← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 20876

قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عند ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير

عبير بنت عبد الله النعيم

Полный текст (980 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل " (١). وأخرج البخاري من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير، فإن ناساً يزعمون أنه نهر في الجنة، قال: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه (٢). وهذا التفسير من حبر الأمة ابن عباس ﵁ ناظر إلى المعنى اللغويّ كما عرّفناك، ولكن رسول الله ﷺ قد فسّره فيما صح عنه أنه النهر الذي في الجنة " (٣).

стр. 842

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 843

المبحث الثالث إذا احتمل اللفظ معان عدة ولم يمتنع إرادة الجميع حمل عليها (١). صورة القاعدة: إذا كانت الآية تحتمل معاني كلها صحيحة , فإنه يتعين حملها على الجميع (٢). وقد بدت هذه القاعدة واضحة في تفسير ابن عاشور حيث ركّز الضوء عليها بأن جعل المقدمة التاسعة من تفسيره بعنوان: (المعاني التي تتحملها جمل القرآن، تعتبر مرادة بها)، وفيها يقول: " جاء القرآن على أسلوب أبدع مما كانوا يعهدون وأعجب، وهو لكونه كتاب تشريع وتأديب وتعليم كان حقيقاً بأن يودع فيه من المعاني والمقاصد أكثر ما تحتمله الألفاظ، في أقل ما يمكن من المقدار. ويقول: " وإنك لتمر بالآية الواحدة فتتأملها وتتدبرها فتنهال عليك معان كثيرة يسمح بها التركيب على اختلاف الاعتبارات في أساليب الاستعمال العربي. وقد تتكاثر عليك فلا تك من كثرتها في حصر ولا تجعل الحمل على بعضها منافياً للحمل على البعض الآخر ... إلى أن يقول في آخر تلك المقدمة: " وقد كان المفسرون غافلين (٣) عن تأصيل هذا الأصل فلذلك كان

стр. 844

الذي يرجح معنى من المعاني التي يحتملها لفظ آية من القرآن، يجعل غير ذلك المعنى ملغى، ونحن لا نتابعهم على ذلك بل نرى المعاني المتعددة التي يحتملها اللفظ بدون خروج عن مهيع الكلام العربي معاني في تفسير الآية " (١). أقوال العلماء في القاعدة: اعتنى شيخ الإسلام بهذه القاعدة، وخلاصة ما قاله أن مثل هذا الاختلاف من اختلاف السلف في معاني الآيات، ليس اختلافاً حقيقياً متضاداً يكذب بعضه بعضاً، إلا أن الآيات تشمل جميعه، فينبغي حملها على شمول ذلك كله، وهذا هو الجاري على أصول الأئمة الأربعة (٢). كما اعتمد الشنقيطي هذه القاعدة، وجعلها أصلاً يسير عليه في كتابه، فقال: " وربما كان في الآية الكريمة أقوال كلها حق، وكل واحد منها يشهد له قرآن، فإنا نذكرها ونذكر القرآن الدال عليها من غير تعرض لترجيح بعضها، لأن كل واحد منها صحيح " (٣). وقال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين في "الشرح الممتع" في باب عقد الذمة في معرض تفسيره لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٤):

стр. 845

" المعنى أن يعطوا الجزية عن قوة، ويدا بيد؛ لأن لدينا قاعدة في التفسير وهي متى احتملت الآية معنيين لا يتنافيان وجب حملها عليهما جميعا؛ لأن ذلك أعم، وكلما عمت دلالة الآية كان أولى" (١). الأمثلة التطبيقية على القاعدة: ١ - مثال التهلكة: قال تعالى ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢). اختلف المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ على عدة أقوال , حصرها الماوردي في ستة أقوال (٣). وذكرها ابن عاشور في تفسيره فقال: " وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ عطف غرض على غرض، عُقِّب الأمر بالإنفاق في سبيل الله بالنهي عن الأعمال التي لها عواقب ضارة إبلاغاً للنصيحة والإرشاد , لئلا يدفع بهم يقينهم بتأييد الله إياهم إلى التفريط في وسائل الحذر من غلبَة العدو، فالنهي عن الإلقاء بالنفوس إلى التهلكة يجمع معنى الأمر بالإنفاق وغيره

стр. 846

من تصاريف الحرب وحفظ النفوس، ولذلك فالجملة فيها معنى التذييل وإنما عطفت ولم تفصل باعتبار أنها غرض آخر من أغراض الإرشاد. ومعنى النهي عن الإلقاء باليد إلى التهلكة النهي عن التسبب في إتلاف النفس أو القوم عن تحقق الهلاك بدون أن يجتنَى منه المقصودُ. وعُطِف على الأمر بالإنفاق للإشارة إلى علة مشروعية الإنفاق وإلى سبب الأمر به فإنَّ ترك الإنفاق في سبيل الله والخروجَ بدون عُدة إلقاءٌ باليد للهلاك كما قيل: ... كساعٍ إلى الهَيْجَا بغير سِلاَح. ثم ذكر ابن عاشور خلاصة الأقوال فيها فقال: وقد قيل في تفسير ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أقوال: الأول: إنَّ (أنفقوا) أمرٌ بالنفقة على العيال، والتهلكة: الإسراف فيها أو البخل الشديد رواه البخاري عن حذيفة. الثاني: إنها النفقة على الفقراء؛ أي الصدقة، والتهلكة الإمساك. الثالث: الإنفاق في الجهاد، والإلقاء إلى التهلكة الخروج بغير زاد. الرابع: الإلقاء باليد إلى التهلكة: الاستسلام في الحرب أي لا تستسلموا للأسر. الخامس: إنه الاشتغال عن الجهاد وعن الإنفاق فيه بإصلاح أموالهم (١). وقد رجح ابن عاشور كل تلك الأقوال ماعدا القول الأول والثاني. فقال: والآية

стр. 847

تتحمل جميع المعاني المقبولة يعني بقية الأقوال الثالث والرابع والخامس (١). وممن ذهب إلى ما ذهب إليه ابن عاشور في كون المعاني معظمها مرادة: الطبري، وابن عطية والرازي، والقرطبي , وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي (٢) , ورجح الشنقيطي أن المراد من قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أن الإلقاء إلى التهلكة هو: ترك الجهاد , والإقبال على الدنيا وعمارتها (٣). حجة من قال: إن المراد لا تتركوا النفقة على العيال فتهلكوا: استدل أصحاب هذا القول بما جاء في صحيح البخاري عن حذيفة ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: نزلت في النفقة " (٤). وقد استبعد ابن عاشور هذا القول فقال: " وهذا القول يبعده قوله " في سبيل

стр. 848

الله" وإن إطلاق التهلكة على السرف بعيد وعلى البخل أبعد. وذكر ابن عاشور قولاً آخر يشبه القول السابق وهو: أن المقصود بالتهلكة الإمساك من النفقة على الفقراء , وكذلك استبعده ابن عاشور لعدم مناسبة العطف وإطلاق التهلكة على الإمساك (١). حجة من قال: إن المراد بالتهلكة الخروج بغير زاد: دليلهم أن ذلك قد كان فعله قوم فأداهم ذلك إلى الانقطاع في الطريق، أو يكون عالة على الناس (٢).وهو من قول زيد بن أسلم (٣)، والمعنى لا تسافروا في الجهاد بغير زاد. حجة من قال: إن المراد بالتهلكة الاستسلام في الحرب: استدلوا بقول البراء بن عازب ﵁: أي لا تقتحموا في الحرب بحيث لا ترجون النفع، ولا يكون لكم فيه إلا قتل أنفسكم فإن ذلك لا يحل، وإنما يجب أن يقتحم إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل، فأما إذا كان آيساً من النكاية وكان الأغلب أنه مقتول فليس له أن يقدم عليه (٤)، ونقل عن أبي هريرة ﵁ أنه قال في هذه الآية: هو الرجل يستقل بين الصفين (٥). وقد ردّ قوم هذا القول.

стр. 849

قال الرازي: " ومن الناس من طعن في هذا التأويل وقال: هذا القتل غير محرم واحتج عليه بوجوه: الأول: روي أن رجلاً من المهاجرين حمل على صف العدو , فصاح به الناس, فألقى بيده إلى التهلكة , فقال أبو أيوب الأنصاري ﵁: نحن أعلم بهذه الآية وإنما نزلت فينا: صحبنا رسول الله ﷺ ونصرناه وشهدنا معه المشاهد فلما قوي الإسلام وكثر أهله رجعنا إلى أهالينا وأموالنا وتصالحنا، فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد " (١) والثاني: روى الشافعي أن رسول الله ﷺ ذكر الجنة، فقال له رجل من الأنصار: أرأيت يا رسول الله إن قُتِلتُ صابراً محتسباً؟ قال ﷺ : «لك الجنة» فانغمس في جماعة العدو فقتلوه بين يدي رسول الله ﷺ ، وأن رجلاً من الأنصار ألقى درعاً كانت عليه حين ذكر النبي ﷺ الجنة ثم انغمس في العدو فقتلوه (٢). والثالث: روي أن رجلاً من الأنصار تخلف عن بني معاوية فرأى الطير عكوفاً على من قتل من أصحابه، فقال لبعض من معه: سأتقدم إلى العدو فيقتلونني , ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابي، ففعل ذلك فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال فيه قولا حسناً (٣) (٤)

стр. 850

حجة من قال: إن المراد بالتهلكة الاشتغال عن الجهاد وعن الإنفاق فيه بإصلاح أموالهم: استدلوا بما رواه الترمذي عن أسلم أبي عمران قال: كنا بمدينة الروم (القسطنطينية) فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم فحمل رجل من المسلمين على صف للروم حتى دخل فيهم, فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس إنكم تتأوّلون هذه الآية هذا التأويل وإنما أنزلت فينا معاشر الأنصار لما أعزّ الله الإسلام وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله: إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله على نبيه يرد علينا ما قلنا ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو" (١). وهناك قول آخر في معنى التهلكة لم يذكره ابن عاشور وهو أن المراد بالآية: أي لا تيأسوا من المغفرة عند ارتكاب المعاصي فلا تتوبوا: استدلوا بقول عبيدة السلماني يقول: هو الرجل يذنب الذنب فيستسلم ويلقي بيده إلى التهلكة، ويقول لا توبة له يعني قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ

стр. 851

إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١). القول الراجح هو ما ذهب إليه ابن عاشور مستنداً في ذلك إلى القاعدة الترجيحية وهي: (إذا احتمل اللفظ معان عدة ولم يمتنع إرادة الجميع حمل عليها). وفي ذلك يقول الطبري: " فإذ كانت هذه المعاني كلها يحتملها قوله: "ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة" ولم يكن الله خصَّ منها شيئًا دون شيء، فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله نهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة - وهي العذاب - بترك ما لزمنا من فرائضه، فغيرُ جائز لأحد منا الدخول في شيء يكرهه الله منا، مما نستوجب بدخولنا فيه عَذابَه. غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن الأغلب من تأويل الآية: وأنفقوا أيها المؤمنون في سبيل الله، ولا تتركوا النفقة فيها، فتهلكوا باستحقاقكم (٢) وفي ذلك يقول الجصاص: " وليس يمتنع أن يكون جميع هذه المعاني مرادة بالآية لاحتمال اللفظ لها وجواز اجتماعها من غير تضاد ولا تناف " (٣). كما ذكر القرطبي أن اللفظ يتناول جميع سبله (٤) وكذلك يرى الألوسي أن ظاهر اللفظ العموم (٥).

стр. 852

وقال السعدي: " والإلقاء باليد إلى التهلكة يرجع إلى أمرين: ترك ما أمر به العبد، إذا كان تركه موجبا أو مقاربا لهلاك البدن أو الروح، وفعل ما هو سبب موصل إلى تلف النفس أو الروح، فيدخل تحت ذلك أمور كثيرة، فمن ذلك، ترك الجهاد في سبيل الله، أو النفقة فيه، الموجب لتسلط الأعداء، ومن ذلك تغرير الإنسان بنفسه في مقاتلة أو سفر مخوف، أو محل مسبعة أو حيات، أو يصعد شجرا أو بنيانا خطرا، أو يدخل تحت شيء فيه خطر ونحو ذلك، فهذا ونحوه، ممن ألقى بيده إلى التهلكة. ومن الإلقاء باليد إلى التهلكة: الإقامة على معاصي الله، واليأس من التوبة، ومنها: ترك ما أمر الله به من الفرائض، التي في تركها هلاك للروح والدين " (١). وأختم بقول ابن عاشور: " والآية تتحمل جميع المعاني المقبولة، ووقوع فعل (تلقوا) في سياق النهي يقتضي عموم كل إلقاء باليد للتهلكة أي كل تسبب في الهلاك عن عمد فيكون منهياً عنه محرماً ما لم يوجد مقتض لإزالة ذلك التحريم وهو ما يكون حفظه مقدماً على حفظ النفس مع تحقق حصول حفظه بسبب الإلقاء بالنفس إلى الهلاك أو حفظ بعضه بسبب ذلك " (٢). ٢ - مثال الأنعام: قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ

стр. 853

اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١). اختلف المفسرون في تفسير الفرش في هذه الآية، وقد ذكر هذا الخلاف ابن عاشور في تفسيره فقال: " الفرش ما لا يُطيق الحَمل من الإبل أي فهو يركب كما يُفرش الفَرش، وهذا قول الراغب. وقيل: الفَرش الصّغار من الإبل أو من الأنعام كلّها، لأنَّها قريبة من الأرض فهي كالفرش، وقيل: الفرش ما يذبح لأنّه يفرش على الأرض حين الذبح أو بعده، أي فهو الضان والمعز والبقر لأنَّها تذبح. وفي «اللّسان» عن أبي إسحاق: أجمع أهل اللّغة على أنّ الفرش هو صغار الإبل " وزاد في «الكشاف»: «أو الفَرْش: ما يُنْسَج من وبره وصوفه وشَعْره الفرْش» يريد أنه كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (٢) ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ (٣)، ولأنَّهم كانوا يفترشون جلود الغنم والمعز للجلوس عليها " (٤). ورجّح ابن عاشور جميع تلك المعاني في معنى الفرش لكونها جميعاً محتملة فقال: " ولفظ (فرشا) صالح لهذه المعاني كلّها، ومحامله كلّها مناسبة للمقام،

стр. 854

فينبغي أن تكون مقصودة من الآية، وكأنّ لفظ الفرش لا يوازنه غيره في جمع هذه المعاني، وهذا من إعجاز القرآن من جانب فصاحته، فالحمولة الإبل خاصّة، والفَرش يكون من الإبل والبقر والغنم على اختلاف معاني اسم الفرش الصّالحة لكلّ نوع مع ضميمته إلى كلمة (من) الصالحة للابتداء. فالمعنى: وأنشأ من الأنعام ما تحملون عليه وتركبونه، وهو الإبل الكبيرة والإبل الصّغيرة، وما تأكلونه وهو البقر والغنم، وما هو فرش لكم وهو ما يُجزّ منها، وجلودها " (١). وقد وافق قول ابن عاشور قول القرطبي حيث وصف هذا اللفظ بأنه لفظ مشترك، كما حسّن قول من قال أن الفرش ما خلقه الله من الجلود والصوف مما يجلس عليه ويتمهد (٢) ورجّح ابن جرير أن الفرش كل ما قرب جسمه من الأرض، وقريب منه قول ابن عطية، والرازي، والقرطبي (٣). وساق أبو حيان، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي معظم الأقوال الواردة في الفرش ولم يرجّحوا أحدها (٤).

стр. 855

وحسّن ابن كثير قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في أن الفرش ما تأكلون وتحلبون، شاة لا تحمل تأكلون لحمها، وتتخذون من صوفها لحافاً وفراشاً (١)، وهو قريب من ترجيح الطبري. وإليك الآن حجة أصحاب كل قول، وإن كان بين الأقوال تداخل: حجة من قال: إن الفرش كل ما قرب من الأرض جسمه: حجتهم في ذلك: أن الفرش صفة لما قرب جسمها من الأرض كا لأغنام. قال الطبري: " والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: أن "الفرش"، إنما هو صفة لما لطف فقرب من الأرض جسمه، ويقال له: "الفرش" , وأحسبها سميت بذلك تمثيلا لها في استواء أسنانها ولطفها بالفَرْش من الأرض، وهي الأرض المستوية التي يتوطَّؤُها الناس " (٢). وقال الخازن: " الفرش مالا يصلح للحمل سمي فرشاً لأنه يفرش للذبح ولأن قريب من الأرض لصغره " (٣). حجة من قال: إن الفرش صغار الإبل: احتج أصحاب هذا القول بأن الأنعام تطلق على الإبل وحدها، وبذلك يكون قوله: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ أي من الإبل حمولة وفرشاً. قال مجاهد: الحمولة ما قد حمل من الإبل، والفرش صغار الإبل التي لم

стр. 856

تحمل (١). وقال ابن بحر (٢): الافتراش الإضجاع للنحر، فتكون الحمولة كبارها، والفرش صغارها، قال الراجز: أورثني حمولة وفرشاً ...... أمشها في كل يوم مشاً (٣). وقال الزجاج: أجمع أهل اللغة على أن الفرش هو صغار الإبل (٤). حجة من قال: إن الفرش ما خلق لكم من أصوافها وجلودها: قال النحاس: "ومن أحسن ما قيل فيها أن الفرش ما خلقه الله من الجلود والصوف مما يجلس عليه ويتمهد" (٥). وهذا القول حسنه ابن كثير كما تقدم. القول الراجح والذي يظهر والله أعلم صحة ما ذهب إليه ابن عاشور من كون المعاني كلها محتملة، وذلك بناء على قاعدة المبحث بأنه (إذا احتمل اللفظ معان عدة ولم يمتنع إرادة الجميع حمل عليها).

стр. 857

وردّ القرطبي قول من قال: إن الأنعام المراد بها الإبل وحدها فقال: " وكذلك البقر والغنم فهي أنعام أيضاً وذكر في ذلك قول أحمد بن يحيى (١) ووصفه بأنه أصحها حيث قال: الأنعام كل ما أحله الله من الحيوان , ويدل على صحة هذا قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (٢) " (٣). ومما يعضد هذا القول، ويرد القول بأن المقصود بها صغار الإبل فقط سياق الآية بعدها حيث جاء بعدها ذكر الأصناف كلها: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٤) فجاءت هذه الآية بدلاً من قوله ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ جعله للبقر والغنم مع الإبل (٥).

стр. 858

٣ - مثال الضمير في السميع والبصير: قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١). اختلف المفسرون في مرجع الضمير في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فمعظمهم ذهب إلى أن الضمير يعود إلى الله تعالى، وقلة منهم ذهبت إلى أنه يعود إلى الرسول ﷺ ، وقد مال ابن عاشور إلى أن الضمير يعود إلى الرسول ﷺ ، وإن كان لا يستبعد القول الآخر بل يراه محتملاً تكثيراً لمعاني الآية وهذا قوله: " فقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ الأظهرُ أن الضميرين عائدان إلى النبي ﷺ وقاله بعض المفسرين، ولكن جمهرة المفسرين على أنه عائد إلى الله تعالى., ولعل احتماله للمعنيين مقصود، وقد تجيء الآيات محتملة عدّةَ معان، واحتمالها مقصود تكثيراً لمعاني القرآن، ليأخذ كل منه على مقدار فهمه كما ذكرنا في المقدمة التاسعة. وأياما كان فموقع (إنّ) التوكيد والتعليل كما يؤذن به فصل الجملة عما قبلها. وهي إما تعليل لإسناد فعل (نريه) إلى فاعله؛ وإما تعليل لتعليقه بمفعوله، فيفيد أن تلك الإراءة من باب الحكمة، وهي إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، فهو من

стр. 859

إيتاء الحكمة من هو أهلها " (١). وقد مال إلى هذا القول قبل ابن عاشور الألوسي حيث ذكر كلا القولين وذكر أن كون الضمير يعود إلى الله تعالى هو الأظهر , وعليه الأكثر، كما أنه لم يستبعد القول بأن الضمير يعود إلى الرسول ﷺ (٢). في حين ذهب معظم المفسرين منهم الطبري، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني، والقاسمي إلى أن الضمير في الآية عائد إلى الله تعالى، ولم يذكروا قولاً آخر غيره (٣). حجة من قال: إن الضمير في قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ يعود إلى الله تعالى: دليلهم في ذلك: إن الله تعالى هو الموصوف وحده بالسميع والبصير، وفي ذلك يقول الطبري: " إن الذي أسرى بعبده هو السميع لما يقول هؤلاء المشركون من أهل مكة في مسرى محمد ﷺ من مكة إلى بيت المقدس، ولغير ذلك من قولهم وقول غيرهم، البصير بما يعملون من الأعمال، لا يخفى عليه شيء من ذلك، ولا يعزب عنه علم شيء منه، بل هو محيط بجميعه علما،

стр. 860

ومحصيه عددا، وهو لهم بالمرصاد، ليجزي جميعهم بما هم أهله" (١). حجة من قال: إن الضمير يعود إلى النبي ﷺ ويحتمل عوده إلى الله تعالى: قالوا: إنه لا يبعد أن يتصف الرسول ﷺ بهذه الصفات ,فهو السميع لأوامر الله تعالى البصير المعتبر بمخلوقاته. قال الألوسي: " إنه لا يبعد، والمعنى عليه إن عبدي الذي شرفته بهذا التشريف هو المستأهل له فإنه السميع لأوامري ونواهي العامل بهما البصير الذي ينظر بنظرة العبرة في مخلوقاتي فيعتبر، أو البصير بالآيات التي أريناه إياها كقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ (٢) " (٣). وذهب البقاعي إلى أن المقصود بالضمير هنا هو الرسول ﷺ فقال: " أي هذا العبد الذي اختصصناه بالإسراء هو (السميع) أي: أذناً وقلباً بالإجابة لنا والإذعان لأوامرنا، (البصير): بصراً وبصيرة بدليل ما أخبر به من الآيات، وصدقه من الدلالات، حين نعت ما سألوه عنه من بيت المقدس ومن أمر عيرهم وغيرهما مما هو مشهور في قصة الإسراء مما كان يراه وهو ينعت لهم وهم لا يرونه ولا يقاربون ذلك ولا يطمعون فيه، وقال من كان دخل منهم إلى بيت المقدس: أما النعت والله فقد أصاب، أخبرنا عن عيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها،

стр. 861

وأحوالها وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق، فخرجوا ذلك اليوم نحو الثنية يشتدون، فقال قائل: هذه والله الشمس قد طلعت، فقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت، يقدمها جمل أورق كما قال محمد، ثم لم يؤمنوا وقالوا: إن هذا إلا سحر مبين " (١). وقال ابن عاشور: " والتعليل على اعتبار مرجع الضمير إلى النبي أوقع، إذ لا حاجة إلى تعليل إسناد فعل الله تعالى لأنه محقق معلوم. وإنما المحتاج للتعليل هو إعطاء تلك الإراءة العجيبة لمن شك المشركون في حصولها له ومن يحسبون أنه لا يطيقها مثله. على أن الجملة مشتملة على صيغة قصر بتعريف المسند باللام وبضمير الفصل قصراً مؤكداً، وهو قصر موصوف على صفة قصراً إضافياً للقلب، أي هو المدرك لما سمعه وأبصرهُ لا الكاذِبُ ولا المتوهمُ كما زعم المشركون. وهذا القصر يؤيد عود الضمير إلى النبي لأنه المناسب للرد , ولا ينازع المشركون في أن الله سميع وبصير إلا على تأويل ذلك بأنه المُسمع والمبصِر لرسوله الذي كذبتموه، فيؤول إلى تنزيه الرسول عن الكذب والتوهم. ثم إن الصفتين على تقدير كونهما للنبي ﷺ هما على أصل اشتقاقهما للمبالغة في قوة سمعه وبصره وقبولهما لتلقي تلك المشاهدات المدهشة، على حد قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ وقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ (٢) (٣).

стр. 862

القول الراجح هو ما ذهب إليه ابن عاشور من كون كلا المعنيين محتملين , وذلك يدل على مدى استحضار ابن عاشور لهذه القاعدة، في الوقت الذي ذهب معظم المفسرين إلى القول أن الضمير يعود إلى الله تعالى ولم يذكروا احتمالاً غيره. ومما يدل على احتمال القول الآخر أحاديث كثيرة وردت في أنه ﷺ يبصر من ورائه كما يبصر من أمامه كما أخرجه البخاري من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: " أقيموا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري , وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه " (١). وما رواه مسلم من حديث ثوبان ﵁ أنه ﷺ قال: " إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها " (٢). ٤ - مثال القفو: قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (٣). اختلف المفسرون في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾. إلى عدة أقوال: أحدها: معناه لا تقل ما ليس لك به علم، وهو من قول قتادة.

стр. 863

الثاني: معناه ولا ترم أحدًا بما ليس لك به علم، وهذا من قول ابن عباس. الثالث: إنه من القيافة , وهو اتباع الأثر، وكأنه يتبع قفا المتقدم (١). وقد ذكر ابن عاشور هذه الأقوال في تفسيره وزاد عليها فقال: "ويندرج تحت هذا أنواع كثيرة منها: الطعن في أنساب الناس، حيث كانوا يرمون النساء برجال ليسوا بأزواجهن، ويليطون بعض الأولاد بغير آبائهم بهتاناً، أو سوءَ ظن إذا رأوا بُعداً في الشبه بين الابن وأبيه أو رأوا شَبَهه برجل آخر من الحي أو رأوا لوناً مخالفاً للون الأب أو الأم، تخرصاً وجهلاً بأسباب التشكل، فإن النسل ينزع في الشبه وفي اللون إلى أصول من سلسلة الآباء أو الأمهات الأدنَيْن أو الأبعدِين، وجهلا بالشبه الناشئ عن الوحَم فهذا كان شائعاً في مجتمعات الجاهلية فنهى الله المسلمين عن ذلك، ومنها القذف بالزنى وغيره من المساوي بدون مشاهدة، وربما رموا الجيرة من الرجال والنساء بذلك .... وكذلك كان عملهم إذا غاب زوج المرأة لم يلبثوا أن يلصقوا بها تهمة ببعض جيرتها، وكذلك يصنعون إذا تزوج منهم شيخ مُسِنٌّ امرأة شابة أو نصفاً فولدت له ألصقوا الولد ببعض الجيرة. ولذلك لمّا قال النبي ﷺ يوماً «سلوني» أكثر الحاضرون أن يسأل الرجل فيقول: مَن أبي؟ فيقول: أبوك فلان. وكان العرب في الجاهلية يطعنون في نسب أسامة بن زيد من أبيه زيد بن حارثة لأن أسامة كان أسود اللون , وكان زيد أبوه أبيض أزهر، وقد أثبت النبي ﷺ أن أسامة بن زيد بن حارثة , فهذا

стр. 864

خلق باطل كان متفشياً في الجاهلية نهى الله المسلمين عن سوء أثره ومنها تجنب الكذب. قال قتادة: لا تقف: لا تقل: رأيتُ وأنتَ لم تر، ولا سمعتُ وأنت لم تسمع، وعلمت وأنت لم تعلم. ومنها شهادة الزور وشملها هذا النهي، وبذلك فسر محمد بن الحنفية وجماعة. ورجّح ابن عاشور جميع هذه المعاني لأنه يرى أنها كلها محتملة مستنداً في ذلك إلى القاعدة: " إذا احتمل اللفظ معان عدة ولم يمتنع إرادة الجميع حمل عليها " (١). وممن وافق قوله قول ابن عاشور في احتمال تلك المعاني كلها فيمن سبقه الرازي، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير، وكذلك الشوكاني، والألوسي، والقاسمي، والشنقيطي. قال الرازي: وحاصله يرجع إلى النهي عن الحكم بما لا يكون معلوما، وهذه قضية كلية يندرج تحتها أنواع كثيرة. وقال القرطبي: " وبالجملة فهذه الآية تنهى عن قول الزور والقذف، وما أشبه ذلك من الأقوال الكاذبة والرديئة (٢). ورجح الطبري وابن عطية أن المراد بالقفو: رمي الناس بالباطل، والشهادة عليهم بغير الحق، وإن كان الطبري حقيقة لا يستبعد الأقوال الأخرى لأنه بعد

стр. 865

أن ذكر بعضها. قال: " وتلك المعاني متقاربة لأن القول بما لا يعلمه القائل يدخل فيه شهادة الزور، ورمي الناس بالباطل، وادعاء سماع مالم يسمعه، ورؤية مالم يره " (١). حجة من قال: إن المراد بالقفو القول بما ليس لك به علم: حجتهم: ما جاء في اللغة من معنى القفو , ومنه قول أبي عبيد: الأصل في القفو والتقافي البهتان يرمي به الرجل صاحبه، وقَفَوْتُه أَقْفُوه رميته بأمر قبيح " (٢). قال قتادة: "لا تقل رأيت وأنت لم تر، وسمعت وأنت لم تسمع، وعلمت وأنت لم تعلم" (٣). وقال مجاهد: " لا تذم أحدا بما ليس لك به علم " (٤). حجة من قال: إن المراد بالقفو رمي الناس بالباطل: دليلهم في ذلك ما جاء في الحديث أنه جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي ولدت ولداً أسودَ (يريد أن ينتفي منه) فقال له النبي: " هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانهن؟ قال: وُرْق. قال: وهل فيها من جمل أسود؟ قال: نعم. قال: فمن أين ذلك؟ قال: لعله عِرقٌ نزَعَه. فقال النبي ﷺ فلعل ابنك

стр. 866

نزعه عِرق "، ونهاه عن الانتفاء منه (١). فهذا كان شائعاً في مجتمعات الجاهلية فنهى الله المسلمين عن ذلك. ومنه قوله ﷺ : " نحن بنو النضر بن كنانة لا نقف أُمَّنا، ولا ننتفي من أبينا " أي: لا نسُبُّ أمنا " (٢). كما استدل أصحاب هذا القول عليه بأن الغالب في استعمال العرب أن القفو هو رمي الناس بالباطل. قال الطبري: " وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال فيه بالصواب، لأن ذلك هو الغالب من استعمال العرب القفو فيه " (٣). حجة من قال: إن المراد بالقفو اتباع الأثر من القيافة: حجتهم في ذلك اللغة، وهو ورود كلمة القفو: بمعنى تتبع الأثر. قال ابن منظور: " قفاه قفْواً وقُفواً واقتفاه تبعه (٤). وقال الزمخشري: " قفا أثره وقافه، ومنه: القافة، يعني: ولا تكن في اتباعك ما لا علم لك به من قول أو فعل، كمن يتبع مسلكاً لا يدري أنه يوصله إلى

стр. 867

مقصده فهو ضال. والمراد: النهي عن أن يقول الرجل ما لا يعلم، وأن يعمل بما لا يعلم " (١). القول الراجح هو ما ذهب إليه ابن عاشور في كون المعاني كلها محتملة. يقول ابن عاشور: " وما يشهد لإرادة جميع هذه المعاني تعليل النهي بجملة ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ فموقع الجملة موقع تعليل، أي أنك أيها الإنسان تُسأل عما تسنده إلى سمعك وبصرك وعقلك من مراجع القفو المنهي عنه " (٢). ولا شك أن ترجيح ابن عاشور ليدل على مدى استحضاره لقاعدة المبحث، وأن الآية إذا كانت تحتمل أكثر من معنى فالأولى الأخذ بهم جميعاً تكثيراً لمعاني الآية. قال القاسمي: " ولا يخفى ما يندرج تحت هذه الآية من أنواع كثيرة. كمذاهب الجاهلية في الإلهيات والتحريم والتحليل. وكشهادة الزور والقذف ورمي المحصنات الغافلات والكذب وما شاكلها (٣). ويقول الشنقيطي في ذلك: " ويدخل في هذه الآية كل قول بلا علم، وأن

стр. 868

يعمل الإنسان بما لا يعلم " (١). ٥ - مثال رؤية العذاب: قال تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ (٢). حصل خلاف بين المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ على عدة أقوال , جمعها ابن عاشور في تفسيره فقال: " وأما قوله تعالى: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ فيحتمل معاني كثيرة فرضها المفسرون: وجماع أقوالهم فيها أخذاً ورداً أن نجمعها في خمسة وجوه: أحدها: أن يكون عطفاً على جملة ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ والرؤية بصرية، والعذاب عذاب الآخرة، أي أحضر لهم آلة العذاب ليعلموا أن شركاءهم لا يغنون عنهم شيئاً. وعلى هذا تكون جملة: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ مستأنفة ابتدائية مستقلة عن جملة ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾. الثاني: أن تكون الواو للحال , والرؤية أيضاً بصرية والعذاب عذاب الآخرة، أي وقد رأوا العذاب فارتبكوا في الاهتداء إلى سبيل الخلاص فقيل لهم: ادعوا

стр. 869

شركاءكم لخلاصكم، وتكون جملة: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ كذلك مستأنفة ابتدائية. الثالث: أن تكون الرؤية علمية، وحذف المفعول الثاني اختصاراً، والعذاب عذاب الآخرة. والمعنى: وعلموا العذاب حائقاً بهم، والواو للعطف أو الحال. وجملة: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً , كأن سائل سأل: ماذا صنعوا حين تحققوا أنهم معذبون؟ فأجيب بأنهم لو أنهم كانوا يهتدون سبيلاً لسلكوه ولكنهم لا سبيل لهم إلى النجاة. وعلى هذه الوجوه الثلاثة تكون (لو) حرف شرط وجوابها محذوفاً دل عليه حذف مفعول (يهتدون) أي يهتدون خلاصاً أو سبيلاً. والتقدير: لتخلصوا منه. وعلى الوجوه الثلاثة ففعل (كانوا) مزيد في الكلام لتوكيد خبر (أنّ) أي لو أنهم يهتدون اهتداء متمكناً من نفوسهم، وفي ذلك إيماء أنهم حينئذ لا قرارة لنفوسهم. وصيغة المضارع في (يهتدون) دالة على التجدد فالاهتداء منقطع عنهم وهو كناية عن عدم الاهتداء من أصله. الرابع: أن تكون (لو) للتمني المستعمل في التحسر عليهم , والمراد: اهتداؤهم في حياتهم الدنيا كيلا يقعوا في هذا العذاب، وفعل (كانوا) حينئذ في موقعه الدال على الاتصاف بالخبر في الماضي، وصيغة المضارع في (يهتدون) لقصد تجدد الهدى المتحسر على فواته عنهم فإن الهدى لا ينفع صاحبه إلا إذا استمر إلى آخر حياته. الخامس: أن يكون المراد بالعذاب: عذاب الدنيا، والكلام على حذف

стр. 870

مضاف تقديره: ورأوا آثار العذاب، والرؤية بصرية، أي وهم رأوا العذاب في حياتهم أي رأوا آثار عذاب الأمم الذين كذبوا الرسل وهذا في معنى قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ (١) وجملة: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ شرط جوابه محذوف دل عليه: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ أي بالاتعاظ وبالاستدلال بحلول العذاب في الدنيا على أن وراءه عذاباً أعظم منه لاهتدوا فأقلعوا عن الشرك وصدقوا النبي ﷺ وهذا لأنه يفيد معنى زائداً على ما أفادته جملة ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ فهذه عدة معان يفيدها لفظ الآية، وكلها مقصودة، فالآية من جوامع الكلم (٢). ومما تقدم نلمس اهتمام ابن عاشور بقاعدة المبحث وذلك من خلال احتماله لكل ما سبق من المعاني في الآية. ورجّح الطبري، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي أن المراد بقوله تعالى ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ أي: في الآخرة , عاينوه فودوا حين رأو لعذاب لو أنهم كانوا في الدنيا مهتدين (٣).

стр. 871

وترجيحهم هذا بناءً على أن (لو) حرف شرط , وجوابها محذوف دل عليه حذف مفعول (يهتدون) أي يهتدون خلاصاً أو سبيلاً. أما الرازي فلا يرى أن جواب لو محذوف، ولذلك احتمل وجوهاً أخرى، وسيأتي قوله. ويمكنني إجمال تلك الأقوال التي ذكرها ابن عاشور على قولين يظهران ببيان حجة كل منهما: حجة من قال: إن الرؤية يوم القيامة حين عاينوا العذاب: استدل أصحاب هذا القول بما جاء في القرآن موضحا ما جاء في هذه الآية: قال ابن كثير وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ (١). كما استدلوا على ذلك أيضا بما جاء في اللغة قال الزجاج: "جواب لو محذوف؛ والمعنى: لو أنهم كانوا يهتدون لأنجاهم الهدى، ولما صاروا إلى العذاب _أي يوم القيامة - " (٢).

стр. 872

وابن عاشور فيما سبق احتمل أن يكون جواب لو محذوف , وبنى على ذلك وجوها تقدمت. واحتمل الرازي وجوهاً أخرى لكونه لا يرى أن جواب لو محذوف فيقول: " وعندي أن الجواب غير محذوف , وفي تقريره وجوه: أحدها: أن الله تعالى إذا خاطبهم بقوله: ﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ فههنا يشتد الخوف عليهم ويلحقهم شيء كالسدر والدوار , ويصيرون بحيث لا يبصرون شيئاً فقال تعالى: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾.شيئاً أما لما صاروا من شدة الخوف بحيث لا يبصرون شيئاً لا جرم ما رأوا العذاب. وثانيها: أنه تعالى لما ذكر عن الشركاء , وهي الأصنام أنهم لا يجيبون الذين دعوهم ,قال في حقهم ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ أي هذه الأصنام كانوا يشاهدون العذاب لو كانوا من الأحياء المهتدين ولكنها ليست كذلك فلا جرم ما رأت العذاب فإن قيل قوله: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ ضمير لا يليق إلا بالعقلاء فكيف يصح عوده إلى الأصنام؟ قلنا هذا كقوله: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ وإنما ورد ذلك على حسب اعتقاد القوم فكذا. وثالثها: أن يكون المراد من الرؤية رؤية القلب , أي والكفار علموا حقية هذا العذاب في الدنيا لو كانوا يهتدون , وهذه الوجوه عندي خير من الوجوه المبنية على أن جواب لو محذوف فإن ذلك يقتضي تفكيك النظم من الآية

стр. 873

الأمر " (١). وردّ أبو حيان ما اختاره الرازي بقوله: " وقد أثنى على هذا الذي اختاره، وليس بشيء، لأنه بناه على أن الضمير في رأوا عائد على المدعوين، قال: وهم الأصنام. والظاهر أنه عائد على الداعين، كقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ (٢) ولأن حمل مهتدين على الأحياء في غاية البعد، لأن ما قدره هو جواب، ولا يشعر به أنه جواب، إذ صار التقدير عنده: لو كانوا من الأحياء رأوا العذاب، لكنها ليست من الأحياء، فلا ترى العذاب ألا ترى إلى قوله: فلا جرم ما رأت العذاب؟ (٣). حجة من قال: إن المراد بالرؤية أي في الدنيا: احتج هؤلاء باللغة حيث قالوا: إن الكلام على حذف مضاف تقديره: ورأوا آثار العذاب في حياتهم. قال ابن عاشور محتملاً هذا القول أيضاً: " المراد بالعذاب عذاب الدنيا، والكلام على حذف مضاف تقديره: ورأوا آثار العذاب، والرؤية بصرية، أي وهم رأوا العذاب في حياتهم أي رأوا آثار عذاب الأمم الذين كذبوا الرسل وهذا في معنى قوله تعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ

стр. 874

وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ (١)؛ وجملة ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾. شرط جوابه محذوف دل عليه ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾. أي: بالاتعاظ وبالاستدلال بحلول العذاب في الدنيا على أن وراءه عذاباً أعظم منه لاهتدوا, فأقلعوا عن الشرك , وصدقوا النبي ﷺ وهذا لأنه يفيد معنى زائداً على ما أفادته جملة ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ (٢). القول الراجح إن المراد بالرؤية رؤية العذاب يوم القيامة ومما يرجح هذا القول ويقويه القاعدة الترجيحية (القول الذي تؤيده الآيات القرآنية مقدم على غيره) وقد جاء في سورة الكهف ما يدل على أن رؤية العذاب يوم القيامة كما تقدم , قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ (٣). كما يؤكد هذا القول أيضاً القاعدة الترجيحية القائلة: (القول الذي يدل

стр. 875

عليه السياق أولى من غيره) وسياق الآيات قبلها في الحديث عن حالهم يوم القيامة. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ..... ﴾ الآية (١).

стр. 876

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 877

الفصل السابع تقويم منهج ابن عاشور في الترجيح وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: معالم منهج ابن عاشور في الترجيح ومميزاته المبحث الثاني: المآخذ على منهج ابن عاشور في الترجيح. المبحث الثالث: أثر عقيدة ابن عاشور في صياغة القواعد والترجيح بها.

стр. 878

المبحث الأول معالم منهج ابن عاشور في الترجيح ومميزاته وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: صيغ الترجيح عند ابن عاشور. المطلب الثاني: منهج ابن عاشور في استعمال وجوه الترجيح المطلب الثالث: مميزات الترجيح عند ابن عاشور.

стр. 879

اعتنى ابن عاشور بتحقيق الأقوال وترجيحها على الأصول الصحيحة سواءً في اللغة، أو الفقه، أو السنة، والقراءات، وغير ذلك. مما يدل على قوته العلمية وتمكنه من أصول التفسير، وقد نهج في ترجيحه منهجاً علمياً واضحاً متمثلا في ثلاثة مطالب: المطلب الأول صيغ الترجيح عند ابن عاشور ويشتمل على: ١ - الترجيح بصيغ التفضيل، ومنها (أظهر، وأشهر، وأرجح، وأصح .. ). ٢ - الترجيح بألفاظ التضعيف أو البعد والبطلان بأحد الألفاظ لأحد الأقوال: ضعيف - بعيد - باطل فيعتبر ترجيحاً للقول الآخر. ٣ - الترجيح بذكر القول الراجح في أول الأقوال وتقديمه. ٤ - الترجيح بذكر القول الراجح فقط دون ذكر بقية الأقوال فيعتبراً اختياراً وترجيحاً لهذا القول. وإليك التفصيل: • الترجيح بصيغ التفضيل، ومنها: (أظهر، وأشهر، وأرجح، وأصح .. ): أكثر ابن عاشور من الترجيح بصيغ أفعل التفضيل في تفسيره، ومن الألفاظ التي استعملها ابن عاشور مرتبة حسب كثرة استعمالها:

стр. 880

أولاً: الترجيح بعبارة (أظهر): استخدم ابن عاشور عبارة أظهر في الترجيح بين الأقوال، وقد أكثر من استخدامها في أغراض متعددة منها: ١ - في بيان القول الراجح الذي يقتضيه سياق الآية وألفاظها، ومن ذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (١) قال: " والمراد من الأبناء , قيل: أطفال اليهود , وقيل: أريد به الرجال بدليل مقابلته بالنساء , وهذا الوجه أظهر وأوفق بأحوال الأمم، إذ المظنون أن المحق والاستئصال إنما يقصد به الكبار، ولأنه على الوجه الأول تكون الآية سكتت عن الرجال إلا أن يقال: إنهم كانوا يذبحون الصغار قطعاً للنسل ويسْبون الأمهات استعباداً لهن ويبقون الرجال للخدمة حتى ينقرضوا على سبيل التدريج " (٢). ٢ - الترجيح بها عند تقديم معنى على معنى آخر، ومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٣) قال: " والظاهر أن خطابه تعالى هذا للملائكة كان عند إتمام خلق آدم عند نفخ
следующие страницы →