والثالث: أنه وصف ذلك الدخان بأنه يغشي الناس، وهذا إنما يصدق إذا وصل ذلك الدخان إليهم واتصل بهم والحال التي ذكرتموها لا توصف بأنها تغشي الناس إلا على سبيل المجاز وقد ذكرنا أن العدول من الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلا لدليل منفصل.
الرابع: روي عن النبي ﷺ أنه قال: " أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ﵉ ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر " قال حذيفة يا رسول الله وما الدخان؟ فتلا رسول الله ﷺ الآية وقال " دخان يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوماً وليلة، أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره " (١).
وردّ الرازي تلك الحجج فقال: "وأما قولهم أن ذلك يقتضي صرف اللفظ عن حقيقته إلى المجاز، لا يجوز إلا عند قيام دليل يدل على أن حمله على حقيقته ممتنع والقوم لم يذكروا ذلك الدليل فكان المصير إلى ما ذكروه مشكلاً جداً، فإن قالوا الدليل على أن المراد ما ذكرناه، أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ (٢) وهذا إذا حملناه على القحط الذي وقع بمكة استقام , فإنه نقل أن القحط لما اشتد بمكة مشى إليه أبو سفيان وناشده بالله والرحم وأوعده أنه إن دعا لهم وأزال الله عنهم تلك البلية أن يؤمنوا به، فلما أزال الله تعالى عنهم ذلك رجعوا إلى شركهم، أما إذا حملناه
стр. 702
على أن المراد منه ظهور علامة من علامات القيامة لم يصح ذلك، لأن عند ظهور علامات القيامة لا يمكنهم أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ ولم يصح أيضاً أن يقال: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ " (١).
القول الراجح:
هو ما ذهب إليه ابن عاشور ومن سبقه من أن الدخان سنين القحط التي أصابت قريشاً بدلالة السياق.
قال ابن عاشور: " يؤذن بذلك قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾ (٢) " (٣).
قال الطبري: " وأولى القولين بالصواب في ذلك ما رُوي عن ابن مسعود من أن الدخان الذي أمر الله نبيه ﷺ أن يرتقبه، هو ما أصاب قومه من الجهد بدعائه عليهم، ... إلى أن قال: " وإنما قلت: القول الذي قاله عبد الله بن مسعود هو أولى بتأويل الآية، لأن الله جلّ ثناؤه توعَّد بالدخان مشركي قريش وأن قوله لنبيه ﷺ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ في سياق خطاب الله كفار قريش وتقريعه إياهم بشركهم بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
стр. 703
يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ (١) " (٢).
وقال القرطبي: وقد كشفه الله عنهم، ولو كان يوم القيامة لم يكشفه عنهم (٣).
وللألوسي كلام جميل وواضح في هذا الترجيح حيث يقول: " هذا والأظهر حمل الدخان على ما روي عن ابن مسعود أولاً؛ لأنه أنسب بالسياق , لما أنه في كفار قريش وبيان سوء حالهم مع أن في الآيات بعد ما هو أوفق به، فوجه الربط أنه سبحانه لما ذكر من حالهم مقابلتهم الرحمة بالكفران وأنهم لم ينتفعوا بالمنزل والمنزل عليه عقب بقوله تعالى شأنه: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ﴾ الخ، للدلالة على أنهم أهل العذاب والخذلان لا أهل الإكرام والغفران " (٤).
ومما يعضد هذا القول ويرجحه القاعدة الترجيحية: (إذا ثبت الحديث وكان نصاً في تفسير الآية فلا يصار إلى غيره) (٥).
قال الشنقيطي: " وفي تفسير ابن مسعود ﵁ لهذه الآية الكريمة ما يدل دلالة واضحة أن ما أذيقت هذه القرية المذكورة في (سورة النحل) من
стр. 704
لباس الجوع أذيقه أهل مكة، حتى أكلوا العظام، وصار الرجل منهم يتخيل له مثل الدخان من شدة الجوع. وهذا التفسير من ابن مسعود ﵁ له حكم الرفع؛ لما تقرر في علم الحديث: من أن تفسير الصحابي المتعلق بسبب النزول له حكم الرفع "، وقد ثبت في صحيح مسلم أن الدخان من أشراط الساعة , ولا مانع من حمل الآية الكريمة على الدخانين: الدخان الذي مضى، والدخان المستقبل جمعاً بين الأدلة" (١).
٥ - مثال الغفلة:
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (٢).
اختلف المفسرون في من المخاطب في هذه الآية على أقوال: فقال ابن زيد: المراد به النبي ﷺ ، أي لقد كنت يا محمد في غفلة من الرسالة في قريش في جاهليتهم.
وقال ابن عباس والضحاك: إن المراد به المشركون أي كانوا في غفلة من عواقب أمورهم.
وقال أكثر المفسرين: إن المراد به البر والفاجر (٣).
ورجّح ابن عاشور أن المراد به الكافر فقال: يقال هذا الكلام لكل نفس من
стр. 705
نفوس المشركين فهو خطاب التهكم التوبيخي للنفس الكافرة لأن المؤمن لم يكن في غفلة عن الحشر والجزاء.
وابن عاشور في ترجيحه هذا اعتمد على السياق وهو يرى أن هذه الآيات والتي قبلها في المشركين ودليله على ذلك السياق. (١) وقد ذهب إلى هذا القول أبو حيان (٢).
أما جمهور المفسرين فيرون أن المخاطب في هذه الآيات عموم الإنسان المؤمن والكافر (٣).
حجة أصحاب القول الأول القائلين: إن المخاطب في هذه الآية هو النبي ﷺ :
ذكر الطبري حجة أصحاب هذا القول فقال: " قالوا هذا الكلام خطابا من الله لرسوله ﷺ أنه كان فى غفلة في الجاهلية من هذا الدين الذي بعثه به، فكشف عنه غطاءه الذي كان عليه في الجاهلية، فنفذ بصره بالإيمان وتبيَّنه حتى تقرّر ذلك عنده، فصار حادّ البصر به" (٤).
وردّ ابن عطية هذا التأويل وضعفه من وجوه:
стр. 706
" أحدها: أن الغفلة إنما تنسب أبداً إلى مقصر، ومحمد ﷺ لا تقصير له قبل بعثه ولا بعده
وثانيها: أن قوله بعد هذا: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا﴾ (١) يقتضي أن الضمير إنما يعود على أقرب مذكور، وهو الذي يقال له ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (٢) وإن جعلناه عائداً على ذي النفس في الآية المتقدمة جاء هذا الاعتراض لمحمد ﷺ بين الكلامين غير متمكن فتأمله.
وثالثها: أن معنى توقيف الكافر وتوبيخه على حاله في الدنيا يسقط، وهو أحرى بالآية وأولى بالرصف، والوجه عندي ما قاله الحسن وسالم بن عبد الله إنها مخاطبة للإنسان ذي النفس المذكورة من مؤمن وكافر" (٣).
كما ضعّف هذا القول أبو حيان ولم ينقله وإنما قال: " وعن زيد بن أسلم قول في هذه الآية يحرم نقله، وهو في كتاب ابن عطية " (٤)، وكذلك رده الألوسي بقوله: " إنه زعم ساقط لا يوافق السباق ولا السياق" (٥).
стр. 707
حجة أصحاب القول الثاني القائلين: إن المخاطب في هذه الآية هو الكافر:
حجتهم في ذلك: السياق؛ لأن الآية في معرض الخطاب على صيغة التهكم التوبيخي.
قال صالح بن كيسان والضحاك وابن عباس ﵁: معنى قوله: ﴿لَقَدْ كُنْتَ﴾ أي: يقال للكافر الغافل من ذوي النفس التي معها السائق والشهيد إذا حصل بين يدي الرحمن وعاين الحقائق التي كان لا يصدق بها في الدنيا ويتغافل عن النظر فيها، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ (١)، فلما كشف الغطاء عنك الآن احتد بصرك أي بصيرتك (٢).
قال الألوسي: " يقال للكافر الغافر إذا عاين الحقائق التي لم يصدق بها في الدنيا من البعث وغيره لقد كنت في غفلة من هذا الذي تعاينه، فالخطاب للكافر كما قال ابن عباس. وصالح بن كيسان، وتنكير الغفلة وجعله فيها وهي فيه يدل على أنها غفلة تامة، وهكذا غفلة الكفرة عن الآخرة وما فيها، وقيل: لجملة محكية بإضمار قول هو صفة لنفس أو حال والخطاب عام أي يقال لكل نفس أو قد قيل لها: لقد كنت " (٣).
وقال ابن عاشور: " يقال هذا الكلام لكل نفس من نفوس المشركين فهو
стр. 708
خطاب التهكم التوبيخي للنفس الكافرة، لأن المؤمن لم يكن في غفلة عن الحشر والجزاء " (١).
حجة أصحاب القول الثالث القائلين: إن المخاطب في هذه الآية هو البر والفاجر:
حجتهم في ذلك أن الآيات تخاطب الإنسان عموماً، ويدخل فيه المؤمن والكافر، قال الطبري: "يقال للإنسان: لقد كنت في غفلة من هذا الذي عاينت اليوم أيها الإنسان من الأهوال والشدائد ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ (٢) يقول: فجلينا ذلك لك، وأظهرناه لعينيك، حتى رأيته وعاينته، فزالت الغفلة عنك " (٣).
وقال الرازي: " والخطاب عام، أما الكافر فمعلوم الدخول في هذا الحكم، وأما المؤمن فإنه يزداد علماً ويظهر له ما كان مخفياً عنه " (٤).
القول الراجح
الذي يبدو لي والله أعلم أن المخاطب في هذه الآية الإنسان الغافل عموماً سواء كان مؤمناً أو كافراً؛ لأنه حتى المؤمن تنتابه الغفلة أحيانا وتلهيه الدنيا وطول الأمل عن المصير المحتوم، والله تعالى يقول في أول الآيات:
стр. 709
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (١) أي عموم الإنسان، وإن كان المقصود الأول بذلك الشخص الكافر، لأن الآيات فيها من الوعيد وهو المعني الأول بهذا الوعيد وهو ما رجحه ابن عاشور، وهو الأنسب بالسياق، والآية بحسب السابق واللاحق في سياق الحديث عن المشركين، لأن الله تعالى يقول في الآيات قبلها: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (٢)، ومعنى تحيد تفر وتهرب، وهو مستعار للكراهية.
قال ابن عاشور: " والخطاب للمقصود من الإنسان وبالمقصود الأول منه وهم المشركون لأنهم أشدّ كراهية للموت لأن حياتهم مادية مَحضة فهم يريدون طول الحياة قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٣) إذ لا أمل لهم في حياة أخرى ولا أمل لهم في تحصيل نعيمها، فأما المؤمنون فإن كراهتهم للموت المرتكزة في الجبلة بمقدار الإلف لا تبلغ بهم إلى حد الجزع منه. وفي الحديث «من أحب لقاء الله أحبّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» (٤)، وتأويله بالمؤمن يحب لقاء الله للطمع في الثواب،
стр. 710
وبالكافر يكره لقاء الله. وقد بينه النبي ﷺ فقال: «إن المؤمن إذا حضرته الوفاة رأى ما أعد الله له من خير فأحب لقاء الله» (١)
أي والكافر بعكسه، وقد قال الله تعالى خطاباً لليهود ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ (٢).
المبحث الثاني
القول المبني على مراعاة النظم وظاهر ترتيب الكلام أولى من غيره
صورة القاعدة:
إذا تعاقبت ضمائر متعددة في سياق واحد، واحتمل في مرجعها أقوالاً متعددة فتوحيد مرجعها، وعدم تشتيته هو الأصل والأولى من عودها على مختلف لئلا يتنافر النظم ويتشعب المعنى، ولا ينتقل عن هذا الأصل إلا بدليل واضح وقرينة بينة (١).
شرح مفردات القاعدة:
النظم:
لغة: النظم في اللغة التأليف، نظَمه ينْظِمه نظماً ونظاماً ونظَّمه فانتظم، وتنظّم، ونظمت اللؤلؤ أي جمعته في السلك (٢).
اصطلاحاً: هو تعليق الكلم بعضها ببعض، ومهمَّته بناء نتاج النظم التركيبي للكلام في بناء متكامل متآخٍ بحيث يكون كلّ عنصر من عناصر هذا البناء المتكامل آخذًا بحجز بعضه (٣).
стр. 713
وقيل هو: تأليف الكلمات والجمل مترتبة المعاني متناسبة الدلالات على حسب ما يقتضيه العقل (١).
الظاهر:
لغة: خلاف الباطن، ظهر يظهر ظهوراً فهو ظاهر وظهير (٢) والظاهر الواضح ومنه يقال: ظهر الأمر الفلاني إذا اتضح وانكشف (٣).
اصطلاحاً: اللفظ الظاهر ما دل على معنى بالوضع الأصلي أو العرفي ويحتمل غيره احتمالاً مرجوحاً (٤).
ولقد اعتنى ابن عاشور بهذه القاعدة ومن قوله: " وإنما وقع التحدي بسورة أي وإن كانت قصيرة دون أن يتحداهم بعدد من الآيات لأن من أفانين البلاغة ما مرجعه إلى مجموع نظم الكلام وصوغه بسبب الغرض الذي سيق فيه من فواتح الكلام وخواتمه " (٥).
وقال معلقاً على بعض الأقوال في موضع: " وهذا بعيد من اللفظ ومن النظم وفيه تفكيك لاتصال نظم الكلام وانتقال بدون مناسبة " (٦).
وقال ابن عاشور: " في تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ
стр. 714
فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١) واعلم أن المفسرين ذهبوا في تفسير هذه الآية طرائق قِدداً .. والطريقة التي يرجح سلوكها هي أن هنا ضمائر عشرة هي ضمائر جمع الغائبين وأن بعضها عائد لا محالة على (الَّذِينَ مِن قَبلِهم) وأن وجه النظم أن تكون الضمائر متناسقة غير مفككة فلذا يتعين أن تكون عائدة إلى معاد واحد، فالذين ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ هم ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، وهم الذين ﴿حَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٢).
أقوال العلماء في القاعدة:
اعتنى الطبري بهذه القاعدة فقال في معرض ترجيحه لأحد الأقوال: " وإنما اخترنا ذلك من سائر الأقوال التي ذكرناها، لأنه أصحها معنًى، وأحسنُها استقامةً، على معنى كلام العرب، وأشدُّها اتساقًا على نظم الكلام وسياقه. وما عدا ذلك من القول، فانتزاع يبعُد من الصحة، على استكراه شديدٍ للكلام " (٣).
стр. 715
قال الزركشي في "البرهان": ليكن محط نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي سيق له وإن خالف أصل الوضع اللغوي لثبوت التجوز " (١).
وقال أبو حيان في تفسيره لقوله تعالى ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (٢): " والخطاب في (أرأيت) الظاهر أنه للرسول ﷺ ، وكذا (أرأيت) الثاني، والتناسق في الضمائر هو الذي يقتضيه النظم " (٣).
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
١ - مثال الشركاء:
قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٤).
اختلف المفسرون في المقصود بالذين خرقوا بنين وبنات في هذه الآية على قولين: فذهب معظم المفسرين إلى القول بأن المقصود بهم المشركون واليهود
стр. 716
والنصارى، ويرى آخرون أن المقصود بهم المشركون فقط (١)، ورجّح ابن عاشور القول الثاني، وهذا قوله: " والمراد أن المشركين نسبوا إليه بنين وبنات. وليس المراد اليهود في قولهم (عزير ابن الله) ولا النصارى في قولهم (عيسى ابن الله). كما فسر به جميع المفسرين لأن ذلك لا يناسب السياق ويشوش عود الضمائر ويخرم نظم الكلام " (٢).
وممن وافق قوله قول ابن عاشور من المفسرين السعدي (٣)، في حين ذهب جمهور المفسرين الذين اعتمدتهم في هذا البحث إلى القول بأن المقصود بهم المشركون واليهود والنصارى (٤).
وإليك حجة أصحاب كل قول:
حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن المقصود بقوله تعالى: " وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ "هم المشركون واليهود والنصارى:
حجتهم في ذلك: ما روي عن السدي، وابن زيد قولهم: قالت العرب:
стр. 717
الملائكة بنات الله، وقالت اليهود والنصارى: المسيح وعزير ابنا الله (١).
وقال ابن عطية: "أما الذين خرقوا البنين فاليهود في ذكر عزير والنصارى في ذكر المسيح، وأما ذاكروا البنات فالعرب الذين قالوا للملائكة بنات الله، فكأن الضمير في (جعلوا) و (خرقوا) لجميع الكفار إذ فعل بعضهم هذا، وبنحو هذا فسّر السدي وابن زيد " (٢).
حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن المقصود بالآية هم المشركون فقط: :
حجتهم في ذلك: أن هذا هو الأنسب لسياق الآية، وما عداه لا يناسب السياق، ويشوش عود الضمائر، ويخرم نظم الكلام " (٣).
وممن ذهب إلى هذا القول السعدي حيث يقول: " وكذلك "خرق المشركون" أي: ائتفكوا، وافتروا من تلقاء أنفسهم لله، بنين وبنات بغير علم منهم، ومن أظلم ممن قال على الله بلا علم، وافترى عليه أشنع النقص، الذي يجب تنزيه الله عنه؟ ! ! .
ولهذا نزه نفسه عما افتراه عليه المشركون فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٤) , فإنه تعالى الموصوف بكل كمال، المنزه عن كل نقص، وآفة وعيب " (٥).
стр. 718
وقال ابن عاشور: "فالوجه أن المراد أن بعض المشركين نسبوا لله البنين وهم الذين تلقنوا شيئا من المجوسية؛ لأنهم لما جعلوا الشيطان متولدا عن الله تعالى , إذ قالوا إن الله لما خلق العالم تفكر في مملكته واستعظمها فحصل له عجب تولد عنه الشيطان وربما قالوا أيضا: إن الله شك في قدرة نفسه فتولد من شكه الشيطان , فقد لزمهم أن الشيطان متولد عن الله - تعالى عما يقولون - فلزمهم نسبة الابن إلى الله تعالى ولعل بعضهم كان يقول بأن الجن أبناء الله والملائكة بنات الله أو أن في الملائكة ذكورا وإناثا " (١).
وابن عاشور في ترجيحه لهذا القول بالرغم من أن معظم المفسرين الذين سبقوه ذهبوا إلى القول الآخر يؤكد لنا مدى اهتمامه بهذه القاعدة الترجيحية حيث إن الآية في أولها تتحدث عن مشركي العرب، ولا حجة توجب صرف الآية إلى اليهود والنصارى، ولذلك مال إلى هذا القول.
ومن الأمور التي دعت ابن عاشور إلى اختيار هذا القول: أن أول الآية يخاطب مشركي العرب، قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ والمعنى كما ذكر ابن عاشور وغيره من المفسرين أن هذه الآية: " عطف على الجمل قبله عطف القصّة على القصّة، فالضّمير المرفوع في ﴿وَجَعَلُوا﴾ عائد إلى ﴿قَوْمُكَ﴾ من قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ (٢) وهذا انتقال إلى ذكر شِرك آخر من شرك العرب وهو جعلهم الجِنّ شركاءَ لله في عبادتهم كما
стр. 719
جعلوا الأصنام شركاء له في ذلك., وقد كان دين العرب في الجاهليّة خليطاً من عبادة الأصنام، ومن الصّابئيّة: عبدة الكواكب وعبدة الشّياطين، ومجوسيّة الفرس، وأشياء من اليهوديّة، والنّصرانيّة.
فكان العرب يثبتون الجنّ وينسبون إليهم تصرّفات، فلأجل ذلك كانوا يتّقون الجنّ وينتسبون إليها ويتّخذون لها المَعاذات والرّقَى ويستجلبون رضاها بالقرابين وترك تسميّة الله على بعض الذبائح , وكانوا يعتقدون أنّ الكاهن تأتيه الجنّ بالخبر من السّماء، وأنّ الشّاعر له شيطان يوحي إليه الشّعر، ثمّ إذا أخذوا في تعليل هذه التصرّفات وجمعوا بينها وبين معتقدهم في ألوهيّة الله تعالى تعلّلوا لذلك بأنّ للجنّ صلة بالله تعالى فلذلك قالوا: الملائكة بنات الله مِن أمّهاتٍ سَرَوات الجنّ، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ (١) وقال: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (٢) , ومن أجل ذلك جَعَل كثير من قبائل العرب شيئاً من عبادتهم للملائكة وللجنّ. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ
стр. 720
(٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ (١)(٢).
القول الراجح:
فيما يبدو لي والله أعلم أن القول الراجح هو ما ذهب إليه ابن عاشور أي أن الذين خرقوا بنين وبنات هم المشركون؛ لأن سياق الآية يدل عليه، والقول الذي يدل عليه سياق الآية أولى من غيره، ومما يقوي هذا القول ويعضده قاعدة: (الأصل عود الضمير إلى أقرب مذكور مالم يدل عليه دليل على خلاف ذلك) (٣).
وبما أن أقرب مذكور هم المشركون حمل عليه، كما أنه ليس هناك دليل يدل على غيره، وعليه فيترجح هذا القول.
وفي ذلك يقول السمين الحلبي: " إن عود الضمير على غير مذكور بلا مدلول خلاف الأصل " (٤).
٢ - مثال امرأة العزيز:
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي
стр. 721
كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ (١).
اختلف المفسرون في هذه الآية ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ من قول من هذه الآية؟ على وجهين:
أحدها: أنه قول امرأة العزيز عطفاً على ما تقدم، أي ذلك ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب، يعني الآن في غيبه بالكذب عليه وإضافة السوء إليه لأن الله لا يهدي كيد الخائنين, حكاه ابن عيسى.
ثانيها: أنه قول يوسف بعد أن علم بظهور صدقه، وذلك ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب عنه في زوجته، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي " (٢).
ورجّح ابن عاشور أنه من كلام امرأة العزيز، وذلك بناءً على قاعدة المبحث , وهذا قوله: " ظاهر نظم الكلام أن الجملة من قول امرأة العزيز، وعلى ذلك حمله بعض المفسرين، وعزاه ابن عطية إلى فرقة من أهل التأويل، ونُسب إلى الجبائي، واختاره الماوردي، وهو في موقع العلة لما تضمنته جملة ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ (٣) وما عطف عليها من إقرار ببراءة يوسف ﵇ بما كانت رمتْه به. فالإشارة بذلك إلى الإقرار المستفاد من جملة ﴿أَنَا
стр. 722
رَاوَدْتُهُ﴾ أي ذلك الإقرار ليعلم يوسف ﵇ أني لم أخنه." (١)
وما اختاره ابن عاشور هو ما ذهب إليه كل من الرازي وأبو حيان، وابن كثير والقاسمي (٢).
في حين ذهب الطبري والشوكاني والألوسي إلى أنه من قول يوسف ﵇ (٣).
وذكر ابن عطية والقرطبي تلك الأقوال ولم يرجحا (٤).
حجة أصحاب القول الأول القائلين: إن قوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾. من قول امرأة العزيز:
قال الرازي والذي يدل على صحة هذا القول: " أن يوسف ﵇ ما كان حاضراً في ذلك المجلس حتى يقال لما ذكرت المرأة قولها: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ففي تلك الحالة يقول يوسف: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ بل
стр. 723
يحتاج فيه إلى أن يرجع الرسول من ذلك المجلس إلى السجن ويذكر له تلك الحكاية، ثم إن يوسف يقول ابتداء ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ ومثل هذا الوصل بين الكلامين الأجنبيين ما جاء ألبته في نثر ولا نظم فعلمنا أن هذا من تمام كلام المرأة" (١).
قال ابن كثير مرجحا هذا القول: " تقول: إنما اعترفت بهذا على نفسي، ذلك ليعلم زوجي أن لم أخنه في نفس الأمر، ولا وقع المحذور الأكبر، وإنما راودت هذا الشاب مراودة، فامتنع؛ فلهذا اعترفتُ ليعلم أني بريئة، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (٢) تقول المرأة: ولست أبرئ نفسي، فإن النفس تتحدث وتتمنى؛ ولهذا راودته لأنها أمارة بالسوء، ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ (٣) أي: إلا من عصمه الله تعالى، ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) " (٥).
وهذا القول نصره شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: " إن قوله ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب إذا كان معناه على ما زعموه أن يوسف أراد أن يعلم العزيز أني لم أخنه في امرأته على قول أكثرهم أو ليعلم الملك أو ليعلم الله لم يكن هنا ما
стр. 724
يشار إليه فإنه لم يتقدم من يوسف كلام يشير به إليه ولا تقدم أيضا ذكر عفافه واعتصامه فإن الذي ذكره النسوة قولين ما علمنا عليه من سوء وقول امرأة العزيز أنا روادته عن نفسه وهذا فيه بيان كذبها فيما قالته أولا ليس فيه نفس فعله الذي فعله هو فقول القائل إن قوله ذلك من قول يوسف مع أنه لم يتقدم منه هنا قول ولا عمل لا يصلح بحال " (١).
حجة أصحاب القول الثاني القائلين: إنه من قول يوسف:
قال الفراء مؤكداً هذا القول: " قال ذلك يوسف لما رجع إليه الساقي فأخبره ببراءة النسوة إياه، فقال يوسف ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ ... (٢) ".
وقال الطبري مقررا أن ذلك من قول يوسف ولم يحك غيره: " هذا الفعل الذي فعلتُه، من ردّي رسول الملك إليه، وتركي إجابته والخروج إليه، ومسألتي إيّاه أن يسأل النسوة اللاتي قطَّعن أيديهن عن شأنهن إذ قطعن أيديهن، إنما فعلته ليعلم أني لم أخنه في زوجته بالغيب"، يقول: لم أركب منها فاحشةً في حال غيبته عني وإذا لم يركب ذلك بمغيبه، فهو في حال مشهده إياه أحرى أن يكون بعيدًا من ركوبه " (٣).
стр. 725
القول الراجح:
هو ما ذهب إليه ابن عاشور وذلك بناء على القاعدة الترجيحية (القول المبني على مراعاة النظم، وظاهر ترتيب الكلام أولى من غيره) حيث يقول: "ظاهر نظم الكلام أن الجملة من قول امرأة العزيز" (١).
وكذلك قال ابن كثير: " وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام " (٢).
أما القول بأن ذلك من قول يوسف فهو قول مردود يرده السياق.
وقد رد شيخ الإسلام هذا القول وبيّن ضعفه فقال: " ليس هذا من كلام يوسف ﵇، بل هو من كلام امرأة العزيز كما يدل القرآن على ذلك دلالة بينة، لا يرتاب فيها من تدبر القرآن، حيث قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ
стр. 726
وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) فهذا كلام امرأة العزيز، ويوسف إذ ذاك في السجن لم يحضر بعد إلى الملك، ولا سمع كلامه ولا رآه. ولكن لما ظهرت براءته في غيبته كما قالت امرأة العزيز: " ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ " أي: لم أخنه في حال مغيبه عني وإن كنت في حال شهوده راودته.
فحينئذ "قال الملك: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ (٢) وقد قال كثير من المفسرين: إن هذا من كلام يوسف، ومنهم من لم يذكر إلا هذا القول، وهو قول في غاية الفساد، ولا دليل عليه، بل الأدلة تدل على نقيضه " (٣).
٣ - مثال دعاء الإنسان:
قال تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ (٤).
اختلف المفسرون في المراد بالإنسان في هذه الآية على ثلاثة أقوال:
أحدها: إنه اسم جنس يراد به الناس، قاله الزجاج وغيره.
стр. 727
والثاني: إنه آدم، فاكتفى بذكره من ذكر ولده، ذكره ابن الأنباري.
والثالث: إنه النضر بن الحارث , حين قال: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ (١) قاله مقاتل (٢).
أما ابن عاشور فإنه يرى أن المراد بالإنسان في هذه الآية الإنسان الكافر، بل نجده يرى أن المفسرين لم يأتوا في هذه الآية بما يثلج الصدر، واختياره هذا نابع من استحضاره لهذه القاعدة (القول المبني على مراعاة النظم وظاهر ترتيب الكلام أولى من غيره).
قال ابن عاشور: " موقع هذه الآية هنا غامض، وانتزاع المعنى من نظمها وألفاظها أيضاً، ولم يأت فيها المفسرون بما ينثلج له الصدر ... إلى أن قال: .... والمراد بالإنسان الإنسان الكافر " (٣) ..
وقد اختار هذا القول من قبله الألوسي، والقاسمي، حيث ذكروا أن المراد بالإنسان أحد أفراده وهو الكافر (٤).
بينما رجح الطبري، والقرطبي، وابن كثير، والشوكاني، والشنقيطي أن المراد به جنس الإنسان (٥).
стр. 728
وذكر ابن عطية والرازي، وأبو حيان تلك الأقوال ولم يرجحوا (١).
حجة من قال: إن المراد بالإنسان اسم جنس يراد به الناس عموماً:
قالوا: المراد به جنس الإنسان بحسب مافي الخلق من ذلك، ومن ذلك مارواه ابن عباس ﵁ قوله: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ يعني قول الإنسان: اللهمَّ العنه واغضب عليه، فلو يُعَجل له ذلك كما يُعجل له الخير، لهلك، قال: ويقال: هو ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ (٢) أن يكشف ما به من ضرّ، يقول ﵎: لو أنه ذكرني وأطاعني، واتبع أمري عند الخير، كما يدعوني عند البلاء، كان خيرا له. (٣).
وكذلك ما رواه مجاهد حيث قال بعد أن ذكر الآية: " ذلك دعاء الإنسان بالشر على ولده وعلى امرأته، فيعجل: فيدعو عليه ولا يحب أن يصيبه (٤).
كما صححه الشنقيطي وذكر أنه أصح الأقوال لدلالة آية يونس عليه قال
стр. 729
تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ (١) كما ذكر ذلك ابن كثير وغيره (٢).
حجة من قال: إن المراد بالإنسان في هذه الآية آدم:
لا حجة لهم، قالوا: المراد به آدم اكتفى بذكره من ذكر ولده. ذكره ابن الأنباري (٣).
وهذا القول انفرد به ابن الأنباري، وهو قول بعيد وغير مناسب للسياق.
حجة من قال: إن المراد بالإنسان في هذه الآية النضر بن الحارث:
قال مقاتل: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ﴾ على نفسه، يعنى النضر بن الحارث، حين قال: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٤)، ﴿دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾، كدعائه بالخير لنفسه (٥).
حجة من قال: إن المراد به الكافر:
حجتهم في ذلك أن هذا القول أنسب بنظم الكلام، قال ابن عاشور: ".
стр. 730
والذي يظهر لي أن الآية التي قبلها لما اشتملت على بشارة وإنذار وكان المنذرون إذا سمعوا الوعيد والإنذار يستهزئون به ويقولون: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) عُطف هذا الكلام على ما سبق تنبيهاً على أن لذلك الوعد أجلاً مسمى , فالمراد بالإنسان الإنسان الذي لا يؤمن بالآخرة كما هو في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ (٢) وإطلاق الإنسان على الكافر كثير في القرآن " (٣).
وقال الألوسي: " والمراد بالإنسان الجنس أسند إليه حال بعض أفراده , وهو الكافر , وإليه يشير كلام ابن عباس ﵁ أو حكى عنه حاله في بعض أحيانه كما يقتضيه ما روي عن الحسن ومجاهد , فالمعنى على الأول: أن القرآن يدعو الإنسان إلى الخير الذي لا خير فوقه من الأجر الكبير ويحذره من الشر الذي لا شر وراءه من العذاب الأليم وهو أي بعض أفراده أعني الكافر يدعو لنفسه بما هو الشر من العذاب المذكور إما بلسانه حقيقة كدأب من قال منهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً
стр. 731
مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١) " (٢).
القول الراجح:
إن المراد بهذه الآية جنس الإنسان عموما كما رجّح ذلك الطبري.
وتحديد ابن عاشور الإنسان بالكافر لا يعد مخالفة لمن سبقه من المفسرين وإنما هو أكثر دقة وهذا نابع من استحضاره لقاعدة المبحث، كما أن ما ذهب إليه الطبري من أن المعني بالآية عموم الإنسان لا يعد قولا بعيدا عما حكاه ابن عاشور, فعموم الإنسان يدخل فيه الإنسان الكافر أيضا , وكذلك قول من قال: إن المراد به النضر بن الحارث إنما هو من باب ضرب المثال على ذلك , قال أبو السعود: " وهو أي بعضٌ منه , وهو الكافرُ يدعو لنفسه بما هو الشرُّ من العذاب المذكور إما بلسانه حقيقةً كدأب مَنْ قال منهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣) ومن قال: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٤) إلى غير ذلك مما حُكي عنهم الإنسان (٥).
стр. 732
٤ - مثال "توليتم":
قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (١).
اختلف المفسرون في المراد من قوله " إن توليتم" على عدة أقوال:
أحدها: فهل عسيتم إن توليتم أمور الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم.
الثاني: فهل عسيتم إن توليتم وأعرضتم عن كتاب الله أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء الحرام وتقطعوا أرحامكم.
الثالث: فهل عسيتم إن توليتم عن الجهاد ونكلتم عنه أن تفسدوا في الأرض (٢).
ورجّح ابن عاشور أن المعنى هنا هو الرجوع عن الوجهة التي خرجوا لها كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ (٣) ... وقوله: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾ (٤) مستنداً في ذلك إلى القاعدة (٥) (القول المبني على مراعاة النظم وظاهر ترتيب الكلام أولى من
стр. 733
غيره)، وقد سبقه ابن كثير والرازي، وأبو حيان إلى هذا الاختيار (١).
وذهب الطبري إلى الأخذ بجميع تلك الأقوال من التولي عن جميع ما أمر به من القتال وطاعة الله وتطبيق شرعه، وهذا قوله: " يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين وصف أنهم إذا نزلت سورة محكمة، وذُكر فيها القتال نظروا إلى رسول الله ﷺ نظر المغشيّ عليه ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ أيها القوم، يقول: فلعلكم إن توليتم عن تنزيه الله جلّ ثناؤه، وفارقتم أحكام كتابه، وأدبرتم عن محمد ﷺ وعما جاءكم به ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يقول: أن تعصوا الله في الأرض، فتكفروا به، وتسفكوا فيها الدماء ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (٢) وتعودوا لما كنتم عليه في جاهليتكم من التشتت والتفرّق بعد ما قد جمعكم الله بالإسلام، وألَّف به بين قلوبكم (٣).
ويرى ابن عطية والقاسمي إلى أنه بمعنى الإعراض عن الحق، وعن كتاب الله (٤).
وذكر القرطبي والشوكاني جميع الأقوال الواردة في الآية ولم يرجحا (٥).
واختار الألوسي أن توليتم بمعنى توليتم أمر الأمة (٦).
стр. 734
حجة أصحاب القول الأول القائلين بأن عسيتم بمعنى توليتم أمور الأمة:
من أدلتهم على ذلك قراءة (وُليتم) (١) أي من الولاية. قال الألوسي: " ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ خطَاب لأولئك الذين في قلوبهم مرض بطريق الالتفات لتأكيد التوبيخ وتشديد التقريع، وهل للاستفهام , والأصل فيه: أن يدخل الخبر للسؤال عن مضمونه والإنشاء الموضوع له عسى ما دل عليه بالخبر أي فهل يتوقع منكم وينتظر ﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أمور الناس وتأمرتم عليهم فهو من الولاية والمفعول به محذوف وروى ذلك عن محمد بن كعب وأبي العالية والكلبي ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ تناحراً على الولاية وتكالباً على جيفة الدنيا .... ويؤيده قراءة بعضهم (وُلِّيتُم) مبنياً للمفعول وكذا قراءته ﷺ على ما ذكر في «البحر» ورويت عن علي ﵁ (٢).
حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن التولي بمعنى الإعراض عن كتاب الله والإسلام:
حجتهم في ذلك: أن الإعراض عن الإسلام هو رأس كل شر , ومن قولهم: فهل عسيتم إن أعرضتم عن الإسلام أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض بالتغاور والتناهب وقطع الأرحام بمقاتلة بعض الأقارب بعضاً
стр. 735
ووأد البنات. وتعقب بأن الواقع في حيز الشرط في مثل هذا المقام لا بد أن تكون محذوريته باعتبار ما يتبعه من المفاسد لا باعتبار ذاته , ولاريب في أن الإعراض عن الإسلام رأس كل شر وفساد فحقه أن يجعل عمدة في التوبيخ لا وسيلة للتوبيخ بما دونه من المفاسد (١).
حجة أصحاب القول الثالث الذين يرون أن توليتم بمعنى التولي عن القتال:
قال ابن كثير: " ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي عن الجهاد ونكلتم عنه ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾، أي تعودوا إلى ما كنتم فيه من الجاهلية الجهلاء تسفكون الدماء، وتقطعون الأرحام " (٢).
وقال ابن عاشور: " مقتضى تناسق النظم أن هذا مفرع على قوله: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (٣) لأنه يفهم منه أنه إذا عزم الأمر تولوا عن القتال وانكشف نفاقهم فتكون إتماماً لما في الآية السابقة من الإنباء بما سيكون من المنافقين يوم أُحُد. وقد قال عبد الله بن أبي: عَلاَم نقتل أنفسنا ها هنا؟ وربما قال في كلامه: وكيف نقاتل قريشاً وهم من قومنا، وكان لا يرى على أهل يثرب أن يقاتلوا مع النبي ﷺ ويرى الاقتصار على أنهم آووه.
стр. 736
والخطاب موجّه إلى الذين في قلوبهم مرض على الالتفات
والاستفهام مستعمل في التكذيب لما سيعتذرون به لانخذالهم ولذلك جيء فيه بـ (هل) الدالة على التحقيق لأنّها في الاستفهام بمنزلة (قد) في الخبر، فالمعنى: أفيتحقق إن توليتم أنكم تفسدون في الأرض وتقطعون أرحامكم وأنتم تزعمون أنكم توليتم إبقاء على أنفسكم وعلى ذوي قرابة أنسابكم على نحو قوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ (١).
القول الراجح:
هو ما ذهب إليه ابن عاشور من أن التولي هو: الرجوع عن القتال، وهذا القول رجحه أبو حيان بقوله: "والأظهر أن ذلك خطاب للمنافقين في أمر القتال، وهو الذي سبقت الآيات فيه، أي: إن أعرضتم عن أمر الله في القتال، وأن تفسدوا في الأرض بعدم معونة أهل الإسلام " (٢).
أما القول بأن (توليتم) بمعنى توليتم أمر الأمة فهو قول بعيد ردّه ابن عاشور بقوله: " وهذا بعيد من اللفظ ,ومن النظم , وفيه تفكيك لاتصال نظم الكلام وانتقال بدون مناسبة، وتجاوز بعضهم ذلك فأخذ يدعي أنها نزلت في الحرورية ومنهم من جعلها فيما يحدث بين بني أمية وبني هاشم على عادة أهل الشيع والأهواء من تحميل كتاب الله ما لا يتحمله ومن قصر عموماته على بعض ما
стр. 737
يراد منها (١) ".
٥ - مثال التحية:
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٢).
اختلف المفسرون في قوله: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ﴾ فيمن نزلت على قولين:
أحدهما: إنها نزلت في اليهود (٣).
والثاني: إنها نزلت في المنافقين، رواه عطية عن ابن عباس (٤) ..
ورجح ابن عاشور أن الآية نزلت في المنافقين لأنه الأليق بنظم الكلام وهذا قوله: " أما هذه الآية ففي أحوال المنافقين، وهذا مثل ما كان بعضهم يقول للنبي ﷺ (رَاعِنَا) تعلّموها من اليهود وهم يريدون التوجيه بالرعونة فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا
стр. 738
وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) ولم يُرد منه نهي اليهود (٢).
أما معظم المفسرين فيرون أن المعني بالآية هم اليهود (٣).
وذكر ابن كثير وأبو حيان والشوكاني كلا القولين ولم يرجحوا (٤).
حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن الآية نزلت في اليهود:
استدلوا بحديث عائشة ﵂ قالت: "جاء ناس من اليهود إلى النبيّ ﷺ ، فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقلت: السام عليكم، وفعل الله بكم وفعل، فقال النبيّ ﷺ : يا عائشة إنَّ الله لا يُحِبُّ الفُحش، فقلت: يا رسول الله، ألست ترى ما يقولون؟ فقال: "ألست ترينني أرد عليهم ما يقولون؟ أقول: عليكم " وهذه الآية في ذلك نزلت: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٥).
стр. 739
وهذا القول رجحه أكثر المفسرين منهم ابن عطية والرازي.
قال ابن عطية: " وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ﴾ يريد بذلك ما كانت اليهود تفعله من قولهم في التحية السام عليك يا محمد .... ثم كشف الله تعالى خبث طويتهم والحجة التي إليها يستروحون، وذلك أنهم كانوا يقولون: نحن الآن نلقى محمداً بهذه الأمور التي تسوؤه ولا يصيبنا سوء، ولا يعاقبنا الله بذلك، ولو كان نبياً لهلكنا بهذه الأقوال، وجهلوا أن أمرهم مؤخر إلى عذاب جهنم، فأخبر الله بذلك وأنها كافيتهم. وقال ابن عباس: هذه الآية كلها في منافقين، ويشبه أن من المنافقين من تخلق في هذا كله بصفة اليهود " (١).
ورجّح الرازي هذا القول ووصفه بأنه أقرب إلى معنى الآية ومن قوله: " وهذا الجنس فيما روي وقع من اليهود، فقد كانوا إذا سلموا على الرسول ﵇ قالوا: السام عليك، يعنون الموت، والأخبار في ذلك متظاهرة، وقصة عائشة فيها مشهورة" (٢).
стр. 740
حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن الآية نزلت في المنافقين:
استدل أصحاب هذا القول بما روي عن ابن عباس ﵁ من قوله في: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ قال: كان المنافقون يقولون لرسول الله ﷺ إذا حيوه: سام عليك، قال الله: "حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير " (١).
ورجح ابن عاشور هذا القول فقال: " وليس المراد من هذه الآية ما ورد في حديث: أن اليهود كانوا إذا حيّوا النبي ﷺ قالوا: السّامّ عليك، وأن النبي ﷺ كان يرد عليهم بقوله: «وعليكم». فإن ذلك وارد في قوم معروف أنهم من اليهود. وما ذكر أول هذه الآية لا يليق حمله على أحوال اليهود ... ولو حمل ضمير (جاءوك) على اليهود لزم عليه تشتيت الضمائر (٢).
القول الراجح
الذي يبدو لي والله أعلم أن المخاطب في هذه الآية هم اليهود والمنافقون , كما ذهب إليه معظم المفسرين، وأما اختيار ابن عاشور: نلحظ منه مدى حضور قاعدة (القول المبني على مراعاة النظم وظاهر ترتيب الكلام أولى من غيره) في تفسيره فبالرغم من اتفاق النقلة على أن الآية نزلت في اليهود إلا ابن عاشور يرى أن هذه الآية نزلت في المنافقين ويؤكد ذلك بقوله: " وما ذكر أول هذه الآية لا يليق حمله على أحوال اليهود، ولو حمل ضمير