من وراء الحائط قائلا يقول: أتمضي لنا في حاجة؟
فقلت: إي واللَّه، إي واللَّه، إي واللَّه، ثلاثًا.
فقال: تمضي حتى تأتي بغداد، أو الزوراء -الشك من المروذي- فإذا أتيت بغداد فسل عن منزل أحمد بن حنبل، فإذا لقيته فقل: النبي يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن اللَّه مبتليك ببلية. وممتحنك بمحنة، وقد سألته لك الصبر عليها، فلا تجزع.
قال المروذي: وكان إذا قال له رجل: (وحملك) (١) يا أبا عبد اللَّه في السوط؟ يقول: قد تقدمت المسألة.
قال أبو بكر: وكان بين منصرف الأعرابي وبين المحنة خمسة وعشرون يومًا.
"مناقب الإمام أحمد" ص ٥٥٨ - ٥٥٩
قال أبو القاسم عبيد اللَّه بن القاسم: سمعت أحمد بن محمد المروذي يقول: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: خرجت مع أحمد بن حنبل في آخر حجته التي حج فيها، فلما أن صرنا على عقبة المدينة فإذا نحن بشيخ يحمل في محفة، وقد سقط حاجباه على عينيه من الكبر قد شدها بعصابة، وإذا حوله مشيخة وشباب، وقائل يقول: أيكم أحمد بن حنبل؟ فأومأ الناس بأيديهم إلى أحمد، فأقبل الرجل حتى وقف بين يديه، فقال: أنت أحمد بن محمد بن حنبل؟ قال له: كذلك تزعم أمي.
قال له: أتعرفني؟ قال: اللهم لا.
قال: أنا من ولد عبيد اللَّه بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رأيت البارحة النبي ﷺ وأبا بكر وعمر
стр. 422
في المنام، وكانوا قد عبروا على جسر بغداد، فسقط رداء رسول اللَّه ﷺ عن شقه الأيمن، فأقبلت أنت يا أحمد فشلت الرداء حتى وضعته على كتف رسول اللَّه ﷺ ، فالتفت إليك النبي ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ وقالوا لك: أبشر، فإنك غدا رفيقنا في الجنة.
فقال شيخ ممن حضر في ذلك مع أحمد بن حنبل: إن الرداء الذي رده أحمد على كتف رسول اللَّه ﷺ سنة رسول اللَّه ﷺ ، يردها أحمد على الناس.
قال: فكان أحمد إذا ذكر هذا الحديث نكت بإصبعه الأرض، ثم قال: وددت لو أن الجبل ساخ بي -أو سار بي- ولم أسمع من هذا الكلام.
كل ذلك لئلا يتكل أحمد على شيء من القول.
"محنة الإمام أحمد" لعبد الغني المقدسي ص ٣٣ - ٣٤
стр. 423
٨٥ - فصل: محنة الإمام مع المأمون
قال صالح: سمعت أبي يقول: لما أدخلنا على إسحاق بن إبراهيم للمحنة، فقرئ عليه كتاب الذي كان إلى طرسوس، فكان فيما قرئ علينا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، و ﴿هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فقال أبي: فقلت: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فقال بعض من حضر: سله ما أراد بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾؟
فقال أبي: فقلت: هو كما قال ﵎.
قال صالح: ثم امتحن القوم، فوجه بمن امتنع إلى الحبس، فأجاب القوم جميعا غير أربعة: أبي ﵀، ومحمد بن نوح، وعبيد اللَّه بن عمر القواريري، والحسن بن حماد سَجَّادة.
ثم أجاب عبيد اللَّه بن عمر، والحسن بن حماد، وبقي أبي، ومحمد بن نوح في الحبس، فمكثا أيامًا في الحبس، ثم ورد كتاب من طرسوس بحملهما، فحمل أبي ومحمد بن نوح رحمة اللَّه عليهما مقيدين زميلين، أخرجا من بغداد فصرنا معهما إلى الأنبار.
فسأل أبو بكر الأحول أبي، فقال له: يا أبا عبد اللَّه، إن عرضت على السيف تجيب؟ فقال: لا.
قال أبي: فانطلق بنا حتى دخلنا في الرحبة، فلما دخلنا منها وذلك في جوف الليل، وخرجنا من الرحبة عرض لنا رجل فقال: أيكم أحمد بن حنبل؟ .
فقيل له: هذا، فسلم على أبي ثم قال: يا هذا، ما عليك أن تقتل هاهنا، وتدخل الجنة هاهنا. ثم سلم وانصرف.
стр. 424
فقلت: من هذا؟
فقيل: هذا رجل من ربيعة العرب، يعمل الشعر في البادية، يقال له: جابر بن عامر.
فلما صرنا إلى أَذِنَة (١)، ورحلنا منها، وذلك في جوف الليل، فتح لنا بابها، لقينا رجل ونحن خارجون من الباب وهو داخل، فقال: البشرى فقد مات الرجل.
قال أبي: وكنت أدعو اللَّه أني لا أراه.
فحدثني أبي قال: حدثنا معمر بن سليمان، عن مرار بن سلمان، عن ميمون بن مهران قال: ثلاث لا تبلون نفسك بهن: لا تدخل على السلطان وإن قلت: آمره بطاعة اللَّه. ولا تدخلن على امرأة وإن قلت: أعلمها كتاب اللَّه. ولا تصغين سمعك لذي هوى، فإنك لا تدري ما يعلق قلبك منه (٢).
قال صالح: فصار أبي ومحمد بن نوح إلى طرسوس، وجاء نعي المأمون من البذَنْدُون (٣)، فردا في أقيادهما إلى الرقة، وأخرجا من الرقة في سفينة مع قوم محبسين، فلما صارا بعانة توفي محمد بن نوح، وتقدم أبي فصلى عليه، ثم صار إلى بغداد وهو مقيد، فمكث بالياسرية أياما، ثم صير إلى الحبس في دار اكتريت عند دار عمارة.
стр. 425
ثم نقل بعد ذلك إلى حبس العامة في درب الموصلية، فمكث في السجن منذ أخذ، وحمل إلى بغداد ضربًا، وخلي عنه ثمانية وعشرين شهرًا.
قال أبي: فكنت أصلي بهم، وأنا مقيد.
فقال أبي: إذا كان القيد لا يحجزه عن تمام الصلاة فلا بأس.
وكنت أرى فوران يحمل له في دورق ماءً باردًا فيذهب به إلى السجن.
"سيرة الإمام أحمد" لابنه صالح ص ٤٨ - ٥٠
قال الحسين بن محمد: ثنا محمد بن إسماعيل بن أحمد بن صالح بن أحمد بن حنبل، حدثني أبو عبد اللَّه السلال، قال: سمعت أبا عبد اللَّه محمد بن نوح قال: قلت لأبي عبد اللَّه: إن رأيتني ضعفت أو خذلت فلا تضعف، فلست أنت كأنا.
فقال لي: أبشر فإنك على إحدى ثلاث: إما ألا تراه ولا يراك، وإما رأيته فكذبته فقتلك فكنت من أفضل الشهداء، وإما رأيته فصدقته فحال اللَّه بينك وبينه.
أخبرنا عبد اللَّه بن جعفر وحدثني عنه الحسين بن محمد، ثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد اللَّه قال: قال أحمد بن غسان: حملت أنا وأحمد بن حنبل في محمل على جمل يراد بنا المأمون، فلما صرنا قريب عانة قال لي أحمد: قلبي يحس أن رجاء الحصار يأتي في هذِه الليلة، فإن أتى وأنا نائم فأيقظني وإن أتى وأنت نائم أيقظتك. فبينا نحن نسير إذا قرع المحمل قارع، فأشرف أحمد، فإذا برجل يعرفه بالصفة وكان لا يأوي المدائن والقرى، وعليه عباءة قد شدها على عنقه، فقال: يا أبا عبد اللَّه إن اللَّه قد رضيك له وافدًا، فانظر لا يكون وفودك على المسلمين وفودًا مشئومًا، واعلم أن الناس إنما ينتظرونك؛ لأن تقول فيقولوا، واعلم أنما هو الموت والجنة.
стр. 426
فلما أشرفنا على البذندون، قال لي: يا أحمد بن غسان إني موصيك بوصية فاحفظها عني، راقب اللَّه في السراء والضراء، واشكره على الشدة والرخاء، وإن دعانا هذا الرجل أن نقول: القرآن مخلوق. فلا تقل، وإن أنا قلت فلا تركن إلي، وتأول قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] فتعجبت من حداثة سنه وثبات قلبه، فلم يكن بأسرع أن خرج خادم وهو يمسح عن وجهه بكمه وهو يقول: عز علي يا أبا عبد اللَّه أن جرد أمير المؤمنين سيفًا لم يجرده قط، وبسط نطعًا لم يبسطه قط، ثم قال: وقرابتي من رسول اللَّه ﷺ لا رفعت عن أحمد وصاحبه حتى يقولا: القرآن مخلوق. قال: فنظرت إلى أحمد وقد برك على ركبتيه ولحظ السماء بعينيه، ثم قال: سيدي غر هذا الفاجر حلمُك حتى يتجرأ على أوليائك بالقتل والضرب، اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته.
قال: فواللَّه ما مضى الثلث الأول من الليل إلا ونحن بصيحة وضجة، وإذا رجاء الحصار قد أقبل علينا فقال: صدقت يا أبا عبد اللَّه، القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، قد مات واللَّه أمير المؤمنين.
"حلية الأولياء" ٩/ ١٩٤ - ١٩٥
قال الخطيب: أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق: ثنا حنبل بن إسحاق قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: ما رأيت أحدًا على حداثة سنه، وقلة علمه، أقوم بأمر اللَّه من محمد بن نوح، وإني لأرجو أن يكون اللَّه قد ختم له بخير، قال لي ذات يوم وأنا معه خلوين: يا أبا عبد اللَّه، اللَّه اللَّه، إنك لست مثلي، أنت رجل يقتدى بك، وقد مد هذا الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك، فاتق اللَّه واثبت لأمر اللَّه. أو نحو هذا الكلام.
стр. 427
قال أبو عبد اللَّه: فعجبت من تقويته لي، وموعظته إياي.
قال أبو عبد اللَّه: انظر بما ختم له! فلم يزل ابن نوح كذلك وحتى مرض صار إلى بعض الطريق فمات.
قال عبد اللَّه: فصليت عليه ودفنته -أظنه قال: بعانة.
قال الخطيب: وكانت وفاته سنة ثمان عشرة ومائتين (١).
"تاريخ بغداد" ٣/ ٣٢٣
قال الخطيب البغدادي: أخبرني الحسن بن علي التميمي قال: حدثنا عمر بن أحمد الواعظ، حدثنا أحمد بن محمد بن مسعدة الأصبهاني، حدثنا أبو يحيى مكي بن عبد اللَّه بن يوسف الثقفي، حدثنا أبو بكر الأعين قال: أتيت لآدم العسقلاني فقلت له: عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث يقرئك السلام.
قال: لا تقرئه مني السلام، فقلت له: لم؟
قال: لأنه قال: القرآن مخلوق.
قال: فأخبرته بعذره، وأنه أظهر الندامة، وأخبر الناس بالرجوع.
قال: فأقرئه السلام.
فقلت له بعد: إني أريد أن أخرج إلى بغداد، أفلك حاجة؟
قال: نعم، إذا أتيت بغداد فأْتِ أحمد بن حنبل فأقرئه مني السلام، وقل له: يا هذا، اتق اللَّه وتقرب إلى اللَّه بما أنت فيه، ولا يستفزنك أحد، فإنك إن شاء اللَّه مشرف على الجنة، وقل له: حدثنا الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن
стр. 428
أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أرادكم على معصية اللَّه فلا تطيعوه" (١).
فأتيت أحمد بن حنبل في السجن فدخلت عليه، فسلمت عليه وأقرأته السلام، وقلت له هذا الكلام والحديث، فأطرق أحمد إطراقة ثم رفع رأسه فقال: ﵀ حيًّا وميتًا، فلقد أحسن النصيحة.
"تاريخ بغداد" ٧/ ٢٨ - ٢٩
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: ثنا أبي قال: ثنا أحمد بن أبي الحواري عن بعض أصحابه قال: قال أحمد بن حنبل: ما سمعت كلمة كانت أوقع في قلبي من كلمة سمعتها من أعرابي في رحبة طوق، قال لي: يا أحمد، إن قتلك الحق مت شهيدًا، وإن عشت عشت حميدًا.
قال ابن أبي حاتم: قال أبي: فكان كما قال، لقد رفع اللَّه شأن أحمد بن حنبل بعد ما امتحن، وعظم عند الناس وارتفع أمره جدًا.
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٣٩٠
قال ابن الجوزي: أخبرنا محمد بن ناصر قال: أنبأنا أحمد بن أبي سعد النيسابوري قال: سمعت عبد اللَّه بن يوسف يقول: سمعت أبا العباس الأصم يقول: سمعت العباس بن محمد الدوري يقول: سمعت أبا جعفر الأنباري يقول: لما حمل أحمد بن حنبل إلى المأمون أخبرت، فعبرت الفرات فإذا هو جالس في الخان، فسلمت عليه، فقال: يا أبا جعفر، تعنيت؟
стр. 429
فقلت: ليس هذا عناء، وقلت له: يا هذا أنت اليوم رأس، والناس يقتدون بك، فواللَّه لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن بإجابتك خلق كثير من خلق اللَّه، وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فأنت تموت، ولا بدَّ من الموت، فاتق اللَّه ولا تجبهم إلى شيء.
فجعل أحمد يبكي ويقول: ما شاء اللَّه، ما شاء اللَّه.
ثم قال لي أحمد: يا أبا جعفر، أعد علي ما قلت، فأعدت عليه، فجعل يقول: ما شاء اللَّه، ما شاء اللَّه.
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٣٩١
قال أبو عبد اللَّه محمد بن الحسن بن علي البخاري: سمعت محمد بن إبراهيم البوشنجي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: دعوت ربي ثلاث دعوات، فتبينت الإجابة في ثنتين، دعوته ألا يجمع بيني وبين المأمون، ودعوته ألا أرى المتوكل، فلم أر المأمون، مات بالبذندون -وهو نهر الروم- وأحمد محبوس بالرقة، حتى بويع المعتصم بالروم، ورجع فرد أحمد إلى بغداد سنة ثمان عشرة ومائتين، والمعتصم امتحنه.
فأما المتوكل فإنه لما أحضر أحمد دار الخلافة ليحدث ولده، قعد له المتوكل في خوخة، حتى نظر إلى أحمد ولم يره أحمد.
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٣٩٢
قال ابن الجوزي: أخبرني أبو العباس -وكان من حفاظ أهل الحديث- أنهم دخلوا على أحمد بالرقة وهو محبوس، فجعلوا يذاكرونه ما يروى في التقية من الأحاديث.
стр. 430
فقال أحمد: وكيف تصنعون بحديث خباب: "إن من كان قبلكم كان ينشر أحدهم بالمنشار ثم لا يصده ذلك عن دينه" (١).
قال: فيئسنا منه.
فقال أحمد: لست أبالي بالحبس، ما هو ومنزلي إلا واحد، ولا قتلا بالسيف، إنما أخاف فتنة بالسوط، وأخاف ألا أصبر.
فسمعه بعض أهل الحبس وهو يقول ذلك فقال: لا عليك يا أبا عبد اللَّه، فما هو إلا سوطان ثم لا تدري أين يقع الباقي. فكأنه سري عنه، ورد من الرقة وحبس.
"مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٣٩٤
قال أبو علي حنبل بن إسحاق بن حنبل: سمعت أبا عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل، وذكر الذين حملوا إلى الرقة إلى المأمون وأجابوا، فذكرهم أبو عبد اللَّه بعد ذلك فقال: هؤلاء لو كانوا صبروا وقاموا للَّه لكان الأمر قد انقطع، وحذرهم الرجل -يعني: المأمون- ولكن لما أجابوا وهم عين البلد اجترأ على غيرهم.
وكان أبو عبد اللَّه إذا ذكرهم اغتم لذلك ويقول: هم أول من ثلم هذِه الثلمة وأفسد هذا الأمر.
قال أبو علي حنبل: وكان أول من حمل للمحنة هؤلاء السبعة، جاء كتاب المأمون في أمرهم أن يحملوا إليه ولم يمتحنوا هاهنا، وإنما أخرجهم إليه فأجابوه بالرَّقة، وكانوا: يحيى بن معين، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وأحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقَي، وإسماعيل الجوزي،
стр. 431
ومحمد بن سعد كاتب الواقدي، وأبو مسلم عبد الرحمن بن يونس المستملي، وابن أبي مسعود.
فحضرتهم حين أخرجوا إلى الرقة في الخان بباب الأنبار، فأخرجوا جميعا فأجابوا وأطلقوا.
قال: ثم ورد كتاب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بإحضار أبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل، وعبيد اللَّه بن عمر القواريري، والحسن بن حماد سجادة، ومحمد بن نوح بن ميمون، وأن يمتحنهم.
فوجه إليهم إسحاق، فأخذهم وأنا بالكوفة عند أبي نعيم، فقدمت بعد ذلك فأخبرني أبي بعد قدومي أن أبا عبد اللَّه أتاه صاحب الريع وقت غروب الشمس فذهب به.
قال أبي: فذهبت معه فقال: إذا كان غدًا فاحضر دار الأمير.
قال أبي: فقلت لأبي عبد اللَّه: لو تواريت.
فقال: كيف أتوارى؟ إن تواريت لم آمن عليك وعلى ولدي وولدك، ويلقى الناس بسببي المكروه، ولكني أنظر ما يكون.
فلما كان من الغد حضر أبو عبد اللَّه والمسمون معه فأدخلوا إلى إسحاق فامتحنهم، فأبى أبو عبد اللَّه والقوم أن يجيبوا جميعًا.
فسمعت أبا عبد اللَّه يقول بعد ما أخرج من الحبس: لما أدخلنا على إسحاق بن إبراهيم قرأ علينا كتاب الرجل -يعني: المأمون- الكتاب الذي كتب به إلى إسحاق تسمية رجل رجل بنسبه وبلقبه، وكان فيه: أما أحمد فذاك الصبي، وأما ابن نوح فما له ولهذا؟ ! عليه بالغيبة، وأما فلان فالآكل أموال اليتامى، وأما فلان فكذا، يسمي رجلًا رجلًا.
стр. 432
قال أبو عبد اللَّه: وكان في الكتاب: اقرأ عليهم: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
قال أبو عبد اللَّه: فلما قرأ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ قلت: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فقال إسحاق: ما أردت بهذا؟ فقلت: كتاب اللَّه ، ولم أزد في كتابه شيئًا كما قال ووصف ﵎.
ثم امتحن القوم، فمن لم يجبه وامتنع عليه أمر بحبسه وتقييده، فلما كان بعد ذلك دعا بالقواريري وسجادة، فأجابا وخلى عنهما، وكان أبو عبد اللَّه بعد ذلك يعذر القواريري وسجادة، يقول: قد أعذرا وحبسا وقيدا، وقال اللَّه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ ثم قال: القيد كره، والحبس كره.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٣٩ - ٤٣
قال أبو طاهر السلفي: أخبرنا أبو محمد الحسن بن عبد الملك بن محمد بن يوسف، وأخبرنا أبو طالب المبارك بن علي بن محمد بن خضير الصيرفي ببغداد، أخبرنا أبو طاهر عبد الرحمن بن أحمد بن عبد القادر، وأبو طالب عبد القادر بن محمد بن يوسف، قالوا: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن عمر بن أجمد، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن مَرْدَك البرزعي، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، حدثنا أبي قال: قال إبراهيم بن الحارث العبادي -من ولد عبادة بن الصامت، وكان رافقنا في بلاد الروم: حضر أبا عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل أبو محمد الطُّفاوي، فذكر له حديثًا.
стр. 433
فقال أبو عبد اللَّه: أخبرك بنظير هذا، لما أخرجنا جعلت أفكر فيما نحن فيه، حتى إذا صرنا إلى الرحبة أُنزلنا خارجًا من البيوت مما يلي البرية، فعامة من كان معنا ناموا، فجعلت أفكر في تلك البرية، وماذا أقول إذا صرت إلى ذلك؟ فأنا في تلك الحال إذ مددت بصري إذا بشيء لم أستبنه، فلم يزل يدنو حتى استبان، فإذا بأعرابي عليه ثياب الأعراب قد دنا، وجعل يتخطى تلك المحامل حتى صار إلي، فوقف علي فسلم ثم قال: أنت أحمد بن حنبل؟
فسكتُّ تعجبا، ثم قال الثانية: أنت أحمد بن حنبل؟
فسكتُّ فلم أجبه، فبرك على ركبتيه وقال: أنت أبو عبد اللَّه أحمد بن حنبل؟ قلت: نعم، فقال: أبشر واصبر، فإنما هي ضربة هاهنا، وتدخل الجنة هنا.
وزادني بعض أصحابنا أنه قال له الأعرابي: تحب اللَّه؟
قال أبو عبد اللَّه: قلت: نعم.
قال: فإنك إن أحببت اللَّه أحببت لقاءه.
ثم مضى فلم أزل أنظر إليه حتى غاب فلم أره.
قال له أبو محمد الطُّفاوي: احمدِ اللَّه يا أبا عبد اللَّه، فإنك محمود عند العامة.
فقال أبو عبد اللَّه: أحمد اللَّه على ديني، إنما هذا دين، ولو قلت لهم كفرت.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٤٨ - ٤٩
قال حنبل: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: كنت أدعو اللَّه ألا يريني وجهه -يعني: المأمون- وذلك أنه بلغني عنه أنه يقول: لئن وقعت عيني عليه لأقطعنه إربا إربا.
стр. 434
قال أبو عبد اللَّه: فكنت أدعو اللَّه: لا ترني وجهه، فلما دخلنا طرسوس أقمنا أيامًا وأنا في ذلك، إذا رجل قد دخل علينا، فقال لي: يا أبا عبد اللَّه، قد مات الرجل. فحمدت اللَّه تعالى، وكنت على ذلك أتوقع الفرج، إذ دخل علينا رجل فقال: إنه قد صار مع أبي إسحاق -يعني: المعتصم- رجل يقال له: ابن أبي دؤاد، وقد أمر بإحضاركم إلى بغداد. فجاءني أمر آخر وحمدت اللَّه على ذلك، وطمعت وقلت: إنا قد استرحنا حين قيل لنا: انحدروا إلى بغداد.
قال أبو عبد اللَّه: فصيَّرتُ في سفينة من الرقة مع أسراهم، فكنت في أمر عظيم -يعني: من الأذى.
فقدم أبو عبد اللَّه بغداد، فجلس في دار عمارة في اصطبل لمحمد بن إبراهيم -أخي إسحاق بن إبراهيم- وكان في حبسٍ ضيق، ومرض أبو عبد اللَّه وكان في شهر رمضان، وكان مقيدًا، وكان في أمر عظيم، فحبس في ذلك الحبس قليلا، ثم حول إلى التعيين إلى سجن العامة، فمكث في السجن نحوًا من ثلاثين شهرًا، فكنا نأتيه في السجن أنا وأبي وأصحاب أبي عبد اللَّه، فأكثر ذلك ندخل عليه، وربما حجبنا.
فسأله أبي فقال: تُحدِّث أبا علي وتقرأ عليه، فإنك فارغ.
فأجابه، فقرأ عليّ كتاب الإرجاء وغيره في الحبس، فرأيتُ أبا عبد اللَّه يُصلي بأهل الحبس وهو محبوس معهم وعليه القيد، وكان قيدا واسعًا، فكان في وقت الصلاة والوضوء والنوم يخرج إحدى الحلقتين من إحدى رجليه ويشدها على ساقه، فإذا صلى ردَّها في رجليه، وذلك بغير علم من إسحاق بن إبراهيم.
فقلت له في الحبس: يا عم، أراك تصلي بأهل الحبس!
стр. 435
فقال: ألا تراني وما أصنع؟ ! -يعني: في إخراج القيد من إحدى رجليه- قلت: بلى.
ثم ذكر أبو عبد اللَّه حُجر بن عدي أصحابه (١)، فقال: أليس كانوا مقيدين؟ أليس كانوا يصلون جماعة؟ ! على الضرورة لا بأس بذلك.
قال أبو عبد اللَّه: وإن كان فيهم مطلق ورضوه صلى بهم.
قلت: فالذي في رجليه القيد لا يمكنه أن يقعد في الصلاة على ما فعل رسول اللَّه ﷺ في الركعة الأخيرة يمنعه القيد من ذلك.
فقال أبو عبد اللَّه: كيفما تيسر له وأطاق، إلا أني أطيق ذلك؛ لأني أخرجه من رجلي.
ثم قال: فكرت في أمرنا فرأيت مثلنا في هذا الأمر مثل حجر وأصحابه لما أخرجوا وقيدوا، فكأنا كنا في مثال أمرهم. ثم قال أبو عبد اللَّه: أولئك أنكروا شيئًا ونحن دُعِينا إلى الكفر باللَّه، فالحمد للَّه على معونته وإحسانه، سبحان اللَّه لهذا الأمر الذي ابتلى اللَّه به العباد.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٥١ - ٥٤
وقال محمود بن عبد الرحمن: لما حُمل أبو عبد اللَّه ومحمد بن نوح وصارا إلى حبسٍ بطاطيا، حانت الظهر فأنيخ له البعير، وذهب محمد بن نوح يتهيأ للصلاة، فجاء وهو يبكي.
فقال أبو عبد اللَّه: ما يبكيك يا أبا عبد اللَّه؟ فقال: يا أبا عبد اللَّه، واللَّه ما أبكي أسًى على أهل ولا مال ولا ولد،
стр. 436
ولكنا نقدم على هذا الرجل وما ندري ما يكون حالنا.
فقال له أبو عبد اللَّه: أبشر، فلست تراه ولا يراك.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٥٥
قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الهمذاني: سمعت بعض أصحابنا من المحدثين يقول: لما حمل أحمد إلى المصيصة دخل عليه أبو ثوبة الربيع بن نافع الحلبي، فقال: يا هذا، إن أعين الناس ممدودة إليك، فإن كنت تعلم أنك تقوم المقام الذي فيه استنقاذك واستنقاذ الخلق فيما بينهم وبين اللَّه تعالى، وإلا فاجعل الذي في رجلك في رجلي، وقم فاخرج.
قال: فقال: يا هذا! أتظن أن نفسك أعز علي من نفسي؟ ! لا آثرتك بهذا المقام أبدًا. أو نحوه.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٥٦.
قال عباس بن عبد اللَّه البغدادي: كنت في مجلس الرمادي فحدثني من سمع القواريري يقول: لما حملنا إلى المأمون إلى بلاد الروم في أيام المحنة، سرنا حتى قربنا من الرقة في ليلة قمراء، فإذا أنا بشاب يدق المحمل، فأشرفت عليه وقلت: ما وراءك؟
فقال: بشر أحمد أن المأمون قد مات في هذِه الساعة.
قال القواريري: فنظرت إلى أحمد وهو رافع يديه يدعو، فما شككنا أنه دعا عليه فاستجيب له.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٦١ - ٦٢
قال أحمد بن نصر: سمعت عبد اللَّه بن أحمد يقول: سمعت أبي يقول: كنت في الحبس، فرأيت كأن قائلًا يقول لي: يا أحمد، ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
فقلت: ما شاء اللَّه.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٦٨
стр. 437
٨٦ - فصل: محنة الإمام مع المعتصم
قال أبو الفضل: قال أبي ﵀: لما كان في شهر رمضان ليلة تسع عشرة خلت منه، حولت من السجن إلى دار إسحاق بن إبراهيم، وأنا مقيد بقيد واحد، يوجه إلي كل يوم رجلين -سماهما أبي، قال أبو الفضل: وهما أجمد بن رباح وأبو شعيب -الحجام- يكلماني ويناظراني، فإذا أرادا الانصراف، دعي بقيد فقيدت فمكثت على هذِه الحال ثلاثة أيام، وصار في رجلي أربعة أقياد.
فقال لي أحدهما في بعض الأيام في كلام دار، وسألته عن علم اللَّه؟
فقال: علم اللَّه مخلوق. قلت: يا كافر، كفرت.
فقال لي الرسول الذي كان يحضر معهم من قبل إسحاق: هذا رسول أمير المؤمنين.
قال: فقلت: إن هذا قد كفر. وكان صاحبه الذي يجيء معه خارجًا، فلما دخل قلت: إن هذا زعم أن علم اللَّه مخلوق.
فنظر إليه كالمنكر عليه. قال: ثم انصرف.
قال أبي: وأسماء اللَّه في القرآن، والقرآن من علم اللَّه، فمن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر، ومن زعم أن أسماء اللَّه مخلوقة فقد كفر.
قال أبي: فلما كان الليلة الرابعة بعد عشاء الآخرة وجه -يعني: المعتصم- ببغا (١) إلى إسحاق يأمره بحملي، فأدخلت على إسحاق، فقال لي: يا أحمد، إنها واللَّه نفسك، إنه قد حلف ألا يقتلك بالسيف،
стр. 438
وأن يضربك ضربا بعد ضرب، وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس، أليس قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أفيكون مجعولا إلا مخلوقا؟
قال أبي: فقلت: فقد قال اللَّه تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ أفخلقهم؟ !
قال: فقال: اذهبوا به. قال أبي: فأنُزلت إلى شاطئ دجلة، فأحدرت إلى الموضع المعروف بباب البستان، ومعي بغا الكبير ورسول من قبل إسحاق، فقال بغا لمحمد الحارس بالفارسية: ما يريدون من هذا؟
قال: يريدون منه أن يقول: القرآن مخلوق.
فقال: ما أعرف شيئا من هذا إلا قول: لا إله إلا اللَّه، وأن محمدا رسول اللَّه، وقرابة أمير المؤمنين من النبي ﷺ .
قال أبي: فلما صرنا إلى الشط، أخرجت من الزورق، وحملت على دابة، والأقياد عليَّ، وما معي أحد يمسكني، فجعلت أكاد أخِرُّ على وجهي حتى انتهى بي إلى الدار، فأُدخلت ثم خُرج بي إلى حجرة، فصيرت في بيت منها، وأغلق علي الباب، وأقعد عليه رجل، وذلك في جوف الليل، وليس في البيت سراج، فاحتجت إلى الوضوء، فمددت يدي أطلب شيئا، فإذا بإناء فيه ماء وطست، فتهيأت للصلاة، وقمت أصلي.
فلما أصبحت جاءني الرسول، فأخذ بيدي فأدخلني الدار، وإذا هو جالس، وابن أبي دؤاد حاضر، وقد جمع أصحابه والدار غاصة بأهلها، فلما دنوت منه سلمت، فقال: أدنه، أدنه.
فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال لي: اجلس. فجلست. وقد أثقلتني الأقياد، فلما مكثت هنيهة، قلت: تأذن في الكلام.
قال: تكلم. قلت: إلامَ دعا إليه رسوله؟
стр. 439
قال: إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه.
قال: فقلت: فأنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه.
قال: ثم قلت: إن جدك ابن عباس حكى أن وفد عبد القيس لما قدموا على النبي ﷺ أمرهم بالإيمان باللَّه تعالى، فقال: "أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أعلم.
قَالَ: "شَهَادَةُ أَن لَا إله إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَن تُعْطُوا الخُمُسَ مِنْ المَغْنَمِ".
قال أبو الفضل: حدثني أبي قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة قال: حدثني أبو جمرة قال: سمعت ابن عباس ﵁ قال: إن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول اللَّه ﷺ أمرهم بالإيمان (١)، فذكر مثل ذلك.
قال أبو الفضل: قال أبي: فقال لي عند ذلك: لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك، ثم التفت إلى عبد الرحمن بن إسحاق فقال له: يا عبد الرحمن، ألم آمرك أن ترفع المحنة؟
قال أبي: فقلت في نفسي: اللَّه أكبر، إن في هذا لفرجا للمسلمين.
قال: ثم قال: ناظروه، وكلموه. ثم قال: يا عبد الرحمن، كلمه.
فقال لي عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟
قلت: ما تقول في علم اللَّه؟ قال: فسكت.
قال أبي: فجعل يكلمني هذا وهذا، فأرد على هذا، ثم أقول: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئًا من كتاب اللَّه أو سنة رسوله أقول به.
فيقول لي ابن أبي دؤاد: وأنت لا تقول إلا كما في كتاب اللَّه أو سنة
стр. 440
رسوله! قال: فقلت له: تأولت تأويلًا فأنت أعلم، وما تأولت ما يحبس عليه ويقيد عليه.
قال: فقال ابن أبي دؤاد: فهو واللَّه يا أمير المؤمنين ضال مضل مبتدع يا أمير المؤمنين، وهؤلاء قضاتك والفقهاء فسلهم.
قال: فيقول لهم: ما تقولون؟
فيقولون: يا أمير المؤمنين، هو ضال مضل مبتدع.
قال: فلا يزالون يكلموني. وقال: وجعل صوتي يعلو على أصواتهم، فقال لي إنسان منهم: قال اللَّه تعالى ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] فيكون محدثًا إلا مخلوقًا.
قلت له: قال اللَّه تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] فالذكر هو القرآن، وتلك ليس فيها ألف ولام.
قال: فجعل ابن سماعة لا يفهم ما أقول.
قال: فجعل يقول لهم ما يقول؟ قال: فقالوا: إنه يقول كذا وكذا.
قال: فقال لي إنسان منهم: حديث خباب: يا هنتاه، تقرب إلى اللَّه بما استطعت؛ فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه (١).
قال: فقلت: نعم هكذا هو.
قال: فجعل ابن أبي دؤاد ينظر إليه، ويلحظه متغيظا عليه.
قال أبي: وقال بعضهم: أليس قال: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢].
قال: قلت: قد قال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] فدمرت إلا ما أراد اللَّه.
стр. 441
وقال: فقال لي بعضهم فيما يقول، وذكر حديث عمران بن حصين: "إن اللَّه ﵎ كتب الذكر" (١) فقال: إن اللَّه خلق الذكر.
قال: فقلت: هذا خطأ. حدثنا غير واحد: "كتب الذكر".
قال أبي: فكان إذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد يتكلم، فلما قارب الزوال، قال لهم: قوموا.
ثم حبس عبد الرحمن بن إسحاق فخلا بي وبعبد الرحمن، فجعل يقول لي: أما كنت تعرف صالحا الرشيدي؟ كان مؤدبي، وكان في هذا الموضع جالسا. وأشار إلى ناحية من الدار، قال: فتكلم وذكر القرآن، فخالفني، فأمرت به فسحب ووطئ.
قال أبي: ثم جعل يقول لي: ما أعرفك، ألم تكن تأتينا؟
فقال له عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين، أعرفه منذ ثلاثين سنة، يرى طاعتك والحج والجهاد معك، وهو ملازم لمنزله.
قال: فجعل يقول: واللَّه إنه لفقيه، وإنه لعالم، ومما يسرني أن يكون مثله معي يرد عني أهل الملل، ولئن أجابني إلى شيء له فيه أدنى فرج لأطلقن عنه بيدي، ولأوطئن عقبه، ولأركبن إليه بجندي.
قال: ثم التفت إلي فيقول: ويحك يا أحمد ما تقول؟ قال: فأقول: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئا من كتاب اللَّه أو سنة رسوله.
فلما طال بنا المجلس ضجر فقام، فرددت إلى الموضع الذي كنت فيه، ثم وجه إلي برجلين -سماهما وهما: صاحب الشافعي وغسان، من أصحاب ابن أبي دؤاد- يناظراني فيقيمان معي، حتى إذا حضر
стр. 442
الإفطار وجه إلينا بمائدة عليها طعام، فجعلا يأكلان، وجعلت أتعلل حتى رفع المائدة، وأقاما إلى غد، وفي خلال ذلك يجيء ابن أبي دؤاد فيقول لي: يا أحمد، يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول؟
فأقول له: أعطوني شيئا من كتاب اللَّه أو سنة رسوله حتى أقول به. فقال لي ابن أبي دؤاد: واللَّه لقد كتب اسمك في السبعة فمحوته، ولقد ساءني أخذهم إياك، وإنه واللَّه ليس هو السيف، إنه ضرب بعد ضرب، ثم يقول لي: ما تقول؟ فأرد عليه نحوًا مما رددت عليه، ثم يأتي رسوله، فيقول: أين أحمد بن عمار؟ أخو الرجل الذي أنزلت في حجرته، فيذهب ثم يعود، فيقول: يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول؟
فأرد عليه نحوا مما رددت على ابن أبي دؤاد، فلا تزال رسله تأتي. قال أحمد بن عمار وهو يختلف فيما بيني وبينه، ويقول: يقول لك أمير المؤمنين: أجبني حتى أجيء فأطلق عنك بيدي.
قال: فلما كان في اليوم الثاني أدخلت عليه، فقال: ناظروه، كلموه.
قال: فجعلوا يتكلمون، هذا من هاهنا وهذا من هاهنا، فأرد على هذا وهذا، فإذا جاءوا بشيء من الكلام مما ليس في كتاب اللَّه ولا سنة رسوله ﷺ ، ولا فيه خبر ولا أثر، قلت: ما أدري ما هذا؟ فيقولون: يا أمير المؤمنين، إذا توجهت عليه الحجة علينا وثب، وإذا كلمناه بشيء يقول: لا أدري ما هذا؟ قال: فيقول: ناظروه.
قال: ثم يقول: يا أحمد، إني عليك شفيق.
فقال رجل منهم: أراك تذكر الحديث وتنتحله.
قال: فقلت له: ما تقول في قول اللَّه تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
стр. 443
فقال: خص اللَّه بها المؤمنين. قال: فقلت له: ما تقول: إن كان قاتلًا أو كان قاتلًا عبدا يهوديا أو نصرانيا؟ قال: فسكت.
قال أبي: وإنما احتججت عليه بهذا؛ لأنهم كانوا يحتجون علي بظاهر القرآن، ولقوله: أراك تنتحل الحديث.
وكان إذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد، فيقول: يا أمير المؤمنين، واللَّه لئن أجابك لهو أحب إلي من مائة ألف دينار، ومائة ألف دينار. فيعيد ما شاء اللَّه من ذلك، ثم أمرهم بعد ذلك بالقيام، وخلا بي وبعبد الرحمن، فيدور بيننا كلام كثير، وفي خلال ذلك يقول لي: تدعو أحمد بن أبي دؤاد.
فأقول: ذلك إليك.
فيوجه إليه فيجيء فيتكلم، فلما طال بنا المجلس قام، ورددت إلى الموضع الذي كنت فيه، وجاءني الرجلان اللذان كانا عندي بالأمس، فجعلا يتكلمان، فدار بيننا كلام كثير، فلما كان وقت الإفطار جيء بطعام على نحو مما أتي به في أولى ليلة فأفطرا وتعللت، وجعلت رسله تأتي أحمد بن عمار، فيمضي إليه ويأتيني برسالته على نحو مما كان أول ليلة، وجاءني ابن أبي دؤاد فقال: إنه قد حلف أن يضربك ضربا بعد ضرب، وأن يحبسك في موضع لا ترى فيه الشمس.
فقلت له: فما أصنع؟ .
حتى إذا كدت أن أصبح قلت: لخليق أن يحدث من أمري في هذا اليوم شيء. وقد كنت أخرجت تكَّتي من سراويلي، فشددت بها الأقياد أحملها بها إذا توجهت إليهم، فقلت لبعض من كان مع الموكلين: ارتَدْ لي خيطا، فجاءني بخيط، فشددت بها الأقياد، وأعدت التكة في
стр. 444
السراويل، ولبسته كراهية أن يحدث شيئا من أمري فأتعرى.
فلما كان في اليوم الثالث أدخلت عليه والقوم حضور، فجعلت أدخل من دار إلى دار وقوم معهم السيوف، وقوم معهم السياط، وغير ذلك من الزي والسلاح وقد حشرت الدار الجند، ولم يكن في اليومين الماضيين كثير أحد من هؤلاء، حتى إذا صرت إليه قال: ناظروه كلموه.
فعادوا بمثل مناظرتهم، ودار بيننا كلام كثير، حتى إذا كان في الوقت الذي يخلو فيه، فجاءني ثم اجتمعوا فشاورهم، ثم نحاهم ودعاني فخلا بي وبعبد الرحمن، فقال لي: ويحك يا أحمد، أنا عليك واللَّه شفيق، وإني لأشفق عليك مثل شفقتي على هارون ابني فأجبني.
فقلت: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئا من كتاب اللَّه أو سنة رسوله ﷺ .
فلما ضجر وطال المجلس قال لي: عليك لعنة اللَّه، لقد كنت طمعت فيك، خذوه واسحبوه. قال: فأخذت وسحبت ثم خلعت، ثم قال: العقابين والسياط. فجيء بالعقابين والسياط.
قال أبي: وقد كان صار إلي شعرة أو شعرتان من شعر النبي ﷺ فصررتهما كم قميصي، فنظر إسحاق بن إبراهيم إلى الصرة في كم قميصي فوجه إلي: ما هذا المصرور في كمك؟ فقلت: شعر من شعر النبي ﷺ .
وسعى بعض القوم إلى القميص ليخرقه في وقت ما أقمت بين العقابين فقال لهم -يعني: المعتصم- لا تخرقوه انزعوه عنه.
قال: إني ظننت أنه درئ عن القميص الخرق بسبب الشعر الذي كان فيه، ثم صيرت بين العقابين وشدت يدي، وجيء بكرسي فجلس عليه، وابن أبي دؤاد قائم على رأسه، والناس أجمعون قيام ممن حضر، فقال
стр. 445
لي إنسان ممن شدني: خذ بأي الخشبتين بيدك وشد عليهما. فلم أفهم ما قال، فتخالعتْ يداي لما شدت، ولم أمسك الخشبتين.
قال أبو الفضل: ولم يزل أبي رحمة اللَّه عليه يتوجع منهما إلى أن توفي.
ثم قال للجلادين: تقدموا، فنظر إلى السياط فقال: ائتوا بغيرها.
ثم قال لهم: تقدموا، فقال لأحدهم: ادنه، أوجع، قطع اللَّه يدك.
فتقدم فضربني سوطين ثم تنحى، ثم قال لآخر: ادنه، أوجع، شد، قطع اللَّه يدك، ثم تقدم فضربني سوطين ثم تنحى.
فلم يزل يدعو واحدا بعد واحد يضربني سوطين ويتنحى، ثم قام حتى جاءني وهم محدقون بي فقال: ويحك يا أحمد، تقتل نفسك! ويحك أجبني حتى أطلق عنك بيدي!
فجعل بعضهم يقول لي: ويلك إمامك على رأسك قائم!
قال لي عجيف: فنخسني بقائم سيفه ويقول: تريد أن تغلب هؤلاء كلهم! وجعل إسحاق بن إبراهيم يقول: ويحك الخليفة على رأسك قائم!
قال: ثم يقول بعضهم: يا أمير المؤمنين دمه في عنقي.
قال: ثم رجع فجلس على الكرسي، ثم قال للجلاد: ادنه، شد، قطع اللَّه يدك. ثم لم يزل يدعو بجلاد بعد جلاد فيضربني بسوطين ويتنحى، وهو يقول: شد، قطع اللَّه يدك، ثم قام إليّ الثانية فجعل يقول: يا أحمد، أجبني.
فجعل عبد الرحمن بن إسحاق يقول: من صنع بنفسه من أصحابك في هذا الأمر ما صنعت؟ ! هذا يحيى بن معين، وهذا أبو خيثمة وابن أبي إسرائيل! وجعل يعد عليَّ من أجاب.
قال: وجعل وهو يقول: ويحك أجبني. قال: فجعلت أقول نحو
стр. 446
ما كنت أقول لهم.
قال: فرجع فجلس ثم جعل يقول للجلاد: شد، قطع اللَّه يدك.
قال أبي: فذهب عقلي فما عقلت إلا وأنا في حجرة مطلق عني الأقياد، وقال لي إنسان ممن حضر: إنا أكببناك على وجهك وطرحنا على ظهرك بارية ودسناك.
قال أبي: فقلت: ما شعرت بذاك. قال: فجاءوني بسويق فقالوا: اشرب. فقلت: لا أفطر. فجيء به إلى دار إسحاق بن إبراهيم.
قال أبي: فنودي بصلاة الظهر فصلينا الظهر.
وقال ابن سماعة: صليتَ والدم يسيل من ضربك؟
فقلت: به صلى عمر وجرحه يثعب دما (١). فسكت.
стр. 447
ثم خلي عنه فصار إلى المنزل، ووجه إليه الرجل من السجن ممن يبصر الضرب والجراحات يعالج منه فنظر إليه، فقال: قال لنا: واللَّه لقد رأيت منه ضرب السيوط ما رأيت ضربًا أشد من هذا، لقد جر عليه من خلفه ومن قدامه. ثم أدخل ميلًا في بعض تلك الجراحات، فقال: لم ينفذ. فجعل يأتيه فيعالجه، وقد كان أصاب وجهه غير ضربة ثم مكث يعالجه ما شاء اللَّه، ثم قال له: إن هذا شيء أريد أن أقطعه، فجاء بحديدة فجعل يعلق اللحم بها ويقطعه بسكين معه، وهو صابر يحمد اللَّه لذلك فبرأ منه، ولم يزل يتوجع من مواضع منه، وكان أثر الضرب بَيِّنًا في ظهره إلى أن توفي رحمة اللَّه عليه.
قال صالح: سمعت أبي يقول: واللَّه لقد أعطيت المجهود من نفسي، ولوددت أن أنجو من هذا الأمر كفافا لا علي ولا لي.
قال أبو الفضل: أخبرني أحد الرجلين اللذين كانا معه -وقد كان هذا الرجل صاحب حديث قد سمع ونظر، ثم جاءني بعد فقال: يا ابن أخي، رحمة اللَّه على أبي عبد اللَّه، واللَّه ما رأيت أحدا -يعني: يشبهه.
لقد جعلت أقول له في وقت ما يوجه إلينا الطعام: يا أبا عبد اللَّه، أنت صائم وأنت في موضع تقية! ولقد عطش.
فقال لصاحب الشراب: ناولني.
فناوله قدحا فيه ماء ثلج فأخذه فنظر إليه هنيهة ثم رده عليه، قال: فجعلت أعجب من صبره على الجوع والعطش وما هو فيه من الهول.
قال أبو الفضل: قد كنت ألتمس وأحتال أن أوصل إليه طعامًا أو رغيفًا أو رغيفين في هذِه الأيام فلم أقدر على ذلك.
وأخبرني رجل حضره قال: فقدته في هذِه الأيام الثلاثة وهم يناظرونه
стр. 448
ويكلمونه، فما لحن ولا ظننت أن يكون أحد في مثل شجاعته وشدة قلبه.
قال أبو الفضل: دخلت على أبي رحمة اللَّه عليه يومًا وقلت له: بلغني أن رجلًا جاء إلى فضل الأنماطي، فقال: اجعلني في حل إذ لم أقم بنصرتك. فقال فضل: لا جعلت أحدا في حل.
فتبسم أبي وسكت، فلما كان بعد أيام مررت بهذِه الآية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] فنظرت في تفسيرها فإذا هو ما حدثني به هاشم بن القاسم قال: حدثنا المبارك قال: حدثني من سمع الحسن يقول: إذا جثت الأمم بين يدي اللَّه ﵎ يوم القيامة نودوا: ليقم من أجره على اللَّه. فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا (١).
قال أبي: فجعلت الميت في حل من ضربه إياي، ثم جعل يقول: وما على رجل ألا يعذب اللَّه بسببه أحدًا.
"سيرة الإمام أحمد" لصالح ص ٥١ - ٦٥
قال ابن بطة: وأخبرني أبو عمرو عثمان بن عمر قال: حدثنا أحمد بن محمد بن هارون قال: وأخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الحميد الكوفي قال: سمعت عبيد بن محمد القصير قال: سمعت من حضر مجلس أبي إسحاق يوم ضرب أحمد بن حنبل، فقال له أبو إسحاق: يا أحمد، إن كنت تخشى من هؤلاء النابتة جئتك أنا في جيشي إلى بيتك حتى أسمع منك الحديث.
قال: فقال له: يا أمير المؤمنين، خذ من غير هذا، واسأل عن العلم، واسأل عن الفقه، أي شيء تسأل عن هذا؟
стр. 449
قال عبيد بن محمد: وسمعت من حضر مجلس أبي إسحاق يوم ضرب أحمد بن حنبل قال: التفت إليه المعتصم فقال: تعرف هذا؟ قال: لا.
قال: تعرف هذا؟ قال: لا.
فالتفت أحمد فوقعت عينه على ابن أبي دؤاد، فحول وجهه، فكأنما وقعت عينه على قرد.
قال: تعرف هذا -يعني: عبد الرحمن؟ قال: نعم.
قال: قل: اللَّه رب القرآن. قال: القرآن كلام اللَّه.
قال: فشهد ابن سماعة وقتلته، فقالوا: قد كفر، اقتله ودمه في أعناقنا.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣ (٤٣٩)
قال ابن بطة: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الشيرجي قال: حدثنا أبو بكر المروذي قال: كان أبو عبد اللَّه لا يلحن في الكلام.
قال: وأخبرت أنه لما نوظر بين يدي الخليفة لم يتعلق عليه بلحن، حتى حكي أنه جعل يقول: فكيف أقول ما لم يقل؟ !
قال أبو بكر المروذي: وقال لي ابن أبي حسان الوراق: طلب مني أبو عبد اللَّه وهو في السجن كتاب حمزة في العربية؛ فدفعته إليه، فنظر فيه قبل أن يمتحن.
وقال ابن بطة: أخبرني أبو عمرو عثمان بن عمر قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون، وأخبرنا محمد بن علي السمسار قال: رأيت شيخًا قد جاء إلى أبي عبد اللَّه وهو مريض، فجعل يبكي وقال: إنه ممن حضر ضربه. فلما خرج سمعته يقول: واللَّه لقد كلمت ثلاثة من الخلفاء ووطئت بسطهم ما هبتهم، وما دخلني من الرعب ما دخلني منه وهو مسجى، واللَّه لقد رأيته يناظر وهو عالٍ عليهم قوي القلب،
стр. 450
والمعتصم يكلمه ويقول: أجبني إلى ما أسألك، أو شيء منه.
فيقول: لا أقول إلا ما في كتاب اللَّه أو سنة رسول اللَّه.
فيقول له: ألا تقول: القرآن مخلوق؟
فيقول له: وكيف أقول ما لم يقل؟ !
قال الرجل: فقلت لرجل كان إلى جانبي: ما تراه ما يرهب ما هو فيه، ولا يلحن في مثل هذا الوقت، والسياط والعقابين بين يديه، وليس في يده منه شيء!
وقال ابن بطة: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الشيرجي قال: حدثنا المروذي قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: لما ضربت كانا جلادين يضرب كل واحد منهما سوطًا ويتنحى، ويضرب الآخر سوطًا ويتنحى.
قلت: قام إليك أبو إسحاق مرتين؟ قال: أما مرة فأحفظ أنه خرج إلى الرواق وقال: خذوه. فأخذوا بضبعي وجروني نحوًا من مائة ذراع إلى العقابين فخلعوني، وأنا أجد ذلك في كتفي إلى الساعة، وكان علي شعر كثير، وانقطعت تكتي، فقلت: الآن تسود -يعني: وهو بينهم.
قلت: من ناولك خيطًا في ذلك الموضع؟ قال: لا أدري، فشددت سراويلي، وأخبرت أنهم خلعوا القميص ولم يحرقوه، وكان في كمه شعر النبي ﷺ .
قال المروذي: وبلغني عن يعقوب الفلاس قال: سمعت عيسى الفتاح يقول: قال لي أبو عبد اللَّه: يا أبا موسى! ما رأيت هؤلاء قط كان أشد علي من تلفت الجلاد، ثم يثب علي.
قال: وسمعت الفلاس يقول: سمعت عيسى الفتاح قال: قال لي
стр. 451
أبو عبد اللَّه: قال أبو إسحاق: ما رأيت ابن أنثى أشجع من هذا الرجل.
قال المروذي: وسمعت عيسى الجلاء يقول: رأى رجل في النوم قائلًا يقول: وإذا جماعة ناحية فجعل يقول: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ وأشار بيده إلى ابن أبي دؤاد وأصحابه، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩] أحمد بن حنبل وأصحابه.
قال المروذي: وأخبرت عن زياد بن أبي بادويه القصري، قال: سمعتُ الحماني يقول: رأيتُ النبي ﷺ في المنام، قد جاء فأخذ بعضادتي فقال: نجا الناجون، وهلك الهالكون. فقلت: يا رسول اللَّه، بأبي أنت وأمي مَنِ الناجون؟ قال: أحمد بن حنبل وأصحابه.
قال المروذي: وبلغني عن امرأة رأوها في النوم وقد شاب صدغها فقيل لها: ما هذا الشيب؟ فقالت: لما ضرب أحمد بن حنبل زفرت جهنم زفرة [لم] (١) يبق منا أحد إلا شاب.
وقال ابن بطة: وحدثنا أبو إسحاق الشيرجي قال: حدثنا المروذي قال: حدثنا أبو عمر المخرمي قال: كنت مع سعيد بن منصور ونحن في الطواف قال: فسمعت هاتفًا يقول: ضرب أحمد بن حنبل اليوم بالسياط؟ قال: فقال لي سعيد: أوما سمعت -أو سمعت؟ قلت: بلى.
قال -يعني: سعيد بن منصور: هذا من صالحي الجن أو من الملائكة، إن كان هذا حقّا، فإن اليوم قد ضرب أحمد بن حنبل.
فقال: فنظرنا فإذا قد ضرب في ذلك اليوم.
قال أبو عبد اللَّه: لما ضربت امتلأت ثيابي بالدماء، وكنت صائمًا،
стр. 452
فجاءوا بسويق فلم أشرب، وأتممت صومي، وكان بعض الجيران ثم حاضرًا، فأي شيء نزل به -يعني: لما امتنع أبو عبد اللَّه من شرب السويق- لا أدري، إسحاق بن إبراهيم أو غيره، قال: وبلغني أنه لم يدخل على أبي عبد اللَّه طعام في قصر إسحاق، وقد كان منع أن يدخل إليه، وقال: تأكل من طعامنا. قال أبو عبد اللَّه: فمكثت يومين لا أطعم.
قال المروذي: فقال لي النيسابوري -صاحب إسحاق بن إبراهيم: قال لي الأمير: إذا جاءوا بإفطاره فأرونيه. قال: فجاءوا برغيفين وخبازة قال: فأروه الأمير، فقال: هذا لا يجيبنا إذا كان هذا يقنعه.
"الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٦٤ - ٢٦٧ (٤٤١ - ٤٥٠)
قال أحمد بن الفرج: كنت أتولى شيئًا من أعمال السلطان، فبينا أنا ذات يوم قاعد في مجلس، إذا أنا بالناس قد أغلقوا أبواب دكاكينهم وأخذوا أسلحتهم، فقلت: ما لي أرى الناس قد استعدوا للفتنة؟ فقالوا: إن أحمد بن حنبل يحمل ليمتحن في القرآن، فلبست ثيابي وأتيت حاجب الخليفة وكان لي صادقًا فقلت: أريد أن تدخلني حتى أنظر كيف يناظر أحمد الخليفة؟ فقال: أتطيب نفسك بذلك؟ فقلت: نعم.
فجمع جماعة وأشهدهم علي وتبرأ من إثمي، ثم قال لي: امض فإذا كان يوم الدخول بعثت إليك، فلما أن كان اليوم الذي أدخل فيه أحمد على الخليفة أتاني رسوله فقال: البس ثيابك واستعد للدخول، فلبست قباء فوقه قفطان، وتمنطقت بمنطقة وتقلدت سيفًا، وأتيت الحاجب فأخذ بيدي وأدخلني إلى الفوج الأول، مما يلي أمير المؤمنين، وإذا أنا بابن الزيات وإذا بكرسي من ذهب مرصع بالجوهر، قد غشي أعلاه بالديباج، فخرج الخليفة فقعد عليه، ثم قال: أين هذا الذي يزعم أن اللَّه يتكلم
стр. 453
بجارحتين، علي به. فأدخل أحمد وعليه قميص هروي وطيلسان أزرق، وقد وضع يدًا على يد، وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه. حتى وقف بين يدي الخليفة، فقال: أنت أحمد بن حنبل؟ فقال: أنا أحمد بن محمد بن حنبل. فقال: أنت الذي بلغني أنك تقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. من أين قلت هذا؟
قال أحمد: من كتاب اللَّه تعالى وخبر نبيه ﷺ .
قال: وما قال النبي ﷺ ؟ فقال: حدثني عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن النبي ﷺ قال: إن اللَّه كلم موسى بمائة ألف كلمة وعشرين ألف كلمة وثلاثمائة كلمة وثلاث عشرة كلمة، فكان الكلام من اللَّه والاستماع من موسى، فقال موسى: أي رب، أنت الذي تكلمني أم غيرك؟ قال اللَّه تعالى: يا موسى أنا أكلمك لا رسول بيني وبينك" (١).
стр. 454
قال: كذبت على رسول اللَّه ﷺ .
قال أحمد: فإن يك هذا كذبًا مني على رسول اللَّه ﷺ فقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] فإن يكن القول من غير اللَّه فهو مخلوق، وإن كان مخلوقًا فقد ادعى حركة لا يطيق فعلها.
فالتفت إلى أحمد وابن الزيات، فقال: ناظروه.
قالوا: يا أمير المؤمنين، اقتله ودمه في أعناقنا.
قال: فرفع يده فلطم حر وجهه فخر مغشيا عليه، فتفرق وجوه قواد خراسان، وكان أبوه من أبناء قواد خراسان، فخاف الخليفة على نفسه منهم، فدعا بكوز من ماء فجعل يرش على وجهه، فلما أفاق رفع رأسه إلى عمه وهو واقف بين يدي الخليفة، فقال: يا عم، لعل هذا الماء الذي صب على وجهي غضب صاحبه عليه.
فقال الخليفة: ويحكم ما ترون ما يهجم علي من هذا الحديث، وقرابتي من رسول اللَّه ﷺ لا رفعت عنه السوط حتى يقول: القرآن مخلوق.
ثم دعا بجلاد -يقال له: أبو الدن- فقال: في كم تقتله؟
قال: في خمسة أو عشرة أو خمسة عشر أو عشرين. فقال: اقتله، فكلما أسرعت كان أخفى للأمر ثم قال: جردوه.
قال: فنزعت ثيابه ووقف بين العقابين، وتقدم أبو الدن -قطع اللَّه يده- فضربه بضعة عشر سوطًا، فأقبل الدم من أكتافه إلى الأرض، وكان أحمد ضعيف الجسم، فقال إسحاق بن إبراهيم: يا أمير المؤمنين، إنه إنسان ضعيف الجسم.
فقال: قد سمعت قولي، وقرابتي من رسول اللَّه ﷺ لا رفعت السوط
стр. 455
عنه حتى يقول كما أقول.
فقال: يا أبا عبد اللَّه، البشرى، إن أمير المؤمنين قد تاب عن مقالته وهو يقول: لا إله إلا اللَّه.
فقال أحمد: كلمة الإخلاص، وأنا أقول: لا إله إلا اللَّه.
فقال: يا أمير المؤمنين، إنه قد قال كما تقول، فقال: خلِّ سبيله.
وارتفعت بالباب، فقال: اخرج فانظر ما هذِه الضجة. فخرج ثم دخل فقال: يا أمير المؤمنين، إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فأخرج أحمد بن حنبل إني لك من الناصحين.
فأخرج وقد وضع طيلسانه وقميصه على يده، وكنتُ أول من وافى الباب فقال الناس: ما قلت يا أبا عبد اللَّه حتى نقول؟ قال: وما عسى أن أقول، اكتبوا يا أصحاب الأخبار، واشهدوا يا معشر العامة: إن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود.
قال أحمد بن الفرج: وكنت أنظر إلى أحمد بن حنبل والسوط قد أخذ كتفيه وعليه سراويل فيه خيط فانقطع الخيط، ونزل السراويل، فلحظته وقد حرك شفتيه فعاد السراويل كما كان، فسألته عن ذلك، فقال: نعم، إنه لما انقطع الخيط قلت: اللهم إلهي وسيدي، أوقفتني هذا الموقف، فلا تهتكني على رؤوس الخلائق. فعاد السراويل كما كان (١).
"حلية الأولياء" لابي نعيم ٩/ ٢٠٤ - ٢٠٦
стр. 456
قال علي بن صالح المصري: حدثنا سليمان بن عبد اللَّه السجزي قال: أتيت إلى باب المعتصم وإذا الناس قد ازدحموا على بابه كيوم العيد، فدخلت الدار فرأيت بساطا مبسوطا وكرسيًّا مطروحًا، فوقفت بإزاء الكرسي، فبينما أنا قائم فإذا المعتصم قد أقبل، فجلس على الكرسي، ونزع نعله من رجله، ووضع رجلا على رجل، ثم قال: يحضر أحمد بن حنبل، فأحضر، فلما وقف بين يديه وسلم عليه قال له: يا أحمد، تكلم ولا تخف.
فقال أحمد: واللَّه يا أمير المؤمنين، لقد دخلت عليك وما في قلبي مثقال حبة من الفزع.
فقال له المعتصم: ما تقول في القرآن؟ فقال: كلام اللَّه قديم غير مخلوق، قال اللَّه : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦].
فقال له: عندك حجة غير هذا؟ فقال أحمد: نعم يا أمير المؤمنين، قول اللَّه : ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ ولم يقل: الرحمن خلق القرآن. وقوله : ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ ولم يقل: يس والقرآن المخلوق.
فقال المعتصم: احبسوه. فحبس وتفرق الناس، فلما أصبحت قصدت الباب، فأدخل الناس فدخلت معهم، فأقبل المعتصم وجلس على كرسيه فقال: هاتوا أحمد بن حنبل. فجيء به، فلما أن وقف بين يديه، قال له المعتصم: كيف كنت يا أحمد في محبسك البارحة.
فقال: بخير والحمد للَّه، إلا أني رأيت يا أمير المؤمنين في محبسك أمرًا عجبا. قال له: وما رأيت؟ قال: قمت في نصف الليل فتوضأت للصلاة وصليت ركعتين، فقرأت في ركعة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ وفي الثانية ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ ثم
стр. 457
جلست وتشهدت وسلمت، ثم قمت فكبرت وقرأت ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وأردت أن أقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فلم أقدر، ثم اجتهدت أن أقرأ غير ذلك من القرآن فلم أقدر، فمددت عيني في زاوية السجن، فإذا القرآن مسجًّى ميتا، فغسلته وكفنته، وصليت عليه ودفنته.
فقال له: ويلك يا أحمد، والقرآن يموت؟ !
فقال له أحمد: فأنت كذا تقول: إنه مخلوق، وكل مخلوق يموت.
فقال المعتصم: قهرنا أحمد، قهرنا أحمد.
فقال ابن أبي دؤاد وبشر المريسي: اقتله حتى نستريح منه.
فقال: إني قد عاهدت اللَّه ألا أقتله بسيف ولا آمر بقتله بسيف.
فقال له ابن أبي دؤاد: اضربه بالسياط.
فقال: نعم، ثم قال: أحضروا الجلادين. فأحضروا، فقال المعتصم لواحد منهم: بكم سوط تقتله؟ فقال: بعشرة يا أمير المؤمنين.
فقال: خذه إليك.
قال سليمان السجزي: فأخرج أحمد بن حنبل من ثيابه، واتزر بمئزر من الصوف، وشد في يديه حبلان جديدان، وأخذ السوط في يده، وقال: أضربه يا أمير المؤمنين؟ فقال المعتصم: اضرب. فضربه سوطًا.
فقال أحمد: الحمد للَّه.
وضربه ثانيًا، فقال: ما شاء اللَّه كان.
فضربه ثالثًا، فقال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم.
فلما أراد أن يضربه السوط الرابع نظرت إلى المئزر من وسطه قد انحل ويريد أن يسقط، فرفع رأسه نحو السماء، وحرك شفتيه، وإذا الأرض قد انشقت وخرج منها يدان فوزرتاه بقدرة اللَّه ، فلما أن نظر المعتصم إلى
стр. 458
ذلك قال: خلوه.
فتقدم إليه ابن أبي دؤاد وقال له: يا أحمد، قل في أذني: إن القرآن مخلوق، حتى أخلصك من يد الخليفة.
فقال له أحمد: يا ابن أبي دؤاد قل في أذني: إن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، حتى أخلصك من عذاب اللَّه .
فقال المعتصم: أدخلوه الحبس.
قال سليمان: فحمل إلى الحبس، وانصرف الناس وانصرفت معهم، فلما كان الغد أقبل الناس وأقبلت معهم فوقفت بإزاء الكرسي، فخرج المعتصم وجلس على الكرسي، وقال: هاتوا أحمد بن حنبل. فجيء به، فلما وقف بين يديه قال له المعتصم: كيف كنت في محبسك الليلة يا ابن حنبل. قال: كنت بخير والحمد للَّه.
فقال: يا أحمد، إني رأيت البارحة رؤيا.
قال: وما رأيت يا أمير المؤمنين.
قال: رأيت في منامي كأن أسدين قد أقبلا إلي وأرادا أن يفترساني، وإذا ملكان قد أقبلا ودفعاهما عني، ودفعا إلي كتابا وقالا لي: هذا المكتوب رؤيا رآها أحمد بن حنبل في محبسه. فما الذي رأيت يا ابن حنبل؟ فأقبل أحمد على المعتصم، فقال له: يا أمير المؤمنين، فالكتاب معك؟ قال: نعم، وقرأته لما أصبحت وفهمت ما فيه.
فقال له أحمد: يا أمير المؤمنين رأيت كأن القيامة قد قامت، وكأن اللَّه قد جمع الأولين والآخرين في صعيد واحد وهو يحاسبهم، فبينما أنا قائم إذ نودي بي، فقدمت حتى وقفت بين يدي اللَّه ، فقال لي: يا أحمد، فيم ضربت؟ فقلت: من جهة القرآن.
стр. 459
فقال لي: وما القرآن؟ فقلت: كلامك اللهم لك.
فقال لي: من أين قلت هذا؟ فقلت: يا رب حدثني عبد الرزاق، فنودي بعبد الرزاق فجيء به حتى أقيم بين يدي اللَّه فقال له: ما تقول في القرآن يا عبد الرزاق؟ فقال: كلامك اللهم لك، فقال اللَّه : من أين قلت هذا؟ فقال: حدثني معمر، فنودي بمعمر، فجيء به حتى أوقف بين يدي اللَّه ، فقال اللَّه له: ما تقول في القرآن يا معمر؟ فقال معمر: كلامك اللهم لك.
فقال له: من أين قلت هذا؟ فقال معمر: حدثني الزهري، فنودي بالزهري، فجيء به حتى أوقف بين يدي اللَّه ، فقال اللَّه له: يا زهري ما تقول في القرآن؟ فقال الزهري: كلامك اللهم لك. فقال: يا زهري، من أين لك هذا؟ قال: حدثني عروة. فجيء به فقال: ما تقول في القرآن؟ فقال: كلامك اللهم لك.
فقال له: يا عروة، من أين لك هذا؟ فقال: حدثتني عائشة بنت أبي بكر الصديق. فنوديت عائشة، فجيء بها، فوقفت بين يدي اللَّه، فقال اللَّه لها: يا عائشة، ما تقولين في القرآن؟ فقالت: كلامك اللهم لك.
فقال اللَّه لها: من أين لك هذا؟ قالت: حدثني نبيك محمد ﷺ .
قال: فنودي بمحمد ﷺ ، فجيء به، فوقف بين يدي اللَّه ، فقال اللَّه : يا محمد ما تقول في القرآن؟ فقال له: كلامك اللهم لك.
فقال اللَّه له: من أين لك هذا؟ فقال النبي ﷺ : حدثني به جبريل.
فنودي بجبريل، فجيء به حتى وقف بين يدي اللَّه فقال له: يا جبريل ما تقول في القرآن؟ قال: كلامك اللهم لك.
فقال اللَّه تعالى له: من أين لك هذا؟ فقال: هكذا حدثنا إسرافيل.
فنودي بإسرافيل، فجيء به حتى وقف بين يدي اللَّه ، فقال اللَّه
стр. 460
سبحانه: يا إسرافيل، ما تقول في القرآن؟ فقال: كلامك اللهم لك.
فقال اللَّه له: ومن أين لك هذا؟ فقال إسرافيل: رأيتُ ذلك في اللوح المحفوظ.
فجيء باللوح، فوقف بين يدي اللَّه، فقال له: أيها اللوح، ما تقول في القرآن؟ فقال: كلامك اللهم لك.
فقال اللَّه تعالى له: من أين لك هذا؟ فقال اللوح: كذا جرى القلم علي.
فأتي بالقلم حتى وقف بين يدي اللَّه ، فقال اللَّه له: يا قلم، ما تقول في القرآن؟ فقال القلم: كلامك اللهم لك.
فقال اللَّه: من أين لك هذا؟ فقال القلم: أنت نطقت وأنا جريت.
فقال اللَّه : صدق القلم، صدق اللوح، صدق إسرافيل، صدق جبريل، صدق محمد، صدقت عائشة، صدق عروة، صدق الزهري، صدق معمر، صدق عبد الرزاق، صدق أحمد بن حنبل، القرآن كلامي غير مخلوق.
قال سليمان السجزي: فوثب عند ذلك المعتصم فقال: صدقت يا ابن حنبل. وتاب المعتصم، وأمر بضرب رقبة بشر المريسي وابن أبي دؤاد، وأكرم أحمد بن حنبل وخلع عليه، فامتنع من ذلك فأمر به فحمل إلى بيته.
"طبقات الحنابلة" ١/ ٤٣٨ - ٤٤٣
قال ميمون بن الأصبغ: سمعت المعتصم يوم المحنة يقول لأحمد: بلغني أنك تقول: إن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق؟
فقال له: أصلح اللَّه أمير المؤمنين البلاغات تزيد وتنقص.