← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 20876

قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عند ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير

عبير بنت عبد الله النعيم

Полный текст (980 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

المبحث الثاني الأصل توافق القراءات في المعنى صورة القاعدة: إن اتحاد معنى القراءتين أولى من اختلافه؛ فإذا وجد قول يجمع معنى القراءات في الآية، وأمكن القول بمقتضاها جميعاً على معنى واحد فهو أولى الأقوال بتفسير الآية (١). وقد اعتنى ابن عاشور بهذه القاعدة، حيث قرّر في المقدمة الثانية من تفسيره أن الأصل توافق القراءات في مدلول اللفظ المختلف في قراءته (٢). أقوال العلماء في القاعدة: قال مكي في توجيهه لأحد القراءات: "وحمل القراءتين على معنى واحد أحسن" (٣). وقرر السمين الحلبي هذه القاعدة عند مناقشته لبعض القراءات بقوله: "الأصل توافق القراءات " (٤). وكذلك الألوسي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ

стр. 562

يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (١) ... وتوجيهه لقراءة يهدي ذكر قراءة حمزة والكسائي (يَهْدِى) كَيَرْمِي، وهو إما لازم بمعنى يهتدي كما هو أحد استعمالات فعل الهداية على المعول عليه، أو متعد أي لا يهدي غيره، ورجح هذا بأنه الأوفق بما قبل فإن المفهوم منه نفي الهداية لا الاهتداء، وقد يرجح الأول بأن فيه توافق القراءات معنى وتوافقها خير من تخالفها (٢). الأمثلة التطبيقية على القاعدة: ١ - قراءة " مالك ": قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣). اختلف القراء في قراءة (مَالِكِ) (٤) وبناء عليه اختلفوا في معناها: وقد ساق ابن عاشور هذا الاختلاف في تفسيره فقال: " وقوله (ملك) قرأه

стр. 563

الجمهور بدون ألف بعد الميم. وقرأه عاصم والكسائي ويعقوب وخلف (مالك) بالألف. ثمّ فسّر ابن عاشور كلا القراءتين فقال: " فالأول: صفة مشبهة صارت اسماً لصاحب المُلك (بضم الميم). والثاني: اسم فاعل من ملك إذا اتصف بالمِلك (بكسر الميم) وكلاهما مشتق من مَلَك، فأصل مادة ملك في اللغة ترجع تصاريفها إلى معنى الشد والضبط كما قاله ابن عطية، ثم يتصرف ذلك بالحقيقة والمجاز، والتحقيق والاعتبار، وقراءة (ملك) بدون ألف تدل على تمثيل الهيئة في نفوس السامعين لأن المَلِك بفتح الميم وكسر اللام هو ذو المُلك بضم الميم والمُلك أخص من المِلك، إذ المُلك بضم الميم هو التصرف في الموجودات والاستيلاء ويختص بتدبير أمور العقلاء وسياسة جمهورهم وأفرادهم وموَاطنهم فلذلك يقال: مَلِك الناس ولا يقال: مَلك الدواب أو الدراهم، وأما المِلك بكسر الميم فهو الاختصاص بالأشياء ومنافعها دون غيره " (١). ثم يذكر ابن عاشور ما يؤكد هذه القاعدة حيث قال بعد أن ذكر القراءتين: " وقد تصدى المفسرون والمحتجون للقراءات لبيان ما في كل من قراءة (ملك) بدون ألف وقراءة (مالك) بالألف من خصوصيات بحسب قَصْر النظر على مفهوم كلمة ملك ومفهوم كلمة (مالك)، وغفلوا عن إضافة الكلمة إلى يوم الدين، فأما والكلمة مضافة إلى يوم الدين فقد استويا في إفادة أنه المتصرف

стр. 564

في شؤون ذلك اليوم دون شبهة مشارك. ولا محيصَ عن اعتبار التوسع في إضافة (ملك) أو (مالك) إلى (يوم) بتأويل شؤون يوم الدين. على أن (مالك) لغة في (ملك) ففي «القاموس»: «وكأمير وكتف وصاحب ذُو الملك» (١). وممن استحضر هذه القاعدة من المفسرين وذهب إلى ما ذهب إليه ابن عاشور ابن عطية والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي ... (٢) ومفهوم قولهم جميعا أنه وإن كان لكل كلمة أو قراءة خاصية إلا أنهما يعودان لمعنى واحد وهو الملكية. أما الطبري فقد رجّح قراءة (ملك) وذكر تعليلاً على ذلك سيأتي (٣). حجة أصحاب القول الأول وهم الذين يرون الأخذ بكلا القراءتين وأن القراءتين متوافقتان في المعنى: قال الرازي: " والجواب: إن الله تعالى مالك الموجودات، وملكها، بمعنى أنه تعالى قادر على نقلها من الوجود إلى العدم، أو بمعنى أنه قادر على نقلها من صفة إلى صفة، وهذه القدرة ليست إلا لله تعالى، فالملك الحق هو الله ، إذا عرفت أنه الملك الحق فنقول: إنه الملك ليوم الدين وذلك لأن

стр. 565

القدرة على إحياء الخلق بعد موتهم ليست إلا لله، والعلم بتلك الأجزاء المتفرقة من أبدان الناس ليس إلا لله، فإذا كان الحشر والنشر والبعث والقيامة لا يتأتى إلا بعلم متعلق بجميع المعلومات وقدرة متعلقة بجميع الممكنات، ثبت أنه لا مالك ليوم الدين إلا الله " (١). وقال القرطبي: "اختلف العلماء أيما أبلغ: ملك أو مالك؟ والقراءتان مرويتان عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر " (٢). حجة أصحاب القول الثاني وهم الذي اختاروا قراءة (ملك) بدون ألف بعد الميم وبنوا عليه معناها: قال الطبري: " وأولى التأويلين بالآية وأصح القراءتين في التلاوة عندي التأويلُ الأول، وهي قراءةُ من قرأ "مَلِكِ" بمعنى "المُلك". لأن في الإقرار له بالانفراد بالمُلك، إيجابًا لانفراده بالمِلْك، وفضيلة زيادة المِلك على المالك، إذْ كان معلومًا أن لا مَلِك إلا وهو مالكٌ، وقد يكون المالكُ لا ملكًا. وبعدُ، فإن الله جلّ ذكره، قد أخبر عبادَه في الآية التي قبل قوله: ﴿مَالِكِ﴾ (٣) أنه مالكُ جميع العالمين وسيَّدهم، ومُصلحُهم، والناظرُ لهم، والرحيم بهم في الدنيا والآخرة، بقوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٤).

стр. 566

وإذْ كان جلّ ذكره قد أنبأهم عن مِلْكه إيَّاهم كذلك بقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فأولى الصّفات من صفاته جل ذكره أن يَتْبَع ذلك ما لم يحْوِه قوله ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، مع قرب ما بين الآيتين من المواصَلة والمجاورة، إذْ كانت حكمتُه الحكمةَ التي لا تشبهها حِكمةٌ، وكان في إعادة وصفه جلّ ذكره بأنه ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ إعادةُ ما قد مضى من وصفه به في قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، مع تقارب الآيتين وتجاوز الصفتين. وكان في إعادة ذلك تكرارُ ألفاظ مختلفة بمعان متفقة، لا تفيد سامع ما كُرِّر منه فائدةً به إليها حاجة. والذي لم يحْوِه من صفاته جلّ ذكره ما قبل قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، المعنى الذي في قوله: (مَلِك يوم الدين)، وهو وصْفه بأنه الملِك. فبيِّن إذًا أن أولى القراءتين بالصواب، وأحقّ التأويلين بالكتاب، قراءة من قرأه (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، بمعنى إخلاص المُلك له يوم الدين، دون قراءة من قرأ (مالك يوم الدين) الذي بمعنى أنه يملك الحكمَ بينهم وفصلَ القضاء، متفرِّدًا به دون سائر خلقه (١). وقال الرازي: " وحجة من قال أن الملك أولى من المالك وجوه: الأول: أن كل واحد من أهل البلد يكون مالكاً أما الملك لا يكون إلا أعظم الناس وأعلاهم فكان الملك أشرف من المالك.

стр. 567

الثاني: أنهم أجمعوا على أن قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ﴾ (١) لفظ الملك فيه متعين، ولولا أن الملك أعلى حالاً من المالك وإلا لم يتعين. الثالث: الملك أولى لأنه أقصر، والظاهر أنه يدرك من الزمان ما تذكر فيه هذه الكلمة بتمامها، بخلاف المالك فإنها أطول، فاحتمل أن لا يجد من الزمان ما يتم فيه هذه الكلمة هكذا نقل عن أبي عمرو، وأجاب الكسائي بأن قال: إني أشرع في ذكر هذه الكلمة فإن لم أبلغها فقد بلغتها حيث عزمت عليها، نظيره في الشرعيات من نوى صوم الغد قبل غروب الشمس من اليوم في أيام رمضان لا يجزيه، لأنه في هذا اليوم مشتغل بصوم هذا اليوم، فإذا نوى صوم الغد كان ذلك تطويلاً للأمل، أما إذا نوى بعد غروب الشمس فإنه يجزيه؛ لأنه وإن كان ذلك تطويلاً للأمل إلا أنه خرج عن الصوم بسبب غروب الشمس، ويجوز أن يموت في تلك الليلة، فيقول: إن لم أبلغ إلى اليوم فلا أقل من أكون على عزم الصوم، كذا ههنا يشرع في ذكر قوله مالك فإن تممها فذاك وإن لم يقدر على إتمامها كان عازماً على الإتمام وهو المراد" (٢). حجة أصحاب القول الثالث وهم الذين اختار قراءة (مالك) بالألف وبنوا عليه معناها: قال الرازي: حجة من قرأ مالك وجوه:

стр. 568

الأول: أن فيه حرفاً زائداً فكانت قراءته أكثر ثواباً. الثاني: أنه يحصل في القيامة ملوك كثيرون، أما المالك الحق ليوم الدين فليس إلا الله. الثالث: المالك قد يكون ملكاً وقد لا يكون، كما أن الملك قد يكون مالكاً وقد لا يكون فالملكية والمالكية قد تنفك كل واحدة منهما عن الأخرى إلا أن المالكية سبب لإطلاق التصرف، والملكية ليست كذلك فكان المالك أولى. الرابع: أن الملك ملك للرعية، والمالك مالك للعبيد، والعبد أدون حالاً من الرعية، فوجب أن يكون القهر في المالكية أكثر منه في الملكية، فوجب أن يكون المالك أعلى حالاً من الملك. الخامس: أن الرعية يمكنهم إخراج أنفسهم عن كونهم رعية لذلك الملك باختيار أنفسهم، أما المملوك فلا يمكنه إخراج نفسه عن كونه مملوكاً لذلك المالك باختيار نفسه، فثبت أن القهر في المالكية أكمل منه في الملكية. السادس: أن الملك يجب عليه رعاية حال الرعية، قال ﵊ وكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، ولا يجب على الرعية خدمة الملك. أما المملوك فإنه يجب عليه خدمة المالك وأن لا يستقل بأمر إلا بإذن مولاه، حتى إنه لا يصح منه القضاء وة والشهادة وإذا نوى مولاه السفر يصير هو مسافراً، وإن نوى مولاه الإقامة صار هو مقيماً؛ فعلمنا أن الانقياد والخضوع في المملوكية أتم منه في كونه رعية، فهذه هي الوجوه الدالة

стр. 569

على أن المالك أكمل من الملك" (١). قال القرطبي: " وقيل (مالك) أبلغ؛ لأنه يكون مالكاً للناس وغيرهم؛ فالمالك أبلغ تصرفاً وأعظم؛ إذ إليه إجراء قوانين الشرع، ثم عنده زيادة التملك" (٢). القول الراجح: هو ما ذهب إليه ابن عاشور هو الأخذ بكلا القراءتين لأنهما متواترتان , وأن الأصل في معنييهما يعود إلى شيء واحد. ومن قال بأن لكل قراءة معنى أو مزية، أو فيها زيادة على الأخرى فنحن لا نصادمه، والأمر في ذلك واسع، ولكن ما نرفضه هو تقديم قراءة متواترة على أخرى مثلها، أو الأخذ بقراءة ورد الأخرى. قال ابن عطية: " وفي الترمذي أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ قرؤوا «ملك يوم الدين» بغير ألف، وفيه أيضاً أنهم قرؤوا «مالك يوم الدين» بألف. قال أبو بكر: والاختيار عندي «ملك يوم الدين» لأن «الملك» و «المالك» يجمعهما معنى واحد وهو الشد والرّبط كما قالوا: ملكت العجين أي شددته إلى غير ذلك من الأمثلة، والملك أفخم وأدخل في المدح، والآية إنما نزلت بالثناء والمدح لله سبحانه، فالمعنى أنه ملك الملوك في ذلك اليوم، لا ملك لغيره " (٣).

стр. 570

ومما تقدم تبين لنا مدى تطبيق ابن عاشور لهذه القاعدة وهي (الأصل توافق القراءات في المعنى) كما أن المثال السابق دليل واضح على استحضار ابن عاشور للقاعدة المتقدمة وهي أن (القراءات المتواترة حق كلها). ٢ - قراءة " الصابئين": قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١). اختلف العلماء في قراءة الصابئين وبالتالي اختلفوا في معناها (٢): قال ابن عاشور: " وأما قوله: (والصابئين) فقرأه الجمهور بهمزة بعدَ الموحدة على صيغة جمع صَابئ بهمزة في آخره. وقرأه نافع وحده بياء ساكنة بعد الموحدة المكسورة على أنه جمع صَاببٍ منقوصاً. ثم فسَّر ابن عاشور كل قراءة بقوله: " فأما على قراءة الجمهور، فالصابئون لعله جمع صابئ , وصابئ لعله اسم فاعل صَبَأ مهموزاً أي ظهر وطلع، يقال صَبَأ النجم أي طلع.

стр. 571

وأما على قراءة نافع فجعلوها جمع صاب مثل رام على أنه اسم فاعل من صبا يصبو إذا مال قالوا: لأن أهل هذا الدين مالوا عن كل دين إلى دين عبادة النجوم , ولو قيل لأنهم مالوا عن أديان كثيرة إذ اتخذوا منها دينهم كما ستعرفه لكان أحسن " (١). ولقد استحضر ابن عاشور هذه القاعدة في تفسيره وذلك يتبين من رده للمعنى الآخر وهو الميل وهذا بناءً على القاعدة الحاضرة في ذهنه وهي (أن الأصل توافق القراءات في المعنى أو تقاربهما). أما الطبري فقد اقتصر على القراءة بالهمز، ولم يذكر القراءات الأخرى. في حين نجد معظم المفسرين منهم ابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، والشوكاني والألوسي، والقاسمي قد ذكروا كلا القراءتين ومعناهما، ولم يعقبوا على ذلك. أما الرازي فقد ذكر كلا القراءتين، واختار قراءة الهمز، وذلك بناءً على معناها (٢)، وإليك التفصيل: حجة أصحاب القول الأول وهم الذين يرون أن القراءتين متوافقتان في المعنى: حجتهم في ذلك أن الأصل توافق القراءات في المعنى.

стр. 572

قال ابن عاشور: " وليس هو من صبا يصبو إذا مال؛ لأن قراءة الهمز تدل على أن ترك تخفيف الهمز في غيرها تخفيف؛ لأن الأصل توافق القراءات في المعنى " (١). حجة أصحاب القول الثاني وهم الذين يرون أن الصابئين بمعنى الخارجين وبنوا هذا المعنى على القراءة أو العكس ... : قال الطبري: و"الصابئون" جمع"صابئ"، وهو المستحدث سوى دينه دينا، كالمرتد من أهل الإسلام عن دينه. وكل خارج من دين كان عليه إلى آخر غيره، تُسَميَّه العرب: "صابئاً ". يقال منه: "صبأ فلان يصبأ صبْأ". ويقال: "صبأت النجوم": إذا طلعت."وصبأ علينا فلان موضع كذا وكذا"، يعني به: طلع (٢). قال الفارسي: " يقال صبأت على القوم بمعنى طرأت، فالصابئ التارك لدينه الذي شرع له إلى دين غيره، كما أن الصابئ على القوم تارك لأرضه ومتنقل إلى سواها " (٣). وذهب الرازي إلى أن المعنى المراد من الصابئين هو: الخارجين؛ أي الخارج من دين إلى دين، وبناء على ذلك اختار قراءة الهمز وقال: إنها الأكثر وإلأقرب إلى معنى التفسير (٤). كما أن الذين أخذوا بهذه القراءة إنما اختاروها لأنها على الأصل.

стр. 573

ومن ذلك قول ابن عاشور وقد تقدم: " وليس هو من صبَا يصبو إذا مال لأن قراءة الهمز تدل على أن ترك تخفيف الهمز في غيرها تخفيف لأن الأصل توافق القراءات في المعنى " (١). حجة أصحاب القول الثاني وهم الذين يرون أن (الصابئين) بمعنى مائلين: وهم الذين يرون أن الصابئين من صبا يصبو إذا مال وبنوا هذا المعنى على القراءة التي اختاروها وهي الصابين بدون همز، وهذا قول نافع ولذلك لم يهمز (٢). القول الراجح: هو ما ذهب إليه ابن عاشور من أنه ليس هناك خلاف أصلاً بين القراءتين , وإنما القراءة الثانية بدون همز من باب التسهيل، فيكون المعنى في كلاهما على الأصل وهو الهمز، وهذا يدل على مدى استحضاره للقاعدة. وهذا الذي يراه ابن عاشور نجده واضحاً عند الشاطبي في قوله: وَفي الصَّابِئِينَ الْهَمْزَ وَالصَّابِئُونَ خُذْ وَهُزْؤاً وَكُفْؤاً في السَّوَاكِنِ (فُـ) صِّلاَ. أي خذ الهمز فيهما لأنه الأصل (٣) .. ٣ - قراءة " لامستم ": قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ

стр. 574

الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (١) اختلفت قراءات القراء في كلمة (لَامَسْتُمُ) (٢) وقد ساق هذا الخلاف ابن عاشور في تفسيره فقال: " وقرأ الجمهور "لامستم" بصيغة المفاعلة؛ وقرأه حمزة والكسائي وخلف " لمستم "بدون ألف، ورجّح ابن عاشور أن القراءتين بمعنى واحد فقال: " وهما بمعنى واحد على التحقيق، ومن حاول التفصيل لم يأت بما فيه تحصيل، وأصل اللّمس المباشرة باليد أو بشيء من الجسد " (٣). وهذا المثال يدل على استحضار ابن عاشور لهذه القاعدة. وقد ذهب إلى ذلك جميع من اعتمدتهم من المفسرين (٤). أما الخلاف الواقع بين المفسرين في معناها فذلك بناءً على اختلاف القراءات فيما يبدو لي حيث اختلفوا هل المراد بقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الجماع،

стр. 575

فتكون الآية نصاً في جواز التيمم للجنب، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة، أو المراد بذلك مجرد اللمس باليد، وهو المس الذي يكون لشهوة. حجة أصحاب القول الأول وهم الذين يرون أن القراءتين متوافقتان في المعنى: قال ابن عطية: "وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم (لامستم) , وقرأ حمزة والكسائي (لمستم) وهي في اللغة لفظة قد تقع للمس الذي هو الجماع، وفي اللمس الذي هو جس اليد والقبلة ونحوه، إذ في جميع ذلك لمس، واختلف أهل العلم في موقعها هنا: فمالك يقول: اللفظة هنا على أتم عمومها تقتضي الوجهين، فالملامس بالجماع يتيمم، والملامس باليد يتيمم، لأن اللمس نقض وضوءه " (١). حجة أصحاب القول الثاني وهم القائلون بأن المقصود باللمس هو اللمس باليد وبنى بعضهم هذا المعنى على القراءة "لمستم": قالوا: إن اللمس حقيقة في الجس باليد، والأصل حمل الكلام على حقيقته لأنه الراجح (٢). كما أن من حجتهم في ذلك أن اللمس لا ينقض الطهارة، وبما أن الله يقول: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ دل ذلك على أن المقصود بالملامسة اللمس باليد فقط، لأن الجماع يتطلب الغسل، ولكن هذا القول يرده:

стр. 576

الأحاديث الدالة على جواز التيمم من الجماع. حجة أصحاب القول الثالث وهم القائلون بأن اللمس هو الجماع وبنوا هذا المعنى على قراءة " لامستم": حيث قالوا: إن لامستم أبلغ من لمستم (١). كما أنهم احتجوا على أن المعني باللمس هنا الجماع لوروده في غير هذه الآية بمعناه، فدل على أنه من كنايات التنزيل. قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٢) , وقال تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (٣)، وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵁ في هذه الآية ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قال: الجماع (٤)، وروى ابن جرير عنه قال: إن اللمس والمس والمباشرة: الجماع ولكن الله يكني ما شاء بما شاء (٥). القول الراجح: ماذكره ابن عاشور من أن الأصل توافق القراءات في المعنى كما تقدم. قلت: وهذا اللمس الذي يستوجب التيمم هو اللمس بشهوة، وقد انتهى

стр. 577

تحقيق العلماء في لمس المرأة أنه لا ينقض الوضوء إلا إذا كان بشهوة , وكان الملامس يعرف من نفسه أنه يخرج منه مذي باللمس، وأما إذا لم يؤد اللمس إلى خروج المذي، فلا ينقض اللمس الوضوء، وبذلك يتبين أن المقصود من اللمس في الآية هو ما كان بشهوة , وبالتالي لا فرق في المعنى بين القراءتين. قال الطبري بعد أن ذكر القراءتين: " وهما قراءتان متقاربتا المعنى، لأنه لا يكون الرجل لامساً امرأته إلا وهي لامسته اللمس في ذلك يدل على معنى اللماس، واللماس على معنى اللمس من كل واحد منهما صاحبه، فبأي القراءتين قرأ ذلك القارئ فمصيب لاتفاق معنييهما " (١). وقال الرازي: "واعلم أن هذا القول أرجح من الأول- أي القول بأن اللمس التقاء البشرتين سواءً كان بجماع أو غيره-، وذلك لأن إحدى القراءتين هي قوله تعالى: (أو لمستم النساء) واللمس حقيقته المس باليد، فأما تخصيصه بالجماع فذاك مجاز، والأصل حمل الكلام على حقيقته. وأما القراءة الثانية وهي قوله: (أو لامستم) فهو مفاعلة من اللمس، وذلك ليس حقيقة في الجماع أيضاً، بل يجب حمله على حقيقته أيضاً، لئلا يقع التناقض بين المفهوم من القراءتين المتواترتين " (٢). ويؤكد هذا القاسمي بقوله: " ومما يؤكد بقاء اللمس على معناه الحقيقي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ

стр. 578

لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (١) أي جسوه، ومنه ما ثبت في الصحيحين: " أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الملامسة " (٢) وهو يرجع إلى الجس باليد" (٣). ٤ - قراءة " تلووا": قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٤). اختلف القراء في قراءة "تلووا" (٥) وبناءً عليه حصل الخلاف بين المفسرين في معناها، وإليك التفصيل:

стр. 579

قال ابن عاشور: " قرأ الجمهور: (تَلْوُوا) بلام ساكنة وواوين بعدها، أولاهما مضمومة فهو مضارع لَوَى، واللّي: الفَتل والثَّنْي. وتفرّعت من هذا المعنى الحقيقي معان شاعت فساوت الحقيقة، منها: عدول عن جانب وإقبالٌ على جانب آخر , فإذا عُدّي بعن فهو انصراف عن المجرور بعن، وإذا عديّ بإلى فهو انصراف عن جانب كان فيه، وإقبالٌ على المجرور بعلى، قال تعالى: ﴿ولا تَلْوُون على أحد﴾ (١) أي لا تعطفون على أحد. ومن معانيه: لوى عن الأمر تثاقل، ولوى أمره عنّي أخفاه، ومنها: ليّ اللسان، أي تحريف الكلام في النطق به أو في معانيه، وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿يَلْوُون ألسنتهم بالكتاب﴾ (٢)، وقولِه: ﴿ليَّا بألسنتهم﴾ (٣) في هذه السورة. فموقع فعل (تَلووا) هنا موقع بليغ لأنّه صالح لتقدير متعلِّقِه المحذوف مجروراً بحرف (عن) أو مجروراً بحرف (على) فيشمل معاني العدول عن الحقّ في الحكم، والعدول عن الصدق في الشهادة، أو التثاقل في تمكين المحقّ من حقّه وأداء الشهادة لطالبها، أو الميْل في أحد الخصمين في القضاء والشهادة. وأمّا الإعراض فهو الامتناع من القضاء ومن أداء الشهادة والمماطلة في الحكم مع ظهور الحقّ، وهو غير الليّ كما رأيت. وقرأه ابن عامر، وحمزة، وخلف: (وأن تَلُوا) بلام مضمومة بعدها واو

стр. 580

ساكنة فقيل: هو مضارع وَلِيَ الأمرَ، أي باشره " (١). ومما يدل على استحضار ابن عاشور لهذه القاعدة في تفسيره فإنه بعد أن ذكر القراءة الثانية والمعنى المترتب عليها قال: " فالمعنى: وإن تلوا القضاء بين الخصوم فيكون راجعاً إلى قوله: (أن تعدلوا) ولا يتّجه رجوعه إلى الشهادة، إذ ليس أداء الشهادة بولاية. والوجه أنّ هذه القراءة تخفيف (تَلْوُوا) نقلت حركة الواو إلى الساكن قبلها فالتقى واوان ساكنان فحذف أحدهما، ويكون معنى القراءتين واحداً " (٢). وممن أيضا من المفسرين لا يرون هذا المعنى الآخر من القراءة الثانية الطبري إلا أنه ضعّف القراءة به حيث قال: " وهذا معنى إذا وجّه القارئ قراءته على ما وصفنا، إليه خارج عن معاني أهل التأويل، وما وجّه إليه أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون، تأويلَ الآية. فإذْ كان فساد ذلك واضحًا من كلا وجهيه، فالصواب من القراءة الذي لا يصلح غيره أن يقرأ به عندنا: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ اللي" الذي هو مطل " (٣). أما ابن عطية فقد احتمل المعنيين من القراءة حيث قال: "وذلك يحتمل أن يكون أصله «تلئوا» على القراءة الأولى، همزت الواو المضمومة كما همزت في أدؤر، وألقيت حركتها على اللام التي هي فاء «لوى» ثم حذفت لاجتماع

стр. 581

ساكنين، ويحتمل أن تكون «تلوا» من قولك ولي الرجل الأمر " (١). وقريب منه الرازي، والقرطبي إلا أنهما ساقا قول النحاس والزجاج ومقتضى قولهما أن القراءة الثانية يؤول معناها إلى القراءة الأولى كما ذكر ابن عاشور، وهذا التفصيل ذكره أبو حيان والشوكاني، والألوسي. أما ابن كثير والقاسمي فلم يتطرقا لذكر هذه القراءات واكتفيا بالمعنى الأول وهو التحريف وتعمد الكذب (٢). حجة أصحاب القول الأول وهم الذين يرون أن القراءتين متفقتان في المعنى: قال النحاس: " زعم بعض النحويين أن من قرأ (تلُوا) فقد لحن، لأنه لا معنى للولاية ها هنا , وليس يلزم هذا ولكن تكون (تلوا) بمعنى (تلووا) وذلك أن أصله (تلووا) فاستثقلت الضمة على الواو بعدها واو أخرى، فألقيت الحركة على اللام وحذفت إحدى الواوين لالتقاء الساكنين، وهي كالقراءة بإسكان اللام وواوين، ذكره مكي " (٣). وقال الزجاج: " المعنى على قراءته (وإن تلووا) ثم همز الواو الاولى فصارت

стр. 582

(تلؤوا) ثم خففت الهمزة بإلقاء حركتها على اللام فصارت (تلوا) وأصلها (تلووا) فتتفق القراءتان على هذا التقدير" (١). حجة أصحاب القول الثاني، وهم الذين اختاروا قراءة (تَلْوُوا) بلام ساكنة وواوين بعدها، ورتبوا عليها المعنى: قال الطبري: " لَيُّ الشاهد شهادته لمن يشهد له وعليه، وذلك تحريفه إياها بلسانه، وتركه إقامتها، ليبطل بذلك شهادته لمن شهد له، وعمن شهد عليه؛ وإنما قلنا: هذا التأويل أولى بالصواب، لأن الله جل ثناؤه قال: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ كونوا قوامين بالقسط شهداء الله"، فأمرهم بالقيام بالعدل شهداء " (٢). حجة أصحاب القول الثالث، وهم الذين قرأوا (تَلُو) ورتبوا عليه معناها: وهي قراءة ابن عامر وحمزة وخلف، ورتبوا عليها المعنى وهو الولاية أي تلوا أمور الناس وهذا للولاة والحكام (٣). القول الراجح: هو ما ذهب إليه ابن عاشور من الأخذ بكلا القراءتين؛ وذلك لأنهما متواترتان، غير أن معنى القراءة الثانية يعود إلى نفس معنى القراءة الأولى فتكون

стр. 583

القراءتين متفقتان في المعنى. أما ردّ القراءة الثانية فهذا غير جائز؛ لأنه ردٌ لقراءة متواترة. قال أبو حيان: " لحّن بعض النحويين قارئ هذه القراءة يعني قراءة (تلُو) بضم اللام -: قال: لا معنى للولاية هنا، وهذا لا يجوز لأنها قراءة متواترة في السبع، ولها معنى صحيح وتخريج حسن" (١). ويجلي ذلك ما ذكره علماء اللغة. قال أبو علي الفارسي: "حجة من قال تلووا بواوين من لوى أن يقول: ما ذكرتم أن الدلالة وقعت عليه في قراءتكم (تلُوا) بواو واحدة فيستغنى به، ولا ينكر أن يتكرر اللفظان لمعنى واحد " (٢). ٥ - قراءة يضاعف: قال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (٣). اختلف القراء في قراءة " يُضَاعَفْ "، وقد ساق هذا الخلاف ابن عاشور في تفسيره فقال: "قرأ الجمهور (يضاعَف) بتحتية في أوله للغائب وفتح العين مبنياً للنائب , ورفع (العذابُ) على أنه نائب فاعل.

стр. 584

وقرأه ابن كثير وابن عامر (نضَعِّف) بنون العظمة وبتشديد العين مكسورة ونصب (العذابَ) على المفعولية؛ فيكون إظهار اسم الجلالة في قوله بعده: (وكان ذلك على الله يسيراً) إظهاراً في مقام الإضمار. وقرأه أبو عمرو ويعقوب (يُضَعَّف) بتحتية للغائب وتشديد العين مفتوحة. ومفاد هذه القراءات متّحِدُ المعنى على التحقيق " (١). ومن هذا المثال نلحظ تطبيق ابن عاشور في تفسيره لهذه القاعدة حيث أنه بعد أن ذكر القراءات الواردة فيها ذكر أن معناها واحد. وموقف ابن عاشور من هذه القراءات، في أنها متحدة في المعنى هو ما ذهب إليه بعض المفسرين ومنهم الطبري حيث رد قول من فرّق بين قراءة يضاعف ويضعف، إلا أنه رجّح قراءة الجمهور وردّ ما عداها وهذا ما عهدناه منه في طريقته في الترجيح بين القراءات (٢). وكذلك ممن ذهب من المفسرين إلى أن القراءات متحدة في المعنى: ابن عطية والقرطبي، وأبو حيان، والشوكاني (٣). أما الرازي، وابن كثير و، القاسمي والشنقيطي فلم يتطرقوا لذكر القراءات في كلمة يضاعف في هذه الآية.

стр. 585

وذكرها الألوسي ولم يرجح قراءة أو معنى قراءة على أخرى (١). حجة أصحاب القول الأول وهم الذين يرون أن القراءات متفقة في المعنى: قال النحاس: فرق أبو عمرو بين " يضاعف ويضعف " قال: " يضاعف " للمرار الكثيرة. و" يضعف " مرتين، وقرأ " يضعف " لهذا. وقال أبو عبيدة: " يضاعف لها العذاب " يجعل ثلاثة أعذبة. قال النحاس: التفريق الذي جاء به أبو عمرو وأبو عبيدة لا يعرفه أحد من أهل اللغة علمته، والمعنى في " يضاعف ويضعف " واحد، أي يجعل ضعفين، كما تقول: إن دفعت إلى درهما دفعت إليك ضعفيه، أي مثليه، يعني درهمين. ويدل على هذا ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ (٢) ولا يكون العذاب أكثر من الأجر. وقال في موضع آخر ﴿آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٣) آتهم ضعفين من العذاب " أي مثلين. وروى معمر عن قتادة " يضاعف لها العذاب ضعفين " قال: عذاب الدنيا وعذاب الآخرة (٤).

стр. 586

حجة أصحاب القول الثاني وهم الذين اختاروا قراءة (يُضَاعَف) وبنوا عليها معناها: وهذه قراءة الجمهور وهم: نافع وعاصم وحمزة والكسائي (١). وذكر أبو عبيدة أن معنى يضاعف على هذه القراءة مضاعفة العذاب مرات، حيث يقول: " يضاعف للمرار الكثيرة ويضعف مرتين " (٢). وضعف هذا المعنى الطبري، وكذلك ابن عطية، والألوسي. قال ابن عطية: وكون الأجر مرتين مما يفسد هذا القول؛ لأن العذاب في الفاحشة بإزاء الأجر في الطاعة (٣). حجة أصحاب القول الثالث وهم الذين اختاروا قراءة (يُضَعَّفْ) وبنوا عليها المعنى: وهذه قراءة أبي عمرو (٤)، قال الطبري بعد أن ذكر قراءته: " إنه قرأها كذلك تأولاً منه في قراءته أنِّ يضعف، بمعنى تضعيف الشيء مرة واحدة، وذلك أن يجعل الشيء شيئين، فكأن معنى الكلام عنده: أن يجعل عذاب من يأتي من نساء النبي ﷺ بفاحشة مبينة في الدنيا والآخرة، مثلي عذاب سائر النساء غيرهن،

стр. 587

ويقول: أنَّ يضاعف بمعنى أن يجعل الشيء إلى الشيء مثلاه، حتى يكون ثلاثة أمثاله فكأن معنى من قرأ يضاعف عنده كان أن عذابها ثلاثة أمثال عذاب غيرها من النساء من غير أزواج النبي ﷺ فلذلك اختار يضعف على يضاعف (١). حجة أصحاب القراءة الثالثة (نُضَعِّفْ) في اختيارهم لها: وهذه قراءة ابن كثير وابن عامر (٢). قال أبو علي الفارسي: " من قال نُضَعِّفْ فالفعل مسند إلى ضمير اسم الله تعالى" (٣). القول الراجح إن القراءات متحدة في المعنى كما ذكر ابن عاشور، وهو قول عدد كثير من العلماء. ومنهم الطبري فإنه بعد أن ذكر قول أبي عمرو بن العلاء وأبي عبيدة مَعمَر بن المثنَّى أن بين ضاعف وضَعَّف فرقاً، فأما ضاعف فيفيد جعْل الشيء مِثْلَيْه فتصير ثلاثة أعْذِبة، وأما ضَعَّف المشدّد فيفيد جَعْل الشيء مثله، قال الطبري: "وهذا التفريق لا نعلم أحداً من أهل العلم ادعاه غيرهما" (٤). وقال أبو علي الفارسي: " ضاعف وضعّف، بمعنى فيما حكاه سيبويه" (٥).

стр. 588

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 589

المبحث الثالث اختلاف القراءات في ألفاظ القرآن الكريم يكثر المعاني في الآية الواحدة صورة القاعدة: أنه إذا كان للقراءة تفسير يغاير تفسير القراءة الأخرى، وهما في مكان واحد، ولم يمكن اجتماعهما في شيء واحد، بل يتحدَّان من وجه آخر لا يقتضي التناقض، فإن القراءتين بمنزلة آيتين، يؤخذ بهما معاً (١). وقد أشار ابن عاشور إلى هذه القاعدة في المقدمة السادسة من تفسيره أثناء حديثه عن القراءات وهذا قوله: "إن اختلاف القراءات في ألفاظ القرآن يكثر المعاني في الآية الواحدة .. - وذكر عدة أمثلة على ذلك - إلى أن قال: " والظن أن الوحي نزل بالوجهين وأكثر تكثيرا للمعاني إذا جزمنا بأن جميع الوجوه في القراءات المشهورة هي مأثورة عن النبي ﷺ على أنه لا مانع من أن يكون مجيء ألفاظ القرآن على ما يحتمل تلك الوجوه مرادا لله تعالى؛ ليقرأ القراء بوجوه فتكثر من جراء ذلك المعاني فيكون وجود الوجهين فأكثر في مختلف القراءات مجزئا عن آيتين فأكثر، وهذا نظير التضمين في استعمال العرب ونظير التورية والتوجيه في البديع ونظير مستتبعات التراكيب في علم المعاني وهو من زيادة ملاءمة بلاغة القرآن ولذلك كان اختلاف القراء في اللفظ الواحد من القرآن قد يكون معه اختلاف المعنى؛ ولم يكن حمل أحد

стр. 590

القراءتين على الأخرى متعينا ولا مرجحا " (١). وابن عاشور حين يُقر هذه القاعدة يشعرنا وكأن هناك تناقضا بين هذه القاعدة، وبين إقراره بقاعدة (الأصل توافق القراءات في المعنى)، ولكن بعد التأمل يتضح لنا أن القاعدة الأصل عند ابن عاشور هي توافق القراءات في المعنى، فلا نحتاج فيه إلى التكلف في إظهار معنى مختلف لكل قراءة كما يتكلف في ذلك أحياناً بعض المفسرين، فإن لم يظهر خلاف بين القراءتين فهو الأصل، وإن اتضح اختلاف بين القراءتين في المعنى فإن التعدد في القراءات يكثر المعاني في الآية. أقوال العلماء في القاعدة: إن المفسرين أدركوا أن القراءات القرآنية متواترة كانت أو شاذة تعطي للآيات القرآنية معاني جديدة، وقد تعاملوا مع هذه القراءات وكأنها آيات مستقلة حتى قيل: إن كل قراءة آية مستقلة من حيث دلالتها على المعنى. قال السيوطي في "الإتقان": " إن اختلاف القراءات يُظهر الاختلاف في الأحكام، ولهذا بنى الفقهاء نقض وضوء الملموس وعدمه على اختلاف القراءة في لمستم ولا مستم، وجواز وطء الحائض عند الانقطاع قبل الغسل وعدمه على الاختلاف في يطهرن، وقد حكوا خلافاً غريباً في الآية " اهـ (٢). ثم ذكر كلاماً طويلاً حول اختلاف القرَّاء وختم بأنه يأخذ بكلا القراءتين وأن القراءتين بمنزلة آيتين.

стр. 591

وقال الزرقاني: " والخلاصة أن تنوع القراءات يقوم مقام تعدد الآيات وذلك ضرب من ضروب البلاغة يبتدئ من جمال هذا الإيجاز، وينتهي إلى كمال الإعجاز، أضف إلى ذلك ما في تنوع القراءات من البراهين الساطعة والأدلة القاطعة على أن القرآن كلام الله وعلى صدق من جاء به وهو رسول الله، فإن هذه الاختلافات في القراءة على كثرتها لا تؤدي إلى تناقض في المقروء وتضاد، ولا إلى تهافت وتخاذل، بل القرآن كله على تنوع قراءاته يصدق بعضه بعضا ويبين بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض على نمط واحد في علو الأسلوب والتعبير وهدف واحد من سمو الهداية والتعليم" (١). وفي هذه القاعدة أيضاً يقول الشنقيطي: "اعلم أن القراءتين إذا ظهر تعارضهما في آية واحدة كان لهما حكم الآيتين، كما هو معروف عند العلماء " (٢). . الأمثلة التطبيقية على القاعدة: ١ - قراءة (يعملون): قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ

стр. 592

رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (١). اختلف القراء في قراءة (يعملون) فمنهم من قرأها بتاء الخطاب، ومنهم من قرأها بياء الغيبة (٢)، وقد ذكر ذلك ابن عاشور في تفسيره فقال: " قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ قرأه الجمهور بياء الغيبة والضميرُ للذين أوتوا الكتاب أي: عن عملهم بغير ما علموا فالمراد بما يعملون هذا العملُ ونحوه من المكابرة والعناد والسفه , وهذا الخبر كناية عن الوعيد بجزائهم عن سوء صنعهم لأن قول القادر ما أنا بغافل عن المجرم تحقيق لعقابه إذ لا يحول بين القادر وبين الجزاء إلاّ عدم العلم فلذلك كان وعيداً لهم ووعيدُهم يستلزم في المقام الخطابي وَعْداً للمسلمين لدلالته على عظيم منزلتهم فإن الوعيد إنما ترتب على مخالفتهم للمؤمنين فلا جرم أن سيلزم جزاء للمؤمنين على امتثال تغيير القبلة، ولأن الذي لا يغفل عن عمل أولئك لا يَغفل عن عمل هؤلاء فيجازي كلاً بما يستحق. وقَرأه ابنُ عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر ورَوْح عن يعقوب بتاء الخطاب فهو كناية عن وعد للمسلمين على الامتثال لاستقبال الكعبة , ويستلزم وعيداً للكافرين على عكس ما تقتضيه القراءة السابقة؛ وعلى القراءتين فهو تذييل إجمالي لِيأخُذ كلٌّ حظهُ منه " (٣).

стр. 593

وممن وافق قوله قول ابن عاشور في الأخذ بكلا القراءتين وأن لكل قراءة معناها كل من ابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، والألوسي (١). وذكر القاسمي كلا القراءتين ولم يذكر معناهما (٢). ولم يتطرق الطبري للقراءة الثانية وهي القراءة بياء الغيبة (٣). أما ابن كثير، والشوكاني فلم يذكرا القراءات الواردة فيها أصلاً (٤). حجة من أخذ بقراءة (تاء الخطاب) ورد الأخرى: وهذا ما فعله الطبري، فلعلها لم تصل إليه وهذا قوله عند هذه الآية: " يعني بذلك ﵎: وليس الله بغافل عما تعملون أيها المؤمنون، في اتباعكم أمرَه، وانتهائكم إلى طاعته، فيما ألزمكم من فرائضه، وإيمانكم به في صَلاتكم نحو بيت المقدس، ثم صلاتكم من بعد ذلك شطرَ المسجد الحرام، ولا هو ساه عنه، ولكنه جَل ثَناؤه يُحصيه لكم ويدّخره لكم عنده، حتى يجازيَكم به أحسن جزاء، ويثيبكم عليه أفضل ثواب" (٥).

стр. 594

حجة من يرى الأخذ بكلا القراءتين وأن لكل قراءة معناها: قال ابن عطية: " وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «عما تعملون» بتاء على المخاطبة، فإما على إرادة أهل الكتاب أو أمة محمد ﷺ ، وعلى الوجهين، فهو إعلام بأن الله تعالى لا يهمل العباد ولا يغفل عنها، وضمنه الوعيد، وقرأ الباقون بالياء من تحت " (١). وكذلك قال الرازي حيث أخذ بكلا القراءتين: " إنا إن جعلناه خطاباً للمسلمين فهو وعد لهم وبشارة أي لا يخفى على جدكم واجتهادهم في قبول الدين، فلا أخل بثوابكم، وإن جعلناه كلاماً مع اليهود فهو وعيد وتهديد لهم " (٢). القول الراجح: هو الأخذ بكلا القراءتين، كما هو منهج ابن عاشور، وأن لكل قراءة معناها كما بين ذلك جمهور المفسرين، وعلى كلتا القراءتين فهو: إعلام بأن الله تعالى لا يهمل أعمال العباد، ولا يغفل عنها وهو متضمن الوعيد. قال الألوسي: " وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي (تَعْمَلُونَ) بالتاء فهو وعد للمؤمنين، وقيل: على قراءة الخطاب وعدلهم، وعلى قراءة الغيبة وعيد لأهل الكتاب مطلقاً، وقيل: الضمير على القراءتين لجميع الناس فيكون وعداً ووعيداً لفريقين من المؤمنين والكافرين " (٣).

стр. 595

وقال مكي: " ووجه القراءة بالياء أنه أجراه على لفظ الغيبة والإخبار عن اليهود، الذين يخالفون النبي في القبلة وهم غيب. فالتقدير: ولِّ يا محمد نحو المسجد الحرام، وما الله بغافل عما يعمل من يخالفك من اليهود في القبلة. ووجه القراءة بالتاء أنه مردود على ما قبله، من الخطاب للنبي ﷺ وأصحابه، والمعنى: فولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام، وما الله بغافل عما تعملون، أيها المؤمنون من توليكتم نحو المسجد الحرام " (١). ٢ - قراءة " ننشزها": قال تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢). اختلف القراء في قراءة قوله تعالى "ننشزها " فمنهم من قرأها ننشزها بالزاي، ومنهم من قرأها ننشرها بالراء (٣) , وبناء على ذلك الاختلاف حصل الاختلاف بين المفسرين في معناها. ولقد أشار ابن عاشور إلى هذه القراءات في تفسيره، وفيها ما يدل على استحضاره لهذه القاعدة وهي أن (التعدد في القراءات بمنزلة التعدد في الآيات)، وإليك قوله:

стр. 596

قال ابن عاشور: "وقرأ جمهور العشرة (نُنْشِرها) بالرّاء مضارع أنْشَر الرباعي , بمعنى الإحياء. وقرأه ابن عامر وحمزة وعاصم والكسائي وخلف: (نُنشِزها) بالزاي مضارع أنشزه إذا رفعه، والنشز الارتفاع، والمراد ارتفاعها حين تغلظ بإحاطة العصب واللحم والدم بها فحصل من القراءتين معنيان لكلمة واحدة " (١). وممن ذهب إلى ما ذهب إليه ابن عاشور من المفسرين في أن لكل قراءة معنى ابن عطية، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي ... (٢). أما الطبري فهو يرى أن معناهما متقاربان، وكذلك الرازي (٣). وقريب منهما القرطبي، وأبو حيان حيث يريان أن معنى القراءة الثانية متمم للأولى , يقول القرطبي: " فإن القراءة بالراء بمعنى الإحياء، والعظام لا تحيا عن الانفراد حتى ينضم بعضها إلى بعض " (٤).

стр. 597

حجة القائلين بأن كلا القراءتين معناهما واحد: قال أبو جعفر الطبري: " والقول في ذلك عندي أنّ معنى"الإنشاز" ومعنى"الإنشار" متقاربان، لأن معنى"الإنشاز": التركيبُ والإثبات ورد العظام إلى العظام، ومعنى"الإنشار" إعادة الحياة إلى العظام , وإعادتها لا شك أنه ردُّها إلى أماكنها ومواضعها من الجسد بعد مفارقتها إياها. فهما وإن اختلفا في اللفظ، فمتقاربا المعنى. وقد جاءت بالقراءة بهما الأمة مجيئًا يقطعُ العذر ويوجب الحجة، فبأيِّهما قرأ القارئ فمصيب، لانقياد معنييهما، ولا حجة توجب لإحداهما القضاءَ بالصواب على الأخرى" (١). وفي ذلك يقول مكي: " وحجة من قرأ بالزاي أنه حمله على معنى الرفع من " النشز" وهو المرتفع من الأرض، أي: وانظر إلى العظام كيف نرفع بعضها على بعض في التركيب للإحياء لأن " النشز" الارتفاع. يقال لما ارتفع من الأرض نشز، ومنه المرأة النشوز، وهي المرتفعة عن موافقة زوجها. ومنه قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾ (٢) أي ارتفعوا وانضموا. وأيضاً فإن القراءة بالزاي بمعنى الإحياء، والعظام لا تحيا على الانفراد، حتى يضم بعضها إلى بعض. فالزاي أولى بذلك المعنى، إذ هي بمعنى الانضمام دون الإحياء. فالموصوف بالإحياء هو الرجل، دون العظام على انفرادها، لا يقال هذا عظم حي. فإنما المعنى: وانظر إلى العظام كيف نرفعها من أماكنها من الأرض إلى جسم صاحبها للإحياء. فأما

стр. 598

قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (١) فإنما وصفت العظام بالإحياء على إرادة صاحبها، لأن إحياء العظام على الانفراد، لا تقوم منه حياة إنسان، فإنما المراد حياة صاحب العظام، والعظام إنما تحيا بحياة صاحبها " (٢). وكذلك الرازي فبعد أن ذكر القراءات الواردة فيها قال: "والمعنى من جميع القراءات أنه تعالى ركَّب العظام بعضها على بعض حتى اتصلت على نظام، ثم بسط اللحم عليها، ونشر العروق والأعصاب واللحوم والجلود عليها، ورفع بعضه إلى جنب البعض، فيكون كل القراءات داخلاً في ذلك " (٣). حجة القائلين بأن لكل قراءة معناها: قال ابن زنجلة: "قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ننشرها بالراء, أي: كيف نحييها وحجتهم قوله قبلها: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (٤)، وقرأ الباقون كيف ننشزها بالزاي أي نرفعها وحجتهم قوله وانظر إلى العظام كيف ننشزها , وذلك أن العظام إنما توصف بتأليفها وجمع بعضها إلى بعض , إذ كانت العظام نفسها لا توصف بالحياة لا يقال قد حي العظم , وإنما يوصف بالإحياء صاحبها وحجة أخرى قوله ثم نكسوها لحما دل على أنها قبل أن

стр. 599

يكسوها اللحم غير أحياء؛ لأن العظم لا يكون حيا وليس عليه لحم فلما قال ثم نكسوها لحما علم بذلك أنه لم يحيها قبل أن يكسوها اللحم " (١). وكذلك ذكر ابن عطية ما يُقرُّ بأن لكل قراءة معناها ومن قوله: " وقراءة عاصم: «نَنشرها» بفتح النون الأولى يحتمل أن تكون لغة في الإحياء، يقال: نشرت الميت وأنشرته فيجيء نشر الميت ونشرته، كما يقال حسرت الدابة وحسرتها، وغاض الماء وغضته، ورجع زيد ورجعته. ويحتمل أن يراد بها ضد الطيّ، كأن الموت طيّ للعظام والأعضاء، وكأن الإحياء وجمع بعضها إلى بعض نشر. وأما من قرأ: «ننشزها» بالزاي بمعناه: نرفعها، والنشز المرتفع من الأرض " (٢). وقال ابن منظور: " وأَنْشَزَ الشيءَ رفعه عن مكانه، وإِنْشازُ عظام الميت رَفْعُها إِلى مواضعها، وتركيبُ بعضها على بعض، وفي التنزيل العزيز وانْظُرْ إِلى العظام كيف نُنْشِزُها ثم نَكْسُوها لحماً أَي نرفع بعضها على بعض، ومن قرأ كيف ننشرها بضم النون فإنشارها إحياؤها " (٣). ومن هنا يظهر أنه وإن كان لكل قراءة معنى إلا أن أحدهما متممة أو مترتبة على الأخرى.

стр. 600

القول الراجح ليس هناك خلاف أصلاً بين المفسرين , فقول ابن عاشور وغيره من المفسرين بأن لكل آية معنى ذلك بناءً على أن لكل قراءة معناها الذي يميزها عن القراءة الأخرى ابتداءً. ومن قال بأن معناهما متقارب , فذلك لأن كلاً منها متممة للأخرى، والأصل توافق القراءات في المعنى، فننشرها بمعنى نحييها، وننشزها بمعنى نكسوها لحما، والعظام لا تحيا عن الانفراد حتى ينضم بعضها إلى بعض. ٣ - قراءة " قد كذبوا": قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١). اختلف العلماء في معنى قوله تعالى: " قَدْ كُذِبُوا "، وهذا الخلاف ناتج عن تعدد القراءات فيها: فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: (كُذِّبُوا) مشددة الذال. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي (كُذِبُوا) خفيفة , وكلهم ضم الكاف (٢). وعليه اختلف المفسرون في معناها، وذكر ابن عاشور في تفسيره موقف
следующие страницы →