← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 20876

قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عند ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير

عبير بنت عبد الله النعيم

Полный текст (980 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وصف فإن الإنسان مأمور بالوصية لهؤلاء وهم أحق الناس ببره وهذا القول تتفق عليه الأمة ويحصل به الجمع بين القولين المتقدمين لأن كلا من القائلين بهما كل منهم لحظ ملحظا واختلف المورد فبهذا الجمع يحصل الاتفاق والجمع بين الآيات لأنه مهما أمكن الجمع كان أحسن من ادعاء النسخ الذي لم يدل عليه دليل صحيح " (١) وقال الشنقيطي: " لا دليل على بطلان قول من قال إن الوصية للوالدين والأقربين منسوخة بحديث " لا وصية لوارث " والعلم عند الله تعالى" (٢). ٢ - مثال الإنفاق: قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٣). اختلف المفسرون في هذه الآية، فذهب معظمهم إلى أنها منسوخة بآية الزكاة، وذهب آخرون إلى إنها محكمة (٤)، ورجّح ابن عاشور هذا القول الأخير بناءً على القاعدة الترجيحية فقال: " فليست هاته الآية بمنسوخة بآية الزكاة إذ لا تعارض بينهما حتى نحتاج للنسخ , وليس في لفظ هاته الآية ما يدل على

стр. 352

الوجوب حتى يظن أنها نزلت في صدقة واجبة قبل فرض الزكاة " (١). واتفق ترجيح ابن عاشور مع الطبري حيث رجّح أن الآية محكمة بناءً على القاعدة وفي ذلك يقول: " ولا دلالة في الآية على صحة ما قال (٢)، لأنه ممكن أن يكون قوله: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ ... الآية، حثًا من الله جل ثناؤه على الإنفاق على من كانت نفقته غيرَ واجبة من الآباء والأمهات والأقرباء، ومن سمي معهم في هذه الآية، وتعريفًا من الله عباده مواضع الفضل التي تصرف فيها النفقات " (٣). وكذلك رجّح كل من ابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان هذا القول، وفسّرها ابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي في التطوع , ولم يتعرضوا للخلاف في نسخها وإحكامها (٤). حجة القائلين بأن الآيات منسوخة بآية الزكاة: قال ابن الجوزي: " روى السدي عن أشياخه أنه يوم نزلت هذه لم تكن

стр. 353

زكاة , وإنما في نفقة الرجل على أهله والصدقة يتصدقون بها فنسختها الزكاة " (١). واستدلوا كذلك بما روي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ قال: " نسخت هذه بآية الصدقات في براءة , وروى أبو صالح عن ابن عباس ﵄ قال: نسخ منه الصدقة على الوالدين وصارت الصدقة لغيرهم الذين لا يرثون من الفقراء والمساكين والأقربين " (٢). وقال المقري: " كان هذا قبل أن يفرض الله الزكاة فلما فرضت الزكاة نسخ الله بها كل صدقة في القرآن (٣) فقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٤). حجة القائلين بأن الآيات محكمة: روى ابن جريج أنه سأل المؤمنون رسول الله ﷺ : أين يضعون أموالهم، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ

стр. 354

فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ ٥ فذلك النفقة في التطوع. والزكاة سوى ذلك (١). وجاء في رواية أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : " أمر بصدقة، فجاء رجل فقال: عندي دينار قال: أنفقه على نفسك قال: عندي آخر قال: أنفقه على زوجتك. قال: عندي آخر. قال: أنفقه على ولدك قال: عندي آخر قال: أنفقه على خادمك قال: عندي آخر قال: أنت أبصر " (٢). قال ابن عاشور: " والآية دالة على الأمر بالإنفاق على هؤلاء والترغيب فيه، وهي في النفقة التي ليست من حق المال أعني الزكاة، ولا هي من حق الذات من حيث إنها ذات كالزوجة، بل هذه النفقة التي هي من حق المسلمين بعضهم على بعض لكفاية الحاجة وللتوسعة وأولى المسلمين بأن يقوم بها أشدهم قرابة بالمعوزين منهم، فمنها واجبة كنفقة الأبوين الفقيرين والأولاد الصغار الذين لا مال لهم إلى أن يقدروا على التكسب أو ينتقل حق الإنفاق إلى غير الأبوين " (٣). القول الراجح: الراجح أن الآية محكمة، قال ابن الجوزي: " والتحقيق أن الآية عامة في الفرض والتطوع فحكمها ثابت غير منسوخ لأن ما يجب من النفقة على الوالدين والأقربين إذا كانوا فقراء لم ينسخ بالزكاة، وما يتطوع به لم ينسخ

стр. 355

بالزكاة، وقد قامت الدلالة على أن الزكاة لا تصرف إلى الوالدين والولد، وهذه الآية بالتطوع أشبه لأن ظاهرها أنهم طلبوا بيان الفضل في إخراج الفضل فبينت لهم وجود الفضل " (١). وهذا هو الذي قرّره ابن عاشور وغيره من المفسرين، لأن الأصل الإحكام. والنسخ دعوى، ولا تثبت إلا بدليل؛ وصدقة التطوع في الأقربين أفضل منها في غيرهم، يدل عليه ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: " تصدقن ولو من حليكن وكانت زينب تنفق على عبد الله وأيتام في حجرها قال: فقالت لعبد الله: سل رسول الله ﷺ أيجزي عني أن أنفق عليك وعلى أيتامي في حجري من الصدقة؟ فقال: سلي أنت رسول الله ﷺ فانطلقت إلى النبي ﷺ فوجدت امرأة من الأنصار على الباب حاجتها مثل حاجتي فمر علينا بلال فقلنا: سل النبي ﷺ أيجزي عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري وقلنا: لا تخبر بنا فدخل فسأله فقال: من هما؟ قال: زينب. قال: أي الزيانب؟ قال: امرأة عبد الله., قال: نعم لها أجران: أجر القرابة , وأجر الصدقة " (٢) وروى النسائي وغيره أن النبي ﷺ قال: " يد المعطي العليا وابدأ بمن تعول أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك " (٣). وأما من ادعى النسخ في الآية بآيات المواريث فقد تولى الرد عليها الرازي

стр. 356

بقوله: " هذا ضعيف؛ لأنه يحتمل حمل الآية على وجوه لا يتطرق النسخ إليها: أحدها: قال أبو مسلم: الإنفاق على الوالدين واجب عند قصورهما عن الكسب والملك ,وإذا حملنا الآية على هذا الوجه فقول من قال إنها منسوخة بآية المواريث لا وجه له، لأن هذه النفقة تلزم في حال الحياة، والميراث يصل بعد الموت، وأيضا فما يصل بعد الموت لا يوصف بأنه نفقة. وثانيها: أن يكون المراد من أحب التقرب إلى الله تعالى في باب النفقة فالأولى له أن ينفقه في هذه الجهات , فيقدم الأولى فالأولى فيكون المراد به التطوع. وثالثها: أن يكون المراد الوجوب فيما يتصل بالوالدين والأقربين من حيث الكفاية وفيما يتصل باليتامى والمساكين مما يكون زكاة. ورابعها: يحتمل أن يريد بالإنفاق على الوالدين والأقربين ما يكون بعثاً على صلة الرحم وفيما يصرفه لليتامى والمساكين ما يخلص للصدقة , فظاهر الآية محتمل لكل هذه الوجوه من غير نسخ " (١). وأما دعوى النسخ كما يقول السدي: أنها يوم نزلت هذه الآية لم تكن زكاة، وإنما هي النفقة ينفقها الرجل على أهله، والصدقة يتصدق بها، فنسختها الزكاة. فالجواب عليه: أن يقال لأصحاب هذا القول هل الوالدان والأقربون من مستحقي الزكاة حتى تنسخ الزكاة الإنفاق عليهم، وهل كانت الصدقة على

стр. 357

اليتامى والمساكين وابن السبيل واجبة حتى فرضت الزكاة فاعتبرت بديلاً لها؟ . فالآية تقول: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ ثم تقول: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. وإيراد هاتين الجملتين الشرطيتين يوحي بأن الإنفاق الذي في الآية ليس مفروضاً، كما يوحي بهذا إيراده في الآية جواباً عن سؤالهم؛ إذ لو كان مفروضاً لما أخر بيانه حتى يسألوا عنه! ومن البدهي أنه ليس كل والدين يجب الإنفاق عليهما، وأن الأقربين في هذا كالوالدين، فإنما يجب الإنفاق على الفقير العاجز عن الكسب من هؤلاء جميعاً، وبشرط أن يكون هو مستغنيا قادراً على الإنفاق عليهم. إذاً لا صلة للآية إذاً بآية الزكاة، وما ينبغي بحال أن تعتبر منسوخة بهذه الآية، وإلا فهل نستطيع القول بأن الإنفاق على الوالدين المحتاجين والأقربين المحتاجين لم يعد واجباً بعد فرض الزكاة؟ وهل منعت الزكاة الإنفاق تطوعاً، وهو الصدقة (١). ٣ - مثال الحُكم بين اليهود: قال تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ (٢).

стр. 358

اختلف العلماء في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة؛ أي في التخيير بين الحكم بين اليهود أو الإعراض عنهم، وذكر ابن عاشور هذا الخلاف في تفسيره فقال: " فمن العلماء من قال: حكم هذا التخيير مُحْكم غير منسوخ، وقالوا: الآية نزلت في قصّة الرجم (الّتي رواها مالك في الموطأ، والبخاري ومن بعده) وذلك أنّ يهودياً زنى بامرأة يهوديّة، فقال جميعهم: لنسأل محمّداً عن ذلك. فتحاكموا إليه، فخيّره الله تعالى , واختلف أصحاب هذا القول فقال فريق منهم: كان اليهود بالمدينة يومئذٍ أهل موادعة ولم يكونوا أهل ذمّة، فالتّخيير باق مع أمثالهم ممّن ليس داخلاً تحت ذمّة الإسلام، بخلاف الّذين دخلوا في ذمّة الإسلام، فهؤلاء إذا تحاكموا إلى المسلمين وجب الحكم بينهم , وهو قول ابن القاسم في رواية عيسى بن دينار، لأنّ اليهوديين كانا من أهل خيبر أو فَدَك وهما يومئذٍ من دار الحرب في موادعة. وقال الجمهور: هذا التخيير عام في أهل الذمّة أيضاً. وهذا قول مالك ورواية عن الشافعي. قال مالك: الأعراض أولى. وقيل: لا يحكم بينهم في الحدود، وهذا أحد قولي الشافعي. وقيل: التّخيير منسوخ بقوله تعالى بعد: : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (١)، وهو قول أبي حنيفة، وقاله ابن عبّاس، ومجاهد، وعكرمة، والسديّ، وعمر بن عبد العزيز، والنخَعي، وعطاء، الخراساني " (٢).

стр. 359

ورجّح ابن عاشور كون هذه الآيات محكمة، واستبعد القول بالنسخ وفي ذلك يقول: " ويبعده أن سياق الآيات يقتضي أنها نزلت في نسق واحد, فيبعد أن يكون أولها نسخاً لآخرها " (١). وقد وافق قول ابن عاشور قول من سبقه من المفسرين منهم الطبري، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، والألوسي، والقاسمي (٢). في حين ذهب ابن كثير، والشوكاني إلى أن الآية منسوخة (٣) حجة القائلين بأن الآية محكمة: حجتهم في ذلك أنه لا تعارض بين الآيتين، وأنه يمكن الجمع بينهما. فإن قوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٤) فيه التخيير , وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ فيه كيفية الحكم (٥). قال الطبري: " وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: إن حكم هذه الآية ثابتٌ لم ينسخ، وأن للحكَّام من الخِيار في الحكم بين أهل العهد

стр. 360

إذا ارتفعوا إليهم فاحتكموا، وتركِ الحكم بينهم والنظر، مثلُ الذي جعله الله لرسوله ﷺ من ذلك في هذه الآية " (١). وساق الرازي قول الشافعي، وفيه تفصيل: أنه يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه، لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغاراً لهم، فأما المعاهدون الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة فليس بواجب على الحاكم أن يحكم بينهم بل يتخير في ذلك، وهذا التخيير الذي في هذه الآية مخصوص بالمعاهدين (٢). حجة القائلين بأن الآية منسوخة: مدَّعو النسخ هنا بنوه على أن الآية إنما أنزلت أول ما قدم النبي ﷺ المدينة، واليهود فيها يومئذ كثير فكان الأرعى لهم والأصلح أن يُردوا إلى حكامهم فلما قوي الإسلام أنزل الله : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٣) (٤). كما استدل أصحاب هذا القول بما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: " نسخ من هذه السورة آيتان: آية القلائد , وقوله: " فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " ردهم إلى حكامهم حتى نزلت ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قال: فأمر رسول الله ﷺ أن يحكم بينهم بما أنزل الله " (٥).

стр. 361

وفي ذلك يقول النحاس مرجحاً هذا القول: " فثبت أن قول أكثر العلماء أن الآية منسوخة مع ما صح فيها من توقيف ابن عباس ولو لم يأت الحديث عن ابن عباس لكان النظر يوجب أنها منسوخة؛ لأنهم قد أجمعوا جميعا أن أهل الكتاب إذا تحاكموا إلي فله أن ينظر بينهم وأنه إذا نظر بينهم مصيب ثم اختلفوا في الإعراض عنهم على ما ذكرنا فالواجب أن ينظر بينهم لأنه مصيب عند الجماعة وألا يعرض عنهم فيكون عند بعض العلماء تاركا فرضا فاعلا ما لا يحل له ولا يسعه " (١). القول الراجح: إن الآيات محكمة وليست منسوخة , والرسول ﷺ مخير في الحكم بينهم أو الإعراض , فإن اختار الحكم فليكن هذا الحكم بما أنزل الله. وهذا القول هو الذي رجحه ابن عاشور بناءً على قاعدة المبحث بأن الأصل عدم النسخ مالم يرد دليل صحيح صريح على خلاف ذلك. وما استدل به القائلون بالنسخ من أن الآية نزلت أول ما قدم النبي ﷺ إلى المدينة , لا دليل عليه. " ولعله ليس بعيداً ولا خفياً أن الرجم لم يشرع في الإسلام إلا بعد الهجرة بسنوات، فقد فرضت سورة النساء على الزواني , والزناة عقوبة غيره، ثم شرع الحد وهو الجلد بعد ذلك بآية سورة النور، وشرعت السنة مع الجلد لغير المحصنين والمحصنات الرجم للمحصن والمحصنة، فكيف يحكم رسول الله ﷺ

стр. 362

بالرجم على الشريف اليهودي قبل أن يشرع الرجم في الإسلام؟ وهل يتصور هذا منه وقد أمر بأن يحكم بينهم حين يحكم بشريعته هو ما داموا قد اختصموا إليه؟ من أجل هذا نرفض زعم مدعي النسخ: أن الآية المدعى عليها النسخ نزلت أول ما قدم النبي ﷺ المدينة " (١). وقال الطبري: " وإنما قلنا ذلك أولاهما بالصواب، لأن القائلين إن حكم هذه الآية منسوخ، زَعموا أنه نسخ بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وقد دللنا في كتابنا: " كتاب البيان عن أصول الأحكام ": أن النسخ لا يكون نسخًا، إلا ما كان نفيًا لحكمٍ غَيْرِه بكلِّ معانيه، حتى لا يجوز اجتماع الحكم بالأمرين جميعًا على صِحّته بوجه من الوجوه بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وإذْ كان ذلك كذلك وكان غير مستحيل في الكلام أن يقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، ومعناه: وأن أحكم بينهم بما أنزل الله إذا حكمت بينهم، باختيارك الحكم بينهم، إذا اخترت ذلك، ولم تختر الإعراض عنهم، إذ كان قد تقدَّم إعلام المقول له ذلك من قائِله: إنّ له الخيار في الحكم وترك الحكم كان معلومًا بذلك أن لا دلالة في قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، أنه ناسخٌ قوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ لما وصفنا من احتمال ذلك ما بَيَّنَّا، بل هو دليل على مثل الذي دلَّ

стр. 363

عليه قوله: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (١) وإذْ لم يكن في ظاهر التنزيل دليلٌ على نسخ إحدى الآيتين الأخرى، ولا نفي أحد الأمرين حكم الآخر، ولم يكن عن رسول الله ﷺ خبرٌ يصحُّ بأن أحدهما ناسخ صاحبَه، ولا من المسلمين على ذلك إجماعٌ، صحَّ ما قلنا من أن كلا الأمرين يؤيِّد أحدهما صاحبه، ويوافق حكمُه حكمَه، ولا نسخ في أحدهما للآخر (٢). كما رجّح الزرقاني أن الآية محكمة فقال: " إن الآية الثانية متممة للأولى فالرسول مخير بمقتضى الآية الأولى بين أن يحكم بينهم وأن يعرض عنهم، وإذا اختار أن يحكم بينهم وجب أن يحكم بما أنزل الله بمقتضى الآية الثانية وهذا ما نرجحه لأن النسخ لا يصح إلا حيث تعذر الجمع " (٣). وقال الدكتور مصطفى زيد مرجحاً هذا القول بقوله: " وإذا ما نظرنا في المراد بالآيتين المدعى نسخ إحداهما هنا للأخرى لم نجد بينهما من التعارض ما يسوغ النسخ على الإطلاق؛ ذلك أن أولاهما وهي المدعى عليها النسخ تخير النبي ﷺ بين الحكم في خصومهم والإعراض عنهم، والثانية وهي المدعى أنها ناسخة تأمره بأن يحكم بينهم بما أنزل الله، وتنهاه عن أن يتبع أهواءهم. .. فالآيتان إذاً لا تعارض بينهما؛ فإن تخيير النبي ﷺ بين أن يحكم في الخصومة التي رفعوها إليه، وأن يعرض عنها فلا يحكم فيها لا ينافيه أن يؤمر

стр. 364

بالحكم بما أنزل الله، إن هو آثر أن يحكم بل يبينه ويحققه " (١). ٤ - مثال المن والفداء: قال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤)﴾ (٢). اختلف المفسرون في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ فمنهم من ذهب إلى أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٣)، وقوله ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٤)، ومنهم من ذهب إلى أنها ناسخة لقوله تعالى: " فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ

стр. 365

وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١). وقال آخرون بل الآية محكمة وليست منسوخة، وكذا آية القتل محكمة, أي: للإمام المن أو الفداء أو القتل أو الاسترقاق، على ما يراه هو الأصلح، ومنهم من ذهب إلى أنها ثابتة الحكم وأن مخير في من أسره (٢). وقد ساق ابن عاشور هذا الخلاف في تفسيره فقال: " اختلف العلماء في حكم هذه الآية في القتل والمن والفداء والذي ذهب إليه مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وهو أحدُ قولين عن أبي حنيفة رواه الطحاوي، ومِن السلف عبدُ الله بن عمر، وعطاءُ، وسعيدُ بن جبير: أن هذه الآية غير منسوخة، وأنها تقتضي التخيير في أسرى المشركين بين القتل أو المن أو الفداء، وأمير الجيش مخيّر في ذلك. وذهب فريق من أهل العلم إلى أن هذه الآية منسوخة, وأنه لا يجوز في الأسير المشرك إلا القتل بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وهذا قول مجاهد وقتادة والضحاك والسدّي وابن جريج، ورواه العَوفي عن ابن عباس وهو المشهور عن أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد من أصحاب أبي حنيفة: لا بأس أن يُفادى أسرى المشركين الذين لم يسلموا بأسرى المسلمين الذين بيد المشركين. وروى الجصّاص أن النبي ﷺ فدى أسيرين من المسلمين بأسير من المشركين في ثقيف ". ورجّح ابن عاشور أن الآية محكمة فقال: "وهذا أولى من جعلها ناسخة

стр. 366

لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ لما علمت من أن مورد تلك هو تعيين أوقات المتاركة، وأوقات المحاربة، فلذلك لم يقل هؤلاء بحَظْر قتل الأسير في حين أن التخيير هنا وارد بين المنّ والفداء، ولم يذكر معهما القتل " (١). واستند ابن عاشور في كون هذه الآية محكمة إلى القاعدة الترجيحية (الأصل عدم النسخ) فقال -: " وقوله (بعْدُ) أي بعد الإثخان، وهذا تقييد لإباحة المنّ والفداء. وذلك موكول إلى نظر أمير الجيش بحسب ما يراه من المصلحة في أحد الأمرين كما فعل النبي ﷺ بعد غزوة هوازن، وهذا هو ظاهر الآية والأصل عدم النسخ، وهذا رأي جمهور أئمة الفقه وأهل النظر " (٢). واتفق ترجيح ابن عاشور على أن الآية محكمة مع جميع المفسرين الذين اعتمدتهم في هذا البحث (٣). حجة القائلين بأن الآية منسوخة: استدلوا بما روي عن عبد الكريم الجزري، قال: كُتب إلى أبي بكر ﵁ في

стр. 367

أسير أُسر، فذكر أنهم التمسوه بفداء كذا وكذا، فقال أبو بكر: اقتلوه، لقتل رجل من المشركين، أحب إلي من كذا وكذا. وكذلك ما روي عن ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ ... إلى آخر الآية، قال: الفداء منسوخ، نسختها: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ قال: فلم يبق لأحد من المشركين عهد ولا حرمة بعد براءة، وانسلاخ الأشهر الحرم " (١). وذكر ابن عاشور في تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ من سورة التوبة أن هذه الآية نسخت آيات الموادعة والمعاهدة، وأن الآية عمّت جميع المشركين وعمت البقاع إلا ما خصصته الأدلة من الكتاب والسنة " (٢)، ثم عند تفسيره لهذه الآية اختار عدم النسخ لأنه لا يوجد دليل على القول بنسخها. حجة القائلين بأن الآية محكمة: استدلوا على ذلك بعمل الرسول ﷺ وصحابته. روي عن الحسن أنه قال: " أتى الحجاج بأسارى، فدفع إلى ابن عمر رجلا

стр. 368

يقتله، فقال ابن عمر: ليس بهذا أُمرنا، قال الله : ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾. وروي عن معمر، عن الحسن، أنه قال: لا تقتل الأسارى إلا في الحرب يهيب بهم العدوّ , وعن معمر، قال: كان عمر بن عبد العزيز يفديهم الرجل بالرجل، وكان الحسن يكره أن يفادى بالمال. وروي عن معمر أيضاً، عن رجل من أهل الشأم ممن كان يحرس عمر بن عبد العزيز، وهو من بني أسد، قال: ما رأيت عمر قتل أسيرا إلا واحدا من الترك كان جيء بأسارى من الترك، فأمر بهم أن يُسترقوا، فقال رجل ممن جاء بهم: يا أمير المومنين، لو كنت رأيت هذا لأحدهم وهو يقتل المسلمين لكثر بكاؤك عليهم، فقال عمر: فدونك فاقتله، فقام إليه فقتله (١). ومن ذلك المثال يتبين أن مخير بعد أسر الأسير بين القتل والمن أو الفداء وينظر ما وراءه مصلحة. وفي ذلك يقول الطبري: " وغير مستنكر أن يكون جعل الخيار في المنّ والفداء والقتل إلى الرسول ﷺ ، وإلى القائمين بعده بأمر الأمة، وإن لم يكن القتل مذكورا في هذه الآية، لأنه قد أذن بقتلهم في آية أخرى، وذلك قوله: : ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ... الآية، بل ذلك كذلك، لأن رسول الله ﷺ كذلك كان يفعل فيمن صار أسيرا في يده من أهل الحرب،

стр. 369

فيقتل بعضا، ويفادي ببعض، ويمنّ على بعض، مثل يوم بدر قتل عقبة بن أبي مُعَيْطٍ وقد أتي به أسيرا , وقتل بني قُرَيظة، وقد نزلوا على حكم سعد، وصاروا في يده سلما، وهو على فدائهم، والمنّ عليهم قادر، وفادى بجماعة أسارى المشركين الذين أُسروا ببدر، ومنّ على ثمامة بن أثال الحنفيّ، وهو أسير في يده، ولم يزل ذلك ثابتا من سيره في أهل الحرب من لدن أذن الله له بحربهم، إلى أن قبضه إليه ﷺ دائما ذلك فيهم، وإنما ذكر جلّ ثناؤه في هذه الآية المنّ والفداء في الأسارى، فخصّ ذكرهما فيها، لأن الأمر بقتلهما والإذن منه بذلك قد كان تقدم في سائر آي تنزيله مكرّرا، فأعلم نبيه ﷺ بما ذكر في هذه الآية من المنّ والفداء ما له فيهم مع القتل " (١). القول الراجح: إن الآيات محكمة وليست منسوخة، وذلك أنه لا دليل على أن الآية منسوخة بآية السيف، وقد قررّ ابن عاشور هذا فيما تقدم وهذا القول ترجحه القاعدة. والآية ترسم للمؤمنين منهج الحرب، كيف تكون، وكيف تبدأ وكيف تنتهي، وقد ذكر ابن عاشور ما يدل على أنه ليس هناك مجال للنسخ في هذه الآية، وإنما هي مسألة تنظيمية في كيفية القتال عند المواجهة في الحرب والشد عليهم حتى إذا انتهت الحرب ووقعوا في أيديهم فلهم الخيار (٢).

стр. 370

وقال ابن العربي مؤكداً هذا المعنى: " اعلموا وفقكم الله أن هذه الآية من أمهات الآيات ومحكماتها؛ أمر الله سبحانه فيها بالقتال، وبيّن كيفيته كما بينه في قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (١) حسبما تقدم بيانه في الأنفال؛ فإذا تمكن المسلم من عنق الكافر أجهز عليه، وإذا تمكن من ضرب يده التي يدفع بها عن نفسه ويتناول بها قتال غيره فعل ذلك به؛ فإن لم يتمكن إلا ضرب فرسه التي يتوصل بها إلى مراده فيصير حينئذ راجلاً مثله أو دونه، فإن كان فوقه قصد مساواته، وإن كان مثله قصد حطه، والمطلوب نفسه، والمآل إعلاء كلمة الله تعالى؛ وذلك أن الله سبحانه لما أمر بالقتال أولاً، ، وعلم أن ستبلغ إلى الإثخان والغلبة بيّن سبحانه حكم الغلبة بشد الوثاق، فيتخيّر حينئذ المسلمون بين المن والفداء " (٢). وَأَمَّا قَوْلُهُ: : ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ فَقَدْ قَالَ: ﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾ (٣)، وهذا قوله: " والغاية المستفادة من ﴿حَتَّى﴾ في قوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (٤) للتعليل لا للتقييد، أي لأجل أن تضع الحرب أوزارها، أي ليكفّ المشركون عنها فتأمنوا من الحرب عليكم وليست غاية لحكم القتال. والمعنى يستمر هذا الحكم بهذا ليهِن العدوَّ فيتركوا حربكم،

стр. 371

فلا مفهوم لهذه الغاية، فالتعليل متصل بقوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ وما بينهما اعتراض. والتقدير: فضرب الرقاب، أي لا تتركوا القتل لأجل أن تضع الحرب أوزارها، فيكون وارداً مورد التعليم والموعظة، أي فلا تشتغلوا عند اللقاء لا بقتل الذين كفروا لتضع الحرب أوزارها فإذا غلبتموهم فاشتغلوا بالإبقاء على من تغلبونه بالأسر ليكون المنّ بعد ذلك أو الفداء " (١). ، وقد ذكر ذلك ابن عطية وهذا قوله: " وعلى قول أكثر العلماء الآيتان محكمتان، وقوله هنا: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ بمثابة قوله هناك: : ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وصرح هنا بذكر المن والفداء، ولم يصرح به هنالك، وهو مراد متقرر، وهذا هو القول القوي " (٢). وكذلك قال القرطبي: " إذا كان يجوز أن يقع التعبد إذا لقينا الذين كفروا قتلناهم، فإذا كان الأسر جاز القتل والاسترقاق والمفاداة والمن، على ما فيه الصلاح للمسلمين " (٣). ٥ - مثال موالاة الكافرين: قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ

стр. 372

الْمُقْسِطِينَ﴾ (١). اختلف المفسرون في هذه الآية، فمنهم من ذهب إلى أنها منسوخة بآية السيف: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢)، ومنهم من ذهب إلى أنها محكمة (٣). ورجّح ابن عاشور كونها محكمة، وساق قول الطبري في ذلك وهو أنه لا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ، لأن بر المؤمن بمن بينه وبينه قرابة من أهل الحرب، أو بمن لا قرابة بينه وبينه غير محرم إذا لم يكن في ذلك دلالة على عورة لأهل الإسلام (٤). وممن وافق قوله قول ابن عاشور في كون الآية محكمة الطبري، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، والقاسمي، والشنقيطي (٥). وذكر الشوكاني، والألوسي مختلف الأقوال الواردة في الآية ولم يرجحا (٦).

стр. 373

وأهمل ابن كثير دعوى النسخ على هذه الآية ولم يشر إليها فدل على أنها محكمة عنده (١). حجة القائلين بأن الآيات منسوخة بآية القتال: قال ابن زيد: كان هذا الأمر في أول الإسلام زمن الموادعة وترك الأمر بالقتال ثم نسخ. وقال قتادة: نسختها ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢). وقيل: كان هذا الحكم لعلة وهو الصلح، فلما زال الصلح بفتح مكة نسخ الحكم وبقي الرسم يتلى. وقيل: هي مخصوصة في حلفاء النبي ﷺ ومن بينه وبينه عهد لم ينقضه؛ , قاله الحسن. وقال مجاهد: هي مخصوصة في الذين آمنوا ولم يهاجروا. وقيل: يعني به النساء والصبيان لأنهم ممن لا يقاتل؛ فأذن الله في برهم. وقيل: إنها في ضعفة المؤمنين عن الهجرة حينما كانت الهجرة واجبة، فلم يستطيعوا، وعلى كل هذه الأقوال تكون قد نسخت (٣). حجة القائلين بأن الآيات محكمة: استدلوا بما رواه عبد الله بن الزبير عن أبيه أنه قال في هذه الآية: " نزلت في

стр. 374

أسماء بنت أبي بكر , وكانت لها أمّ فى الجاهلية يقال لها قتيلة ابنة عبد العُزّى، فأتتها بهدايا وصناب (١) وأقط وسَمْن، فقالت: لا أقبل لك هدية، ولا تدخلي عليّ حتى يأذن رسول الله ﷺ فذكرت ذلك عائشة لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ ....... إلى قوله: ...... ﴿الْمُقْسِطِينَ﴾ (٢). وقال الرازي: " فالأكثرون على أنهم أهل العهد الذين عاهدوا رسول الله ﷺ على ترك القتال، والمظاهرة في العداوة، وهم خزاعة كانوا عاهدوا الرسول على أن لا يقاتلوه ولا يخرجوه، فأمر الرسول ﵇ بالبر والوفاء إلى مدة أجلهم " (٣). القول الراجح: هو أن الآيات محكمة وليست منسوخة، كما أقرّ ذلك ابن عاشور وغيره من المفسرين بناءً على القاعدة الترجيحية حيث إنه لا دليل على القول بالنسخ. وأما التخصيص الذي ذكره بعض المفسرين في كونه خطاباً خاصاً لأهل مكة وغيره من الأقوال لا دليل عليه وقد ردّ ابن جرير على من خصص وقد

стр. 375

تقدم قوله. وضعّف الشنقيطي الاستدلال بقصة أم أسماء على كون الآيات محكمة، وذكر أنه لا دلالة في قصة أم أسماء على عدم النسخ ولا على إثباته (١). ووصف النحاس القول بأن الآية محكمة بأنه قول حسن بيَّن، وأن ظاهر الآية يدل على العموم (٢). كما ذكر الشنقيطي ما يؤيد عدم النسخ من أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (٣) بأن ذلك رخصة في حالة الخوف والضعف مع اشتراط سلامة الداخل في القلب، فإن مفهومه أنها محكمة وباق العمل بها عند اللزوم، ومفهومه أن المؤمنين إذا كانوا في حالة قوة وعدم خوف وفي مأمنٍ منهم، وليس منهم قتال، وهم في غاية من المسالمة فلا مانع من برهم بالعدل والإقساط معهم، وهذا مما يرفع من شأن الإسلام والمسلمين، بل وفيه دعوة إلى الإسلام بحسن المعاملة وتأليف القلوب بالإحسان إلى من أحسن إليهم، وعدم معاداة من لم يعادهم، كما ذكر أنه مما يدل على عدم النسخ ما جاء في التذييل لهذه الآية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٤) فهذا ترشيح لما قدمنا كما قابل هذا بالتذييل على الآية الأخرى ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ

стр. 376

الظَّالِمُونَ﴾ (١) , ففيه مقابلة بين العدل والظلم , فالعدل في الإحسان، والقسط لمن يسالمك، والظلم ممن يوالي من يعادي قومه. وذكر أيضاً أنه مما ينفي النسخ عدم التعارض بين هذا المعنى، وبين آية السيف، لأن شرط النسخ التعارض، وعدم إمكان الجمع، ومعرفة التاريخ، والجمع هنا ممكن والتعارض منفي، وذلك لأن الأمر بالقتال لا يمنع الإحسان قبله، كما أن المسلمين ما كانوا ليفاجئوا قوماً بقتال حتى يدعوهم إلى الإسلام، وهذا من الإحسان قطعاً، ولأنهم قبلوا من أهل الكتاب الجزية، وعاملوا أهل الذمة بكل إحسان وعدالة " (٢).

стр. 377

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 378

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 379

المبحث الثاني قاعدة النسخ لا يقع في الأخبار صورة القاعدة: إن الأخبار المحضة لا يتطرق إليها النسخ، لأن دخول النسخ فيها تكذيب لقائلها، والله تعالى منزه عن ذلك. ونصوص الوحي قسمان: طلب، وخبر. والقسم الأول: نوعان: طلب فعل، وطلب كف، أي: الأمر والنهي. وهذا القسم يشمل العبادات: أصولها وفروعها، وجميع المعاملات، إضافة إلى الفضائل. ويستثنى من ذلك كليات الشريعة من الضروريات، والحاجيات، والتحسينات، إذ إن الشريعة مبنية على حفظها ومراعاتها، فأصول العبادات: كالصلاة، والصوم والزكاة، والحج، وما يحفظ الكليات الخمس، وما يحقق العدل والإحسان، وما يجلب الفضيلة ويدفع الرذيلة لا يقع فيه النسخ، وإنما يقع في تفاصيل هذه المسائل، وذلك ما يتعلق بالهيئات، والكيفيات، والأمكنة، والأزمنة، والأعداد. والقسم الثاني: وهو الخبر، يكون ماضياً ومستقبلاً، فيدخل في ذلك القصص، والوعد والوعيد، والإخبار عن صفات الجلال والجمال لله ونحوها.

стр. 380

وهذا القسم لا يدخل النسخ في مدلوله، إلا أن يكون خبرا لفظا، إنشاءً معنى، وهو الذي بمعنى الأمر والنهي، فتكون الجملة خبرية لفظاً إنشائية معنى (١). ومن هنا يعلم أن النسخ لا يكون إلا في الأوامر والنواهي سواءً كانت صريحة في الطلب، أو كانت بلفظ الخبر الذي بمعنى الأمر والنهي، على أن يكون ذلك غير متعلق بالاعتقادات التي ترجع إلى ذات الله تعالى وصفاته وكتبه ورسله واليوم الآخر أو الآداب الخلقية , أو أصول العبادات والمعاملات (٢). وهذه القاعدة تبدو واضحة في تفسير ابن عاشور، حيث نجده في معرض تفسيره لبعض الآيات يرد على من يقول أنها منسوخة، ومن ذلك قوله: " وبهذا يعلم أن لا وجه لدعوى كون هذه الآية منسوخة، إذ لا استقامة في دعوى نسخ الخبر" (٣). أقوال العلماء في القاعدة: قال الرازي في معرض تفسيره لقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤) " إن نسخ

стр. 381

الخبر لا يجوز إنما الجائز هو نسخ الأوامر والنواهي " (١). وقال ابن جزي في التسهيل: " وأما النسخ فهو يتعلق بالأحكام لأنها محل النسخ إذ لا تنسخ الأخبار ولا بد من معرفة ما وقع في القرآن من الناسخ والمنسوخ " (٢). وذكر القرطبي في تفسيره أن الجمهور اتفقوا على أن النسخ إنما هو مختص بالأوامر والنواهي، والخبر لا يدخله النسخ لاستحالة الكذب على الله تعالى (٣). وقال السيوطي في الإتقان: " لا يقع النسخ إلا في الأمر والنهي ولو بلفظ الخبر، أما الخبر الذي ليس بمعنى الطلب فلا يدخله النسخ ومنه الوعد والوعيد، وإذا عرفت ذلك عرفت فساد صنع من أدخل في كتب النسخ كثيراً من آيات الإخبار والوعد والوعيد" (٤). كما أكد الزرقاني هذا المعنى فقال: " إن النسخ لا يكون إلا في الأحكام وذلك موضع اتفاق بين القائلين بالنسخ، لكن في خصوص ما كان من فروع العبادات والمعاملات، أما غير هذه الفروع من العقائد وأمهات الأخلاق , وأصول العبادات والمعاملات ومدلولات الأخبار المحضة فلا نسخ فيها على الرأي السديد الذي عليه جمهور العلماء؛ لأن نسخها يؤدي إلى كذب الشارع في أحد خبريه الناسخ والمنسوخ , أما العقائد فلأنها حقائق صحيحة ثابتة لا

стр. 382

تقبل التغيير والتبديل، فبدهي ألا يتعلق بها نسخ " (١). وقال أبو عبد الله الحارث بن إسماعيل بن أسد المحاسبي في كتابه المسمى "فهم القرآن", قال في كلامه على الناسخ والمنسوخ: " وأن النسخ لا يجوز في الأخبار. فلا يحل لأحد أن يعتقد أن مدح الله وأسمائه وصفاته يجوز أن ينسخ منها شيء ...... إلى أن قال: " إذاً الأخبار الخالصة لا يجوز أن يدخلها النسخ؛ ولو دخلها النسخ لكان هذا كذبا, والله منزه عن ذلك" (٢). أمثلة تطبيقية على القاعدة: ١ - مثال الإيمان: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣). اختلف المفسرون في هذه الآية على عدة أقوال , أوصلها أبو حيان إلى ثمانية أقوال في تفسيره (٤)، وسأقتصر على المشهور منها. وسبب اختلاف المفسرين في هذه الآية كما بينه الرازي هو: قوله تعالى في

стр. 383

آخر الآية: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فإن ذلك يقتضي أن يكون المراد من الإيمان في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ غير المراد منه في قوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ونظيره في الإشكال قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ (١) فلأجل هذا الإشكال اختلفوا فمنهم من ذهب إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢) وهو قول ابن عباس ﵁ (٣). ومنهم من ذهب إلى أن الآية غير منسوخة، وأن المقصود بالذين آمنوا هم أهل الحنيفية ممن لم يلحق محمداً ﷺ ، كزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، والذين هادوا كذلك ممن لم يلحق محمداً ﷺ ، إلا من كفر بعيسى ﵇، والنصارى كذلك ممن لم يلحق محمدا ﷺ ، والصابئين كذلك، حيث إنها نزلت في سلمان الفارسي، وأصحابه النصارى، وذكر له الطبري قصة طويلة، مقتضاها أنه صحب عباداً من النصارى فقال له آخرهم: إن زمان نبي قد أظل، فإن لحقته فآمن به، ورأى منهم عبادة عظيمة فلما جاء إلى النبي ﷺ ذكر له خبرهم، وسأله عنهم، فنزلت هذه الآية، وهذا

стр. 384

قول السدي (١). وذهب آخرون إلى أن المراد من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هم الذين يؤمنون باللسان دون القلب وهم المنافقون، فذكر المنافقين ثم اليهود والنصارى والصابئين فكأنه تعالى قال: هؤلاء المبطلون كل من أتى منهم بالإيمان الحقيقي صار من المؤمنين عند الله, وهو قول سفيان الثوري ... (٢). ورجَّح ابن عاشور القول بأن الآية غير منسوخة (٣) واختاره الطبري، والقاسمي (٤). في حين اختار الشوكاني القول الثالث (٥). وساق كلٌ من ابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والألوسي الأقوال كلها ولم يرجحوا (٦).

стр. 385

حجة أصحاب القول الأول وهم القائلون بأن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا .. ﴾: استدلوا على ذلك بما روي عن ابن عباس ﵁ أن هذه الآية نزلت في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (١). قال ابن عاشور: " وأما القائلون بأنها منسوخة، فأحسب أن تأويلها عندهم أن الله أمهلهم في أول تلقي دعوة رسول الله ﷺ إلى أن ينظروا فلما عَاندُوا نسخها بقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ لئلا يفضي قولهم إلى دعوى نسخ الخبر" (٢). ويرتبون على ذلك أن الإسلام مقصور على شريعة محمد ﷺ أي: إن أي إيمان بالله لا يؤجر وأي عمل صالح لا يثاب إلا إذا كان فاعله من المؤمنين بدعوة النبي الكريم وبرسالته. حجة أصحاب القول الثاني وهم القائلون بأن الآية غير منسوخة: استدلوا على ذلك بما رواه مجاهد في قوله: : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ

стр. 386

هَادُوا﴾ فيها أن سلمان الفارسي ﵁ سأل النبي ﷺ عن أولئك النصارى، وما رأى من أعمالهم، قال: " لم يموتوا على الإسلام " قال سلمان: فأظلمت علي الأرض، وذكرت اجتهادهم، فنزلت هذه الآية، فدعا سلمان فقال: " نزلت هذه الآية في أصحابك " ثم قال النبي ﷺ : " من مات على دين عيسى ومات على الإسلام قبل أن يسمع بي فهو على خير، ومن سمع بي اليوم ولم يؤمن بي فقد هلك " (١). قال الطبري: " والذي قلنا من التأويل أشبه بظاهر التنزيل؛ لأن الله جل ثناؤه لم يخصص بالأجر على العمل الصالح مع الإيمان بعض خلقه دون بعض منهم، والخبر بقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ عن جميع ما ذكر في أول الآية " (٢). وقال الراغب الأصفهاني كلاما جميلا في هذه الآية مقتضاه ما ذهب إليه الطبري، وقسّم الإيمان إلى قسمين أحدهما الإقرار بالشهادتين, والثاني تحري اليقين ,وأن قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عني به المتدين بدين محمد أي على الحنيفية، وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ عني به المتحري للاعتقاد اليقيني إلى أن قال: وقول ابن عباس: إن هذا منسوخ بقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ يعنون أن هذه الأديان كلها منسوخة بدين الإسلام، وأن الله

стр. 387

عز وجل جعل لهم الأجر قبل وقت النبي ﵇ , فأما في وقته، فالأديان كلها منسوخة بدينه. أي فليس مراد ابن عباس ومن وافقه أنه تعالى كان وعد من عمل صالحاً من اليهود، ومن ذكر معهم على عمله في الجنة ثم نسخه بآية ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ بل مراده ما ذكر الراغب (١). كما رجح ابن كثير هذا القول بناءً على كونه خبراً , والخبر لا يدخله النسخ فقال: " فإن هذا الذي قاله ابن عباس إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملا, إلا ما كان موافقا لشريعة محمد ﷺ بعد أن بعثه به، فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه ,فهو على هدى وسبيل ونجاة؛ فاليهود أتباع موسى ﵇ والذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم، فلما بعث عيسى وجب على بني إسرائيل إتباعه والانقياد له ,فأصحابه وأهل دينه هم النصارى، فلما بعث الله محمدا خاتما للنبيين, ورسولا إلى بني آدم على الإطلاق ,وجب عليهم تصديقه فيما أخبر , وطاعته فيما أمر والانكفاف عما عنه زجر وهؤلاء هم المؤمنون حقا " (٢). حجة أصحاب القول الثالث الذين يرون أن المقصود بالذين آمنوا في أول الآية هم المنافقون: حجتهم في ذلك أن الله تعالى قال في آخر الآية ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ فدل

стр. 388

ذلك على أن المقصود بالذين آمنوا في أول الآية المنافقون، بدلالة جعلهم مقترنين باليهود والنصارى والصابئين أي آمنوا في الظاهر. واستبعده ابن عاشور وبين أنه غاية في البعد (١). القول الراجح: ومما تقدم تبين لنا أن القول الثاني هو القول الراجح، وهو الذي رجحه ابن عاشور، ووافق ما عليه أكثر المفسرين، وبنى ترجيحه هذا على قاعدة: النسخ لا يقع في الأخبار حيث قال: " وبهذا يعلم أن لا وجه لدعوى كون هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ إذ لا استقامة في دعوى نسخ الخبر إلا أن يقال: إن الله أخبر به عن مؤمني أهل الكتاب والصابئين الذين آمنوا بما جاءت به رسل الله دون تحريف ولا تبديل ولا عصيان وماتوا على ذلك قبل بعثة محمد ﷺ فيكون معنى الآية كمعنى قوله ﷺ فيما ذكر من يؤتى أجره مرتين " ورجل من أهل الكتاب آمن برسوله ثم أمن بي فله أجران " (٢). قال القاسمي في تفسيره: "أي فليس مراد ابن عباس، ومن وافقه، أنه تعالى كان وعد من عمل صالحاً من اليهود، ومن ذكر معهم، على عمله، في الآخرة، الجنة، ثم نسخه بآية: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ

стр. 389

فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ بل مراده ما ذكر الراغب , وهذا مالا شبهة فيه " (١). وفسّر السعدي هذه الآية بقوله: " وذلك والله أعلم - أنه لما ذكر بني إسرائيل وذمهم، وذكر معاصيهم وقبائحهم، ربما وقع في بعض النفوس أنهم كلهم يشملهم الذم، فأراد الباري تعالى أن يبين من لم يلحقه الذم منهم بوصفه" (٢). والواقع إن من يرى أن الآية منسوخة إنما يراه وقد غاب عنه المعنى الحقيقي للإسلام وخفيت عليه خطة الله في البشر، واضطرب في ذهنه معنى النسخ في القرآن، فالإسلام هو الدين الذي أوحى به الله إلى الأنبياء جميعا والرسل كلهم فدعوا إليه وكما قالت الآية الكريمة فإن من آمن بالله وعمل صالحاً من المؤمنين أو اليهود أو النصارى فأجره عند الله ولا خوف عليه ولا حزن , وكل من كان قويم الخلق صحيح العقيدة فهو عند الله, وفي معنى القرآن مسلم , والمقصود من آية ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ الذي دعى إليه كل الأنبياء والرسل والذي اعتنقه أتباعهم , والقرآن يفرق بين المشركين والكفار الذين لا يؤمنون بالله ولا بالرسل ولا يعملون صالحاً وبين أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن هؤلاء من يؤمن بالله ويعمل صالحاً،

стр. 390

وهو المقصود بالآية الكريمة التي تبشر بأن لا خوف عليه ولا حزن. (١) ومما يعضد ترجيح هذا القول قاعدة (إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له على ما خالفه)، وقد رجّح ابن كثير هذا القول بناء على ما ورد في السنة عن سلمان الفارسي من رواية مجاهد، وقد تقدمت. ٣ - مثال المحاسبة: قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٢). اختلف المفسرون في هذه الآية، فذهبت جماعة من المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة، وأن ناسخها هو قوله في السورة نفسها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٣) وذهب آخرون إلى أنها محكمة وأنها من باب الأخبار والبيان (٤). ورجّح ابن عاشور أنها محكمة لكونها من باب البيان والأخبار، وفي ذلك
следующие страницы →