتها لله تعالى من غير

стр. 280

تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل. ورجّح ابن عاشور أن المراد بيمينه قدرته وهذا قوله: " واليمين: وصف لليد ولا يدَ هنا وإنما هي كناية عن القدرة لأن العمل يكون باليد اليمين قال الشاعر أنشده الفرّاء والمبرد، قال القرطبي: ولما رأيتُ الشمس أشرقَ نورها ... ناولتُ منها حَاجتي بيمين أي بقدرة. وضمير (منها) يعود على مذكور في أبيات قبله، والمقصود من هاتين الجملتين تمثيل عظمة الله تعالى بحال من أخذ الأرض في قَبضته ومن كانت السماوات مطويةً أفلاكها وآفاقها بيده تشبيه المعقول بالمتخيَّل وهي تمثيلية تنحل أجزاؤها إلى استعارتين، وفيها دلالة على أن الأرض والسماوات باقية غير مضمحلة ولكن نظامهما المعهود اعتراه تعطيل" (١). وإلى مثل ذلك ذهب ابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان (٢). في حين أثبت كلٌ من الطبري، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي القبضة واليمين لله كما أثبتها الله لنفسه من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل (٣). أما القاسمي فقد ذكر أن في الآية مذهبين: مذهب السلف وهو إثبات ذلك

стр. 281

من غير تكييف ثم ذكر القول الآخر وهو قول المؤولة , ولم يعلق (١). حجة القائلين: إن المراد بـ ﴿بِيَمِينِهِ﴾ المعنى المجازي أي قدرته وقوته: قال ابن عطية: "وعلى كل وجه، فا «اليمين» هنا و «القبضة» وكل ما ورد: عبارة عن القدرة والقوة، وما اختلج في الصدور من غير ذلك باطل، وما ذهب إليه القاضي من أنها صفات زائدة على صفات الذات قول ضعيف، ويحسب ما يختلج في النفوس التي لم يحضنها العلم " (٢). وقال الرازي: " لا شك أن لفظ القبضة واليمين مشعر بهذه الأعضاء والجوارح، إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع ثبوت الأعضاء والجوارح لله تعالى، فوجب حمل هذه الأعضاء على وجوه المجاز، فنقول إنه يقال فلان في قبضة فلان إذا كان تحت تدبيره وتسخيره قال تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٣). والمراد منه كونه مملوكاً له، ويقال هذه الدار في يد فلان، وفلان صاحب اليد، والمراد من الكل القدرة، والفقهاء يقولون في الشروط وقبض فلان كذا وصار في قبضته، ولا يريدون إلا خلوص ملكه، وإذا ثبت تعذر حمل هذه الألفاظ على حقائقها وجب حملها على مجازاتها صوناً لهذه النصوص عن

стр. 282

التعطيل، فهذا هو الكلام الحقيقي في هذا الباب" (١) حجة القائلين: إن المراد بـ ﴿بِيَمِينِهِ﴾ المعنى الحقيقي لها: استدلوا بالأحاديث الدالة على هذا المعنى ومنها ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «يَقْبِضُ اللهُ الأرض يومَ القيامة ويَطْوي السماءَ بيمينه، ثم يقول: أنا الملِك، أين ملوكُ الأرض؟ » (٢) وأخرج مسلم من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «يَطْوي الله السموات يومَ القيامة، ثم يأخذُهُنَّ بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملِك، أين الجبّارون، أين المتكبِّرون؟ » (٣). القول الراجح: القول الراجح في المسألة هو مذهب السلف الصالح ومما يؤيد هذا القول ويقويه القاعدة الترجيحة: (إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له)، وقد جاءت الأحاديث في ذلك منها: ما رواه البخاري ومسلم وغيرهم عن ابن مسعود ﵁ قال: " جاء حبر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! إن الله يضع السماء على إصبع , والأرض على إصبع , والجبال على إصبع , والشجر والأنهار على إصبع , وسائر الخلق على

стр. 283

إصبع , ثم يقول بيده: أنا الملك فضحك رسول الله وقال: وما قدروا الله حق قدره " (١). وأخرج أحمد والترمذي عن ابن عباس ﵁ قال: مرّ يهودي على رسول الله ﷺ وهو جالس قال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه وأشار بالسبابة، والأرضين على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه، كل ذلك يشير بأصابعه فأنزل الله تعالى: " ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ " (٢). وروي أيضاً عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة .. " (٣). قال الألوسي: " والسلف يقولون أيضاً: إن الكلام تنبيه على مزيد جلالته

стр. 284

تعالى وعظمته سبحانه ورمز إلى أن آلهتهم أرضية أم سماوية مقهورة تحت سلطانه إلا أنهم لا يقولون: إن القبضة مجاز عن الملك أو التصرف ولا اليمين مجاز عن القدرة بل ينزهون الله تعالى عن الأعضاء والجوارح ويؤمنون بما نسبه إلى ذاته بالمعنى الذي أراده سبحانه وكذا يفعلون في الأخبار الواردة في هذا المقام .. والمتأولون يتأولون الأصابع على الاقتدار وعدم الكلفة كما في قول القائل: أقتل زيداً بأصبعي، ويبعد ذلك ظاهر ما أخرجه أحمد - وقد تقدم - " (١). ٥ - مثال معنى منفكين: قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾ (٢). هذه الآيات أشكلت على كثير من العلماء، وحصل في كلام كثير منهم اضطراب، حيث اختلف المفسرون في معنى منفكين اختلافاً كثيراً، حتى قال الواحدي في كتاب البسيط ما نصه: " هذه الآية من أصعب ما في القرآن العظيم نظماً وتفسيراً، حيث اختلف في منفكين اختلافاً كثيراً عند جميع المفسرين

стр. 285

وتخبط فيها الكبار من العلماء " (١). وذكر ابن عاشور وجه الإشكال الوارد في الآية نقلاً عن الفخر الرازي فقال: "قال الفخر: " وجه الإشكال أن تقدير الآية: لم يكن الذين كفروا منفكين، عن كفرهم حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول، ثم إن كلمة حتى لانتهاء الغاية فهذه الآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ وهذا يقتضي أن كفرهم قد ازداد عند مجيء الرسول ﵇، فحينئذ يحصل بين الآية الأولى والآية الثانية مناقضة في الظاهر" (٢). إلى أن قال ابن عاشور: " ومما لم يذكره الفخر من وجه الإِشكال: أن المشاهدة دلت على أن الذين كفروا لم ينفكوا عن الكفر في زمن مَّا، وأن نصب المضارع بعد (حتى) ينادي على أنه منصوب ب (أنْ) مضمرة بعد (حتى) فيقتضي أنّ إتيان البينة مستقبل وذلك لا يستقيم فإن البينة فسرت بـ (رسول من اللَّه) وإتيان الرسول وقع قبل نزول هذه الآيات بسنين, وهم مستمرون على ما هم عليه: هؤلاء على كفرهم، وهؤلاء على شركهم (٣). ولهذا السبب تعددت أقوال المفسرين في هذه الآية حتى بلغت بضعة عشر
следующие страницы →