هنالك هو طلب بعضهم مِن بعض النجدة والنصرة وأن تساؤلهم هنا تساؤل عن أسباب ورطتهم فلا تعارض بين الآيتين " (١).
وذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود بالآية أنه لا أنساب بينهم بعد النفخة الثانية من هول الفزع، ثم يتساءلون بعد ذلك .. وهو قول ابن مسعود وابن عطية، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والقاسمي، والشنقيطي (٢).
وذكر الطبري، وكذلك الألوسي كلا المعنيين ولم يرجحا وقال الألوسي بعد أن ذكر المعنيين: وحينئذٍ يختار في وجه الجمع أحد الأوجه التي أشرنا إليها ... (٣).
وانفرد الرازي بقول مختلف وهو أن الآية الأولى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٤) في صفة أهل النار، وأما قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٥) في صفة أهل
стр. 772
الجنة (١). وذكر القرطبي أن الآية الثانية تتعلق بأهل الجنة (٢).
حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن المقصود بالآية ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ أي بعد النفخة الأولى:
حجتهم في ذلك حديث ابن عباس ﵁: قال البخاري في صحيحه: قال المنهال عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس ﵁: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي- وذكر منها - ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٣) ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٤) فقال: فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى ثم ينفخ في الصور , فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون .... " (٥).
قال ابن عاشور بعد أن ساق حديث ابن عباس: .. " يريد به اختلاف
стр. 773
الزمان " (١).
وكذلك أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه، أنه سئل عن قوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ وقوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ فقال: إنها مواقف، فأما الموقف الذي لا أنساب بينهم ولا يتساءلون عند الصعقة الأولى، لا أنساب بينهم فيها إذا صعقوا، فإذا كانت النفخة الآخرة فإذا هم قيام يتساءلون (٢).
قال ابن عطية معلقا على هذا المعنى وإن كان يميل إلى المعنى الآخر: " وهذا التأويل يزيل ما في الآية من ذكر هول الحشر" (٣).
وهذا القول هو الذي رجحه ابن عاشور ولم يذكر غيره.
حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن المقصود بالآية أنه لا أنساب بينهم بعد النفخة الثانية ابتداءً .. ثم بعد ذلك يتساءلون .. :
استدلوا بحديث ابن مسعود ﵁: " يؤخذ العبد أو الأمة يوم القيامة، فينصب على رؤوس الأولين والآخرين، ثم ينادي مناد، فيقول الربّ ﵎ للعبد: أعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: أي ربّ، فَنِيت الدنيا، فمن أين أعطيهم؟ فيقول للملائكة: خذوا من أعماله الصالحة وأعطوا لكل إنسان بقدر طلبته، فإن كان له فضلُ مثقال حبة من خردل ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة، ثم تلا
стр. 774
ابن مسعود ﵁: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١) وإن كان عبدا شقيا، قالت الملائكة: ربنا، فنيت حسناتُه وبقي طالبون كثير، فيقول: خذوا من أعمالهم السيئة فأضيفوها إلى سيئاته، وصُكُّوا له صَكًّا إلى النار " (٢).
قال ابن عطية: " المعنى أنه عند النفخة الثانية وقيام الناس من القبور , فهم حينئذ لهول المطلع , واشتغال كل امرئ بنفسه , قد انقطعت بينهم الوسائل وزال انتفاع الأنساب فلذلك نفاها المعنى (فلا أنساب) , وروي عن قتادة أنه قال: ليس أحد أبغض إلى الإنسان في ذلك اليوم ممن يعرف؛ لأنه يخاف أن تكون له عنده مظلمة وفي ذلك اليوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ويفرح كل أحد يومئذ أن يكون له حق على ابنه وأبيه، وقد ورد بهذا الحديث، وكذلك ارتفاع التساؤل والتعارف لهذه الوجوه التي ذكرناها ثم تأتي في القيامة مواطن يكون فيها السؤال والتعارف " (٣).
ورجّح ابن عطية هذا القول بقوله: وهذا التأويل حسن ,, وهو مروي المعنى عن ابن عباس ﵁ (٤).
وكذلك ابن كثير حيث يقول: " يخبر تعالى أنه إذا نفخ في الصور نفخة
стр. 775
النشور، وقام الناس من القبور، (فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ) أي: لا تنفع الأنساب يومئذ، ولا يرثي والد لولده، ولا يلوي عليه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ (١)، أي: لا يسأل القريب قريبه وهو يبصره، ولو كان عليه من الأوزار ما قد أثقل ظهره، وهو كان أعز الناس عليه في الدنيا، ما التفت إليه ولا حمل عنه وزن جناح بعوضة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٢) " (٣).
وقال القاسمي: " وجليّ أن نفي التساؤل إنما هو وقت النفخ، كما دل عليه قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾: أي وقت القيام من القبور وهول المطلع يشتغل بنفسه. وأما بعده فقد يقع التساؤل، كما قال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٤) , لأن يوم القيامة يوم ممتد , ففيه مشاهد ومواقف فيقع في بعضها، وفي بعضها دهشة تمنع منه (٥).
ويقول السعدي في تفسبره لهذه الآية: " يخبر تعالى عن هول يوم القيامة، وما
стр. 776
في ذلك اليوم، من المزعجات والمقلقات، وأنه إذا نفخ في الصور نفخة البعث، فحشر الناس أجمعون، لميقات يوم معلوم، أنه يصيبهم من الهول ما ينسيهم أنسابهم، التي هي أقوى الأسباب، فغير الأنساب من باب أولى، وأنه لا يسأل أحد أحدا عن حاله، لاشتغاله بنفسه، فلا يدري هل ينجو نجاة لا شقاوة بعدها؟ أو يشقى شقاوة لا سعادة بعدها؟
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (١).
القول الراجح
فيما يبدو لي والله أعلم أنه لا تعارض ولا خلاف حقيقي بين الفريقين، وإن الاختلاف إنما هو باعتبار عدد النفخات، فالفريق الأول يرى أن هناك ثلاث نفخات، والفريق الثاني يرى أن هناك نفختين، فالثانية عند الفريق الأول هي الأولى عند الفريق الثاني.
وعليه فالخلاف بينهما لفظي لا حقيقي.
٥ - مثال النطق يوم القيامة:
قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ (٢).
هذه الآية الكريمة تدل على أن أهل النار لا ينطقون ولا يعتذرون , وقد
стр. 777
جاءت آيات تدل على أنهم ينطقون ويعتذرون , كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (١)، وقوله: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ (٢) وقوله: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ (٣). وقوله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ (٤) إلى غير ذلك من الآيات.
وهذه الآيات قد تبدو لأول وهلة أن ظاهرها التعارض، ولذلك حرص المفسرون على توضيح وبيان مثل تلك الآيات وإزالة الإشكال الحاصل فيها، وأقوالهم في ذلك متقاربة، وإن كان ظاهرها الاختلاف، ولكن هذا الاختلاف لا يضر وإنما يزيد في المعنى، وابن عاشور قد اهتم كثيراً بمثل تلك الآيات ووقف عندها وأزال اللبس الحاصل فيها فيقول مثلاً في هذه الآيات: " واعلم أنه لا تعارض بين هذه الآية وبين الآيات التي جاء فيها ما يقضي أنهم يعتذرون نحو قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٥) لأن وقت انتفاء نطقهم يوم الفصل، وأما نطقهم المحكي في قوله: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾ فذلك صراخهم
стр. 778
في جهنم بعد انقضاء يوم الفصل " (١).
وممن ذهب إلى رأيه في توضيح هذه الآيات ممن سبقه الطبري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي (٢). فهؤلا يرون أن يوم القيامة مواقف وأحوال، فحصل النطق في حال ومنعوا عن الكلام في حال آخر.
في حين ذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود بعدم النطق في ذلك اليوم هو: عدم الحجة أي لا ينطقون بحجة (٣).
وجوّز الشنقيطي كلا القولين (٤).
وإليك حجة أصحاب كل قول:
حجة أصحاب القول الأول الذين يرون أن القيامة مواقف وأحوال فحصل النطق في موقف دون آخر:
حجتهم في ذلك أن يوم القيامة فيه من المواقف والأحوال ما يحصل النطق في بعضها ولا يحصل في البعض الآخر.
стр. 779
قال الفراء: " أراد بقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ تلك الساعة وذلك القدر من الوقت الذي لا ينطقون فيه، كما يقول: آتيك يوم يقدم فلان، والمعنى ساعة يقدم وليس المراد باليوم كله، لأن القدوم إنما يكون في ساعة يسيرة، ولا يمتد في كل اليوم (١).
وقال الطبري: " وقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ يخبر عنهم أنهم لا ينطقون في بعض أحوال ذلك اليوم، لا أنهم لا ينطقون ذلك اليوم كله.
فإن قال: فهل من بُرهان يعلم به حقيقة ذلك؟ قيل: نعم، وذلك إضافة يوم إلى قوله: (لا يَنْطِقُونَ) والعرب لا تُضيف اليوم إلى فعل يفعل، إلا إذا أرادت الساعة من اليوم والوقت منه، وذلك كقولهم: آتيك يومَ يقدمُ فلان، وأتيتك يوم زارك أخوك، فمعلوم أن معنى ذلك: أتيتك ساعة زارك، أو آتيك ساعة يقدُم، وأنه لم يكن إتيانه إياه اليوم كله، لأن ذلك لو كان أخذ اليوم كله لم يضف اليوم إلى فعل ويفعل، ولكن فعل ذلك إذ كان اليوم بمعنى إذ وإذا اللتين يطلبان الأفعال دون الأسماء " (٢).
وقال ابن عطية: " أي يوم القيامة أسكتتهم الهيبة وذل الكفر، و (هذا) في موطن قاض بأنهم (لا ينطقون) فيه إذ قد نطق القرآن بنطقهم ربنا أخرجنا، ربنا أمتنا، فهي مواطن " (٣).
حجة أصحاب القول الثاني الذين يرون أن المقصود بقوله لا ينطقون أي
стр. 780
لا ينطقون بحجة:
أجاب الرازي عن ذلك بعدة وجوه , ذكر منها قول الحسن , وهذا قوله: "فيه إضمار، والتقدير: هذا يوم لا ينطقون فيه بحجة، ولا يؤذن لهم فيعتذرون، لأنه ليس لهم فيما عملوه عذر صحيح وجواب مستقيم، فإذا لم ينطقوا بحجة سليمة وكلام مستقيم فكأنهم لم ينطقوا، لأن من نطق بما لا يفيد فكأنه لم ينطق، ونظيره ما يقال لمن ذكر كلاماً غير مفيد: ما قلت شيئاً (١).
وقال القاسمي: " أي بحجة أو في وقت من أوقاته؛ لأنه يوم طويل ذو مواقف ومواقيت. أو جعل نطقهم كلا نطق؛ لأنه لا ينفع ولا يسمع، فلا ينافي آية: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٢) وآية ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٣)(٤).
القول الراجح
هو ما رجحه ابن عاشور ومن سبقه من المفسرين، وقد وضح ذلك بقوله " واعلم أنه لا تعارض بين هذه الآية وبين الآيات التي جاء فيها ما يقضي أنهم يعتذرون ".
وبنحو هذا أجاب ابن عباس ﵁ نافع بنَ الأزرق حين قال نافع: إنِّي أجد
стр. 781
في القرآن أشياء تختلف عليَّ قال الله: ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (١)، وقال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٢) فقال ابن عباس: لا يتساءلون في النفخة الأولى حين نُفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض فلا يتساءلون حينئذٍ، ثم في النفخة الثانية أقبل بعضهم على بعض يتساءلون (٣).
قال القرطبي: " قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ أي لا يتكلمون ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ أي إن يوم القيامة له مواطن ومواقيت ,فهذا من المواقيت التي لا يتكلمون فيها ولا يؤذن لهم في الاعتذار والتنصل " (٤).
كما قال الألوسي: " ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ الإشارة إلى وقت دخولهم النار , أي: هذا يوم لا ينطقون فيه بشيء لعظم الدهشة وفرط الحيرة ولا ينافي هذا ما ورد في موضع آخر من النطق؛ لأن يوم القيامة طويل له مواطن ومواقيت ففي بعضها ينطقون وفي بعضها لا ينطقون, وجوز أن يكون المراد هذا يوم لا ينطقون بشيء ينفعهم وجعل نطقهم لعدم النفع كلا نطق " (٥).
стр. 782
كما عالج الشنقيطي هذا الإشكال في كتابه "دفع إيهام الاضطراب" من عدة أوجه فقال: " الأول: أن القيامة مواطن؛ ففي بعضها ينطقون، وفي بعضها لا ينطقون.
الثاني: أنهم لا ينطقون بما لهم فيه فائدة. ومالا فائدة فيه كالعدم.
الثالث: أنهم بعد أن يقول الله لهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (١) ينقطع نطقهم، ولم يبق إلا الزفير والشهيق. قال تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ وهذا الوجه الثالث راجع للوجه الأول (٢).
الفصل السادس
قواعد الترجيح المتعلقة بالمفردة القرآنية
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: إعمال الأغلب في القرآن وتقديم
المفهوم الجاري في استعماله أولى
المبحث الثاني: زيادة المبنى تدل على زيادة
المعنى.
المبحث الثالث: إذا احتمل اللفظ معان عدة ولم
يمتنع إرادة الجميع حمل عليها
стр. 786
المبحث الأول
إعمال الأغلب في القرآن وتقديم المفهوم الجاري في استعماله أولى
صورة القاعدة:
إذا تنازع المفسرون في تفسير آية أو جملة من كتاب الله فأولى الأقوال بالصواب، هو القول الذي يوافق استعمال القرآن، ومعهوده في غير موضع النزاع، سواء كان ذلك في الألفاظ المفردة أو التراكيب (١).
اعتنى ابن عاشور بهذه القاعدة في تفسيره وبيَّن أنه يجب على المفسر أن يتعرف عادات القرآن من نظمه وكلمه وذلك في المقدمة العاشرة من تفسيره، وذكر أمثلة كثيرة على اعتداد السلف بها، ومن ذلك ما جاء عن ابن عباس ﵁: إن كل كأس في القرآن , فالمراد بها الخمر، وعنه أيضاً أن كل ما جاء من يا أيها الناس فالمقصود به مشركو أهل مكة (٢).
كما نلحظ اهتمامه بهذه القاعدة في مواضع كثيرة من تفسيره , ومن ذلك ما جاء عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٣) قال في كلمة (هؤلاء): " وقد اصطلح القرآن على إطلاق إشارة (هؤلاء) مرادا بها المشركون، وهذا معنى أُلهمنا إليه،
стр. 787
استقريناه فكان مطابقاً " (١).
أقوال العلماء في القاعدة:
قال ابن القيم: "للقرآن عرف خاص، ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها، ولا يجوز تفسيره بغير عرفه، والمعهود من معانيه، فلا يجوز تفسيره بغيره من المعاني التي لا تليق به .. إلى أن قال: فتَدَبَّر هذه القاعدة ولتكن منك على بال، فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها، وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى بكلامه " (٢).
ومما يدل على أهمية هذا الضابط في التفسير أن بعض العلماء جعله مرجعاً يرجع إليه لمعرفة الصحيح من الأقوال عند تعارضها كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يتكلم عن تفسير التابعين: " فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجةً على بعض، ولا على مَن بعدهم، ويُرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك " اهـ (٣).
ويقول الشنقيطي في ذلك: " ومن أنواع بيان القرآن بالقرآن، الاستدلال على أحد المعاني الداخلة في معنى الآية بكونه هو الغالب في القرآن، فغلبته فيه دليل على عدم خروجه من معنى الآية " (٤).
стр. 788
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
١ - مثال الرياح:
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١).
اختلف المفسرون في قراءة الرياح بين الجمع والإفراد (٢) وقد ساق ابن عاشور هذا الخلاف في تفسيره فقال: " وقرأ الجمهور: الرّياح بصيغة الجمع.
وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخَلف: الرّيحَ بصيغة المفرد باعتبار الجنس، فهو مساو لقراءة الجمع " (٣).
ورجّح بعض المفسرين قراءة الجمع وذلك بناءً على المعنى الغالب في القرآن للرياح بالجمع أنها في الخير , وقد جاءت هنا في الخير بدليل قوله بعدها: بشرا، وابن عاشور وإن كان يميل إلى هذا المعنى الأغلبي للرياح في القرآن حيث ساق قول ابن عطية في ذلك، إلا أنه هنا في هذا المثال لم يرجح قراءة على أخرى , وذلك لأن كلا القراءتين متواترتان، وابن عاشور لا يرجح قراءة متواترة على
стр. 789
أخرى , وإنما يأخذ بهما جميعاً.
وممن وافق قوله قول ابن عاشور في الأخذ بكلا القراءتين الرازي، والقرطبي، وأبو حيان، والألوسي (١).
حجة من أخذ بقراءة الجمع وترك قراءة الإفراد:
قال ابن عطيّة: " من قرأ بصيغة الجمع فقراءته أسعد , اتفق المفسرون على أن الرياح إذا جمعت يراد بها الخير والبشرى، وإذا أفردت تكون مقترنة بعذاب؛ لأنّ الرّياح حيثما وقعت في القرآن فهي مقترنة بالرّحمة، كقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ (٢) وأكثر ذكر الرّيح المفردة أن تكون مقترنة بالعذاب كقوله: ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣) ونحو ذلك" (٤).
قال الألوسي: " وخبر: اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً " مخرج على قراءة الأكثرين " (٥).
حجة من أخذ بقراءة الإفراد وترك قراءة الجمع:
стр. 790
قال ابن عاشور: "من قرأ بالإفراد فتقييدها بالنشر , يزيل الاشتراك" (١).
حيث قرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير نشرا، والنشور: الريح الطيبة (٢).
القول الراجح:
هو الأخذ بكلا القراءتين لأنهما متواترتان، وذلك لا يناكد المعنى الغالب على لفظة الريح والرياح في القرآن.
قال الرازي: " قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي (الريح) على لفظ الواحد , والباقون (الرياح) على لفظ الجمع، فمن قرأ (الرياح) بالجمع حسن وصفها بقوله: (بَشَرًا) فإنه وصف الجمع بالجمع، ومن قرأ (الريح) واحدة قرأ (بُشرًا) جمعاً؛ لأنه أراد بالريح الكثرة كقولهم كثير الدرهم والدينار والشاة والبعير , وكقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٣) ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤) فلما كان المراد بالريح الجمع , وصفها بالجمع" (٥).
ويقول القرطبي: " ومن جمع مع الرحمة ووحَّد مع العذاب؛ فإنه فعل ذلك اعتبارا بالأغلب في القرآن نحو: ﴿الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ (٦)، و ﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ (٧)
стр. 791
فجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب" (١).
وهذه القاعدة ليست مطردة في جميع القرآن، لأن الريح ترد أحيانا مفردة وهي في الرحمة, كما في قراءة ابن كثير في هذه الآية.
٢ - مثال "هؤلاء":
قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ (٢)
اختلف المفسرون تعالى في المراد بـ (هؤلاء) في هذه الآية فذهب معظم المفسرين إلى أن المراد بها في هذه الآية مشركو قريش، وقليل منهم يرى أن المراد بهم كفار الأمم المذكورة في الآيات قبلها.
قال ابن عاشور: "و (هؤلاء) إشارة إلى كفار قريش ... إلى أن قال: وقد تتبعتُ اصطلاح القرآن فوجدتُه إذا استعمل (هؤلاء) ولم يكن معه مشار إليه مذكور: أنه يريد به المشركين من أهل مكة كما نبَهتُ عليه فيما مضى غير مرة " (٣).
وإلى ذلك ذهب معظم المفسرين (٤).
стр. 792
وقليل منهم ذهب إلى أن المراد بهم جميع الأحزاب (١)؛ أي جميع كفار الأمم المذكورة مثل قوم نوح وعاد وفرعون.
حجة من قال: إن المراد بـ (هؤلاء) مشركو قريش:
حجتهم في ذلك: إن الغالب في اصطلاح القرآن أن (هؤلاء) المراد بها مشركو قريش كما بيّن ذلك ابن عاشور.
وكذلك من حججهم على ذلك: إن الآية في معرض الحديث عن عقابهم؛ لأن الآيات السابقة ذكرت ما حلّ بالأمم المذكورة , ثم جاءت هذه الآية لتبين أنه إذا كان هذا هو حالهم من شدة العناد والتصميم على الكفر فسيحل بهم ما حلّ بالأمم من قبلهم (٢).
قال الألوسي: " شروع في بيان عقاب كفار مكة إثر بيان عقاب إضرابهم فإن الكلام السابق مما يوجب ترقب السامع بيانه، والنظر بمعنى الانتظار، وعبر به مجازاً بجعل محقق الوقوع كأنه أمر منتظر لهم، والإشارة بهؤلاء للتحقير، والمراد بالصيحة الواحدة النفخة الثانية، أي ما ينتظر هؤلاء الكفرة الحقيرون الذين هم أمثال أولئك الطوائف المهلكة في الكفر والتكذيب شيئاً إلا النفخة الثانية التي تقوم بها الساعة قاله قتادة " (٣).
وقال ابن عاشور: " و (هؤلاء) إشارة إلى كفار قريش؛ لأن تجدد دعوتهم
стр. 793
ووعيدهم وتكذيبهم يوماً فيوماً جعلهم كالحاضرين، فكانت الإِشارة مفهوماً منها أنها إليهم " (١).
حجة من قال: إن المراد بـ (هؤلاء) جميع الأحزاب:
جوز الزمخشري أن يكون المراد بـ (هؤلاء) جميع الأحزاب لاستحضارهم بالذكر في الآية، أو لأنهم كالحضور عند الله (٢).
ولكن الذي يظهر لي أن هذا القول لا يستقيم؛ لأن الأمم قد وقع عليه العذاب وانتهى أمرها، ويدل عليه قوله تعالى في الآية التي سبقت: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ (٣) والآية بعدها هنا عبرت بالانتظار للعذاب ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ﴾ فترجح أن المراد بهؤلاء هم مشركو قريش، والله تعالى أعلم.
القول الراجح:
هو ما ذهب إليه ابن عاشور ومن سبقه من المفسرين، في أن المراد بـ (هؤلاء) المشركون من قريش كما هو الغالب في اصطلاح القرآن، وفي ذلك يقول: " تتبعتُ اصطلاح القرآن فوجدتُه إذا استعمل (هؤلاء) ولم يكن معه مشار إليه مذكور: أنه يريد به المشركين من أهل مكة " (٤).
стр. 794
وقول ابن عاشور هذا يدل على مدى استحضاره للقاعدة، وقد قرر هذه القاعدة في أكثر من موضع في تفسيره , ومن ذلك قوله: " و (هؤلاء) إشارة إلى غير مذكور في الكلام, وقد استقريْتُ أن مصطلح القرآن أن يريد بمثله مشركي العرب، ولم أر من اهتدى للتنبيه عليه، وقد قدّمتهُ عند قوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (١) في سورة النساء وفي مواضع أخرى " (٢).
ومما يرجح هذا القول القاعدة الترجيحية التالية: (القول الذي يدل عليه السياق أولى من غيره) وهي قاعدة نصّ عليها ابن عاشور في تفسيره ,وعمل بها كما تقدم، وسياق الآية وما قبلها من الآيات يدل على أن المراد بهم مشركو مكة، وقد بين هذا البقاعي في" نظم الدرر"، والألوسي في تفسيره , وقد تقدم قولهما عند الحديث عن حجة أصحاب هذا القول ... .
٣ - مثال " الناس ":
قال تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (٣)
اختلف المفسرون في المراد بالناس في هذه الآية على ثلاثة أقوال:
стр. 795
فقيل: المراد بالناس أهل مكة، وقيل: الأعراب المشركين، وقيل: اليهود، وقد ذكر هذه الأقوال ابن عاشور في تفسيره فقال: " فالمراد بـ (الناس): أهل مكة جرياً على مصطلح القرآن في إطلاق هذا اللفظ غالباً.
وقيل: المراد كف أيدي الأعراب المشركين من بني أسد وغطفان , وكانوا أحلافاً ليهود خيبر وجاءوا لنصرتهم لما حاصر المسلمون خيبر فألقى الله في قلوبهم الرعب فنكصوا.
وقيل: إن المشركين بعثوا أربعين رجلاً ليصيبوا من المسلمين في الحديبية , فأسرهم المسلمون، وهو ما سيجيء في قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ (١).
وقيل: كفّ أيدي اليهود عنكم، أي عن أهلكم وذراريكم إذ كانوا يستطيعون أن يهجموا على المدينة في مدة غيبة معظم أهلها في الحديبية (٢)، وهذا القول لا يناسبه إطلاق لفظ (الناس) في غالب مصطلح القرآن " (٣).
ومن هذا المثال نلحظ اهتمام ابن عاشور بقاعدة المبحث حيث رجّح أن المراد بالناس كفار مكة جرياً على مصطلح القرآن، وقد سبق ابن عاشور إلى هذا الاختيار عدد من المفسرين منهم الرازي، والقرطبي، وأبو حيان، والشوكاني (٤).
стр. 796
ورجّح الطبري، وابن عطية أن المراد بالناس في هذه الآية اليهود (١).
وجوّز ابن كثير والقاسمي كلا المعنيين , أي أهل مكة واليهود (٢).
واختار الألوسي أن المراد بالناس أهل خيبر وحلفائهم من بني أسد وغطفان (٣).
وإليك الآن حجة أصحاب كل قول:
حجة من قال: إن المراد بالناس كفار مكة:
حجتهم في ذلك: إن من معهود القرآن أنه إذا أطلق لفظ الناس فالمراد به كفار مكة.
قال ابن عاشور: " امتنان عليهم بنعمة غفلوا عنها حين حزنوا لوقوع صلح الحديبية , وهي نعمة السلم، أي كف أيدي المشركين عنهم فإنهم لو واجهوهم يوم الحديبية بالقتال دون المراجعة في سبب قدومهم لرجع المسلمون بعد القتال متعبين , ولَمَا تهيأ لهم فتح خيبر، وأنهم لو اقتتلوا مع أهل مكّة لدُحِض في ذلك مؤمنون ومؤمنات كانوا في مكة كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ (٤). فالمراد بـ (الناس): أهل مكة جرياً على مصطلح القرآن في إطلاق هذا اللفظ غالباً " (٥).
стр. 797
حجة من قال: إن المراد بالناس اليهود:
قالوا إن الله ذكر كف أيدي المشركين في الآية التي تليها فلا يحسن أن يكون المراد بالناس هنا المشركين أيضاً وإلا ليفضي هذا إلى التكرار.
قال الطبري: " والذي قاله قتادة (١) في ذلك عندي أشبه بتأويل الآية، وذلك أن كفّ الله أيدي المشركين من أهل مكة عن أهل الحُديبية , قد ذكره الله بعد هذه الآية في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ (٢) فعلم بذلك أن الكفّ الذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ (٣) غير الكفّ الذي ذكر الله بعد هذه الآية في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ (٤).
حجة من قال: إن المراد بالناس الأعراب المشركين من بني أسد وغطفان، وكانوا أحلافاً ليهود خيبر:
وهذا قول مقاتل (٥)، وعلل البغوي هذا القول بقوله: " وذلك أن النبي ﷺ لما قصد خيبر وحاصر أهلها همت قبائل من بني أسد وغطفان أن يغيروا على عيال
стр. 798
المسلمين وذراريهم بالمدينة، فكف الله أيديهم بإلقاء الرعب في قلوبهم " (١)،
وكذا قال الألوسي في قوله تعالى: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ أي: أيدي أهل خيبر وحلفائهم من بني أسد وغطفان حين جاؤوا لنصرتهم , فقذف الله تعالى في قلوبهم الرعب فنكصوا (٢).
القول الراجح:
هو ما ذهب إليه ابن عاشور من أن المراد بالناس في هذه الآية أهل مكة، وذلك جرياً على مصطلح القرآن.
قال سيد طنطاوي: " ويرى بعض المفسرين أن الإِشارة فى قوله: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ (٣) إلى صلح الحديبية وقد روي ذلك عن ابن عباس ﵁.
وعليه يكون المراد بالناس في قوله: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ مشركي قريش، أي: منعهم من حربكم، بأن قذف في قلوبهم الرعب منكم، وهذا الرأي الذي قاله ابن عباس ﵁ هو الأقرب إلى الصواب، لأنه يتسق مع سياق الآيات " (٤).
وأما قول من قال: إن المراد بهم اليهود فقد استبعده عدد من العلماء، منهم: الرازي والقاسمي وابن عاشور.
стр. 799
قال الرازي: " إن الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ (١) تبييناً لما تقدم من قوله: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾ (٢) أي هو بتقدير الله، لأنه كف أيديهم عنكم بالفرار، وأيديكم عنهم بالرجوع عنهم وتركهم، وقوله تعالى: (بِبَطْنِ مَكَّةَ) إشارة إلى أمر كان هناك يقتضي عدم الكف، ومع ذاك وجد كف الأيدي" (٣).
وقال القاسمي: " قد يقول قائل مؤيداً لاختيار ابن جرير , والتأسيس خير من التأكيد ولك أن تقول: لا مانع من التأكيد، لا سيما في مقام التذكير بالنعم، والتنويه بشأنها. وتكون الآية الثانية بمثابة التفسير للأولى، والتبيين لمطلقها " (٤).
وذكر ابن عاشور أن هذا القول لا يناسبه إطلاق لفظ الناس في غالب مصطلح القرآن (٥) كما يؤكد هذا القول ويقويه القاعدة الترجيحية التالية: (إذا صحّ سبب النزول الصريح فهو مرجح لما وافقه من أوجه التفسير) وقد أخرج أحمد ومسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ﵁: أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرّة النبي ﷺ فأخذهم أسراء , فاستحياهم , فأنزل الله الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي
стр. 800
كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ (١)(٢).
٤ - مثال الفاحشة:
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٣).
اختلف العلماء في المراد بالفاحشة في هذه الآية على عدة أقوال , فمنهم من يرى أن المقصود بالفاحشة الزنا، ومنهم من يرى أن المراد بها البذاء على الأهل والجيران، ومنهم من يرى أن المراد بها المعصية عموماً، وغير ذلك من الأقوال، وقد ذكر هذا الخلاف ابن عاشور في تفسيره فقال: " وقد اختلفوا في المراد من الفاحشة هنا وفي معنى الخروج لأجلها:
فعن ابن مسعود ﵁ وابن عباس ﵁ والشعبي والحسن وزيد بن أسلم والضحاك وعكرمة وحماد والليث بن سعْد وأبي يوسف: أن الفاحشة الزنا،
стр. 801
قالوا: ومفاد الاستثناء الإِذن في إخراجهن، أي ليقام عليهن الحد.
وفسرت الفاحشة بالبَذَاء على الجيران والأحماء أو على الزوج , بحيث أن بقاء أمثالهن في جوار أهل البيت يفضي إلى تكرر الخصام فيكون إخراجها من ارتكاب أخف الضررين، ونسب هذا إلى أبي بن كعب ﵁ لأنه قرأ «إلا أن يَفحُشن عليكم» (بفتح التحتية وضم الحاء المهملة أي الاعتداء بكلام فاحش) وروي عن ابن عباس ﵁ أيضاً واختاره الشافعي
وفسرت الفاحشة: بالمعصية من سرقة أو سب أو خروج من البيت , فإن العدة بَلْه الزنا ونسب إلى ابن عباس ﵁ أيضاً وابن عُمر ﵁ وقاله السدي وأبو حنيفة.
وعن قتادة: الفاحشة: النشوز، أي إذا طلقها لأجللِ النشوز فلا سكنى لها " (١).
ورجّح ابن عاشور بعد أن ذكر تلك الأقوال أن الفاحشة في هذه الآية تشمل جميع أنواع الفساد، فقال:
" والفاحشة: الفِعلة الشديدة السوء بهذا غلب إطلاقها في عرف اللغة , فتشمل الزنا كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ (٢)، وشَمل غيره من الأعمال ذات الفساد كما في قوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ (٣)(٤).
стр. 802
وهذا هو مصطلح القرآن في الفاحشة أن المراد بها الزنى وكل معصية.
وممن وافق قوله قول ابن عاشور في أن المراد بالفاحشة في هذه الآية كل معصية، الطبري حيث يقول: " والصواب من القول في ذلك عندي قول من قال: " عنى بالفاحشة في هذا الموضع: المعصية، وذلك أن الفاحشة هي كلّ أمر قبيح تعدّى فيه حدّه، فالزنى من ذلك، والسرق والبذاء على الأحماء، وخروجها متحوّلة عن منزلها الذي يلزمها أن تعتدّ فيه منه، فأي ذلك فعلت وهي في عدتها، فلزوجها إخراجها من بيتها ذلك، لإتيانها بالفاحشة التي ركبتها " (١) وتبعه ابن عطية في ترجيحه هذا وكذلك ذهب إلى هذا القول ابن كثير، والقاسمي (٢) وذكر ابن عطية عند تفسيره لهذه الآية قول بعض الناس ولم يسميه , وهو أن: (الفاحشة متى وردت معرفة فهي الزنا، ومتى جاءت منكرة فهي المعاصي) وكذلك نقله ابن عاشور عن ابن عطية، ولم يعلقا عليه (٣).
والذي يبدو لي أن ما ذكره ابن عطية ونقله عنه ابن عاشور في معنى الفاحشة معنى غير مطرد في القرآن , ولا يمكن أن يكون قاعدة أغلبية وسيأتي توضيح ذلك عند ذكر القول الراجح.
أما الرازي وأبو حيان فقد ساقا الأقوال في معنى الفاحشة ولم يرجحا (٤).
стр. 803
ومال القرطبي، وكذلك الشوكاني إلى أن معنى الفاحشة في هذه الآية البذاءة على الأحماء (١).
ورجح الألوسي أن المراد بالفاحشة هنا الخروج قبل انقضاء العدة (٢).
وإليك الآن حجة أصحاب كل قول:
حجة من فسّر الفاحشة في هذه الآية بالزنا:
استدلوا بما روي عن ابن عباس وابن عمر والشعبي والحسن ومجاهد أن المراد بالفاحشة في هذه الآية: هو الزنى؛ والإخراج هو إخراجها لإقامة الحد (٣).
وردّ ابن العربي هذا المعنى بقوله: "فأما من قال: إنه الخروج للزنا فلا وجه له؛ لأن ذلك الخروج هو خروج القتل والإعدام، وليس ذلك بمستثنى في حلال ولا حرام " (٤).
حجة من فسر االفاحشة بالبذاءة على الأهل والأحماء:
ذكر ابن عطية إن من حجة أصحاب هذا القول قراءة في مصحف أبي بن كعب: " إلا أن يفحشن عليكم " (٥) وهذا قول لابن عباس أيضاً (٦).
стр. 804
قال ابن العربي: "وأما من قال: إنه البذاء فهو معتبر في حديث فاطمة بنت قيس (١).
وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال في فاطمة: تلك امرأة استطالت على أحمائها بلسانها؛ فأمرها ﵊ أن تنتقل " (٢).
قال القرطبي: " ويقوي هذا أن محمد بن إبراهيم بن الحارث روى أن عائشة قالت لفاطمة بنت قيس: اتقي الله فإنك تعلمين لم أُخرجت " (٣).
حجة من فسّر الفاحشة في هذه الآية بجميع أنواع المعصية:
استدلوا بقول ابن عباس ﵁ (٤). أيضا: " الفاحشة كل معصية كالزنى والسرقة والبذاء على الأهل، وهو اختيار معظم المفسرين منهم الطبري وابن عطية وابن كثير والقاسمي، وهو الذي اختاره ابن عاشور، وقد تقدم ذكر ذلك.
قال القاسمي: عموم اللفظ الكريم يدل على ذلك (٥).
وقال السعدي موضحاً معنى الآية: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أي: بأمر قبيح واضح، موجب لإخراجها، بحيث يدخل على أهل البيت الضرر
стр. 805
من عدم إخراجها، كالأذى بالأقوال والأفعال الفاحشة، ففي هذه الحال يجوز لهم إخراجها، لأنها هي التي تسببت لإخراج نفسها، والإسكان فيه جبر لخاطرها، ورفق بها، فهي التي أدخلت الضرر على نفسها، وهذا في المعتدة الرجعية، وأما البائن، فليس لها سكنى واجبة، لأن السكن تبع للنفقة، والنفقة تجب للرجعية دون البائن " (١).
وقال ابن عاشور عند تفسيره لقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (٢): " والفاحشة الفَعلة المتجاوزة الحدّ في الفساد، ولذلك جمعت في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (٣) واشتقاقها من فَحُش بمعنى قال قولاً ذميماً، كما في قول عائشة: «لم يكن رسول الله ﷺ فاحشاً ولا متفحّشاً»، أو فعلَ فعلاً ذميماً، ومنه: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ (٤) ... .
ولا شك أنّ التَّعريف هنا تعريف الجنس، أي فعلوا الفواحش، وظلمُ النفس هو الذنوب الكبائر، وعطفها هنا على الفواحش كعطف الفواحش عليها في قوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ فقيل:
стр. 806
الفاحشة المعصية الكبيرة، وظلم النَّفس الكبيرة مطلقاً، وقيل: الفاحشة هي الكبيرة المتعدية إلى الغير، وظلم النَّفس الكبيرة القاصرة على النَّفس، وقيل: الفاحشة الزنا، وهذا تفسير على معنى المثال" (١).
أما ابن العربي فقد اعترض على هذا القول بقوله: " وأما من قال: إنه كل معصية , فوهم؛ لأن الغيبة ونحوها من المعاصي لا تبيح الإخراج ولا الخروج " (٢).
حجة من فسر الزنا بخروجها من بيتها في العدة:
وهو قول السدي (٣) , قال ابن العربي: " وأما من قال: أنه الخروج بغير حق فهو صحيح، وتقدير الكلام: لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن شرعاً إلا أن يخرجن تعدياً.
وتحقيق القول في الآية أن الله تعالى أوجب السكنى، وحرّم الخروج والإخراج تحريماً عاماً " (٤).
واستبعد الشوكاني أن يكون القول بأن خروجهن على هذا الوجه يسمى فاحشة (٥).
القول الراجح
هو ما ذهب إليه ابن عاشور وأكثر المفسرين مستندين في ذلك على القاعدة
стр. 807
الترجيحية وهو أن الغالب في مصطلح القرآن أن الفاحشة يراد بها الفعلة الشديدة السوء فتشمل الزنى، وكل أعمال الفساد.
أما قول القائل: أن (الفاحشة متى وردت معرفة فهي الزنا، ومتى جاءت منكرة فهي المعاصي) (١)، فهذا قول لا يستقيم , ويعارضه ما جاء في القرآن من آيات جاءت فيها الفاحشة معرفة , ولم تدل على الزنى بدلالة السياق، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (٢).
وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (٣).
وكذلك العكس جاءت آيات نُكِّرت فيها الفاحشة وهي تدل على الزنى بدلالة سياق الآيات، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٤)
ومنه قول النبي ﷺ لعائشة حين ردت على اليهود الذين دخلوا على النبي ﷺ فقالوا: السام عليك يا محمد- يعنون بالسام: الموت- فقال لهم النبي ﷺ : "وعليكم". فقالت عائشة رضي عنها: "عليكم السام واللعنة وغضب الله عليكم". فقال لها النبي ﷺ : "لا تقولي ذلك يا عائشة، فإن الله لا يحب
стр. 808
الفحش ولا التفاحش " (١).
فأراد النبي ﷺ بالفحش التعدي.
ومما يعضد هذه القاعدة وهذا الترجيح قاعدة (إذا احتمل اللفظ معان عدة ولم يمتنع إرادة الجميع حمل عليها) (٢)، وهي من القواعد الترجيحية التي اعتمدها ابن عاشور في تفسيره وبذلك يتبين لنا صحة ما ذهب إليه ابن عاشور من كون المراد بالفاحشة: كل معصية أي جميع ما ذكر من الأقوال , وذلك حسب مصطلح القرآن يدخل في ذلك الزنا وغيره مما فبح فعله، إلا ما خصصته الآيات، ودل عليه السياق في اقتصار المعنى على أمر معين.
٥ - مثال السفرة:
قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (٣).
اختلف بعض المفسرين في المراد بالسفرة في هذه الآية، فمنهم من ذهب إلى أن المراد بهم الكتبة، ومنهم من قال هم أصحاب النبي ﷺ ، ومنهم من قال هم القراء، في حين ذهب معظم المفسرين إلى أن المراد بهم الملائكة (٤).
стр. 809
وفي ذلك يقول ابن عاشور: "سَفَرة يجوز أن يكون جمع سَافر، مثل كاتب وكتبة، ويجوز أن يكون اسم جمع سَفير، وهو المرسَل في أمر مهم، فهو فَعيل بمعنى فاعل، وقياس جمعه سفراء وتكون (في) للظرفية المجازية، أي المماثلة في المعاني ".
ثم ذكر ابن عاشور عدة وجوه في معنى سفرة فقال: إما أن يكون السفرة محمله الملائكة لأنهم سفراءُ بين الله ورسله , والمراد بأيْديهم: حِفْظهم إياه إلى تبليغه، فمثّل حال الملائكة بحال السفراء الذين يحملون بأيديهم الألوك والعُهود.
وإما أن يراد: الرسلُ الذين كانت بأيديهم كتُبهم مثل موسى وعيسى ﵉.
وإما أن يراد كتَّاب الوحي مثل عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعمر وعثمان وعلي وعامر بن فهيرة.
وفي وصفهم بالسفرة ثناء عليهم؛ لأنهم يبلغون القرآن للناس وهم حفاظه ووعاته قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (١) فهذا معنى السفرة (٢).
ثم رجَّح ابن عاشور أن السفرة المراد بهم الملائكة مستدلاً على ذلك بأدلة ستأتي.
وممن سبق ابن عاشور في ترجيح هذا القول من المفسرين الطبري وابن
стр. 810
عطية، والرازي، والقرطبي، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، وكذلك الشنقيطي من بعده (١).
وساق أبوحيان جميع الأقوال في معنى السفرة، ولم يعلق عليها، وكذلك القاسمي ساق بعضها ولم يرجح (٢).
وهنا يجدر بي أن أذكر حجة كل قول من الأقوال في معنى السفرة؛ لنصل بعد ذلك إلى القول الراجح منها:
حجة من قال: بأن المقصود بالسفرة هم الكتبة:
حجتهم في ذلك: إن المعنى اللغوي يدل عليه.
قال الزجاج: إنما قيل للكتَاب سِفْر وللكاتب سافر من تبيين الشيء وإيضاحه، كما يقال أسفر الصبح إذا وضح ضياؤه وظهر، وسفرت المرأة إذا كشفت نقابها (٣) وهو قول لابن عباس (٤).
والكتبة يدخل فيهم: كتبة الوحي وكتبة الملائكة.
قال الشوكاني: " السفرة جمع سافر ككتبة وكاتب، والمعنى: أنها بأيدي كتبة