حكى الله عنهم: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ (١).
ويجوز أن تكون: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾ من خطاب الله تعالى لرسوله محمد ﷺ ، فتكون الجملة معترضة في أثناء قصة بني إسرائيل بمناسبة قوله: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢) تعريضاً بأن حال مشركي العرب كحال أولئك الفاسقين، وتصريحاً بسبب إدامتهم العناد والإعراض عن الإيمان، فتكون الجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً، ثم ذكر ابن عاشور أن الاحتمال الأول ورد في التوراة في الإصحاح الرابع عشر من سفر العدد (٣).
وابن عاشور وبالرغم من أنه أحيانا يستشهد بما جاء في التوراة ويعضد قوله بها إلا أنه لم يلزم نفسه بما جاء فيها إذا خلت الآية من مستند، وإنما قد يعضد قولا انتصر له السياق وغيره من الأمور والقواعد التي اعتمدها كما في هذه الآية حيث أنه ذكر بعد ذلك ما يقوَّى القول الآخر لأن السياق يدل عليه وفي ذلك يقول: ". والوصاف التي تضمنتها الصلات في الآية تنطبق على مشركي أهل مكة أتم الانطباق " (٤).
ورجّح الطبري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والقاسمي أن الخطاب في الآية عام لكل متكبر (٥).
стр. 317
وساق الرازي والألوسي تلك الاحتمالات ولم يرجحا (١).
حجة من يرى أن الخطاب موجه لموسى وقومه:
استدلوا بما جاء في القرآن , قال أبو مسلم الأصفهاني: " إن هذا الكلام تمام لما وعد الله موسى ﵇ به من إهلاك أعدائه، ومعنى صرفهم إهلاكهم فلا يقدرون على منع موسى من تبليغها ولا على منع المؤمنين من الإيمان به، وهو شبيه بقوله: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢) فأراد تعالى أن يمنع أعداء موسى ﵇ من إيذائه ومنعه من القيام بما يلزمه في تبليغ النبوة والرسالة (٣).
قال إسماعيل حقي: " المراد بالآيات ما كتب في ألواح التوراة من المواعظ والأحكام وغيرها من الآيات التكوينية التي من جملتها ما وعد إراءته من دار الفاسقين, ومعنى صرفهم عنها الطبع على قلوبهم بحيث لا يكادون يتفكرون فيها ولا يعتبرون؛ لإصرارهم على ما هم عليه من التكبر والتجبر" (٤).
كما ذكر ابن عاشور أن الاحتمال الأول ورد في التوراة في الإصحاح
стр. 318
الرابع عشر من سفر العدد حيث يقول: " وقد حكي ذلك في الإصحاح الرابع عشر من سفر العدد، فأجيبوا بأن الله سيصرف أولئك عن آياتِه .. ، ووعد الله أهلها بأن يورثهم أرض الشام، فيكون المعنى سأتَوَلّى دفعهم عنكم، ويكون هذا مثل ما ورد في التوراة في الإصحاح الرابع والثلاثين «ها أنا طاردٌ من قُدَّامِك الأُموريين الخ»، فالصرف على هذا الوجه عناية من الله بموسى وقومِه بما يُهيء لهم من أسباب النصر على أولئك الأقوام الأقوياء، كإلقاء الرعب في قلوبهم، وتشتيت كلمتهم، وإيجاد الحوادث التي تفت في ساعد عُدتهم أو تكونُ الجملة جواباً لسؤال من يقول: إذا دخلنا أرض العدو فلعلهم يؤمنون بهدينا، ويتبعون ديننا، فلا نحتاج إلى قتالهم، فأجيبوا بأن الله يَصرفهم عن إتباع آياته؛ لأنهم جُبلوا على التكبر في الأرض، والإعراض عن الآيات، فالصرف هنا صرف تكويني في نفوس الأقوام، وعن الحسن: إن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى حد إذا وصل إليه مَات قلبه " (١).
حجة من يرى أن الخطاب موجه لمشركي مكة:
حجتهم في ذلك أن الآية متصلة بقوله عن شأنه: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾ (٢)، وإيراد قصة موسى ﵇ وفرعون للاعتبار أي سأصرف المتكبرين عن إبطال الآيات وان اجتهدوا,
стр. 319
كما فعل فرعون فعاد عليه فعله بعكس ما أراد " (١).
قال ابن عاشور: " وتعريف المصروفين عن الآيات بطريق الموصولية للإيماء بالصلة إلى علة الصرف , وهي ما تضمنته الصلات المذكورة، لأن من صارت تلك الصفات حالات له يَنصره الله، أو لأنه إذا صار ذلك حاله رين على قلبه، فصرف قلبه عن إدراك دلالة الآيات وزالت منه الأهلية لذلك الفهم الشريف , والوصاف التي تضمنتها الصلات في الآية تنطبق على مشركي أهل مكة أتم الانطباق " (٢).
حجة من يرى أن الخطاب عام لكل من تكبر على آيات الله:
روى الطبري بسنده عن ابن عيينة أنه قال في هذه الآية: " أنزع عنهم فهم القرآن وأصرفهم عن آياتي (٣).
قال ابن عطية موضحاً كلام ابن عيينة: " آياتي: أي كل كتاب منزل (٤).
ورجّح الطبري هذا المعنى فقال: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه سيصرف عن آياته، وهي أدلته وأعلامه على حقيقة ما أمر به عباده وفرض عليهم من طاعته في توحيده وعدله، وغير ذلك من فرائضه. والسموات والأرض، وكل موجود من خلقه، فمن آياته، والقرآن أيضًا من آياته، وقد عم بالخبر أنه يصرف عن آياته المتكبرين في الأرض بغير الحق، وهم
стр. 320
الذين حقَّت عليهم كلمة الله أنهم لا يؤمنون، فهم عن فهم جميع آياته والاعتبار والادّكار بها مصروفون، لأنهم لو وفِّقوا لفهم بعض ذلك فهُدوا للاعتبار به، اتعظوا وأنابوا إلى الحق، وذلك غير كائن منهم، لأنه جلّ ثناؤه قال: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ (١) فلا تبديل لكلمات الله " (٢).
القول الراجح:
إن الخطاب في الآية عام لكل متكبر فيدخل فيه جميع المعاني المذكورة.
ومما يؤيد هذا القول ويقويه قاعدة: (إذا احتمل اللفظ معان عدة ولم يمتنع إرادة الجميع حمل عليها).
قال محمد رشيد رضا: "والمعنى سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق من قومك أيها الرسول، ومن غيرهم في كل زمان ومكان كما صرفت فرعون وملأه عن آياتي التي آتيتها رسولي موسى .. وهذا بيان لسنته تعالى في تكذيب البشر لدعاة الحق والخير من الرسل وورثتهم وسببه الأول التكبر؛ فإن من شأن الكبر أن يصرف أهله عن النظر والاستدلال على الحق والهدى وتلك حال الملوك والرؤساء والزعماء الضالين " (٣).
وقال الدكتور وهبة الزحيلي: " الصرف هو المنع والصد، والآيات هنا: كل كتاب منزل من الله تعالى يبين في هذه الآيات سبب الطغيان والكفر والظلم
стр. 321
والفساد، ويقرر سبحانه أنه سيمنع قلوب المتكبرين عن طاعته وأتباع رسله عن النظر والتفكير والاستدلال بآيات الله، ويمنعهم عن فهم الأدلة والبراهين، الدالة على عظمته، ويحجبهم عن الإيمان بالآيات، مثل قوم فرعون الذين قال الله فيهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (١).
ومثل كفار قريش كأبي جهل وأبي لهب وعتبة بن ربيعة الذين حجبهم الكبر عن النظر في الآيات مع يقينهم بصدق محمد " (٢).
٤ - مثال (واجعلوا بيوتكم قبلة):
قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).
قال ابن كثير: " اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ فقال الثوري وغيره، عن خُصَيْف، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قال: أمرُوا أن يتخذوها مساجد.
وقال الثوري أيضا عن ابن منصور عن إبراهيم: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ
стр. 322
قِبْلَةً﴾ قال: كانوا خائفين، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم.
وكذا قال مجاهد، وأبو مالك، والربيع بن أنس، والضحاك، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأبوه زيد بن أسلم: وكأن هذا -والله أعلم -لما اشتد بهم البلاء من قبَل فرعون وقومه، وضيقوا عليهم، أمروا بكثرة الصلاة، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١)
وقال مجاهد: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قال: لما خاف بنو إسرائيل من فرعون أن يقتلوا في الكنائس الجامعة، أمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة، يصلون فيها سرًا. وكذا قال قتادة، والضحاك.
وقال سعيد بن جبير: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي: يقابل بعضها بعضا " (٢).
ورجّح ابن عاشور أن المقصود من هذه البيوت بيوت من خيام وغيرها غير بيوتهم التي يسكنوها، مستندا على ذلك بما جاء في التوراة، وهذا قوله: " وهذا القول هو المناسب للتبوؤ لأن التبوؤ السكنى، والمناسب أيضاً لإطلاق البيوت، وكونها بمصر فالذي يظهر بناء عليه أن هذه البيوت خيام أو أخصاص أمرهم الله باتخاذها تهيئة للارتحال وهي غير ديارهم التي كانوا يسكنونها في (جاسان) قرب مدينة فرعون وقد جاء في التوراة ما يشهد بهذا التأويل في الفصل الرابع من سفر
стр. 323
الخروج: إن الله أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل إلى البادية ليعملوا عيد الفصح ثلاثة أيام وأن ذلك أولُ ما سأله موسى من فرعون، وأن فرعون منعهم من ذلك، وأن موسى كرر طلب ذلك من فرعون كلّ ذلك يمنعه كما في الفصل السابع والفصل الثامن من سفر الخروج، وقد صار لهم ذلك عيداً بعد خروجهم " (١).
ولقد وافق قول ابن عاشور هذا قول الطبري من قبل، إلا أن الطبري وغيره من المفسرين لم يقولوا أنهم اتخذوا بيوتا غير بيوتهم من الخيام ليقيموا فيها الصلاة كما ذكر ابن عاشور مستشهدا على ذلك بما جاء في التوراه، أما الطبري فقد ذكر أن ترجيحه كان بناءً على أن الأغلب في معاني البيوت بيوت السكن، كما أن الأصل إطلاق اللفظ على ظاهره وسيأتي قوله، كما اختار هذا القول، أبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي والقاسمي (٢).
في حين رجّح القرطبي أن المراد بالبيوت المساجد, أي: اتخذوا لكم مساجد (٣).
стр. 324
حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن المراد بالبيوت بيوت السكنى أن يجعلوها مساجد:
حجتهم في ذلك أن المعنى الغالب في اللغة على البيوت ما كان للسكنى. كما أن ظاهر اللفظ يدل على ذلك , ولا يجوز صرف اللفظ عن ظاهره.
قال الطبري: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، القول الذي قدمنا بيانه، وذلك أن الأغلب من معاني "البيوت" وإن كانت المساجد بيوتًا: البيوت المسكونة، إذا ذكرت باسمها المطلق دون المساجد. لأن "المساجد" لها اسم هي به معروفة، خاصٌّ لها، وذلك "المساجد". فأمّا "البيوت" المطلقة بغير وصلها بشيء، ولا إضافتها إلى شيء، فالبيوت المسكونة. وكذلك "القبلة" الأغلب من استعمال الناس إيّاها في قبل المساجد وللصلوات.
فإذا كان ذلك كذلك، وكان غير جائز توجيه معاني كلام الله إلا إلى الأغلب من وجوهها المستعمل بين أهل اللسان الذي نزل به، دون الخفيّ المجهول، ما لم تأت دلالة تدل على غير ذلك، ولم يكن على قوله: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾، دلالةٌ تقطع العذرَ بأن معناه غير الظاهر المستعمل في كلام العرب لم يجز لنا توجيهه إلى غير الظاهر " (١).
وقال ابن كثير: " لما اشتد بهم البلاء من قبَل فرعون وقومه، وضيقوا عليهم، أمروا بكثرة الصلاة، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا
стр. 325
بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١).
وروي عن ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قال: كانوا خائفين فأمروا أن يصلوا في بيوتهم (٢).
حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن المراد بالآية اجعلوا بيوتكم مقابل بعضها بعضاً:
استدلوا على ذلك بما روي عن سعيد بن جبير: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قال: مقابل بعضها بعضاً (٣).
حجة أصحاب القول الثالث الذين يرون أن المراد بالآية أي اجعلوا بيوتكم إلى الكعبة
والمراد أي اجعلوا مساجدكم قبل الكعبة، واستدلوا بما روي عن ابن عباس في قوله: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ يقول: وجهوا مساجدكم نحو القبلة، ألا ترى أنه يقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (٤)(٥).
стр. 326
القول الراجح:
هو ما رجحه ابن عاشور والطبري من قبل وكثير من المفسرين في أن المراد بالبيوت بيوتهم التي يسكنون فيها أمرهم أن يجعلوها مساجد يصلون فيها، والدليل على ذلك ما روى عن ابن عباس ﵁ في ذلك.
قال البغوي: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قال أكثر المفسرين: كانت بنو إسرائيل لا يصلون إلا في كنائسهم وبِيَعِهم، وكانت ظاهرة، فلما أُرسل موسى أمر فرعون بتخريبها ومنعهم من الصلاة فأُمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا فيها خوفًا من فرعون، هذا قول إبراهيم وعكرمة عن ابن عباس.
وقال مجاهد: خاف موسى ومَنْ معه من فرعون أن يصلوا في الكنائس الجامعة، فأُمروا بأن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة، يصلون فيها سرًّا. معناه: واجعلوا بيوتكم إلى القبلة " (١). .
ومما يؤيد هذا القول ويرجحه قاعدة: (إعمال الأغلب في القرآن وتقديم المفهوم الجاري
في استعماله أولى) وقد رجّح بها الطبري في تفسيره كما تقدم. (٢).
أما ماروي عن سعيد بن جبير في أن المراد بالآية يقابل بعضها بعضا , فهو لا يصح.
وأما القول الثالث فيما روي عن ابن عباس ﵁ أنها قبل الكعبة فهذا لا يبعد
стр. 327
عن القول المختار بل يدخل فيه ضمنا؛ لأن الصلاة تستلزم الاتجاه إلى القبلة وهي الكعبة.
قال النيسابوري: " فالمراد من قوله: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أن يجعل تلك البيوت مساجد متوجهة نحو القبلة وهي جهة بيت المقدس أو الكعبة على ما نقل عن ابن عباس ﵁ وقال الحسن: الكعبة قبلة كل الأنبياء , وإنما وقع العدول عنه بأمر الله تعالى في أيام نبينا ﷺ بعد الهجرة " (١).
٤ - مثال القوم الآخرين:
قال تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ (٢)
اختلف المفسرون في المراد بالقوم الآخرين في هذه الآية , فمنهم من ذهب إلى أن المقصود بهم بنو إسرائيل، ومنهم من يرى أن المراد بهم من ملك مصر بعد هلاك القبط (٣).
ورجح ابن عاشور أن القوم الآخرين هم فرعون وقومه، وحجته في ذلك ما جاء في التوراة وهذا قوله: " تركوها وأورثناها غيرهم أي فرعون الذي وُلي بعد
стр. 328
موت (منفطا) وسمي (صطفا منفطا) وهو أحد أُمراء فرعون (منفطا) تزوج ابنة منفطا المسماةَ (طُوسِير) التي خلفت أباها (منفطا) على عرش مصر، ولكونه من غير نسل فرعون وُصف هو وَجُندُه بقوم آخرين وليس المراد بقوله: ﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾ قوماً من بني إسرائيل، ألا ترى أنه أعيد الاسم الظاهر في قوله عقبه: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (١) " (٢).وقال في موضع آخر من سورة الشعراء عند قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾ (٣) والمعنى: " أن الله أرزأ أعداء موسى ما كان لهم من نعيم إذ أهلكهم وأعطى بني إسرائيل خيرات مثلها لم تكن لهم، وليس المراد أنه أعطى بني إسرائيل ما كان بيد فرعون وقومه من الجنات والعيون والكنوز، لأن بني إسرائيل فارقوا أرض مصر حينئذ وما رجعوا إليها , كما يدل عليه قوله في سورة الدخان: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ولا صحة لما يقوله بعض أهل قصص القرآن من أن بني إسرائيل رجعوا فملكوا مصر بعد ذلك، فإن بني إسرائيل لم يملكوا مصر بعد خروجهم منها سائر الدَّهر فلا محيص من صرف
стр. 329
الآية عن ظاهرها إلى تأويل يدل عليه التاريخ ويدل عليه ما في سورة الدخان " (١)
وإلى هذا القول الذي رجحه ابن عاشور ذهب ابن عطية من قبل، وضعّف ما سواه، وكذلك القاسمي (٢)، في حين رجّح الطبري والرازي، والقرطبي، وأبو حيان وابن كثير والشوكاني، والألوسي، والشنقيطي أن المراد بهم بنو إسرائيل (٣).
حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن المراد بالقوم الآخرين بنو إسرائيل:
حجتهم في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٤) فهذه الآية تفسير الآية الأولى، وليس بعد بيان الله وتفسيره بيان وتفسير. ويؤيد ذلك ما جاء في قوله تعالى (٥).: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ (٦)
стр. 330
قال القرطبي: " وأورثناها قوما آخرين " يعني بني إسرائيل، ملكهم الله تعالى أرض مصر بعد أن كانوا فيها مستعبدين، فصاروا لها وارثين، لوصول ذلك إليهم كوصول الميراث، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ (١) " (٢).
قال الشوكاني: " ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ الكاف في محل رفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف. قال الزجاج: " أي الأمر كذلك، ويجوز أن تكون في محل نصب، والإشارة إلى مصدر فعل يدل عليه تركوا , أي: مثل ذلك السلب سلبناهم إياها، وقيل مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها وقيل: مثل ذلك الإهلاك أهلكناهم. فعلى الوجه الأول يكون قوله: " وأورثناها" معطوفاً على تركوا وعلى الوجوه الآخرة يكون معطوف على الفعل المقدر , والمراد بالقوم الآخرين بنو إسرائيل " (٣).وقال الألوسي: " والمراد بالقوم الآخرين بنوا إسرائيل وهم مغايرون للقبط جنسا ودينا ويفسر ذلك قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وهو ظاهر في أن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر بعد هلاك فرعون وملوكها وبه قال الحسن " (٤).
стр. 331
حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن المراد بالقوم الآخرين من ملك مصر بعد هلاك القبط:
حجتهم أنه لم يروا في مشهور التواريخ أن بني إسرائيل رجعوا إلى أرض مصر في ذلك الزمان.
قال ابن عطية: " لم يرو أن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر في شيء من ذلك الزمان ولا ملكوها قط " (١). كما استدلوا - أيضاً- بأن الله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ (٢)، ولم يقل) ولقد نجيناهم) فيعود الضمير على بني إسرائيل.، وقال الزمخشري مؤيداً هذا القول: " الكاف فى محل نصب، على معنى: مثل ذلك الإِخراج أخرجناهم منها ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ ليسوا منهم. فعلى هذا يكون قوله: (وَأَوْرَثْنَاهَا) معطوفا على تلك الجملة الناصبة للكاف، فلا يجوز الوقف على (كَذَلِكَ) حينئذ " (٣).
قال ابن عاشور: " وليس المراد بقوله: ﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾ قوماً من بني إسرائيل، ألا ترى أنه أعيد الاسم الظاهر في قوله عقبه: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٤) ولم يقل ولقد نجيناهم (٥).
стр. 332
القول الراجح:
هو ما ذهب إليه معظم المفسرين من أن المراد بالقوم الآخرين هم بنو إسرائيل، أما ما رجحه ابن عاشور في أن المراد بهم من ملك مصر من القبط مستدلاً على ذلك بالتاريخ وما جاء في الكتب القديمة لا أراه إلا قد خالف الصواب فيه.
قال أبو حيان: "وهذه الكتب لا معول عليها، ولا اعتبار بالتواريخ، فالكذب فيها كثير، وكلام الله صدق " (١). لا سيما وهذه القاعدة التي استند إليها تعارضها قاعدة أقوى منها، وهي (أن القول الذي تؤيده الآيات القرآنية مقدم على غيره).وقد جاءت بعض الآيات التي تؤيد أنهم بنو إسرائيل، وقد تقدمت. قال الشنقيطي: " لم يُبين هنا من هؤلاء القوم الذين أورثهم ما ذكره هنا، ولكنه بين في سورة الشعراء أنهم بنو إسرائيل وذلك في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٢) ,ثم إن هناك أمرا آخر يرجح
هذا القول وهو: أن سياق الآيات جاء في معرض الذم لفرعون وقومه ولومهم، فكيف يكون قومهم هم الوارثون , وعليه فيترجح حينئذ أن المراد بالقوم الآخرين هم بنو إسرائيل (٣).
الفصل الثالث
قواعد الترجيح المتعلقة بالنسخ
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول ... : الأصل عدم النسخ ما لم يقم دليل
صحيح صريح على خلاف ذلك.
المبحث الثاني: النسخ لا يقع في الأخبار.
المبحث الثالث: إن الزيادة على النص ليست بنسخ
المبحث الرابع: الإجماع يعد ناسخا.
المبحث الخامس: التخصيص بعد العمل بالعام،
والتقييد بعد العمل بالمطلق
لا يعد نسخاً.
стр. 336
المبحث الأول
الأصل عدم النسخ ما لم يقم دليل
صحيح صريح على خلاف ذلك
صورة القاعدة:
إذا تنازع المفسرون في تفسير آية من كتاب الله، فمدّّّّعٍ عليها النسخ، ومانع منه, فأصح الأقوال المنع منه، إلا بثبوت التصريح بنسخها، أو انتفاء حكمها من كل وجه، وامتناع الجمع بينها وبين ناسخها. أو كان انتفاء الحكم في بعض الأوجه دون بعض, كالتخصيص ونحوه (١).
شرح مفردات القاعدة:
الأصل:
لغة: قال ابن منظور: "الأصل: أسفل كل شيء وجمعه أصول" (٢).وقال ابن فارس: "الهمزة والصاد واللام ثلاثة أصول متباعد بعضها من بعض، أحدها أساس الشيء " (٣).
اصطلاحا: الأصل هو ما ينبني عليه غيره" (٤).
الدليل:
لغة: قال ابن منظور: "الدليل ما يستدل به. والدليل: الدال. وقد دله على
стр. 337
الطريق يدله دلالة ودلولة. والدليل: الذي يدلك " (١).
اصطلاحا: الدليل هو ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بمطلوب خبري (٢).
النسخ:
لغة: له إطلاقان:
١ - الإزالة، يقال نسخت الشمس الظل أي أزالته، ونسخت الريح آثار الديار: غيرّتها.
٢ - النقل، يقال نسخت الكتاب أي نقلت مافيه إلى آخر (٣).
اصطلاحاً: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر عنه (٤)، وهناك تعريفات أخرى ذكرها العلماء من أرجحها: أنه رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم عنه بخطاب متأخر عنه لكونه جامعا مانع، اختاره الغزالي (٥).
شرح التعريف: أن يكون هناك حكم قد ثبت بخطاب شرعي متقدم فيأتي خطاب آخر من الشارع فجأة وهو متأخر عن الأول فيرفع ذلك الحكم.
стр. 338
مثل: إن الله حكم بأن عدة المرأة المتوفى عنها زوجها حول كامل وذلك بخطاب شرعي وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١) بعد ذلك بزمن يرفع هذا الحكم بخطاب متأخر عنه بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٢) فالرفع هو: إزالة ذلك الحكم على وجه لولا هذا الحكم لبقي مستمرا وثابتا يعمل به؛ فالنسخ إذن: قطع لدوام الحكم فجأة لا بيان مدة انتهاء مدته.
وذكر ابن عاشور التعريف اللغوي للنسخ فقال: إنه يطلق على معنيين:
الأول: إزالة الشيء بشيء آخر كقولهم: نسخت الشمس الظل.
الثاني: الإزالة فقط دون تعويض كقولهم: نسخت الريح الأثر، وعلى الإثبات لكن على إثبات خاص وهو إثبات المزيل.
وذكر ابن عاشور أن الراغب الأصفهاني اقتصر على المعنى الأول أي إزالة صورة وإثبات غيرها عوضها (٣).
стр. 339
وانتقد ابن عاشور الراغب الأصفهاني في تعريفه للنسخ بأنه مجرد الإثبات فقال:
"وأما أن يطلق على مجرد الإثبات فلا أحسبه صحيحا في اللغة، وإن أوهمه ظاهر كلام الراغب وجعل منه قولهم: نسخت الكتاب إذا خططت أمثال حروفه في صحيفتك إذ وجدوه إثباتا محضا، لكن هذا توهم لأن إطلاق النسخ على محاكاة حروف الكتاب إطلاق مجازي بالصورة، أو تمثيلية الحالة بحالة من يزيل الحروف من الكتاب الأصلي إلى الكتاب المنتسخ , ثم جاءت من ذلك النسخة قال تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١) وقال: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (٢) وأما قولهم الولد نسخة من أبيه فمجاز على مجاز.
ولا يطلق النسخ على الزوال بدون إزالة فلا تقول نسخ الليل النهار؛ لأن الليل ليس بأمر وجودي بل هو الظلمة الأصلية الحاصلة من انعدام الجرم المنير " (٣).
стр. 340
وأما عن موقف ابن عاشور من النسخ الاصطلاحي فقد قال: " المعروف عند الأصوليين بأنه: رفع الحكم الشرعي بخطاب، فخرج التشريع المستأنف إذ ليس برفع، وخرج بقولنا: الحكم الشرعي رفع البراءة الأصلية بالشرع المستأنف، إذ البراءة الأصلية ليست حكما شرعيا بل هي البقاء على عدم التكليف الذي كان الناس عليه قبل مجيء الشرع، بحيث إن الشريعة لا تتعرض للتنصيص على إباحة المباحات إلا في مظنة اعتقاد تحريمها، أو في موضع حصر المحرمات أو الواجبات فالأول نحو قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١) في التجارة في الحج، حيث ظن المسلمون تحريم التجارة في عشر ذي الحجة كما كانت عليه الجاهلية بعد الانصراف من ذي المجاز، ومثال الثاني قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٢) بعد ذكر النساء المحرمات وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (٣).
لحصر وجوب الإمساك في خصوص زمن النهار، وفهم من قولهم في التعريف: (رفع الحكم) أن ذلك الحكم كان ثابتا لولا رفعه , وقد صرح به بعضهم , ولذلك اخترنا زيادة قيد في التعريف وهو: رفع الحكم الشرعي المعلوم دوامه بخطاب يرفعه.
стр. 341
ليخرج عن تعريف النسخ رفع الحكم الشرعي المغيا بغاية عند انتهاء غايته، ورفع الحكم المستفاد من أمر لا دليل فيه على التكرار" (١).
ومما تقدم يتبين لنا دقة ابن عاشور في تحريره لمعنى النسخ اللغوي والاصطلاحي، كما أضاف للتعريف الاصطلاحي قيدا على ما ذكره الأصوليون بقوله: هو رفع الحكم الشرعي " المعلوم دوامه" مما يجعله أكثر دقة، كما أن قوله: "بخطاب يرفعه" يجعله أكثر شمولا حيث أن الخطاب يشمل الدليل القطعي (القرآن) والظني (السنة) بخلاف من عرفه بأنه رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر عنه.
وقد رجّح ابن عاشور بهذه القاعدة في تفسيره في أكثر من موضع، ومن ذلك عند قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (٢).
قال: "والمعنى: فإذا قاتلتم المشركين في المستقبل فأمعنوا في قتلهم حتى إذا رأيتم أن قد خضدتم شوكتهم، فأسروا منهم أسرى .. إلى أن قال:
وقوله (بعد) أي بعد الإثخان وهذا تقييد لإباحة المن والفداء، وذلك موكول إلى نظر أمير الجيش بحسب ما يراه من المصلحة في أحد الأمرين كما فعل النبي ﷺ
стр. 342
بعد غزوة هوازن. وهذا هو ظاهر الآية والأصل عدم النسخ وهذا رأي جمهور أئمة الفقه وأهل النظر" (١).
أقوال العلماء في هذه القاعدة:
اعتمد كثير من العلماء الترجيح بهذه القاعدة، منهم الطبري، فقد قال في تفسيره:
" الآية إذا اختلف في حكمها منسوخ هو أم غير منسوخ غير جائز القضاء عليه بأنه منسوخ مع اختلاف المختلفين فيه، ولوجوب حكمها ونفي النسخ عنه وجه صحيح إلا بحجة يجب التسليم لها لما قد بينا في غير موضع من كتبنا الدلالة على صحة القول بذلك " (٢).
ومنهم أبو جعفر النحاس فقد استعمل هذه القاعدة كثيراً، حيث قال في موضع: " إذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للقول بالنسخ " (٣).
كما نصّّّّّّّ الأصوليون على هذه القاعدة، وقرروا أن الأمر إذا دار بين نسخ الحكم وبقائه حمل على بقائه دون نسخه إلا لدليل راجح (٤).
أمثلة تطبيقية على القاعدة:
١ - مثال الوصية:
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا
стр. 343
الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (١).
اختلف المفسرون في هذه الآية من حيث النسخ والإحكام، فذهب جمهور أهل العلم إلى أن الآية منسوخة، واختلفوا في ناسخها؛ فذهب معظمهم إلى أن ناسخها آيات المواريث وقالوا: إن كتب بمعنى فرض، ولذلك فالوصية للوالدين والأقربين واجبة، ثم نسخ ذلك بآيات المواريث، ومنها قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٢)، ومنهم من قال: إن ناسخها هو السنة، ومنهم من قال: إن الناسخ لها هو الإجماع، وهو مذهب الشافعي وأكثر المالكية وجماعة من أهل العلم منهم ابن عاشور.
وذهب الفريق الآخر إلى أن الآيات محكمة (٣).
ورجّح ابن عاشور أن الآية منسوخة حيث يرى نسخ وجوب الوصية في هذه الآية بآية الفرائض، حيث يقول ابن عاشور في معرض تفسيره لهذه الآية: "وبالفرائض نسخ وجوب الوصية الذي اقتضته هذه الآية، وبقيت الوصية مندوبة بناء على أن الوجوب إذا نسخ بقي الندب وإلى هذا ذهب جمهور أهل النظر من العلماء: الحسن وقتادة والنخعي والشعبي ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي والشافعي وأحمد وجابر بن زيد" (٤).
стр. 344
وعلى ضوء القاعدة السابقة قد يتبادر إلى الذهن ابتداء أن ابن عاشور قد خالف القاعدة السابقة في حكمه على الآية بالنسخ، وهو قد نص على أن الأصل عدم النسخ مالم يرد دليل صحيح صريح على خلاف ذلك، لا سيما وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أنها محكمة ولكن الأمر ليس كذلك؛ فقد ساق ابن عاشور بعد أن ذكر أن الآية منسوخة الأدلة التي يراها ناسخة, منها قوله: " ففي البخاري في تفسير سورة النساء عن جابر بن عبد الله قال: عادني النبي وأبو بكر في بني سَلِمَة ماشِيْين فوجدني النبي لا أعقل فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش عليَّ فأفقت فقلت: ما تأمرني أن أَصنع في مالي يا رسول الله فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (١) الآية اهـ (٢).
وممن وافق ابن عاشور في اختياره فيمن سبقه من المفسرين ابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي (٣).
ورجح الطبري أن الآية محكمة غير منسوخة، وكذلك الرازي (٤) , ولم يتطرق القاسمي، ولا الشنقيطي لهذا الخلاف ولا بإشارة.
стр. 345
حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن الآية منسوخة:
استدلوا على القول بالنسخ بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (٢) حيث قالوا بأنها صارت منسوخة بإعطاء الله تعالى أهل المواريث كل ذي حق حقه.
وقال بعض أهل العلم: إن الناسخ لهذه الآية هي السنة المتواترة (٣).
وإلى هذا القول ذهب ابن عاشور حيث رجح كونها منسوخة , وساق الأدلة كما تقدم.
ومن الأدلة التي ساقها على ذلك أيضاً. ما أخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: "كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل الأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع " (٤).
стр. 346
وقوله ﷺ : " إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " (١)(٢).
قال ابن جزي: " الوصية للوالدين والأقربين كانت فرضا قبل الميراث ثم نسخها آية الميراث مع قوله ﷺ : "ألا لا وصية لوارث "، وبقيت الوصية مندوبة لمن لا يرث من الأقربين وقيل معناها: الوصية بتوريث الوالدين والأقربين على حسب الفرائض فلا تعارض بينها وبين المواريث ولا نسخ والأول أشهر" (٣).
قال النحاس: " فمن قال إن القرآن يجوز أن ينسخ بالسنة قال نسخها " لا وصية لوارث" ومن قال من الفقهاء لا يجوز أن ينسخ القرآن إلا قرآن
стр. 347
قال: نسختها الفرائض" (١).
والذين قالوا: إنها صارت منسوخة بالإجماع قالوا: أجمع علماء المسلمين على أنه لا تجوز وصية لوارث (٢).
قال الحافظ ابن حجر: " واختلف في تعيين ناسخ آية "الوصية للوالدين والأقربين " فقيل: آية الفرائض، وقيل الحديث المذكور، وقيل دل الإجماع على ذلك وإن لم يتعين دليله " (٣).
حجة القائلين بأن الآيات محكمة:
رجّح لطبري في تفسيره أن هذه الآية محكمة فقال: " وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ ما قال الزهري لأن قليل المال وكثيره يقع عليه خير، ولم يحد الله ذلك بحد، ولا خص منه شيئا فيجوز أن يحال ظاهر إلى باطن، فكل من حضرته منيته وعنده مال قل ذلك أو كثر، فواجب عليه أن يوصى منه لمن لا يرثه من آبائه وأمهاته وأقربائه الذين لا يرثونه بمعروف كما قال الله جل ذكره وأمر به " (٤).
стр. 348
وذكر الرازي في تفسيره أن هذا من اختيار أبي مسلم الأصفهاني، وتقرير قوله من وجوه:
١ - أنه لا يوجد تعارض أو اختلاف بين آية الوصية وآية المواريث بل آية الوصية مقررة لها والمعنى: كتب ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين في قوله تعالى: " يوصيكم الله في أولادكم" إذ كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى الله به لهم عليه.
٢ - لا منافاة بين ثبوت الوصية للأقرباء وثبوت الميراث فالوصية عطية من حضره الموت، والميراث عطية الله سبحانه , فالوارث جمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين.
٣ - يمكن جعل آية الميراث مخصصة آية الوصية؛ لأن هذه الآية تفهم بعمومها أن الوصية واجبة لكل قريب، وآية المواريث أخرجت القريب الوارث فبقيت آية الوصية مراداً بها القريب الذي لا يرث إما لمانع من الإرث، وإما لأنه محجوب بأقرب منه، وإما لأنه من ذوي الأرحام.
٤ - وقال بعضهم لا منافاة بين هذه الآية وآية المواريث، ومعناها كُتب عليكم تنفيذ ما أوصى الله تعالى به من توريث الوالدين والأقربين، بحيث لا يُنقص من حصصهم شيء.
وقال بعضهم: إن الواجب ألا يقال إنها منسوخة، لأن حكمها ليس بناف حكم ما فرض الله من الفرائض ,فوجب أن يكون حكم "كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا
стр. 349
حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ" كحكم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١)(٢).
وقال محمد عبده: لا دليل على أن آية المواريث نزلت بعد آية الوصية هنا، كما أن السياق ينافي النسخ فإن الله إذا شرع للناس حكماً وعلم أنه مؤقت وأنه سينسخه بعد زمن قريب، فإنه لا يؤكده ويوثقه بمثل ما أكد به أمر الوصية هنا، من كونه حقاً على المتقين، ومن وعيد من بدله (٣).
ومن خلال ما تقدم، يظهر لنا أن ما ذهب إليه أكثر المفسرين كالطبري والرازي ومن قال بقولهما: إن الآية محكمة , إنما هو بناء على القاعدة التي تقضي بأن الحكم إذا دار بين النسخ والأحكام، فالقول بالأحكام مقدم، لأنه الأصل ولا ننتقل عنه إلا بدليل صحيح صريح.
القول الراجح:
إن الآية محكمة وليست منسوخة كما قررّ ابن عاشور , وقد ردّ الرازي على القائلين بالنسخ , ووجَّه أقوالهم بقوله:
١ - قولهم إنها صارت منسوخة بإعطاء الله تعالى أهل المواريث كل ذي حق حقه قول بعيد؛ لأنه لا يمتنع مع قدر من الحق بالميراث وجوب قدر آخر بالوصية وأكثر ما يوجبه ذلك التخصيص لا النسخ.
стр. 350
٢ - قولهم إنها صارت منسوخة بقوله ﵇: " ألا لا وصية لوارث " (١) لا يستقيم حيث هذا خبر واحد ولا يجوز نسخ القرآن به.
قال الزرقاني في مناهل العرفان: "وقد تقرر أن الحق عدم جواز نسخ القرآن بخبر الآحاد " (٢) .. وأجيب: بأن هذا الخبر , وإن كان خبر واحد إلا أن الأئمة تلقته بالقبول فالتحق بالمتواتر.
ومما تقدم يظهر لي أن الخلاف بين العلماء في هذه الآية خلاف لفظي لا حقيقي، حيث إن مآل القولين واحد، فمن قال بأنها محكمة فذلك بناءا على رأيه بأن الوصية في هذه الآية أريد بها غير الوارثين، ومن قال بأنها منسوخة يرى أنها نسخت الوصية للوارثين وبقيت الوصية لغير الوارثين أي نسخا جزئيا.
وفيما يتعلق بالقاعدة فإن من قال بالإحكام من المفسرين نظر إلى أن الأصل عدم النسخ، ومن قال بالنسخ فإنه نظر إلى الأدلة.
ولذلك لا داعي لمثل هذا الاختلاف بين العلماء حيث لا تعارض بين الآيتين. والله أعلم.
يقول السعدي: " إن الله تعالى قدر للوالدين الوارثين وغيرهما من الأقارب الوارثين هذا المعروف في آيات المواريث بعد أن كان مجملا , وبقي الحكم فيمن لم يرثوا من الوالدين الممنوعين من الإرث وغيرهما ممن حجب بشخص أو
стр. 351
وصف فإن الإنسان مأمور بالوصية لهؤلاء وهم أحق الناس ببره وهذا القول تتفق عليه الأمة ويحصل به الجمع بين القولين المتقدمين لأن كلا من القائلين بهما كل منهم لحظ ملحظا واختلف المورد فبهذا الجمع يحصل الاتفاق والجمع بين الآيات لأنه مهما أمكن الجمع كان أحسن من ادعاء النسخ الذي لم يدل عليه دليل صحيح " (١)
وقال الشنقيطي: " لا دليل على بطلان قول من قال إن الوصية للوالدين والأقربين منسوخة بحديث " لا وصية لوارث " والعلم عند الله تعالى" (٢).
٢ - مثال الإنفاق:
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٣).
اختلف المفسرون في هذه الآية، فذهب معظمهم إلى أنها منسوخة بآية الزكاة، وذهب آخرون إلى إنها محكمة (٤)، ورجّح ابن عاشور هذا القول الأخير بناءً على القاعدة الترجيحية فقال: " فليست هاته الآية بمنسوخة بآية الزكاة إذ لا تعارض بينهما حتى نحتاج للنسخ , وليس في لفظ هاته الآية ما يدل على
стр. 352
الوجوب حتى يظن أنها نزلت في صدقة واجبة قبل فرض الزكاة " (١).
واتفق ترجيح ابن عاشور مع الطبري حيث رجّح أن الآية محكمة بناءً على القاعدة وفي ذلك يقول: " ولا دلالة في الآية على صحة ما قال (٢)، لأنه ممكن أن يكون قوله: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ... الآية، حثًا من الله جل ثناؤه على الإنفاق على من كانت نفقته غيرَ واجبة من الآباء والأمهات والأقرباء، ومن سمي معهم في هذه الآية، وتعريفًا من الله عباده مواضع الفضل التي تصرف فيها النفقات " (٣). وكذلك رجّح كل من ابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان هذا القول، وفسّرها ابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي في التطوع , ولم يتعرضوا للخلاف في نسخها وإحكامها (٤).
حجة القائلين بأن الآيات منسوخة بآية الزكاة:
قال ابن الجوزي: " روى السدي عن أشياخه أنه يوم نزلت هذه لم تكن
стр. 353
زكاة , وإنما في نفقة الرجل على أهله والصدقة يتصدقون بها فنسختها الزكاة " (١).
واستدلوا كذلك بما روي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ قال: " نسخت هذه بآية الصدقات في براءة , وروى أبو صالح عن ابن عباس ﵄ قال: نسخ منه الصدقة على الوالدين وصارت الصدقة لغيرهم الذين لا يرثون من الفقراء والمساكين والأقربين " (٢).
وقال المقري: " كان هذا قبل أن يفرض الله الزكاة فلما فرضت الزكاة نسخ الله بها كل صدقة في القرآن (٣) فقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٤).
حجة القائلين بأن الآيات محكمة:
روى ابن جريج أنه سأل المؤمنون رسول الله ﷺ : أين يضعون أموالهم، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ
стр. 354
فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ ٥ فذلك النفقة في التطوع. والزكاة سوى ذلك (١).
وجاء في رواية أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : " أمر بصدقة، فجاء رجل فقال: عندي دينار قال: أنفقه على نفسك قال: عندي آخر قال: أنفقه على زوجتك. قال: عندي آخر. قال: أنفقه على ولدك قال: عندي آخر قال: أنفقه على خادمك قال: عندي آخر قال: أنت أبصر " (٢).
قال ابن عاشور: " والآية دالة على الأمر بالإنفاق على هؤلاء والترغيب فيه، وهي في النفقة التي ليست من حق المال أعني الزكاة، ولا هي من حق الذات من حيث إنها ذات كالزوجة، بل هذه النفقة التي هي من حق المسلمين بعضهم على بعض لكفاية الحاجة وللتوسعة وأولى المسلمين بأن يقوم بها أشدهم قرابة بالمعوزين منهم، فمنها واجبة كنفقة الأبوين الفقيرين والأولاد الصغار الذين لا مال لهم إلى أن يقدروا على التكسب أو ينتقل حق الإنفاق إلى غير الأبوين " (٣).
القول الراجح:
الراجح أن الآية محكمة، قال ابن الجوزي: " والتحقيق أن الآية عامة في الفرض والتطوع فحكمها ثابت غير منسوخ لأن ما يجب من النفقة على الوالدين والأقربين إذا كانوا فقراء لم ينسخ بالزكاة، وما يتطوع به لم ينسخ
стр. 355
بالزكاة، وقد قامت الدلالة على أن الزكاة لا تصرف إلى الوالدين والولد، وهذه الآية بالتطوع أشبه لأن ظاهرها أنهم طلبوا بيان الفضل في إخراج الفضل فبينت لهم وجود الفضل " (١).
وهذا هو الذي قرّره ابن عاشور وغيره من المفسرين، لأن الأصل الإحكام. والنسخ دعوى، ولا تثبت إلا بدليل؛ وصدقة التطوع في الأقربين أفضل منها في غيرهم، يدل عليه ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: " تصدقن ولو من حليكن وكانت زينب تنفق على عبد الله وأيتام في حجرها قال: فقالت لعبد الله: سل رسول الله ﷺ أيجزي عني أن أنفق عليك وعلى أيتامي في حجري من الصدقة؟ فقال: سلي أنت رسول الله ﷺ فانطلقت إلى النبي ﷺ فوجدت امرأة من الأنصار على الباب حاجتها مثل حاجتي فمر علينا بلال فقلنا: سل النبي ﷺ أيجزي عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري وقلنا: لا تخبر بنا فدخل فسأله فقال: من هما؟ قال: زينب. قال: أي الزيانب؟ قال: امرأة عبد الله., قال: نعم لها أجران: أجر القرابة , وأجر الصدقة " (٢)
وروى النسائي وغيره أن النبي ﷺ قال: " يد المعطي العليا وابدأ بمن تعول أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك " (٣).
وأما من ادعى النسخ في الآية بآيات المواريث فقد تولى الرد عليها الرازي