من غير تكييف ثم ذكر القول الآخر وهو قول المؤولة , ولم يعلق (١).
حجة القائلين: إن المراد بـ ﴿بِيَمِينِهِ﴾ المعنى المجازي أي قدرته وقوته:
قال ابن عطية: "وعلى كل وجه، فا «اليمين» هنا و «القبضة» وكل ما ورد: عبارة عن القدرة والقوة، وما اختلج في الصدور من غير ذلك باطل، وما ذهب إليه القاضي من أنها صفات زائدة على صفات الذات قول ضعيف، ويحسب ما يختلج في النفوس التي لم يحضنها العلم " (٢).
وقال الرازي: " لا شك أن لفظ القبضة واليمين مشعر بهذه الأعضاء والجوارح، إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع ثبوت الأعضاء والجوارح لله تعالى، فوجب حمل هذه الأعضاء على وجوه المجاز، فنقول إنه يقال فلان في قبضة فلان إذا كان تحت تدبيره وتسخيره قال تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٣).
والمراد منه كونه مملوكاً له، ويقال هذه الدار في يد فلان، وفلان صاحب اليد، والمراد من الكل القدرة، والفقهاء يقولون في الشروط وقبض فلان كذا وصار في قبضته، ولا يريدون إلا خلوص ملكه، وإذا ثبت تعذر حمل هذه الألفاظ على حقائقها وجب حملها على مجازاتها صوناً لهذه النصوص عن
стр. 282
التعطيل، فهذا هو الكلام الحقيقي في هذا الباب" (١)
حجة القائلين: إن المراد بـ ﴿بِيَمِينِهِ﴾ المعنى الحقيقي لها:
استدلوا بالأحاديث الدالة على هذا المعنى ومنها ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «يَقْبِضُ اللهُ الأرض يومَ القيامة ويَطْوي السماءَ بيمينه، ثم يقول: أنا الملِك، أين ملوكُ الأرض؟ » (٢) وأخرج مسلم من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «يَطْوي الله السموات يومَ القيامة، ثم يأخذُهُنَّ بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملِك، أين الجبّارون، أين المتكبِّرون؟ » (٣).
القول الراجح:
القول الراجح في المسألة هو مذهب السلف الصالح
ومما يؤيد هذا القول ويقويه القاعدة الترجيحة: (إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له)، وقد جاءت الأحاديث في ذلك منها:
ما رواه البخاري ومسلم وغيرهم عن ابن مسعود ﵁ قال: " جاء حبر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! إن الله يضع السماء على إصبع , والأرض على إصبع , والجبال على إصبع , والشجر والأنهار على إصبع , وسائر الخلق على
стр. 283
إصبع , ثم يقول بيده: أنا الملك فضحك رسول الله وقال: وما قدروا الله حق قدره " (١).
وأخرج أحمد والترمذي عن ابن عباس ﵁ قال: مرّ يهودي على رسول الله ﷺ وهو جالس قال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه وأشار بالسبابة، والأرضين على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه، كل ذلك يشير بأصابعه فأنزل الله تعالى: " ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ " (٢).
وروي أيضاً عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: " تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة .. " (٣).
قال الألوسي: " والسلف يقولون أيضاً: إن الكلام تنبيه على مزيد جلالته
стр. 284
تعالى وعظمته سبحانه ورمز إلى أن آلهتهم أرضية أم سماوية مقهورة تحت سلطانه إلا أنهم لا يقولون: إن القبضة مجاز عن الملك أو التصرف ولا اليمين مجاز عن القدرة بل ينزهون الله تعالى عن الأعضاء والجوارح ويؤمنون بما نسبه إلى ذاته بالمعنى الذي أراده سبحانه وكذا يفعلون في الأخبار الواردة في هذا المقام .. والمتأولون يتأولون الأصابع على الاقتدار وعدم الكلفة كما في قول القائل: أقتل زيداً بأصبعي، ويبعد ذلك ظاهر ما أخرجه أحمد - وقد تقدم - " (١).
٥ - مثال معنى منفكين:
قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾ (٢).
هذه الآيات أشكلت على كثير من العلماء، وحصل في كلام كثير منهم اضطراب،
حيث اختلف المفسرون في معنى منفكين اختلافاً كثيراً، حتى قال الواحدي في كتاب البسيط ما نصه: " هذه الآية من أصعب ما في القرآن العظيم نظماً وتفسيراً، حيث اختلف في منفكين اختلافاً كثيراً عند جميع المفسرين
стр. 285
وتخبط فيها الكبار من العلماء " (١).
وذكر ابن عاشور وجه الإشكال الوارد في الآية نقلاً عن الفخر الرازي فقال: "قال الفخر: " وجه الإشكال أن تقدير الآية: لم يكن الذين كفروا منفكين، عن كفرهم حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول، ثم إن كلمة حتى لانتهاء الغاية فهذه الآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ وهذا يقتضي أن كفرهم قد ازداد عند مجيء الرسول ﵇، فحينئذ يحصل بين الآية الأولى والآية الثانية مناقضة في الظاهر" (٢).
إلى أن قال ابن عاشور: " ومما لم يذكره الفخر من وجه الإِشكال: أن المشاهدة دلت على أن الذين كفروا لم ينفكوا عن الكفر في زمن مَّا، وأن نصب المضارع بعد (حتى) ينادي على أنه منصوب ب (أنْ) مضمرة بعد (حتى) فيقتضي أنّ إتيان البينة مستقبل وذلك لا يستقيم فإن البينة فسرت بـ (رسول من اللَّه) وإتيان الرسول وقع قبل نزول هذه الآيات بسنين, وهم مستمرون على ما هم عليه: هؤلاء على كفرهم، وهؤلاء على شركهم (٣).
ولهذا السبب تعددت أقوال المفسرين في هذه الآية حتى بلغت بضعة عشر
стр. 286
قولاً ذكر الألوسي بعضاً منها (١)، والقرطبي معظمها (٢)، وذكر ابن عاشور مراجع تأويلها (٣).
ومدار هذه الأقوال وأشهرها يدور على أربعة أقوال (٤):
القول الأول:
أي لم يكن هؤلاء الكفار من أهل التوراة والإنجيل، والمشركون من عبدة الأوثان منفكين ومنتهين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة.، وهذا قول مجاهد وقتادة وابن زيد (٥).
القول الثاني:
المعنى أنهم لم يكونوا تاركين صفة محمد ﷺ في كتابهم، حتى يبعث، فلما بعث تفرقوا فيه
القول الثالث:
المراد لم يكونوا منفكين من أمر الله تعالى وقدرته ونظره لهم حتى يبعث إليهم رسولاً منذراً تقوم عليهم به الحجة.
القول الرابع:
تأويل الخبر إلى معنى التوبيخ والتعجب - أي أن كلمة منفكين لا تؤخذ على ظاهرها _، وذلك بصرف الخبر عن ظاهره إلى المعنى المجازي بأن يستعمل في معنى الإنشاء والتوبيخ.
ورجّح ابن عاشور القول الرابع فقال: " وإذ قد تقرر وجه الإِشكال وكان مظنوناً أنه ملحوظ للمفسرين إجمالاً أو تفصيلاً , فقد تعين أن هذا الكلام ليس
стр. 287
وارداً على ما يتبادر من ظاهره في مفرداته أو تركيبه، فوجب صرفه عن ظاهره، إما بصرف تركيب الخَبر عن ظاهر الإِخبار وهو إفادة المخاطَب النسبة الخبرية التي تضمنها التركيب، بأن يُصرف الخبر إلى أنه مستعمل في معنى مجازي للتركيب، وإما بصرف بعض مفرداته التي اشتمل عليها التركيب عن ظاهر معناها إلى معنى مجاز أو كناية " (١)، وإلى هذا المعنى ذهب الفراء (٢) والزمخشري (٣).
أما الطبري فقد رجّح القول الثاني فقال: " وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: معنى ذلك: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين مفترقين في أمر محمد، حتى تأتيهم البيِّنة، وهي إرسال الله إياه رسولا إلى خلقه. (٤)، في حين اختار الرازي، وكذلك ابن كثير، والشوكاني، والقاسمي القول الأول (٥)، وهو قول مجاهد وقتادة وابن زيد (٦)
واختار القول الثالث ابن عطية ووصفه بأنه قول بارع في معنى الآية وتبعه أبو حيان، والشنقيطي كذلك حيث ذكر أن هذا القول يحل الإشكال الوارد
стр. 288
على الآية (١). أما القرطبي فقد ساق تلك الأقوال ولم يرجح (٢).
حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن معنى منفكين أي منتهين عن كفرهم:
قال الرازي: " ثم إنه تعالى لم يذكر أنهم منفكون عن ماذا لكنه معلوم، إذ المراد هو الكفر الذي كانوا عليه، فصار التقدير: لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول" (٣).
حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن معنى منفكين أي تاركين صفة محمد ﷺ في كتابهم:
هذا القول رجحه الطبري، ولم يذكر وجهاً لترجيحه.
قال القشيري: " وفيه بعد؛ لأن الظاهر من قوله: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أن هذا الرسول محمد ﷺ . فيبعد أن يقال: لم يكن الذين كفروا بمحمد ﷺ منفكين حتى يأتيهم محمد، إلا أن يقال: أراد: لم يكن الذين كفروا الآن بمحمد - وإن كانوا من قبل معظمين له، بمنتهين عن هذا الكفر، إلى أن يبعث الله محمدا إليهم ويبين لهم الآيات، فحينئذ يؤمن قوم " (٤).
وكذلك ردّه شيخ الإسلام بقوله: " فليس في اللفظ ما يدل على أن الانفكاك عن أمر محمد خاصة، وأيضاً هذا المعنى مذكور في قوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ
стр. 289
أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ فلو أريد بهذه لكان تكريراً محضاً (١).
حجة أصحاب القول الثالث الذين يرون أن معنى منفكين أي من أمر الله تعالى وقدرته ونظره:
استدلوا على ذلك بما جاء في كتاب الله تعالى دالاً عليه، قال ابن عطية وهذا المعنى له نظائر في كتاب الله تعالى (٢)
والذي يظهر والله أعلم أن ابن عطية رجح هذا القول بناء على قاعدة: (القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على غيره).
ومن الآيات التي تدل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ (٣) ويماثله قول الله -جل وعلا-: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا
стр. 290
ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ (١).
"وقد يكون من حجتهم على هذا القول قول بعض اللغويين أن معنى: «مُنفكِّينَ»، أي: هالكين، من قولهم: انفك صلا المرأة عند الولادة، وهو أن ينفصل فلا يلتئم فتهلك، والمعنى: لم يكونوا معذّبين، ولا هالكين إلا بعد قيام الحجة عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب " (٢).
حجة أصحاب القول الرابع الذين يرون أن منفكين لا تؤخذ على ظاهرها وإنما تؤول
وهم يرون أن الآية جاءت بمعنى التوبيخ، وحجتهم في هذا المعنى بينها الزمخشري بقوله: "كان الكفار من الفريقين أهل الكتاب وعبدة الأصنام يقولون قبل مبعث النبي ﷺ : لا ننفك مما نحن عليه من ديننا ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل، وهو محمد ﷺ ، فحكى الله تعالى ما كانوا يقولونه ثم قال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق إذا جاءهم الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق ولا أقرّهم على الكفر إلاّ مجيء الرسول ﷺ ؛ ونظيره في الكلام أن يقول الفقير الفاسق لمن يعظه: لست بمنفك مما أنا فيه حتى يرزقني الله الغنى، فيرزقه الله الغنى فيزداد فسقاً، فيقول واعظه: لم تكن منفكاً عن الفسق حتى توسر، وما غمست رأسك في الفسق إلاّ بعد اليسار: يذكره ما كان يقوله توبيخاً وإلزاماً. وانفكاك الشيء من الشيء: أن يزايله بعد التحامه به، كالعظم
стр. 291
إذا انفك من مفصله؛ والمعنى: أنهم متشبثون بدينهم لا يتركونه إلاّ عند مجيء البينة. و (البينة) الحجة الواضحة. و (رَّسُولٌ) بدل من البينة (١).
وقال الفراء: " ويصدق ذلك: قوله : ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (٢) " (٣).
وأعجب هذا القول ابن عاشور حيث قال فيه: " وهذا تعريض بالتوبيخ بأسلوب الإِخبار المستعمل في إنشاء التعجيب أو الشكايةِ من صَلَف المُخبر عنه، وهو استعمال عزيز بديع وقريب منه قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ (٤) إذ عَبَّر بصيغة يَحْذَر وهم إنما تظاهروا بالحذر ولم يكونوا حاذرين حقاً ولذلك قال الله تعالى:
﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ " (٥).
وذكر ابن عاشور أن هذا القول تؤيده آية أخرى وهو قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ
стр. 292
يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ (١).
فمما سبق تبيّن لنا أن ابن عاشور قد رجّح هذا القول بناء على القاعدة وهي: (تقديم المجاز على الحقيقة إذا وجدت القرينة) حيث قال: "فقد تعين أن هذا الكلام ليس وارداً على ما يتبادر من ظاهره في مفرداته أو تركيبه، فوجب أن يُصرف الخبر إلى أنه مستعمل في معنى مجازي للتركيب، وإما بصرف بعض مفرداته التي اشتمل عليها التركيب عن ظاهر معناها إلى معنى مجاز أو كناية " (٢).
كما أنه عضد قوله بتأييد الآية القرآنية له، وذلك ضمن القاعدة التي تقول: (القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على غيره).
القول الراجح:
ولكن الذي يظهر لي بعد الدراسة والنظر أن القول الراجح هو القول الثالث وهو الذي رجحه ابن عطية، وذكر الشنقيطي أنه يحل الإشكال الوارد على الآية، كما تقدم.
وكذلك ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية حيث ناقش تلك الأقوال وردّ بعضها ثم قال: فقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (٣) أي: لم يكونوا متروكين
стр. 293
باختيار أنفسهم على هواهم يفعلون ما يهوونه ولا حجر عليهم، كما أن المنفك لا حجر عليه .. إلى أن قال: فالمقصود أنهم لم يكونوا متروكين لا يؤمرون ولا ينهون، ولا ترسل إليهم رسل، والمعنى: أن الله لا يخليهم ولا يتركهم، فهو لا يفكهم حتى يبعث إليهم رسولاً كقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ (١) أي: لا يؤمر ولا ينهى، يعني: أيظن أن هذا يكون؟ ! فهذا ما لا يكون البتة، بل لابد أن يؤمر وينهى. وقريب من ذلك قول الله ﵎: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥)﴾ (٢) أنعرض عنكم بسبب إشراككم؟ ! فهذا استفهام إنكاري بمعنى: لأجل إشراككم نترك إنزال الذكر، ونعرض عن إرسال الرسل؟ ! فهذا ما لا يكون. فتبين من ذلك كله أن الأصح في تفسير قوله تعالى: ((مُنفَكِّينَ)) أي: متروكين، وبه يزول الإشكال الذي أورده الفخر الرازي، ويستقيم السياق، ويتضح المعنى (٣).
المبحث الخامس
إذا خلت الأقوال في الآية من مستند شرعي وكانت متساوية فالقول الموافق لما جاء في التوراة مقدم على غيره .
صورة القاعدة:
إذا اختلف المفسرون في تفسير آية من كتاب، ولم يكن لكل منهم دلالة واضحة على قوله، وليس هناك دليل قوي يرجح قول أحدهم، فإن القول الذي يوافق ما جاء في التوراة أقرب للصواب.
ومما يلاحظ على ابن عاشور أنه كان أحياناً يستعين بما جاء في التوراة لتأييد ما يذهب إليه، فيقول: (وجاء في سفر كذ) (وظاهر ما في سفر كذا) وهذا قد يعد مأخذاً، فالقرآن مهيمن على الكتب السابقة.
ولكننا قد نعذره أحيانا لكونه في مقام المجتهد الذي يريد أن يحسم قولا راجحا في الآية فهو بعد البحث والنظر وحين لا تسعفه الأدلة يذكرها من باب اللطائف التي تعزز قوله في الترجيح، ويؤكد ذلك أنه في موضع من تفسيره وبعد أن ذكر ما جاء في سفر التثنية وفيه ما يشير إلى ما يراه راجحاً قال بعد ذلك: " وبعد فالقرآن حجة على غيره مصدقاً لما بين يديه ومهيمناً عليه " (١).
ومع ذلك فإننا نجد اهتمام ابن عاشور بهذه القاعدة ظاهر في مواضع عدة من تفسيره حتى إننا لنجده أحياناً يرد قولاً ذكره المفسرون لأنه لم يجده في
стр. 296
كتب بني إسرائيل.
ومن ذلك قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ (١): "وليس في كتب بني إسرائيل ولا في الأحاديث الصحيحة ما يدل على أن الله قلع الطور من موضعه ورفعه فوقهم وإنما ورد ذلك في أخبار ضعاف فلذلك لم نعتمده في التفسير " (٢).
مع أن ظاهر الآية يدل على ذلك، وإليه ذهب المفسرون.
قال أبو عبيدة: "المعنى زعزعناه فاستخرجناه من مكانه. قال: وكل شيء قلعته فرميت به فقد نتقته، وقيل نتقناه رفعناه" (٣).
وقال السدي: " فلما أبوا أن يسجدوا أمر الله الجبل أن يقع عليهم، فنظروا إليه وقد غشيهم فسقطوا سجدًا فسجدوا على شق، ونظروا بالشق الآخر، ففكشفه عنهم، فقالوا: والله ما سجدة أحب إلى الله من سجدة كشف بها العذاب عنهم، فهم يسجدون كذلك " (٤).
وقال ابن كثير: " وفي حديث الفتون: عن ابن عباس ﵁: أنهم لما امتنعوا عن الطاعة رفع عليهم الجبل ليسمعوا " (٥).
стр. 297
أما عن موقف ابن عاشور من الإسرائيليات فشأنه شأن معظم المفسرين، حيث وقع في الإسرائيليات، إلا أنه كان مُقلاً إذا ما قارناه مع غيره من المفسرين، وكان أحياناً يُحذر منها، ويصفها بالخرافات وعلى كل حال، فهو بالنسبة لغيره يُعدّ من المقلّين في هذا المجال.
أقوال العلماء في القاعدة:
هذه القاعدة لم أجد لها ذكرا عند العلماء ولكني استوحيتها من تفسير ابن عاشور، حيث وجدته في أكثر من موضع إذا اختلفت الأقوال حول الآية فإنه يؤيد ما ذهب إليه بما جاء في التوراة، أما عن موقف العلماء من هذه القاعدة فسيتضح بما يأتي:
قال ترجمان القرآن وحبر الأمة عبد الله بن عباس ﵁: " كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول الله ﷺ محضاً لم يشب " (١).
وقال الحافظ ابن كثير: " وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله ﷺ : " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " (٢). فيما قد يجوزه العقل، فأما ما تحيله العقول، ويحكم عليه بالبطلان، ويغلب على الظنون كذبه، فليس من هذا القبيل " (٣).
стр. 298
واعتبر الزرقاني دخول الإسرائيليات في التفسير سبباً من أسباب ضعف التفسير المأثور حيث قال: " إن تلك الروايات مليئة بالإسرائيليات ومنها كثير من الخرافات التي يقوم الدليل على بطلانها ومنها ما يتعلق بأمور العقائد التي لا يجوز الأخذ فيها بالظن " (١).
وقال العلامة عبد الرحمن السعدي: " واعلم أن كثيراً من المفسرين قد أكثروا في حشو تفاسيرهم من قصص بني إسرائيل، ونزلوا عليه الآيات القرآنية، وجعلوها تفسيراً لكتاب الله تعالى ... ولا يجوز جعلها تفسيراً لكتاب الله قطعاً إذا لم تصح عن رسول الله ﷺ وذلك أن مرتبتها كما قال ﷺ : " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم " فإذا كانت مرتبتها أن تكون مشكوكاً فيها، وكان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن القرآن يجب الإيمان به والقطع بألفاظه ومعانيه، فلا يجوز أن تجعل تلك القصص المنقولة بالروايات المجهولة، التي يغلب على الظن كذبها أو كذب أكثرها، معاني لكتاب الله، مقطوعا بها ولا يستريب بهذا أحد، ولكن بسبب الغفلة عن هذا حصل ما حصل " (٢).
وتكلم الأستاذ محمد حسين الذهبي عن حقيقة الإسرائيليات، وموقف المفسر إزاءها كلاماً جيداً، فبعد أن ذكر أقسام الإسرائيليات قال: " علمنا أن كثرة النقل عن أهل الكتاب بدون تفرقة بين الصحيح والعليل دسيسة دخلت فى ديننا واستفحل خطرها، كما علمنا أن قوله ﷺ : " لا تُصَدِّقوا أهل الكتاب ولا
стр. 299
تُكَذِّبوهم" قاعدة مقرَّرة لا يصح العدول عنها بأى حال من الأحوال، وبعد هذا وذاك نقول: إنه يجب على المفسِّر أن يكون يقظاً إلى أبعد حدود اليقظة، ناقداً إلى نهاية ما يصل إليه النقاد من قدة وروية حتى يستطيع أن يستخلص من هذا الهشيم المركوم من الإسرائيليات ما يناسب روح القرآن، ويتفق مع العقل والنقل، كما يجب عليه أن لا يرتكب النقل عن أهل الكتاب إذا كان فى سنَّة نبينا ﷺ بيان لمجمل القرآن، على أن من الخير للمفسِّر أن يعرض كل الإعراض عن هذه الإسرائيليات وأن يمسك عما لا طائل تحته مما يُعَد صارفاً عن القرآن، وشاغلاً عن التدبير في حكمه وأحكامه، وبدهي أن هذا أحكم وأسلم " (١).
أمثلة تطبيقية على القاعدة:
١ - مثال خلق السماوات والأرض:
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢).
وقع خلاف بين علماء السلف في خلق السماوات والأرض وأيهما سبق الآخر، وقد ساق هذه الأقوال ابن عاشور في تفسيره فقال: " وقد جرى اختلاف بين علماء السلف في مقتضى الأخبار الواردة في خلق السماوات والأرض فقال الجمهور منهم مجاهد والحسن ونسب إلى ابن عباس ﵁: إن خلق الأرض متقدم
стр. 300
على خلق السماء، لقوله تعالى هنا: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ وقوله في سورة فصلت: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (١) إلى أن قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (٢). وقال قتادة والسدي ومقاتل: إن خلق السماء متقدم، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ (٣) إلى قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (٤) وقد أجيب بأن الأرض خلقت أولاً ثم خلقت السماء ثم دُحيت الأرض فالمتأخر عن خلق السماء هو دحْو الأرض، على ما ذهب إليه علماء طبقات الأرض من أن الأرض كانت في غاية الحرارة ثم أخذت تبرد حتى جمدت وتكونت منها قشرة جامدة ثم تشققت، وتفجرت، وهبطت منها أقسام، وعلت أقسام بالضغط إلا أن علماء طبقات الأرض يقدرون لحصول ذلك أزمنة متناهية الطول، وقدرة الله صالحة لإحداث ما يحصل به ذلك التقلب في أمد قليل بمقارنة حوادث تعجل انقلاب المخلوقات عما هي عليه " (٥).
ورجّح ابن عاشور أن السماء خلقت قبل الأرض، ومن تعليله لهذا الاختيار أن ظاهر سفر التكوين يقتضي هذا، ومن قوله: "وأرجح القولين هو أن السماء
стр. 301
خلقت قبل الأرض لأن لفظ (بعد ذلك) أظهر في إفادة التأخر من قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ , ولأن أنظار علماء الهيئة ترى أن الأرض كرة انفصلت عن الشمس كبقية الكواكب السيارة من النظام الشمسي , وظاهر سفر التكوين يقتضي أن خلق السماوات متقدم على الأرض " (١).
وقد وافقه الرازي على هذا الاختيار (٢).
في حين ذهب الطبري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير، وأبو حيان، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، والشنقيطي إلى أن الأرض خلقت قبل السماء (٣).
حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن الأرض خلقت قبل السماء:
حجتهم على ذلك الأدلة الظاهرة على خلق الأرض قبل السماء ومن ذلك:
١ - قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي
стр. 302
يَوْمَيْنِ﴾ (١) إلى أن قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ (٢).
قال ابن عطية: " وهذه الآية تقتضي أن الأرض وما فيها خلق قبل السماء " (٣).
قال ابن كثير: " وهذه الآية دالة على أن الأرض خلقت قبل السماء، كما قال ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٤).
فهذه وهذه دالتان على أن الأرض خلقت قبل السماء، وهذا ما لا أعلم فيه نزاعًا بين العلماء إلا ما نقله ابن جرير عن قتادة: أنه زعم أن السماء خلقت قبل
стр. 303
الأرض " (١).
٢ - ما جاء في صحيح البخاري أنه قال: قال المنهال عن سعيد قال: قال رجل لابن عباس ﵁: إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليَّ قال: وذكر منها قوله: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ (٢) إلى قوله: ﴿دَحَاهَا﴾ فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض.
ووجه الإشكال الوارد على الآية أن الله يقول في محكم كتابه: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (٣).وهذا يقتضي أن يكون خلق الأرض بعد السماء -ولكن كان جواب ابن عباس ﵁ بقوله: " إنه خلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء، ثم استوى إلى السماء، فسواهن في يومين آخرين ثم دحا الأرض، ودحوها أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال والجمال والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله: ﴿دَحَاهَا﴾ (٤).
وكذلك ذكر العلماء على ذلك جواباً وهو: أن الله خلق الأرض بأقواتها أولاً من غير أن يدحوها قبل السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك، فذلك قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (٥).
стр. 304
قال أبو حيان: " والمختار أن جرم الأرض خلق قبل السماء, وخلقت السماء بعدها ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء وبهذا يحصل الجمع بين الآيات " (١).
٣ - ومن الأدلة التي ذكرها أصحاب هذا القول أيضاً أن "ثم" في قوله تعالى: " ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ (٢) تفيد الترتيب فالله خلق الأرض ثم السماء.
ولكن هذا الدليل ممكن أن يجاب عليه كما ذكر الرازي وهو أن: «ثم» ليس للترتيب ههنا وإنما هو على جهة تعديد النعم، مثاله قول الرجل لغيره: أليس قد أعطيتك النعم العظيمة ثم رفعت قدرك ثم دفعت الخصوم عنك، ولعل بعض ما أخره في الذكر قد تقدم فكذا ههنا والله أعلم (٣).
وقد يرد إشكال آخر ذكره الرازي في تفسيره، وهو ورود عدد من الآيات قدم فيها ذكر السماء على ذكر الأرض، مع أن ظاهر التنزيل يدل على أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء، ومن ذلك قوله تعالى: " ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ (٤).
فلم قدم ذكر السماء على الأرض؟ والجواب: أن السماء كالدائرة،
стр. 305
والأرض كالمركز، وحصول الدائرة يوجب تعين المركز ولا ينعكس، فإن حصول المركز لا يوجب تعين الدائرة لإمكان أن يحيط بالمركز الواحد دوائر لا نهاية لها، فلما كانت السماء متقدمة على الأرض بهذا الاعتبار وجب تقديم ذكر السماء على الأرض بهذا الاعتبار (١).
حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن السماء خلقت قبل الأرض:
استدلوا بقوله تعالى: ﴿بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ - إلى قوله - ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (٢).
قال القرطبي: "وهذا يشير إلى كون الأرض بعد السماء " (٣).
والقرطبي يرى أن الأرض خلقت قبل السماء، ولكنه خرّج قول قتادة على وجه صحيح حيث قال: " وقول قتادة يخرج على وجه صحيح إن شاء الله تعالى، وهو أن الله تعالى خلق أولا دخان السماء ثم خلق الارض، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فسواها، ثم دحا الارض بعد ذلك " (٤).
ومما يدل على هذا القول أيضاً ورود كثيرمن الآيات التي تذكر فيها أسبقية السموات على الأرض منها قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا
стр. 306
(٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ (٢).
وممكن أن يجاب على هذا بأن التقديم هنا ليس للأسبقية وإنما للأفضلية والشرف.
وهو الذي يراه ابن عاشور ويرجحه أن السماء خلقت قبل الأرض مستدلاً على ذلك بعدة أمور:
١ - إن السماء خلقت قبل الأرض لأن لفظ (بعد ذلك) أظهر في إفادة التأخر من قوله: (ثم استوى إلى السماء).
٢ - إن أنظار علماء الهيئة ترى أن الأرض كرة انفصلت عن الشمس كبقية الكواكب السيارة من النظام الشمسي.
٣ - ظاهر سفر التكوين يقتضي أن خلق السماوات متقدم على الأرض (٣).
فالملاحظ مما سبق أن ابن عاشور جعل من أدلته على أسبقية خلق السماء
стр. 307
للأرض ما تضمنته الكتب المقدسة وهو (سفر التكوين)، فدل ذلك على أنه في حال تضارب الأقوال يجد أحيانا في التوراة ما يسوغ له ترجيح قول على آخر.
القول الراجح:
والذي يظهر لي بعد النظر في الأقوال أن خلق الأرض متقدم على خلق السماوات.
ويؤيد هذا القول ما جاء في السنة المطهرة، ولاسيما ومن القواعد المتفق عليها في الترجيح بين المفسرين أنه (إذا اختلفت أقوال المفسرين في الآية، فإن القول الذي تدل عليه السنة الثابتة مقدم على غيره).
وأما مااختاره ابن عاشور مستندا في ذلك على ما جاء في سفر التكوين فلا أراه مصيباً في ذلك لأنه لنا في الاستدلال بالقرآن ما يكفينا عن ذلك.
قال ابن كثير: " وفي الأخبار غُنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة، وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء، والسادة والأتقياء، والبررة والنجباء، من الجهابذة النقاد، والحفَّاظ الجياد، الذين دونوا الحديث وحررُّوه، وبينوا صحيحه من حسنه من ضعيفه، من منكره وموضوعه ومتروكه ومكذوبه، وعرفوا الوضَّاعِين والكذّابين والمجهولين، وغير ذلك من أصناف الرجال " (١).
وقد جاء في صحيح البخاري أن ابن عباس ﵁ سُئل عن هذا بعينه،
стр. 308
فأجاب بأن الأرض خلقت قبل السماء وأن الأرض إنما دحيت بعد خلق السماء، وقد تقدم وكذلك أجاب غير واحد من علماء التفسير قديمًا وحديثًا.
وقال الطبري: " والقول الذي ذكرناه عن ابن عباس من أن الله تعالى خلق الأرض، وقدّر فيها أقواتها، ولم يدحها، ثم استوى إلى السماء، فسوّاهن سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك، فأخرج منها ماءها ومرعاها، وأرسى جبالها، أشبه بما دلّ عليه ظاهر التنزيل، لأنه جلّ ثناؤه قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ والمعروف من معنى " بَعْدَ " أنه خلاف معنى " قَبْل " وليس في دحوِّ الله الأرض بعد تسويته السماوات السبع، وإغطاشه ليلها، وإخراجه ضحاها، ما يوجب أن تكون الأرض خُلقت بعد خلق السموات لأن الدحوّ إنما هو البسط في كلام العرب، والمدّ يقال منه: دحا يدحو دَحْوا، ودَحيْتُ أدْحي دَحْيا، لغتان (١).
وقال الشنقيطي في معرض تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ (٢): " اعلم أولاً أن ابن عباس ﵄ سئل عن الجمع بين آية السجدة وآية النازعات، فأجاب بأن الله تعالى خلق الأرض أولاً قبل السماء غير مدحورة، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبعاً في يومين، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وجعل
стр. 309
فيها الرواسي والأنهار وغير ذلك.
فأصل خلق الأرض قبل خلق السماء، ودحوها بجبالها وأشجارها ونحو ذلك، بعد خلق السماء.
ويدل لهذا أنه قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (١) ولم يقل خلقها ثم فسر دحوه إياها بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ (٢) وهذا الجمع الذي جمع به ابن عباس بين هاتين الآيتين واضح لا إشكال فيه. مفهوم من ظاهر القرآن العظيم إلا أنه يرد عليه إشكال من آية البقرة هذه؛ وإيضاحه أن ابن عباس ﵁ جمع بأن خلق الأرض قبل خلق السماء، ودحوها بما فيها بعد خلق السماء.
وفي هذه الآية التصريح بأن جميع ما في الأرض مخلوق قبل خلق السماء لأنه قال فيها: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣)(٤).
وقد سُئل السيوطي عن هذه المسألة شعراً فقال السائل:
يا عالم العصر لا زالت أناملكم ... لقد سمعت خصاما بين طائفة
стр. 310
في الأرض هل خلقت قبل السماء وهل ... فمنهم قال إن الأرض منشأة
فأجاب:
الحمد لله ذي الأفضال والمنن ... الأرض قد خلقت قبل السماء كما
ولا ينافيه ما في النازعات أتى ... فالحبر أعني ابن عباس أجاب بذا
وابن السيوطي قد قال الجواب لكي ... ثم الصلاة على المبعوث بالسنن
قد نصه الله في حم فاستبن ... فدحوها غير ذاك الخلق للفطن
لما أتاه به قوم ذوو لسن ... ينجو من النار والآثام والفتن (١).
٢ - مثال فومها:
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (٢)
اختلف المفسرون في المراد بـ " فومها" في هذه الآية:
فقيل هو المعروف لأنه المشاكل للبصل.
стр. 311
وقيل: الفوم الحنطة كما روى عن ابن عباس وأكثر المفسرين (١).
ورجح ابن عاشور، وكذلك الألوسي، والقاسمي أن المراد بـ (فومها) هو الثوم المعروف. ومن أدلة ابن عاشور على اختياره هذا كونه موافقا لما جاء في التوراة، وكذلك القاسمي (٢).
أما الطبري فقد مال إلى هذا القول ولكن لم يصرح (٣).
وساق كل من ابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني الأقوال في معنى فومها , ولم يرجحوا (٤).
حجة من قال: إن المراد بقوله (فومها) هو الثوم المعروف:
استدلوا على ذلك بما روي عن سعيد بن جبير والضحاك في أن المراد بقوله " فومها"الثوم " (٥).
كما استدلوا على ذلك بقراءة ابن مسعود " ثومها" بالثاء (٦).
стр. 312
قال ابن قتيبة: " وهذا أعجب الأقاويل إلي؛ لأنها في مصحف عبد الله: " وثومها" (١).
وذكر الرازي عدة أدلة على أن المراد به الثوم المعروف من بينها قراءة ابن مسعود المتقدمة وأضاف وجهين آخرين هما:
- أن المراد لو كان هو الحنطة لما جاز أن يقال: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (٢)، وأن الثوم أوفق للعدس والبصل من الحنطة (٣). وللألوسي استدلال جميل على ذلك حيث يقول: "والقول بأنه الخبز يبعده الإنبات من الأرض وذكره مع البقل وغيره. (٤).
وهو الذي اختاره ابن عاشور وأضاف على ما ذكر أنه الأظهر والموافق لما عد معه، وهذا قوله: " وقد اختلف في الفوم , فقيل: هو الثوم بالمثلثة وإبدال الثاء فاء شائع في كلام العرب , كما قالوا جدث وجدف وثلغ وفلغ , وهذا هو الأظهر والموافق لما عد معه ولما في التوراة " (٥).
حجة من قال: إن المراد بـ " فومها " الحنطة والخبز:
استدلوا على ذلك بما روي عن ابن عباس ﵁، ومجاهد، والسدي وغيرهم
стр. 313
في أن المراد بـ (فومها) الحنطة والخبز " (١).
وفي رواية عن ابن عباس ﵁ أيضاً أنه سئل عن قول الله وفومها، ما فومها؟ قال: الحنطة. قال ابن عباس ﵁: أما سمعت قول أحيحة بن الحلاج (٢) وهو يقول:
قد كنت أغنى الناس شخصا واحدا ... ورد المدينة عن زراعة فوم (٣).
ورجّح الزجاج وكذلك النحاس هذا المعنى.
قال الزجاج: " لا خلاف عند أهل اللغة أن الفوم الحنطة، وسائر الحبوب التي تخبز يلحقها اسم الفوم، ومحال أن يطلب القوم طعاماً لا بُرّ فيه، والبر أصل الغذاء كله، ويقال فوّموا لنا أي اخبزوا لنا " (٤).
القول الراجح:
إن المراد بقوله " فومها " هو الحنطة كما رجّح ذلك عدد من المفسرين. (٥).
قال البخاري: " قال بعضهم: الحبوب التي تؤكل كلها فوم " (٦).
стр. 314
ومما يقوي هذا القول ويعضده القاعدة الترجيحية: (إذا ثبت الحديث وكان نصا في تفسير الآية فلا يُصار إلى غيره)، وقد ثبت هذا المعنى في حديث نافع بن الأزرق ونجدة بن عويمر وسؤالهم ابن عباس وفيه: فأخبرني عن قول الله : وفومها، ما الفوم؟ قال: الحنطة. قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمد ﷺ قال: نعم , أما سمعت قول أبي ذؤيب الهذلي:
قد كنت تحسبني كأغنى وافد ... قدم المدينة عن زراعة فوم " (١).
كما يعضد هذا القول ويرجحه قاعدة: (يجب حمل كلام الله تعالى على المعروف من كلام العرب).
قال الفراء: " فإن الفوم فيما ذكر لغة قديمة , وهي الحنطة والخبز جميعاً، قال بعضهم: سمعنا العرب من أهل هذه اللغة يقولون: فوموا لنا بالتشديد لا غير " (٢).
وقال ابن منظور: " الفُومُ الزَّرع أو الحِنْطة وأَزْدُ الشَّراة يُسمون السُّنْبُل فُوماً الواحدة فُومة، والفُوم الخبز أيضاً يقال: فَوِّموا لنا أي اخْتَبِزُوا. وقال الفراء: هي لغة قديمة. وقيل: الفُوم لغة في الثُّوم. قال ابن سيده: أُراه على البدل. قال ابن جني: ذهب بعض أَهل التفسير في قوله "وفُومِها وعَدَسِها "إلى أنه أراد الثُّوم فالفاء على هذا عنده بدل من الثاء قال والصواب عندنا أن الفُوم الحِنطة وما يُخْتَبَز من الحبُوب يقال فَوَّمْت الخبز واختبزته وليست الفاء على
стр. 315
هذا بدلاً من الثاء وجمعوا الجمع فقالوا فُومانٌ حكاه ابن جني قال والضمة في فُوم غير الضمة في فُومان كما أن الكسرة التي في دِلاصٍ وهِجانٍ غير الكسرة التي فيها للواحد والألف غير الألف. " (١)
٣ - مثال المتكبرين في الأرض:
قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (٢).
اختلف المفسرون في من المخاطب في هذه الآية هل هو خطاب موجه لموسى وقومه، أو أمة محمد ﷺ ، أو هي عامة لكل الأمم (٣).
وساق ابن عاشور هذا الخلاف في تفسيره وذكر أنه يجوز أن تكون هذه الآية تكملة لما خاطب الله به موسى وقومه، فتكون جملة (سأصرف) إلخ بأسهم، استئنافاً بيانياً، لأن بني إسرائيل كانوا يهابون أولئك الأقوام ويخْشوْن، فكأنهم تساءلوا كيف تُرينا دارهم وَتعدُنا بها، وهلْ لا نهلك قبل الحلول بها، كما
стр. 316
حكى الله عنهم: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ (١).
ويجوز أن تكون: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾ من خطاب الله تعالى لرسوله محمد ﷺ ، فتكون الجملة معترضة في أثناء قصة بني إسرائيل بمناسبة قوله: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢) تعريضاً بأن حال مشركي العرب كحال أولئك الفاسقين، وتصريحاً بسبب إدامتهم العناد والإعراض عن الإيمان، فتكون الجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً، ثم ذكر ابن عاشور أن الاحتمال الأول ورد في التوراة في الإصحاح الرابع عشر من سفر العدد (٣).
وابن عاشور وبالرغم من أنه أحيانا يستشهد بما جاء في التوراة ويعضد قوله بها إلا أنه لم يلزم نفسه بما جاء فيها إذا خلت الآية من مستند، وإنما قد يعضد قولا انتصر له السياق وغيره من الأمور والقواعد التي اعتمدها كما في هذه الآية حيث أنه ذكر بعد ذلك ما يقوَّى القول الآخر لأن السياق يدل عليه وفي ذلك يقول: ". والوصاف التي تضمنتها الصلات في الآية تنطبق على مشركي أهل مكة أتم الانطباق " (٤).
ورجّح الطبري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والقاسمي أن الخطاب في الآية عام لكل متكبر (٥).
стр. 317
وساق الرازي والألوسي تلك الاحتمالات ولم يرجحا (١).
حجة من يرى أن الخطاب موجه لموسى وقومه:
استدلوا بما جاء في القرآن , قال أبو مسلم الأصفهاني: " إن هذا الكلام تمام لما وعد الله موسى ﵇ به من إهلاك أعدائه، ومعنى صرفهم إهلاكهم فلا يقدرون على منع موسى من تبليغها ولا على منع المؤمنين من الإيمان به، وهو شبيه بقوله: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢) فأراد تعالى أن يمنع أعداء موسى ﵇ من إيذائه ومنعه من القيام بما يلزمه في تبليغ النبوة والرسالة (٣).
قال إسماعيل حقي: " المراد بالآيات ما كتب في ألواح التوراة من المواعظ والأحكام وغيرها من الآيات التكوينية التي من جملتها ما وعد إراءته من دار الفاسقين, ومعنى صرفهم عنها الطبع على قلوبهم بحيث لا يكادون يتفكرون فيها ولا يعتبرون؛ لإصرارهم على ما هم عليه من التكبر والتجبر" (٤).
كما ذكر ابن عاشور أن الاحتمال الأول ورد في التوراة في الإصحاح
стр. 318
الرابع عشر من سفر العدد حيث يقول: " وقد حكي ذلك في الإصحاح الرابع عشر من سفر العدد، فأجيبوا بأن الله سيصرف أولئك عن آياتِه .. ، ووعد الله أهلها بأن يورثهم أرض الشام، فيكون المعنى سأتَوَلّى دفعهم عنكم، ويكون هذا مثل ما ورد في التوراة في الإصحاح الرابع والثلاثين «ها أنا طاردٌ من قُدَّامِك الأُموريين الخ»، فالصرف على هذا الوجه عناية من الله بموسى وقومِه بما يُهيء لهم من أسباب النصر على أولئك الأقوام الأقوياء، كإلقاء الرعب في قلوبهم، وتشتيت كلمتهم، وإيجاد الحوادث التي تفت في ساعد عُدتهم أو تكونُ الجملة جواباً لسؤال من يقول: إذا دخلنا أرض العدو فلعلهم يؤمنون بهدينا، ويتبعون ديننا، فلا نحتاج إلى قتالهم، فأجيبوا بأن الله يَصرفهم عن إتباع آياته؛ لأنهم جُبلوا على التكبر في الأرض، والإعراض عن الآيات، فالصرف هنا صرف تكويني في نفوس الأقوام، وعن الحسن: إن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى حد إذا وصل إليه مَات قلبه " (١).
حجة من يرى أن الخطاب موجه لمشركي مكة:
حجتهم في ذلك أن الآية متصلة بقوله عن شأنه: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾ (٢)، وإيراد قصة موسى ﵇ وفرعون للاعتبار أي سأصرف المتكبرين عن إبطال الآيات وان اجتهدوا,
стр. 319
كما فعل فرعون فعاد عليه فعله بعكس ما أراد " (١).
قال ابن عاشور: " وتعريف المصروفين عن الآيات بطريق الموصولية للإيماء بالصلة إلى علة الصرف , وهي ما تضمنته الصلات المذكورة، لأن من صارت تلك الصفات حالات له يَنصره الله، أو لأنه إذا صار ذلك حاله رين على قلبه، فصرف قلبه عن إدراك دلالة الآيات وزالت منه الأهلية لذلك الفهم الشريف , والوصاف التي تضمنتها الصلات في الآية تنطبق على مشركي أهل مكة أتم الانطباق " (٢).
حجة من يرى أن الخطاب عام لكل من تكبر على آيات الله:
روى الطبري بسنده عن ابن عيينة أنه قال في هذه الآية: " أنزع عنهم فهم القرآن وأصرفهم عن آياتي (٣).
قال ابن عطية موضحاً كلام ابن عيينة: " آياتي: أي كل كتاب منزل (٤).
ورجّح الطبري هذا المعنى فقال: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه سيصرف عن آياته، وهي أدلته وأعلامه على حقيقة ما أمر به عباده وفرض عليهم من طاعته في توحيده وعدله، وغير ذلك من فرائضه. والسموات والأرض، وكل موجود من خلقه، فمن آياته، والقرآن أيضًا من آياته، وقد عم بالخبر أنه يصرف عن آياته المتكبرين في الأرض بغير الحق، وهم
стр. 320
الذين حقَّت عليهم كلمة الله أنهم لا يؤمنون، فهم عن فهم جميع آياته والاعتبار والادّكار بها مصروفون، لأنهم لو وفِّقوا لفهم بعض ذلك فهُدوا للاعتبار به، اتعظوا وأنابوا إلى الحق، وذلك غير كائن منهم، لأنه جلّ ثناؤه قال: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ (١) فلا تبديل لكلمات الله " (٢).
القول الراجح:
إن الخطاب في الآية عام لكل متكبر فيدخل فيه جميع المعاني المذكورة.
ومما يؤيد هذا القول ويقويه قاعدة: (إذا احتمل اللفظ معان عدة ولم يمتنع إرادة الجميع حمل عليها).
قال محمد رشيد رضا: "والمعنى سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق من قومك أيها الرسول، ومن غيرهم في كل زمان ومكان كما صرفت فرعون وملأه عن آياتي التي آتيتها رسولي موسى .. وهذا بيان لسنته تعالى في تكذيب البشر لدعاة الحق والخير من الرسل وورثتهم وسببه الأول التكبر؛ فإن من شأن الكبر أن يصرف أهله عن النظر والاستدلال على الحق والهدى وتلك حال الملوك والرؤساء والزعماء الضالين " (٣).
وقال الدكتور وهبة الزحيلي: " الصرف هو المنع والصد، والآيات هنا: كل كتاب منزل من الله تعالى يبين في هذه الآيات سبب الطغيان والكفر والظلم