والضاد والظاء حرفان مختلفان والكلمات المؤلفة من أحدهما مختلفة المعاني غالباً (١).
وقال الطبري: " بالضاد، بمعنى أنه غير بخيل عليهم بتعليمهم ما علَّمه الله، وأنزل إليه من كتابه. وقرأ بعض المكيين وبعض البصريين وبعض الكوفيين (بِظَنِينٍ) بالظاء، بمعنى أنه غير متهم فيما يخبرهم عن الله من الأنباء " (٢).
وذكر ابن عاشور أن كلمة " بضنين" كتبت في مصاحف الأمصار بضاد ساقطة كما اتفق عليه الأمصار، إلا إن ابن عاشور لم يرجّح هذه القراءة بالضاد الساقطة ومعناها بالرغم من أنها موافقة لرسم المصحف وهو قد عمل بقاعدة المبحث وطبقها في تفسيره، والسبب في ذلك أن القراءة بالظاء قراءة متواترة أيضاٍ وابن عاشور كما تقدم معنا يرى بأن القراءات المتواترة حق كلها نصاً ومعنى لا يجوز ردها أو رد معناها، ولذلك قال عند تفسيره لهذه الآية: " ولا شك أن الذين قرأوه بالظاء المشالة من أهل القراءات المتواترة وهم ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب قد رووه متواتراً عن النبي ﷺ ولذلك فلا يقدح في قراءتهم كونُها مخالفة لجميع نسخ مصاحف الأمصار لأن تواتر القراءة أقوى من تواتر الخط إن اعتبر للخط تواتر.
وما ذُكر من شرط موافقة القراءة لما في مصحف عثمان لتكون قراءة صحيحة تجوز القراءة بها، إنما هو بالنسبة للقراءات التي لم تُرْو متواترة كما بيناه
стр. 667
في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير " (١).
وممن وافق ابن عاشور في الأخذ بكلا القراءتين ابن عطية وأبو حيان وابن كثير والقاسمي حيث ذكروا كلا القراءتين ومعناهما، ولم يرجّحوا أحدهما على الأخرى، وإنما ذكروا كل قراءة ومن قرأ بها فكأنهم يقولوا بهما جميعا كما هو عمل ابن عاشور، وقال ابن كثير: " وكلاهما متواتر ومعناهما صحيح (٢).
في حين رجّح الطبري القراءة بالضاد وما يترتب عليها من معنى (٣).
أما الرازي، والقرطبي، والشوكاني، والألوسي فقد رجحوا المعنى الآخر حيث ذكروا أنه من اختيار أبي عبيدة وذكر الرازي توجيهين لهذا الاختيار (٤).
حجة من قال: إن معنى قوله " بِضَنِينٍ " أي بخيل:
حجتهم في ذلك رسم المصحف، قال الطبري: " وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب: ما عليه خطوط مصاحف المسلمين متفقة، وإن اختلفت قراءتهم به، وذلك (بِضَنِينٍ) بالضاد، لأن ذلك كله كذلك في خطوطها. فإذا كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين بالصواب في ذلك: تأويل من تأوّله، وما محمد على ما علَّمه الله من وحيه وتنزيله ببخيل بتعليمكموه أيها الناس، بل هو
стр. 668
حريص على أن تؤمنوا به وتتعلَّموه (١).
حجة من قال: إن معنى قوله " بِضَنِينٍ " أي بمعنى غير متهم بناءً على القراءة بالظاء:
وهذا اختيار أبي عبيدة (٢). قال الرازي: " واختار أبو عبيدة القراءة الأولى - أي القراءة بالظاء- لوجهين: أحدهما: أن الكفار لم يبخلوه، وإنما اتهموه فنفي التهمة أولى من نفي البخل وثانيها: قوله: (عَلَى الغيب) ولو كان المراد البخل لقال بالغيب لأنه يقال: فلان ضنين بكذا وقلما يقال على كذا " (٣).
وقال القرطبي: " واختاره أبو عبيدة؛ لأنهم لم يبخلوه ولكن كذبوه، ولأن الأكثر من كلام العرب: ما هو بكذا، ولا يقولون: ما هو على كذا، إنما يقولون: ما أنت على هذا بمتهم" (٤).
وقال الألوسي: " والأول أشهر ورجحت هذه القراءة عليها بأنها أنسب بالمقام؛ لاتهام الكفرة له ﷺ ، ونفي التهمة أولى من نفي البخل وبأن التهمة تتعدى بعلى دون البخل فإنه لا يتعدى بها إلا باعتبار تضمينه معنى الحرص ونحوه " (٥).
стр. 669
القول الراجح
هو ما ذهب إليه ابن عاشور من الأخذ بكلا القراءتين، وإن كانت إحداهما موافقة للرسم إلا أن ذلك لا يعني ترجيح قراءة على أخرى , إلا إذا كانت القراءة الأخرى شاذة فالأمر عندئذ مختلف حيث يترجح المعنى الذي يوافق الرسم.
٥ - قراءة "فلا تنسى":
قال تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ (١).
اختلف المفسرون في معنى قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ على قولين:
أحدهما: أن معنى قوله: فلا تنسى، أي فلا تترك العمل إلا ما شاء الله أن يترخص لك فيه، فعلى هذا التأويل يكون هذا نهياً عن الشرك.
والوجه الثاني: أنه إخبار من الله تعالى أنه لا ينسى ما يقرئه من القرآن، حكى ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا نزل عليه جبريل بالوحي يقرؤه خيفة أن ينساه، فأنزل الله تعالى: «سنقرئك فلا تنسى» يعني القرآن (٢).
ورجّح ابن عاشور أن المراد باللام في قوله فلا تنسى: النفي , وهذا قوله: " وليس قوله: (فلا تنسى) من الخبر المستعمل في النهي عن النسيان لأن النسيان لا يدخل تحت التكليف، أمَّا إنه ليست (لا) فيه ناهية فظاهر، ومن
стр. 670
زعمه تعسف لتعليل كتابة الألف في آخره " (١).
وممن وافق قوله قول ابن عاشور فيمن سبقه من المفسرين الطبري، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي.
ورجّحه القرطبي بناءً على قاعدة المبحث حيث يقول: " والأول هو المختار- أي النفي - فإن الياء مثبتة في جميع المصاحف " وكذلك الألوسي (٢).
حجة من قال: إن معنى قوله: ﴿فَلَا تَنْسَى﴾ بمعنى النفي أي: إخبار بعدم نسيانه ﷺ :
قال ابن عطية: " ونسيان النبي ﷺ ممتنع فيما أمر بتبليغه، إذ هو معصوم فإذا بلغه ووعي عنه، فالنسيان جائز على أن يتذكر بعد ذلك وعلى أن يسنَّ، أو على النسخ " (٣).
قال الرازي: " والقول المشهور أن هذا خبر , والمعنى سنقرئك إلى أن تصير بحيث لا تنسى وتأمن النسيان، كقولك سأكسوك فلا تعرى أي فتأمن
стр. 671
العرى " (١).
وذكر القرطبي أن هذه بشرى من الله تعالى، بشره بأن أعطاه آية بينة، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحى، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، فيحفظه ولا ينساه (٢).
قال الألوسي: " ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ بيان لهدايته تعالى شأنه الخاصة برسوله ﷺ أثر بيان هدايته العامة لكافة مخلوقاته سبحانه، وهي هدايته ﵊ لتلقي الوحي وحفظ القرآن الذي هو هدى للعالمين، وتوفيقه ﷺ لهداية الناس أجمعين، ويكون المراد بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَنْسَى﴾ نفي النسيان مطلقاً عنه ﷺ امتناناً عليه ﷺ بأنه أوتي قوة الحفظ " (٣).
حجة من قال: إن معنى قوله: ﴿فَلَا تَنْسَى﴾ نهي له: ﷺ عن ترك العمل:
استدل أصحاب هذا القول بحديث عائشة ﵂ قالت: " سمع النبي ﷺ قارئا يقرأ من الليل في المسجد فقال: لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتها من سورة كذا وكذا " (٤).
فقالوا "لا" هذه ناهية، وبالتالي يكون معنى الآية نهي للرسول أن ينسى شيئاً
стр. 672
من القرآن، وما دامت الآية واردة في سياق النهي، فمدلول هذا النهي أن النسيان أمر وارد على
الرسول ﷺ ، وما دام الأمر كذلك فليس من المستبعد أن يكون الرسول قد نسي شيئاً من القرآن.
وأكثر الذين قالوا هذا القول هم أصحاب شبهة أرادوا أن يثيروا قضية , وهو وجود نقص في القرآن.
" أما موقف أصحاب هذا القول من رسم الكلمة حيث إنه يعارض القول الذي ذهبوا إليه فإنهم يقولون فيه: " رسمت ألف الإطلاق ياء لموافقة غيرها من الفواصل وموافقة أصلها " (١).
стр. 673
القول الراجح:
هو ما ذهب إليه ابن عاشور وجمهور المفسرين من قبله.
ويؤكد ذلك رسم الكلمة حيث أثبتت فيها الياء في جميع المصاحف، ولو كانت ناهية لكانت مجزومة ولحذف حرف العلة، أما استدلال من قال بأن اللام ناهية بالحديث فإن ذلك مردود؛ لأن النسيان الوارد في الحديث ليس نسياناً دائماً لشيء يتعلق بأمور التبليغ، وما يتبع ذلك من أحكام وتكاليف شرعية، وإنما هو نسيان طارئ، كالذي يعرض لكل البشر، لكن سرعان ما يزول هذا النسيان الطارئ، ويعود الإنسان إلى تذكر ما كان غاب عن ذاكرته والحديث برواياته المتعددة لا يفيد أن الآيات التي قرأها الرجل أمام، كانت قد محيت من ذاكرة الرسول، ولم يعد يذكرها، ولم يبلغها للناس قبل ذلك؛ بل غاية ما يفيده الحديث، أن تلك الآيات كانت غائبة عن ذاكرته ﷺ في ذلك الوقت، وأنه لم يتذكرها في تلك اللحظة التي كان يقرأ فيها ذلك الرجل، لكن بعد أن قرأها تذكرها.
стр. 674
الفصل الخامس
قواعد الترجيح المتعلقة بالسياق القرآني
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: القول الذي يدل عليه السياق
أولى من غيره، مالم توجد حجة
يجب إعمالها.
المبحث الثاني: القول المبني على مراعاة النظم،
وظاهر ترتيب الكلام أولى من
غيره.
المبحث الثالث: لكل آية مقامها الذي يجري عليه
استعمال كلماتها، فلا تعارض بين
الآيات.
стр. 675
المبحث الأول
القول الذي يدل عليه السياق أولى من غيره
مالم توجد حجة يجب إعمالها
صورة القاعدة:
إذا اختلف المفسرون في تفسير آية من كتاب الله، بحيث يحملها البعض على معنى يخرجها عن سياق الآيات، ويحملها البعض الآخر على معنى لا يخرجها عن سياق الآيات أي معاني الآيات قبلها وبعدها، فإن حمل الآية على التفسير الذي يجعلها داخلة في معاني ما قبلها وما بعدها أولى وأحسن؛ لأنه أوفق بالسياق، مالم يرد دليل يمنع من هذا التفسير (١).
شرح مفردات القاعدة:
السياق: هو مجموع السباق واللحاق، أي: مجموع المعاني المتصلة من سابق الكلام
ولا حقه (٢).
والسباق: قال فيه ابن فارس: " السين والباء والقاف أصل واحد صحيح يدل على التقديم" (٣)؛ أي ما قبل الكلام المراد تفسيره.
واللحاق: كل شيء لحق شيئا أو لحق به (٤).
стр. 676
ومجموع السباق واللحاق يسمى (السياق) (١).
ولقد اعتنى ابن عاشور بهذه القاعدة في تفسيره ورجّح بناءً عليها، وفي ذلك يقول في معرض ترجيحه لأحد الأقوال: " يعود ضمير: (كذبوك) في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢) إلى المشركين وهو المتبادر من سياق الكلام: سابِقِه ولاحقه " (٣).
وقال أيضاً في تفسير قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٤): " والخطاب بـ (ادعوا) خاص بالمسلمين؛ لأنّه تعليم لأدب دعاء الله تعالى وعبادته، وليس المشركون بمتهيّئين لمثل هذا الخطاب، وهو تقريب للمؤمنين، وإدناء لهم، وتنبيه على رضى الله عنهم ومحبّته، وشاهدُه قوله بعده: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥) والخطاب مُوَجَّه إلى المسلمين بقرينة السياق" (٦)
وسيتضح موقف ابن عاشور ومدى عنايته بهذه القاعدة أكثر من خلال
стр. 677
الأمثلة التطبيقية لهذه القاعدة في تفسيره.
أقوال العلماء في القاعدة:
قال مسلم بن يسار: "إذا حدثت عن الله فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده " (١).
وبيّن ابن جرير الطبري أهمية هذه القاعدة في معرض تعليله لأحد اختياراته في التفسير حيث يقول: " وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في هذه الآية بالصواب؛ لأن الآيات قبلها وبعدها فيهم نزلت، فأولى أن تكون هي في معنى ما قبلها وبعدها، إذا كانت في سياق واحد" (٢).
وقال العز بن عبد السلام: " إذا احتمل الكلام معنيين، وكان حمله على أحدهما أوضح وأشد موافقة للسياق كان الحمل عليه أولى " (٣).
وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " فمن تدبر القرآن، وتدبر ما قبل الآية وما بعدها، وعرف مقصود القرآن تبين له المراد، وعرف الهدى والرسالة، وعرف السداد من الانحراف والاعوجاج " (٤).
كما حذّر الشاطبي من تفريق النظر في السياق، وأنه يؤدي إلى غير المراد، فقال: " فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره وإذ
стр. 678
ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف فإن فرّق النظر في أجزائه فلا يتوصل به إلى مراده، فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض " (١).
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
١ - مثال صيد البحر:
قال تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢).
اختلف المفسرون في المراد من قوله ﴿وَطَعَامُهُ﴾ فقال بعضهم: عنى بذلك ما قذف به إلى ساحل البحر ميتاً، وقال بعضهم: هو المليح من السمك، وقال آخرون هو ما نبت بمائه من زروع البر (٣).
ورجّح ابن عاشور القول الأول لمناسبته للسياق، وهو ما قذف به ساحل البحر أو طفا عليه من الميتة، وهذا قوله: " والذي روي عن جُلّة الصحابة ﵃: أنّ طعام البحر هو ما طفا عليه من ميتة إذا لم يكن سبب
стр. 679
موته إمساك الصائد له , ومن العلماء من نقل عنه في تفسير طعام البحر غير هذا ممّا لا يلائم سياق الآية، وهؤلاء هم الذين حرّموا أكل ما يخرجه البحر ميّتاً " (١).
وقد وافق اختيار ابن عاشور من سبقه من المفسرين (٢).
حجة أصحاب القول الأول القائلين: إن المراد بـ ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ماقذف به البحر ميتاً:
حجتهم في ذلك أن سياق الآية يقتضيه، وهو قول أبي بكر وعمر وجماعة من الصحابة ومن التابعين.
وفي ذلك يقول الطبري: " وأولى هذه الأقوال بالصواب عندنا، قولُ من قال: "طعامه"، ما قذفه البحر، أو حَسَر عنه فوُجد ميتًا على ساحله. وذلك أن الله تعالى ذِكْره ذكر قبله صيدَ الذي يصاد، فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾، فالذي يجب أن يعطف عليه في المفهوم ما لم يُصَدْ منه، فقال: أحل لكم ما صدتموه من البحر، وما لم تصيدوه منه.
وأما"المليح"، فإنه ما كان منه مُلِّح بعد الاصطياد، فقد دخل في جملة قوله:
стр. 680
﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾، فلا وجه لتكريره، إذ لا فائدة فيه وقد أعلم " (١).
ورجحه ابن عطية وقال: " وقول أبي بكر وعمر هو أرجح الأقوال " (٢).
حجة أصحاب القول الثاني القائلين: إن المراد بـ (وَطَعَامُهُ) هو المليح من السمك:
حجتهم في ذلك ما روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والسدي قولهم: "طعامه ما ملح منه وبقي " (٣).
حجة أصحاب القول الثالث القائلين بأن المراد بـ (وَطَعَامُهُ) هو: ما نبت بمائه من زروع البر:
حجتهم في ذلك أنه نبت عن ماء البحر، وطعامه هو كل ما سقاه الماء فأنبت فهو طعام البحر وهذا القول حكاه الزجاج (٤).
القول الراجح:
هو ما رجحه ابن عاشور ومن سبقه من المفسرين، وذلك لمناسبته للسياق، وتتعاضد قاعدة المبحث هنا مع قاعدة أخرى يرجح ابن عاشور بضمونها وهي: (إذا ثبت الحديث وكان نصاً في تفسير الآية فلا يصار إلى غيره) فبعد أن ذكر القول الراجح وأبطل ما عداه ساق الأحاديث الدالة على صحة ما ذهب إليه
стр. 681
فقال: "، ويردّ قولهم ما ثبت عن رسول الله ﷺ أنّه قال في البحر: " هو الطهور ماؤه الحِلّ ميتته " (١).
وأصح ما في هذا الباب حديث جابر في الحوت المسمّى العنبر، حين وجدوه ميّتاً، وهم في غزوة، وأكلوا منه، وفيه: " فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له فقال: " هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله " اللفظ لمسلم (٢).
وأما القول الثاني فقد ضعفه الرازي بقوله: " وهو ضعيف؛ لأن الذي صار مالحاً فقد كان طرياً وصيداً في أول الأمر , فيلزم التكرار في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ " (٣).
وكذلك القول الثالث استبعده الألوسي بقوله: "وأبعد منه - أي القول الثاني- كون المراد بطعامه ما ينبت بمائه من الزروع والثمار" (٤).
стр. 682
٢ - مثال أم موسى:
قال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
اختلف المفسرون في توجيه معنى قوله: ﴿فَارِغًا﴾ على عدة أقوال، ويعود مرجع اختلافهم كما يقول ابن عاشور إلى ناحيتين:
ناحية تؤذن بثبات أم موسى، ورباطة جأشها, وناحية تؤذن بتطرق الضعف والشك إلى نفسها، وإليك قوله: " فأما ما يرجع إلى الناحية الأولى فهو أنه فارغ من الخوف والحزن فأصبحت واثقة بحسن عاقبته تبعاً لما ألهمها من أن لا تخاف ولا تحزن فيرجع إلى الثناء عليها , فالمعنى: أنها لما ألقته في اليم كما ألهمها الله، زال عنها ما كانت تخافه عليه من الظهور عليه عندها وقتله؛ لأنها لما تمكنت من إلقائه في اليم ولم يشعر بها أحد قد علمت أنه نجا، وهذا المحمل يساعده أيضاً ما شاع من قولهم: فلان خلي البال: إذا كان لا هم بقلبه. وهو تفسير أبي عبيدة (٢).
وأما الأقوال الراجعة إلى الناحية الثانية فقال ابن عطية والقرطبي عن ابن القاسم عن مالك: الفراغ هو ذهاب العقل. قال ابن عطية: هو كقوله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ (٣) أي لا عقول فيها , وفي «الكشاف»: أي لما سمعت
стр. 683
بوقوعه في يد فرعون طار عقلها لما دهمها من فرط الجزع. وقال ابن زيد والحسن وابن إسحاق: أصبح فارغاً من تذكر الوعد الذي وعدها الله؛ إذ خامرها خاطر شيطاني فقالت في نفسها: إني خفت عليه من القتل فألقيته بيدي في يد العدو الذي أمر بقتله، قال ابن عطية: وقالت فرقة: فارغاً من الصبر , ولعله يعني من الصبر على فقده. وكل الأقوال الراجعة إلى هذه الناحية ترمي إلى أن أم موسى لم تكن جلدة على تنفيذ ما أمرها الله تعالى , وأن الله تداركها بوضع اليقين في نفسها " (١).
ورجّح ابن عاشور الناحية الأولى، حيث إنه قال بعد أن ذكرها: وهذا أسعد بقوله تعالى بعد: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذا أحسن ما فسرت به وهو من معنى الثناء عليها بثباتها " (٢).
وابن عاشور في ترجيحه لهذا القول قد احتكم إلى سياق الآية، وذلك نأخذه من قوله: " وهذا أسعد بقوله تعالى ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾.
وممن وافق قوله قول ابن عاشور فيمن سبقه من المفسرين البغوي، والزمخشري (٣).
стр. 684
في حين ذهب جمهور المفسرين إلى القول بأن المراد بالآية أن قلبها أصبح فارغاً من شدة الحزن (١).
حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن قلبها أصبح فارغاً من الخوف والحزن:
قالوا: إن أم موسى زال عنها الخوف والحزن والهم لما ألقت ولدها في اليم كما ألهمها الله، ولم يقتله فرعون، كما أنها لم تملك نفسها فرحا حين علمت أن فرعون تبناه، وكادت أن تبدي بذلك لولا أن طامن الله قلبها.
وفي ذلك يقول الزمخشري: " ويجوز وأصبح فؤادها فارغاً من الهم، حين سمعت أن فرعون عطف عليه وتبناه إن كادت لتبدي بأنه ولدها؛ لأنها لم تملك نفسها فرحاً وسروراً بما سمعت، لولا أنا طامنا قلبها وسكنَّا قلقه الذي حدث به من شدّة الفرح والابتهاج، لتكون من المؤمنين الواثقين بوعد الله لا بتبني فرعون وتعطفه " (٢).
وذهب إلى هذا القول البغوي وصححه (٣).
стр. 685
حجة أصحاب القول الثاني وهم الذين يرون أن قلبها أصبح فارغاً من شدة الحزن:
حجتهم في ذلك: دلالة السياق , وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾، وهذا القول رجحه معظم المفسرين كما تقدم، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة والمعنى: أن قلبها أصبح فارغا من كل شيء غير ذكر موسى (١)
قال أبو جعفر: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي، قول من قال: معناه: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ من كلّ شيء، إلا من همّ موسى. وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال فيه بالصواب؛ لدلالة قوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ ولو كان عَنَى بذلك: فراغ قلبها من الوحي، لم يعقب بقوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي﴾ لأنها إن كانت قاربت أن تبدي الوحي، فلم تكد أن تبديه إلا لكثرة ذكرها إياه، وولوعها به. ومحال أن تكون به ولعة إلا وهي ذاكرة " (٢).
القول الراجح:
الذي يبدو بعد النظر والتأمل في سياق القصة أن المعنى الثاني هو الأليق
стр. 686
بأحداث القصة, والأنسب للسياق؛ بدلالة قوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ من شدة الخوف على ولدها، فلم يبق لها أي تفكير سوى تفكيرها بسلامة ولدها.
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵁ قال في معناها: " كادت أن تقول وابناه " (١).
أما ما ذهب إليه ابن عاشور محتجا على ذلك بالسياق، فالذي يبدو لي والله أعلم أن الصواب خلاف ما اختاره، بل لا أرى السياق إلا ضده، ودليلٌ على حزن أم موسى لأن الله تعالى يقول: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾.
وقد ردّ هذا القول عدد من العلماء منهم: ابن قتيبة، والنحاس، والرازي، وأبو حيان.
قال ابن قتيبة: " وهذا من العجائب كيف يكون فؤادها فارغاً من الحزن، والله تعالى يقول: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون؟ والعرب تقول للخائف والجبان: " فؤاده هواء" (٢).
وقال النحاس: " قول أبي عبيدة "فارغاً من الغم": غلط قبيح؛ لأن بعده: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ ... " (٣).
стр. 687
كما استبعده أبو حيان وبيّن أن القراءات الشواذ التي في اللفظة تبعده (١)، ومن تلك القراءات: قراءة فضالة بن الأنصاري (٢) (فَزِعا) بالزاي (٣).
وذكر الرازي هذا القول ثم أثار أسئلة حوله وأجاب عنها بقوله: " ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يمتنع أنها لشدة ثقتها بوعد الله لم تخف عند إظهار اسمه، وأيقنت أنها وإن أظهرت فإنه يسلم لأجل ذلك الوعد إلا أنه كان في المعلوم أن الإظهار يضر فربط الله على قلبها، ويحتمل قوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ بالوحي فأمنت وزال عن قلبها الحزن، فعلى هذا الوجه يصح أن يتأول على أن قلبها سلم من الحزن على موسى أصلاً، وفيه وجه ثالث: وهو أنها سمعت أن امرأة فرعون عطفت عليه وتبنته إن كادت لتبدي به بأنه ولدها لأنها لم تملك نفسها فرحاً بما سمعت، لولا أن سكنا ما بها من شدة الفرح والابتهاج ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الواثقين بوعد الله تعالى لا يتبنى امرأة فرعون اللعين وبعطفها، وقرئ (قَرِعاً) أي خالياً من قولهم أعوذ بالله من صفر الإناء وقرع الفناء (وفرغاً) من قولهم: دماؤهم بينهم فرغ
стр. 688
أي هدر يعني بطل قلبها من شدة ما ورد عليها" (١).
ومما يرجح القول الثاني ويعضده القاعدة الترجيحية التي تقول: (تأتي القراءة في معنى الترجيح لأحد المعاني القائمة في الآية) , وقد وردت قراءة عن فضالة بن عبيد في قوله " فارغاً "، وقد تقدم ذكرها , وهي وإن كانت قراءة شاذة إلا أنه قد يستأنس بها في الترجيح.
وهناك قرائن أخرى ذكرها أحد الباحثين من العلماء الدكتور (زيد عمر عبد الله) في ترجيح هذا القول وهي:
١ - إن في السياق قرائن تدل على أن أم موسى انتابها شيء من الخوف والقلق على ابنها؛ فإن فؤادها أصبح فارغاً, ويعبر بفراغ الفؤاد عن ذهاب العقل, ومثله قوله تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ (٢) لا عقول فيها , وإن شاع في كلام الناس "فلان خلي البال", إذا كان لا هم بقلبه , لكن السياق يأباه.
٢ - صُدِّرت الآية بقوله تعالى (فأصبح) , وهى مستعملة هنا بمعنى "صار", فاقتضى تحولاً من حالة إلى أخرى, أي: كان فؤادها غير فارغ، فصار فارغاً، وجاء الإخبار عن فراغ فؤادها بعد الإخبار عن إلقاء موسى في الماء؛ فكان من مستتبعاته.
٣ - ورد في الآية أن الله ربط على قلبها, والربط على القلب توثيقه من أن يضعف، كما يشد العضد الوهن , وهذا لا يكون إلا في حالة الخوف
стр. 689
والاضطراب, ويؤكده أن علة الربط: كي لا تبدي شيئاً مما من شأنه أن يكشف من أمرها شيئاً, ولكي يحملها على التصديق بوعد الله. ومن التكلف البارد قول بعضهم: إنها كانت تبدي فرحها بما حصل لموسى , وهنا يظهر الفرق بين منهج من انتزع اللفظة من سياقها، وبين منهج من نظر إليها في ضوء هذا السياق.
٤ - قول أم موسى لأخته "قصيه" يدل على لهفها عليه، وتشوقها إلى معرفة الحال التي آل إليها, وهذا نابع من خوف وقلق, وبين الله تعالى علة رد موسى إلى أمه؛ فقال: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ (١) , وهذا يومئ إلى أنها كانت قبل رده محلاً لشيء من البكاء الذي به تسخن العين, وهو عكس قرة العين, وكانت كذلك حزينة على فراقه (٢).
٣ - مثال وصية لقمان:
قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٣).
اختلف المفسرون في هذه الآية: هل هي مما أبلغه لقمان لابنه مما أوتيه من الوحي، أو هي اعتراضية من كلام الله تعالى؟ ؟ ، وقد ورجّح ابن عاشور كونها من كلام لقمان مما أبلغه لابنه مما أوتيه من الوحي مستندا في ترجيحه هذا إلى السياق، وفي ذلك يقول: "وإذا درجنا على أن لقمان كان نبياً فهذا الكلام مما
стр. 690
أبلغه لقمان لابنه وهو مما أوتيه من الوحي ويكون قد حكي بالأسلوب الذي أوحي به إليه على نحو أسلوب قوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ (١) وهذا الاحتمال أنسب بسياق الكلام، ويرجحه اختلاف الأسلوب بينها وبين آية سورة العنكبوت (٢) وسورة الأحقاف (٣)
لأن ما هنا حكاية ما سبق في أمة أخرى والأخريين خطاب آنف لهذه الأمة " (٤).
وممن قال بقوله: الطبري، والرازي إلا أنهما لم يذكرا قولاً غيره، ولذلك لم يذكرا سبباً لاختيارهما هذا القول كالسياق مثلاً كما فعل ابن عاشور (٥).
في حين رجح ابن عطية، والقرطبي أن الآيتين نزلتا في شأن سعد بن أبي وقاص ﵁.
стр. 691
وذهب ابن كثير، والشوكاني، والقاسمي إلى أنها جملة معترضة من كلام الله تعالى (١).واحتمل أبو حيان، والألوسي كلا القولين، ولم يرجحا (٢).
حجة أصحاب القول الأول، وهم القائلون: إن هذه الجملة معترضة من كلام الله تعالى:
قال ابن عطية: " هاتان الآيتان اعتراض أثناء وصية لقمان , ويعني بذلك قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ..... ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا .... ﴾ وقال ابن عطية: "ووجَّه الطبري ذلك بأنها من معنى كلام لقمان ومما قصده، وذلك غير متوجه لأن كون الآيتين في شأن سعد بن أبي وقاص حسب ما أذكره بعد يُضعِّفُ أن تكون مما قالها لقمان " (٣).
روى مسلم في صحيحه من طريق سماك بن حرب عن مصعب عن سعد عن أبيه أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدا حتى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب قالت: زعمتَ أن الله وصاك بوالديك
стр. 692
وأنا أمك وأنا آمرك بهذا قال: مكثت ثلاثا حتى غشي عليها من الجهد فقام ابن لها , يقال له عمارة , فسقاها فجعلت تدعو على سعد , فأنزل الله في القرآن هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ...... ﴾ (١).
قال ابن عاشور موضحا حجة أصحاب هذا القول: ": "إذا درجنا على أن لقمان لم يكن نبيا مبلغاً عن الله، وإنما كان حكيماً مرشداً كان هذا الكلام اعتراضاً بين كلامي لقمان لأن صيغة هذا الكلام مصوغة على أسلوب الإبلاغ والحكاية لقول من أقوال الله. والضمائر ضمائر العظمة جرَّتْه مناسبة حكاية نهي لقمان لابنه عن الإشراك وتفظيعه بأنه ظلم عظيم. فذكر الله هذا لتأكيد ما في وصية لقمان من النهي عن الشرك بتعميم النهي في الأشخاص والأحوال؛ لئلا يتوهم متوهم أن النهي خاص بابن لقمان أو ببعض الأحوال , فحكى الله أن الله أوصى بذلك كل إنسان وأن لا هوادة فيه ولو في أحرج الأحوال وهي حال مجاهدة الوالدين أولادَهم على الإشراك. وأحسن من هذه المناسبة أن تجعل مناسبة هذا الكلام أنه لما حكى وصاية لقمان لابنه بما هو شكر الله بتنزيهه عن
стр. 693
الشرك في الإلهية بيَّن الله أنه تعالى أسبق منَّة على عباده إذ أوصى الأبناء ببر الآباء فدخل في العموم المنة على لقمان جزاءً على رعيه لحق الله في ابتداء موعظة ابنه فالله أسبق بالإحسان إلى الذين أحسنوا برَعْي حقه " (١).
حجة أصحاب القول الثاني القائلين: إن هذه الجملة من قول لقمان:
حجتهم في ذلك أن سياق الآية يقتضيه، قال ابن عاشور: " وهذا الاحتمال أنسب بسياق الكلام ...
ولا يحسن ما ذهب إليه جمع من المفسرين أن هذه الآية نزلت في قضية إسلام سعد بن أبي وقاص وامتعاض أمه، لعدم مناسبته السياق، ولأنه قد تقدم أن نظير هذه الآية في سورة العنكبوت نزل في ذلك، وأنها المناسبة لسبب النزول فإنها أخلِيت عن الأوصاف التي فيها ترقيق على الأم بخلاف هذه، ولا وجه لنزول آيتين في غرض واحد ووقت مختلف " (٢).
القول الراجح:
إن الآية معترضة من كلام الله تعالى.
قال الشوكاني: " ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ هذه التوصية بالوالدين وما بعدها إلى قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ اعتراض بين كلام لقمان لقصد التأكيد لما فيها من النهي عن الشرك بالله، وتفسير التوصية هي قوله: ﴿أَنِ
стр. 694
اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾، وما بينهما اعتراض بين المفسَّر والمفسِّر، وفي جعل الشكر لهما مقترناً بالشكر لله دلالة على أن حقهما من أعظم الحقوق على الولد، وأكبرها وأشدّها وجوباً" (١).
أما ما ذهب إليه ابن عاشور من أن الآية من كلام لقمان مستدلاً على ذلك بالسياق فإنه تعارضه قاعدة أقوى منه وهي:
(إذا صحَّ سبب النزول الصريح فهو مرجح لما وافقه)، ورواية مسلم نص على أن الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص وأمه.
وقول ابن عاشور: إن نظير هذه الآية في سورة العنكبوت نزل في ذلك غير صحيح؛ لأن رواية مسلم المذكورة نص على أن فيها قوله: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٢) وذلك في سورة لقمان لا العنكبوت، كما أخرج أحمد هذا الحديث بنفس إسناد مسلم (٣)، وفيه فأنزلت: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ (٤) وقرأ حتى بلغ: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وذلك قطعاً في سورة لقمان.
стр. 695
٤ - مثال الدخان:
قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (١).
اختلف المفسرون في الدخان الذي أمر الله تعالى بارتقابه على عدة أقوال:
الأول: إن هذا الدخان هو: ما أصاب قريشاً من الشدة والجوع عندما دعا عليهم النبي ﷺ حين لم يستجيبوا له، فأصبحوا يرون في السماء كهيئة الدخان.
الثاني: إنه الغبار الذي أثارته سنابك الخيل يوم فتح مكة.
وهذان القولان ذكرهما ابن عاشور في تفسيره، وفي ذلك يقول: " "عن الأعرج أنه الغبار الذي أثارته سنابك الخيل يوم فتح مكة فقد حجبت الغبرة السماء، وإسناد الإتيان به إلى السماء مجاز عقلي لأن السماء مكانه حين يتصاعد في جو السماء أو حين يلوح للأنظار منها.
إلى أن قال: والأصح أن هذا الدخان عُني به ما أصاب المشركين من سِنِي القحط بمكة بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة " (٢).
وهناك قول ثالث ذكره معظم المفسرين ولم يذكره ابن عاشور وهو أنه دخان يهيج بالناس يوم القيامة يأخذ المؤمن منه كالزكمة، وينفخ الكافر حتى يخرج من كل مسمع منه (٣).
وابن عاشور في ترجيحه للقول الثاني وهو ما أصاب المشركين من سِنِي
стр. 696
القحط بمكة قد احتكم في ترجيحه هذا إلى السياق، وإن لم يصرح به إلا أن مفهوم كلامه يقتضي هذا، يقول: " والكلام يؤذن بأن هذا الدخان المرتقَب حادث قريب الحصول، فالظاهر أنه حَدث يكون في الحياة الدنيا، وأنه عقاب للمشركين "، كما يؤذن بذلك قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ (١) " (٢).
وقد ذهب إلى هذا القول الذي رجحه ابن عاشور عدد من المفسرين منهم: الطبري، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، والشوكاني، والألوسي، والشنقيطي (٣).
في حين رجّح ابن كثير، والقاسمي القول الثالث كونه يوم القيامة (٤).
واحتمل أبو حيان، وغيره (٥) كلا المعنيين الثاني والثالث فقال: " فإن كان هو الذي رأته قريش، فالناس خاص بالكفار من أهل مكة، وقد مضى كما قال ابن مسعود؛ (٦) وإن كان من أشراط الساعة، أو يوم القيامة، فالناس عام فيمن
стр. 697
أدركه وقت الأشراط، وعام بالناس يوم القيامة " (١).
حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن الدخان هو الغبار الذي أثارته سنابك الخيل يوم فتح مكة:
وهذا من قول عبد الرحمن الأعرج (٢) , وقد ضعفه ابن كثير بقوله: " هذا القول غريب جدًا , بل منكر " (٣).
حجة أصحاب القول الثاني وهم الذين قالوا بأن الدخان هو الذي رأته قريش حين دعا عليهم النبي ﷺ :
استدلوا على ذلك بما رواه ابن مسعود ﵁، وقد رواه ابن جرير في تفسيره بسنده عن مسروق، قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسا وهو مضطجع بيننا، فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن: إن قاصّاً عند أبواب كندة يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام، فقام عبد الله وجلس وهو غضبان، فقال: يا أيها الناس اتقوا الله، فمن علم شيئا فليقل بما يعلم، ومن لا يعلم فليقل: الله أعلم, فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم، وما على أحدكم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم، فإن الله يقول لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (٤) إن النبيّ ﷺ لما رأى من الناس إدبارا، قال: "اللهمّ
стр. 698
سبعا كسبع يوسف"، فأخذتهم سنة حصَّت كل شيء، حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف، ينظر أحدهم إلى السماء فيرى دخانا من الجوع، فأتاه أبو سفيان بن حرب فقال: يا محمد إنك جئت تأمر بالطاعة وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، قال الله ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ ... إلى قوله: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ قال: فكُشف عنهم: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ (١) فالبطشة يوم بدر، وقد مضت آية الروم وآية الدخان، والبطشة واللزام (٢).
قال ابن كثير: " وهذا الحديث مخرج في الصحيحين، ورواه أحمد في مسنده (٣) وهو عند الترمذي (٤) والنسائي (٥) " (٦).
وذكر ابن قتيبة في تفسير الدخان على هذا معنيين:
" أحدهما: أن في سنة القحط يعظم يبس الأرض بسبب انقطاع المطر، ويرتفع
стр. 699
الغبار الكثير، ويظلم الهواء. وذلك يشبه الدخان. ولهذا يقال لسنة المجاعة الغبراء.
ثانيهما: أن العرب يسمون الشر الغالب بالدخان. فيقولون: (كان بيننا أمر ارتفع له دخان). والسبب فيه أن الإنسان إذا اشتد خوفه أو ضعفه، أظلمت عيناه، فيرى الدنيا كالمملوءة من الدخان " (١).
وقال الشوكاني: " والراجح منها: أنه الدخان الذي كانوا يتخيلونه مما نزل بهم من الجهد، وشدّة الجوع، ولا ينافي ترجيح هذا ما ورد أن الدخان من آيات الساعة، فإن ذلك دخان آخر، ولا ينافيه أيضاً ما قيل: إنه الذي كان يوم فتح مكة، فإنه دخان آخر على تقدير صحة وقوعه " (٢).
حجة أصحاب القول الثالث، وهم القائلون بأنه دخان يهيج بالناس يوم القيامة:
حجتهم في ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر فقال: (ما تذكرون)؟ قالوا: نذكر الساعة، قال: (إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات - فذكر - الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم) (٣).
стр. 700
وهذا القول رجحه ابن كثير والقاسمي، قال القاسمي: "وهكذا رجح ابن كثير الوجه الثاني ذهابا إلى ما صح عن ابن عباس، ترجمان القرآن، ومن وافقه من الصحابة والتابعين، مع الأحاديث المرفوعة الصحاح والحسان وغيرهما، التي أوردوها، مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة، على أن الدخان من الآيات المنتظرة مع أنه ظاهر القرآن. قال الله ﵎: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ أي بين واضح يراه كل أحد. وعلى ما فسر ابن مسعود ﵁، إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد. وهكذا قوله تعالى: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ أي: يتغشّاهم ويعمهم. ولو كان أمراً خيالياً يخص أهل مكة المشركين لما قيل فيه ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ " (١).
وذكر الرازي وجوهاً احتج بها القائلون بهذا القول وهي:
الأول: أن قوله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ يقتضي وجود دخان تأتي به السماء وما ذكرتموه من الظلمة الحاصلة في العين بسبب شدة الجوع فذاك ليس بدخان أتت به السماء فكان حمل لفظ الآية على هذا الوجه عدولاً عن الظاهر لا لدليل منفصل، وإنه لا يجوز.
الثاني: أنه وصف ذلك الدخان بكونه مبيناً، والحالة التي ذكرتموها ليست كذلك لأنها عارضة تعرض لبعض الناس في أدمغتهم، ومثل هذا لا يوصف بكونها دخاناً مبيناً.
стр. 701
والثالث: أنه وصف ذلك الدخان بأنه يغشي الناس، وهذا إنما يصدق إذا وصل ذلك الدخان إليهم واتصل بهم والحال التي ذكرتموها لا توصف بأنها تغشي الناس إلا على سبيل المجاز وقد ذكرنا أن العدول من الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلا لدليل منفصل.
الرابع: روي عن النبي ﷺ أنه قال: " أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ﵉ ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر " قال حذيفة يا رسول الله وما الدخان؟ فتلا رسول الله ﷺ الآية وقال " دخان يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوماً وليلة، أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره " (١).
وردّ الرازي تلك الحجج فقال: "وأما قولهم أن ذلك يقتضي صرف اللفظ عن حقيقته إلى المجاز، لا يجوز إلا عند قيام دليل يدل على أن حمله على حقيقته ممتنع والقوم لم يذكروا ذلك الدليل فكان المصير إلى ما ذكروه مشكلاً جداً، فإن قالوا الدليل على أن المراد ما ذكرناه، أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ (٢) وهذا إذا حملناه على القحط الذي وقع بمكة استقام , فإنه نقل أن القحط لما اشتد بمكة مشى إليه أبو سفيان وناشده بالله والرحم وأوعده أنه إن دعا لهم وأزال الله عنهم تلك البلية أن يؤمنوا به، فلما أزال الله تعالى عنهم ذلك رجعوا إلى شركهم، أما إذا حملناه
стр. 702
على أن المراد منه ظهور علامة من علامات القيامة لم يصح ذلك، لأن عند ظهور علامات القيامة لا يمكنهم أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ ولم يصح أيضاً أن يقال: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ " (١).
القول الراجح:
هو ما ذهب إليه ابن عاشور ومن سبقه من أن الدخان سنين القحط التي أصابت قريشاً بدلالة السياق.
قال ابن عاشور: " يؤذن بذلك قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾ (٢) " (٣).
قال الطبري: " وأولى القولين بالصواب في ذلك ما رُوي عن ابن مسعود من أن الدخان الذي أمر الله نبيه ﷺ أن يرتقبه، هو ما أصاب قومه من الجهد بدعائه عليهم، ... إلى أن قال: " وإنما قلت: القول الذي قاله عبد الله بن مسعود هو أولى بتأويل الآية، لأن الله جلّ ثناؤه توعَّد بالدخان مشركي قريش وأن قوله لنبيه ﷺ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ في سياق خطاب الله كفار قريش وتقريعه إياهم بشركهم بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
стр. 703
يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ (١) " (٢).
وقال القرطبي: وقد كشفه الله عنهم، ولو كان يوم القيامة لم يكشفه عنهم (٣).
وللألوسي كلام جميل وواضح في هذا الترجيح حيث يقول: " هذا والأظهر حمل الدخان على ما روي عن ابن مسعود أولاً؛ لأنه أنسب بالسياق , لما أنه في كفار قريش وبيان سوء حالهم مع أن في الآيات بعد ما هو أوفق به، فوجه الربط أنه سبحانه لما ذكر من حالهم مقابلتهم الرحمة بالكفران وأنهم لم ينتفعوا بالمنزل والمنزل عليه عقب بقوله تعالى شأنه: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ﴾ الخ، للدلالة على أنهم أهل العذاب والخذلان لا أهل الإكرام والغفران " (٤).
ومما يعضد هذا القول ويرجحه القاعدة الترجيحية: (إذا ثبت الحديث وكان نصاً في تفسير الآية فلا يصار إلى غيره) (٥).
قال الشنقيطي: " وفي تفسير ابن مسعود ﵁ لهذه الآية الكريمة ما يدل دلالة واضحة أن ما أذيقت هذه القرية المذكورة في (سورة النحل) من
стр. 704
لباس الجوع أذيقه أهل مكة، حتى أكلوا العظام، وصار الرجل منهم يتخيل له مثل الدخان من شدة الجوع. وهذا التفسير من ابن مسعود ﵁ له حكم الرفع؛ لما تقرر في علم الحديث: من أن تفسير الصحابي المتعلق بسبب النزول له حكم الرفع "، وقد ثبت في صحيح مسلم أن الدخان من أشراط الساعة , ولا مانع من حمل الآية الكريمة على الدخانين: الدخان الذي مضى، والدخان المستقبل جمعاً بين الأدلة" (١).
٥ - مثال الغفلة:
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (٢).
اختلف المفسرون في من المخاطب في هذه الآية على أقوال: فقال ابن زيد: المراد به النبي ﷺ ، أي لقد كنت يا محمد في غفلة من الرسالة في قريش في جاهليتهم.
وقال ابن عباس والضحاك: إن المراد به المشركون أي كانوا في غفلة من عواقب أمورهم.
وقال أكثر المفسرين: إن المراد به البر والفاجر (٣).
ورجّح ابن عاشور أن المراد به الكافر فقال: يقال هذا الكلام لكل نفس من
стр. 705
نفوس المشركين فهو خطاب التهكم التوبيخي للنفس الكافرة لأن المؤمن لم يكن في غفلة عن الحشر والجزاء.
وابن عاشور في ترجيحه هذا اعتمد على السياق وهو يرى أن هذه الآيات والتي قبلها في المشركين ودليله على ذلك السياق. (١) وقد ذهب إلى هذا القول أبو حيان (٢).
أما جمهور المفسرين فيرون أن المخاطب في هذه الآيات عموم الإنسان المؤمن والكافر (٣).
حجة أصحاب القول الأول القائلين: إن المخاطب في هذه الآية هو النبي ﷺ :
ذكر الطبري حجة أصحاب هذا القول فقال: " قالوا هذا الكلام خطابا من الله لرسوله ﷺ أنه كان فى غفلة في الجاهلية من هذا الدين الذي بعثه به، فكشف عنه غطاءه الذي كان عليه في الجاهلية، فنفذ بصره بالإيمان وتبيَّنه حتى تقرّر ذلك عنده، فصار حادّ البصر به" (٤).
وردّ ابن عطية هذا التأويل وضعفه من وجوه: