يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ (١)(٢).
حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن المراد بالضمير في "موته" الكتابي أي اليهودي أو النصراني:
حجتهم في ذلك قراءة أبي بن كعب كما ذكر ابن عاشور.
قال ابن عطية: " وفي مصحف أبي بن كعب " قبل موتهم" ففي هذه القراءة تقوية لعود الضمير على الكتابي " (٣).
وقال الرازي مرجحا هذا القول: " واعلم أن كلمة (إن) بمعنى (ما) النافية كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٤) التقدير: وما أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به. ثم إنا نرى أكثر اليهود يموتون ولا يؤمنون بعيسى ﵇.
والجواب: فيما روي عن شهر بن حوشب (٥) قال: قال الحجاج إني ما
стр. 632
قرأتها إلا وفي نفسي منها شيء، يعني هذه الآية فإني أضرب عنق اليهودي ولا أسمع منه ذلك. فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ودبره، وقالوا يا عدو الله أتاك عيسى نبيّاً فكذبت به، فيقول آمنت أنه عبد الله، وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبياً فزعمت أنه هو الله وابن الله، فيقول: آمنت أنه عبد الله فأهل الكتاب يؤمنون به، ولكن حيث لا ينفعهم ذلك الإيمان، فاستوى الحجاج جالساً وقال: عمن نقلت هذا؟ فقلت: حدّثني به محمد بن علي بن الحنفية فأخذ ينكت في الأرض بقضيب ثم قال: لقد أخذتها من عين صافية.
وعن ابن عباس ﵁ أنه فسّره كذلك , فقال له عكرمة: فإن خر من سقف بيت أو احترق أو أكله سبع قال: يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به، ويدل عليه قراءة أُبي (إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِم) بضم النون على معنى وإن منهم أحد إلا سيؤمنون به قبل موتهم لأن أحداً يصلح للجمع، قال صاحب «الكشاف»: والفائدة في أخبار الله تعالى بإيمانهم بعيسى قبل موتهم أنهم متى علموا أنه لا بدّ من الإيمان به لا محالة فلأن يؤمنوا به حال ما ينفعهم ذلك الإيمان أولى من أن يؤمنوا به حال ما لا ينفعهم ذلك الإيمان" (١).
стр. 633
حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن المراد بالضمير في " موته" عيسى ﵇:
حجتهم في ذلك:
قال الطبري: " وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من غيره من الأقوال، لأن الله جل ثناؤه حكم لكل مؤمن بمحمد ﷺ بحكم أهل الإيمان، في الموارثة والصلاة عليه، وإلحاق صغار أولاده بحكمه في الملة. فلو كان كل كتابيّ يؤمن بعيسى قبل موته، لوجب أن لا يرث الكتابيّ إذا مات على مِلّته إلا أولاده الصغار، أو البالغون منهم من أهل الإسلام، إن كان له ولد صغير أو بالغ مسلم. وإن لم يكن له ولد صغير ولا بالغٌ مسلم، كان ميراثه مصروفًا حيث يصرف مال المسلم يموت ولا وارث له، وأن يكون حكمه حكم المسلمين في الصلاة عليه وغَسْله وتقبيره. لأن من مات مؤمنًا بعيسى، فقد مات مؤمنًا بمحمد وبجميع الرسل. وذلك أن عيسى صلوات الله عليه، جاء بتصديق محمد وجميع المرسلين صلوات الله عليهم، فالمصدّق بعيسى والمؤمن به، مصدق بمحمد وبجميع أنبياء الله ورسله. كما أن المؤمن بمحمد، مؤمن بعيسى وبجميع أنبياء الله ورسله. فغير جائز أن يكون مؤمنًا بعيسى من كان بمحمد مكذِّبًا " (١).
وقال أبو حيان مرجحاً هذا القول أيضاً ومبيناً فساد قول الزجاج: " وهو غلط فاحش إذ زعم أنّ ليؤمنن به جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف إلى آخره، وصفة أحد المحذوف إنما هو الجار والمجرور وهو من أهل الكتاب،
стр. 634
والتقدير كما ذكرناه: وإن أحد من أهل الكتاب. وأما قوله: ليؤمنن به، فليست صفة لموصوف، ولا هي جملة قسمية كما زعم، إنما هي جملة جواب القسم، والقسم محذوف، والقسم وجوابه في موضع رفع خبر المبتدأ الذي هو أحد المحذوف، إذ لا ينتظم من أحد. والمجرور إسناد لأنه لا يفيد، وإنما ينتظم الإسناد بالجملة القسمية وجوابها، فذلك هو محط الفائدة وكذلك أيضاً الخبر هو إلا له مقام، وكذلك إلا واردها، إذ لا ينتظم مما قبل إلا تركيب إسنادي. والظاهر أن الضميرين في: به، وموته، عائدان أنّ على عيسى وهو سياق الكلام، والمعنى: من أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله " (١).
القول الراجح:
هو ما رجحه الطبري وهو: أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى ﵇ إلا آمن به قبل موته أي قبل موت عيسى ﵇.
قال ابن كثير: " ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شبه لهم فقتلوا الشبيه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باق حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية -يعني: لا يقبلها
стр. 635
من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف-فأخبرت هذه الآية الكريمة أن يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ، ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي: قبل موت عيسى، الذي زعم اليهود ومن وافقهم من النصارى أنه قتل وصلب " (١).
أما ترجيح ابن عاشور واستناده إلى قراءة أبي (إلا ليؤمنن به قبل موتهم) بضم النون وإلحاق ميم الجميع فلا أراه قد وافق الصواب فيها , لاسيما وقراءة أبي هذه ليست قراءة سبعية، أضف إلى أن هناك أكثر من قاعدة تفيد ترجيح هذا القول، منها: (القول الذي يدل عليه السياق أولى من غيره)، وسياق الآيات قبل هذه الآية تتحدث عن عيسى ﵇.
قال الشنقيطي: " فالجواب أن يكون الضمير راجعاً إلى عيسى، يجب المصير إليه، دون القول الآخر، لأنه أرجح منه من أربعة أوجه:
الأول: أنه هو ظاهر القرآن المتبادر منه، وعليه تنسجم الضمائر بعضها مع بعض. والقول الآخر بخلاف ذلك. وإيضاح هذا أن الله تعالى قال: : ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ﴾ (٢).
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾ أي عيسى ﴿وَمَا صَلَبُوهُ﴾ أي عيسى
стр. 636
﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي عيسى ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي عيسى ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ أي عيسى ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ (١) أي عيسى، ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ (٢) أي عيسى ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (٣) أي عيسى ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ أي عيسى ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ أي عيسى ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٤) أي يكون هو، أي عيسى عليهم شهيداً.
فهذا السياق القرآني الذي ترى، ظاهر ظهوراً لا ينبغي العدول عنه، في أن الضمير في قوله قبل موته، راجع إلى عيسى.
الوجه الثاني: من مرجحات هذا القول، أنه على هذا القول الصحيح، فمفسر الضمير، ملفوظ مصرح به، في قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ﴾ (٥).
وأما على القول الآخر فمفسر الضمير ليس مذكوراً في الآية أصلاً، بل هو مقدر تقديره: ما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به قبل موته، أي موت أحد
стр. 637
أهل الكتاب المقدر. ومما لا شك فيه، أن ما لا يحتاج إلى تقدير، أرجح وأولى، مما يحتاج إلى تقدير (١).
ومما يؤيد هذا القول قاعدة أخرى قوية أيضاً وهي: (إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له).
قال الشنقيطي: " من مرجحات هذا القول الصحيح، أنه تشهد له السنة النبوية المتواترة, لأن النبي ﷺ قد تواترت عنه الأحاديث بأن عيسى حي الآن، وأنه سينزل في آخر الزمان حكماً مقسطاً. ولا ينكر تواتر السنة بذلك إلا مكابر " (٢).
قال ابن كثير في تفسيره بعد أن ذكر هذا القول الصحيح ونسبه إلى جماعة من المفسرين ما نصه: "وهذا القول هو الحق كما سنبينه بعد بالدليل القاطع إن شاء الله تعالى" (٣).
وقوله بالدليل القاطع يعني السنة المتواترة، لأنها قطعية وهو صادق في ذلك.
منها: مارواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا , فيكسر الصليب , ويقتل الخنزير , ويضع الجزية , ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ,حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها ثم يقول أبو هريرة واقرؤوا إن شئتم:
стр. 638
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (١).
٤ - قراءة " أنجيناكم ":
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (٢).
اختلف المفسرون في هذه الآية من قول من؟ .
فذهب بعضهم إلى أنها من قول الله ، وذهب آخرون إلى أنها من تتمة قول موسى ﵇ (٣)، ورجّح ابن عاشور أن الآية من كلام موسى بناءً على قاعدة المبحث، وإن كان يُجوِّز القول الآخر، وهذا قوله في الآية: " - هو - من تتمة كلام موسى ﵇ كما يقتضيه السياق، ويجوز أن يكون هذا امْتناناً من الله اعترضه بين القصة وعدَةِ موسى ﵇ انتقالاً من الخبر والعبرة إلى النعمة والمنة، فيكون الضمير ضَمير تعظيم، وقرأ الجمهور: (أنجيناكم) بنون المتكلم المشارك، وقرأه ابن عامر: (وإذ أنجاكم)
стр. 639
على إعادة الضمير إلى الله في قوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾ (١)، وكذلك هو مرسوم في مصحف الشام فيكون من كلام موسى وبمجموع القراءتين يحصُل المعنيان " (٢).
وممن وافق ابن عاشور في كون هذه الآية من تتمة كلام موسى الشوكاني، والألوسي (٣)
ورجّح الطبري، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والقاسمي، والشنقيطي: أن الآية من من كلام الله تعالى في بيان النعم التي امتن بها عليهم (٤).
حجة القائلين: إن الآية من كلام الله تعالى:
قال الطبري: " يقول تعالى ذكره لليهود من بني إسرائيل الذين كانوا بين ظهراني مهاجَر رسول الله ﷺ : واذكروا مع قيلكم هذا الذي قلتموه لموسى بعد رؤيتكم من الآيات والعبر، وبعد النعم التي سلفت مني إليكم، والأيادي التي تقدمت فعلكم ما فعلتم إذ أنجيناكم من آل فرعون، وهم الذين كانوا على
стр. 640
منهاجه وطريقته في الكفر بالله من قومه يسومونكم سوء العذاب)، يقول: إذ يحملونكم أقبح العذاب وسيئه " (١).
ويقول ابن عطية: " ثم عدد _ الله _ عليهم في هذه الآية النعم التي يجب من أجلها أن لا يكفروا به ولا يرغبوا عبادة غيره " (٢).
كما ذكر أبو حيان في تفسيره أن هذا الفعل الذي هو الإنجاء من عدوهم هو من أعظم النعم، فناسب الأعظم نسبته للمعظم نفسه (٣).
وللشعراوي تعليل في ترجيح هذا القول حيث يقول: " لقد جاء "بالواو " هنا للعطف. لأن المتكلم هنا مختلف، فقد يكون المتكلم الله، وسبحانه يمتن بقمة النعم" (٤).
حجة القائلين: إن الآية من كلام موسى ﵇:
حجتهم في ذلك قراءة ابن عامر، قال ابن عاشور: " ويعضده قراءة ابن عامر: (واذ أنجاكم) (٥) والمعنى: أأبتغي لكم إلهاً غير الله في حال أنه فضلكم على العالمين، وفي زمان أنجاكم فيه من آل فرعون بواسطتي، فابتغاء إله غيره كفران لنعمته، فضمير المتكلم المشارَك يعود إلى الله وموسى، ومعاده يدل عليه
стр. 641
قوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾ " (١).
قال الألوسي: " وقرأ ابن عامر (أَنجَاكُم) فيكون من مقول موسى ﵇ " (٢).
القول الراجح:
هو ما اختاره ابن عاشور للقاعدة الترجيحية موضع البحث.
ويعضد هذا القول قاعدة أخرى وهي: (القول الذي يدل عليه السياق أولى من غيره)
وهذه القاعدة رجّح بها ابن عاشور في هذه الآية كما تقدّم حيث يقول في الآية: " من تتمة كلام موسى ﵇ كما يقتضيه السياق " (٣) قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ
стр. 642
نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (١).
كما يعضد هذا القول أيضا قاعدة أخرى وهي: (القول الذي تؤيده الآيات القرآنية مقدم على غيره) وقد جاء في سورة إبراهيم ما يدل على أن ذلك من كلام موسى مبينا لقومه ما امتن الله به عليهم من النعم.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (٢).
٥ - قراءة "ويجعل لك ":
قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ (٣).
اختلف المفسرون في المراد بالجنات والقصور في هذه الآية هل المقصود بها في الدنيا أو الآخرة؟ .
وذكر هذا الخلاف ابن عاشور في تفسيره، وهذا ملخص قوله: " يجوز أن يكون المراد بالجنات والقصور جناتٍ في الدنيا وقصوراً فيها، أي خيراً من الذي اقترحوه دليلاً على صدقك في زعمهم بأن تكون عدة جنات وفيها قصور.
стр. 643
وبهذا فسر جمهور المفسرين. وعلى هذا التأويل تكون (إن) الشرطية واقعة موقع (لو)، أي أنه لم يشأ ولو شاءه لفعله ولكن الحكمة اقتضت عدم البسط للرسول في هذه الدنيا ولكن المشركين لا يدركون المطالب العالية.
ويحتمل أن يكون المراد بالجنات والقصور ليست التي في الدنيا، أي هي جنات الخلد وقصور الجنة فيكون وعداً من الله لرسوله.
واقتران هذا الوعد بشرط المشيئة جار على ما تقتضيه العظمة الإلهية وإلا فسياق الوعد يقتضي الجزم بحصوله، فالله شاء ذلك لا محالة، بأن يقال: تبارك الذي جعل لك خيراً من ذلك. فموقع) إن شاء (اعتراض " (١).
ورجّح ابن عاشور أن المراد بها في الآخرة، مستدلاً على ذلك بالقراءة ضمن قاعدة المبحث، حيث يقول: " وأصل المعنى: تبارك الذي جعل لك خيراً من ذلك جنات إلى آخره. ويساعد هذا قراءة ابن كثير وابن عامر وأبي بكر عن عاصم) ويجعلُ لك قصوراً (برفع) يجعلُ (على الاستئناف دون إعمال حرف الشرط، وقراءة الأكثر بالجزم عطفاً على فعل الشرط وفعل الشرط محقق الحصول بالقرينة " (٢).
وممن وافق قوله قول ابن عاشور فيمن سبقه من المفسرين: الطبري، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، والشنقيطي (٣).
стр. 644
في حين يرى أبو حيان، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي أن المراد بها في الدنيا وهو قول مجاهد (١).
وذكر ابن كثير كلا القولين ولم يرجح (٢).
حجة القائلين: إن المراد بالجنات والقصور في الدنيا:
استدلوا على ذلك بقراءة الجزم، وهي قراءة أبي عمرو، ونافع، وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم (٣).
قال الألوسي عن هذا القول: " هو أبلغ في تبكيت الكفار والرد عليهم " (٤).
وقال الصابوني: "
﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ أي تمجّد وتعظم الله الكبير الجليل الذي لو أراد لجعل لك خيراً من ذلك الذي ذكروه من نعيم الدنيا ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي لو شاء لأعطاك بساتين وحدائق تسير فيها الأنهار لا جنة واحدة كما قالوا ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ أي ويجعل لك مع الحدائق القصور الرفيعة المشيدة كما هو حال الملوك " (٥).
стр. 645
حجة من قال: إن المراد بالجنات والقصور في الآخرة:
استدلوا على ذلك بقراءة الرفع "ويجعلُ لك" أي سيجعل لك في الآخرة قصوراً (١).وهي قراءة ابن كثير، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم (٢).
كما استدلوا بما رواه سفيان عن حبيب عن خيثمة قال: قيل: للنبي ﷺ إن شئت أعطيناك مفاتح الأرض وخزائنها لا ينقصك ذلك عندنا شيئا في الآخرة، وإن شئت جمعتها لك في الآخرة. قال: لا بل اجمعها لي في الآخرة فنزلت: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ (٣).
القول الراجح:
هو ما رجحه ابن عاشور ومن سبقه من المفسرين بناءً على القاعدة،
قال الطبري: " والقول الذي ذكرناه عن مجاهد في ذلك أشبه بتأويل الآية، لأن المشركين إنما استعظموا أن لا تكون له جنة يأكل منها، وأن لا يلقى إليه كنز واستنكروا أن يمشي في الأسواق، وهو لله رسول، فالذي هو أولى بوعد الله إياه أن يكون وعدا بما هو خير مما كان عند المشركين عظيما، لا مما كان منكرا
стр. 646
عندهم، وعني بقوله: (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ) بساتين تجري في أصول أشجارها الأنهار " (١).
ومما يرجح هذا القول ويعضده قاعدة أخرى وهي (القول الذي يدل عليه السياق أولى من غيره) وفي السياق قرينة تؤكد هذا المعنى.
وقد أشار إليها ابن عاشور في تفسيره ,فقال: " وهذا المحمل أشد تبكيتاً للمشركين وقطعاً لمجادلتهم، وقرينة ذلك قوله بعده: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ (٢) , وهو ضد ومقابل لما أعده لرسوله والمؤمنين " (٣).
وكذلك أكد ذلك ابن عطية من قبله حيث يقول: " هذا التأويل الثاني يوهم أن الجنات
والقصور التي في هذه الآية هي في الدنيا وهذا تأويل الثعلبي وغيره، ويرد ذلك قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ " (٤).
كما يعضد هذا الترجيح قاعدة أخرى وهي: (إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له) وقد ثبت في الحديث ما يدل عليه، وقد تقدم.
стр. 647
المبحث الخامس
التفسير الموافق لرسم المصحف مقدم على غيره من التفاسير
صورة القاعدة:
إذا تنازع المفسرون في تفسير آية من كتاب الله، أو في إعرابها، وكان أحد الأقوال موافقاً لرسم المصحف ولا يقتضي مخالفة له، وآخر يقتضي مخالفته، فأولى الأقوال بتفسير الآية ما وافق الرسم العثماني الذي أجمع عليه الصحابة (١).
بيان ألفاظ القاعدة:
رسم المصحف:
الرسم في اللغة: الرسم أثر الشيء، ويقال ترسَّمت الدار، أي نظرت إلى رسومها، وناقة رسوم تؤثر في الأرض من شدة الوطء، والثوب المرسم: المخطط (٢).
اصطلاحاً:
هو أوضاع حروف القرآن في المصحف ورسومه الخطية الذي ارتضاه عثمان على ملأ من الصحابة في كتابة كلمات القرآن وحروفه (٣).
стр. 648
وقد اعتنى ابن عاشور بهذه القاعدة فقال: "رسم المصحف سنّة سنّها كُتاب المصاحف فأقِرّت " (١).
وقال عند تفسيره للصراط: " وقد قرأ باللغة الفصحى (بالصاد) جمهور القراء وقرأ بالسين ابن كثير في رواية قنبل، والقراءة بالصاد هي الراجحة لموافقتها رسم المصحف وكونها اللغة الفصحى " (٢).
أقوال العلماء في القاعدة:
اعتمد هذه القاعدة في الترجيح جماعة من أئمة التفسير، فرجحوا بها أقوالاً وضعفوا بها أخرى، فمن هؤلاء الأئمة:
أبو جعفر النحاس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (٣) بعد أن ذكر القولين في الضمير " هم " قال: " والصواب أن الهاء والميم في موضع نصب؛ لأنه في السواد بغير ألف " اهـ (٤). يعني في رسم المصحف بغير ألف بعد الواو.
ومنهم أبو حيان فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح، فقد صحح بها بعض الأوجه التفسيرية، والإعرابية، وضعّف بها أقوالاً لأجل مخالفتها الرسم كما
стр. 649
في قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (١)(٢).
ونبّه السيوطي على هذه القاعدة عند حديثه عما يجب على المُعْرِب مراعاته، فقال:
" ويجب عليه مراعاة أمور، إلى أن قال: الثامن أن يراعي الرسم " (٣).
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
١ - قراءة ﴿الم﴾:
قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤)
اختلف المفسرون في هاته الحروف المقطعة الواقعة في أوائل السور على عدة أقوال ساقها ابن عاشور في تفسيره , وذكر أن أقوال العلماء تؤول إلى واحد وعشرين قولاً ذكرها ونسبها إلى أصحابها، وملخص هذه الأقوال من تفسيره التالي:
الأول: أنها علم استأثر الله تعالى به.
والثاني: أنها حروف مقتضبة من أسماء وصفات لله تعالى، فألم مثلاً الألف إشارة إلى أحد أو أول أو أزلي، واللام إلى لطيف، ونحو ذلك.
стр. 650
الثالث: أنها رموز لأسماء الله تعالى وأسماء الرسول ﷺ والملائكة.
الرابع: أن هاته الحروف المقطعة في أوائل السور أسماء للملائكة وأنها إذا تليت كانت كالنداء لملائكتها.
الخامس: أنها رموز كلها لأسماء النبي ﷺ وأوصافه خاصة.
السادس: أنها رموز لمدة دوام هذه الأمة بحساب الجُمَّل.
السابع: أنها رموز كل حرف رمز إلى كلمة فنحو: (ألم) أنا الله أعلم، و (ألمر) أنا الله أرى، و (ألمص) أنا الله أعلم وأفصل.
الثامن: أنها إشارات إلى أحوال من تزكية القلب.
التاسع: أنها أسماء للسور التي وقعت فيها , وأنه لم توضع أسماء السور الأخرى في أوائلها
العاشر: إنها أسماء للقرآن اصطلح عليها.
الحادي عشر: أن كل حروف مركبةِ منها هي اسم من أسماء الله.
الثاني عشر: قال الماوردي: هي أفعال , فإن حروف المص كتاب فعل ألمّ بمعنى نزل فالمراد (آلم ذلك الكتاب) أي نزل عليكم.
القول الثالث عشر: أن هاته الحروف أقسم الله تعالى بها كما أقسم بالقلم تنويهاً بها.
القول الرابع عشر: أنها سيقت مساق التهجي مسرودة على نمط التعديد في التهجية تبكيتاً للمشركين وإيقاظاً لنظرهم في أن هذا الكتاب المتلو عليهم وقد تُحدوا بالإتيان بسورة مثله هو كلام مؤلف من عين حروف كلامهم.
القول الخامس عشر: أنها تعليم للحروف المقطعة حتى إذا وردت عليهم بعد
стр. 651
ذلك مؤلفة كانوا قد علموها.
القول السادس عشر: أنها حروف قصد منها تنبيه السامع.
القول السابع عشر: أنها إعجاز بالفعل، وهو أن النبي الأمي الذي لم يقرأ قد نطق بأصول القراءة كما ينطق بها مهرة الكتبة فيكون النطق بها معجزة وهذا بيِّن البطلان لأن الأمي لا يعسر عليه النطق بالحروف.
القول الثامن عشر: أن الكفار كانوا يُعرضون عن سماع القرآن فأوردت لهم هذه الحروف ليقبلوا على طلب فهم المراد منها فيقع إليهم ما يتلوها بلا قَصد، قاله قُطرب وهو قريب من القول السادس عشر.
القول التاسع عشر: أنها علامة لأهل الكتاب وُعدوا بها من قِبَل أنبيائهم أن القرآن يفتتح بحروف مقطعة.
القول العشرون: أن الله تعالى علم أن قوماً سيقولون بقدم القرآن فأراهم أنه مؤلف من حروف كحروف الكلام.
القول الحادي والعشرون: روي عن ابن عباس ﵁ أنها ثناء أثنى الله به على نفسه وهو يرجع إلى القول الأول أو الثاني.
هذا جماع الأقوال وذكر ابن عاشور أن هذه الأقوال كلها تتلخص وتندرج تحت ثلاثة أنواع:
النوع الأول: يرجع إلى أنها رموز اقتضبت من كَلم أو جمل، فكانت أسراراً يفتح غلقها مفاتيح أهل المعرفة ويندرج تحت هذا النوع الأقوال الثمانية الأولى.
والنوع الثاني: يرجع إلى أن هاته الحروف وضعت بتلك الهيئات أسماء أو أفعالا ويندرج تحت هذا النوع القول التاسع والعاشر والحادي عشر
стр. 652
والثاني عشر.
والنوع الثالث: تندرج فيه الأقوال الراجعة إلى أن هاته الحروف حروف هجاء مقصودة بأسمائها لأغراض داعية لذلك.
ثم فنَّد ابن عاشور هذه الأنواع ورجّح أحدها بناءً عل القاعدة فقال: " ولا شك أن قراءة كافة المسلمين إياها بأسماء حروف الهجاء مثل ألف. لاَمْ. ميمْ دون أن يقرأوا ألَمْ وأن رسْمها في الخط بصورة الحروف يزيف جميع أقوال النوع الأول ويعين الاقتصار على النوعين الثاني والثالث في الجملة، على أن ما يندرج تحت ذينك النوعين متفاوت في درجات القبول، فإن الأقوال الثاني، والسابع، والثامن، والثاني عشر، والخامس عشر، والسادس عشر، يبطلها أن هذه الحروف لو كانت مقتضبَة من أسماء أو كلمات لكان الحق أن ينطق بمسمياتها لا بأسمائها. فإذا تعين هذان النوعان وأسقطنا ما كان من الأقوال المندرجة تحتها، خلَص أن الأرجح من تلك الأقوال ثلاثة: وهي كون تلك الحروف لتبكيت المعاندين وتسجيلاً لعجزهم عن المعارضة، أو كونُها أسماء للسور الواقعة هي فيها، أو كونُها أقساماً أقسم بها لتشريف قدر الكتابة وتنبيهِ العرب الأميين إلى فوائد الكتابة لإخراجهم من حالة الأُمية وأرجح هذه الأقوال الثلاثةِ هو أولها " (١) وممن وافق قوله قول ابن عاشور فيمن سبقه من المفسرين الرازي، وابن كثير، والشوكاني (٢).
стр. 653
ورجّح الطبري أن الصواب في تأويل مفاتِح السور أنّ الله جلّ ثناؤه جعلَها حروفًا مقطَّعة ولم يصِل بعضَها ببعض فيجعلها كسائر الكلام المتّصِل الحروف لأنه عز ذكره أراد بلفظِه الدلالةَ بكل حرف منه على معان كثيرة، لا على معنى واحد ... - فيدخل فيه جميع ما ذكره المفسرين - ... ، وقريب منه قول ابن عطية، والألوسي.
قال الألوسي: " والصواب ما قاله الجمهور أن تفسر هذه الحروف ويلتمس لها التأويل والفوائد التي تحتها والمعاني " (١). وقول الطبري وابن عطية والألوسي لا يبعد عما اختاره ابن عاشور فإن قوله يدخل ضمن اختيارهم.
في حين يرى القرطبي، وأبو حيان أنها من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه (٢).
وساق القاسمي أبرز الأقوال فيها ولم يرجح، وهي:
الأول: أن هذا علم مستور، وسر محجوب، استأثر الله ﵎ به فهو من المتشابه
الثاني: يجب أن نتكلم فيها، ونلتمس الفوائد التي تحتها والمعاني التي تتخرج عليها، وهذا القول يدخل ضمنه عدد من الأقوال منها ما رجحه ابن عاشور (٣).
стр. 654
حجة من قال: إن هذه الحروف المقطعة مما استأثر الله بعلمه:
قال القرطبي: " قال عامر الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين: هي سر الله في القرآن، ولله في كل كتاب من كتبه سر.
فهي من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه، ولا يجب أن يتكلم فيها، ولكن نؤمن بها ونقرأ كما جاءت.
وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وعن علي بن أبي طالب ﵄.
وذُكر عن عمر وعثمان وابن مسعود ﵃ أنهم قالوا: الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر.
وقال أبو حاتم: لم نجد الحروف المقطعة في القرآن إلا في أوائل السور، ولا ندري ما أراد الله بها.
ومن هذا المعنى ما ذكره أبو بكر الأنباري (١) حيث ساق بسنده عن الربيع بن خثيم قال: إن الله تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء، وأطلعكم على ما شاء، فأما ما أستأثر به لنفسه فلستم بنائليه فلا تسألوا عنه، وأما الذي أطلعكم عليه فهو الذي تسألون عنه وتخبرون به، وما بكل القرآن تعلمون، ولا بكل ما تعلمون تعملون " (٢).
стр. 655
حجة من قال: إن هذه الحروف المقطعة من أسماء السور:
وذكر ابن عاشور حجتهم في ذلك فقال: " ويعضد - هذا القول - وقوع هاته الحروف في أوائل السور فتكون هاته الحروف قد جعلت أسماء بالعلامة على تلك السور، وسميت بها كما نقول الكراسة ب , والرزمة ج , ونظره القفال بما سمت العرب بأسماء الحروف كما سموا لاَمَ الطائي والد حارثة، وسموا الذهب عَيْن، والسحاب غَيْن، والحوتَ نونْ، والجبل قاف، وأقوال، وحاء قبيلة من مَذحج، وقال شريح بن أوفى العنسي (١):
يذكرني حَامِيمَ والرمحُ شاجر ... فهَلاَّ تلا حاميمَ قبل التقدم
يريد ﴿حم (١) عسق﴾ (٢) التي فيها: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٣) " (٤).
حجة من قال: إن هذه الحروف المقطعة للتحدي وبيان الإعجاز:
قال ابن أبي العز في شرح "العقيدة الطحاوية ": " وإلى هذا وقعت الإشارة بالحروف المقطعة في أوائل السور، أي: أنه في أسلوب كلامهم وبلغتهم التي
стр. 656
يتخاطبون بها. ألا ترى أنه يأتي بعد الحروف المقطعة بذكر القرآن؟ كما في قوله تعالى: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ .. وكذلك الباقي ينبههم أن هذا الرسول الكريم لم يأتكم بما لا تعرفونه، بل خاطبكم بلسانكم " (١).
قال الشنقيطي: " ووجه شهادة استقراء القرآن لهذا القول: أن السور التي افتتحت بالحروف المقطعة يذكر فيها دائماُ عقب الحروف المقطعة الانتصار للقرآن وبيان إعجازه، وأنه الحق الذي لا شك فيه وذكر ذلك بعدها دائماَ دليل استقرائي على أن الحروف المقطعة قصد بها إظهار إعجاز القرآن، وأنه حق " (٢).
القول الراجح:
هو ما رجحه ابن عاشور ومن سبقه من المفسرين من كونها تبكيتاً للمعاندين وبيان عجزهم عن المعارضة، وذلك بناءً على القاعدة كما تقدم، وقد حكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحوه، وقرره الزمخشري في كشافه (٣).
قال الدكتور صلاح الخالدي بعد أن ساق الأقوال في الأحرف المقطعة: " وتلك الأقوال كلها مرجوحة، ولا نرى أنها من المتشابه، وأن الله استأثر بالعلم بها، ونرى أننا مطالبون بالنظر فيها وتدبرها، ومحاولة الوقوف على
стр. 657
معناها، وتحديد المراد بها، والراجح في هذه الأحرف أنها تدل على التحدي والإعجاز، وعلى مصدر القرآن" (١).
ومما يرجح هذا القول قاعدة أخرى وهي أن (القول الذي يدل عليه السياق أولى من غيره) وفي العموم أن الآيات بعد هذه الحروف المقطعة فيها انتصار للقرآن.
أما قول من قال أنها مما استأثر الله بعلمه، فإن هذا الرأي يظل عاجزاً أمام الآيات التي تدعو إلى التدبر في آيات القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٢) وقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٣)، ويعزز ذلك أنه لم يثبت عن العرب أبان العهد الإسلامي ما يشير إلى عدم فهمهم لمعاني الحروف المقطعة، فلو كانوا يجهلون ذلك لظهر من هنا وهناك من يسأل عن أسرارها وحقيقتها، أما الروايات الواردة عن الصحابة رضوان الله عليهم في الحروف المقطعة فكلها روايات لا تصح، قال ابن عاشور: " ونسب هذا إلى الخلفاء الأربعة في روايات ضعيفة " (٤).
وأما قول من قال أنها أسماء للسور فقد استبعده بعض العلماء.
стр. 658
قال ابن عاشور: " ويبعد هذا القول بعداً ما إن الشأن أن يكون الاسم غير داخل في المسمى , وقد وجدنا هذه الحروف مقروءة مع السور بإجماع المسلمين، على أنه يرده اتحاد هذه الحروف في عدة سور مثل آلم وآلر وحم، وأنه لم توضع أسماء السور الأخرى في أوائلها " (١).
٢ - قراءة "يأجوج ومأجوج ":
قال تعالى: ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ (٢)
رجّح ابن عاشورأن يأجوج ومأجوج أمة ذات شعبين , وبنى قوله على رسمهما في المصحف حيث أن بينهما واو عاطفة , فدل ذلك على أنهما قبيلتين.
وهذا قوله: " ويأجوج ومأجوج أمة كثيرة العدد فيحتمل أن الواو الواقعة بين الاسمين حرف عطف فتكون أمة ذات شعبين، وهم المغول وبعض أصناف التتار. وهذا هو المناسب لأصل رسم الكلمة ولا سيما على القول بأنهما اسمان عربيان كما سيأتي فقد كان الصنفان متجاورين.
والذي يجب اعتماده أن يأجوج ومأجوج هم المغول والتتر. وقد ذكر أبو الفداء أن مأجوج هم المغول فيكون يأجوج هم التتر. وقد كثرت التتر على المغول فاندمج المغول في التتر وغلب اسم التتر على القبيلتين " (٣).
стр. 659
ولم يخالف قول المفسرين الذين سبقوا قول ابن عاشور فكلهم متفقون جميعاً على أن يأجوج ومأجوج قبيلتين (١).
قال ابن عطية: " (يأجوج ومأجوج): قبيلتان من بني آدم لكنهم ينقسمون أنواعاً كثيرة، اختلف الناس في عددها، فاختصرت ذكره لعدم الصحة، وفي خلقهم تشويه: منهم المفرط الطول، ومنهم مفرط القصر، على قدر الشبر، وأقل، وأكثر، ومنهم صنف: عظام الآذان، الأذن الواحدة وبرة والأخرى زعرى , يصيف بالواحدة ويشتو في الأخرى وهي تعمه " (٢).
ومما يعضد هذا القول قاعدة: (إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له) , ومن ذلك ما ورد في حديث أمّ حبيبة عن زينب بنت جحش رضي الله عنهاأن النبي ﷺ دخل عليها فزعاً يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فُتح اليوم من رَدْم يأجوج ومأجوج مثل هذه». وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها." (٣).وأقوى منه حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يفتح
стр. 660
يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس كما قال الله : من كل حدب ينسلون فيغشون الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم ويضمون إليهم مواشيهم ويشربون مياه الأرض حتى إن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يبسا حتى إن من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول قد كان ها هنا ماء مرة حتى إذا لم يبق من الناس إلا أحد في حصن أو مدينة قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم بقي أهل السماء قال: ثم يهز أحدهم حربته ثم يرمي بها إلى السماء فترجع مختضبة دما للبلاء والفتنة , فبينا هم على ذلك , إذ بعث الله دودا في أعناقهم كنغف الجرار الذي يخرج في أعناقهم فيصبحون موتى لا يسمع لهم حسا فيقول المسلمون: ألا رجل يشري نفسه فينظر ما فعل هذا العدو قال فيتجرد رجل منهم لذلك محتسبا لنفسه قد أظنها على أنه مقتول فينزل فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي: يا معشر المسلمين! ألا أبشروا فان الله قد كفاكم عدوكم فيخرجون من مدائنهم وحصونهم ويسرحون مواشيهم فما يكون لها رعي إلا لحومهم فتشكر عنه كأحسن ما تشكر عن شيء من النبات أصابته قط " (١).
وقول عبد الله بن مسعود ﵁: سألت النبي ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فقال ﷺ : (يأجوج ومأجوج أمتان , كل أمة أربعمائة ألف أمة , كل أمة لا يعلم عددها إلا الله لا يموت الرجل منهم حتى يولد له ألف ذكر من صلبه كلهم قد
стр. 661
حمل السلاح) قيل: يا رسول الله صفهم لنا. قال: هم ثلاثة أصناف صنف منهم أمثال الأرز؛ شجر بالشام طول الشجرة عشرون ومائة ذراع , وصنف عرضه وطوله سواء نحوا من الذراع , وصنف يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه ويأكلون من مات منهم مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان يشربون أنهار الشرق وبحيرة طبرية فيمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس). (١)
٣ - قراءة " وَلُؤْلُؤًا ":
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (٢).
حصل الاختلاف بين العلماء في قراءة (وَلُؤْلُؤًا) بين النصب والخفض وبالتالي حصل الاختلاف في معناها (٣).
стр. 662
قال ابن عاشور: ") ولؤلؤاً (قرأه نافع، ويعقوب، وعاصم بالنصب عطفاً على محل) أساور (أي يحلون لؤلؤاً أي عقوداً ونحوها.
وقرأه الباقون بالجرّ عطفاً على اللفظ والمعنى: أساور من ذهب وأساور من لُؤلؤ
وهي مكتوبة في المصحف بألف بعد الواو الثانية في هذه السورة فكانت قراءة جر) لؤلؤٍ (مخالفة لمكتوب المصحف " (١).
ومن هذا المثال يظهر ميل ابن عاشور لقراءة النصب والمعنى أنهم يحلون لؤلؤاً أي عقوداً ونحوها، وسبب ميله لهذا القول هو موافقة هذه القراءة لرسم المصحف وذلك بناءً على قاعدة المبحث وهي أن التفسير الموافق لرسم المصحف أولى من غيره، ولكنه في الوقت الآخر لم يرد المعنى الآخر لأنه ملتزم بالقاعدة: أن القراءات المتواترة حق كلها نصا ومعنى لا يجوز ردها أو رد معناها. وممن ذهب إلى هذا المعنى الذي ذهب إليه ابن عاشور من المفسرين: الطبري، وأبو حيان، والشوكاني، والألوسي حيث ذكروا قراءة النصب وبينوا أنها هي الموافقة لرسم المصحف (٢).
وذكر ابن عطية كلا القراءتين ولم يمل إلى قراءة دون الأخرى، وكذلك القرطبي إلا أنه ذكر أن من اختار قراءة النصب بناءً على موافقتها لرسم المصحف (٣).
أما ابن كثير، والقاسمي، والشنقيطي فلم يتعرضوا لذكر القراءات الواردة فيها.
стр. 663
حجة من قرأ لؤلؤا بالنصب على معنى: ويحلون لؤلؤا أي عقوداً ونحوها:
قال ابن خالويه: " والحجة لمن نصب أنه أضمر فعلا كالأول معناه ويحلون لؤلؤا وسهل ذلك عليه كتابها في السواد ها هنا وفي الملائكة بألف" (١).
وقال الثعلبي: "ولؤلؤاً بالنصب على معنى ويحلّون لؤلؤاً، واستدلّوا بأنّها مكتوبة في جميع المصاحف بالألف ها هنا " (٢).
وقال السمين الحلبي: " فأمَّا النصبُ ففيه أربعةُ أوجهٍ:
أحدها: أنَّه منصوبٌ بإضمار فعلٍ تقديرُه: ويُؤْتَوْن لُؤْلؤاً. ولم يذكر الزمخشريُّ غيرَه، وكذا أبو الفتح حَمَله على إضمار فعلٍ.
الثاني: أنَّه منصوبٌ نَسَقاً على موضع "مِنْ أساور"، وهذا كتخريجِهم "وأرجُلَكُمْ" بالنصب عطفاً على محلِّ (بِرُؤُوسِكُمْ)، ولأن (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ) في قوة: (يَلْبَسون أساور) فَحُمِل هذا عليه.
والثالث: أنه عطفٌ على "أساور"؛ لأنَّ "مِنْ" مزيدةٌ.
الرابع: أنه معطوفٌ على ذلك المفعولِ المحذوفِ. التقديرُ: يُحَلَّوْن فيها الملبوسَ مِنْ أساور ولؤلؤاً. فـ"لؤلؤاً" عطفٌ على الملبوس " (٣).
حجة من قرأ لؤلؤٍ بالكسر بمعنى: يحلون أساور من لؤلؤ:
قال أبو علي الفارسي مرجحاً قراءة الجر: " وجه الجر في قوله (ولؤلؤٍ) أنهم: يحلون أساور من ذهب ومن لؤلؤ، أي: منهما، وهذا هو الوجه، لأنه إذا نصب
стр. 664
فقال: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ حمله على: ويحلون لؤلؤا. واللؤلؤ إذا انفرد من الذهب والفضة لا يكون حلية، فإن قلت فقد قال: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ (١) فهذا على أن يكون حلية إذا رصع في الذهب والفضة صار حلية " (٢).
القول الراجح
ليس هناك ترجيح معنى على آخر , لاسيما وكلا القراءتين متواترتان , وإنما يبقى في قراءة النصب زيادة وهو كونها موافقة لرسم المصحف، وهذا الذي ذهب إليه ابن عاشور فقد ذكر أن قراءة النصب مكتوبة في المصحف وكذلك ذكر أن قراءة الجر مخالفة للمصحف وفي الوقت نفسه لم يردها وذلك إيمانا منه بأن القراءات المتواترة حق كلها نصا ومعنى لا يجوز ردّها أو رد معناها.
وقال في موضع: " ولا يقدح في قراءتهم كونُها مخالفة لجميع نسخ مصاحف الأمصار؛ لأن تواتر القراءة أقوى من تواتر الخط إن اعتبر للخط تواتر.
وما ذُكر من شرط موافقة القراءة لما في مصحف عثمان لتكون قراءة صحيحة تجوز القراءة بها، إنما هو بالنسبة للقراءات التي لم تُرْو متواترة " (٣).
وهذا ما ذهب إليه الطبري بقوله: " والقول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء، متفقتا المعنى، صحيحتا
стр. 665
المخرج في العربية، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب " (١).
٤ - قراءة " بضنين ":
قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ (٢).
اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿بِضَنِينٍ﴾ وهذا الخلاف عائد إلى القراءات الواردة فيها , فمنهم من ذهب إلى أن المعنى أنه غير بخيل، ومنهم من ذهب إلى أن المعنى أنه غير متهم (٣).
وفي ذلك يقول ابن عاشور: " وقد اختلف القراء في قراءته , فقرأه نافع وابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر وخلف ورَوح عن يعقوب بالضاد الساقطة التي تخرج من حافة اللسان مما يلي الأضراس وهي القراءة الموافقة لرسم المصحف، وقرأه الباقون بالظاء المشالة التي تخرج من طرف اللسان وأصول الثنايا العُليا" (٤).
وذكر في «الكشاف» أن النبي ﷺ قرأ بهما، وذلك مما لا يحتاج إلى التنبيه، لأن القراءتين مَا كانتا متواترتين إلا وقد رُويتا عن النبي ﷺ
стр. 666
والضاد والظاء حرفان مختلفان والكلمات المؤلفة من أحدهما مختلفة المعاني غالباً (١).
وقال الطبري: " بالضاد، بمعنى أنه غير بخيل عليهم بتعليمهم ما علَّمه الله، وأنزل إليه من كتابه. وقرأ بعض المكيين وبعض البصريين وبعض الكوفيين (بِظَنِينٍ) بالظاء، بمعنى أنه غير متهم فيما يخبرهم عن الله من الأنباء " (٢).
وذكر ابن عاشور أن كلمة " بضنين" كتبت في مصاحف الأمصار بضاد ساقطة كما اتفق عليه الأمصار، إلا إن ابن عاشور لم يرجّح هذه القراءة بالضاد الساقطة ومعناها بالرغم من أنها موافقة لرسم المصحف وهو قد عمل بقاعدة المبحث وطبقها في تفسيره، والسبب في ذلك أن القراءة بالظاء قراءة متواترة أيضاٍ وابن عاشور كما تقدم معنا يرى بأن القراءات المتواترة حق كلها نصاً ومعنى لا يجوز ردها أو رد معناها، ولذلك قال عند تفسيره لهذه الآية: " ولا شك أن الذين قرأوه بالظاء المشالة من أهل القراءات المتواترة وهم ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب قد رووه متواتراً عن النبي ﷺ ولذلك فلا يقدح في قراءتهم كونُها مخالفة لجميع نسخ مصاحف الأمصار لأن تواتر القراءة أقوى من تواتر الخط إن اعتبر للخط تواتر.
وما ذُكر من شرط موافقة القراءة لما في مصحف عثمان لتكون قراءة صحيحة تجوز القراءة بها، إنما هو بالنسبة للقراءات التي لم تُرْو متواترة كما بيناه
стр. 667
في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير " (١).
وممن وافق ابن عاشور في الأخذ بكلا القراءتين ابن عطية وأبو حيان وابن كثير والقاسمي حيث ذكروا كلا القراءتين ومعناهما، ولم يرجّحوا أحدهما على الأخرى، وإنما ذكروا كل قراءة ومن قرأ بها فكأنهم يقولوا بهما جميعا كما هو عمل ابن عاشور، وقال ابن كثير: " وكلاهما متواتر ومعناهما صحيح (٢).
في حين رجّح الطبري القراءة بالضاد وما يترتب عليها من معنى (٣).
أما الرازي، والقرطبي، والشوكاني، والألوسي فقد رجحوا المعنى الآخر حيث ذكروا أنه من اختيار أبي عبيدة وذكر الرازي توجيهين لهذا الاختيار (٤).
حجة من قال: إن معنى قوله " بِضَنِينٍ " أي بخيل:
حجتهم في ذلك رسم المصحف، قال الطبري: " وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب: ما عليه خطوط مصاحف المسلمين متفقة، وإن اختلفت قراءتهم به، وذلك (بِضَنِينٍ) بالضاد، لأن ذلك كله كذلك في خطوطها. فإذا كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين بالصواب في ذلك: تأويل من تأوّله، وما محمد على ما علَّمه الله من وحيه وتنزيله ببخيل بتعليمكموه أيها الناس، بل هو
стр. 668
حريص على أن تؤمنوا به وتتعلَّموه (١).
حجة من قال: إن معنى قوله " بِضَنِينٍ " أي بمعنى غير متهم بناءً على القراءة بالظاء:
وهذا اختيار أبي عبيدة (٢). قال الرازي: " واختار أبو عبيدة القراءة الأولى - أي القراءة بالظاء- لوجهين: أحدهما: أن الكفار لم يبخلوه، وإنما اتهموه فنفي التهمة أولى من نفي البخل وثانيها: قوله: (عَلَى الغيب) ولو كان المراد البخل لقال بالغيب لأنه يقال: فلان ضنين بكذا وقلما يقال على كذا " (٣).
وقال القرطبي: " واختاره أبو عبيدة؛ لأنهم لم يبخلوه ولكن كذبوه، ولأن الأكثر من كلام العرب: ما هو بكذا، ولا يقولون: ما هو على كذا، إنما يقولون: ما أنت على هذا بمتهم" (٤).
وقال الألوسي: " والأول أشهر ورجحت هذه القراءة عليها بأنها أنسب بالمقام؛ لاتهام الكفرة له ﷺ ، ونفي التهمة أولى من نفي البخل وبأن التهمة تتعدى بعلى دون البخل فإنه لا يتعدى بها إلا باعتبار تضمينه معنى الحرص ونحوه " (٥).
стр. 669
القول الراجح
هو ما ذهب إليه ابن عاشور من الأخذ بكلا القراءتين، وإن كانت إحداهما موافقة للرسم إلا أن ذلك لا يعني ترجيح قراءة على أخرى , إلا إذا كانت القراءة الأخرى شاذة فالأمر عندئذ مختلف حيث يترجح المعنى الذي يوافق الرسم.
٥ - قراءة "فلا تنسى":
قال تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ (١).
اختلف المفسرون في معنى قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ على قولين:
أحدهما: أن معنى قوله: فلا تنسى، أي فلا تترك العمل إلا ما شاء الله أن يترخص لك فيه، فعلى هذا التأويل يكون هذا نهياً عن الشرك.
والوجه الثاني: أنه إخبار من الله تعالى أنه لا ينسى ما يقرئه من القرآن، حكى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا نزل عليه جبريل بالوحي يقرؤه خيفة أن ينساه، فأنزل الله تعالى: «سنقرئك فلا تنسى» يعني القرآن (٢).
ورجّح ابن عاشور أن المراد باللام في قوله فلا تنسى: النفي , وهذا قوله: " وليس قوله: (فلا تنسى) من الخبر المستعمل في النهي عن النسيان لأن النسيان لا يدخل تحت التكليف، أمَّا إنه ليست (لا) فيه ناهية فظاهر، ومن
стр. 670
زعمه تعسف لتعليل كتابة الألف في آخره " (١).
وممن وافق قوله قول ابن عاشور فيمن سبقه من المفسرين الطبري، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي.
ورجّحه القرطبي بناءً على قاعدة المبحث حيث يقول: " والأول هو المختار- أي النفي - فإن الياء مثبتة في جميع المصاحف " وكذلك الألوسي (٢).
حجة من قال: إن معنى قوله: ﴿فَلَا تَنْسَى﴾ بمعنى النفي أي: إخبار بعدم نسيانه ﷺ :
قال ابن عطية: " ونسيان النبي ﷺ ممتنع فيما أمر بتبليغه، إذ هو معصوم فإذا بلغه ووعي عنه، فالنسيان جائز على أن يتذكر بعد ذلك وعلى أن يسنَّ، أو على النسخ " (٣).
قال الرازي: " والقول المشهور أن هذا خبر , والمعنى سنقرئك إلى أن تصير بحيث لا تنسى وتأمن النسيان، كقولك سأكسوك فلا تعرى أي فتأمن