والخطاب موجّه إلى الذين في قلوبهم مرض على الالتفات
والاستفهام مستعمل في التكذيب لما سيعتذرون به لانخذالهم ولذلك جيء فيه بـ (هل) الدالة على التحقيق لأنّها في الاستفهام بمنزلة (قد) في الخبر، فالمعنى: أفيتحقق إن توليتم أنكم تفسدون في الأرض وتقطعون أرحامكم وأنتم تزعمون أنكم توليتم إبقاء على أنفسكم وعلى ذوي قرابة أنسابكم على نحو قوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ (١).
القول الراجح:
هو ما ذهب إليه ابن عاشور من أن التولي هو: الرجوع عن القتال، وهذا القول رجحه أبو حيان بقوله: "والأظهر أن ذلك خطاب للمنافقين في أمر القتال، وهو الذي سبقت الآيات فيه، أي: إن أعرضتم عن أمر الله في القتال، وأن تفسدوا في الأرض بعدم معونة أهل الإسلام " (٢).
أما القول بأن (توليتم) بمعنى توليتم أمر الأمة فهو قول بعيد ردّه ابن عاشور بقوله: " وهذا بعيد من اللفظ ,ومن النظم , وفيه تفكيك لاتصال نظم الكلام وانتقال بدون مناسبة، وتجاوز بعضهم ذلك فأخذ يدعي أنها نزلت في الحرورية ومنهم من جعلها فيما يحدث بين بني أمية وبني هاشم على عادة أهل الشيع والأهواء من تحميل كتاب الله ما لا يتحمله ومن قصر عموماته على بعض ما
стр. 737
يراد منها (١) ".
٥ - مثال التحية:
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٢).
اختلف المفسرون في قوله: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ﴾ فيمن نزلت على قولين:
أحدهما: إنها نزلت في اليهود (٣).
والثاني: إنها نزلت في المنافقين، رواه عطية عن ابن عباس (٤) ..
ورجح ابن عاشور أن الآية نزلت في المنافقين لأنه الأليق بنظم الكلام وهذا قوله: " أما هذه الآية ففي أحوال المنافقين، وهذا مثل ما كان بعضهم يقول للنبي ﷺ (رَاعِنَا) تعلّموها من اليهود وهم يريدون التوجيه بالرعونة فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا
стр. 738
وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) ولم يُرد منه نهي اليهود (٢).
أما معظم المفسرين فيرون أن المعني بالآية هم اليهود (٣).
وذكر ابن كثير وأبو حيان والشوكاني كلا القولين ولم يرجحوا (٤).
حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن الآية نزلت في اليهود:
استدلوا بحديث عائشة ﵂ قالت: "جاء ناس من اليهود إلى النبيّ ﷺ ، فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقلت: السام عليكم، وفعل الله بكم وفعل، فقال النبيّ ﷺ : يا عائشة إنَّ الله لا يُحِبُّ الفُحش، فقلت: يا رسول الله، ألست ترى ما يقولون؟ فقال: "ألست ترينني أرد عليهم ما يقولون؟ أقول: عليكم " وهذه الآية في ذلك نزلت: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٥).
стр. 739
وهذا القول رجحه أكثر المفسرين منهم ابن عطية والرازي.
قال ابن عطية: " وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ﴾ يريد بذلك ما كانت اليهود تفعله من قولهم في التحية السام عليك يا محمد .... ثم كشف الله تعالى خبث طويتهم والحجة التي إليها يستروحون، وذلك أنهم كانوا يقولون: نحن الآن نلقى محمداً بهذه الأمور التي تسوؤه ولا يصيبنا سوء، ولا يعاقبنا الله بذلك، ولو كان نبياً لهلكنا بهذه الأقوال، وجهلوا أن أمرهم مؤخر إلى عذاب جهنم، فأخبر الله بذلك وأنها كافيتهم. وقال ابن عباس: هذه الآية كلها في منافقين، ويشبه أن من المنافقين من تخلق في هذا كله بصفة اليهود " (١).
ورجّح الرازي هذا القول ووصفه بأنه أقرب إلى معنى الآية ومن قوله: " وهذا الجنس فيما روي وقع من اليهود، فقد كانوا إذا سلموا على الرسول ﵇ قالوا: السام عليك، يعنون الموت، والأخبار في ذلك متظاهرة، وقصة عائشة فيها مشهورة" (٢).
стр. 740
حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن الآية نزلت في المنافقين:
استدل أصحاب هذا القول بما روي عن ابن عباس ﵁ من قوله في: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ قال: كان المنافقون يقولون لرسول الله ﷺ إذا حيوه: سام عليك، قال الله: "حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير " (١).
ورجح ابن عاشور هذا القول فقال: " وليس المراد من هذه الآية ما ورد في حديث: أن اليهود كانوا إذا حيّوا النبي ﷺ قالوا: السّامّ عليك، وأن النبي ﷺ كان يرد عليهم بقوله: «وعليكم». فإن ذلك وارد في قوم معروف أنهم من اليهود. وما ذكر أول هذه الآية لا يليق حمله على أحوال اليهود ... ولو حمل ضمير (جاءوك) على اليهود لزم عليه تشتيت الضمائر (٢).
القول الراجح
الذي يبدو لي والله أعلم أن المخاطب في هذه الآية هم اليهود والمنافقون , كما ذهب إليه معظم المفسرين، وأما اختيار ابن عاشور: نلحظ منه مدى حضور قاعدة (القول المبني على مراعاة النظم وظاهر ترتيب الكلام أولى من غيره) في تفسيره فبالرغم من اتفاق النقلة على أن الآية نزلت في اليهود إلا ابن عاشور يرى أن هذه الآية نزلت في المنافقين ويؤكد ذلك بقوله: " وما ذكر أول هذه الآية لا يليق حمله على أحوال اليهود، ولو حمل ضمير
стр. 741
(جاءوك) على اليهود لزم عليه تشتيت الضمائر" (١).
ولكن هذه القاعدة تعارضها قاعدة ترجيحية أخرى أقوى منها وهي: (إذا ثبت الحديث وكان نصاً في تفسير الآية فلا يصار إلى غيره)، وقد تقدم ذكر الحديث.
كما يؤيد هذا القول قاعدة ترجيحية أخرى وهي: (إذا صحّ سبب النزول الصريح فهو مرجح لما وافقه) وقد جاء في رواية أخرى عند مسلم غير أنه قال: " ففطنت بهم عائشة فسبتهم فقال رسول الله ﷺ : مه يا عائشة! فإن الله لا يحب الفحش والتفحش , وزاد فأنزل الله ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ إلى آخر الآية " (٢).
كما أن قول ابن عاشور: إن حمل هذه الآية على اليهود يلزم منه تشتيت الضمائر لا يستقيم؛ لأن الآيات السابقة شملت قوماً من اليهود والمنافقين، وقد ذكر ابن عاشور في تفسيره في الآيات التي تسبق هذه الآيات وهي في النهي عن النجوى أنها نزلت في قوم من اليهود والمنافقين.
كما أن القرطبي حكى إجماع المفسرين على ذلك بقوله: " لا خلاف بين النقلة أن المراد بها اليهود " (٣).
المبحث الثالث
لكل آية مقامها الذي يجري عليه استعمال كلماتها
فلا تعارض بين الآيات (١).
صورة القاعدة:
إذا حصل تعارض ظاهري بين الآيات, فإنه يجب أن يحمل كل نوع منها على ما يليق ويناسب المقام، لأنه لا تعارض حقيقي بين الآيات (٢).
شرح مفردات القاعدة:
التعارض لغة: مصدر عارض، يقال عارض الشيء بالشيء معارضة قابله، وعارضت كتابي بكتابه أي قابلته، والشيء عرض عيني أي مقابلها (٣).
اصطلاحاً: تقابل الحجتين المتساويتين في القوة على وجه يوجب كل منهما ضد ما توجبه الأخرى في محل واحد في وقت واحد (٤).
ولقد اعتنى ابن عاشور في تفسيره بالآيات التي ظاهرها التعارض، وأزال الإشكال الواقع عليها، وفي ذلك يقول: "والظواهر المتعارضة التي دل تعارضها على أن محمل كل منها على حالة، لا تعارض حالة محمل الآخر , وهو المعبر
стр. 745
عنه في الأصول بالجمع بين الأدلة وتواريخ التشريع الدالة على نسخ حكم حكما آخر أو ما يقوم مقام التاريخ من نحو هذا ناسخ أو كان الحكم كذا فصار كذا , فهذه بينات مانعة من الاختلاف لو كان غرض الأمم اتباع الحق " (١).
موقف العلماء من القاعدة:
قال الكافيجي: " واعلم أن الحجج الشرعية لا يقع التعارض بينها حقيقة، لأن ذلك من أمارات الجهل والعجز، فإن من أثبت حكماً بدليل عارضه دليل آخر يوجب خلافه، كان ذلك لعجزه عن إقامة دليل سالم عن المعارضة، والعجز عن ذلك بناء على الجهل بالطريق المستقيم السالم عن المعارضة، والحكيم العليم الذي لا يعزب عن علمه شيء، تعالى عن أن يوصف الجهل، فإذاً لا يقع التعارض والتناقض بينهما إلا بالنسبة إلينا " (٢).
وذكر الزركشي في النوع الخامس والثلاثين من أنواع علوم القرآن: معرفة موهم المختلف فقال: " وهو ما يوهم التعارض بين آياته، وكلام الله ﷻ منزه عن الاختلاف كما قال تعالى:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٣) ولكن قد يقع للمبتدئ ما يوهم اختلافا وليس به، فاحتيج لإزالته كما صنف في مختلف
стр. 746
الحديث وبيان الجمع بينهما " (١).
وقال الشيخ السعدي: " الآيات القرآنية التي ظاهرها التضاد يجب حمل كل نوع منها على حال بحسب ما يليق ويناسب المقام، وهذا في مواضع متعددة من القرآن، منها: الإخبار في بعض الآيات أن الكفار لا ينطقون ولا يتكلمون يوم القيامة، وفي بعضها أنهم ينطقون ويحاجون ويعتذرون ويعترفون، فحمل كلامهم ونطقهم أنهم في أول الأمر يتكلمون ويعتذرون، وقد ينكرون ما هم عليه من الكفر ويقسمون على ذلك، ثم إذا ختم على ألسنتهم وشهدت عليهم جوارحهم بما كانوا يكسبون ورأوا أن الكذب غير مفيد لهم، أُخرسوا فلم ينطقوا " (٢).
وقد ذكر العلماء أمثلة كثيرة لما يوهم التعارض، وجمعوا بينها، ومن أجمع ما كتب في هذا الموضوع كتاب: "دفع إيهام الاضطراب والتعارض عن آي الكتاب" للشيخ محمد الأمين الشنقيطي.
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
١ - مثال المحكم والمتشابه:
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا
стр. 747
تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ (١).
اختلفت عبارات المفسرين في تعيين المحكم والمتشابه بشكل عام، وقد يبدو للناظر من أول وهلة حين يقرأ هذه الآية وغيرها من الآيات التي تدل على أن القرآن محكم كله أو متشابه كله أن الآيات بينها تعارض.
وابن عاشور لم يمر على هذه الآية دون أن يعالج مثل هذا الإشكال ,فقد كانت هذه القاعدة حاضرة في تفسيره حيث وجد أن هذه الآية قد تكون مشكلة عند البعض لكونها تصف القرآن أن فيه آيات محكمات وأخر متشابهات وغيرها من الآيات التي تصف القرآن بأنه محكم كله، أو متشابه كله فبين ابن عاشور أن المقصود بهذه الآيات أن المراد بالإحكام أنّه أحكم وأتقنَ في بلاغته، والمراد بالتشابه أنّه تشابه في الحسن والبلاغة والحقيّة وهو معنَى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٢) ثم أكد أنه لا تعارض بين هذه الآيات: لاختلاف المراد بالإحكام والتشابه في مواضعها، بحسب ما تقتضيه المقامات " (٣).
وقد وافق قول ابن عاشور قول معظم المفسرين في الآيات التي تصف القرآن بأنه محكم كله , جاء ذلك في تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ
стр. 748
آيَاتُهُ﴾ (١) حيث دارت أقوالهم حول معنى واحد وهو: الإتقان والإحكام في بلاغته ونظمه من الدخل والخلل، والنقص والباطل (٢).
وكذلك اتفقت أقوالهم في الآيات التي تصف القرآن أنه متشابه كله , قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ (٣) , ومفاد أقوالهم أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن والإتقان، والبلاغة وقوة اللفظ وشرف المعاني، ويصدق بعضه بعضاً (٤)
وجميع المفسرين مدركون أنه لا تعارض بين هذه الآية والآيات التي تحكي أن القرآن محكم كله أو متشابه كله ظهر ذلك في مضمون كلامهم , ونبهوا على أن تلك الآيات التي تصف القرآن بأنه كله محكم أو كله متشابه ليست في
стр. 749
معنى الآية التي هي محل النزاع بل إن البعض منهم نبّه على مثل هذا الإشكال صراحة , وفصل فيه, وجمع بين الآيات أمثال القرطبي والشنقيطي وابن عاشور.
والاختلاف الحاصل في أقوال المفسرين في المراد بالمحكم والمتشابه في هذه الآية هو من باب اختلاف التنوع ولا أثر ضار فيه.
وقد ساق ابن عاشور هذا الخلاف ومن سبقه من المفسرين , ومن ذلك قوله: " اختلف علماء الإسلام في تعيين المقصود من المحكمات والمتشابهات على أقوال: مرجعها إلى تعيين مقدار الوضوح والخفاء،
فعن ابن عباس ﵁: أنّ المحكم ما لا تختلف فيه الشرائع كتوحيد الله تعالى، وتحريم الفواحش، وذلك ما تضمنته الآيات الثلاث من أواخر سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ .. ﴾ (١) والآيات من سورة الإسراء ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ .... ﴾ (٢) وأن المتشابه المجملات التي لم تبيّن كحروف أوائل السور.
وعن ابن مسعود ﵁، وابن عباس ﵁ أيضاً: أنّ المحكم ما لم ينسخ والمتشابه المنسوخ (٣) وهذا بعيد عن أن يكون مراداً هنا لعدم مناسبتِه للوصفين ولا لبقية الآية ... .
стр. 750
وعن الأصم: المحكم ما اتّضح دليلُه، والمتشابه ما يحتاج إلى التدبّر، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (١) فأولها محكم وآخرها متشابه.
وللجمهور مذهبان: أولهما: أنّ المحكم ما اتّضحت دلالته، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه، ونسب هذا القول لمالك وللحنفية , وإليه مال الشاطبي في الموافقات.
وثانيهما: أنّ المحكم الواضح الدلالة، والمتشابه الخفيُ، وإليه مال الفخر: فالنص والظاهر هنا المحكم، لاتّضاح دلالتهما، وإن كان أحدهما أي الظاهر يتطرّقه احتمال ضعيف، والمجمل والمؤوّل هما المتشابه، لاشتراكهما في خفاء الدلالة وإن كان أحدهما: أي المؤول دالاً على معنى مرجوح، يقابله معنى راجح، والمجمل دالاً على معنى مرجوح يقابله مرجوح آخر، ونسبت هذه الطريقة إلى الشافعية (٢).
أما رأي ابن عاشور في المحكم والمتشابه في هذه الآية فهو قوله: " فالمحكمات هي أصول الاعتقاد والتشريع والآداب والمواعظ، وكانت أصولاً لذلك: باتّضاح دلالتها، بحيث تدل على معان لا تحتمل غيرها أو تحتمله احتمالاً ضعيفاً غير معتدَ به، وذلك كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣)
стр. 751
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (١) ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ (٢) ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (٣) ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ (٤). وباتّضاح معانيها بحيث تتناولها أفهام معظم المخاطبين بها وتتأهّل لفهمها فهي أصل القرآن المرجوعُ إليه في حمل معاني غيرها عليها للبيان أو التفريع.
والمتشابهات مقابل المحكمات، فهي التي دلّت على معان تشابهت في أن يكون كلُّ منها هو المرادَ. ومعنى تشابهها: أنّها تشابهت في صحة القصد إليها، أي لم يكن بعضها أرجح من بعض. أو يكون معناها صادقاً بصور كثيرة متناقضة أو غير مناسبة لأن تكون مراداً، فلا يتبيّن الغرض منها، فهذا وجه تفسير الآية فيما أرى (٥).
وقد تداخلت أقوال المفسرين فيما يظهر لي في تأويل معنى المحكم والمتشابه في هذه الآية، يقول الطبري مرجحا: " بل"المحكم" من آي القرآن: ما عرف العلماءُ تأويله، وفهموا معناه وتفسيره , و"المتشابه": ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل، مما استأثر الله بعلمه دون خلقه، وذلك نحو الخبر عن وقت مَخْرج عيسى
стр. 752
ابن مريم، ووقت طُلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناءِ الدنيا، وما أشبه ذلك، فإن ذلك لا يعلمه أحدٌ. وقالوا: إنما سمى الله من آي الكتاب"المتشابه"، الحروف المقطّعة التي في أوائل بعض سور القرآن، من نحو"ألم" و"ألمص"، و"ألمر"، و"ألر"، وما أشبه ذلك، لأنهن متشابهات في الألفاظ "، ومثله قول القرطبي (١) ..
ويرى ابن عطية أن المحكمات هي التي فيها حجة الرب وعصمة العباد ودفع الباطل ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه، والمتشابهات لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد " (٢).
في حين يرى الرازي أن المحكم هو الواضح الدلالة، والمتشابه الخفيها، ومثله قول أبي حيان (٣).
وقال ابن كثير: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ فيهن حجة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه.
والمتشابهات في الصدق، لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل، ولا يحرّفن عن الحق (٤).
стр. 753
وقال الشوكاني: " الأولى أن يقال إن المحكم المعنى الظاهر الدلالة، إما باعتبار نفسه أو باعتبار غيره، والمتشابه مالا يتضح معناه، أو لا تظهر دلالته لا باعتبار نفسه ولا باعتبار غيره" (١)
وقال الألوسي: " محكمات أي واضحة المعنى ظاهرة الدلالة والمتشابهات المحتملة لمعان متشابهة لا يمتاز بعضها عن بعض " ويشبهه قول القاسمي (٢).
قلت: وتلك الأقوال وإن كان يظهر عليها الاختلاف إلا أنها تصب في معنى واحد، فبعضها عام وبعضها جزء من ذلك العام.
وقد علق ابن عطية بعد أن ذكر قول ابن عباس في معنى المحكم والمتشابه بقوله: " وهذا عندي على جهة التمثيل أي يوجد الإحكام في هذا والتشابه في هذا، لا أنه وقف على هذا النوع من الآيات " (٣).
كما علق الشوكاني بعد أن استعرض أقوال العلماء في المحكم والمتشابه فقال: " وإذا عرفت هذا عرفت أن هذا الاختلاف الذي قدّمناه ليس كما ينبغي، وذلك لأن أهل كل قول عرفوا المحكم ببعض صفاته، وعرفوا المتشابه بما يقابلها. ولا شك أن مفهوم المحكم، والمتشابه أوسع دائرة مما ذكروه " (٤).
القول الراجح:
وبذلك يمكننا القول بأن الراجح في معنى هذه الآية هو مجموع ما ذهب
стр. 754
إليه المفسرون في ذلك.
وإيراد الخلاف في مثل هذا المبحث قد لا يهمنا كثيرا لأن المعول عليه هنا هو الجمع بين هذه الآية وغيرها من الآيات التي تصف القرآن بأنه محكم كله أو متشابه كله وقد تبين لنا أنه لا تعارض بين الآيات.
وممن اهتم بذلك من المفسرين ابن عاشور ومن قبله القرطبي وكذلك الشنقيطي حيث ساق كل منهما هذا الاحتمال الوارد من الإشكال وأجابوا عنه.
قال القرطبي: " قيل: القرآن كله محكم: لقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ " (١) ,، وقيل: كله متشابه، لقوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ (٢) ,. وليس هذا من معنى الآية في شئ، فإن قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ أي في النظم والرصف وأنه حق من عند الله , ومعنى ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ كتابا متشابها، أي يشبه بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا.
وليس المراد بقوله: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ " هذا المعنى، وإنما المتشابه في هذه الآية من باب الاحتمال والاشتباه، من قوله: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ (٣) أي التبس علينا، أي يحتمل أنواعا كثيرة من البقر والمراد بالمحكم ما في مقابلة هذا، وهو ما لا التباس فيه ولا يحتمل إلا وجها واحدا.
стр. 755
وقيل: إن المتشابه ما يحتمل وجوها، ثم إذا ردت الوجوه إلى وجه واحد وأبطل الباقي صار المتشابه محكما.
فالمحكم أبدا أصل ترد إليه الفروع، والمتشابه هو الفرع (١).
وقال الشنقيطي: " هذه الآية الكريمة تدل على أن من القرآن محكما ومنه متشابها, وقد جاءت آية أخرى تدل على أنّ كله محكم, وأية تدل على أنّ كله متشابه, أمّا التي تدل على إحكامه كله قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (٢) وأما التي تدل على أنّ كله متشابه قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ (٣) , ووجه الجمع بين الآيات أنّ معنى كونه كله محكما أنه في غاية الإحكام أي الإتقان في ناحية ألفاظه ومعانيه وإعجازه أخباره صدق, وأحكامه عدل, لا تعتريه وصمة ولا عيب في الألفاظ, ولا في المعاني, ومعنى كونه متشابها أن آياته يشبه بعضها بعضا في الحسن والصدق والإعجاز والسلامة من جميع العيوب ومعنى كونه بعضه محكما وبعضه متشابها أن المحكم منه الواضح المعنى لكل الناس كقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ (٤) , ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ (٥) , والمتشابه: هو ما خفي علمه على غير
стр. 756
الراسخين في العلم بناء على أن الواو في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (١) , عاطفة, أو هو ما استأثر الله بعلمه كمعاني الحروف المقطعة في أوائل السور بناء على أن الواو في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ استئنافية لا عاطفة " (٢).
٢ - مثال قتل العمد:
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٣).
هذه الآية تدل على أن القاتل عمدا لا توبة له , وأنه مخلد في النار، وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك , كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٥) - إلى قوله -: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ
стр. 757
يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (١)، الآية. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (٢) وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ (٣) الآية (٤).
وذكر ابن عاشور في تفسيره أن هذه الآية وقع فيها خلاف بين العلماء واضطربت فيها كلمات المفسرين على عدة أقوال، فمنهم من ذهب إلى أن القاتل عمداً في النار لا تقبل توبته، ومنهم من يرى أن الآية منسوخة بآيات التوبة , وآخرون يرون أن الآية محكمة مخصصة بآيات التوبة، ومنهم من يرى أن الآية خاصة بالكفار (٥).
ورجّح ابن عاشور أنه لا تعارض بين هذه الآية التي هي وعيد لقاتل النفس وبين آيات قبول التوبة، وأن القاتل له توبة، وممن وافق قوله قول ابن عاشور فيمن سبقه من المفسرين الطبري، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي (٦).
стр. 758
حجة أصحاب القول الأول الذين يقولون: إن المؤمن القاتل عمداً مخلد في النار لا تقبل توبته:
قال ابن عاشور: " رأى بعض السلف أنّ ذلك موجب لحمل الوعيد في الآية على ظاهره، دون تأويل، لشدّة تأكيده تأكيداً يمنع من حمل الخلود على المجاز، فيُثبت للقاتل الخلودَ حقيقة " (١).
واستدلوا على ذلك بما روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته عنها فقال: نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ... ﴾ هي آخر ما نزل وما نسخها شيء (٢).
وروى النسائي عنه قال: سألت ابن عباس هل لمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة؟ قال: لا (٣).
وروي عن زيد بن ثابت نحوه، وإن آية النساء نزلت بعد آية الفرقان بستة أشهر، وفي رواية بثمانية أشهر، ذكرهما النسائي عن زيد بن ثابت (٤).
وإلى عموم هذه الآية مع هذه الأخبار عن زيد وابن عباس ذهبت المعتزلة وقالوا: هذا مخصص عموم قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾
стр. 759
ورأوا أن الوعيد نافذ حتما على كل قاتل، فجمعوا بين الآيتين بأن قالوا: التقدير ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا من قتل عمدا (١).
حجة القائلين: إن القاتل عمداً تقبل توبته وأن الآية عامة خصصت بآيات التوبة:
قال الطبري: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه إن جزاه جهنم خالدًا فيها، ولكنه يعفو ويتفضَّل على أهل الإيمان به وبرسوله، فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عز ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إيّاها ثم يخرجه منها بفضل رحمته، لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (٢).
قال ابن كثير: " والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها: أن القاتل له توبة فيما بينه وبين ربه ، فإن تاب وأناب وخشع وخضع، وعمل عملا صالحا، بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن طلابته.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ
стр. 760
الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ (١)
وهذا خبر لا يجوز نسخه، وحمله على المشركين (٢).
قال ابن عاشور: " إن آيات التوبة ناهضة مجمع عليها متظاهرة ظواهرها، حتّى بلغت حدّ النصّ المقطوع به، فيحمل عليها آيات وعيد الذنوب كلّها " (٣).
حجة القائلين: إن الآية منسوخة بآيات التوبة:
ذكر ابن حزم أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ نسخت بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وبالآية التي في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٤).
وقال المقري: " أجمع المفسرون من الصحابة والتابعين على نسخ هذه الآية إلا
стр. 761
عبد الله بن عباس ﵁ وعبد الله بن عمر ﵁ , فإنهما قالا إنها محكمة " (١).
حجة القائلين: إن الآية خاصة بالكفار ولذلك فإن القاتل عمداً مخلد في النار:
قالوا: إن الآية نزلت في مقيس بن صبابة، وهو كافر، فالخلود لأجل الكفر.
وذلك أنه كان قد أسلم هو وأخوه هشام بن صبابة، فوجد هشاما قتيلا في بني النجار فأخبر بذلك النبي ﷺ ، فكتب له إليهم أن يدفعوا إليه قاتل أخيه وأرسل معه رجلا من بني فهر، فقال بنو النجار: والله ما نعلم له قاتلا ولكنا نؤدي الدية، فأعطوه مائة من الابل، ثم انصرفا راجعين إلى المدينة , فعدا مقيس على الفهري فقتله بأخيه , وأخذ الإبل وانصرف إلى مكة كافرا مرتدا، وجعل ينشد:
قتلت به فهرا وحملت عقله ............ سراة بني النجار أرباب فارع
حللت به وتري وأدركت ثورتي .. ......... وكنت إلى الأوثان أول راجع
فقال رسول الله ﷺ : " لا أؤمنه في حل ولا حرم" , وأمر بقتله يوم فتح مكة وهو متعلق بالكعبة (٢).
القول الراجح
إنه لا تعارض بين هذه الآية وغيرها من الآيات التي تحكي التوبة والمغفرة لمن تاب.
وأن القاتل عمدا مؤمن عاص له توبة , كما عليه جمهور علماء الأمة , وهو
стр. 762
صريح قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ .. ﴾ الآية.
قال الشوكاني: " والحق أن باب التوبة لم يغلق دون كل عاص، بل هو مفتوح لكل من قصده ورام الدخول منه، وإذا كان الشرك، وهو أعظم الذنوب وأشدّها تمحوه التوبة إلى الله، ويقبل من صاحبه الخروج منه، والدخول في باب التوبة، فكيف بما دونه من المعاصي التي من جملتها القتل عمداً؟ " (١).
ومما يؤكد هذا القول القاعدة الترجيحية (إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له) وقد توافرت الأحاديث عن النبي ﷺ أنه: يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، وصرح تعالى بأن القاتل أخو المقتول في قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ (٢)، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٣)، فسماهم مؤمنين مع أن بعضهم يقتل بعضا، ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين في قصة الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، لأن هذه الأمة أولى بالتخفيف من بني إسرائيل لأن الله رفع عنها الآصار والأغلال التي كانت عليهم (٤).
كما يؤكد القول بأن الآية محكمة وغير متعارضة مع آيات التوبة القاعدة الترجيحية التالية (النسخ لا يقع في الأخبار) , قال القرطبي: " هذا حسن - يعني
стр. 763
القول بأن الآية محكمة - لأن النسخ لا يدخل الأخبار إنما المعنى فهو يجزيه (١).
وأما ادعاء تخصيصها بالكفار فإنه لا دليل عليه، ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾
وضعّف الرازي قول من خصصها بالكفار فقال: " أما الوجه الأول فضعيف، وذلك لأنه ثبت في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإذا ثبت أن اللفظ الدال على الاستغراق حاصل، فنزوله في حق الكفار لا يقدح في ذلك العموم، فيسقط هذا الكلام بالكلية، ثم نقول: كما أن عموم اللفظ يقتضي كونه عاما في كل قاتل موصوف بالصفة المذكورة، فكذا ههنا وجه آخر يمنع من تخصيص هذه الآية بالكافر.
وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى أمر المؤمنين بالمجاهدة مع الكفار ثم علمهم ما يحتاجون اليه عند اشتغالهم بالجهاد، فابتدأ بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ (٢) فذكر في هذه الآية ثلاث كفارات: كفارة قتل المسلم في دار الإسلام، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الحرب، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الذمة وأهل العهد، ثم ذكر عقيبه حكم قتل العمد مقرونا بالوعيد، فلما كان بيان حكم قتل الخطأ
стр. 764
بيانا لحكم اختص بالمسلمين كان بيان حكم القتل العمد الذي هو كالضد لقتل الخطأ، وجب أن يكون أيضا مختصا بالمؤمنين، فإن لم يختص بهم فلا أقل من دخولهم فيه. الثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (١).
وأجمع المفسرون على أن هذه الآيات إنما نزلت في حق جماعة من المسلمين لقوا قوما فأسلموا فقتلوهم وزعموا أنهم إنما أسلموا من الخوف، وعلى هذا التقدير: فهذه الآية وردت في نهي المؤمنين عن قتل الذين يظهرون الإيمان؛ وهذا أيضا يقتضي أن يكون قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ نازلا في نهي المؤمنين عن قتل المؤمنين حتى يحصل التناسب، فثبت بما ذكرنا أن ما قبل هذه الآية وما بعدها يمنع من كونها مخصوصة بالكفار (٢).
٣ - مثال الظلم:
قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ
стр. 765
وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١).
أشكلت هذه الآية على بعض المفسرين، واختلفوا فيها، ورأوا أنها متعارضة مع آيات أخرى حتى قال بعضهم إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)، وفسروا الظلم هنا بالشرك (٣).
أما ابن عاشور فقد وضّح هذا الإشكال في تفسيره بقوله: " وسياق الآية يدل على أن المراد بالمغفرة هنا التجاوز عن المشركين في الدنيا بتأخير العقاب لهم إلى أجل أراده الله أو إلى يوم الحساب، وأن المراد بالعقاب في قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ضد تلك المغفرة وهو العقاب المؤجل في الدنيا أو عقاب يوم الحساب، فمحمل الظلم على ما هو المشهور في اصطلاح القرآن من إطلاقه على الشرك.
ويجوز أن يحمل الظلم على ارتكاب الذنوب بقرينة السياق كإطلاقه في قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (٤).فلا تعارض أصلاً بين هذا المحمل وبين
стр. 766
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) كما هو ظاهر (٢).
ومعظم المفسرين يرون أن هذه الآية محكمة , وليست منسوخة , ولكنهم لم يوردوا هذا التعارض الذي قد يرد على الآية كما فعل ابن عاشور.
حجة القائلين بأن بين الآيتين تعارضا , وادعوا نسخها:
قال الضحاك: الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (٣).
وقال ابن حزم: "قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ (٤) منسوخة وناسخها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (٥) والظلم ههنا الشرك (٦).
حجة أصحاب القول الثاني الذين لا يرون أن الآيات متعارضة، وقد تأولوا الآية على تأويلين:
إن المراد أن الله يغفر الذنوب مطلقا إلا الشرك، أي: أن الآية عامة
стр. 767
ويخصصها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾
وإما أن يكون المراد بالمغفرة معناها اللغوي , وهو الستر بالإمهال وتأخير العذاب.
وهذان المعنيان حكاهما ابن عاشور , وجعل كلا منهما محتملا (١).
وقد اعترض الرازي على المعنى الثاني بقوله: " إن تأخير العقاب لا يسمى مغفرة، وإلا لوجب أن يقال: الكفار كلهم مغفور لهم لأجل أن الله تعالى أخر عقابهم إلى الآخرة، وعن الثاني: أنه تعالى تمدح بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل. أما بأداء الواجب فلا تمدح فيه وعندكم يجب غفران الصغائر وعن الثالث: أنا بينا أن ظاهر الآية يقتضي حصول المغفرة حال الظلم، وبينا أن حال حصول الظلم يمنع حصول التوبة، فسقطت هذه الأسئلة وصح ما ذكرناه " (٢).
القول الراجح
إن المقصود بالظلم في هذه الآية ارتكاب الذنوب , وعليه لا تعارض بين الآيات , كما قال ابن عاشور: " ويجوز أن يحمل الظلم على ارتكاب الذنوب بقرينة السياق كإطلاقه في قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (٣) فلا تعارض أصلاً بين هذا المحمل وبين قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
стр. 768
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) كما هو ظاهر" (٢).
وقد ردّ ابن الجوزي على من قال بأن الآية منسوخة , فقال: " قد توهم بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة لأنه قال المراد بالظلم ها هنا الشرك ثم نسخت بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ وهذا التوهم فاسد؛ لأن الظلم عام وتخصيصه بالشرك هاهنا يحتاج إلى دليل، ثم إن كان المراد به الشرك فلا يخلو الكلام من أمرين: إما أن يراد التجاوز عن تعجيل عقابهم في الدنيا , أو الغفران لهم إذا رجعوا عنه وليس في الآية ما يدل على أنه يغفر للمشركين إذا ماتوا على الشرك " (٣).
وقال الشوكاني: " وإذا تقرر لك هذا فاعلم أن الجمع بين هذه الآية وبين قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ هو: أن كل ذنب كائنا ما كان ما عدا الشرك بالله مغفور لمن شاء الله أن يغفر له , على أنه يمكن أن يقال: إن إخباره لنا بأنه يغفر الذنوب جميعا يدل على أنه يشاء غفرانها جميعا , وذلك يستلزم أنه يشاء المغفرة لكل المذنبين من المسلمين , فلم يبق بين الآيتين تعارض من هذه الحيثية, وأما ما يزعمه جماعة من المفسرين من تقييد هذه الآية بالتوبة , وأنها لا تغفر إلا ذنوب التائبين وزعموا أنهم قالوا ذلك للجمع بين الآيات فإنها لو مقيدة بالتوبية لم يكن لها كثير موقع فإن التوبة
стр. 769
من المشرك يغفر الله له بها ما فعله من الشرك بإجماع المسلمين وقد قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فلو كانت التوبة قيدا في المغفرة لم يكن للتنصيص على الشرك فائدة وقد قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ " (١).
ومما يؤكد هذه القول ويرجحه قاعدة أخرى وهي: (القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على غيره) ومما يوضح معنى هذه الآية وبها يزول الإشكال قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (٢)، وكقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (٤) وأكثر من اهتم بهذه القاعدة ووظفها في تفسيره الشنقيطي (٥).
ونلحظ من خلال هذا المثال مدى اهتمام ابن عاشور في تأصيل هذه القاعدة حيث إن معظم المفسرين لم يوردوا مثل هذا التعارض , ولم ينبهوا عليه ,
стр. 770
بينما ابن عاشور ذكر أنه لا تعارض بين الآيات مؤكدا أن كل آية يجب أن تحمل على محملها من خلال السياق الذي ترد فيه.
٤ - مثال التساؤل يوم القيامة:
قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (١)
وقوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٢).
هذه الآيات قد يبدو في أول الأمر أن ظاهرها التعارض، والقرآن الكريم منزه عن ذلك، والمفسرون متفقون جميعاً على أنه لا تعارض بين آيات القرآن الكريم، كما أنهم متفقون على أنه لا تعارض بين هاتين الآيتين المذكورة أعلاه , وإنما هي مواقف في يوم القيامة يمر بها البشر، وإنما حصل الاختلاف بين المتأولين في صفة ارتفاع الأنساب في تلك المواقف متى يكون السؤال ومتى لا يكون؟
وابن عاشور قد اهتم بتجلية هذه القاعدة في تفسيره فكان إذا مر بمثل تلك الآيات التي تشكل على البعض يبين حالها، ويعالج الإشكال الواقع فيها.
ومن ذلك موقفه من هذه الآيات حيث يقول فيها: " لا تعارض بين هذه الآيات وإنما هي مواقف وأحوال بعد النفخة الأولى والثانية.
وعلق ابن عاشور بعد أن ساق ذلك الحديث بقوله: " إن تساؤلهم المنفي
стр. 771
هنالك هو طلب بعضهم مِن بعض النجدة والنصرة وأن تساؤلهم هنا تساؤل عن أسباب ورطتهم فلا تعارض بين الآيتين " (١).
وذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود بالآية أنه لا أنساب بينهم بعد النفخة الثانية من هول الفزع، ثم يتساءلون بعد ذلك .. وهو قول ابن مسعود وابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والقاسمي، والشنقيطي (٢).
وذكر الطبري، وكذلك الألوسي كلا المعنيين ولم يرجحا وقال الألوسي بعد أن ذكر المعنيين: وحينئذٍ يختار في وجه الجمع أحد الأوجه التي أشرنا إليها ... (٣).
وانفرد الرازي بقول مختلف وهو أن الآية الأولى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٤) في صفة أهل النار، وأما قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٥) في صفة أهل
стр. 772
الجنة (١). وذكر القرطبي أن الآية الثانية تتعلق بأهل الجنة (٢).
حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن المقصود بالآية ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ أي بعد النفخة الأولى:
حجتهم في ذلك حديث ابن عباس ﵁: قال البخاري في صحيحه: قال المنهال عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس ﵁: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي- وذكر منها - ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٣) ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٤) فقال: فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى ثم ينفخ في الصور , فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون .... " (٥).
قال ابن عاشور بعد أن ساق حديث ابن عباس: .. " يريد به اختلاف
стр. 773
الزمان " (١).
وكذلك أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه، أنه سئل عن قوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ وقوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ فقال: إنها مواقف، فأما الموقف الذي لا أنساب بينهم ولا يتساءلون عند الصعقة الأولى، لا أنساب بينهم فيها إذا صعقوا، فإذا كانت النفخة الآخرة فإذا هم قيام يتساءلون (٢).
قال ابن عطية معلقا على هذا المعنى وإن كان يميل إلى المعنى الآخر: " وهذا التأويل يزيل ما في الآية من ذكر هول الحشر" (٣).
وهذا القول هو الذي رجحه ابن عاشور ولم يذكر غيره.
حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن المقصود بالآية أنه لا أنساب بينهم بعد النفخة الثانية ابتداءً .. ثم بعد ذلك يتساءلون .. :
استدلوا بحديث ابن مسعود ﵁: " يؤخذ العبد أو الأمة يوم القيامة، فينصب على رؤوس الأولين والآخرين، ثم ينادي مناد، فيقول الربّ ﵎ للعبد: أعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: أي ربّ، فَنِيت الدنيا، فمن أين أعطيهم؟ فيقول للملائكة: خذوا من أعماله الصالحة وأعطوا لكل إنسان بقدر طلبته، فإن كان له فضلُ مثقال حبة من خردل ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة، ثم تلا
стр. 774
ابن مسعود ﵁: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) وإن كان عبدا شقيا، قالت الملائكة: ربنا، فنيت حسناتُه وبقي طالبون كثير، فيقول: خذوا من أعمالهم السيئة فأضيفوها إلى سيئاته، وصُكُّوا له صَكًّا إلى النار " (٢).
قال ابن عطية: " المعنى أنه عند النفخة الثانية وقيام الناس من القبور , فهم حينئذ لهول المطلع , واشتغال كل امرئ بنفسه , قد انقطعت بينهم الوسائل وزال انتفاع الأنساب فلذلك نفاها المعنى (فلا أنساب) , وروي عن قتادة أنه قال: ليس أحد أبغض إلى الإنسان في ذلك اليوم ممن يعرف؛ لأنه يخاف أن تكون له عنده مظلمة وفي ذلك اليوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ويفرح كل أحد يومئذ أن يكون له حق على ابنه وأبيه، وقد ورد بهذا الحديث، وكذلك ارتفاع التساؤل والتعارف لهذه الوجوه التي ذكرناها ثم تأتي في القيامة مواطن يكون فيها السؤال والتعارف " (٣).
ورجّح ابن عطية هذا القول بقوله: وهذا التأويل حسن ,, وهو مروي المعنى عن ابن عباس ﵁ (٤).
وكذلك ابن كثير حيث يقول: " يخبر تعالى أنه إذا نفخ في الصور نفخة
стр. 775
النشور، وقام الناس من القبور، (فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ) أي: لا تنفع الأنساب يومئذ، ولا يرثي والد لولده، ولا يلوي عليه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ (١)، أي: لا يسأل القريب قريبه وهو يبصره، ولو كان عليه من الأوزار ما قد أثقل ظهره، وهو كان أعز الناس عليه في الدنيا، ما التفت إليه ولا حمل عنه وزن جناح بعوضة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٢) " (٣).
وقال القاسمي: " وجليّ أن نفي التساؤل إنما هو وقت النفخ، كما دل عليه قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾: أي وقت القيام من القبور وهول المطلع يشتغل بنفسه. وأما بعده فقد يقع التساؤل، كما قال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٤) , لأن يوم القيامة يوم ممتد , ففيه مشاهد ومواقف فيقع في بعضها، وفي بعضها دهشة تمنع منه (٥).
ويقول السعدي في تفسبره لهذه الآية: " يخبر تعالى عن هول يوم القيامة، وما