← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 20876

قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عند ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير

عبير بنت عبد الله النعيم

Полный текст (980 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

قال ابن عاشور: "وقرأ جمهور العشرة (نُنْشِرها) بالرّاء مضارع أنْشَر الرباعي , بمعنى الإحياء. وقرأه ابن عامر وحمزة وعاصم والكسائي وخلف: (نُنشِزها) بالزاي مضارع أنشزه إذا رفعه، والنشز الارتفاع، والمراد ارتفاعها حين تغلظ بإحاطة العصب واللحم والدم بها فحصل من القراءتين معنيان لكلمة واحدة " (١). وممن ذهب إلى ما ذهب إليه ابن عاشور من المفسرين في أن لكل قراءة معنى ابن عطية، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي ... (٢). أما الطبري فهو يرى أن معناهما متقاربان، وكذلك الرازي (٣). وقريب منهما القرطبي، وأبو حيان حيث يريان أن معنى القراءة الثانية متمم للأولى , يقول القرطبي: " فإن القراءة بالراء بمعنى الإحياء، والعظام لا تحيا عن الانفراد حتى ينضم بعضها إلى بعض " (٤).

стр. 597

حجة القائلين بأن كلا القراءتين معناهما واحد: قال أبو جعفر الطبري: " والقول في ذلك عندي أنّ معنى"الإنشاز" ومعنى"الإنشار" متقاربان، لأن معنى"الإنشاز": التركيبُ والإثبات ورد العظام إلى العظام، ومعنى"الإنشار" إعادة الحياة إلى العظام , وإعادتها لا شك أنه ردُّها إلى أماكنها ومواضعها من الجسد بعد مفارقتها إياها. فهما وإن اختلفا في اللفظ، فمتقاربا المعنى. وقد جاءت بالقراءة بهما الأمة مجيئًا يقطعُ العذر ويوجب الحجة، فبأيِّهما قرأ القارئ فمصيب، لانقياد معنييهما، ولا حجة توجب لإحداهما القضاءَ بالصواب على الأخرى" (١). وفي ذلك يقول مكي: " وحجة من قرأ بالزاي أنه حمله على معنى الرفع من " النشز" وهو المرتفع من الأرض، أي: وانظر إلى العظام كيف نرفع بعضها على بعض في التركيب للإحياء لأن " النشز" الارتفاع. يقال لما ارتفع من الأرض نشز، ومنه المرأة النشوز، وهي المرتفعة عن موافقة زوجها. ومنه قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾ (٢) أي ارتفعوا وانضموا. وأيضاً فإن القراءة بالزاي بمعنى الإحياء، والعظام لا تحيا على الانفراد، حتى يضم بعضها إلى بعض. فالزاي أولى بذلك المعنى، إذ هي بمعنى الانضمام دون الإحياء. فالموصوف بالإحياء هو الرجل، دون العظام على انفرادها، لا يقال هذا عظم حي. فإنما المعنى: وانظر إلى العظام كيف نرفعها من أماكنها من الأرض إلى جسم صاحبها للإحياء. فأما

стр. 598

قوله تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (١) فإنما وصفت العظام بالإحياء على إرادة صاحبها، لأن إحياء العظام على الانفراد، لا تقوم منه حياة إنسان، فإنما المراد حياة صاحب العظام، والعظام إنما تحيا بحياة صاحبها " (٢). وكذلك الرازي فبعد أن ذكر القراءات الواردة فيها قال: "والمعنى من جميع القراءات أنه تعالى ركَّب العظام بعضها على بعض حتى اتصلت على نظام، ثم بسط اللحم عليها، ونشر العروق والأعصاب واللحوم والجلود عليها، ورفع بعضه إلى جنب البعض، فيكون كل القراءات داخلاً في ذلك " (٣). حجة القائلين بأن لكل قراءة معناها: قال ابن زنجلة: "قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ننشرها بالراء, أي: كيف نحييها وحجتهم قوله قبلها: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (٤)، وقرأ الباقون كيف ننشزها بالزاي أي نرفعها وحجتهم قوله وانظر إلى العظام كيف ننشزها , وذلك أن العظام إنما توصف بتأليفها وجمع بعضها إلى بعض , إذ كانت العظام نفسها لا توصف بالحياة لا يقال قد حي العظم , وإنما يوصف بالإحياء صاحبها وحجة أخرى قوله ثم نكسوها لحما دل على أنها قبل أن

стр. 599

يكسوها اللحم غير أحياء؛ لأن العظم لا يكون حيا وليس عليه لحم فلما قال ثم نكسوها لحما علم بذلك أنه لم يحيها قبل أن يكسوها اللحم " (١). وكذلك ذكر ابن عطية ما يُقرُّ بأن لكل قراءة معناها ومن قوله: " وقراءة عاصم: «نَنشرها» بفتح النون الأولى يحتمل أن تكون لغة في الإحياء، يقال: نشرت الميت وأنشرته فيجيء نشر الميت ونشرته، كما يقال حسرت الدابة وحسرتها، وغاض الماء وغضته، ورجع زيد ورجعته. ويحتمل أن يراد بها ضد الطيّ، كأن الموت طيّ للعظام والأعضاء، وكأن الإحياء وجمع بعضها إلى بعض نشر. وأما من قرأ: «ننشزها» بالزاي بمعناه: نرفعها، والنشز المرتفع من الأرض " (٢). وقال ابن منظور: " وأَنْشَزَ الشيءَ رفعه عن مكانه، وإِنْشازُ عظام الميت رَفْعُها إِلى مواضعها، وتركيبُ بعضها على بعض، وفي التنزيل العزيز وانْظُرْ إِلى العظام كيف نُنْشِزُها ثم نَكْسُوها لحماً أَي نرفع بعضها على بعض، ومن قرأ كيف ننشرها بضم النون فإنشارها إحياؤها " (٣). ومن هنا يظهر أنه وإن كان لكل قراءة معنى إلا أن أحدهما متممة أو مترتبة على الأخرى.

стр. 600

القول الراجح ليس هناك خلاف أصلاً بين المفسرين , فقول ابن عاشور وغيره من المفسرين بأن لكل آية معنى ذلك بناءً على أن لكل قراءة معناها الذي يميزها عن القراءة الأخرى ابتداءً. ومن قال بأن معناهما متقارب , فذلك لأن كلاً منها متممة للأخرى، والأصل توافق القراءات في المعنى، فننشرها بمعنى نحييها، وننشزها بمعنى نكسوها لحما، والعظام لا تحيا عن الانفراد حتى ينضم بعضها إلى بعض. ٣ - قراءة " قد كذبوا": قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١). اختلف العلماء في معنى قوله تعالى: " قَدْ كُذِبُوا "، وهذا الخلاف ناتج عن تعدد القراءات فيها: فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: (كُذِّبُوا) مشددة الذال. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي (كُذِبُوا) خفيفة , وكلهم ضم الكاف (٢). وعليه اختلف المفسرون في معناها، وذكر ابن عاشور في تفسيره موقف

стр. 601

عائشة من هذه القراءة واختيارها للقراءة بالتشديد ثم علّق عليها بقوله: " وهذا الكلام من عائشة ﵂ رأي لها في التفسير وإنكارها أن تكون (كذبوا) مخففة إنكار يستند بما يبدو من عود الضمائر إلى أقرب مذكور وهو الرسل، وذلك ليس بمتعيّن، ولم تكن عائشة قد بلغتْها رواية (كذبوا) بالتخفيف " (١). وابن عاشور كما مرّ معنا يأخذ بكل القراءات المتواترة ولا يرجح أحدها على الأخرى وإنما إذا اختلفت عنده المعاني في القراءات فهو يرى أن ذلك مما تميز به كتاب الله وأن التعدد في القراءات بمنزلة التعدد في الآيات. أما موقف المفسرين من هاتين القراءتين فقد رجّح الطبري القراءة بتشديد الذال ولم يستجز غيرها (٢). وذكر كلٌ من ابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير والشوكاني، والألوسي تلك القراءات ومعناها ولم يرجَّحوا (٣).

стр. 602

حجة أصحاب القول الأول: وهم الذين يرون القراءة بـ (كُذِّبُوا) بالتشديد: وهذا قول عائشة، وكذلك كانت تقرؤها ﵂، روى البخاري بسنده عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت له وهو يسألها عن قول الله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ قال: قلت: أكُذِبوا أم كُذِّبوا؟ فقالت عائشة: كُذِّبوا. فقلت: فقد استيقنوا أن قومهم قد كَذَّبوهم فما هو بالظن؟ قالت: أجل، لعمري لقد استيقنوا بذلك. فقلت لها: وظنوا أنهم قد كذبوا؟ قالت: معاذ الله، لم تكن الرسل تظن ذلك بربها. قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ ممّن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذَّبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك " (١). وهذه القراءة بالتشديد هي التي رجحها الطبري ولم يستجز غيرها (٢). وروى ابن أبي حاتم بسنده قال: " إن محمد بن كعب القرظي يقول هذه الآية: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ فقال القاسم: أخبره عني أني سمعت عائشة زوج النبي ﷺ تقول: ﴿حَتَّى إِذَا

стр. 603

اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ تقول: كذبتهم أتباعهم " (١). حجة أصحاب القول الثاني وهم الذين يرون القراءة بـ (كُذِبُوا) بالتخفيف: قال الطبري: "وفي تأويلها وجهان: الوجه الأول: رواه ابن عباس ﵁ قال: استيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا، وظنّ قومهم أن الرسل كذبوهم فيما وعدوا به. الوجه الثاني: وهو من رواية ابن عباس ﵁ قال: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظنت الرسل أنهم قد كذبوا فيما وعدوا من النصر، وهذا القول أيضا من رواية ابن عباس حيث قال: كانوا بشراً ضعفوا ويئسوا" (٢). وهذا التأويل _ أي الثاني_ ردّه الطبري حيث قال: " وهذا تأويلٌ وقولٌ، غيرُه من التأويل أولى عندي بالصواب، وخلافه من القول أشبه بصفات الأنبياء، والرسل إن جاز أن يرتابوا بوعدِ الله إياهم ويشكوا في حقيقة خبره، مع معاينتهم من حجج الله وأدلته ما لا يعاينه المرسَل إليهم فيعذروا في ذلك، فإن المرسَلَ إليهم لأوْلى في ذلك منهم بالعذر. وذلك قول إن قاله قائلٌ لا يخفى أمره، وقد ذُكِر هذا التأويل الذي ذكرناه أخيرًا عن ابن عباس لعائشة، فأنكرته أشد النُكرة فيما ذكر لنا " (٣).

стр. 604

القول الراجح: هو أن نأخذ بكلا القراءتين , وذلك لأنهما متواترتان , وكل قراءة تفيد معنى جديداً، وهذا ما ذهب إليه ابن عاشور في تفسيره، ولكن لم يتبين موقف ابن عاشور من التأويلات الواردة في قراءة التخفيف , والذي يظهر لي أنه يرى أنها كلها محتملة وهو الذي يظهر من الآية. قال القاسمي: " وقد استشكلوا على ابن عباس هذا القول وتأولوا لكلامه وجوهاً " (١). قال الزمخشري: " أراد بالظن ما يخطر بالبال، ويهجس في القلب، من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية، وأما الظن الذي هو ترجح أحد الجائزين على الآخر، فغير جائز على رجل من المسلمين، فما بال رسل الله الذين هم أعرف الناس بربهم " (٢). وقال الحكيم الترمذي: " وجهه: أن الرسل كانت تخاف بعد أن وعدهم الله النصر، لا من تهمة بوعد الله، بل لتهمة النفوس أن تكون قد أحدثت حدثاً ينقض ذلك الشرط، فكان الأمر إذا طال، واشتد البلاء عليهم، دخلهم الظن من هذه الجهة " (٣). وكذلك وضَّح معنى قراءة التخفيف الشوكاني، بعد أن ذكر أنها من قراءة ابن عباس وابن مسعود وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو جعفر بن القعقاع

стр. 605

وغيرهم حيث قال: " كذبوا بالتخفيف أي: ظنّ القوم أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروا به من العذاب ولم يصدقوا، وقيل: المعنى ظنّ القوم أن الرسل قد كذبوا فيما ادعوا من نصرهم، وقيل: المعنى وظنّ الرسل أنها قد كذبتهم أنفسهم حين حدّثتهم بأنهم ينصرون عليهم، أو كذبهم رجاؤهم للنصر " (١). ٤ - قراءة "لتزول": قال تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (٢). اختلف القراء في قراءة قوله تعالى (لتزول): قرأ الكسائي بفتح اللام الأولى ورفع الثانية، والباقون بكسر الأولى ونصب الثانية (٣) , وبالتالي اختلف المفسرون في معناها (٤) , وقد ساق ابن عاشور هذه القراءات واختلاف المفسرين في معناها فقال: " وقرأ الجمهور (لِتزول) بكسر اللام وبنصب الفعل المضارع بعدها فتكون (إن) نافية ولام (لتزول) لام الجحود، أي وما كان مكرهم زائلة منه الجبال، وهو استخفاف بهم، أي ليس مكرهم بمتجاوز مكر

стр. 606

أمثالهم، وما هو بالذي تزول منه الجبال. وفي هذا تعريض بأن الرسول ﷺ والمسلمين الذين يريد المشركون المكر بهم لا يزعزعهم مكرهم لأنهم كالجبال الرواسي. وقرأ الكسائي وحده بفتح اللام الأولى من (لَتزولُ) ورفع اللام الثانية على أن تكون (إنْ) مخففة من (إنْ) المؤكدة وقد أكمل إعمالها، واللام فارقة بينها وبين النافية، فيكون الكلام إثباتاً لزوال الجبال من مكرهم، أي هو مكر عظيم لَتزول منه الجبال لو كان لها أن تزول، أي جديرة، فهو مستعمل في معنى الجدارة والتأهل للزوال لو كانت زائلة. وهذا من المبالغة في حصول أمر شنيع أو شديد في نوعه على نحو قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ (١) " (٢). ومما تقدم يتبين لنا استحضار ابن عاشور لهذه القاعدة حيث ذكر كل قراءة مبيناً معناها، ولم يرجح قراءة على أخرى وذلك بناء على منهجه في القراءات من أن القراءات حق كلها، إضافة إلى أن اختلاف القراءات يكثر المعاني في الآية، وبناء عليه فهو يأخذ بكل القراءات. وممن يرى ذلك من المفسرين الرازي، والقرطبي، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي، (٣).

стр. 607

في حين رد الطبري قراء الفتح معللا ذلك بأنها لو زالت على معنى تلك القراءة لم تكن ثابتة، في حين احتمل ابن عطية أن تكون القراءة بكسر اللام بمعنى تعظيم مكرهم فتكون القراءتين بمعنى واحد، ووافقه أبو حيان على ذلك بقوله: " وعلى هذا التخريج تتفق معاني القراءات وتتقارب " (١). حجة الآخذين بكلا القراءتين، وأن لكل قراءة معناها: قال ابن زنجلة: " قرأ الكسائي وإن كان مكرهم لَتزولُ بفتح اللام الأولى وضم الثانية اللام لام التوكيد , وتزول رفع بالمضارعة , كما تقول: إن زيدا ليقول , وإن في قوله وإن كان مكرهم مخففة من الثقيلة أي وإن مكر هؤلاء لو بلغ مكر ذلك يعني نمرود لم ينتفعوا به وحجته قراءة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وابن مسعود وإن كاد مكرهم لتزول بالدال وهذا دليل على تعظيم مكرهم، قال الزجاج: وإن كان مكرهم لتزول معناه معنى حسن المعنى وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم يبلغ في الكيد إزالة الجبال فإن الله جل وعز ينصر دينه ومكرهم عنده لا يخفى وقرأ الباقون وإن كان مكرهم لِتزولَ بكسر اللام الأولى وفتح اللام الأخيرة بمعنى ما واللام لام الجحود , والمعنى وما كان مكرهم لتزول منه الجبال أي ما كان مكرهم ليزول به أمر النبي وأمر دين الإسلام وثبوته كثبوت الجبال

стр. 608

الراسيات؛ لأن الله جل وعز وعد نبيه صلى الله عليه إظهار دينه على الأديان فقال ليظهره على الدين كله ودليل هذا قوله بعدها (فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله) أي: لا يخلفهم ما وعدهم من نصره وإظهار نبوتهم وكلمتهم , وحجتهم ما روي عن الحسن أنه قال: كان مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال " (١). حجة أصحاب القراءة الأولى في اختيارهم لها ولمعناها: حجتهم في ذلك أن قراءة أبي بن كعب تؤيدها. قال مكي: " حجة من فتح اللام الأولى، وضم الثانية، أنه جعل "إن" في قوله (وإن كان) مخففة كن الثقيلة، وجعل اللام الأولى لام توكيد، دخلت لتوكيد الخبر، كما دخلت "إن" لتوكيد الجملة، والفعل مع لام التوكيد مرفوع على أصله، إذ لا ناصب معه ولا جازم، والهاء مضمرة مع "إن"، تقديره: وإنه كان مكرهم لتزول منه الجبال والتقدير مثل الجبال في القوة والثبات. فمعنى هذه القراءة أن الله جل ذكره عظّم مكرهم كما قال: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ (٢)، وقال: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ (٣)، وفي مصحف أبي ما يدل على هذه القراءة، ، وروي عن عمر وعلي وابن مسعود أنهم قرؤوا: " وإن كاد مكرهم لتزول منه

стр. 609

الجبال تكاد" فهذا دليل على تعظيم مكرهم، لأن "كاد" في كلام العرب تكون لمقاربة الفعل، وربما وقعت لوجوبه " (١). وهذه قراءة ضعيفة (٢). حجة أصحاب القراءة الثانية، وهي القراءة بكسر اللام الأولى وفتح الثانية فمعناها وما كان مكرهم لتزول منه الجبال (٣) قال مكي: " وحجة من كسر اللام الأولى وفتح الثانية أنه جعل "إن" بمعنى "ما"، وجعل اللام الأولى لام نفي، لوقوعها بعد نفي، ونصب الفعل بها، والتقدير: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال " (٤). وقال الرازي: " وأما القراءة الثانية: فالمعنى: أن لفظ «إن» في قوله؛ ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ﴾ بمعنى «ما» واللام المكسورة بعدها يعني بها الجحد ومن سبيلها نصب الفعل المستقبل. والنحويون يسمونها لام الجحد ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ (٥) و ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦) والجبال ههنا مثل لأمر النبي ﷺ ولأمر دين الإسلام وإعلامه

стр. 610

ودلالته على معنى أن ثبوتها كثبوت الجبال الراسية لأن الله تعالى وعد نبيه إظهار دينه على كل الأديان. ويدل على صحة هذا المعنى قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ (١). أي قد وعدك الظهور عليهم والغلبة لهم. والمعنى: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال، أي وكان مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال الراسيات التي هي دين محمد ﷺ ، ودلائل شريعته، وقرأ علي وعمرو: (إِن كَانَ مَكْرِهِمْ) " (٢). وهذه القراءة رجحها الطبري بقوله: " والصواب من القراءة عندنا، قراءة من قرأه (وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) بكسر اللام الأولى وفتح الثانية، بمعنى: وما كان مكرهم لتزول منه الجبال. وإنما قلنا: ذلك هو الصواب، لأن اللام الأولى إذا فُتحت، فمعنى الكلام: وقد كان مكرهم تزول منه الجبال، ولو كانت زالت لم تكن ثابتة، وفي ثبوتها على حالتها ما يبين عن أنها لم تزُل، وأخرى إجماع الحجة من القرّاء على ذلك، وفي ذلك كفاية عن الاستشهاد على صحتها وفساد غيرها بغيره (٣). القول الراجح: هو الأخذ بكلا القراءتين كما فعل ابن عاشور وغيره من المفسرين فهما

стр. 611

قراءتان متواترتان عن النبي ﷺ ، ولكل قراءة معناها، وأما ما كان من موقف بعضهم في الأخذ بقراءة (لَتزولُ) أي فتح اللام الأولى وضم الثانية مستدلين على ذلك بقراءة ابن مسعود فإن استدلالهم هذا غير صحيح لأن هذه القراءة شاذة كما تقدم، وقد ردّها أبو حيان فقال: " ما روي عن ابن مسعود من قراءة بالنفي يعارض ما تقدم من القراءات، لأن فيها تعظيم مكرهم وفي هذا تحقيره " (١). أما ما كان من موقف الطبري من اختيار قراءة الكسر ورد غيرها فإن ذلك عرفناه من خلال مابيناه من حال الطبري مع تلك القراءات، أما التعليل الذي ذهب إليه الطبري في رد هذه القراءة غير سديد. قال الرازي: " وليس المقصود من هذا الكلام الإخبار عن وقوعه، بل التعظيم والتهويل وهو كقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ " (٢). ٥ - قراءة "المنشئات ": قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ (٣) ... . اختلف القراء في قراءة المنشئات، فمنهم من قرأها بفتح الشين، ومنهم من قرأ بكسرها (٤). وذكر ذلك ابن عاشور في تفسيره فقال: " وقرأ الجمهور (المنشئات) بفتح

стр. 612

الشين، فهو اسم مفعول، إذا أُوجد وصُنع، أي التي أنشأها الناس بإلهام من الله فحصل من الكلام مِنَّتان: مِنة تسخير السفن للسير في البحر، ومنّة إلهام الناس لإِنشائها. وقرأه حمزة وأبو بكر عن عاصم بكسر الشين فهو اسم فاعل. فيجوز أن يكون المنشئات مشتقاً من أنشأ السير إذا أسرع، أي التي يسير بها الناس سيراً سريعاً. قال مجاهد: المنشئات التي رفعت قلوعها، والآية تحتمل المعنيين على القراءتين باستعمال الاشتقاق في معنيي المشتق منه ويكون في ذلك تذكيراً بنعمة إلهام الناس إلى اختراع الشراع لإِسراع سير السفن وهي مما اخترع بعد صنع سفينة نوح " (١). وابن عاشور في هذا المثال نجده مستحضراً لقاعدة (أن اختلاف القراءات في ألفاظ القرآن يكثر المعاني في الآية الواحدة) وإلى ذلك ذهب معظم المفسرين (٢). ويرى الطبري أن القراءتين متقاربتان في المعنى (٣).

стр. 613

حجة القائلين بأن لكل قراءة معنى مختلف: قال مكي: " وحجة من كسر أنه بناه على " أنشأت"، فهي " منشئة "، فنسب الفعل إليها على الاتساع، والمفعول محذوف، والتقدير: المنشئات السير، فأضاف إليها السير اتساعاً. وحجة من فتح الشين أنه بناه على فعل رباعي، وجعله اسم مفعول، فكأنه بناه على"أنشئت"، فهي منشأة بمعنى "أجريت"فهي "مجراه "، أي فعل بها الإنشاء ". ورجح مكي هذا المعنى بقوله: وهذا الذي يعطيه المعنى، لأنها لم تفعل شيئاً، إنما غيرها أنشأها، والفتح أحبُّ إلي لأن الجماعة عليه " (١). وكذلك ذكر ابن عطية أن لكل قراءة معناها فقال: " وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي: «المنشآت» بفتح الشين أي أنشأها الله والناس. وقرأ حمزة وأبو بكر بخلاف: «المنشِئات» بكسر الشين، أي تنشئ هي السير إقبالاً وإدباراً " (٢). حجة القائلين بأن القراءتين متوافقتان في المعنى: قال الطبري: " اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء الكوفة (المُنْشِئاتُ) بكسر الشين، بمعنى: الظاهرات السير اللاتي يقبلن ويدبرن. وقرأ ذلك عامة قرّاء البصرة والمدينة وبعض الكوفيين (المُنْشَئاتُ)، بفتح الشين، بمعنى المرفوعات القلاع اللاتي تقبل بهنّ وتدبر.

стр. 614

والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى متقاربتاه، فبأيّتهما قرأ القارئ فمصيب " (١). وقال ابن زنجلة: " قرأ حمزة وأبو بكر: وله الجوار المنشئات بكسر الشين أي: المبتدئات في السير , قال الفراء: المنشئات اللاتي أقبلن وأدبرن ,وقال بعض أهل النحو: المعنى المنشئات السير فحذف المفعول للعمل به ونسب الفعل إليها على الاتساع , كما يقال: مات زيد ومرض عمرو ونحو ذلك , مما يضاف الفعل إليه إذا وجد فيه وهو في الحقيقة بهبوب الريح ودفع الرجال. وقرأ الباقون: المنشآت بفتح الشين , قال أبو عبيدة: المنشآت المجريات المرفوعات الشرع وهي مفعولة لأنها أنشئت وأجريت ولم تفعل ذلك أنفسها أي فعل بها الإنشاء فهذا بين لا إشكال فيه" (٢). القول الراجح: فيما يبدو لي والله أعلم أن القراءتين تؤولان إلى معنى واحد، وهذا لا يعد مأخذاً على ابن عاشور , لأن كل قراءة ابتداء تفيد معنى جديدا، ولذلك قال الطبري بعد أن ذكر كلا القراءتين: " والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى متقاربتاه، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب " (٣). قال أبو علي الفارسي: " وجه من قال: (المنشَئات) أنها أُنشئت وأجريت، ولم

стр. 615

تفعل ذلك أنفسها، أي فعل بها الإنشاء، وهذا بين لا إشكال فيه. ومن قال (المنشِئات) نسب الفعل إليها على الاتساع، كما يقال مات زيدٌ، ومرض عمرو، وغير ذلك مما يضاف إليه إذا وجد فيه، وهو في الحقيقة لغيره، فكان المعنى: المنشِئات السير، فحذف المفعول للعلم به، وإضافة السير إليها أيضاً اتساع، لأن سيرها إنما يكون في الحقيقة لهبوب الريح، أو رفع الصواري " (١).

стр. 616

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 617

المبحث الرابع تأتي القراءة في معنى الترجيح لأحد المعاني القائمة من الآية صورة القاعدة: تعدُّ القراءات مصدراً من مصادر معاني القرآن الكريم؛ لأن القراءات تعطي للفظة القرآنية معاني جديدة؛ بل إذا أشكلت عليهم آية واختلفت أقوالهم فيها كان للقراءات أثر كبير في ترجيح أحد المعاني على الأخرى (١). وقد اعتنى ابن عاشور بهذه القاعدة وكان للقراءات القرآنية أثر في ترجيحاته حيث يقول في المقدمة السادسة من تفسيره: " أرى أن للقراءات حالتين: إحداهما لا تعلق لها بالتفسير بحال، والثانية لها تعلق به من جهات متفاوتة .. إلى أن يقول: على المفسر أن يبين اختلاف القراءات المتواترة لأن في اختلافها توفيراً لمعاني الآية غالباً فيقوم تعدد القراءات مقام تعدد كلمات القرآن " (٢). أقوال العلماء في القاعدة: قال ابن عطية: " وقصدي إيراد جميع القراءات مستعملها وشاذها، واعتمدت تبيين المعاني وجميع محتملات الألفاظ " (٣). كذلك نرى الزمخشري يفضل قراءة على أخرى حتى ولو لم تكن تلك

стр. 618

القراءة التي يفضلها من القراءات العشر المتواترة، يفضلها لأنها تحفظ على الأسلوب القرآني جمالا وقوة في المعنى حسب نظره، أو لزيادة في معنى أحدها ومن ذلك قوله عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١): " ومن قرأ يدافع فمعناه يبالغ في الدفع عنهم، كما يبالغ من يغالب فيه لأن فعل المغالب يجيء أقوى وأبلغ" (٢) , وهكذا فضل القراءة التي أضافت معنى زائداً بليغاً مع أن القراءتين " يدفع" و"يدافع" كلاهما متواترتان. أمثلة تطبيقية على القاعدة: ١ - قراءة " حطة ": قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). اختلف المفسرون في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ وذكر هذه الأقوال ابن عاشور في تفسيره فقال: "وقيل: المراد من الحطة سؤال غفران الذنوب أي حط عنا ذنوبنا أي اسألوا الله غفران ذنوبكم إن دخلتم القرية.

стр. 619

وقيل: من الحط بمعنى حط الرحال أي إقامة أي ادخلوا قائلين إنكم ناوون الإقامة بها إذ الحرب ودخول ديار العدو يكون فتحاً ويكون صلحاً ويكون للغنيمة ثم الإياب " (١). واستبعد ابن عاشور هذين القولين ورجّح قولاً آخر بناءً على القراءة، فقال: " وهذان التأويلان بعيدان، ولأن القراءة بالرفع وهي المشهورة تنافي القول بأنها طلب المغفرة، لأن المصدر المراد به الدعاء لا يرتفع على معنى الإخبار نحو سَقياً ورعياً، وإنما يرتفع إذا قصد به المدح أو التعجب لقربهما من الخبر دون الدعاء , ولا يستعمل الخبر في الدعاء إلا بصيغة الفعل نحو وي. و(حطة) بالرفع على أنه مبتدأ أو خبر نحو سمعٌ وطاعة وصبرٌ جميل " (٢). وممن وافق قوله قول ابن عاشور فيمن سبقه القرطبي، والألوسي (٣) ورجّح الرازي وأبو حيان والقاسمي أن المراد من الحطة طلب المغفرة (٤) وساق كل من ابن عطية وابن كثير، والشوكاني الأقوال ولم يرجحوا , وزاد ابن كثير فقال: " وحاصل الأمر: أنهم أمروا أن يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل والقول، وأن يعترفوا بذنوبهم ويستغفروا منها" (٥).

стр. 620

حجة من قال: إن المراد بـ"حطة " طلب المغفرة: قال الرازي: " الحاصل أنه أمر القوم بأن يدخلوا الباب على وجه الخضوع وأن يذكروا بلسانهم التماس حط الذنوب حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب وخضوع الجوارح والاستغفار باللسان، وهذا الوجه أحسن الوجوه وأقربها إلى التحقيق " (١) وقال الزمخشري: " الأصل النصب بمعنى: حط عنا ذنوبنا حطة، وإنما رُفعت لتعطي معنى الثبات " (٢). حجة من قال: إن المراد بـ " حطة" الإقامة: وهو من قول أبي مسلم الأصفهاني قال: أمرنا حطة أي أن نحط في هذه القرية ونستقر فيها (٣). حجة من قال: إن المراد بـ"حطة" أمرنا حطة: قال الطبري: " والذي هو أقرب عندي في ذلك إلى الصواب، وأشبه بظاهر الكتاب: أن يكون رفع"حطة" بنية خبر محذوف قد دل عليه ظاهر التلاوة، وهو دخولنا الباب سجدا حطة، فكفى من تكريره بهذا اللفظ، ما دل عليه الظاهر من التنزيل، وهو قوله: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ

стр. 621

عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ (١) يعني: موعظتنا إياهم معذرة إلى ربكم, فكذلك عندي تأويل قوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾، يعني بذلك: وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية، وادخلوا الباب سجدا، وقولوا: دخولنا ذلك سجدا حطة لذنوبنا (٢). قال القرطبي: " و ﴿حِطَّةٌ﴾ بالرفع قراءة الجمهور؛ على إضمار مبتدأ أي مسألتنا حطة " (٣). القول الراجح: هو ما رجحه ابن عاشور والطبري، وذلك بناءً على القاعدة، وأما من فسرها بمعنى احطط عنا ذنوبنا تعارضه القراءة المتواترة قراءة الرفع. قال القرطبي: " والأئمة من القراء على الرفع، وهو أولى في اللغة" (٤). وأما من فسرها بمعنى الإقامة أيضاً لا يستقيم. قال الرازي: " وزيّف القاضي ذلك بأن قال: " لو كان المراد ذلك لم يكن غفران خطاياهم متعلقاً به ولكن قوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ يدل على أن غفران الخطايا كان لأجل قولهم حطة" (٥).

стр. 622

وكذلك ردّ الألوسي قول أبي مسلم بقوله: " ومن البعيد قول أبي مسلم: إن المعنى أمرنا -حطة- أي أن نحط في هذه القرية ونقيم بها لعدم ظهور تعلق الغفران به وترتب التبديل عليه " (١). ٢ - قراءة " أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم": قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢). اختلف المفسرون في هذه الآية ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ إلى أي فريق ينصرف معناها، حتى قال عنها القرطبي: إنها أشكل آية في هذه السورة (٣)، وذكر ابن عطية وجوها ثمانية في تأويلها ترجع إلى احتمالين، وقد ذكرها ابن عاشور في تفسيره فقال: الاحتمال الأول: أنها تكملة لمحاورة الطائفةِ من أهل الكتاب بعضهم بعضاً، وأن جملة ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ معترضة في أثناء ذلك الحِوار، وعلى هذا الاحتمال تأتي وجوه نقتصر منها على وجهين واضحين: أحدهما: أنهم أرادوا تعليل قولهم: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾

стр. 623

على أن سياق الكلام يقتضي إرادتهم استحالة نسخ شريعة التوراة، واستحالة بعثة رسول بعد موسى، وأنه يُقدّر لام تعليل محذوف قبل (أنْ) المصدرية وهو حذف شائع مثلُه. ثم إما أن يقدر حرف نفي بعد (أنْ) يدل عليه هذا السياق ويَقتضيه لفظ (أحد) المرادِ منه شمول كلّ أحد؛ لأنّ ذلك اللفظَ لا يستعمل مراداً منه الشمول إلاّ في سياق النفي، ومَا في معنيّ النفي مثلِ استفهام الإنكار، فأما إذا استعمل (أحَد) في الكلام الموجَب فإنه يكون بمعنى الوصف بالوحْدة، وليس ذلك بمناسب في هذه الآية. فتقدير الكلام لأن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم , وحذفُ حرف النفي بعد لام التعليل، ظاهرةً ومقدّرةً، كثيرٌ في الكلام، ومنه قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (١)، أي لئلاّ تضلوا. والمعنى: أنّ قصدهم من هذا الكلام تثبيتُ أنفسهم على ملازمة دين اليهودية، لأن اليهود لا يجوِّزون نسخَ أحكام الله، ويتوهمون أنّ النسخ يقتضي البَدَاء. الوجه الثاني: أنهم أرادوا إنكار أن يوتَى أحد النبوة كما أوتيها أنبياءُ بني إسرائيل فيكون الكلام استفهاماً إنكارياً حذفت منه أداة الاستفهام لدلالة السياق؛ ويؤيده قراءةُ ابن كثير قوله: (أأن يؤتى أحد) بهمزتين. الاحتمال الثاني: أن تكون الجملة مما أمر النبي ﷺ بأن يقوله لهم بقيةً لقوله: «إنّ الهُدى هُدى الله».

стр. 624

والكلام على هذا ردّ على قولهم: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ (١)، وقولهم ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ (٢) على طريقة اللفّ والنشر المعكوس (٣). ورجّح ابن عاشور أن المراد بقوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ أنها من قول أهل الكتاب واستدل على ذلك بقراءة ابن كثير، وهذا قوله: ": أنهم أرادوا إنكار أن يوتَى أحد النبوة كما أوتيها أنبياءُ بني إسرائيل فيكون الكلام استفهاماً إنكارياً حذفت منه أداة الاستفهام لدلالة السياق؛ ويؤيده قراءةُ ابن كثير قوله: (أأن يؤتى أحد) بهمزتين (٤). وممن وافق قوله قول ابن عاشور فيمن سبقه من المفسرين: الطبري، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي (٥). واحتمل ابن عطية، والرازي والقاسمي كلا الوجهين ولم يرجحوا (٦).

стр. 625

حجة من قال: إن الجملة من قول أهل الكتاب: حجتهم في ذلك قراءة ابن كثير، وهي قراءة متواترة. قال أبو حيان: " ويؤيد هذا المعنى قراءة ابن كثير (أن يؤتى) على الاستفهام الذي معناه الإنكار عليهم والتقرير والتوبيخ، والاستفهام الذي معناه الإنكار هو مثبت من حيث المعنى أي: المخافة أن أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قلتم ذلك وفعلتموه ويكون (أو يحاجوكم معطوفا على (يؤتى) (١). كما استدلوا على ذلك بسياق الآية حيث يدل عليه. قال الطبري فيما يرويه بسنده عن ابن جريج قوله: "إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم"، يقول: هذا الأمر الذي أنتم عليه: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قال: قال بعضهم لبعض: لا تخبروهم بما بيَّن الله لكم في كتابه، ليحاجُّوكم قال: ليخاصموكم به عند ربكم "قل إن الهدى هدى الله" معترض به، وسائر الكلام متَّسِقٌ على سياقٍ واحد. فيكون تأويله حينئذ: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم بمعنى: لا يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم "أو يحاجوكم عند ربكم"، بمعنى: أو أن يحاجوكم عند ربكم أحد بإيمانكم، لأنكم أكرمُ على الله منهم بما فضلكم به عليهم. فيكون الكلام كله خبرًا عن قول الطائفة التي قال الله : ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾ (٢) سوى قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ ثم

стр. 626

يكون الكلامُ مبتدأ بتكذيبهم في قولهم: قل يا محمد، للقائلين ما قالوا من الطائفة التي وصفتُ لك قولها لتُبَّاعها من اليهود ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾، إن التوفيق توفيقُ الله والبيانَ بيانُه، "وإن الفضل بيده يؤتيه من يشاء" لا ما تمنيتموه أنتم يا معشر اليهود. وإنما اخترنا ذلك من سائر الأقوال التي ذكرناها، لأنه أصحها معنًى، وأحسنُها استقامةً، على معنى كلام العرب، وأشدُّها اتساقًا على نظم الكلام وسياقه. وما عدا ذلك من القول، فانتزاع يبعُد من الصحة، على استكراه شديدٍ للكلام " (١). حجة من قال: إن الجملة مما أمر النبي ﷺ بقولها بقية لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾: ذكر الطبري حجتهم فقال: " وقال آخرون: تأويل ذلك: قل يا محمد: "إن الهدى هدى الله"، إنّ البيان بيانُ الله أن يؤتى أحدٌ، قالوا: ومعناه: لا يؤتى أحدٌ من الأمم مثل ما أوتيتم، كما قال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾، بمعنى: لا تضلون، وكقوله: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ (٢).

стр. 627

يعني: أن لا يؤمنوا "مثل ما أوتيتم"، يقول: مثل ما أوتيتَ، أنت يا محمد، وأمتك من الإسلام والهدى "أو يحاجوكم عند ربكم"، قالوا: ومعنى"أو": "إلا"، أيْ: إلا أن"يحاجوكم"، يعني: إلا أن يجادلوكم عند ربكم عند ما فَعل بهم ربُّكم " (١). قال الفراء: " يجوز أن يكون قد انقطع كلام اليهود عند قوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ ثم قال الله لمحمد ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ أي: أن البيان الحق بيان الله أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم على تقدير لا كقوله تعالى ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ أي لئلا تضلوا " (٢). القول الراجح: هو القول الذي ذهب إليه ابن عاشور وهو أن هذا القول من قول أهل الكتاب , بناءً على القاعدة، ولكن هذا القول يرد عليه قوله في الآية نفسها: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ كيف وقعت بين جزأي كلام واحد؟ ؟ وقد أجاب الرازي عن هذا الإشكال فيما نقله عن القفال (٣) حيث

стр. 628

يقول: " قال القفال: يحتمل أن يكون قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ كلام أمر الله نبيه أن يقوله عند انتهاء الحكاية عن اليهود إلى هذا الموضع لأنه لما حكى عنهم في هذا الموضع قولاً باطلاً لا جرم أدب رسوله ﷺ بأن يقابله بقول حق، ثم يعود إلى حكاية تمام كلامهم كما إذا حكى المسلم عن بعض الكفار قولاً فيه كفر، فيقول: عند بلوغه إلى تلك الكلمة آمنت بالله، أو يقول لا إله إلا الله، أو يقول تعالى الله ثم يعود إلى تمام الحكاية فيكون قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ من هذا الباب، ثم أتى بعده بتمام قول اليهود إلى قوله: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ ثم أمر النبي ﷺ بمحاجتهم في هذا وتنبيههم على بطلان قولهم، فقيل له: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية" (١) ويقوي هذا القول القاعدة الترجيحية) القول الذي يدل عليه السياق أولى من غيره) وسياق الآية وما قبلها يدل على أنه من قول أهل الكتاب. وفي ذلك يقول الألوسي: " وأرجح الوجه الثاني لتأيده بقراءة ابن كثير، وأنه أفيد من الأول وأقل تكلفا من باقي الأوجه، وأقرب إلى المساق " (٢).

стр. 629

٣ - قراءة " قبل موته": قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (١). اختلف المفسرون في لمن يعود الضمير في قوله تعالى: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ على قولين: أحدها: المقصود به عيسى , أي: إلا ليؤمنن بعيسى قبل موته، إذا نزل من السماء، وهذا قول ابن عباس، وأبي مالك وقتادة، وابن زيد. والثاني: إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت الكتابي عند المعاينة، فيؤمن بما أنزل الله من الحق وبالمسيح عيسى ابن مريم، وهذا قول الحسن، ومجاهد، والضحاك، وابن سيرين، وجويبر (٢). ورجّح ابن عاشور أن المراد به الكتابي بناءً على القاعدة فقال: " والضمير في (موته) يحتمل أن يعود إلى أحد أهل الكتاب، أي قبل أن يموت الكتابيّ، ويؤيّده قراءة أبَي بن كعب (إلا ليؤمنن به قبل موتهم). وأهل الكتاب يطلق على اليهود والنّصارى؛ فأمّا النصارى فهم مؤمنون بعيسى من قبل، فيتعيّن أن يكون المراد بأهل الكتاب اليهود. والمعنى أنّ اليهود مع شدّة كفرهم بعيسى لا يموت أحد منهم إلاّ وهو يؤمن بنبوّته قبل موته، أي ينكشف له ذلك عند الاحْتضار قبل

стр. 630

انزهاق روحه، وهذه منّة مَنّ الله بها على عيسى، إذ جعل أعداءه لا يخرجون من الدنيا إلاّ وقد آمنوا به جزاء له على ما لقي من تكذيبهم، لأنّه لم يتمتّع بمشاهدة أمّةٍ تتبعه. وقيل: كذلك النصرانيّ عند موته ينكشف له أنّ عيسى عبد الله " (١). وسبق ابن عاشور إلى هذا الترجيح ابن عطية، والرازي، والألوسي (٢). في حين رجّح الطبري، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والقاسمي والشنقيطي أن المراد بالضمير في موته عيسى ﵇ (٣). واستظهر القرطبي كلا القولين ولكنه ساق بعد ذلك حديث أبي هريرة ﵁ وفيه قوله: " قبل موت عيسى؛ يعيدها ثلاثاً، فكأنه مال إلى القول الثاني (٤). وكذلك رجّح ابن كثير القول الثاني، ولكنه ذكر أن من فسر هذه الآية بأن المعنى كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد، عليهما الصلاة والسلام فهذا هو الواقع، وذلك أن كل أحد عند احتضاره يَتَجَلي له ما كان جاهلا به، فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانا نافعا له، إذا كان قد شاهد الملك، كما قال تعالى في أول هذه السورة: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ

стр. 631

يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ (١) (٢). حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن المراد بالضمير في "موته" الكتابي أي اليهودي أو النصراني: حجتهم في ذلك قراءة أبي بن كعب كما ذكر ابن عاشور. قال ابن عطية: " وفي مصحف أبي بن كعب " قبل موتهم" ففي هذه القراءة تقوية لعود الضمير على الكتابي " (٣). وقال الرازي مرجحا هذا القول: " واعلم أن كلمة (إن) بمعنى (ما) النافية كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٤) التقدير: وما أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به. ثم إنا نرى أكثر اليهود يموتون ولا يؤمنون بعيسى ﵇. والجواب: فيما روي عن شهر بن حوشب (٥) قال: قال الحجاج إني ما

стр. 632

قرأتها إلا وفي نفسي منها شيء، يعني هذه الآية فإني أضرب عنق اليهودي ولا أسمع منه ذلك. فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ودبره، وقالوا يا عدو الله أتاك عيسى نبيّاً فكذبت به، فيقول آمنت أنه عبد الله، وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبياً فزعمت أنه هو الله وابن الله، فيقول: آمنت أنه عبد الله فأهل الكتاب يؤمنون به، ولكن حيث لا ينفعهم ذلك الإيمان، فاستوى الحجاج جالساً وقال: عمن نقلت هذا؟ فقلت: حدّثني به محمد بن علي بن الحنفية فأخذ ينكت في الأرض بقضيب ثم قال: لقد أخذتها من عين صافية. وعن ابن عباس ﵁ أنه فسّره كذلك , فقال له عكرمة: فإن خر من سقف بيت أو احترق أو أكله سبع قال: يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به، ويدل عليه قراءة أُبي (إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِم) بضم النون على معنى وإن منهم أحد إلا سيؤمنون به قبل موتهم لأن أحداً يصلح للجمع، قال صاحب «الكشاف»: والفائدة في أخبار الله تعالى بإيمانهم بعيسى قبل موتهم أنهم متى علموا أنه لا بدّ من الإيمان به لا محالة فلأن يؤمنوا به حال ما ينفعهم ذلك الإيمان أولى من أن يؤمنوا به حال ما لا ينفعهم ذلك الإيمان" (١).

стр. 633

حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن المراد بالضمير في " موته" عيسى ﵇: حجتهم في ذلك: قال الطبري: " وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من غيره من الأقوال، لأن الله جل ثناؤه حكم لكل مؤمن بمحمد ﷺ بحكم أهل الإيمان، في الموارثة والصلاة عليه، وإلحاق صغار أولاده بحكمه في الملة. فلو كان كل كتابيّ يؤمن بعيسى قبل موته، لوجب أن لا يرث الكتابيّ إذا مات على مِلّته إلا أولاده الصغار، أو البالغون منهم من أهل الإسلام، إن كان له ولد صغير أو بالغ مسلم. وإن لم يكن له ولد صغير ولا بالغٌ مسلم، كان ميراثه مصروفًا حيث يصرف مال المسلم يموت ولا وارث له، وأن يكون حكمه حكم المسلمين في الصلاة عليه وغَسْله وتقبيره. لأن من مات مؤمنًا بعيسى، فقد مات مؤمنًا بمحمد وبجميع الرسل. وذلك أن عيسى صلوات الله عليه، جاء بتصديق محمد وجميع المرسلين صلوات الله عليهم، فالمصدّق بعيسى والمؤمن به، مصدق بمحمد وبجميع أنبياء الله ورسله. كما أن المؤمن بمحمد، مؤمن بعيسى وبجميع أنبياء الله ورسله. فغير جائز أن يكون مؤمنًا بعيسى من كان بمحمد مكذِّبًا " (١). وقال أبو حيان مرجحاً هذا القول أيضاً ومبيناً فساد قول الزجاج: " وهو غلط فاحش إذ زعم أنّ ليؤمنن به جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف إلى آخره، وصفة أحد المحذوف إنما هو الجار والمجرور وهو من أهل الكتاب،

стр. 634

والتقدير كما ذكرناه: وإن أحد من أهل الكتاب. وأما قوله: ليؤمنن به، فليست صفة لموصوف، ولا هي جملة قسمية كما زعم، إنما هي جملة جواب القسم، والقسم محذوف، والقسم وجوابه في موضع رفع خبر المبتدأ الذي هو أحد المحذوف، إذ لا ينتظم من أحد. والمجرور إسناد لأنه لا يفيد، وإنما ينتظم الإسناد بالجملة القسمية وجوابها، فذلك هو محط الفائدة وكذلك أيضاً الخبر هو إلا له مقام، وكذلك إلا واردها، إذ لا ينتظم مما قبل إلا تركيب إسنادي. والظاهر أن الضميرين في: به، وموته، عائدان أنّ على عيسى وهو سياق الكلام، والمعنى: من أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله " (١). القول الراجح: هو ما رجحه الطبري وهو: أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى ﵇ إلا آمن به قبل موته أي قبل موت عيسى ﵇. قال ابن كثير: " ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شبه لهم فقتلوا الشبيه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باق حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية -يعني: لا يقبلها

стр. 635

من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف-فأخبرت هذه الآية الكريمة أن يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ، ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي: قبل موت عيسى، الذي زعم اليهود ومن وافقهم من النصارى أنه قتل وصلب " (١). أما ترجيح ابن عاشور واستناده إلى قراءة أبي (إلا ليؤمنن به قبل موتهم) بضم النون وإلحاق ميم الجميع فلا أراه قد وافق الصواب فيها , لاسيما وقراءة أبي هذه ليست قراءة سبعية، أضف إلى أن هناك أكثر من قاعدة تفيد ترجيح هذا القول، منها: (القول الذي يدل عليه السياق أولى من غيره)، وسياق الآيات قبل هذه الآية تتحدث عن عيسى ﵇. قال الشنقيطي: " فالجواب أن يكون الضمير راجعاً إلى عيسى، يجب المصير إليه، دون القول الآخر، لأنه أرجح منه من أربعة أوجه: الأول: أنه هو ظاهر القرآن المتبادر منه، وعليه تنسجم الضمائر بعضها مع بعض. والقول الآخر بخلاف ذلك. وإيضاح هذا أن الله تعالى قال: : ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ﴾ (٢). ثم قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾ أي عيسى ﴿وَمَا صَلَبُوهُ﴾ أي عيسى
следующие страницы →