← Акыда

Акыда · id 20879

الجامع لعلوم الإمام أحمد - العقيدة

أحمد بن حنبل

Полный текст (1 192 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

قال علي بن صالح المصري: حدثنا سليمان بن عبد اللَّه السجزي قال: أتيت إلى باب المعتصم وإذا الناس قد ازدحموا على بابه كيوم العيد، فدخلت الدار فرأيت بساطا مبسوطا وكرسيًّا مطروحًا، فوقفت بإزاء الكرسي، فبينما أنا قائم فإذا المعتصم قد أقبل، فجلس على الكرسي، ونزع نعله من رجله، ووضع رجلا على رجل، ثم قال: يحضر أحمد بن حنبل، فأحضر، فلما وقف بين يديه وسلم عليه قال له: يا أحمد، تكلم ولا تخف. فقال أحمد: واللَّه يا أمير المؤمنين، لقد دخلت عليك وما في قلبي مثقال حبة من الفزع. فقال له المعتصم: ما تقول في القرآن؟ فقال: كلام اللَّه قديم غير مخلوق، قال اللَّه : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]. فقال له: عندك حجة غير هذا؟ فقال أحمد: نعم يا أمير المؤمنين، قول اللَّه : ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ ولم يقل: الرحمن خلق القرآن. وقوله : ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ ولم يقل: يس والقرآن المخلوق. فقال المعتصم: احبسوه. فحبس وتفرق الناس، فلما أصبحت قصدت الباب، فأدخل الناس فدخلت معهم، فأقبل المعتصم وجلس على كرسيه فقال: هاتوا أحمد بن حنبل. فجيء به، فلما أن وقف بين يديه، قال له المعتصم: كيف كنت يا أحمد في محبسك البارحة. فقال: بخير والحمد للَّه، إلا أني رأيت يا أمير المؤمنين في محبسك أمرًا عجبا. قال له: وما رأيت؟ قال: قمت في نصف الليل فتوضأت للصلاة وصليت ركعتين، فقرأت في ركعة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ وفي الثانية ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ ثم

стр. 457

جلست وتشهدت وسلمت، ثم قمت فكبرت وقرأت ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وأردت أن أقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فلم أقدر، ثم اجتهدت أن أقرأ غير ذلك من القرآن فلم أقدر، فمددت عيني في زاوية السجن، فإذا القرآن مسجًّى ميتا، فغسلته وكفنته، وصليت عليه ودفنته. فقال له: ويلك يا أحمد، والقرآن يموت؟ ! فقال له أحمد: فأنت كذا تقول: إنه مخلوق، وكل مخلوق يموت. فقال المعتصم: قهرنا أحمد، قهرنا أحمد. فقال ابن أبي دؤاد وبشر المريسي: اقتله حتى نستريح منه. فقال: إني قد عاهدت اللَّه ألا أقتله بسيف ولا آمر بقتله بسيف. فقال له ابن أبي دؤاد: اضربه بالسياط. فقال: نعم، ثم قال: أحضروا الجلادين. فأحضروا، فقال المعتصم لواحد منهم: بكم سوط تقتله؟ فقال: بعشرة يا أمير المؤمنين. فقال: خذه إليك. قال سليمان السجزي: فأخرج أحمد بن حنبل من ثيابه، واتزر بمئزر من الصوف، وشد في يديه حبلان جديدان، وأخذ السوط في يده، وقال: أضربه يا أمير المؤمنين؟ فقال المعتصم: اضرب. فضربه سوطًا. فقال أحمد: الحمد للَّه. وضربه ثانيًا، فقال: ما شاء اللَّه كان. فضربه ثالثًا، فقال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم. فلما أراد أن يضربه السوط الرابع نظرت إلى المئزر من وسطه قد انحل ويريد أن يسقط، فرفع رأسه نحو السماء، وحرك شفتيه، وإذا الأرض قد انشقت وخرج منها يدان فوزرتاه بقدرة اللَّه ، فلما أن نظر المعتصم إلى

стр. 458

ذلك قال: خلوه. فتقدم إليه ابن أبي دؤاد وقال له: يا أحمد، قل في أذني: إن القرآن مخلوق، حتى أخلصك من يد الخليفة. فقال له أحمد: يا ابن أبي دؤاد قل في أذني: إن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، حتى أخلصك من عذاب اللَّه . فقال المعتصم: أدخلوه الحبس. قال سليمان: فحمل إلى الحبس، وانصرف الناس وانصرفت معهم، فلما كان الغد أقبل الناس وأقبلت معهم فوقفت بإزاء الكرسي، فخرج المعتصم وجلس على الكرسي، وقال: هاتوا أحمد بن حنبل. فجيء به، فلما وقف بين يديه قال له المعتصم: كيف كنت في محبسك الليلة يا ابن حنبل. قال: كنت بخير والحمد للَّه. فقال: يا أحمد، إني رأيت البارحة رؤيا. قال: وما رأيت يا أمير المؤمنين. قال: رأيت في منامي كأن أسدين قد أقبلا إلي وأرادا أن يفترساني، وإذا ملكان قد أقبلا ودفعاهما عني، ودفعا إلي كتابا وقالا لي: هذا المكتوب رؤيا رآها أحمد بن حنبل في محبسه. فما الذي رأيت يا ابن حنبل؟ فأقبل أحمد على المعتصم، فقال له: يا أمير المؤمنين، فالكتاب معك؟ قال: نعم، وقرأته لما أصبحت وفهمت ما فيه. فقال له أحمد: يا أمير المؤمنين رأيت كأن القيامة قد قامت، وكأن اللَّه قد جمع الأولين والآخرين في صعيد واحد وهو يحاسبهم، فبينما أنا قائم إذ نودي بي، فقدمت حتى وقفت بين يدي اللَّه ، فقال لي: يا أحمد، فيم ضربت؟ فقلت: من جهة القرآن.

стр. 459

فقال لي: وما القرآن؟ فقلت: كلامك اللهم لك. فقال لي: من أين قلت هذا؟ فقلت: يا رب حدثني عبد الرزاق، فنودي بعبد الرزاق فجيء به حتى أقيم بين يدي اللَّه فقال له: ما تقول في القرآن يا عبد الرزاق؟ فقال: كلامك اللهم لك، فقال اللَّه : من أين قلت هذا؟ فقال: حدثني معمر، فنودي بمعمر، فجيء به حتى أوقف بين يدي اللَّه ، فقال اللَّه له: ما تقول في القرآن يا معمر؟ فقال معمر: كلامك اللهم لك. فقال له: من أين قلت هذا؟ فقال معمر: حدثني الزهري، فنودي بالزهري، فجيء به حتى أوقف بين يدي اللَّه ، فقال اللَّه له: يا زهري ما تقول في القرآن؟ فقال الزهري: كلامك اللهم لك. فقال: يا زهري، من أين لك هذا؟ قال: حدثني عروة. فجيء به فقال: ما تقول في القرآن؟ فقال: كلامك اللهم لك. فقال له: يا عروة، من أين لك هذا؟ فقال: حدثتني عائشة بنت أبي بكر الصديق. فنوديت عائشة، فجيء بها، فوقفت بين يدي اللَّه، فقال اللَّه لها: يا عائشة، ما تقولين في القرآن؟ فقالت: كلامك اللهم لك. فقال اللَّه لها: من أين لك هذا؟ قالت: حدثني نبيك محمد ﷺ . قال: فنودي بمحمد ﷺ ، فجيء به، فوقف بين يدي اللَّه ، فقال اللَّه : يا محمد ما تقول في القرآن؟ فقال له: كلامك اللهم لك. فقال اللَّه له: من أين لك هذا؟ فقال النبي ﷺ : حدثني به جبريل. فنودي بجبريل، فجيء به حتى وقف بين يدي اللَّه فقال له: يا جبريل ما تقول في القرآن؟ قال: كلامك اللهم لك. فقال اللَّه تعالى له: من أين لك هذا؟ فقال: هكذا حدثنا إسرافيل. فنودي بإسرافيل، فجيء به حتى وقف بين يدي اللَّه ، فقال اللَّه

стр. 460

سبحانه: يا إسرافيل، ما تقول في القرآن؟ فقال: كلامك اللهم لك. فقال اللَّه له: ومن أين لك هذا؟ فقال إسرافيل: رأيتُ ذلك في اللوح المحفوظ. فجيء باللوح، فوقف بين يدي اللَّه، فقال له: أيها اللوح، ما تقول في القرآن؟ فقال: كلامك اللهم لك. فقال اللَّه تعالى له: من أين لك هذا؟ فقال اللوح: كذا جرى القلم علي. فأتي بالقلم حتى وقف بين يدي اللَّه ، فقال اللَّه له: يا قلم، ما تقول في القرآن؟ فقال القلم: كلامك اللهم لك. فقال اللَّه: من أين لك هذا؟ فقال القلم: أنت نطقت وأنا جريت. فقال اللَّه : صدق القلم، صدق اللوح، صدق إسرافيل، صدق جبريل، صدق محمد، صدقت عائشة، صدق عروة، صدق الزهري، صدق معمر، صدق عبد الرزاق، صدق أحمد بن حنبل، القرآن كلامي غير مخلوق. قال سليمان السجزي: فوثب عند ذلك المعتصم فقال: صدقت يا ابن حنبل. وتاب المعتصم، وأمر بضرب رقبة بشر المريسي وابن أبي دؤاد، وأكرم أحمد بن حنبل وخلع عليه، فامتنع من ذلك فأمر به فحمل إلى بيته. "طبقات الحنابلة" ١/ ٤٣٨ - ٤٤٣ قال ميمون بن الأصبغ: سمعت المعتصم يوم المحنة يقول لأحمد: بلغني أنك تقول: إن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق؟ فقال له: أصلح اللَّه أمير المؤمنين البلاغات تزيد وتنقص.

стр. 461

فقال له أمير المؤمنين: فأيش تقول؟ قال: أقول: غير مخلوق على أي الحالات كان. قال: ومن أين قلت؟ . فقال: حدثني عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن كلام اللَّه الذي اختص به موسى مائة ألف كلمة وثلاثمائة وثلاثة عشر كلمة" (١) فكان الكلام من اللَّه والاستماع من موسى. . إلى أن قال: قال أحمد: قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] فإن يكن القول من اللَّه فالكلام كلام اللَّه. وقال ميمون بن الأصبغ: لما ضرب أحمد سوطًا قال: بسم اللَّه. فلما ضرب الثاني قال: الحمد للَّه، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه. فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق. فلما ضرب الرابع قال: لن يصيبنا إلا ما كتب اللَّه لنا. فضربوه تسعة وعشرين سوطا، وكانت تكة أحمد حاشية ثوب، فانقطعت، فنزلت السراويل إلى عانته، فرمى بطرفه نحو السماء، وحرك شفتيه، فما كان بأسرع أن بقي السراويل فلم تنزل. وذكر الكلام إلى أن قال: فدخلت إلى أحمد بعد سبعة أيام من ضربه وهو يقرأ في مصحف بين يديه، فقلت: يا أبا عبد اللَّه، رأيتك يوم ضربوك وقد انحل سراويلك، فرفعت طرفك نحو السماء ورأيتك تحرك شفتيك، فأيش قلت؟ قال: قلت: اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به

стр. 462

العرش، إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك لي سترًا. "طبقات الحنابلة" ٢/ ٤٠٧ - ٤٠٩ قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: حدثني أبو معمر القطيعي قال: لما حضرنا في دار السلطان أيام المحنة، وكان أبو عبد اللَّه أحمد بن حنبل قد أحضر، وكان رجلا لينا، فلما رأى الناس يجيبون، انتفخت أوداجه، واحمرت عيناه، وذهب ذلك اللين الذي كان فيه، فقلت: إنه قد غضب للَّه. قال أبو معمر: فلما رأيت ما به قلت: يا أبا عبد اللَّه، أبشر، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، عن الوليد بن عبد اللَّه بن جميع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: كان من أصحاب النبي ﷺ من إذا أريد على شيء من دينه رأيت حماليق عينيه في رأسه تدور كأنه مجنون (١). قال ابن أبي أسامة: حكي لنا أن أحمد بن حنبل قيل له أيام المحنة: يا أبا عبد اللَّه، ألا ترى الحق كيف ظهر عليه الباطل؟ فقال: كلا. إن ظهور الباطل على الحق أن تنتقل القلوب من الهدى إلى الضلالة، وقلوبنا بعد لازمة للحق. "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٣٨٨ - ٣٨٩ قال محمد بن إبراهيم البوشنجي: قدم المعتصم من بلاد الروم بغداد في شهر رمضان سنة ثمان عشرة، فامتحن فيها أحمد وضرب بين يديه.

стр. 463

فحدثني من أثق به من أصحابنا عن محمد بن إبراهيم بن مصعب -وهو يومئذ على الشرط للمعتصم، خليفة إسحاق بن إبراهيم- أنه قال: ما رأيت أحدًا لم يداخل السلطان، ولا خالط الملوك أثبت قلبًا من أحمد يومئذ، ما نحن في عينه إلا كأمثال الذباب. قال المروذي في محنة أحمد بن حنبل وهو بين الهنبارين: يا أستاذ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فقال أحمد: يا مروذي، اخرج انظر أي شيء ترى؟ قال: فخرجت إلى رحبة دار الخليفة، فرأيت خلقًا من الناس لا يحصي عددهم إلا اللَّه، والصحف في أيديهم والأقلام والمحابر في أذرعتهم، فقال لهم المروذي: أي شيء تعملون؟ فقالوا: ننتظر ما يقول أحمد فنكتبه. قال المروذي: مكانكم. فدخل إلى أحمد بن حنبل وهو قائم بين الهنبارين قال له: رأيت قومًا بأيديهم الصحف والأقلام، ينتظرون ما تقول فيكتبونه. فقال: يا مروذي، أُضل هؤلاء كلهم! أقتل نفسي ولا أُضل هؤلاء كلهم (١). "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٤٠٨ - ٤٠٩

стр. 464

قال جعفر الرازي: كان إسحاق بن إبراهيم يقول: أنا واللَّه رأيت يوم ضرب أحمد بن حنبل سراويله وقد ارتفع من بعد انخفاضه، وانعقد من بعد انحلاله، ولم يفطن بذلك لذهول عقل من حضره، وما رأيت يوما كان أعظم على المعتصم من ذلك اليوم، واللَّه لو لم يرفع عنه الضرب لم يبرح من مكانه إلا ميتا. قال إبراهيم بن إسحاق الأنصاري: سمعت بعض الجلادين يقول: لقد بطل أحمد بن حنبل الشطار، واللَّه لقد ضربته ضربًا لو أبرك لي بعير فضربته ذلك الضرب لنقبت عن جوفه. قال: محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة: سمعت شاباص التائب يقول: لقد ضربت أحمد بن حنبل ثمانين سوطًا، لو ضربته فيلًا لهدته. قال محمد بن جعفر الراشدي: حدثني بعض أصحابنا قال: لما أخذت أبا عبد اللَّه السياط، قال: بك استغثت يا جبار السماء ويا جبار الأرض. قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: كنت كثيرًا أسمع والدي يقول: رحم اللَّه أبا الهيثم، غفر اللَّه لأبي الهيثم، عفا اللَّه عن أبي الهيثم. فقلت: يا أبت، من أبو الهيثم؟ قال: ألا تعرفه؟ قلت: لا. قال: أبو الهيثم الحداد، اليوم الذي أخرجت فيه للسياط، ومدت يداي للعقابين، إذا أنا بإنسان يجذب ثوبي من ورائي ويقول لي: تعرفني؟ قلت: لا. قال: أنا أبو الهيثم العيار، اللص الطرار، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني ضربت ثمانية عشر ألف سوط بالتفاريق، وصبرت في ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا، فاصبر أنت في طاعة الرحمن لأجل الدين. قال: فضربت ثمانية عشر سوطًا بدل ما ضرب ثمانية عشر ألفا، وخرج

стр. 465

الخادم فقال: عفا عنه أمير المؤمنين. "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٤١٢ - ٤١٣. قال أبو شعيب الحراني: كنا مع أبي عبيد القاسم بن سلام بباب المعتصم وأحمد بن حنبل يضرب، قال: فجعل أبو عبيد يقول: أيضرب سيدنا؟ لا صبر، أيضرب سيدنا؟ لا صبر. قال أبو شعيب فقلت: ضربوا ابن حنبل بالسياط بظلمهم ... بغيا فثبت بالثبات الأنور قال الموفق حين مدد بينهم ... مد الأديم مع الصعيد القرقر إني أموت ولا أبوء بفجرة ... يصلى بوائقها محل المفتري "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٤١٦ قال ميمون بن الأصبغ: كنت ببغداد فسمعت ضجة، فقلت: ما هذا؟ قال: أحمد بن حنبل يمتحن في القرآن. قال: فأتيت منزلي فأخذت مالا له خطر، فذهبت به إلى من يدخلني إلى المجلس الذي يمتحن فيه أحمد، قال: فأدخلوني، فإذا بالسيوف قد نضيت، والقواد بالأعمدة قد ترجلت، وبالأسواط قد طرحت، قال: فألبسوني أقبية سودًا ومنطقة وسيفًا حتى أوقفوني عند المجلس من حيث أسمع الكلام، فإذا أنا بأمير المؤمنين عليه رداء عدني، حتى جلس على الكرسي، فقال: أين هذا الذي يزعم أن اللَّه ينطق بجارحتين؟ . قال: فأتي بأحمد بن حنبل وعليه قميص أبيض، وكساء أخضر، ونعله

стр. 466

معلقة بيده حتى أوقف بين يديه، فقال: أنت أحمد بن حنبل؟ فقال: أنا أحمد بن محمد بن حنبل. قال: بلغني أنك تقول: إن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق. فقال له: أصلح اللَّه أمير المؤمنين، البلاغات تزيد وتنقص. فقال له: يا مبارك، فأيش تقول؟ قال: أقول: القرآن غير مخلوق، وعلى أي الحالات كان. قال: ومن أين قلت؟ قال: روي في الحديث، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : " إن كلام اللَّه الذي استخص به موسى ﵇، مائة ألف كلمة وثلاث عشرة كلمة" فكان الكلام من اللَّه ، والاستماع من موسى. فقال: كذبت يا عدو اللَّه على رسول اللَّه ﷺ ، ما قال رسول اللَّه شيئًا من هذا. فقال أحمد: إن كنتَ تقول: إن رسول اللَّه ﷺ لم يقل شيئًا من هذا. فإن اللَّه قال: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، فإن يكن القول من اللَّه، فإن الكلام من اللَّه. فالتفت إلى ابن أبي دؤاد. فقال: كلمه. فقال ابن أبي دؤاد: اقتله. ولطم أحمد فخر مغشيا عليه، ثم أفاق. فقال المعتصم: وقرابتي من رسول اللَّه ﷺ لأضربنك بالسياط أو تقول كما أقول. ثم التفت إلى جلاد، فقال: خذه إليك. قال: فأخذه فخرق قميصه ثم أوقفه بين العقابين، فلما ضرب سوطًا واحدًا قال: باسم اللَّه. فلما ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه. فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق. فلما ضرب الرابع قال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]، فضربه تسعة وعشرين سوطا، وكانت تكة أحمد حاشية ثوب، فانقطعت،

стр. 467

فنزل السراويل على عانته، فقلت: الساعة ينهتك. فرمى أحمد بطرفه نحو السماء وحرك شفتيه، فما كان بأسرع من أن بقي السراويل لم ينزل. "المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٧٣ - ٧٦ قال أبو علي حنبل بن إسحاق بن حنبل: فلما طال حبس أبي عبد اللَّه، قال: وكان أبي يختلف في أمره ويكلم القواد وأصحاب السلطان في أمره، رجاء أن يطلق ويخلى له السبيل، فلما طال ذلك ولم يره يتم، استأذن على إسحاق بن إبراهيم، فقال له: أيها الأمير، إن بيننا وبين الأمير حرما في حرمة منها ما يرعاها الأمير؛ جوار بمرو، كان والدي حنبل مع جدك الحسين بن مصعب. قال: قد بلغني ذلك. قلت: فإن رأى أمير المؤمنين أن يرعى لنا ذلك ويحفظه. قال أبي: وقلت له: أيها الأمير، علام يحبس ابن أخي؟ ما جحد التنزيل، وإنما اختلفوا في التأويل، فاستحل منه أن حبس هذا الحبس الطويل، أيها الأمير، اجمع لنا الفقهاء والعلماء، قال أبي: ولم أذكر أهل الحديث. فقال إسحاق: وترضى؟ قلت: نعم أيها الأمير، فمن فلجت حجته كان أغلب. فقال لي ابن أبي ربعي بعد ذلك: ما صنعت! تجمع على ابن أخيك المخالفين له، فيثبتون عليه الحجة ممن يريد ابن أي دؤاد من أهل الكلام والخلاف، هلا شاورتني في ذلك؟ قلت له: قد كان ما كان. قال أبي: ولما ذكر لإسحاق بن إبراهيم ما بيننا وبينه من الحرمة المتقدمة، قال لحاجبه البخاري: يا بخاري، اذهب معه إلى ابن أخيه فليكلمه ولا يكلم ابن أخيه بشيء لا تفهمه إلا أخبرتني به.

стр. 468

قال أبي: فدخلت على أبي عبد اللَّه مع حاجب إسحاق الذي يقال له: البخاري. فقلت له: يا أبا عبد اللَّه، قد أجاب أصحابك، وقد أعذرت فيما بينك وبين اللَّه ، وقد أجاب القوم وبقيت أنت -يعني بقيت في الحبس والضيق. فقال لي: يا عم، إذا أجاب العالم تقية، والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق؟ ! قال أبي: فأمسكت عنه، فلما كان بعد أيام من لقائي إسحاق بن إبراهيم وكلامي إياه، لقي إسحاق المعتصم فأخبره بقول أبي وما كلمه به. غدونا إلى الحبس يومًا نريد الدخول على أبي عبد اللَّه على ما كنا نختلف، وكان في جيراننا رجل، يقال له: هارون، يختلف إلى أبي عبد اللَّه بطعامه من المنزل، ويقضي حوائجه ويخدمه، فقيل لنا: قد حول الليلة أبو عبد اللَّه إلى دار إسحاق، فذهبت أنا وأبي وأصحابنا إلى دار إسحاق، فأردنا الدخول على أبي عبد اللَّه والوصول إليه، فحيل بيننا وبين ذلك، وجاء هارون الجصاص بإفطار أبي عبد اللَّه فدفعه إلى بعض الأعوان يوصله إلى أبي عبد اللَّه، فبعث إسحاق، فأخذ الزنبيل الذي فيه إفطاره فنظر إليه، فإذا فيه رغيفان وشيء من باقلا، فتعجب إسحاق من ذلك. ولما كان الغد من اليوم الذي حول فيه أبو عبد اللَّه إلى دار إسحاق ونحن عند باب دار إسحاق، إذ جاء أبو شعيب الحجام ومحمد بن رباح، حتى دخلا إلى دار إسحاق، ثم دخلا إلى أبي عبد اللَّه ومعهما صورة السماوات والأرض وغير ذلك. قال أبو عبد اللَّه: فسألني عن شيء ما أدري ما هو. قال أبو عبد اللَّه: فلما سألاني -يعني: ابن الحجام وابن رباح- قلت:

стр. 469

ما أدري، وما أعرف هذا، ثم قال لي أبو شعيب في كلام دار بيني وبينه: وسألته عن علم اللَّه ما هو؟ قال: علم اللَّه مخلوق. فقلت له: كفرت باللَّه العظيم، فقال لي رسول إسحاق -وكان معه: هذا رسول أمير المؤمنين. فقلت له: إن هذا قد كفر باللَّه. وقلت لصاحبه ابن رباح الذي جاء معه: إن هذا- أعني: أبا شعيب- قد كفر، زعم أن علم اللَّه مخلوق، فنظر وأنكر عليه مقالته، وقال: ويحك، ما قلت؟ ثم انصرفنا. قال حنبل: فبلغني عن أبي شعيب أنه لما خرج من عند أبي عبد اللَّه، سمعه من كان قريبًا منه يقول: ما رأيت لهذا نظيرًا. وكان أبو عبد اللَّه قال لأبي شعيب في وقت مناظرته: ويلك، بعد طلبك الحديث وكتابتك للعلم، ألم أرك في موضع كذا؟ ! ألم تحضر كذا؟ ! فقال أبو شعيب: ما رأيت لهذا نظيرًا، عجبت من رجل في هذا الذي هو فيه وتوبيخه إياي. قال: ولما حول أبو عبد اللَّه من السجن إلى دار إسحاق، كان عليه قيدٌ خفيف فزيد عليه في القيد وثقل، فمكث ثلاثة أيام في دار إسحاق، فلما كانت الليلة الرابعة بعد عشاء الآخرة في شهر رمضان، جاء بُغا الكبير إلى إسحاق بن إبراهيم فأمره بحملي إلى المعتصم. قال أبو عبد اللَّه: فأدخلت على إسحاق، فقال لي: يا أحمد، إنها واللَّه نفسُك، قد حلف ألا يقتلك بالسيف، وأن يضربك ضربا بعد ضرب، وأن يحبسك في موضع لا ترى فيه الشمس، أليس قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] أفيكون مجعولا إلا مخلوقا؟ ! قال أبو عبد اللَّه:

стр. 470

فقلت: قال اللَّه تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨] ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] أفخلقهم؟ فسكت. قال أبو عبد اللَّه: ثم قال لي إسحاق: يا أحمد، لو أجبت أمير المؤمنين إلى ما دعاك إليه. قال: فكلمته بكلام، فقال: إني عليك مشفق، وإن بيننا وبينك حرمة. فقلت: ما عندي في هذا إلا الأمر الأول، فقال: اذهبوا به. فأمر بي فحملت في زورق إلى دار أبي إسحاق، وكانت في سراويلي تكة، فلما حولوني وزاد في قيودي وثقلت علي القيود، لم أقدر أن أمشي فيها، أخرجت التكة من السراويل وشددت بها قيودي، ثم لففت السراويل بغير تكة ولا خيط، فمضى بي إلى دار أبي إسحاق ومعي بُغا، ورسول إسحاق بن إبراهيم، فلما صرت إلى الدار أخرجت من الزورق وحملت على دابة والأقياد ثقلت عليّ وما معي أحدٌ يمسكني، فظننت أني أسقط إلى الأرض أو نحوه، فأدخلت فصيرت في بيت وأغلق علي الباب وأقعد عليه رجلان، وليس في البيت سراج، فقمت أصلي ولم أعرف القبلة، فصيلت، فلما أصبحت نظرت فإذا أنا على القبلة. قال أبو عبد اللَّه: فأدخلت من الغد على أبي إسحاق، فإذا هو قاعد، وابن أبي دؤاد حاضر وقد جمع أصحابه، فلما نظر إلي أبو إسحاق فسمعته يقول لهم وقد قربت منهم: أليس زعمتم أنه حدث؟ هذا شيخ مكتهل. فما أدري ما احتج به الخبيث عليه فلم أفهم ما قال، والدار كثيرة الناس، فلما دنوت سلمت، فقال لي: ادنه. فلم يزل يقول: ادنه. حتى قربت منه، قال: اجلس. فجلست وقد أثقلتني الأقياد، فلما مكثت ساعة قلت له: يا أمير المؤمنين، تأذن لي في الكلام؟

стр. 471

قال: تكلم. قلت: إلامَ دعا إليه ابن عمك رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه. قلت: فأنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه. وقلت: إن جدك ابن عباس حكى أن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول اللَّه ﷺ ، أمرهم بالإيمان باللَّه (١). . -وذكرت له الحديث كله- يا أمير المؤمنين، وإلام أدعى وهذِه شهادتي وإخلاصي للَّه بالتوحيد؟ ! قال: فسكت، فقال ابن أبي دؤاد كلامًا لم أفهمه. "المحنة" لعبد الغني المقدسي ٨٠ - ٨٦ قال العباس بن المغيرة: حدثنا أبو علي حنبل قال: قال أبو عبد اللَّه: ولقد احتجوا علي بشيء ما يقوى قلبي ولا ينطلق لساني أن أحكيه، أنكروا الآثار وما ظننتهم على هذا حتى سمعت مقالتهم، وجعل ابن عون يقول: الجسم، وكذا وكذا، فقلت: لا أدري ما تقول. وقلت: هو الأحد الصمد. قال أبو عبد اللَّه: فاحتججت عليه، فقلت: زعمتم أن الأخبار تردونها باختلاف أسانيدها وما يدخلها من الوهم والضعف، فهذا القرآن، نحن وأنتم مجمعون عليه، وليس بين أهل القبلة فيه خلاف، وهو الإجماع، قال اللَّه في كتابه تصديقا منه لقول إبراهيم، غير دافع لمقالته ولا منكر، فحكى اللَّه ذلك فقال: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] فذم إبراهيم أباه أن عبد ما لا يسمع ولا يبصر، فهذا منكر عندكم؟ !

стр. 472

قالوا: شبه يا أمير المؤمنين، شبه يا أمير المؤمنين! قلت: أليس هذا القرآن، هذا منكر مدفوع؟ ! وهذِه قصة موسى ﵇، قال اللَّه لموسى في كتابه حكاية عن نفسه تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ فأثبت اللَّه تعالى الكلام لموسى كرامة منه لموسى، وقال بعد كلامه له: ﴿تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] تأكيدًا للكلام. وقال اللَّه تعالى في كتابه: يا موسى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه: ١٤] أفتنكرون هذا؟ ! فتكون هذِه الياء الراجعة حكاية ترد على غير اللَّه ويكون مخلوقا يدعي الربوبية إلا هو . قال اللَّه تعالى: ﴿يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١١، ١٢] فهذا كتاب اللَّه يا أمير المؤمنين. فأمسكوا وأداروا بينهم كلامًا لم أفهمه. قال أبو عبد اللَّه: وكان القوم يدفعون هذا وينكرونه. قلت له: فأبو إسحاق؟ قال: لم يقل شيئًا، ولم يقدر على دفع القرآن، وأنكروا الكلام والرؤية. "المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٩٩ - ١٠٠ قال أحمد في رواية حنبل: إن عرضتُ على السيف لا أجيب. "الآداب الشرعية" ١/ ١٨٣

стр. 473

٨٧ - فصل: خروج الإمام من دار المعتصم قال ابن محمد المصيصي: سمعت عبد الرزاق قال لأحمد بن حنبل: وأما أنت فجزاك اللَّه عن نبيك خيرًا. "طبقات الحنابلة" ٢/ ٨٥ قال أبو محمد الطفاوي لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد اللَّه، أخبرني عما صنعوا بك؟ قال: لما ضربت بالسياط جاء ذاك الطويل اللحية -يعني: عجيفًا- فضربني بقائم السيف، فقلت: جاء الفرج تضرب عنقي وأستريح. فقال له ابن سماعة: يا أمير المؤمنين، اضرب عنقه ودمه في رقبتي. فقال له ابن أبي دؤاد: لا يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإنه إن قتل أو مات في دارك قال الناس: صبر حتى قتل، فاتخذه الناس إماما وثبتوا على ما هم عليه، لا، ولكن أطلقه الساعة، فإن مات خارجًا من منزلك شك الناس في أمره، وقال بعضهم: لم يجبه. فيكون الناس في شك من أمره. وقال ابن أبي حاتم: وسمعت أبا زرعة يقول: دعا المعتصم بعم أحمد ابن حنبل، ثم قال للناس: تعرفونه؟ قالوا: نعم! هو أحمد بن حنبل. قال: فانظروا إليه، أليس هو صحيح البدن؟ قالوا: نعم. ولولا أنه فعل ذلك لكنت أخاف أن يقع شر لا يقام له، فلما قال: قد سلمته إليكم صحيح البدن، هدأ الناس وسكتوا. "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٤١٩ - ٤٢٠

стр. 474

قال ابن أبي حاتم: وحدثنا أحمد بن سنان قال: بلغني أن أحمد بن حنبل جعل المعتصم في حل يوم فتح بابل أو في يوم فتح عمورية، فقال: هو في حل من ضربي. قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: قال لي أبي: وجه إليَّ الواثق أن أجعل المعتصم في حل من ضربه إياي. فقلت: ما خرجت من داره حتى جعلته في حل، وذكرت قول النبي ﷺ : "لا يقوم يوم القيامة إلا من عفا" (١) فعفوت عنه. قال أبو علي الحسين بن عبد اللَّه الخرقي -وقد رأى أحمد بن حنبل: بت مع أحمد بن حنبل ليلة، فلم أره ينام إلا يبكي إلى أن أصبح، فقلت: أبا عبد اللَّه، كثر بكاؤك الليلة، فما السبب؟ فقال لي: ذكرت ضرب المعتصم إياي، ومر بي في الدرس: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] فسجدت وأحللته من ضربي في السجود. قال إبراهيم الحربي: أحل أحمد بن حنبل من حضر ضربه وكل من شايع فيه، والمعتصم، وقال: لولا أن ابن أبي دؤاد داعية لأحللته. "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٤٢٤ - ٤٢٥

стр. 475

قال أبو علي حنبل بن إسحاق: لما أمر أبو إسحاق بتخلية أبي عبد اللَّه، خلع عليه أبو إسحاق منطقة وقميصًا وطيلسانًا وخفًّا وقلنسوة، فبينا نحن على باب أبي إسحاق في الدهليز، والناس في ذلك الوقت مجتمعون في الميدان، وفي الدروب وغيرها، وأغلقت الأسواق واجتمع الناس، فنحن على ذلك إذ خرج أبو عبد اللَّه على دابة من دار أبي إسحاق وقد ألبس تلك الثياب، وابن أبي دؤاد عن يمينه وإسحاق بن إبراهيم عن يساره، فلما صار في دهليز أبي إسحاق قبل أن يخرج إلى الطريق، قال لهم ابن أبي دؤاد: اكشفوا رأسه. فكشفوه وذهبوا يأخذون به ناحية الميدان نحو طريق الحبس، فقال لهم: خذوا به هاهنا. يريد دجلة، فذهب به إلى الزورق، فحمل إلى دار إسحاق ومعه غسان وصاحب الشافعي، فأتي به دار إسحاق فأقامه عنده إلى أن صلينا الظهر، وبعثت إلى أبي وإلى جيراننا وإلى مشايخ المحال فجمعوا، فأدخلوا عليه، فقال لهم: هذا أحمد بن حنبل إن كان فيكم من يعرفه وإلا فليعرفه. وجاء ابن سماعة فدخل. قال أبو عبد اللَّه: فقال ابن سماعة حين دخل للجماعة: هذا أحمد بن حنبل، وإن أمير المؤمنين ناظره في أمر وقد خلى سبيله، وها هو ذا، فأخرج على دابة لإسحاق عند غروب الشمس، فصار إلى منزله ومعه السلطان والناس. فلما صار إلى الباب سمعت عياشًا صاحب الحبس لما رأى أبا عبد اللَّه قد أقبل، فقال عياش لصاحب إسحاق والناس قيام: تازية تازية -يعني: عربي عربي- فدخل أبو عبد اللَّه ودخلت معه من باب الزقاق، وهو منحنٍ على الضربة التي كانت قد أجافت ولم تنقب بحمد اللَّه، وكان عليها

стр. 476

منحنيا، فلما صار إلى باب الدار ذهب لينزل علي احتضنته ولم أعلم، فوقعت يدي على موضع الضربة فصاح وآلمه ذلك ولم أعلم، فنحيت يدي، ونزل متوكئًا علي ودخلنا وأغلق الباب. ورمى أبو عبد اللَّه بنفسه على وجهه، لا يقدر يتحرك هكذا ولا هكذا إلا بجهد، وخلع ما كان عليه وأمر به فبيع، وأخذ ثمنه فتصدق به. وكان إسحاق بن إبراهيم لا يقطع عنه خبره، وذلك أنه تركه -فيما حكي لنا- عند الإياس منه. وكان أبو إسحاق ندم بعد ذلك وأسقط في يده حتى صلح. وكان صاحب خبر إسحاق بن إبراهيم يأتينا في كل يوم يتعرف خبره، حتى صلح وبرئ بعد الصلاح وخرج إلى الصلاة والحمد للَّه رب العالمين. وبقيت يده وإبهاماه متخلعتين يضربان عليه إذا أصابهما البرد حتى نسخِّن له الماء، وصار سوط من الضرب في خاصرته فظنوا أنها قد نقبت فسلمه اللَّه من ذلك ورزقه العافية. قال أبو علي: وجاء رجل من أهل السجن يقال له: أبو الصبح، ممن يبصر الضرب والجراحات، قال: قد رأيت مَنْ ضُرِب الضربَ العظيم، ما رأيت ضربًا مثل هذا، ولا أشد منه، وهذا ضرب التلف، ولقد جر عليه الجلادون -قدَّ اللَّه أيديهم- من قدامه ومن خلفه، وإنما أريد قتله. ثم سبره بالميل -يعني: قدره- مخافة أن تكون نقبت فلم تكن نقبت. ورأيت أبا عبد اللَّه وقد أصابت أذنه ضربة فقطعت الجلد وأنتنت أذنه، وأصابت وجهه غير ضربة فما كان يضطرب. قال أبو عبد اللَّه: وقال لي بعضهم: يا أبا عبد اللَّه، لا تتحرك وانتصب.

стр. 477

ولما أردنا علاجه خفنا أن يدس ابن أبي دؤاد إلى المعالج فيلقي في دوائه ما يقتله، فعملنا الدواء والمرهم في منزله وكان في بَرْنِيَّة (١) عندنا، فكان إذا جاء المعالج ليعالجه حضرنا جميعًا معه فيعالجه منها، فإذا فرغ رفعناها، وكان في ضربه شيء من اللحم قد مات، فقطعه بالسكين، فلم يزل أثر الضرب في ظهره إذا أصابه البرد ضرب عليه، فإذا آذاه الدم بعث إلى الحجام في أي ساعة كان، فيخرج الدم حتى يسكن عنه ضربان كتفيه، وكان يسخن له الماء الحار لبدنه. قال جرير بن أحمد بن أبي دؤاد -عم أبي نصر- قال أبي: ما رأيت أشد قلبًا من هذا الرجل أحمد بن حنبل، جعلنا نكلمه، وجعل الخليفة يكلمه يسميه مرة ويكنيه: يا أحمد، يا أبا عبد اللَّه، وهو يقول: أوجدني شيئًا من كتاب اللَّه أو سنة رسول اللَّه ﷺ حتى أجيبك. قال جعفر بن عبد الواحد: ذاكرت المهتدي بشيء فقلت به: كان أحمد بن حنبل يقول، ولكنه كان يخالف -كأني أومأت إلى من مضى من آبائه. قال: فقال لي المهتدي: رحم اللَّه أحمد بن حنبل، واللَّه لو جاز لي أن أتبرأ من أبي لتبرأت منه. قال: ثم قال: تكلم بالحق وقُل به، فإن الرجل ليتكلم بالحق فينبل في عيني. "المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ١٠٢ - ص ١٠٧

стр. 478

قال محمد بن إدريس بن محمد الخياط: قال من حضر الضرب ومحنة أحمد: واللَّه أنا رأيت بعد ما استرخى أحمد في الضرب، كاد أن ينحل مئزره حتى خرج يدان من خاصرته فشدَّت المئزر، وغشي عند ذلك على المعتصم، حتى حمل بين اثنين، قال: فبلغني أن المعتصم كان يقول في منامه: يا أحمد، إني قد عفوت عنك فاعف عني، وإلا فخذ السوط فاقتص مني. قال أبو علي حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: ذهب عقلي مرارًا، فإذا رفع عني الضرب رجعت إليّ نفسي، وإذا استرخيت وسقطت رفع عني الضرب، أصابني ذلك مرارًا وأنا لا أعقل. وقال حنبل: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: وكان ابن أبي دؤاد قبل أن أضرب يختلف إلي وإذا أخذه القلق ذهب إلى أبي إسحاق، وجاء إلي بالوعيد والتهديد، وحاجبه ابن دنقش أيضا يمشي برسالة أبي إسحاق يقول لك كذا، يقول لك كذا، فلما لم يروا الأمر يصير إلى الذي أرادوا، عزموا على أن ينالوني بما نالوني به. فقال له أبو بكر بن عبيد اللَّه: يا أبا عبد اللَّه، فكيف رأيته هو -يعني: أبا إسحاق؟ قال: رأيته في الشمس قاعدا بغير ظلة، فربما لم أعقل وربما عقلت، إذا أعاد الضرب ذهب عقلي فلا أدري، فيرفع عني الضرب. فسمعته يقول لابن أبي دؤاد: لقد ارتكبت إثمًا في أمر هذا الرجل. فقال له: يا أمير المؤمنين، إنه واللَّه كافرٌ مشرك، قد أشرك من غير وجه. فلا يزال به حتى يصرفه عما يريد، وقد كان أراد تخليتي بغير ضرب، فلم يدعه، ولا إسحاق بن إبراهيم، وعزم حينئذ على ضربي.

стр. 479

قال أبو علي: وبلغني عن النوفلي قال: قال أبو إسحاق لابن أبي دؤاد بعد ما ضرب أحمد، وهو يسأله: كم ضرب؟ فقال ابن أبي دؤاد: نيفًا وثلاثين -أو أربعة وثلاثين- سوطًا. قال أبو عبد اللَّه: فقال لي إنسان ممن كان حضر: ثم إنا ألقينا على صدرك بارية وأكببناك على وجهك ودسناك. قال أبو عبد اللَّه: وما عقلت بهذا كله، وأمر بإطلاقي فلم أعلم حتى أخرج القيد من رجلي. وقال له ابن أبي دؤاد بعدما ضربت وأمر بتخليتي: يا أمير المؤمنين، احبسه فإنه فتنة، يا أمير المؤمنين، إنه ضال مضل مبتدع، وإن خليته فتنت به الناس. فقال: يا إسحاق، أطلقه، وقام فدخل، فحينئذ عقلت بالقيد وقد نزع من رجلي. وقام أبو إسحاق فدخل من مجلسه ذلك، فلم يجد بدان أن يخلي عني، ولولا ذلك كان حبسني. فقال أبو بكر بن عبيد اللَّه لأبي عبد اللَّه: يا أبا عبد اللَّه، فابن سماعة؟ فقال أبو عبد اللَّه: سمعته يقول له -وقد أوقفت من الضرب وأنا بين العقابين: يا أمير المؤمنين، إنه رجل شريف، وهو رجل في نفسه مستور، ولعله يجيب أمير المؤمنين بما يكون له وجه عما دعاه إليه أمير المؤمنين. ثم قال لي ابن سماعة: ويحك! إن أمير المؤمنين مشفق عليك، وهو ذا بين يديك، فأجبه إلى ما يريد منك. قلت له: ما رأيت أمرًا أوضح من كتاب ولا سنة. فتنحى ابن سماعة وتكلم بكلام لم أفهمه.

стр. 480

قال أبو علي حنبل: وبلغني أن أبا عبد اللَّه قال: لي ولهم موقف بين يدي اللَّه تعالى، وكتب بها إليه، فقال: يخلى سبيله الساعة. قال: وبلغني أن أبا العلاء الأهتمي قال: ما رأيت أحدًا أشجع قلبا من أحمد بن حنبل. وأخبرني أبي قال: قال لي بعض من حضر يومئذ: كان أحمد في دهره مثل صاحب بني إسرائيل في دهره. وكان هؤلاء يحتجون عليه، وهؤلاء يحتجون عليه، فيحتج على هؤلاء، ويحتج على هؤلاء بقلب ثابت وفهم، ليس ثم شيء ينكر. وقال لهم أبو إسحاق: ليس هذا كما وصفتم لي. وذلك أنهم وضعوا من قدره عنده ونالوه وصغروه عنده، فلما شاهده ورأى ما عنده عرف له فضله. قال أبو عبد اللَّه: لولا الخبيث ابن أبي دؤاد كان أبو إسحاق قد خلاني، ولكن هو وإسحاق بن إبراهيم قالا له: يا أمير المؤمنين، ليس من تدبير الخلافة أن تخالف خليفتين وتخلي سبيله. ولولا ذلك كان أبو إسحاق قد أراد تخليتي قبل الضرب. وقد أراد ابن أبي دؤاد أن يحبسني بعد الضرب، فقال أبو إسحاق: يخلى. فعاوده فغضب أبو إسحاق وقال: يخلى عنه. فلم أعلم إلا بالقيد وقد نزع عني. وقال لي أبو إسحاق في اليوم الثالث حين أمر بضربي: أجبني إلى شيء يكون لك فيه بعض الفرج حتى أطلق عنك، وأطأ عقبك، وآتيك بأهلي وولدي وحشمي. وأراد بذلك أن يتشبث بشيء يكون له فيه عذر، فقلت له: ما أتيتموني ببيان من كتاب اللَّه، ولا من سنة عن رسول اللَّه ﷺ .

стр. 481

قال أبو عبد اللَّه: وكان أبو إسحاق أرق علي منهم كلهم، فأما ابن أبي دؤاد، فكان فدما (١) لا يحسن يحتج ولا يهتدي إلى شيء، إنما كان يعتمد على أولئك البصريين المعتزلة، برغوث وأصحابه. قال أبو بكر بن يزدانيار -يعني: الأرموي- في حديث طويل: بلغني أن المعتصم لما ضرب أحمد بن حنبل لم ينتفع بنفسه، وأخذته الرعدة وضيق النفس، وكانت ترتعد فرائصه ولا تكاد تستقيم له قدم على الأرض، فإذا قيل له: الأطباء؟ قال: أنا أعرف علتي، علتي محنة العبد الصالح أحمد بن حنبل حين ابتليت به. حتى مات على ذلك. وقال الشيخ -يعني: ابن يزدانيار-: وبلغني أن الجلاد الذي ضرب أحمد وقعت في يده الأكلة في وقته ذلك، وبعد ثلاثٍ مات، واسود وجهه كله. "المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ١١٠ - ١١٦ قال أبو الفضل البغدادي: قال لي حنبل: لما ضرب ابن عمي انكسرت له قطعة من عظام ضلعه، وكنا لا نجسر أن نداويه مخافة أن يكون في الدواء شيء من السموم، حتى وصف لنا بالبصرة متطبب صالح، فجئنا به، فلما نظر إلى الكسر وإذا العظم متعلق بلحم مفسود، فجذبه الطبيب بأسنانه فانجذب، وغشي عليه، فلما أفاق سمعته يقول بلسان ضعيف: اللهم لا تؤاخذهم.

стр. 482

فلما برئ قلت: سمعتك تقول -وذكر ما قال- فقال: نعم، أحببت أن ألقى اللَّه وليس بيني وبين قرابة النبي ﷺ شيء، وقد جعلته في حل، إلا ابن أبي دؤاد ومن كان مثله، فإني لا أجعلهم في حل. قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: كان لي جلادان، يضرب ذا سوطا ويتأخر، ويضرب ذا سوطا، فإذا وقع الضرب على الضرب أقول: يا نفس ما لك راحة دون الموت. "المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ١١٦ - ١١٧ قال عبد اللَّه بن أحمد: جاء رجل إلى أبي ﵀ فذكر أنه كان عند بشر فذكروه، فأثنى عليه بشر، وقال: لا نسي اللَّه لأحمد صنيعه، ثبت وثبتنا ولولاه لهلكنا. قال عبد اللَّه: ووجه أبي يتهلل، فقلت: يا أبة، أليس يكره المدح في الوجه؟ فقال لي: يا بني، إنما ذكرت عند رجل من عباد اللَّه الصالحين وما كان مني، فحمد صنيعي، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "المؤمن مرآة المؤمن" (١). قال عبد اللَّه: لقيني بشر في بعض الطريق فبدأني بالسلام، ثم قال: كيف أبو عبد اللَّه؟

стр. 483

قلت: بخير، فقال بشر: أنا أخصه بالدعاء في كل وقت، وأبتدئ به ثم بنفسي، ولولاه واستقامته في هذا الأمر هلكنا آخر الأبد. "المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ١١٧ - ١١٩ قال أبو علي حنبل: حضرت أبا عبد اللَّه وأتاه رجل في مسجدنا، وكان الرجل حسن الهيئة، كأنه كان مع السلطان، فجلس حتى انصرف من كان عند أبي عبد اللَّه، ثم دنا منه فرفعه أبو عبد اللَّه لما رأى من هيئته، فقال له: يا أبا عبد اللَّه، اجعلني في حل. قال: من ماذا؟ قال: كنت حاضرًا يوم ضربت، وما أعنت ولا تكلمت، إلا أني حضرت ذلك. فأطرق أبو عبد اللَّه ثم رفع رأسه إليه، فقال: أحدث للَّه توبة، ولا تعد إلى مثل ذلك الموقف. فقال له: يا أبا عبد اللَّه، أنا تائب إلى اللَّه تعالى من السلطان، قال له أبو عبد اللَّه: فأنت في حل وكل من ذكرني إلا مبتدع. قال أبو عبد اللَّه: وقد جعلت أبا إسحاق في حل ورأيت اللَّه يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] وأمر النبي ﷺ أبا بكر بالعفو في قضية مسطح (١). ثم قال أبو عبد اللَّه: العفو أفضل، وما ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك. ولكن تعفو وتصفح عنه، فيغفر اللَّه لك كما وعدك. "المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ١٥٩ - ١٦٠

стр. 484

٨٨ - فصل: قصة الإمام مع الواثق قال ابن الجوزي: ولي الواثق أبو جعفر هارون بن المعتصم في ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين، وحسن له ابن أبي دؤاد امتحان الناس بخلق القرآن، ففعل ذلك ولم يعرض لأحمد، إما لما علم من صبره، أو لما خاف من تأثير عقوبته، لكنه أرسل إلى أحمد بن حنبل: لا تساكني بأرض. فاختفى أحمد بقية حياة الواثق، فما زال يتنقل في الأماكن ثم عاد إلى منزله بعد أشهر، فاختفى فيه إلى أن مات الواثق (١). قال البغوي: سمعت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل في سنة ثمان وعشرين في أولها، وقد حدث حديث معاوية عن النبي ﷺ أنه قال: "لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة فأعدوا للبلاء صبرا" (٢). فجعل يقول: اللهم رضينا! اللهم رضينا!

стр. 485

قال إبراهيم بن هانئ: اختفى عندي أحمد بن حنبل ثلاثة أيام. ثم قال: اطلب لي موضعا حتى أتحول إليه. قلت: لا آمن عليك يا أبا عبد اللَّه. فقال: افعل، فإذا فعلت أفدتك. وطلبت له موضعا، فلما خرج قال لي: اختفى رسول اللَّه ﷺ في الغار ثلاثة أيام ثم تحول (١)، وليس ينبغي أن يتبع رسول اللَّه ﷺ في الرخاء ويترك في الشدة. "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٤٢٩ - ٤٣٠

стр. 486

٨٩ - فصل: رسالة المتوكل إلى الإمام وجواب الإمام إليه قال أبو الفضل: كتب عبيد اللَّه بن يحيى إلى أبي يخبره: إن أمير المؤمنين أمرني أن أكتب إليك كتابا أسألك عن أمر القرآن، لا مسألة امتحان، ولكن مسألة معرفة وبصيرة. فأملى عليَّ أبي ﵀ إلى عبيد اللَّه بن يحيى وحدي ما معنا أحد: بسم اللَّه الرحمن الرحيم أحسن اللَّه عاقبتك أبا الحسن في الأمور كلها، ودفع عنك مكاره الدنيا برحمته، قد كتبتُ إليك -رضي اللَّه تعالى عنك- بالذي سأل عنه أمير المؤمنين بأمر القرآن بما حضرني، وإني أسأل اللَّه أن يُديم توفيق أمير المؤمنين، قد كان الناس في خوض من الباطل واختلاف شديد يغتمسون فيه، حتى أفضت الخلافة إلى أمير المؤمنين، فنفى اللَّه بأمير المؤمنين كل بدعة، وانجلى عن الناس ما كانوا فيه من الذل وضيق المحابس، فصرف اللَّه ذلك كله، وذهب به أمير المؤمنين، ووقع ذلك من المسلمين موقعا عظيما، ودعوا اللَّه لأمير المؤمنين، وأسأل اللَّه أن يستجيب في أمير المؤمنين صالح الدعاء، وأن يتم ذلك لأمير المؤمنين، وأن يزيد في بيته، ويعينه على ما هو عليه. فقد ذكر عن عبد اللَّه بن عباس أنه قال: لا تضربوا كتاب اللَّه بعضه ببعض، فإن ذلك يوقع الشك في قلوبكم (١). وذكر عن عبد اللَّه بن عمرو أن نفرًا كانوا جلوسا بباب النبي ﷺ فقال بعضهم: ألم يقل اللَّه كذا؟ وقال بعضهم: ألم يقل اللَّه كذا؟

стр. 487

قال: فسمع ذلك رسول اللَّه ﷺ فخرج كأنما فقئ في وجهه حب الرمان فقال: "أبِهَذَا أُمِرْتُمْ أَنْ تَضْرِبُوا كتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعضٍ؟ إِنَّمَا ضَلَّتِ الأُمَمُ قَبْلَكُمْ فِي مِثْلِ هذا، إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِمَّا هاهنا فِي شَيءٍ، انْظُرُوا الذِي أُمِرْتُمْ بِهِ فَاعْمَلُوا بِهِ، وَانظروا الذِي نُهِيتُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا عنه" (١). وروي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "مِرَاءٌ فِي القُرْآنِ كُفْرٌ" (٢) وروي عن أبي جهيم -رجل من أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: "لا تماروا فِي القُرْآنِ، فَإِنَّ مِرَاءً فِي القُرْآنِ كفرٌ" (٣). وقال عبد اللَّه بن عباس: قدم على عمر بن الخطاب رجل، فجعل عمر يسأل عن الناس، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا. فقال ابن عباس: فقلت: واللَّه ما أحب أن يتسارعوا يومهم هذا في القرآن هذِه المسارعة. فقال: فنهرني عمر، وقال: مه.

стр. 488

فانطلقت إلى منزلي مكتئبا حزينا، فبينا أنا كذلك، إذ أتاني رجل فقال: أجب أمير المؤمنين. فخرجت، فإذا هو بالباب ينتظرني، فأخذ بيدي، فخلا بي، وقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل آنفا؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، متى ما يتسارعوا هذِه المسارعة، يحتقُّوا (١)، ومتى ما يحتقُّوا يختصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا. قال: دته أبوك، واللَّه إن كنت لأكتمها الناس حتى جئت بها (٢). وروي عن جابر بن عبد اللَّه قال: كان النبي ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف، فيقول: "هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلّغَ كَلَامَ رَبِّي" (٣). وروي عن جبير بن نفير قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنكم لن ترجعوا إلى اللَّه بشيء أفضل مما خرج منه" يعني: القرآن (٤).

стр. 489

وروي عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: "مَا تَقَرَّبَ العِبَادُ إِلَى اللَّهِ بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ" (١) يعني القرآن. وروي عن عبد اللَّه بن مسعود أنه قال: جردوا القرآن، لا تكتبوا فيه شيئًا إلا كلام اللَّه (٢). وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: هذا القرآن كلام اللَّه، فضعوه على مواضعه (٣). وقال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد، إني إذا قرأت كتاب اللَّه وتدبرته ونظرت في عملي كدت أن آيس وينقطع رجائي. قال: فقال الحسن: إن القرآن كلام اللَّه، وأعمال ابن آدم إلى الضعف والتقصير، فاعمل وأبشر (٤). وقال فروة بن نوفل الأشجعي: كنت جارا لخباب -وهو من أصحاب النبي ﷺ فخرجت معه يوما من المسجد، وهو آخذ بيدي فقال: يا هناه،

стр. 490

تقرب إلى اللَّه بما استطعت، فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه (١). وقال رجل للحكم بن عتيبة: ما حمل أهل الأهواء على هذا؟ قال: الخصومات (٢). وقال معاوية بن قرة -وكان أبوه ممن أتى النبي ﷺ : إياكم وهذِه الخصومات، فإنها تحبط الأعمال (٣). وقال أبو قلابة -وكان قد أدرك غير واحد من أصحاب رسول اللَّه ﷺ : لا تجالسوا أصحاب الأهواء -أو قال: أصحاب الخصومات- فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم بعض ما تعرفون (٤). ودخل رجلان من أصحاب الأهواء على محمد بن سيرين، فقالا: يا أبا بكر نحدثك بحديث؟ فقال: لا. قالا: فنقرأ عليك آية من كتاب اللَّه؟ قال: لا، لتقومان عني أو لأقوم عنكما. قال: فقام الرجلان فخرجا، فقال بعض القوم: يا أبا بكر، وما عليك أن يقرآ عليك آية من كتاب اللَّه تعالى؟

стр. 491

فقال له ابن سيرين: إني خشيت أن يقرآ علي آية فيحرفانها، فيقر ذلك في قلبي (١). وقال محمد: لو أعلم أني أكون مثل الساعة لتركتهما. وقال رجل من أهل البدع لأيوب السختياني: يا أبا بكر، أسألك عن كلمة؟ فولى وهو يقول بيده: ولا نصف كلمة (٢). وقال ابن طاوس لابن له يكلمه رجل من أهل البدع: يا بني أدخل أصبعيك في أذنيك حتى لا تسمع ما يقول، ثم قال: اشدد (٣). وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات، أكثر التنقل (٤). وقال إبراهيم النخعي: إن القوم لم يدخر عنهم شيء خبئ لكم لفضل عندكم (٥). وكان الحسن ﵀ يقول: شر داء خالط قلبا. يعني: الأهواء (٦).

стр. 492

وقال حذيفة بن اليمان -وكان من أصحاب رسول اللَّه ﷺ : اتقوا اللَّه معشر القراء، وخذوا طريق من كان قبلكم، واللَّه لئن استقمتم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن تركتموه يمينا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا، أو قال: مبينًا (١). قال أبي ﵀: وإنما تركت ذكر الأسانيد لما تقدم من اليمين التي حلفت بها -مما علمه أمير المؤمنين- لولا ذلك لذكرتها بأسانيدها. وقد قال اللَّه جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ﴾ [التوبة: ٦]. وقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] فَأخبر بالخلق ثم قال: ﴿وَالأَمْرُ﴾. فأخبر أن الأمر غير مخلوق. وقال : ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ١ - ٤]. فأخبر تبارك تعالى أن القرآن من علمه. وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠]. وقال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥].

стр. 493

وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٧]. فالقرآن من علم اللَّه تعالى. وفي هذِه الآيات دليل على أن الذي جاءه ﷺ هو القرآن لقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [الرعد: ٣٧]. وقد روي عن غير واحد ممن مضى ممن سلفنا أنهم كانوا يقولون: القرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق. وهو الذي أذهب إليه، لست بصاحب كلام، ولا أدري الكلام في شيء من هذا إلا ما كان في كتاب اللَّه، أو حديث عن النبي ﷺ ، أو عن أصحابه، أو عن التابعين ﵏، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود. وإني أسأل اللَّه أن يطيل بقاء الأمير، ويمده منه بمعونة، إنه على كل شيء قدير (١). "سيرة الإمام أحمد" لصالح ص ١١٢ - ١١٧، "مسائل صالح" (٨٧١)

стр. 494

باب: الجهمية ٩٠ - فصل: ذكر أناس من الجهمية وأخبارهم (١) قال صالح: قال أبي: بلغني أن المثنى الأنماطي قعد بواسط، فأثنى على بشر المريسي، فقام يزيد بن هارون فقال: لا واللَّه أو ينفى منها. فأخرجه من واسط. "مسائل صالح" (٣٣٣) قال ابن هانئ: وسمعته يقول: أخزى اللَّه الكرابيسي، لا يجالس ولا يكلم ولا تكتب كتبه، ولا يجالس من جالسه. وذكره بكلام كثير. وقيل له ما لا أحصي: من قال: القرآن مخلوق؛ فهو عندك كافر؟ قال: نعم، هو عندي كافر. "مسائل ابن هانئ" (١٨٦٥) قال ابن هانئ: حضرت الصلاة مع أبي عبد اللَّه يوم عيد، فإذا قاص يقص، فذكِر القاص كلمة قال: على ابن أبي دؤاد ألف لعنة اللَّه -أو كلمة نحوها- ثم جعل يقول: لعن اللَّه ابن أبي دؤاد. وجعل يذكره بالقبيح. فلما قضى أبو عبد اللَّه صلاة العيد، ووافق ذلك يوم الجمعة، فصلى العيد ثم انصرف، ولم يغد إلى الجمعة -فلما صرنا ببعض الطريق، جلسنا نستريح، فذكر أبو عبد اللَّه القاص. قال: ما أنفعهم للعوام، وإن كان عامة ما يحدثون به كذبًا. قلت له: إن أبا حامد الخفاف، قال لي: إن أبا نصر التمار مر بهذا وهو يقص بباب الشام والناس مستجمعون.

стр. 495

فقال: ما هذا؟ فقيل له: قاص، فقرأ هذِه الآية: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨]. قال أبو عبد اللَّه: فهو أيش زين له؟ ! ثم ذكر كلمة، فقال: واللَّه ما كانت حجة عبد الرحمن بن إسحاق، وإسحاق بن إبراهيم عليّ إلا بأبي نصر التمار. وإسحاق جعل يقول لي: ألا ترى إلى إخوانك إسحاق بن أبي إسرائيل وأبي نصر. "مسائل ابن هانئ" (١٨٨٠) قال حرب بن إسماعيل: سمعت أحمد وذكر شعيب بن سهل قاضي بغداد، فقال: أخزاه اللَّه، وهو يرى رأي جهم (١). "مسائل حرب" ص ٤٥٦ قال عبد اللَّه: سمعت أبي ﵀ يقول: كنا نحضر مجلس أبي يوسف، وكان بشر المريسي يحضر في آخر الناس، فيشغب فيقول: أيش تقول؟ وأيش قلت يا أبا يوسف؟ فلا يزال يضج ويصيح، فكنت أسمع أبا يوسف يقول: اصعدوا به إلي، اصعدوا به إلي. قال: فجاء يومًا فصنع مثل هذا، فقال أبو يوسف: اصعدوا به إلي. قال أبي ﵀: وكنت بالقرب منه، فجعل يناظره في مسألة فخفي علي بعض قوله، فقلت: للذي كان أقرب مني: أيش قال له أبو يوسف؟ فقال: قال له: لا تنتهي حتى تفسد خشبة (٢). "السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٧١ (٢٠٣)
следующие страницы →