أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يقول: رأى محمد ﷺ ربه بقلبه مرتين. قلت: يا أبا عبد اللَّه، عائشة تقول: لم يره، وأظن أني قلت له: وأبو ذر قال: قد اختلفوا في رؤية الدنيا ولم يختلف في رؤية الآخرة إلا هؤلاء الجهمية.
قلت: تعيب على من يكفرهم؟ قال: لا.
قلت: فيكفرون؟ قال: نعم.
"بيان تلبيس الجهمية" ٧/ ١٦٩ - ١٧٠
وروى الخلال عن حبيش بن سندي أن أبا عبد اللَّه سئل عن: حديث ابن عباس أن محمدًا ﷺ رأى ربه، فقال: بعضهم يقول: بقلبه.
فقيل له: أيما أثبت عندك؟ فقال: في رؤية الدنيا قد اختلفوا فيها، وأما في رؤية الآخرة فلم يختلف فيها إلا هؤلاء الجهمية.
قيل له: تعيب على من يكفرهم؟ قال: لا.
قيل: فيكفرون؟ قال: نعم.
"بيان تلبيس الجهمية" ٧/ ١٧١.
قال الخلال: أنا أبو بكر المروذي قال: قرأت على أبي عبد اللَّه قال: قرأت على أبي قرة الزبيدي، عن ابن جريح قال: أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يقول: رأى محمد ﷺ ربه مرتين.
"بيان تلبيس الجهمية" ٧/ ١٧٢.
قال الخلال: أخبرنا المروذي، عن أبي عبد اللَّه، عن وكيع، ثنا عباد الناجي، سمعت عكرمة يقول: نعم. رأى محمد ﷺ ربه حتى انقطع نفسه.
قال الخلال: وأخبرنا المروذي، عن أبي عبد اللَّه، عن يزيد بن عباد قال: سألت الحسن وعكرمة عن قول اللَّه تعالى ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ [النجم: ١] قالا: إذا غاب فذكر الحديث ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ [النجم: ٨].
قال الحسن: (هو ربي) ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٩] فقلت:
стр. 387
يا أبا سعيد هل شاهده؟ قال: نعم. فقرأها حتى بلغ ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] فتلكأ الحسن وقال: رأى عظمة ربه ورأى أشياء، فقال عكرمة: ما تريد؟ قال: أريد أن تبين لي فقال: قد رآه ثم رآه.
"بيان تلبيس الجهمية" ٧/ ١٧٣ - ١٧٤.
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: قرأت على أبي عبد اللَّه: إبراهيم بن الحكم حدثني أبي عن عكرمة قال: سألت ابن عباس: هل رأى محمد ﷺ ربه؟ قال: نعم رآه دونه ستر من لؤلؤ.
قال المروذي: قرأته عليه بطوله فصححه.
"بيان تلبيس الجهمية" ٧/ ١٨٠.
وقال أبو بكر الخلال: أنا محمد بن علي الوراق قال: ثنا إبراهيم بن هانئ ثنا أحمد بن عيسى وقال له أحمد بن حنبل: حدثهم به في منزل عمه ثنا عبد اللَّه بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال أن مروان بن عثمان حدثه عن عمارة بن عامر عن أم الطفيل -امرأة أبي بن كعب- أنها قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يذكر أنه رأى ربه في المنام في صورة شاب موفَّر رجلاه في خضر عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب.
"بيان تلبيس الجهمية" ٧/ ١٩١ - ١٩٢.
وقال المروذي: قلت لأبي عبد اللَّه: فشاذان فكيف هو؟
قال: ثقة، وجعل يثبته، وقال: في هذا يشنع به علينا؟ قلت: أفليس العلماء تلقته بالقبول؟ قال: بلى.
قلت: إنهم يقولون أن قتادة لم يسمع من عكرمة؟ قال: هذا لا يدري الذي قال، وغضب وأخرج إليَّ كتابه فيه أحاديث بما سمع قتادة من عكرمة فإذا ستة أحاديث، سمعت عكرمة.
стр. 388
قال أبو عبد اللَّه: قد ذهب من يحسن هذا، وعجب من قول من قال: لم يسمع، وقال: سبحان اللَّه، هو قدم بالبصرة فاجتمع عليه الخلق، وقال يزيد بن حازم: رواه حماد بن زيد أن عكرمة سأل عن شيء من التفسير فأجابه قتادة.
"بيان تلبيس الجهمية" ٧/ ١٩٥ - ١٩٦.
قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا الأسود بن عامر قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ "رأيت ربي في صورة شاب أمرد له وفرة جعد قطط في روضة خضراء".
"بيان تلبيس الجهمية" ٧/ ١٩٧ - ١٩٨، ٢٢٣ - ٢٢٤.
ذكر أبو بكر الأثرم في "كتاب العلل"، قال: سألت أحمد عن حديث فيه عبد الرحمن بن عائش الذي روى عن النبي ﷺ "رأيت ربي في أحسن صور"؟ فقال: يضطرب في إسناده، لأن معمرًا رواه عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس عن النبي ﷺ .
ورواه معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن أبي قلابة، عن خالد بن اللجلاج، عن ابن عائش، عن النبي ﷺ . ورواه حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ . ورواه يوسف بن عطية، عن قتادة، عن أنس عن النبي ﷺ ، ورواه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن خالد بن اللجلاج، عن عبد الرحمن بن عائش سمعت النبي ﷺ . ورواه يزيد بن يزيد بن جابر، عن خالد بن اللجلاج، عن عبد الرحمن بن عائش، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ .
ورواه يحيى بن أبي كثير فقال: عن ابن عائش، عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل، عن النبي، وأصل الحديث واحد، وقد اضطربوا فيه.
"بيان تلبيس الجهمية" ٧/ ٢١٥ - ٢١٧.
стр. 389
٨٠ - باب جامع في صفات اللَّه تعالى وتنزيهه
قال إسحاق بن منصور: قُلْتُ لأحمد ﵁: "ينزلُ ربُّنا ﵎ اسمه كل ليلةٍ حين يبقى تلث الليل الآخر إلى السماءِ الدُّنيا". أليس تقولُ بهذِه الأحاديث؟ ويرون -أهل الجنة- ربَّهم ، "ولا تقبحوا الوجه فإنَّ اللَّهَ خلقَ آدمَ على صورته " -يعني: صورة رب العالمين- "واشتكتِ النارُ إلى ربِّها حَتَّى يضعَ اللَّه فيها قدمه"، وأن موسى ﵇ لطم ملك الموت ﵇.
قَالَ الإمام أحمد: كلُّ هذا صحيح.
قَالَ إسحاق: كل هذا صحيح، ولا ينكره إلا مبتدعٌ أو ضعيف الرأي.
"مسائل الكوسج" (٣٢٩٠)
قال حرب: وقال إسحاق: لا يجوز التفكر في الخالق، ويجوز للعباد أن يتفكروا في المخلوقين بما سمعوا فيهم ولا يزيدون على ذلك؛ لأنهم إن فعلوا تاهوا.
"مسائل حرب" ص ٤٢٧
قال عبد اللَّه: حدثني أبي قال: حدثنا سريج بن النعمان، قال: أخبرني عبد اللَّه بن نافع، قال: كان مالك بن أنس ﵀ يقول: الإيمان قول وعمل، ويقول: كلم اللَّه موسى، وقال: ملك اللَّه في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه شيء، وتلا هذه الآية ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] وعظم عليه الكلام في هذا -أو استشنعه- من قال: القرآن مخلوق يوجع ضربًا، ويحبس حتى يتوب.
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٠٧ (١١)، ١/ ٢٨٠ (٥٣٢) "العلل" برواية عبد اللَّه (٤٧٨٣)
قال عبد اللَّه حدثني أبي، نا حسن بن موسى الأشيب، نا أبو هلال محمد بن سليم الراسبي، نا رجل أن ابن رواحة قال للحسن: هل تصف
стр. 390
ربك قال: نعم، أصفه بغير مثال.
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٤٩٣ (١١٣٢)
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، أخبرنا ابن أتش، حدثنا عمران، عن وهب قال: قال موسى ﵇: يا رب، إنهم يسألونني كيف كان بدؤك؟ قال: فأخبرهم أني الكائن قبل كل شيء، والمكون لكل شيء، والكائن بعد كل شيء (١).
"الزهد" ص ٨٤
قال أبو بكر المروذي: سألت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل ﵀ عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات والأسماء والرؤية وقصة العرش فصححها، وقال: تلقتها العلماء بالقبول، تسلم الأخبار كما جاءت (٢).
قال المروذي: أرسل أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة إلى أبي عبد اللَّه يستأذنانه في أن يحدثا بهذِه الأحاديث التي تردها الجهمية، فقال أبو عبد اللَّه: حدثوا بها فقد تلقاها العلماء بالقبول، وقال أبو عبد اللَّه: تسلم الأخبار كما جاءت.
"الشريعة" ص ٢٦٢ (٦٧١ - ٦٧٢)
قال حنبل: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: نعبد اللَّه بصفاته، كما وصف به نفسه؛ قد أجمل الصفة لنفسه؛ ولا نتعدى ذلك، نؤمن بالقرآن كله، محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه تعالى ذكره صفة من صفاته، لشناعة شنعت، ولا نزيل ما وصف به نفسه من كلام، ونزول، وخلوه بعبد يوم القيامة، ووضع كنفه عليه، هذا كله يدل على أن اللَّه يُرى في الآخرة، والتحديد
стр. 391
في هذا بدعة، والتسليم للَّه بأمره، ولم يزل اللَّه متكلمًا عالمًا، غفورًا، عالم الغيب والشهادة، عالم الغيوب؛ فهذِه صفات اللَّه وصف بها نفسه، لا تدفع، ولا ترد، وقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣]. هذِه صفات اللَّه وأسماؤه، وهو على العرش بلا حد، وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ كيف شاء، المشيئة إليه والاستطاعة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] كما وصف نفسه، سميع بصير، بلا حد، ولا تقدير.
قلت لأبي عبد اللَّه: والمشبهة ما يقولون؟ قال: بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي. فقد شبه اللَّه بخلقه وهذا كلام سوء، والكلام في هذا لا أحبه. وأسماؤه وصفاته غير مخلوقة؛ نعوذ باللَّه من الزلل والارتياب والشك، إنه على كل شيء قدير (١).
"الإبانة" لابن بطة كتاب "الرد على الجهمية" ٣/ ٣٢٦ - ٣٢٧ (٢٥٢).
وقال في رواية أبي طالب: "قلب العبد بين أصبعين" (٢)، و"خلق آدم بيده" (٣) وكلما جاء الحديث مثل هذا قلنا به.
قال حنبل: قال أبو عبد اللَّه في الأحاديث التي تروى "إن اللَّه تبارك
стр. 392
وتعالى ينزل إلى سماء الدنيا" واللَّه يُرى، وأنه يضع قدمه وما أشبه بذلك: نؤمن بها ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى، ولا نرد شيئًا منها، ونعلم أن ما قاله الرسول ﷺ حق إذا كانت بأسانيد صحاح (١).
"إبطال التأويلات" ١/ ٤٥
قال المروذي: ذكرت لأبي عبد اللَّه حديث محمد بن سلمة الجراني، عن عبد الرحمن قال: حدثني زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال، عن أبي عبيدة، عن مسروق قال: حدثنا عبد اللَّه بن مسعود، عن النبي ﷺ (٢). .، قال أبو عبد اللَّه: هذا حديث غريب لم يقع إلينا عن محمد بن سلمة. واستحسنه.
"إبطال التأويلات" ١/ ١٥٧
قال الخلال: أخبرني عبيد اللَّه بن حنبل، حدثني أبي -حنبل بن إسحاق- قال: قال عمي: نحن نؤمن بأنه تعالى على العرش كيف شاء، وكما شاء، بلا حد، ولا صفة يبلغها واصف، ويحده أحد، فصفات اللَّه له ومنه، وهو كما وصف نفسه؛ لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية، وهو يدرك الأبصار، وهو عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب، ولا يدركه وصف واصف، وهو كما وصف نفسه، ليس من اللَّه تعالى شيء محدود، ولا يبلغ علم قدرته أحد، غلب الأشياء كلها بعلمه وقدرته وسلطانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وكان اللَّه
стр. 393
تعالى قبل أن يكون شيء، واللَّه تعالى الأول، وهو الآخر ولا يبلغ أحد حد صفاته، والتسليم لأمر اللَّه تعالى والرضا بقضائه، نسأل اللَّه التوفيق والسداد، إنه على كل شيء قدير.
"بيان تلبيس الجهمية" ٢/ ٦٢٠ - ٦٢١
قال الخلال: وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلًا حدثهم قال: سألت أبا عبد اللَّه عن الأحاديث التي تروى: أن اللَّه تعالى ينزل إلى سماء الدنيا، وأن اللَّه تعالى يُرى، وأن اللَّه تعالى يضع قدمه وما أشبه هذِه الأحاديث؟ فقال أبو عبد اللَّه: نؤمن بها، ونصدق بها، بلا كيف ولا معنى، ولا نرد منها شيئا، ونعلم أن ما جاءت به الرسل حق، ونعلم أن ما ثبت عن رسول اللَّه حق إذا كانت بأسانيد صحيحة، ولا نرد على قوله، ولا نصف اللَّه ﵎ بأعظم مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية.
قال حنبل في موضع آخر: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في ذاته كما وصف به نفسه، قد أجمل ﵎ بالصفة لنفسه، فحد لنفسه صفة، ليس يشبهه شيء، فيعبد اللَّه تعالى بصفاته، غير محدودة، ولا معلومة، إلا بما وصف به نفسه، قال تعالى ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
قال حنبل في موضع آخر قال: فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه وله، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه كما وصف نفسه تعالى ولا نتعدى ذلك، ولا تبلغه صفة الواصفين.
"بيان تلبيس الجهمية" (٢/ ٦٢٢ - ٦٢٤، ٦/ ٥١٠ - ٥١٢
وقال حنبل: وقال: قال إبراهيم لأبيه: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] فثبت أن اللَّه تعالى سميع بصير، صفاته
стр. 394
منه، لا نتعدى القرآن والحديث والخبر، "يضحك اللَّه" (١) ولا يعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ وبتثبيت القرآن، لا يصفه الواصفون والمشبهة، ولا يحده أحد، تعالى اللَّه عما يقول الجهمية والمشبهة.
وقال أبو عبد اللَّه: قال لي إسحاق بن إبراهيم لما قرأ الكتاب بالمحنة: تقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فقلت له: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] قال: ما أردت بها؟
قلت: القرآن صفة من صفات اللَّه تعالى وصف بها نفسه، لا ننكر ذلك ولا نرده.
قلت له: المشبهة ما يقولون؟ قال: من قال: بصر كبصري، ويد كيدي.
وقال حنبل في موضع آخر: وقدم كقدمي فقد شبه اللَّه تعالى بخلقه (٢)، وهذا يحده، وهذا كلام سوء، وهذا محدود، الكلام في هذا لا أحبه.
قال عبد اللَّه (٣): جردوا القرآن، وقال النبي ﷺ : "يضع قدمه"، نؤمن به لا نحده، ولا نرده على رسول اللَّه ﷺ ، بل نؤمن به، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧] قد أمرنا اللَّه بالأخذ بما جاء، والنهي عما نهى، وأسماؤه وصفاته منه غير مخلوقة، ونعوذ باللَّه من الشرك والارتياب والشك، إنه على كل شيء قدير.
стр. 395
وقال الخلال: وزادني أبو القاسم الجبلي، عن حنبل في هذا الكلام: وقال اللَّه ﵎: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] وهذِه صفات اللَّه وأسماؤه ﵎.
"تلبيس الجهمية" ٢/ ٦٢٥ - ٦٢٨، ٦/ ٥١٣ - ٥١٦.
روى الخلال في "كتاب السنة" عن أبي طالب قال: قلت لأبي عبد اللَّه: قال أبو إسحاق بن أبي الليث: الذين يصفون ربهم، يقول هو السميع البصير، قال: عافاه اللَّه، كأنه أعجبه قوله.
قلت: ما تقول أنت؟ قال: أقول كما قال النبي ﷺ ووصف، لا يجوز الحديث، قال: "بين أصبعين"، وقال: "خلق اللَّه آدم" وكما جاء في الحديث مثل هذا قلنا مثله.
قلت: فنحن الذين يصفون؟ قال: نعم، كما جاء وصف النبي ﷺ لا نجوزه.
"بيان تلبيس الجهمية" ٦/ ١٧٣ - ١٧٤.
قال أبو بكر الخلال في كتاب "السنة": أخبرني يوسف بن موسى أن أبا عبد اللَّه قيل له: ولا يشبه ربنا شيئًا من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه، قال: نعم، ليس كمثله شيء.
"بيان تلبيس الجهمية" ٦/ ٥٠٩.
قال الخلال: أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر؛ أن أبا الحارث حدثهم، قال: قلت لأبي عبد اللَّه: ما معنى قوله ﷺ : "إن اللَّه يدني العبد يوم القيامة فيضع عليه كنفه"، قال: هكذا يقول: "يدنيه ويضع كنفه عليه" كما قال، ويقول له: "أتعرف ذنب كذا".
"بيان تلبيس الجهمية" ٨/ ١٩٣.
стр. 396
كتاب: القرآن كلام اللَّه والرد على الجهمية
٨١ - باب: القرآن كلام اللَّه
قال أبو الفضل صالح: حدثني أبي قال: حدثنا سريج بن النعمان قال: أخبرني عبد اللَّه بن نافع قال: كان مالك يقول: كلم اللَّه موسىى ﵇. ويقول: القرآن كلام اللَّه، ويستفظع قول من يقول: القرآن مخلوق.
وقال: ويوجع ضربًا، ويحبس حتى يتوب.
"سيرة الإمام أحمد" لصالح ص ٦٦.
وقال: قال أبي: بلغني أن إسماعيل ابن عُلية، دخل على محمد بن هارون وهو على سرير عَلية، فلما نظر إليه جعل يزحف على سريره، ويقول له: يا ابن الفاعلة، أنت المتكلم في القرآن.
قال: فجعل إسماعيل يقول له: جعلني اللَّه فداك يا أمير المؤمنين، زلة من عالم.
"سيرة الإمام أحمد" لصالح ص ٦٧.
وقال: قال أبي: أسماع اللَّه في القرآن، والقرآن من علم اللَّه، وعلم اللَّه ليس بمخلوق، والقرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق على كل وجه، وعلى كل جهة، وعلى أي حال.
فقيل لأبي عبد اللَّه: قوم يقولون: إذا قال الرجل: كلام اللَّه ليس بمخلوق. يقولون: ما إمامك في هذا؟ ومن أين قلت: ليس بمخلوق؟
قال: الحجة قول اللَّه ﵎: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١] فما جاءه غير القرآن.
стр. 397
قال: القرآن من علم اللَّه، وعلم اللَّه ليس بمخلوق، والقرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق، ومثل هذا في القرآن كثير.
قيل له: يجزئ أن أقول هذا قول جهم، وعلى كل حال هو كلام اللَّه.
قال: نعم.
قيل له: فأحد من العلماء قال: ليس بمخلوق؟ قال: جعفر بن محمد.
قال صالح: فحدثني أبي: أملاه عليَّ من كتابه، قال: حدثنا موسى بن داود قال: حدثنا أبو عبد الرحمن بن معبد، عن معاوية بن عمار الدهني قال: قلنا لجعفر: إنهم يسألونا عن القرآن أمخلوق هو؟
قال: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام اللَّه.
قال أبي: وقد رأيت معبدًا، وبلغني أنه كان يفتي برأي ابن أبي ليلى (١).
"سيرة الإمام أحمد" لصالح ص ٦٩.
قال أبو داود: سمعت أحمد وذكر القرآن فقال: سمعت أبا النضر يقول: ليس بمخلوق.
وقال: سمعت أحمد يقول: قيل لي: ما تقول، أراه في شيء فيما مضى؟ قال: فقلت: لا يكون من اللَّه شيء مخلوق.
"مسائل أبى داود" (١٧٠٣ - ١٧٠٤)
قال أبو داود: سمعت إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وهناد بن
стр. 398
السري، وعبد الأعلى بن حماد، وعبيد اللَّه بن عمر بن ميسرة، وحكيم ابن سيف الرقي، وأيوب بن محمد الرقي، وسوار بن عبد اللَّه، والربيع صاحب الشافعي، وعبد الوهاب بن الحكم، ومحمد بن الصباح بن سفيان، وعثمان بن شيبة، ومحمد بن بكار بن الريان، وأحمد بن جواس الحنفي، ووهب بن بقية، ومن لا أحصيهم من علمائنا، كل هؤلاء سمعتهم يقولون: القرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق، وبعضهم قال: القرآن غير مخلوق.
"مسائل أبي داود" (١٧٢٠)
قال ابن هانئ: وسمعته يقول: على كل حال من الأحوال، القرآن كلام اللَّه، غير مخلوق.
"مسائل ابن هانئ" (١٨٨٢)
قال ابن هانئ: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: بلغ محمد ابن زبيدة أمير المؤمنين، أن إسماعيل ابن علية، يقول: القرآن مخلوق، قال: فبعث إليه، فجيء به، فلما دخل عليه فبصر به أمير المؤمنين، قال له: يا ابن الفاعلة -من البعد- أنت الذي تقول: القرآن مخلوق، أو قال: كلام اللَّه مخلوق؟
قال: فوقف إسماعيل، فجعل ينادي: يا أمير المؤمنين، جعلني اللَّه فداءك، زلَّة من عالم، يا أمير المؤمنين جعلني اللَّه فداءك، زلَّة من عالم.
قال: ثم أمر به فأخرج، وأمر ألا يحدث.
سمعت أحمد يقول: إني لأرجو أن يرحم اللَّه محمد ابن زبيدة بإنكاره على إسماعيل.
"مسائل ابن هانئ" (١٨٩٢)
قال حرب بن إسماعيل: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: أدركت الناس منذ سبعين سنة، أدركت أصحاب النبي ﷺ فمن دونهم يقولون: اللَّه الخالق وما سواه مخلوق،
стр. 399
إلا القرآن فإنه كلام اللَّه منه خرج وإليه يعود (١).
قال حرب: حدثنا أحمد بن حنبل وعمرو بن العباس، قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن زيد بن أرطاة، عن جبير بن نفير، قال: قال رسول اللَّه: "إنكم لن ترجعوا إلى اللَّه بشيء أفضل مما خرج منه" يعني: القرآن (٢).
"مسائل حرب" ص ٤٢١
قال حرب: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: ثنا أسود بن عامر، قال: ثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد اللَّه قال: كان رسول اللَّه ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف، فيقول: "هل من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي" (٣).
стр. 400
قال حرب: حدثنا إسحاق قال: أخبرنا جرير، عن ليث بن أبي سليم، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء قال: قال عمر: إن هذا القرآن كلام اللَّه، فلا (عرفتكم) (١) ما عطفتموه على أهوائكم (٢).
"مسائل حرب" ص ٤٢٢
قال عبد اللَّه بن أحمد: سمعت أبي، وسأله عبد اللَّه بن عمر -المعروف بمشكدانه- عن القرآن؟ فقال: كلام اللَّه، وليس بمخلوق.
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٣٢ (٧٩)
قال عبد اللَّه: حدثني أبي ﵀، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية -يعني: ابن صالح- عن العلاء بن الحارث، عن زيد بن أرطاة، عن جبير بن نفير قال: قال رسول اللَّه: "إنكم لن ترجعوا إلى اللَّه بشيء أفضل مما خرج منه" يعني: القرآن. قال أبي: كذا قال عبد الرحمن.
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٤٠ (١٠٩)، ٢/ ٤٩٧ (١١٤٣)
قال عبد اللَّه: حدثني أبي ﵀: ثنا جرير، عن منصور بن المعتمر، عن هلال بن يساف، عن فروة بن نوفل الأشجعي قال: كنت جارًا لخباب، فخرجنا يومًا من المسجد وهو آخذ بيدي فقال: يا هناه، تقرب إلى اللَّه ما استطعت، فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه -يعني: القرآن (٣).
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٤١ - ١٤٢ (١١١)
стр. 401
قال عبد اللَّه: حدثني أبي ﵀، حدثنا أسود بن عامر، أنا أبو بكر -يعني: ابن عياش- عن الأعمش، عن الحسن قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فضل القرآن على الكلام كفضل اللَّه على عباده" (١).
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٤٨ (١٢٤)، ٢/ ٤٩٥ (١١٣٧)
قال عبد اللَّه: حدثني أبي ﵀، ثنا موسى بن داود، ثنا أبو عبد الرحمن معبد، عن معاوية بن عمار الدهني قال: قلت لجعفر -يعني: ابن محمد: إنهم يسألون عن القرآن، مخلوق هو؟ قال: ليس بخالق ولا مخلوق ولكنه كلام اللَّه.
قال أبي: قد رأيت معبدًا هذا، ولم يكن به بأس. وأثنى عليه أبي وكان يفتي برأي ابن أبي ليلى (٢).
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٥١ - ١٥٢ (١٣٢)
قال عبد اللَّه: سمعت أبي يقول: بلغني عن إبراهيم بن سعد، وسعيد ابن عبد الرحمن الجمحي، ووهب بن جرير، وأبي النضر هاشم بن القاسم، وسليمان بن حرب قالوا: القرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق.
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٥٤ (١٣٨)
стр. 402
قال عبد اللَّه: حدثني مهنا أبو عبد اللَّه السلمي قال: سألت أحمد بن حنبل بعد ما أخرج من السجن بسنتين: ما تقول في القرآن؟ فقال: كلام اللَّه غير مخلوق. وقال: من روى عني غير هذا القول فهو مبطل.
قلت له: إن بعض من ذكر عنك أنك قلت له: هو كلام اللَّه لا مخلوق ولا غير مخلوق، ولكن هو كلام اللَّه، فقال أحمد: أبطل، ما قلت هذا، ولكنه هو كلام اللَّه غير مخلوق.
قال عبد اللَّه: حدثني مهنا أبو عبد اللَّه السلمي قال: سألت حارثًا البقال: ما تقول في القرآن؟ فقال: القرآن كلام اللَّه لا أقول غير هذا.
فقلت له: إن أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل يقول: هو كلام اللَّه غير مخلوق، فقال لي: إن أبا عبد اللَّه لثقة عدل.
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ٢٨٠ (٥٢٩ - ٥٣٠).
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، نا أمية بن خالد، نا سفيان بن سعيد الثوري، عن طلحة بن يحيى، عن أبي بريدة، أن أبا موسى وجد كتابًا فقال: لولا أني أخشى أن يكون فيه شيء من كتاب اللَّه لأحرقته (١).
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٤٦٥ (١٠٥٧)
قال الخلال: أخبرني أحمد بن حمدويه الهمداني، قال: حدثني محمد
стр. 403
ابن أبي عبد اللَّه الهمداني، قال: ثنا عيسى بن علي، قال: ثنا المثنى -يعني: الأنباري- قال: قال أبو الحسين -يعني: عبد الوهاب: سألني أبو طالب عمن حلف ألا يتكلم -وأكبر حفظي- بالطلاق؛ فقرأ القرآن، فقلت: لا يحنث، قال: فأخبرت أبا عبد اللَّه -يعني: أحمد بن حنبل- فأعجبه.
قال الخلال: وأخبرنا أبو بكر المروذي قال: سئل أبو عبد اللَّه: ما تقول في رجل حلف ألا يتكلم فقرأ شيئا من القرآن؟ فقلت: إن عبد الوهاب قال: لا يحنث. فتبسم، وقال: عافى اللَّه عبد الوهاب.
قيل لأبي عبد اللَّه: كل ما أجاب عبد الوهاب بشيء تقول به!
قال: سبحان اللَّه! الناس يختلفون في الفقه، هو موضع.
"السنة" للخلال ٢/ ٢٢٣ (١٨٤٩ - ١٨٥٠)
قال الخلال: وأخبرني علي بن الحسن بن هارون قال: حدثني محمد ابن أبي هارون قال: حدثني أبو بكر بن صالح قال: سمعت عبد الوهاب، وسئل عن رجل حلف ألا يتكلم، فقرأ شيئًا من القرآن؟ فقال: قال أبو عبيد: لم يحنث.
قيل لعبد الوهاب: هو كما قال؟ قال: نعم.
وذكر عبد الوهاب أن أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل قال: لا يحنث.
قال الخلال: وأخبرنا أبو بكر المروذي قال: كتبت إلى أبي بكر الأثرم فكان في كتابه كلام أبي عبد اللَّه: ومن يحتج بقول أبي عبد اللَّه: من حلف بالطلاق ألا يتكلم، فقرأ أنه لا يحنث؛ لأنه لا يتكلم.
"السنة" للخلال ٢/ ٢٢٤ (١٨٥٢ - ١٨٥٣)
قال الخلال: وسمعت عبد اللَّه بن أحمد قال: ذكر أبو بكر الأعين
стр. 404
قال: سئل أحمد بن حنبل عن تفسير قوله: القرآن كلام اللَّه، منه خرج وإليه يعود، فقال أحمد: منه خرج هو المتكلم به، وإليه يعود.
"السنة" للخلال ٢/ ٢٢٦ (١٨٥٩).
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: ثنا أبو عبد اللَّه، قال: ثنا أسود بن عامر، قال: ثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: كان النبي ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: "هل من رجل يحملني إلى قومه؟ ! فإن قريشًا قد منعوني أَن أبلغ كلام ربي" (١).
"السنة" للخلال ٢/ ٢٧٩ (٩٩٥١)
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر قال: ثنا أبو عبد اللَّه قال: ثنا يحيى بن غيلان، قال: ثنا رشدين بن سعد، قال: حدثني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب أن عمر ﵀ قال: هذا القرآن كلام اللَّه (٢).
"السنة" للخلال ٢/ ٢٨٣ (١٩٥٥)
قال الخلال: أخبرني حرب، قال: ثنا أحمد بن حنبل وبشار بن موسى، قالا: ثنا جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن فروة بن نوفل الأشجعي قال: كنت جارًا لخباب، فقال: يا هناه، تقرب إلى اللَّه ما استطعت، فإنك لن تقرب إلى اللَّه بشيء أحب إليه من كلامه (٣).
"السنة" للخلال ٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦ (١٩٦١)
стр. 405
قال الخلال: قال عبد اللَّه: وحدثني أبي قال: ثنا هاشم بن القاسم قال: ثنا أبو عقيل عبد اللَّه بن عقيل الثقفي -ثقة- قال: ثنا مجالد، عن عمير بن شهر الهمداني، وكان وافد همدان إلى النبي ﷺ يقول: "انظروا قريشًا، اسمعوا من قولهم، ودعوا فعلهم". قال: وكنت عند النجاشي فأتاه بنون له غلمان بألواح يقرءون عليه من الإنجيل، فقرأ ابن له آية، فضحكت، فقال له النَّجاشي: أتضحك من كلام اللَّه؟
قال: لا، ولكن أضحك عجبًا مما قال غلامك (١).
"السنة" للخلال ٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨ (٢٠٠٩)
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي، عن أبي عبد اللَّه، عن موسى ابن داود قال: ثنا أبو عبد الرحمن معبد، عن معاوية بن عمار الدهني قال: قلت لجعفر بن محمد: إنهم يسألوننا عن القرآن: مخلوق هو؟ فقال: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام اللَّه.
"السنة" للخلال ٢/ ٣١٣ (٢٠٧١)
قال الخلال: وأخبرني حرب قال: ثنا أحمد بن حنبل قال: ثنا يحيى ابن سعيد، عن مالك بن أنس قال: حدثني نافع قال: كان ابن عمر لا يقرأ القرآن إلا وهو طاهر (٢).
"السنة" للخلال ٢/ ٣١٥ (٢٠٨٠)
قال الخلال: أخبرني حرب بن إسماعيل الكرماني قال: قلت لإسحاق -يعني: ابن راهويه- الصبي يكتب القرآن على اللوح يمحوه بالبزاق؟ قال:
стр. 406
يمحوه بالماء، ولا يعجبني أن يبزق عليه. وكره أن يمحوه بالبزاق.
"السنة" للخلال ٢/ ٣١٦ (٢٠٨٨)
قال حمويه بن يونس إمام مسجد جامع قزوين: حدثنا جعفر بن محمد ابن فضيل الرأسي -رأس العين- قال: حدثنا عبد اللَّه بن صالح -كاتب الليث بن سعد- قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ في قول اللَّه : ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] قال: غير مخلوق.
وقال حمويه بن يونس: بلغ أحمد بن حنبل هذا الحديث، فكتب إلى جعفر بن محمد بن فضيل يكتب إليه بإجازته، فسرَّ أحمد لهذا الحديث (١).
"الشريعة" للآجري ص ٦٩ - ٧٠ (١٥٠)
قال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد اللَّه عن عباس النرسي فقلت: كان صاحب سنة، فقال: رحمه اللَّه تعالى.
قلت: بلغني عنه، قال: ما قولي: القرآن غير مخلوق إلا كقولي: لا إله إلا اللَّه، فضحك أبو عبد اللَّه وسرَّ بذلك.
قلت: يا أبا عبد اللَّه، أليس هو كما قال؟ قال: بلى، ولكن هذا الشيخ دلنا عليه لوين على شيء لم نفطن له، قوله: إن أول ما خلق اللَّه من شيء خلق القلم.
стр. 407
قلت: يا أبا عبد اللَّه، أنا سمعته يقول، قال: سبحان اللَّه! ما أحسن ما قال: كأنه كشف عن وجهي الغطاء، ورفع يده إلى وجهه.
قلت: إنه شيخ قد نشأ بالكوفة، فقال أبو عبد اللَّه: إن واحد الكوفة واحد، ثم ذكر حديث ابن عباس لكنه: أول ما خلق اللَّه من شيء خلق القلم، فقال: لم يروَ وقد كتبناه. ثم قال: نظرت فيه، فإذا قد رواه خمسة عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنه (١).
"الشريعة" للآجري ص ٧٣ (١٦٧)
стр. 408
قال أبو بكر المروذي: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: ولا نرضى أن نقول: كلام اللَّه. ونسكت حتى نقول: إنه غير مخلوق.
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣١٤ (١١٥)
قال إسحاق بن أحمد الكاذي: حدثنا عبد اللَّه بن أحمد قال: حدثني أبي قال: حدثنا حسين بن محمد قال: حدثنا أبو معشر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: من أخذ القرآن وهو شاب، اختلط بلحمه ودمه، وكان رفيق السفرة الكرام البررة، ومن أخذه كبيرًا وهو حريص عليه ويتفلت منه فذاك الذي له أجره مرتين (١).
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٦٣ - ٣٦٤ (١٧٣)
قال الحسين بن البزار: قيل لأبي عبد اللَّه: إن لوينًا قال: إن أول ما خلق اللَّه القلم؛ فأول الخلق القلم، وكلام اللَّه قبل خلق القلم، فاستحسنه أبو عبد اللَّه وقال: أبلغ منهم بما حدث.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٥ (٢١٧)
قال محمد بن سليمان الجوهري: قلت لأبي عبد اللَّه أحمد بن محمد ابن حنبل: ما تقول في القرآن؟ قال: عن أي باله تسأل؟
قلت: كلام اللَّه، فقال: كلام اللَّه وليس بمخلوق، ولا تحرج أن تقول ليس بمخلوق، فإن كلام اللَّه من ألله ومن ذات اللَّه، وتكلم اللَّه به، وليس من اللَّه شيء مخلوق.
قال أحمد بن الحسن الترمذي: سألت أبا عبد اللَّه، قال: قد وقع من
стр. 409
أمر القرآن ما قد وقع، فإن سئلت عنه، ماذا أقول؟
قال لي: ألست أنت مخلوقًا؟ قلت: نعم.
قال: أليس كل شيء منك مخلوقًا؟ قلت: نعم.
قال: فكلامك، أليس هو منك وهو مخلوق؟ قلت: نعم.
قال: فكلام اللَّه أليس هو منه؟ قلت: نعم.
قال: فيكون شيء من اللَّه مخلوقًا؟ ! !
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٣٥ (٢٢٤ - ٢٢٥)
قال أبو بكر الأعين: سئل أحمد بن حنبل عن تفسير قوله: القرآن كلام اللَّه منه خرج وإليه يعود، قال أحمد: منه خرج وهو المتكلم به، وإليه يعود.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٣٦ (٢٢٦)
قال المروذي: رأيت أحمد بن محمد بن حنبل في النوم وعليه حلتان خضراوان، وفي رجليه نعلان شراكهما من المرجان، وعلى رأسه تاج مكلل بأنواع الجواهر، فقلت: يا أبا عبد اللَّه، ما الذي فعل اللَّه بك؟
قال: غفر لي وتوجني وكساني، وقال لي: يا أبا عبد اللَّه، إنما أعطيتك هذا لمقالتك: القرآن غير مخلوق.
"شرح أصول الاعتقاد" ٢/ ٤٠٤ (٦٢٤)
قال أبو الحسن محمد بن إسحاق بن راهويه القاضي بمرو: سئل أبي، وأنا أسمع عن القرآن، وما حدث فيه من القول بالمخلوق؛ فقال: القرآن كلام اللَّه وعلمه ووحيه ليس بمخلوق، ولقد ذكر سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة يقولون: اللَّه الخالق وما سواه مخلوق، والقرآن كلام اللَّه منه خرج وإليه يعود.
قال أبي: وقد أدرك عمرو بن دينار أجلة أصحاب رسول اللَّه ﷺ من
стр. 410
البدريين والمهاجرين والأنصار مثل جابر بن عبد اللَّه، وأبي سعيد الخدري، وعبد اللَّه بن عمرو، وعبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن الزبير ﵃، وأجلة التابعين رحمة اللَّه عليهم، وعلى هذا مضى صدر هذِه الأمة لم يختلفوا في ذلك.
"الأسماء والصفات" للبيهقى ١/ ٥٩٨ (٥٣٢)
قال أبو عبد اللَّه السجزي: أتيت إلى باب المعتصم: إلى أن قال: قال: يحضر أحمد بن حنبل، فأحضرني فلما وقفت بين يديه وسلم عليه قال: يا أحمد، تكلم ولا تخف، فقال له أحمد: لا، واللَّه لقد دخلت عليك وما في قلبي مثقال ذرة من الفزع، فقال: ما تقول في القرآن؟
فقال: كلام اللَّه قديم غير مخلوق.
"المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد" ص ٤٧
قال أعين بن زيد: سمعت أحمد بن حنبل يقول: القرآن كلام اللَّه، غير مخلوق.
"طبقات الحنابلة" ١/ ٣١٧
قال ابن أبان القرشي: سألتُ أبا عبد اللَّه عن القرآن؛ فقال: كلام اللَّه وليس بمخلوق.
"طبقات الحنابلة" ٢/ ١٤١
قال ابن وارة: سألتُ أحمد عن القرآن، فقال: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق حيثما تصرف.
"طبقات الحنابلة" ٢/ ٣٧٠
قال أبو موسى العكبري: سألت أحمد لما قدم عُكْبُرا في خان مليح، قلت: يا أبا عبد اللَّه، القرآن كلام اللَّه غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود؟ قال: منه بدأ علمه، وإليه يعود حكمه.
"طبقات الحنابلة" ٢/ ٥١٧ - ٥١٨
стр. 411
٨٢ - باب: القرآن يحفظ في قلوب الرجال
قال الفضل بن زياد: قلت لأبي عبد اللَّه: إن ابن عم لي قدم من طرسوس فأخبرني عنهم أنهم يحبون أن يعلموا رأيك في الذي تكلم به موسى بن عقبة.
فقال: قد كنت تكلمت بكلام فيه.
قلت: إنهم يريدون منك حركة في أمره.
فقال: قد أخرجت فيه أحاديث، وادفع إليَّ كاغدًا حتى أخرجها إليك. فقام فأخرجت كتابًا فدفعه إليَّ، فقال: اقرأ عليَّ. فقرأت الأحاديث، ودفع إليَّ طبق كاغد من عنده، فقال: انسخه. فنسخته، وعارضت به، وصححته.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٥٧ (١٦٥)
قال الفضل بن زياد: قرأت على أحمد: هاشم بن القاسم قال: حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية -أو غيره- عن أبي هريرة في قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، فذكر الحديث، أعني: حديث الإسراء، حتى بلغ إلى قوله: "وجعلت من أمتك قومًا قلوبهم أناجيلهم".
قال أحمد: هذا أردت: "وجعلتك أول النبيين خلقًا، وآخرهم بعثًا، وأولهم مقضيًّا له. . "، فذكر الحديث (١).
قال -يعني: الفضل: قال لي أحمد: أوليس أول النبيين خلقًا -يعني: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] فبدأ به؟ !
стр. 412
قال عبد اللَّه بن أحمد: حدثني أبي قال: حدثنا حسين بن محمد قال: حدثنا شيبان، عن قتادة قال: حدثنا رجل من أهل العلم أن نبي اللَّه موسى ﵇ قال لما أخذ الألواح، قال: رب أجد في الألواح أمة، أناجيلهم في قلوبهم يقرءونها.
قال قتادة: وكان من قبلكم إنما يقرءون كتابهم نظرًا، فإذا رفعه من بين يديه لم يحفظه، ولم يعه، وإن اللَّه أعطاكم أيتها الأمة من الحفظ شيئًا لم يعطه أحدًا قبلكم.
قال: رب، فاجلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد (١).
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٦٦ - ٣٦٩ (١٧٧ - ١٧٨)
стр. 413
٨٣ - باب: النهي عن المراء في القرآن
قال حرب بن إسماعيل: قال إسحاق: فالأشياء عند اللَّه على معنى إرادته وحكمه، وأظهر للعباد من العلم ما يكتفون به، فينبغي الانتهاء إلى ما علمنا وحد لنا؛ حتى نصيب سبيلًا في التفكر في خلق اللَّه، مشغلة عن التفكر فيما لم نؤمر به.
قال أبو يعقوب: وكيف يستوسع من يدعي العلم الخوض في الأشياء المنهي عنها، قال اللَّه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] فكيف يجوز لخلق أن يخوض في التسبيح من الشجب (١) والأشياء المعمولة، فيخوضوا كيف تسبح القصاع والأجوبة [. . .] (٢) المجنون، الثياب المنسوجة، وكل هذا قد صح فيه العلم أنهم يسبحون؛ فذلك إلى اللَّه أن يجعل تسبيحهم كيف شاء وكما شاء، وليس للناس أن يخوضوا في ذلك إلا بما علموا، ولا يتكلموا بشيء في هذا وشبهه إلا بما أمر اللَّه، ولا يزيدون على ذلك، واللَّه الموفق، وعليه التوكل، فاتقوا اللَّه، ولا تخوضوا في هذِه الأشياء المتشابهة؛ فإنه يردكم الخوض فيه عن سنن الحق.
"مسائل حرب" ص ٤٢٧ - ٤٢٨
قال عبد اللَّه: قثنا أبي، قثنا مكي بن إبراهيم، قثنا الجُعَيد بن عبد الرحمن، عن يزيد بن خُصَيْفة، عن السائب بن يزيد، أنه قال: أُتي
стр. 414
إلى عمر بن الخطاب فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا لقينا رجلًا يسأل عن تأويل القرآن فقال: اللهم أمكني منه. قال: فبينا عمر ذات يوم جالس يُغَدي الناس إذ جاءه وعليه ثياب وعمامة فغداه ثم إذا فرغ، قال: يا أمير المؤمنين ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢)﴾ [الذاريات: ١، ٢] قال عمر: أنت هو؟ فمال إليه وحَسَرَ عن ذِراعيه، فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته، ثم قال: واحملوه حتى تُقدموه بلاده، ثم ليقم خطيبًا ثم ليقل: أن صَبِيْغًا ابتغى العلم فأخطأ. فلم يزل وَضيعًا في قومه حتى هلك وكان سيد قومه (١).
"فضائل الصحابة" ١/ ٥٤٤ - ٥٤٥
قال الخلال: قال المروذي: حدثنا أبو عبد اللَّه قال: ثنا يزيد قال: ثنا محمد -يعني: ابن عمرو- عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "مراء في القرآن كفر" (٢).
стр. 415
قال المروذي: حدثنا أبو عبد اللَّه قال: ثنا حماد بن أسامة قال: ثنا محمد بن عمرو الليثي قال: ثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: مراء في القرآن كفر (١).
"السنة" للخلال ٢/ ١٠٨ - ١٠٩ (١٤٣٣ - ١٤٣٤)
قال الخلال: قال أبو بكر المروذي: قال أبو عبد اللَّه: ثنا أبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي قال: ثنا سليمان بن بلال قال: حدثني يزيد ابن خصيفة قال: أخبرني بسر بن سعيد، قال: أخبرني أبو جهيم أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، فقال هذا: تلقيتها من رسول اللَّه. وقال الآخر: تلقيتها من رسول اللَّه ﷺ . فسألا النبي ﷺ عنها، فقال: "إِنَّ القُرْآنَ يقرأ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَلَا تَمَارَوْا فِي القرآن، فَإِنَّ مِرَاءً فِيهِ كُفْرٌ" (٢).
"السنة" للخلال ٢/ ١٠٩ (١٤٣٥)، ٢/ ٢٨٨ (١٩٦٩)
قال الخلال: وأخبرني أحمد بن محمد بن مطر قال: ثنا أبو طالب أنه سأل أبا عبد اللَّه عن رجل حلف ألا يتكلم يومًا إلى الليل، فقرأ القرآن.
قلت: بلغني عن أبي عبيد يحنث. قال: من أبو عبيد؟
قلت: المحدث، ما تقول أنت؟ قال: ما أحب أن أتكلم في هذِه المسألة، ولا تجب من سألك عنها، ولا تكلمه.
قلت: عبد الوهاب أخبرني أن له جارًا كان يقول: إن من حلف ألا يتكلم، ثم قرأ القرآن وهو يصلي، لم يحنث، وإن كان قرأ في غير الصلاة حنث. قال: إن قرأ القرآن في الصلاة وغير الصلاة لا يحنث.
стр. 416
فقلت لأبي عبد اللَّه: سألتك فسكت، ولم تخبرني! فتبسم، وقال: ما أحب أن أتكلم في الشيء الذي لم يتكلم فيه، فأكره أن أبتدعه.
"السنة" للخلال ٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤ (١٨٥١)
قال الخلال: أخبرني عبيد اللَّه بن حنبل قال: حدثني أبي حنبل قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: قال اللَّه في كتابه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] فجبريل سمعه من اللَّه، وسمعه النبي من جبريل ﵉، وسمعه أصحاب النبي من النبي ﵇، والقرآن كلام اللَّه غير مخلوق، ولا نشك ولا نرتاب فيه، وأسماء اللَّه في القرآن وصفاته في القرآن من علم اللَّه وصفاته منه، فمن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر، والقرآن كلام اللَّه غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فقد كنا نهاب الكلام في هذا حتى أحدث هؤلاء ما أحدثوا، وقالوا ما قالوا، دعوا الناس إلى ما دعوهم إليه، فبان لنا أمرهم وهو الكفر باللَّه العظيم.
ثم قال أبو عبد اللَّه: لم يزل اللَّه عالمًا متكلمًا، نعبد اللَّه بصفاته غير محدودة، ولا معلومة إلا بما وصف بها نفسه، سميع عليم، غفور رحيم، عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب، فهذِه صفات اللَّه ﵎ وصف بها نفسه، ولا تدفع ولا ترد، وهو عنى العرش بلا حد كما قال، استوى على العرش كيف شاء، والمشيئة إليه والاستطاعة له. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] لا يبلغ وصفه الواصفون، وهو كما وصف به نفسه، نؤمن بالقرآن محكمه ومتشابهه، كل من عند ربنا، قال اللَّه : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا﴾ [الأنعام: ٦٨] فنترك الجدال والمراء في القرآن، ولا نجادل
стр. 417
ولا نماري فيه، ونؤمن به كله، ونرده إلى عالمه إلى اللَّه ﵎؟ فهو أعلم به، منه بدأ، وإليه يعود.
قال أبو عبد اللَّه: وقال لي عبد الرحمن بن إسحاق: كان اللَّه ولا قرآن. فقلت له مجيبًا: كان اللَّه ولا علم؟ فالعلم من اللَّه وله، وعلم اللَّه منه، والعلم غير مخلوق، فمن قال: إنه مخلوق فقد كفر باللَّه، وزعم أن اللَّه مخلوق، فهذا الكفر الصراح (١).
"السنة" للخلال ٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦ (١٨٥٨)
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: أنبا أبو عبد اللَّه قال: ثنا أبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي قال: ثنا سليمان بن بلال قال: حدثني يزيد بن خصيفة قال: أخبرني بشر بن سعيد قال: أخبرني أبو جهيم أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، فقال هذا: تلقيتها من رسول اللَّه. وقال الآخر: تلقيتها من رسول اللَّه. فسألا النبي ﷺ ، فقال: "إن القرآن يقرأ على سبعة أحرف، لا تماروا في القرآن، فإن مراءً فيه كفر" (٢).
"السنة" للخلال ٢/ ٢٨٨ (١٩٦٩)
قال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق بكل جهة وعلى كل تصريف، وليس من اللَّه شيء مخلوق ولا يخاصم في هذا ولا يتكلم، ولا أرى المراء ولا الجدال فيه.
"الإبانة" لابن بطة كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٣٦ (٢٢٧)
стр. 418
باب المحنة
٨٤ - فصل: مبشرات المحنة (١)
قال علي بن عبد العزيز الطلحي: قال لي الربيع: قال لي الشافعي: يا ربيع خذ كتابي وامض به وسلمه إلى أبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل وَأْتِني بالجواب.
قال الربيع: فدخلتُ بغداد ومعي الكتاب، ولقيت أحمد بن حنبل صلاة الصبح فصليت معه الفجر فلما انفتل من المحراب سلمت إليه الكتاب، وقلت له: هذا كتاب أخيك الشافعي من مصر.
فقال أحمد: نظرتَ فيه؟ قلت: لا.
وكسر أحمد الخاتم وقرأ الكتاب فتغرغرت عيناه بالدموع.
فقلت له: أي شيء فيه يا أبا عبد اللَّه؟
فقال: يذكر أنه رأى النبي ﷺ في المنام فقال له: اكتب إلى أبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل واقرأ عليه مني السلام، وقل: إنك ستمتحن وتدعى إلى خلق القرآن، فلا تجبهم يرفع اللَّه لك علمًا إلى يوم القيامة.
قال الربيع: فقلت: البشارة. فخلع قميصه الذي يلي جلده فدفعه إليَّ، فأخذته وخرجت إلى مصر، وأخذت جواب الكتاب وسلمته إلى الشافعي. فقال لي: يا ربيع أي شيء الذي دفع إليك؟
قلت: القميص الذي يلي جلده.
فقال لي الشافعي: ليس نفجعك به، ولكن بله وادفع إلينا الماء حتى
стр. 419
أشركك فيه (١).
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٥٥١
قال محمد بن ناصر: أنبأنا الحسن بن أحمد بن البناء، قال: أنا
стр. 420
أبو محمد الحسن بن محمد الحافظ، قال: ثنا عبد الواحد بن على بن الحسين الفامي قال: ثنا أبو الحسن علي بن موسى بن عيسى البزاز قال: حدثني أحمد بن محمد بن الحجاج المروذي قال: كنت يومًا قاعدا على قنطرة التبانين، فإذا أنا برجلين يقدمان رجلًا بدويا على قعود له، إذ وقفوا علي وقالوا: هو ذا، هو جالس، فقال لي البدوي: أنت أحمد بن حنبل؟
فقلت له: لا، أنا صاحبه، أذكر حاجتك، فقال: أريده.
قلت: أدلك عليه؟ قال: إي واللَّه.
فمضيت بين يديه حتى أتيت باب أبي عبد اللَّه، فدققت الباب فقالوا: من هذا؟ فقلت: أنا المروذي، قالوا: ادخل.
قلت: أنا ومن معي؟
قالوا: أنت ومن معك، فأناخ الأعرابي ناقته وعقلها، ودخلت ودخل معي، فلما رأى أبا عبد اللَّه، قال الأعرابي: إي واللَّه، ثلاث مرات! فسلم عليه، فقال له: ما حاجتك؟
فقال: أنا رسول رسول اللَّه إليك. قال: ويحك ما تقول؟
قال: إني رجل بدوي بين حيي والمدينة أربعون ميلًا، أوفدني أهلي المدينة أمتار لهم برًّا وتمرًّا، فأتيت المدينة فابتعت ما عهدوا إلي من ذلك، وجنَّني المساء، فصليت في مسجد النبي ﷺ عشاء الآخرة، واضطجعت، فبينا أنا نائم إذ أتاني محرك فحركني، وقال لي: أتمضي لرسول اللَّه في حاجة؟
فقلت: إي واللَّه، فقبض بيده اليمنى على ساعدي اليسرى وأتى بي حائط قبر النبي ﷺ ، فوقفنى عند رأسه، فقال: يا رسول اللَّه، فسمعت
стр. 421
من وراء الحائط قائلا يقول: أتمضي لنا في حاجة؟
فقلت: إي واللَّه، إي واللَّه، إي واللَّه، ثلاثًا.
فقال: تمضي حتى تأتي بغداد، أو الزوراء -الشك من المروذي- فإذا أتيت بغداد فسل عن منزل أحمد بن حنبل، فإذا لقيته فقل: النبي يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن اللَّه مبتليك ببلية. وممتحنك بمحنة، وقد سألته لك الصبر عليها، فلا تجزع.
قال المروذي: وكان إذا قال له رجل: (وحملك) (١) يا أبا عبد اللَّه في السوط؟ يقول: قد تقدمت المسألة.
قال أبو بكر: وكان بين منصرف الأعرابي وبين المحنة خمسة وعشرون يومًا.
"مناقب الإمام أحمد" ص ٥٥٨ - ٥٥٩
قال أبو القاسم عبيد اللَّه بن القاسم: سمعت أحمد بن محمد المروذي يقول: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: خرجت مع أحمد بن حنبل في آخر حجته التي حج فيها، فلما أن صرنا على عقبة المدينة فإذا نحن بشيخ يحمل في محفة، وقد سقط حاجباه على عينيه من الكبر قد شدها بعصابة، وإذا حوله مشيخة وشباب، وقائل يقول: أيكم أحمد بن حنبل؟ فأومأ الناس بأيديهم إلى أحمد، فأقبل الرجل حتى وقف بين يديه، فقال: أنت أحمد بن محمد بن حنبل؟ قال له: كذلك تزعم أمي.
قال له: أتعرفني؟ قال: اللهم لا.
قال: أنا من ولد عبيد اللَّه بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رأيت البارحة النبي ﷺ وأبا بكر وعمر
стр. 422
في المنام، وكانوا قد عبروا على جسر بغداد، فسقط رداء رسول اللَّه ﷺ عن شقه الأيمن، فأقبلت أنت يا أحمد فشلت الرداء حتى وضعته على كتف رسول اللَّه ﷺ ، فالتفت إليك النبي ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ وقالوا لك: أبشر، فإنك غدا رفيقنا في الجنة.
فقال شيخ ممن حضر في ذلك مع أحمد بن حنبل: إن الرداء الذي رده أحمد على كتف رسول اللَّه ﷺ سنة رسول اللَّه ﷺ ، يردها أحمد على الناس.
قال: فكان أحمد إذا ذكر هذا الحديث نكت بإصبعه الأرض، ثم قال: وددت لو أن الجبل ساخ بي -أو سار بي- ولم أسمع من هذا الكلام.
كل ذلك لئلا يتكل أحمد على شيء من القول.
"محنة الإمام أحمد" لعبد الغني المقدسي ص ٣٣ - ٣٤
стр. 423
٨٥ - فصل: محنة الإمام مع المأمون
قال صالح: سمعت أبي يقول: لما أدخلنا على إسحاق بن إبراهيم للمحنة، فقرئ عليه كتاب الذي كان إلى طرسوس، فكان فيما قرئ علينا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، و ﴿هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فقال أبي: فقلت: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فقال بعض من حضر: سله ما أراد بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾؟
فقال أبي: فقلت: هو كما قال ﵎.
قال صالح: ثم امتحن القوم، فوجه بمن امتنع إلى الحبس، فأجاب القوم جميعا غير أربعة: أبي ﵀، ومحمد بن نوح، وعبيد اللَّه بن عمر القواريري، والحسن بن حماد سَجَّادة.
ثم أجاب عبيد اللَّه بن عمر، والحسن بن حماد، وبقي أبي، ومحمد بن نوح في الحبس، فمكثا أيامًا في الحبس، ثم ورد كتاب من طرسوس بحملهما، فحمل أبي ومحمد بن نوح رحمة اللَّه عليهما مقيدين زميلين، أخرجا من بغداد فصرنا معهما إلى الأنبار.
فسأل أبو بكر الأحول أبي، فقال له: يا أبا عبد اللَّه، إن عرضت على السيف تجيب؟ فقال: لا.
قال أبي: فانطلق بنا حتى دخلنا في الرحبة، فلما دخلنا منها وذلك في جوف الليل، وخرجنا من الرحبة عرض لنا رجل فقال: أيكم أحمد بن حنبل؟ .
فقيل له: هذا، فسلم على أبي ثم قال: يا هذا، ما عليك أن تقتل هاهنا، وتدخل الجنة هاهنا. ثم سلم وانصرف.
стр. 424
فقلت: من هذا؟
فقيل: هذا رجل من ربيعة العرب، يعمل الشعر في البادية، يقال له: جابر بن عامر.
فلما صرنا إلى أَذِنَة (١)، ورحلنا منها، وذلك في جوف الليل، فتح لنا بابها، لقينا رجل ونحن خارجون من الباب وهو داخل، فقال: البشرى فقد مات الرجل.
قال أبي: وكنت أدعو اللَّه أني لا أراه.
فحدثني أبي قال: حدثنا معمر بن سليمان، عن مرار بن سلمان، عن ميمون بن مهران قال: ثلاث لا تبلون نفسك بهن: لا تدخل على السلطان وإن قلت: آمره بطاعة اللَّه. ولا تدخلن على امرأة وإن قلت: أعلمها كتاب اللَّه. ولا تصغين سمعك لذي هوى، فإنك لا تدري ما يعلق قلبك منه (٢).
قال صالح: فصار أبي ومحمد بن نوح إلى طرسوس، وجاء نعي المأمون من البذَنْدُون (٣)، فردا في أقيادهما إلى الرقة، وأخرجا من الرقة في سفينة مع قوم محبسين، فلما صارا بعانة توفي محمد بن نوح، وتقدم أبي فصلى عليه، ثم صار إلى بغداد وهو مقيد، فمكث بالياسرية أياما، ثم صير إلى الحبس في دار اكتريت عند دار عمارة.
стр. 425
ثم نقل بعد ذلك إلى حبس العامة في درب الموصلية، فمكث في السجن منذ أخذ، وحمل إلى بغداد ضربًا، وخلي عنه ثمانية وعشرين شهرًا.
قال أبي: فكنت أصلي بهم، وأنا مقيد.
فقال أبي: إذا كان القيد لا يحجزه عن تمام الصلاة فلا بأس.
وكنت أرى فوران يحمل له في دورق ماءً باردًا فيذهب به إلى السجن.
"سيرة الإمام أحمد" لابنه صالح ص ٤٨ - ٥٠
قال الحسين بن محمد: ثنا محمد بن إسماعيل بن أحمد بن صالح بن أحمد بن حنبل، حدثني أبو عبد اللَّه السلال، قال: سمعت أبا عبد اللَّه محمد بن نوح قال: قلت لأبي عبد اللَّه: إن رأيتني ضعفت أو خذلت فلا تضعف، فلست أنت كأنا.
فقال لي: أبشر فإنك على إحدى ثلاث: إما ألا تراه ولا يراك، وإما رأيته فكذبته فقتلك فكنت من أفضل الشهداء، وإما رأيته فصدقته فحال اللَّه بينك وبينه.
أخبرنا عبد اللَّه بن جعفر وحدثني عنه الحسين بن محمد، ثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد اللَّه قال: قال أحمد بن غسان: حملت أنا وأحمد بن حنبل في محمل على جمل يراد بنا المأمون، فلما صرنا قريب عانة قال لي أحمد: قلبي يحس أن رجاء الحصار يأتي في هذِه الليلة، فإن أتى وأنا نائم فأيقظني وإن أتى وأنت نائم أيقظتك. فبينا نحن نسير إذا قرع المحمل قارع، فأشرف أحمد، فإذا برجل يعرفه بالصفة وكان لا يأوي المدائن والقرى، وعليه عباءة قد شدها على عنقه، فقال: يا أبا عبد اللَّه إن اللَّه قد رضيك له وافدًا، فانظر لا يكون وفودك على المسلمين وفودًا مشئومًا، واعلم أن الناس إنما ينتظرونك؛ لأن تقول فيقولوا، واعلم أنما هو الموت والجنة.