الفاحشة المعصية الكبيرة، وظلم النَّفس الكبيرة مطلقاً، وقيل: الفاحشة هي الكبيرة المتعدية إلى الغير، وظلم النَّفس الكبيرة القاصرة على النَّفس، وقيل: الفاحشة الزنا، وهذا تفسير على معنى المثال" (١).
أما ابن العربي فقد اعترض على هذا القول بقوله: " وأما من قال: إنه كل معصية , فوهم؛ لأن الغيبة ونحوها من المعاصي لا تبيح الإخراج ولا الخروج " (٢).
حجة من فسر الزنا بخروجها من بيتها في العدة:
وهو قول السدي (٣) , قال ابن العربي: " وأما من قال: أنه الخروج بغير حق فهو صحيح، وتقدير الكلام: لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن شرعاً إلا أن يخرجن تعدياً.
وتحقيق القول في الآية أن الله تعالى أوجب السكنى، وحرّم الخروج والإخراج تحريماً عاماً " (٤).
واستبعد الشوكاني أن يكون القول بأن خروجهن على هذا الوجه يسمى فاحشة (٥).
القول الراجح
هو ما ذهب إليه ابن عاشور وأكثر المفسرين مستندين في ذلك على القاعدة
стр. 807
الترجيحية وهو أن الغالب في مصطلح القرآن أن الفاحشة يراد بها الفعلة الشديدة السوء فتشمل الزنى، وكل أعمال الفساد.
أما قول القائل: أن (الفاحشة متى وردت معرفة فهي الزنا، ومتى جاءت منكرة فهي المعاصي) (١)، فهذا قول لا يستقيم , ويعارضه ما جاء في القرآن من آيات جاءت فيها الفاحشة معرفة , ولم تدل على الزنى بدلالة السياق، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ (٢).
وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (٣).
وكذلك العكس جاءت آيات نُكِّرت فيها الفاحشة وهي تدل على الزنى بدلالة سياق الآيات، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٤)
ومنه قول النبي ﷺ لعائشة حين ردت على اليهود الذين دخلوا على النبي ﷺ فقالوا: السام عليك يا محمد- يعنون بالسام: الموت- فقال لهم النبي ﷺ : "وعليكم". فقالت عائشة رضي عنها: "عليكم السام واللعنة وغضب الله عليكم". فقال لها النبي ﷺ : "لا تقولي ذلك يا عائشة، فإن الله لا يحب
стр. 808
الفحش ولا التفاحش " (١).
فأراد النبي ﷺ بالفحش التعدي.
ومما يعضد هذه القاعدة وهذا الترجيح قاعدة (إذا احتمل اللفظ معان عدة ولم يمتنع إرادة الجميع حمل عليها) (٢)، وهي من القواعد الترجيحية التي اعتمدها ابن عاشور في تفسيره وبذلك يتبين لنا صحة ما ذهب إليه ابن عاشور من كون المراد بالفاحشة: كل معصية أي جميع ما ذكر من الأقوال , وذلك حسب مصطلح القرآن يدخل في ذلك الزنا وغيره مما فبح فعله، إلا ما خصصته الآيات، ودل عليه السياق في اقتصار المعنى على أمر معين.
٥ - مثال السفرة:
قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ (٣).
اختلف بعض المفسرين في المراد بالسفرة في هذه الآية، فمنهم من ذهب إلى أن المراد بهم الكتبة، ومنهم من قال هم أصحاب النبي ﷺ ، ومنهم من قال هم القراء، في حين ذهب معظم المفسرين إلى أن المراد بهم الملائكة (٤).
стр. 809
وفي ذلك يقول ابن عاشور: "سَفَرة يجوز أن يكون جمع سَافر، مثل كاتب وكتبة، ويجوز أن يكون اسم جمع سَفير، وهو المرسَل في أمر مهم، فهو فَعيل بمعنى فاعل، وقياس جمعه سفراء وتكون (في) للظرفية المجازية، أي المماثلة في المعاني ".
ثم ذكر ابن عاشور عدة وجوه في معنى سفرة فقال: إما أن يكون السفرة محمله الملائكة لأنهم سفراءُ بين الله ورسله , والمراد بأيْديهم: حِفْظهم إياه إلى تبليغه، فمثّل حال الملائكة بحال السفراء الذين يحملون بأيديهم الألوك والعُهود.
وإما أن يراد: الرسلُ الذين كانت بأيديهم كتُبهم مثل موسى وعيسى ﵉.
وإما أن يراد كتَّاب الوحي مثل عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعمر وعثمان وعلي وعامر بن فهيرة.
وفي وصفهم بالسفرة ثناء عليهم؛ لأنهم يبلغون القرآن للناس وهم حفاظه ووعاته قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ (١) فهذا معنى السفرة (٢).
ثم رجَّح ابن عاشور أن السفرة المراد بهم الملائكة مستدلاً على ذلك بأدلة ستأتي.
وممن سبق ابن عاشور في ترجيح هذا القول من المفسرين الطبري وابن
стр. 810
عطية، والرازي، والقرطبي، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، وكذلك الشنقيطي من بعده (١).
وساق أبوحيان جميع الأقوال في معنى السفرة، ولم يعلق عليها، وكذلك القاسمي ساق بعضها ولم يرجح (٢).
وهنا يجدر بي أن أذكر حجة كل قول من الأقوال في معنى السفرة؛ لنصل بعد ذلك إلى القول الراجح منها:
حجة من قال: بأن المقصود بالسفرة هم الكتبة:
حجتهم في ذلك: إن المعنى اللغوي يدل عليه.
قال الزجاج: إنما قيل للكتَاب سِفْر وللكاتب سافر من تبيين الشيء وإيضاحه، كما يقال أسفر الصبح إذا وضح ضياؤه وظهر، وسفرت المرأة إذا كشفت نقابها (٣) وهو قول لابن عباس (٤).
والكتبة يدخل فيهم: كتبة الوحي وكتبة الملائكة.
قال الشوكاني: " السفرة جمع سافر ككتبة وكاتب، والمعنى: أنها بأيدي كتبة
стр. 811
من الملائكة ينسخون الكتب من اللوح المحفوظ" (١).
قال الطبري: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: هم الملائكة الذين يَسْفِرون بين الله ورسله بالوحي ... - إلى أن قال: "وإذا وُجِّه التأويل إلى ما قلنا، احتمل الوجه الذي قاله القائلون: هم الكَتَبة، والذي قاله القائلون: هم القرّاء لأن الملائكة هي التي تقرأ الكتب، وتَسْفِر بين الله وبين رسله " (٢).
كما استدل أصحاب هذا القول ومنهم ابن كثير وابن عاشور (٣) بالحديث الصحيح في ذلك " الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة -والذي يقرؤه - وهو عليه شاق - له أجران " (٤).
حجة من قال: بأن المقصود بالسفرة هم القراء:
وهو قول قتادة (٥)، وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس ﵁: (سفرة) قال: بالنبطية القراء (٦).
وردَّ هذا القول الألوسي , وذكر أنه قولاً لا يعول عليه (٧).
стр. 812
حجة من قال: إن المقصود بالسفرة هم الأنبياء:
قالوا: هم الأنبياء ﵈؛ لأنهم سفراء بين الله تعالى والأمة أو لأنهم يكتبون الوحي (١).
حجة من قال: بأن المقصود بالسفرة هم أصحاب النبي ﷺ :
حجتهم في ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم سفراء بين رسول الله ﷺ وخلقه. أخرج عبد بن حميد عن وهب بن منبه: إنهم أصحاب محمد ﷺ " (٢).
قال ابن عطية في سبب تسميتهم بالسفرة: " لأنهم سفراء ووسائط بينه ﵊ وبين سائر الأمة، وقيل: لأن بعضهم يسفر إلى بعض في الخير والتعليم والتعلم " (٣).
القول الراجح:
هو ما ذهب إليه ابن عاشور ومن سبقه من المفسرين من أن المراد بالسفرة: الملائكة وذلك بناء على قاعدة الأغلب في القرآن، حيث يقول: " والغالب في اصطلاح القرآن أن البررة هم الملائكة" (٤)، والبررة إنما جاءت صفة لما قبلها وهم السفرة.
قال الفراء: "السفرة هنا الملائكة الذين يسفرون بالوحي بين الله ورسوله، من
стр. 813
السفارة وهو: السعي بين القوم " (١).
ومما يعضد هذا القول قاعدة: (إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له) وهذه القاعدة قد استدل بها ابن عاشور ابتداءً أيضا في ترجيحه لهذا القول , حيث يقول: " ورد وصف البررة صفة للملائكة في الحديث الصحيح " الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة " (٢) وقد تقدم.
والذي ظهر لي بعد النظر في تلك الأقوال في معنى السفرة: أنه لا خلاف حقيقي بين بعض المفسرين في معنى السفرة , وليس هناك تناقض في أقوال ابن عباس ﵁ في معنى السفرة؛ فقول ابن عباس ﵁: إن المقصود بالسفرة الكتبة, يعني الكتبة من الملائكة وكذلك تفسيره السفرة بالقراء , فإنه ينزل على الملائكة فهم قراء لما يأتون به.
وقال أبو السعود: " بأيدي سفرة أي كتبة من الملائكة ينتسخون الكتب من اللوح على أنه جمع سافر من السفر وهو الكتب، وقيل بأيدي رسل من الملائكة يسفرون بالوحي بينه تعالى وبين الأنبياء على أنه جمع سفيرا من السفارة، وحملُهم على الأنبياءِ ﵈ بعيدٌ فإن وظيفتَهم التلقِّي من الوَحْي لا الكتبُ منه وإرشادُ الأمةِ بالأمرِ والنَّهي وتعليمُ الشرائعِ والأحكامِ لا مجردُ السفارةِ إليهم " (٣).
وأبعد منه من قال: هم أصحاب النبي ﷺ , وقد ردّ ابن العربي هذا القول
стр. 814
فقال: " لقد كان أصحاب رسول الله ﷺ سفرة، كراما بررة، ولكن ليسوا بمرادين بهذه الآية، ولا قاربوا المرادين بها، بل هي لفظة مخصوصة بالملائكة عند الاطلاق، ولا يشاركهم فيها سواهم، ولا يدخل معهم في متناولها غيرهم" (١).
المبحث الثاني
زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى
صورة القاعدة:
إن أي زيادة تطرأ على اللفظ في كتاب الله تعالى، فإنما تدل على معنى زائد على ما يدل عليه اللفظ دونها , وسواء في ذلك ما إذا أكانت هذه الزيادة حرفاً، أم كانت زيادة في وزن الكلمة، أو تضعيفها (١).
شرح مفردات القاعدة:
الزيادة لغة:
قال ابن فارس: "الزاء والياء والدال أصل يدل على الفضل. يقولون: زاد الشيء يزيد فهو زائد " (٢)، والزيادة ما زاد على الشيء، وزاد يزيد وزيادة نما وكثر (٣).
اصطلاحاً:
تطلق الزيادة عند أهل العربية على الحرف غير الأصلي , وقد يطلق الزائد
стр. 817
على مالا فائدة له , كما يطلق على الكلمة التي وجودها وعدمها لا يخل بالمعنى الأصلي , وإن كان لها فائدة أخرى (١).
وقد اعتنى ابن عاشور بهذه القاعدة في تفسيره فقال فيها: " وهي قاعدة أغلبية لا تتخلف إلا في زيادات معروفة موضوعة لزيادة معنى جديد دون زيادة في أصل معنى المادة , مثل زيادة ياء التصغير فقد أفادت معنى زائدا على أصل المادة وليس زيادة في معنى المادة. وأما نحو حذر الذي هو من أمثلة المبالغة , وهو أقل حروفا من حاذر , فهو من مستثنيات القاعدة لأنها أغلبية " (٢).
أقوال العلماء في القاعدة:
قال الزركشي في معرض حديثه عن الزيادة في بنية الكلمة: " إن اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان ثم نقل إلى وزن آخر أعلى منه , فلا بد أن يتضمن من المعنى أكثر مما تضمنه أولا؛ لأن الألفاظ أدلة على المعاني فإذا زيدت في الألفاظ وجب زيادة المعاني ضرورة ومنه قوله تعالى ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (٣) فهو أبلغ من قادر لدلالته على أنه قادر متمكن القدرة لا يرد شئ عن اقتضاء قدرته ويسمى هذا قوة اللفظ لقوة المعنى" (٤).
ويقول ابن الأثير في "المثل السائر": " إن الألفاظ أدلة المعاني، وأمثلة للإبانة
стр. 818
عنها، فإذا زيد في الألفاظ أوجبت القسمة زيادة المعاني، وهذا لا نزاع فيه لبيانه، وهذا النوع لا يستعمل إلا في مقام المبالغة " (١).
كما ذكر الألوسي في معرض تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ (٢) أن الاستحسار أبلغ من الحسور؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى (٣).
وقال السمين الحلبي في تفسير قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤): "فلانٌ مالكُ كذا" لمَنْ يملكه، بخلاف "ملك" فإنه يُضاف إلى غيرِ الملوك نحو: "مَلِك العرب والعجم"، ولأنَّ الزيادةَ في البناءِ تدلُّ على الزيادةِ في المعنى كما تقدَّم في "الرحمن"، ولأنَّ ثوابَ تالِيها أكثرُ من ثواب تالي "مَلِك" (٥).
وقال البقاعي: " ومن البين أنَّ أيَّ تغييرٍ يطرأُ على أيِّ وحدةٍ (حرف أو حركة) في بناء الكلمة إنما يؤثرِّ في دلالة الكلمة، وقدرتها الدِّلاليِّة تأثيرًا بيِّنًا عند قومٍ، وخفيًّا عند آخرين، إى أنَّه تأثيرٌ قأئمٌ يختلفُ ظهورًا وخفاءً اختلافًا نسبيًّا لأمورٍ ترجع إلى ملكات المتلقين.
وكذلك الأمر في بناء الجملة: أيُّ تغيير يطرأُ على أيِّ وحدةٍ منها (الكلمة)
стр. 819
إنما يؤثِّرُ في دلالة الجملة، وقدرتها الدلالية، تأثيرًا جليا أو خفيا، وفق قدرات المتلقين " (١).
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
مثال " الرحمن الرحيم ":
قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٢).
اختلفت عبارات أهل العلم في معنى الاسمين الكريمين (الرحمن الرحيم) ولكنها لم تخرج عن كون الاسمين اشتقا من الرحمة على وجه المبالغة.
ولكن اختلفت أقوالهم في أي الاسمين أبلغ؛ فمن قائل بالترادف، ومن قائل بالتباين والاختلاف.
وقد فصّل ابن عاشور في معانيها فقال: " وبعد كون كل من صفتي الرحمن الرحيم دالة على المبالغة في اتصافه تعالى بالرحمة , فقد قال الجمهور: إن الرحمن أبلغ من الرحيم بناء على أن زيادة المبنى تؤذن بزيادة المعنى وإلى ذلك مال جمهور المحققين ....... إلى أن قال: " وينسب إلى قطرب: أن الرحمن والرحيم يدلان على معنى واحد من الصفة المشبهة فهما متساويان وجعل الجمع بينهما في الآية من قبيل التوكيد اللفظي " (٣).
ورجّح ابن عاشور أن الرحمن أبلغ من الرحيم بناءً على القاعدة , وقد سبقه
стр. 820
إلى ذلك معظم المفسرين. (١) بل يكاد يتفق العلماء على أن الرحمن أبلغ من الرحيم، وفي كلام ابن جرير ما يفهم حكاية الاتفاق على هذا (٢).
حجة من قال: إن الرحمن أبلغ الرحيم:
حجتهم في ذلك أن الرحمن فيها من المبالغة ما ليس في الرحيم.
قال الزمخشري موضحاً هذا المعنى: "و (الرحمن) فعلان من رحم، كغضبان وسكران، من غضب وسكر، وكذلك (الرحيم) فعيل منه، كمريض وسقيم، من مرض وسقم، وفي (الرحمن) من المبالغة ما ليس في (الرحيم)، ولذلك قالوا: رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا، ويقولون: إنّ الزيادة في البناء لزيادة المعنى " (٣).
وقال ابن عطية: "والرحمن صفة مبالغة من الرحمة، ومعناها أنه انتهى إلى غاية الرحمة كما يدل على الانتهاء سكران وغضبان، وهي صفة تختص بالله ولا تطلق على البشر، وهي أبلغ من فعيل، وفعيل أبلغ من فاعل، لأن راحماً يقال لمن رحم ولو مرة واحدة، ورحيماً يقال لمن كثر منه ذلك، والرحمن النهاية في
стр. 821
الرحمة " (١).
وكذلك أكَّد الشنقيطي هذا المعنى بقوله: "والرحمن أشد مبالغة من الرحيم، لأن الرحمن هو ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة، والرحيم ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة. وعلى هذا أكثر العلماء، ويدل له الأثر المروي عن عيسى كما ذكره ابن كثير وغيره أنه قال عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: (الرحمن) رحمن الدنيا والآخرة، و (الرحيم) رحيم الآخرة. وقد أشار الله تعالى إلى هذا حيث قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ (٢) وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٣) ومن أظهر الأدلة في ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (٤) إلى قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (٥) وقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (٦) " (٧).
وهذا القول هو الذي رجّحه ابن عاشور, وذكر أنه قول جمهور المحققين ,
стр. 822
وذلك بناءً على قاعدة المبحث أن زيادة المبنى تؤذن بزيادة المعنى (١).
ولكنهم اختلفوا في مراد كل منهما تحديداً:
حجة من قال: إن الرحمن والرحيم يدلان على معنى واحد:
استدل أصحاب هذا القول بظاهر الحديث: " رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما" (٢).
وإليه ذهب الجويني (٣).
وقال قطرب: يجوز أن يكون جمع بينهما للتوكيد (٤).
قال أبو إسحاق: وهذا قول حسن، وفي التوكيد أعظم الفائدة، وهو كثير في كلام العرب، ويستغني عن الاستشهاد، والفائدة في ذلك ماقاله محمد بن يزيد: إنه تفضل بعد تفضل، وإنعام بعد إنعام، وتقوية لمطامع الراغبين، ووعد لا يخيب آمله (٥).
стр. 823
القول الراجح
نصل إلى أن الزيادة في المبنى دليل على الزيادة في المعنى , وأن الرحمن أشد مبالغة من الرحيم، وهذا هو ما ذهب إليه ابن عاشور بناءً على قاعدة المبحث.
قال أبو على الفارسي: " الرحمن " اسم عام في جميع أنواع الرحمة، يختص به الله.
" والرحيم " إنما هو في جهة المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (١).
وقال العزرمي (٢): " الرحمن " بجميع خلقه في الأمطار ونعم الحواس والنعم العامة، و " الرحيم " بالمؤمنين في الهداية لهم، واللطف بهم، قال ابن عطية وهذه كلها أقوال تتعاضد (٣).
وأما قول من قال: إن الرحمن والرحيم بمعنى واحد , فقد ردّه ابن عاشور بقوله: " وهو وجه ضعيف إذ التوكيد خلاف الأصل، والتأسيس خير من التأكيد والمقام هنا بعيد عن مقتضى التوكيد. وقد ذُكِرت وجوه في الجمع بين الصفتين ليست بمقنعة " (٤).
стр. 824
٢ - مثال "افتدى":
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (١).
اختلف المفسرون في قوله " فدى" , فمنهم من يرى: أن فدى بمعنى افتدى دون النظر إلى الغرض من زيادة التاء، في حين يرى البعض: أن زيادة التاء تدل على زيادة المعنى بمعنى تكلفت في فداء نفسها. وهذا ما ذهب إليه ابن عاشور حيث يقول: " و (افتدى) مرادف فدى. وفيه زيادة تاء الافتعال لتدل على زيادة المعنى، أي لتكلفت فداءها " (٢)
ولم يتطرق أحد من المفسرين الذين اعتمدتهم في هذا البحث إلى مثل هذه الزيادة في الحرف في كلمة افتدى وأثرها في المعنى سوى ابن عاشور (٣).
حجة من يرى أن افتدى فيها زيادة معنى على (فدى):
ومن حجتهم في ذلك: أن الزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى (٤).
стр. 825
حجة من يرى أن فدى وافتدى بمعنى واحد ولا مزية لإحداهما على الأخرى:
قال أبو حيان: " لما ذكر العذاب وأقسم على حقيقته، وأنهم لا يفلتون منه، ذكر بعض أحوال الظالمين في الآخرة. وظلمت صفة لنفس. والظلم هنا الشرك والكفر، وافتدى يأتي مطاوعاً لفدى، فلا يتعدى تقول: فديته فافتدى، وبمعنى فدى فيتعدى، وهنا يحتمل الوجهين " (١).
وقال الألوسي: " ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ أي: بالكفر أو بالتعدي على الغير أو غير ذلك من أصناف الظلم كذا قيل، وربما يقتصر على الأول لأنه الفرد الكامل مع أن الكلام في حق الكفار و (لَوْ) قيل بمعنى أن وقيل على ظاهرها واستبعد ولا أراه بعيداً ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي ما في الدنيا من خزائنها وأموالها ومنافعها قاطبة ﴿لَافْتَدَتْ بِهِ﴾ أي لجعلته فدية لها من العذاب من افتداه بمعنى فداه فالمفعول محذوف أي لافتدت نفسها به. وجوز أن يكون افتدى لازماً على أنه مطاوع فدى المتعدي يقال فداه فافتدى، وتعقب بأنه غير مناسب للسياق إذ المتبادر منه أن غيره فداه لأن معناه قبلت الفدية والقابل غير الفاعل، ونظر فيه بأنه قد يتحد القابل والفاعل إذا فدى نفسه نعم المتبادر الأول " (٢).
وقال القاسمي: " ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ أي بالشرك بالله، أو
стр. 826
التعدي على الغير، أو مطلقاً ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي من الأموال " لافتدت به" أي لجعلته فدية لها من العذاب " (١).
ومما تقدم , وقد اطلعنا على أقوال معظم المفسرين في هذه الآية لم نجد منهم من نبه على تلك اللطيفة التي ذكرها ابن عاشور من زيادة المبنى وأثرها على المعنى في كلمة افتدت، وبذلك نصل إلى اهتمام ابن عاشور بهذه القاعدة وأثرها على التفسير.
٣ - مثال "استطاعوا":
قال تعالى: ... ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ (٢)
اختلف المفسرون في تفسير قوله تعالى: ... اسْطَاعُوا واسْتَطَاعُوا ... ، والفرق بينهما، فمنهم من يرى أن الزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى وعليه يكون قوله (وَمَا اسْتَطَاعُوا) فيه زيادة في المعنى على (اسْطَاعُوا)، ومنهم من لا يرى فرقاً بينهما
وقد ذهب ابن عاشور إلى أن الزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى، وقوله (استطاعوا) يدل على زيادة في المعنى، وهذا قوله: " ومن خصائص مخالفة مقتضى الظاهر هنا إيثار فعل ذي زيادة في المبنى بموقع فيه زيادة المعنى لأن استطاعة نقب السد أقوى من استطاعة تسلقه، فهذا من مواضع دلالة
стр. 827
زيادة المبنى على زيادة في المعنى " (١).
وممن وافق ابن عاشور في كون الزيادة في الحرف تدل على زيادة المعنى ابن كثير، والألوسي (٢).
في حين ذهب بعض المفسرين (٣) إلى أن معناهما واحد وأن هذه الزيادة في قوله " وَمَا اسْتَطَاعُوا " بناءً على القراءات الواردة فيها.
حجة من قال: إن هناك فرقا بينهما، وأن الزيادة في المبنى زيادة في المعنى:
حجتهم في ذلك اللغة، لأنه من القواعد العربية المعروفة عند جمهور أهل اللغة أن الزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى؛ ولهذا السبب ذهب أصحاب هذا القول إليه.
ويرى ابن عاشور أن قوله: ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا﴾ فيها زيادة في المعنى يقتضيه الزيادة في مبناها , واهتم بقاعدة المبحث كثيراً.
وفي ذلك يقول ابن كثير: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ وهو الصعود إلى أعلاه، ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾، وهو أشق من ذلك، فقابل كلا بما يناسبه لفظًا ومعنى (٤).
стр. 828
قال البقاعي: " وزيادة التاء هنا تدل على أن العلو عليه أصعب من نقبه لارتفاعه وصلابته والتحام بعضه ببعض حتى صار سبيكة واحدة من حديد ونحاس في علو الجبل " (١).
وقال الألوسي: " ولا يخفى لطف الإتيان في استطاعوا هنا " (٢).
وقال الدكتور فاضل السامرائي: " الفرق بين " استطاعوا " وَ " اسطاعوا " أن "اسطاعوا" هذه من الحذف للتقليل من الفعل وهو الصعود على ظهره، وأما "استطاعوا" تحتاج إلى جهد لنقب السدّ، وبالتأكيد أن إحداث نقب في السد المصنوع من الحديد والنحاس أشدّ من الصعود على ظهره ويستغرق وقتاً أطول فحذف من الفعل الذي مدته أقل وذكر في الحدث الممتد " (٣).
حجة من قال: إنه لا فرق بين اسطاعوا وَاستطاعوا:
حجتهم في ذلك اللغة، لأن العرب يقولون اسطاع ويستطيع يريدون بها معنى واحد، كما احتجوا على قولهم هذا بالقراءات الواردة فيها.
قال أبو جعفر الطبري: " واختلف أهل العربية في وجه حذف التاء من قوله: (فَمَا اسْطَاعُوا) فقال بعض نحويي البصرة: فعل ذلك لأن لغة العرب أن تقول: اسطاع يسطيع، يريدون بها: استطاع يستطيع، ولكن حذفوا التاء إذا جُمعت مع الطاء ومخرجهما واحد. قال: وقال بعضهم: استاع، فحذف الطاء
стр. 829
لذلك. وقال بعضهم: أسطاع يسطيع، فجعلها من القطع كأنها أطاع يطيع، فجعل السين عوضًا من إسكان الواو. وقال بعض نحوييّ الكوفة: هذا حرف استعمل فكثر حتى حذف" (١).
وقال ابن عطية: " وقوله (اسطاعوا) بتخفيف الطاء، على قراءة الجمهور, قيل: هي لغة بمعنى استطاعوا وقيل بل استطاعوا بعينه، كثر في كلام العرب حتى حذف بعضهم منه التاء، فقالوا: (اسطاعوا)، وحذف بعضهم منه الطاء فقال: » استاع «يستيع بمعنى استطاع يستطيع، وهي لغة مشهورة وقرأ حمزة وحده) فما اسطّاعوا (بتشديد الطاء وهي قراءة ضعيفة الوجه (٢)، قال أبو علي: هي غير جائزة (٣)، وقرأ الأعمش: ) فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا (بالتاء في الموضعين " (٤).
وذكر ابن الجوزي أن قوله تعالى: (فما اسطاعوا) أصله: فما «استطاعوا» فلما كانت التاء والطاء من مخرج واحد أحبُّوا التخفيف فحذفوا (٥).
وقال الرازي: " فما اسطاعوا حذف التاء للخفة لأن التاء قريبة المخرج من
стр. 830
الطاء، وقرئ فما اصطاعوا بقلب السين صاداً (١).
القول الراجح
هو ما ذهب إليه ابن عاشور من أن هناك فرقا بينهما، وذلك بناء على القاعدة الترجيحية أن (الزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى).
وفي تفسير هذه الآية يقول الشيخ محمد بن عثيمين: ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ لم تأتِ التاء في الفعل الأول (اسطاعوا) وأتت فيه ثانياً، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، أيهما أشق أن يصعدوا الجبل أو أن يَنقبوا هذا الحديد؟
الجواب: الثاني أصعب ولهذا قال: ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ لأنه حديد ممسوك بالنحاس، فصاروا لا يستطيعون ظهوره لعلوه وملاسته، فيما يظهر، ولم يستطيعوا له نقباً لصلابته وقوته، إذاً صار سداً منيعاً وكفى الله شر هؤلاء المفسدين وهم يأجوج ومأجوج.
وقد يقول قائل لماذا لم تحذف التاء في قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ وحذفت في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ والجواب: لأن المقام في الآية الأولى مقام شرح وإيضاح وتبيين فلم يحذف من الفعل, أما في الآية الثانية فهي في مقام مفارقة ولم يتكلم بعدها الخضر بكلمة وفارق موسى فاقتضى
стр. 831
الحذف من الفعل" (١).
٤ - مثال "كبكبوا":
قال تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ (٢).
اختلفت أقوال المفسرين حول قوله: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ فمنهم من يرى أن الزيادة في الفعل تدل على معنى زائد، ومنهم من يرى أن كب وكبكب بمعنى واحد.
ويرى ابن عاشور أن التضعيف فيها لأجل الزيادة في المعنى، وفي ذلك يقول: " ومعنى (كُبكِبوا) كُبُّوا فيها كَباً بعد كَبَ فإنَّ (كبكبوا) مضاعف كُبُّوا بالتكرير , وتكرير اللفظ مفيد تكرير المعنى مثل: كفكَف الدمعَ، ونظيره في الأسماء: جيش لَمْلَم، أي كثير، مبالغة في اللَّم، وذلك لأن له فعلاً مرادفاً له مشتملاً على حروفه ولا تضعيف فيه فكان التضعيف في مرادفه لأجل الدلالة على الزيادة في معنى الفعل" (٣).
وممن ذهب إلى هذا المعنى من المفسرين الذين سبقوا ابن عاشور الرازي، والألوسي
وساق القاسمي قول الزمخشري في ذلك (٤).
стр. 832
ولم يتطرق الطبري ولا من جاء بعده إلى الزيادة في المعنى (١).
وذكر ابن عطية أن كبّ وكبكب بمعنى واحد (٢).
حجة من قال: إن تكرير اللفظ في " فَكُبْكِبُوا " يعني الزيادة في المعنى:
حجتهم في ذلك: إن الزيادة في المبنى زيادة في المعنى , وهو من أساليب اللغة العربية.
قال الزمخشري: "الكَبْكَبَةُ تكريرُ الكَبِّ جَعَلَ التكريرَ في اللفظِ دليلاً على التكريرِ في المعنى , كأنه إذا ألقي في جهنم ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها" (٣).
قال الرازي: " والكبكبة تكرير الكب، كأنه إذا ألقي في جهنم ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها" (٤).
وقال ابن جزي: " وإنما كرر دلالةً على شدة العقاب وأنهم لا يكبون مرة واحدة بل دفعات " (٥).
جاء في هذا النصّ اختيار لفظ (كُبْكِبُوا) ملائماً تماماً للمعنى المراد منه، وذلك لأنّ فعل: "كَبّ" يَدُلُّ على المرّة الواحدة، والمعنيّون لا يُجْمَعُونَ ويُكَبُّونَ
стр. 833
كبَّةٌ واحدة. أمّا فعل: (كَبْكَبَ) فهو يَدُلُّ على معنى الكبّ المتكرّر المتتابع، وهو أمْرٌ تدلُّ عليه الصيغة الّتي فيها تكرير للحروف كدلالة "الوسوسة" على التكرير، ودلالة "السلسلة" على تتابع الحلقات، ودلالة "الصلصلة" على تكرار الصوت، كصَوت الجرس (١).
حجة من قال: إن (كبكبوا) وَ (كبوا) بمعنى واحد:
قال ابن عطية: "إن "كبكب" مضاعف من كبّ , وأن معناهما واحد" (٢).
وقال ابن منظور: " وقيل: قوله فكُبْكِبُوا فيها أَي جُمِعُوا , مأْخوذ من الكَبْكَب" (٣).
القول الراجح
هو ما ذهب إليه ابن عاشور من أن المعنى كبوا فيها مرة بعد أخرى , وذلك بناءً على القاعدة الترجيحية: (الزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى).
قال الزجاج: " كُبْكِبُوا طُرحَ بعضُهم على بعض , قال أَهلُ اللغة: معناه دُهْوِرُوا وحقيقةُ ذلك في اللغة تكرير الانْكِبابِ , كأَنه إِذا أُلْقِيَ يَنْكَبُّ مَرَّةً بعد مرَّة حتى يَسْتَقِرَّ فيها نَسْتَجيرُ بالله منها " (٤).
стр. 834
٥ - مثال الكوثر:
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (١).
اختلف المفسرون في معنى الكوثر على عدة أقوال، فمنهم من فسره بالخير الكثير، ومنهم من فسره بنهر في الجنة، ومنهم من فسره بالنبوة، ومنهم من فسره بالقرآن، ومنهم من فسره بالحوض .. وقد جمع ابن عاشور تلك الأقوال في تفسيره فقال:
" وقد فسر السلف الكوثر في هذه الآية بتفاسير أعمها أنه الخير الكثير، وروي عن ابن عباس، قال سعيد بن جبير: فقلت لابن عباس ﵁: إن ناساً يقولون هو نهر في الجنة، فقال: هو من الخير الكثير. وعن عكرمة: الكوثر هنا: النبوة والكتاب، وعن الحسن: هو القرآن، وعن المغيرة: أنه الإِسلام، وعن أبي بكر بن عَيَّاش: هو كثرة الأمة، وحكى الماوردي: أنه رفعة الذكر، وأنه نور القلب، وأنه الشفاعة، وكلام النبي ﷺ المروي في حديث أنس لا يقتضي حصر معاني اللفظ فيما ذكره.
وأريد من هذا الخبر بشارة النبي ﷺ وإزالةُ ما عسى أن يكون في خاطره من قول من قال فيه: هو أبتر، فقوبل معنى الأبتر بمعنى الكوثر، إبطالاً لقولهم " (٢).
ورجّح ابن عاشور كون الكوثر بمعنى الخير الكثير , وذلك بناء على القاعدة أن (الزيادة في المبنى دليل على الزيادة في المعنى) وفي ذلك يقول: " و (الكوثر):
стр. 835
اسم في اللغة للخير الكثير صيغ على زِنة فوْعل، وهي من صيغ الأسماء الجامدة غالباً نحو الكوكب، والجورب، والحوشب والدوسر، ولا تدل في الجوامد على غير مسماها، ولما وقع هنا فيها مادة الكَثْر كانت صيغته مفيدة شدة ما اشتقت منه بناء على أن زيادة المبنى تؤذن بزيادة المعنى، ولذلك فسره الزمخشري بالمفرط في الكثرة، وهو أحسن ما فُسر به وأضبطُه، ونظيره: جَوْهر، بمعنى الشجاع كأنه يجاهر عدوّه، والصومعة لاشتقاقها من وصف أصمع وهو دقيق الأعضاء لأن الصومعة دقيقة لأن طولها أفرط من غلظها " (١).
وممن وافق قوله قول ابن عاشور من المفسرين قبله ابن عطية , وقريب منهم أبو حيان والألوسي، والقاسمي، والشنقيطي، ويرى أبو حيان أنه لا ينبغي حصر الكوثر في واحد من تلك الأقوال - وهي التي ذكر بعضها ابن عاشور- وإنما تحمل تلك الأقوال على إنها من باب التمثيل (٢).
وذهب آخرون إلى أن الكوثر نهر في الجنة وهو الذي رجحه الطبري، والقرطبي، والشوكاني (٣).
وساق ابن كثير الأقوال في الكوثر ولم يرجح (٤).
стр. 836
حجة من قال: إن الكوثر نهر في الجنة:
استدلوا بالأخبار الواردة عن رسول الله ﷺ في ذلك منها:
ماروي عن أبي عبيدة عن عائشة ﵂ قال: سألتها عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قالت: نهر أعطيه نبيكم ﷺ ، شاطئاه عليه در مجوف، آنيته كعدد النجوم " (١).
وأخرج مسلم عن أنس ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا فقرأ: : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم , قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم فيختلج العبد منهم فأقول: رب إنه من أمتي فيقول: ما تدري ما أحدثت بعدك " (٢).
وعن ابن عباس ﵄ قال: الكوثر: الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه.
قال: أبو بشر: قلت لسعيد: إن أناساً يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه " (٣).
стр. 837
حجة من قال: إن الكوثر الخير الكثير:
استدلوا بقول ابن عباس ﵁ أنه قال في الكوثر: الخير الكثير، وقد تقدم.
قال ابن عطية: " كوثر: بناء مبالغة من الكثرة، ولا مجال أن الذي أعطى الله محمداً ﷺ من النبوة والحكمة العلم بربه والفوز برضوانه والشرف على عباده هو أكثر الأشياء وأعظمها كأنه يقول في هذه الآية: (إنا أعطيناك) الحظ الأعظم " (١).
وقال الشنقيطي: والذي تطمئن إليه النفس أن الكوثر: هو الخير الكثير، وأن الحوض أو النهر من جملة ذلك. وقد أتت آيات تدل على إعطاء الله لرسوله الخير الكثير، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٢).
وفي القريب سورة الضحى وفيها: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (٣)، أعقبها بنعم جليلة من شرح الصدور، ووضع الوزر، ورفع الذكر، واليسر بعد العسر.
وبعدها في سورة التين جعل بلده الأمين، وأعطى المؤمنين الذين يعملون الصالحات أجراً غير ممنون - وغيرها من الآيات التي تدل على ذلك " (٤).
стр. 838
حجة من قال: إن الكوثر حوض أعطيه رسول الله ﷺ يكثر الناس عليه يوم القيامة:
استدلوا بما رواه مسلم في صحيحه بسنده من حديث أنس ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما , فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله قال: أنزلت علي آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم فيختلج العبد منهم فأقول: رب إنه من أمتي فيقول: ما تدري ما أحدثت بعدك " (١).
قال القاضي عياض: " أحاديث الحوض صحيحة , والإيمان به فرض , والتصديق به من الإيمان , وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة لا يتأول ولا يختلف فيه, قال القاضي وحديثه متواتر النقل رواه خلائق من الصحابة " (٢).
ولكن هنا يرد تساؤل هل الحوض هو الكوثر؟
جاء في الحديث عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا
стр. 839
رسول الله! ما آنية الحوض؟ قال: والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها، ألا في الليلة المظلمة المصحية آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ. آخر ما عليه يشخب فيه ميزابان من الجنة، من شرب منه لم يظمأ، عرضه مثل طوله بين عُمان إلى آيلة، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل " (١).
وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينه أو طيبه مسك أذفر (٢).
والذي يظهر لي بعد النظر في الأدلة أن الكوثر غير الحوض، فالحوض المورود حوض في الأرض للنبي ﷺ يوم القيامة، والكوثر نهر في الجنة يصب منه ميزابان في الأرض في هذا الحوض الذي وعد الله نبيه ﷺ ويرد عليه المؤمنون من أمته، وهو حوض عظيم طوله شهر وعرضه شهر، يرد عليه أهل الإيمان ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، وآنيته عدد نجوم السماء، وماءه من الجنة ينزل من نهر الكوثر.
يقول القرطبي في التذكرة: " ذهب صاحب قوت القلوب وغيره إلى أن الحوض يكون بعد الصراط، وذهب آخرون إلى العكس والصحيح أن للنبي ﷺ حوضين أحدهما في الموقف قبل الصراط والآخر داخل الجنة وكل منهما
стр. 840
يسمى كوثرا " (١).
القول الراجح
فيما يظهر لي والله أعلم أن القول الراجح في معنى الكوثر أنه نهر في الجنة، وذلك لثبوته بالنص عن النبي ﷺ أنه نهر في الجنة، وما ذهب إليه ابن عاشور من أن الكوثر يدل على الكثرة والخير الكثير , بناء على أن الزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى ترجيح تعارضه قاعدة أقوى منه وهي أنه (إذا ثبت الحديث وكان نصاً في تفسير الآية فلا يصار إلى غيره) , وقد تتابعت الأخبار في أن الكوثر نهر في الجنة، وعليه فيتأكد الأمر وتبقى الدلالة على الكوثر بأنه يعني الكثرة من حيث كثرة الواردة والشاربة من أمة محمد ﷺ ويسمى أيضا بالكوثر لما فيه من الخير الكثير والماء الكثير.
قال الشوكاني بعد أن ساق الأحاديث الواردة في الكوثر: " فهذه الأحاديث تدلّ على أن الكوثر هو النهر الذي في الجنة، فيتعين المصير إليها، وعدم التعويل على غيرها، وإن كان معنى الكوثر: هو الخير الكثير في لغة العرب، فمن فسره بما هو أعمّ مما ثبت عن النبيّ ﷺ ، فهو تفسير ناظر إلى المعنى اللغويّ. أخرج أحمد، والترمذي وصححه، وابن ماجه، وابن جرير عن عطاء بن السائب قال: سعيد بن جبير في الكوثر: حدّثنا عن ابن عباس أنه قال: هو الخير الكثير، فقال: صدق إنه للخير الكثير، ولكن حدّثنا ابن عمر قال: نزلت: (إِنَّا أعطيناك الكوثر) فقال رسول الله ﷺ : " الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب يجري على الدرّ،
стр. 841
والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل " (١).
وأخرج البخاري من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير، فإن ناساً يزعمون أنه نهر في الجنة، قال: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه (٢). وهذا التفسير من حبر الأمة ابن عباس ﵁ ناظر إلى المعنى اللغويّ كما عرّفناك، ولكن رسول الله ﷺ قد فسّره فيما صح عنه أنه النهر الذي في الجنة " (٣).
المبحث الثالث
إذا احتمل اللفظ معان عدة ولم يمتنع إرادة الجميع حمل عليها (١).
صورة القاعدة:
إذا كانت الآية تحتمل معاني كلها صحيحة , فإنه يتعين حملها على الجميع (٢).
وقد بدت هذه القاعدة واضحة في تفسير ابن عاشور حيث ركّز الضوء عليها بأن جعل المقدمة التاسعة من تفسيره بعنوان: (المعاني التي تتحملها جمل القرآن، تعتبر مرادة بها)، وفيها يقول: " جاء القرآن على أسلوب أبدع مما كانوا يعهدون وأعجب، وهو لكونه كتاب تشريع وتأديب وتعليم كان حقيقاً بأن يودع فيه من المعاني والمقاصد أكثر ما تحتمله الألفاظ، في أقل ما يمكن من المقدار.
ويقول: " وإنك لتمر بالآية الواحدة فتتأملها وتتدبرها فتنهال عليك معان كثيرة يسمح بها التركيب على اختلاف الاعتبارات في أساليب الاستعمال العربي. وقد تتكاثر عليك فلا تك من كثرتها في حصر ولا تجعل الحمل على بعضها منافياً للحمل على البعض الآخر ... إلى أن يقول في آخر تلك المقدمة: " وقد كان المفسرون غافلين (٣) عن تأصيل هذا الأصل فلذلك كان
стр. 844
الذي يرجح معنى من المعاني التي يحتملها لفظ آية من القرآن، يجعل غير ذلك المعنى ملغى، ونحن لا نتابعهم على ذلك بل نرى المعاني المتعددة التي يحتملها اللفظ بدون خروج عن مهيع الكلام العربي معاني في تفسير الآية " (١).
أقوال العلماء في القاعدة:
اعتنى شيخ الإسلام بهذه القاعدة، وخلاصة ما قاله أن مثل هذا الاختلاف من اختلاف السلف في معاني الآيات، ليس اختلافاً حقيقياً متضاداً يكذب بعضه بعضاً، إلا أن الآيات تشمل جميعه، فينبغي حملها على شمول ذلك كله، وهذا هو الجاري على أصول الأئمة الأربعة (٢).
كما اعتمد الشنقيطي هذه القاعدة، وجعلها أصلاً يسير عليه في كتابه، فقال: " وربما كان في الآية الكريمة أقوال كلها حق، وكل واحد منها يشهد له قرآن، فإنا نذكرها ونذكر القرآن الدال عليها من غير تعرض لترجيح بعضها، لأن كل واحد منها صحيح " (٣).
وقال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين في "الشرح الممتع" في باب عقد الذمة في معرض تفسيره لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٤):
стр. 845
" المعنى أن يعطوا الجزية عن قوة، ويدا بيد؛ لأن لدينا قاعدة في التفسير وهي متى احتملت الآية معنيين لا يتنافيان وجب حملها عليهما جميعا؛ لأن ذلك أعم، وكلما عمت دلالة الآية كان أولى" (١).
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
١ - مثال التهلكة:
قال تعالى ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢).
اختلف المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ على عدة أقوال , حصرها الماوردي في ستة أقوال (٣).
وذكرها ابن عاشور في تفسيره فقال: " وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ عطف غرض على غرض، عُقِّب الأمر بالإنفاق في سبيل الله بالنهي عن الأعمال التي لها عواقب ضارة إبلاغاً للنصيحة والإرشاد , لئلا يدفع بهم يقينهم بتأييد الله إياهم إلى التفريط في وسائل الحذر من غلبَة العدو، فالنهي عن الإلقاء بالنفوس إلى التهلكة يجمع معنى الأمر بالإنفاق وغيره