قال عبد اللَّه: حدثني أبي، نا جرير، عن عطاء، عن أبي الضحى، عن عباس ﵁ قال: أول ما خلق اللَّه القلم، ثم قال له: اكتب. قال: اكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة (١).
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٤٠١ (٨٧١)، ٢/ ٤١٠ (٨٩٤)
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، نا هشيم، أنا منصور -يعني: ابن زاذان-
стр. 737
عن الحكم بن عتيبة، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: إن أول ما خلق اللَّه القلم، قال: وأمره، فكتب ما هو كائن. قال: فكتب فيما كتب: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ [المسد: ١].
"السنة" لعبد اللَّه ١/ ٤٠٢ (٨٧٢).
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، نا وكيع، عن سفيان، عن محمد بن جحادة، عن قتادة، عن أبي السوار العدوي، عن الحسن بن علي ﵁ قال: رفع الكتاب وجفَّ القلم، وأمور تقضى في كتاب قد خلا! (١)
"السنة" لعبد اللَّه ٣/ ٤٠٢ (٨٧٥).
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، نا يحيى بن إسحاق، نا ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة.
قال أبي: وحدثنا حسن، ثا ابن لهيعة، نا بكر بن سوادة، عن كثير بن غريب الخولاني، عن كريب الحضرمي، عن أبي هريرة ﵁ قال: مضت الكتب وجفت الأقلام. قال حسن في حديثه: فشقي أو سعيد، فريق في الجنة وفريق في السعير.
وقال: حدثني أبي، نا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير قال: إنكم مكتوبون عند اللَّه بأسمائكم وسيماكم وفحواكم وحلاكم ومجالسكم.
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥ (٨٧٨ - ٨٧٩).
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، نا عبد الصمد، نا حماد، عن حميد، عن ثابت قال: ولا أعلمني إلا قد سمعته من ثابت، عن الحسن بن علي ﵁ قال: قضي القضاء وجفَّ القلم، وأمور تكفي في كتاب قد خلا.
стр. 738
وقال: حدثني أبي، نا حجاج، نا ابن جريج، حدثني يعلى بن مسلم، أنه سمع سعيد بن جبير، يقول فذكر قصة بختنصر وملك ابنه، فرأى كفا فرجت بين لوحين، ثم كتبت سطرين، فدعا الكهان والعلماء، فلم يجد عندهم منه علما، فقالت له أمه: إنك لو أعدت لدانيال منزلته التي كانت له من أبيك -وكان قد جفاه- أخبرك. فدعاه فقال: إني معيد لك منزلتك من أبي، فأخبرني ما هذان السطران؟ قال: أما ما ذكرته أنك معيد لي منزلتي من أبيك فلا حاجة لي بذاك، وأما هذان السطران فإنك تقتل الليلة. فأخرج من في القصر أجمعين وأمر بقفله، فأقفلت الأبواب عليه، وأدخل معه آمَنَ أهل القرية في نفسه معه سيف، وقال له: من جاء من خلق اللَّه فاقتله وإن قال أنا فلان، وبعث اللَّه عليه البطن، فجعل يمشي والآخر مستيقظ حتى إذا كان على شطر الليل رقد ورقد صاحبه، ثم نبهه البطن، فذهب يمشي والآخر راقد، فرجع فاستيقظ فقال: أنا فلان فضربه بالسيف فقتله (١).
وقال: حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا رباح، أنا معمر، أن ابن شبرمة، كان يغضب إذا قيل له: مد اللَّه في عمرك، يقول: إن العمر لا يزاد فيه ولا ينقص منه.
وقال: حدثني أبي، حدثنا محمد بن سلمة، عن ابن علاثة، عن علي بن بذيمة، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ [الدخان: ٤] قال: أمر السنة إلى السنة إلا الموت والحياة والشقاء والسعادة.
وقال: حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا هشيم، عن
стр. 739
عثمان بن حكيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إن الرجل ليمشي في الأسواق، وإن اسمه لفي الموتى (١).
"السنة" لعبد اللَّه ٥/ ٤٠٢ - ٤٠٧ (٨٨١ - ٨٨٧).
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، نا يحيى بن سعيد، عن هشام -يعني: الدستوائي- حدثني القاسم بن أبي بزة، حدثني عروة بن عامر قال: سمعت ابن عباس ﵁ يقول: إن أول ما خلق اللَّه القلم فأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق، فالكتاب عنده، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾ [الزخرف: ٤] (٢).
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٤١١ (٨٩٨).
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، نا هاشم بن القاسم، نا عبد العزيز -يعني: ابن أبي سلمة- عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ذكر عنده القدر يوما، فأدخل أصبعيه السبابة والوسطى في فيه فرقم بهما باطن يديه، فقال: أشهد أن هاتين الرقمتين كانتا في أم الكتاب (٣).
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٤٣٢ (٩٥٥).
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، ثنا إسماعيل، عن منصور بن عبد الرحمن الغداني قال: قلت للحسن: قوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] قال: سبحان اللَّه! ومن يشك
стр. 740
في هذا؟ ! كل مصيبة بين السماء والأرض ففي كتاب اللَّه قبل أن يبرأ النسمة (١).
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٤٣٣ - ٤٣٤ (٩٦١).
قال الخلال: وأخبرني عصمة بن عصام قال: ثنا حنبل قال: قال أبو عبد اللَّه: الخير والشر والشقاوة والسعادة مكتوبان على العبد، واحتج بحديث النبي ﷺ ، "فمنهم من يولد مؤمنًا، ويحيا مؤمنًا، ويموت كافرًا، ومنهم من يولد كافرًا، ويحيا كافرًا، ويموت مؤمنًا" (٢)، قال: هذا من كتب اللَّه عليه الشقاء والسعادة.
قال: وسألت أبا عبد اللَّه عن الإيمان بالقدر؟ قال: نؤمن به، ونعلم أن ما أصابنا لم يكن يخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأن اللَّه قدَّر كل شيء من الخير والشر، فهو سابق في اللوح المحفوظ، الشقاء والسعادة مكتوبان على ابن آدم قبل أن يخلق، ونحن في أصلاب الآباء.
"السنة" للخلال ١/ ٤٢٤ (٨٨٦).
قال الخلال: أخبرنا سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني، قال: ثنا محمد بن يزيد الأسفاطي أبو عبد اللَّه الأسفاطي قال: رأيت النبي ﷺ في المنام جالسًا مع عمر بن الخطاب ﵀، فقلت: يا رسول اللَّه، إن عبد اللَّه ابن مسعود، حدث بحديث الصادق المصدوق -أريد حديث القدر (٣).
стр. 741
فقال: أنا واللَّه الذي لا إله إلا هو حدثته، أعادها ثلاثًا، غفر اللَّه للأعمش كما حدث به، وغفر اللَّه لمن حدث به قبل الأعمش، وغفر اللَّه لمن حدث به بعد الأعمش.
قال أبو عبد اللَّه: فحدثت به ابن داود الخُريبي، فبكى -يعني حديث الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد اللَّه، قال: حدثنا رسول اللَّه وهو الصادق المصدوق ..
قال أبو داود: وهذا الأسفاطي ضربه الزنج فمات، فرأيته في المنام بعد موته، فقلت له: أمت؟ فقال: أنا حي.
"السنة" للخلال ١/ ٤٢٥ (٨٨٩).
قال أبو داود السجستاني: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا حسين بن محمد، عن فطر، عن سلمة بن كهيل، عن زيد بن وهب، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: حدثنا رسول اللَّه ﷺ وهو الصادق المصدوق ..
قال: أبو داود: قلت لأحمد: حديث "يجمع في بطن أمه. . "؟
قال: نعم. قال أحمد: قص حسين نحو حديث الأعمش.
"الإبانة" كتاب القدر ٢/ ٢١ (١٣٩٦).
قال الفضل بن زياد: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا معاذ -يعني: ابن معاذ- قال: كنتُ عند عمرو بن عبيد، فجاء عثمان بن خاش -وهو أخو السمري- فقال: يا أبا عثمان، سمعت واللَّه اليوم الكفر. قال: ما هو؟ لا تعجل بالكفر، قال: هاشم الأوقص زعم أن ﴿تَبَّت يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] وقول اللَّه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] لم يكن هذا في أم الكتاب، واللَّه يقول: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾ [الزخرف: ١ - ٣]، فما الكفر إلا هذا، فسكت عمرو ساعة ثم تكلم فقال: واللَّه
стр. 742
لو كان الأمر كما تقول ما كان على أبي لهب من لوم، ولا كان على الوليد من لوم. قال أحمد: رحم اللَّه معاذ، أملاه علينا بالبصرة على رؤوس الناس.
"الإبانة" كتاب القدر ٢/ ٣٠٣ (١٩٦٩).
١١٥ - المرتبة الثالثة: المشيئة
قال عبد اللَّه بن أحمد: حدثني أبي، نا وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة أن النبي ﷺ كان يقول: "يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِك" (١).
وقال: حدثني أبي، نا سفيان بن عيينة، عن أبي الزعراء، سمع أبا الأحوص عمه سمعت ابن مسعود ﵁ يقول: "الشقِيّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أمِّهِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيرِهِ" (٢).
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٣٩٩ (٨٦٦ - ٨٦٧).
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، نا عبد الصمد، نا حماد -يعني ابن سلمة- نا داود -يعني ابن أبي هند- عن أبي نضرة، عن أسير بن جابر، أن عليًّا ﵁ قال: ما من آدمي إلا ومعه ملك يقيه ما لم يقدر له فإذا جاء القدر خلاه وإياه (٣).
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٢٠٤ (٨٧٤)
стр. 743
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، نا وكيع، نا سفيان، عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه الرازي، عن سعيد بن جبير ﴿يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] قال: يحول بين المؤمن والكفر وبين الكافر والإيمان.
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٤٠٥ (٨٨٠).
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا ابن فضيل، حدثنا الأعمش، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ قال: يحول بين المؤمن والكفر ومعاصي اللَّه، ويحول بين الكافر وبين الإيمان وطاعة اللَّه (١).
"السنة" لعبد اللَّه ٨/ ٤٠٢ (٨٨٨).
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، نا أنس بن عياض، سمعت أبا حازم يقول: قال اللَّه ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَاهَا﴾ [الشمس: ٨] قال: الفاجرة ألهمها اللَّه تعالى الفجور، والتقية ألهمها اللَّه التقوى.
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٤٠٨ (٨٩٠).
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، نا وكيع، نا ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] قال: إلا الشقاء والسعادة والحياة والموت (٢).
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٤١١ (٨٩٧).
قال عبد اللَّه بن أحمد: حدثني أبي، نا إسماعيل، أنا خالد الحذاء، عن عبد الأعلى بن عبد اللَّه بن عامر القرشي، عن عبد اللَّه بن الحارث الهاشمي
стр. 744
قال: خطب عمر ﵁ بالجابية -وقد قال خالد مرة أخرى: بالشام، والجاثليق (١) ماثل- فتشَهد فقال: من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. فقال الجاثليق: لا. فقال عمر: ما قال؟ فقالوا ما قال.
فأعاد: من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. فقال الجاثليق بقميصه هكذا -ونفض إسماعيل ثوبه وأخذه من صدره فنفضه- وقال: إن اللَّه لا يضل أحدًا.
فقال: ما يقول؟ فقالوا ما قال، فقال: كذبت عدو اللَّه، اللَّه خلقك واللَّه أضلك ثم يميتك فيدخلك النار إن شاء اللَّه، واللَّه لولا ولث (٢) عقد لك لضربت عنقك، ثم قال: إن اللَّه خلق آدم ﵇ فنشر ذريته في يده ثم كتب أهل الجنة وما هم عاملون، وكتب أهل النار وما هم عاملون، ثم قال: هؤلاء لهذِه وهؤلاء لهذِه.
قال: فتصدع الناس وما يتنازع في القدر (٣).
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٤٢٣ (٩٢٩)
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، نا عبد الرزاق، نا معمر، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة: أما بعد: فإن استعمالك سعد بن مسعود على عمان من الخطايا التي قدر اللَّه عليك وقدر أن تبتلى بها (٤).
وقال: حدثني أبي، نا وكيع، نا عمر بن ذر: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: لو أن اللَّه أراد أن لا يعصى لم يخلق إبليس، ثم قرأ:
стр. 745
﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ (١) [الصافات: ١٦٢، ١٦٣].
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٤٢٥ (٩٣٥ - ٩٣٦).
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، نا إبراهيم بن خالد، حدثني رباح، قال: سألت عمر بن حبيب عن قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] قال: حدثني داود بن رافع؛ أن مجاهدًا كان يقول: من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فليس بمعجزي، يقول: وعيد من اللَّه (٢).
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٤٢٧ - ٤٢٨ (٩٤٣).
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، نا إسماعيل -يعني: ابن علية- نا خالد الحذاء قال: قلت للحسن أرأيت آدم، أللجنة خُلِق أم للأرض؟
قال: للأرض. قال: قلت: أرأيت لو اعتصم؟
قال: لم يكن بد من أن يأتي على الخطيئة (٣).
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٤٢٨ (٩٤٥).
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز قال: قال المسيح ابن مريم ﵇: ليس كما أريد ولكن كما تريد، وليس كما أشاء ولكن كما تشاء (٤).
"الزهد" ص ١١٩
стр. 746
قال الخلال: أخبرني يوسف بن موسى، أن أبا عبد اللَّه سئل عن أعمال الخلق، مقدرة عليهم من الطاعة والمعصية؟ قال: نعم.
قيل: والشقاء والسعادة مقدَّران على العباد؟ قال: نعم.
قيل له: والناس يصيرون إلى مشيئة اللَّه فيهم من حسن أو سيئ؟
قال: نعم.
وقال: وأخبرني منصور بن الوليد، أن جعفر بن محمد النسائي حدثهم قال: سمعت أبا عبد اللَّه، وذكر عنده أن رجلًا محدثًا قال: ما شاء اللَّه يفعل، وما لم يشأ لم يفعل.
فقال رجل عنده: ما شاء اللَّه، أو ما لا يشاء اللَّه يفعل. فاستعظم ذاك. قلت: يستتاب؟ قال: أيش يستتاب؟ قال: هذا الكفر.
"السنة" للخلال ١/ ٤٤٠ (٩٣٧ - ٩٣٨)
قال الخلال: أخبرني عصمة بن عصام قال: ثنا حنبل قال: قال أبو عبد اللَّه: الاستطاعة للَّه والقوة، ما شاء اللَّه كان من ذلك، وما لم يشأ لم يكن، ليس كما يقول هؤلاء -يعني: المعتزلة- الاستطاعة إليهم.
"السنة" للخلال ١/ ٤٤٠ (٩٤٠).
قال الفضل: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، عن معمر، عن زيد بن أسلم قال: اشتد غضب اللَّه على من يقول: من يحول بيني وبينه. قال اللَّه : أنا أحول بينك وبينه (١).
"الإبانة" كتاب القدر ٢/ ٨٧ (١٤٩٦).
قال أبو بكر المروذي: سمعت أبا عبد اللَّه قال: حدثنا حميد بن
стр. 747
الربيع بن عبد الرحمن الرؤاسي، قال: سمعت الأعمش قال: استعان بي مالك بن الحارث في حاجة، قال: فجئت وعليَّ قباء مخرق.
قال: فقال لي: لو لبست ثوبًا غير هذا.
قال: قلت: امشِ، فإنما حاجتك بيد اللَّه (١).
"الإبانة" كتاب القدر ٢/ ٢٧٤ (١٨٩٨).
стр. 748
١١٦ - المرتبة الرابعة: الخلق
قال ابن هانئ: سألت أبا عبد اللَّه عن: حديث أبي الضحى عن ابن عباس؟ قال أبو عبد اللَّه: أما ما روى أبو داود الطيالسي: قرأت على أبي عبد اللَّه؟ أبو داود قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، سمع أبا الضحى يحدّث عن ابن عباس قال: قوله: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] قال: في كل أرض خلق مثل إبراهيم (١).
стр. 749
قال ابن هانئ: قرأت على أبي عبد اللَّه: وكيع قال: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم -يعني ابن مهاجر- عن مجاهد، عن ابن عباس قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢].
قال: لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم تكذيبكم بها (١).
قال ابن هانئ: قرأت على أبي عبد اللَّه: روح قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ من السماء السابعة إلى الأرض السابعة.
قال ابن هانئ: قرأت على أبي عبد اللَّه: علي بن حفص، في تفسير ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ من السماء السابعة، إلى الأرض السابعة (٢).
قال ابن هانئ: قرأت على أبي عبد اللَّه: عبد الرزاق قال: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله : ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ قال: في كل سماء، وفي كل أرض خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه (٣).
قال ابن هانئ: قرأت على أبي عبد اللَّه: يحيى بن سعيد، عن سفيان قال: حدثني إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس، قوله: ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ قال: لو أخبرتُكم بتفسيرها لرجمتموني بالحجارة.
"مسائل ابن هانئ" (١٨٨٥ - ١٨٩٠).
стр. 750
قال عبد اللَّه بن أحمد: حدثني أبي، نا وكيع، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَمَّا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ الخلْقِ كتَبَ عَلَى عَرْشِهِ: رَحْمَتِي سَبَقَت غَضَبِي" (١).
وقال: حدثني أبي، نا هشيم، أنا علي بن زيد، سمعت أبا عبيدة بن عبد اللَّه يحدث قال: قال عبد اللَّه ﵁: قال رسول اللَّه ﷺ : "إِنَّ النُّطْفَةَ تَكُونُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَى حَالِهَا لَا تَغَيَّرُ، فَإِذَا مَضَتْ الأَرْبَعُونَ صَارَت عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً كَذَلِكَ ثُمَّ عِظَامًا كَذَلِكَ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُسَوِّيَ خَلْقَهُ بَعَثَ إِلَيهَا مَلَكًا، فَيَقُولُ المَلَكُ الذِي يَلِيَهُ: أَيْ رَبِّ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ أَقَصِيرٌ أَمْ طَوِيلٌ؟ أَنَاقِصٌ أَمْ زَائِدٌ؟ قُوتُهُ وَأَجَلُهُ؟ أَصَحِيحٌ أَمْ سَقِيمٌ؟ قَالَ: فَيَكْتُبُ ذَلِكَ كلَّهُ" فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ القَوْمِ: فَفِيمَ العَمَلُ إِذَنْ وَقَدْ فُرِغَ مِنْ هذا كُلِّهِ؟ فقَالَ: "اعْمَلُوا فَكُلٌّ سَيُوَجَّهُ لِمَا خُلِقَ لَهُ" (٢).
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٣٩٧ (٨٦٣ - ٨٦٣).
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، نا وكيع، نا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة ابن يزيد، عن ابن الديلمي قال: سألت عبد اللَّه بن عمرو ﵄ عن جف
стр. 751
القلم، فقال: إن اللَّه حين خلق الخلق ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه شيء منه اهتدى (١).
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٤٢٤ (٩٣٢)
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، نا عبد الصمد، نا حماد، نا حميد قال: قدم الحسن مكة فقال لي فقهاء مكة: الحسن بن مسلم وعبد اللَّه بن عبيد: لو كلمت الحسن فأخلانا يومًا؟ فكلمت الحسن فقلت: يا أبا سعيد، إخوانك يحبون أن تجلس لهم يومًا. قال: نعم، ونعمت عين. فوعدهم يوما، فجاؤوا واجتمعوا وتكلم الحسن، وما رأيته قبل ذلك اليوم ولا بعده أبلغ منه ذلك اليوم، فسألوه عن صحيفة طويلة، فلم يخطئ فيها شيئًا إلا في مسألة، فقال له رجل: يا أبا سعيد، من خلق الشيطان؟ فقال: سبحان اللَّه سبحان اللَّه، وهل من خالق غير اللَّه؟ ! ثم قال: إن اللَّه خلق الشيطان وخلق الشر وخلق الخير. فقال رجل منهم: قاتلهم اللَّه يكذبون على الشيخ (٢).
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٤٢٧ (٩٤٢).
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، نا إسماعيل، أنا منصور بن عبد الرحمن قال: سألت الحسن عن قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩]
стр. 752
فقال: الناس مختلفون على أديان شتى إلا من رحم ربك، ومن رحم غير مختلف. قلت: ولذلك خلقهم؟
قال: نعم، خلق هؤلاء لجنته، وخلق هؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه (١).
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٤٣٠ (٩٥٠).
قال عبد اللَّه: حدثني أبي: حدثني حجاج بن محمد بن اليزيدي، أنبأنا شريك، عن أبي سنان عبد اللَّه بن أبي الهذيل، عن عمار بن ياسر قال: قال موسى ﵇: يا رب خلقت خلقًا تدخلهم النار وتعذبهم! فأوحى اللَّه إليه: كلهم خلقي، ثم قال: ازرع زرعًا. فزرعه، فقال: اسقه. فسقاه، ثم قال له: قم عليه. فقام عليه أو ما شاء اللَّه من ذلك، فحصده ورفعه، فقال: ما فعل زرعك يا موسى، قال: فرغت منه ورفعته، قال: ما تركت منه شيئًا؟ قال: ما لا خير فيه، أو ما لا حاجة لي فيه. قال: كذلك أنا لا أعذب إلا من لا خير فيه أو ما لا حاجة لي فيه (٢).
"الزهد" رواية عبد اللَّه ص ١١٠ - ١١١
قال الخلال: وأخبرنا أبو بكر المروذي قال: سمعت أبا عبد اللَّه يسأل عمن قال: إن من الأشياء شيئًا لم يخلقه اللَّه، هذا يكون مشركًا؟
قال: إذا جحد العلم فهو مشرك يستتاب؛ فإن تاب، وإلَّا قتل إذا قال: إن اللَّه لا يعلم الشيء حتى يكون.
"السنة" للخلال ١/ ٤٤٠ (٩٣٩).
стр. 753
١١٧ - باب: الفطرة
قال عبد اللَّه بن أحمد: حدثني أبي، نا ابن نمير، نا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: أخرج اللَّه ﷻ ذرية آدم ﵇ من ظهره مثل الذر فسماهم، قال: هذا فلان وهذا فلان ثم قبض قبضتين، فقال للتي في يمينه: ادخلوا الجنة، وقال للتي في يده الأخرى: ادخلوا النار ولا أبالي (١).
"السنة" لعبد اللَّه ٣/ ٤٠٢ - ٤٠٤ (٨٧٦).
قال الخلال: أخبرني يوسف بن موسى، أن أبا عبد اللَّه سئل عن حديث النبي ﷺ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ" (٢)، قال: الفطرة التي فطر اللَّه العباد عليها.
وقال: وأخبرني محمد بن الحسين، أن الفضل حدثهم.
وأخبرني عصمة بن عصام قال: ثنا حنبل.
وأخبرني محمد بن أبي هارون، ومحمد بن جعفر؛ أن أبا الحارث حدثهم، سمعوا أبا عبد اللَّه في هذِه المسألة قال: الفطرة التي فطر اللَّه العباد عليها من الشقاء والسعادة.
وقال: أخبرني منصور بن الوليد قال: ثنا علي بن سعيد أنه سأل أبا عبد اللَّه عن: "كل مولودٍ يولد على الفطرة"، قال: على الشقاء والسعادة، قال: يرجع على ما خلق.
стр. 754
وقال: أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد قال: الفطرة الأولى التي فطر اللَّه عليها. قلت له أنا: فما الفطرة الأولى؟ هي الدين؟ قال: نعم.
وقال: أخبرني محمد بن يحيى الكحال، أنه قال لأبي عبد اللَّه: "كل مولود يولد على الفطرة"، ما تفسيرها؟ قال: هي الفطرة التي فطر اللَّه الناس عليها، شقي أو سعيد.
وقال أبو عبد اللَّه: سألني عن هذِه المسألة إنسان بمكة، وكان قدريًا، فلما قلت له، كأني ألقمته حجرًا (١).
"السنة" للخلال ١/ ٤٢١ - ٤٢٢ (٨٧٨ - ٨٨٢).
قال الخلال: وأخبرني أحمد بن الحسين بن حسان، قال: سئل أبو عبد اللَّه عن حديث: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ"، فقال: الفطرة التي فطر اللَّه، التي فطر الناس عليها.
"السنة" للخلال ١/ ٤٢٢ - ٤٢٣ (٨٨٤).
وقال: أخبرني عبد الملك الميموني: أنه قال لأبي عبد اللَّه: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ" يدخل عليه إذا كان أبواه معه أن يكون حكمه حكم ما كانوا صغارًا؟ فقال لي: نعم يدخل عليك في هذا. فتناظرنا بما يدخل عليَّ من هذا القول بما يكون يقويه، قلت لأبي عبد اللَّه: فما تقول أنت فيها؟ وإلى أي شيء تذهب؟
قال: إلى أي شيء أقول؟ ! ما أدري خبرك؟ هي مسألة كما ترى، ثم قال لي: والذي يقول: كل مولود يولد. . انظر أيضًا إلى الفطرة الأولى التي فطر اللَّه الناس عليها.
стр. 755
قلت: فما الفطرة الأولى؟ هي الدين؟
قال لي: نعم من الناس من يحتج بالفطرة الأولى مع قول النبي ﷺ : "كلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ".
قلت لأبي عبد اللَّه: فما تقول؛ لا أعرف قولك؟
قال: أقول: إنه على الفطرة الأولى.
"أحكام أهل الملل" ١/ ٧٧ (٢٨).
قال أبو عبد اللَّه بن نصر المروزي: وهذا المذهب شبيه بما حكاه أبو عبيد، عن عبد اللَّه بن المبارك، أنه سئل عن قول النبي ﷺ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ"، فقال: يفسره الحديث الآخر حين سئل عن أطفال المشركين، فقال: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ" (١).
قال المروزي: ولقد كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول ثم تركه.
"التمهيد" ١٨/ ٧٩.
قال محمد بن نصر المروزي: سمعت إسحاق بن راهويه يذهب إلى هذا المعنى، واحتج بقول أبي هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] قال إسحاق: يقول: لا تبديل لخلقته التي جبل عليها ولد آدم كلهم، يعني: من الكفر والإيمان والمعرفة والإنكار.
واحتج إسحاق أيضًا بقول اللَّه : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية. قال إسحاق: أجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد، استنطقهم ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾،
стр. 756
فقال: انظروا ألا تقولوا: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣].
واحتج إسحاق أيضًا بحديث أبي بن كعب في قصة الغلام الذي قتله الخضر، قال: أخبرنا سلم بن قتيبة قال: حدثنا عبد الجبار بن عباس الهمداني، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ قال: "الْغُلَامُ الذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ طبعَهُ اللَّه يَوْمَ طبعَه كَافِرًا" (١)، قال إسحاق: وكان الظاهر ما قال موسى: أقتلت نفسًا زكيةً بغير نفس! فأعلم اللَّه الخضر ما كان الغلام عليه في الفطرة التي فطره عليها (وأنه لا تبديل لخلق اللَّه، فأمر بقتله) (٢)؛ لأنه كان قد طُبع يوم طُبع كافرًا.
قال إسحاق: وأخبرنا سفيان، عن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه كان يقرأ: (وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين) (٣).
قال إسحاق: فلو ترك النبي ﷺ الناس ولم يبين لهم حكم الأطفال لم يعرفوا المؤمنين منهم من الكافرين؛ لأنهم لا يدرون ما جبل كل واحد منهم عليه حين أخرج من ظهر آدم، فبين النبي ﷺ حكم الطفل في الدنيا بأن "فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ويُنَصِّرَانِهِ ويُمَجِّسَانِهِ" يقول: أنتم لا تعرفون ما طبع عليه في الفطرة الأولى، ولكن حكم الطفل في الدنيا حكم أبويه، فاعرفوا ذلك بالأبوين، فمن كان صغيرًا بين أبوين كافرين ألحق بحكمهما، ومن
стр. 757
كان صغيرًا بين أبوين مسلمين ألحق بحكمهما، وأما إيمان ذلك وكفره مما يصير إليه فعلم ذلك إلى اللَّه، وبعلم ذلك فُضِّل الخضر على موسى، إذْ أطلعه اللَّه عليه في ذلك الغلام وخصه بذلك العلم.
(قال: ولقد سئل ابن عباس عن ولدان المسلمين والمشركين فقال: حسبك ما اختصم فيه موسى والخضر) (١).
واحتج إسحاق أيضًا بحديث عائشة -حين مات صبي من الأنصار بين أبوين مسلمين- فقالت عائشة: طوبى له، عصفور من عصافير الجنة فرد عليها النبي ﷺ فقال: "مَهْ يَا عَائِشَةُ! وما يُدرِيكِ؟ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا، وَخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا" (٢)، قال إسحاق: هذا الأصل الذي يعتمد عليه أهل العلم (٣).
"التمهيد" ١٨/ ٨٤ - ٨٨.
стр. 758
١١٨ - باب الجبر على الإسلام (١) وما يلزم للدخول فيه
قال إسحاق بن منصور الكوسج: قُلْتُ لإسحاقَ: إذا جَاء رجلٌ من أهلِ الذِّمَّةِ فَقال: اعرضْ عليَّ الإسلامَ؟
قَالَ: فإِنَّ السنةَ في ذَلِكَ أَنْ يعرض عليه أن يقولَ: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ، وأقررتُ بكلِّ ما جاء مِن عندِ اللَّهِ وبرئتُ من كلِّ دينٍ سوى دينِ الإسلامِ.
فهذا العرض التام الذي اجتمع العلماءُ على قبول ذَلِكَ، وصيروه دخولًا في الإسلام وبراءة من الشركِ، فإنِ اقتصرَ العارضُ على المشركِ الإسلام على شهادةِ أن لا إله إلا اللَّه، وأنَّ محمدًا رسولُ اللَّهِ [فهذا] (٢) دخول في الإسلام، إذا كان ذَلِكَ على معنى الدخول في الإسلام كما قَالَ النبيُّ ﷺ حيث دخل مدراس اليهود فعرض على اليهوديِّ الإسلام قدر هذا، فلما قَالَ ومات اليهودي، قَالَ النبيُّ ﷺ : "صَلُّوا على أخيكم" (٣). فإنَّما احتطنا أَنْ يكونَ الذي يعرض على الذميِّ الإسلامَ، يعرضُ عليه الخصال الأربع، كي لا يكون اختلافًا من العلماءِ (٤).
"مسائل الكوسج" (٣٣٧٠)
стр. 759
قال إسحاق بن منصور: سألتُ أحمد عن الرجلِ يُعرضُ عليه الإسلامُ عند الموتِ يقر ويشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنَّ محمدا رسول اللَّه أترثه وارثة الإسلام؟ قال: نعم، ومن يقول غير هذا، هؤلاء في مذهبهم لا ينبغي أن يكون إلا هكذا، ولكن العجب. أي: لا يوفقون.
"مسائل الكوسج" (٣٤١٠).
قال صالح: حدثني أبي قال: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: إذا سبين اليهوديات والنصرانيات يُجبرن على الإسلام، فإن أسلمن أو لم يسلمن: وطئن واستخدمن، وإذا سبين المجوسيات وعبدة الأوثان جبرن على الإسلام، فإن أسلمن وطئن واستخدمن، وإن لم يسلمن استخدمن ولم يوطأن.
"مسائل صالح" (٦٣٠)
قال أبو داود: قلت لأحمد: رجل قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه؟ قال: يُجبر على الإسلام. وأنكر على من يقول: لا يجبر.
"مسائل أبي داود" (١٤٦٥).
قال عبد اللَّه: حدثني أبي قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثني عمرو بن مرة، عن عبد اللَّه بن سلمة، عن صفوان بن عسال، قال: قال رجل من اليهود: انطلق بنا إلى هذا النبي. قال: لا تقل النبي، فإنه لو سمعها كان له أربعة أعين وقص الحديث (١).
стр. 760
فقالا: نشهد أنك رسول اللَّه.
سمعت أبي يقول: خالف يحيى بن سعيد غير واحد. فقالوا: نشهد أنك نبي.
قال أبي: ولو قالوا: نشهد أنك رسول اللَّه كانا قد أسلما.
ولكن يحيى أخطأ فيه خطأ قبيحًا (١).
"العلل" برواية عبد اللَّه (٤٢٨٦)
قال عبد اللَّه: سألت أبي عن قوم يزوجون بناتهم من قوم على أنه ما كان من ذكر فهو للرجل المسلم، وما كان من أنثى فهي مشركة أو يهودية أو مجوسية أو نصرانية؟
قال: يجبر من هؤلاء كل من أبى منهم على الإسلام، لأن آباءهم مسلمون؛ لحديث النبي ﷺ "فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ ينَصِّرَانِهِ" (٢) يردون كلهم على الإسلام.
"مسائل عبد اللَّه" (١٢٦٣)
стр. 761
قال الخلال: أخبرنا المروذي قال: قلت لأبي عبد اللَّه: ما تقول في رجل مسلم ونصراني في دار لهما أولاد فلم نعرف ولد النصراني من ولد المسلم؟ قال: يجبرون على الإسلام.
"أحكام أهل الملل" للخلال ١/ ٦٤ (١٣)
قال الخلال: حدثنا أبو بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد اللَّه: إني كنت بواسط، فسألوني عن الذي يموت هو وامرأته ويدعا طفلين، ولهما عم، ما تقول فيهما؟ فإنهم كتبوا إلي بالبصرة فيها، وقالوا: إنهم قد كتبوا إليك، فقال: أكره أن أقول فيها برأيي، دعني حتى أنظر لعل فيها عمن تقدم.
فلما كان بعد الشهر عاودته، فقال: نظرت فيها فإذا قول النبي ﷺ : "فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ" وهذا ليس له أبوان.
قلت: يجبر على الإسلام؟ قال: نعم، هؤلاء مسلمون لقول النبي ﷺ .
"أحكام أهل الملل" للخلال ١/ ٨٩ (٥٥).
قال الخلال: أخبرني محمد بن علي قال: حدثنا يعقوب بن بختان قال: قال أبو عبد اللَّه: الذمي إذا مات أبواه، وهو صغير أجبر على الإسلام، وذكر الحديث: "فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ".
"أحكام أهل الملل" للخلال ١/ ٨٩ (٥٧).
قال الخلال: أخبرني الميموني أنه سأل أبا عبد اللَّه عن الأمة المجوسية اشتريتها، أجبرها على الإسلام؟
قال: إن كنت اشتريتها من المجوس فلا تجبرها، فإن لهم ذمّة ما كانت عند أولئك؛ لأنهم كانوا يؤدّون الجزية بذمّة أولئك، لا تجبرها.
وقال: أخبرني عبد الملك في موضع آخر قال: سُئل أبو عبد اللَّه: إذا
стр. 762
استبينا المرأة المجوسية، نجبرها على الإسلام، فسمعته يقول: ليس هذِه بمنزلة أهل الكتاب، تجبر على الإسلام.
"أحكام أهل الملل" للخلال ١/ ٢٧٧ (٥٦٠ - ٥٦١)
قال الخلال: فإن حرب الكرماني أخبرني قال: قيل لأحمد: حديث صفوان بن عسال قال: فقبلوا يده وقالوا: نشهد أنك نبي.
قال: هذا قال: نبي، ولم يقل رسول اللَّه، والنبي غير الرسول. وإذا قال: أشهد أنه رسول اللَّه ﷺ . فقد أقرّ أنه أرسل إليه وإلى الناس كلهم.
وقال الخلال: أخبرني أحمد بن حمدويه الهمداني، قال: حدثنا محمد بن أبي عبد اللَّه، قال: حدثني أحمد بن أبي عبدة، قال: قلت لأحمد: حديث صفوان بن عسال.
فذكر مثل مسألة حرب وزاد: قال: لأن رسول اللَّه ﷺ مرسل إلى الناس كافة، وإذا قال: نبي فهو غير هذا.
وقال: أخبرني الحسن بن الهيثم؛ أن محمد بن موسى حدثهم أن أبا عبد اللَّه قيل له: لو أن رجلًا قال: أشهد أن محمدًا رسول اللَّه أو أشهد أن محمدًا نبي كان واحدًا؟ قال: لا، إذا قال: أشهد أنه نبي فقد يكون أن يقول: نبي، ولا أدري مرسل هو أم لا.
وقال: أخبرني إبراهيم قال: حدثنا نصر بن عبد الملك، قال: أخبرني يعقوب؛ أن أبا عبد اللَّه سُئل عن ذميّ قال: أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه؟ قال: يجبر على الإسلام، وإذا قال: أشهد أنه نبي لم نقل له شيئًا.
"أحكام أهل الملل" للخلال ٢/ ٣٧٢ - ٣٧٣ (٨٣٠ - ٨٣٣).
قال الخلال: أخبرني حرب قال: سُئل أحمد عن نصراني قال: أشهد
стр. 763
أن لا إله إلَّا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه ﷺ ، فقال: إنما شهدت شهادة ولم أرد الإسلام؟ قال: يضرب عنقه ويجبر عليه.
"أحكام أهل الملل" ٢/ ٣٧٤ (٨٣٥)
قال الخلال: أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر، قالا: حدثنا أبو الحارث: أن أبا عبد اللَّه سُئل عن نصراني قال: أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه ﷺ ، أيجبر على الإسلام؟
قال: نعم، وأي شيء أوكد أو أكبر من هذا.
وقال الخلال: أخبرني محمد بن علي، قال: حدثنا صالح (١) أنه قال لأبيه: اليهودي والنصراني إذا قال: أشهد أن محمدًا رسول اللَّه. ثم قال: لم أرد الإسلام، هل يجبر؟ قال: أما اليهودي فيجبر، إنه يوحد، وأما النصراني والمجوسيّ فلا؛ لأنهم لا يوحدون.
وقال: أخبرنا العباس بن أحمد المستملي النجار بطرسوس؛ أنهم سألوا أبا عبد اللَّه عن رجل نصراني أو يهودي قال: أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه ﷺ ، قال: فقد أسلم؟
فقلنا له: قال ذاك عندنا رجل بطرسوس، فقال فيه ابن شبويه: رأيته قد أسلم، وقال غيره: لا، حتى يقول: برئت من النصرانية وتركت ديني. فقال: سبحان اللَّه، لقد قال النبي ﷺ لرجل: "قل: أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وأني رسول اللَّه". فأسلم بذاك.
ثم قال: كل من نظر في رأي أبي حنيفة إلَّا كان دغل القلب يذهب إليه.
وقال: أخبرني عبد اللَّه بن محمد، قال: حدثنا بكر بن محمد، عن أبيه قال: قال أبو عبد اللَّه: أصحاب أبي حنيفة يقولون: وهو بريء من دينه وإلَّا
стр. 764
فلا يكون مسلمًا.
قال أبو عبد اللَّه: إذا قال: أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه إذا جاء يريد الإسلام فهو مسلم. وأما إذا قال: أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه وهو لا يريد الإسلام لم أجبره.
وقال: أخبرني محمد بن أبي هارون، قال: حدثنا محمد بن أبي هاشم، قال: دفع إليّ فوران شيئًا من مسائل أبي عبد اللَّه قال: سألته قال: قلت: اليهود يقول بعضهم: أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه. فقال: إذا لم يرد الإسلام، أما إذا جاء ليسلم فشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وأن محمدًا عبده ورسوله وصلَّى، فأي إسلام أتمّ من هذا؟ ! أليس يروى عن النبي ﷺ قال: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إله إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوا منعُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ".
"أحكام أهل الملل" للخلال ٢/ ٣٧٤ - ٣٧٥ (٨٣٧ - ٨٤١)
قال الخلال: حدثنا محمد بن علي، قال: حدثنا مهنا، قال: سألت أحمد عن رجل من أهل الذمّة يهودي أو نصراني أو غير ذلك من الأديان يقول: أنا مسلم وإن محمدًا نبي؟
قال: هو مسلم، ثم قال: أما أنا فكنت أجبره على الإسلام.
وقال: عجبًا لأبي حنيفة بلغني عنه أنه يقول: لا يكون مسلمًا حتى يقول أنا بريء من الكفر الذي كنت فيه، وإلَّا فلا يكون مسلمًا ولا يجبر على الإسلام حتى يقول: وإني بريء من الكفر.
وقال: أخبرنا محمد بن علي في موضع آخر، قال: حدثنا مهنا، قال: سألت أبا عبد اللَّه عن رجل يهودي أو نصراني أو مجوسيّ قال: أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه. قال: يجبر على الإسلام.
стр. 765
قلت: فإن أبى أن يسلم؟ قال: يحبس.
قلت: يقتل؟ قال: لا، ولكن يحبس. ولم ير عليه القتل.
وسألت أبا عبد اللَّه قلت: فإن قال: أنا أؤمن بالنبي ﷺ ولم يقل: أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه؟
قال: لا، حتى يقول: أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، فإذا قال: أشهد أن محمدًا رسول اللَّه فقد دخل في الإسلام، ويجبر على الإسلام، فإن يهوديًّا قال لرسول اللَّه ﷺ : أشهد أنك رسول اللَّه ثم مات، قال رسول اللَّه ﷺ : " صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ" (١).
سألت أبا عبد اللَّه قلت: من ذكره؟ قال: شريك، عن عبد اللَّه بن عيسى، عن عبد اللَّه بن جبر، عن أنس بن مالك.
فقلت: من ذكره عن شريك؟ قال: غير واحد.
قلت: من غير واحد؟ قال: محمد بن الصباح، عن شريك، عن عبد اللَّه بن عيسى، عن عبد اللَّه بن جبر.
قلت: عبد اللَّه بن جبر سمع من أنس بن مالك؟ قال: نعم، وهو كذا قد سمع منه شعبة وهو يقول: عبد اللَّه بن جبر.
стр. 766
وقال الخلال: أخبرني أبو بكر المروذي قال: دخلت على أبي عبد اللَّه وعنده يهودي قد أسلم على يديه. فقلت له: ما قلت يا أبا عبد اللَّه؟
قال: قلت: تشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه ﷺ -هـ وتؤمن بالبعث والجنة والنار.
ثم قال أبو عبد اللَّه: هؤلاء أصحاب أبي حنيفة يقولون: لا يكون مسلمًا حتى يقول: إني خارج من اليهودية داخل الإسلام.
وقال أبو عبد اللَّه: النبي ﷺ يقول لعمه: "أدعوك إلى كلمة أشهد لك بها عند اللَّه: لا إله إلَّا اللَّه وأني رسول اللَّه" (١).
واحتجّ بأحاديث ليس فيها ما ذكروا -يعني: أصحاب أبي حنيفة- وأخرج أحاديث.
وقال المروذي في موضع آخر: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: كنت عند أبي معاوية فقال له رجل: إن أبا حنيفة يقول: إذا أسلم الذميّ لا يكون مسلمًا حتى يقول: إني خارج من الكفر داخل في الإسلام.
فأنكر أبو معاوية وجعل لا يصدق، وأراه قال: فأرسل إلى رجل من أصحاب أبي حنيفة فإذا هو كما قال الرجل.
"أحكام أهل الملل" للخلال ٢/ ٣٧٦ - ٣٧٨ (٨٤٣ - ٨٤٥).
قال الخلال: أخبرني أبو بكر المروذي في موضع آخر، قال لي أبو عبد اللَّه: إذا قال اليهودي أو النصراني: لا إله إلَّا اللَّه؛ فهو مسلم.
واحتجّ بحديث ابن عباس في مرض أبي طالب.
وقال: قرأت على أبي عبد اللَّه: يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال:
стр. 767
حدثني سليمان، عن يحيى بن عمارة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: مرض أبو طالب فأتته قريش وأتاه رسول اللَّه ﷺ يعوده وعند رأسه مقعد رجل، فقام أبو جهل فقعد فيه.
فقالوا: إن ابن أخيك يقع في آلهتنا، قال: ما شأن قومك يشكونك؟
قال: "يَا عَمِّ أُرِيدُهُمْ عَلَى كلِمَةٍ وَاحِدَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا العَرَبُ وَتُؤَدِّي العَجَمُ إِلَيهم الجِزْيَةَ". قال: ما هي؟ قال: "لا إله إلَّا اللَّه".
قال: فقاموا فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَحِدًا﴾ [ص: ٥].
قال: وتنزل القرآن: ﴿صَ وَالْقُرءانِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] حتى بلغ: ﴿إِنَّ هَذَا لِشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (١) [ص: ٥].
"أحكام أهل الملل" للخلال ٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠ (٨٤٧ - ٨٤٨)
قال أبو بكر الخلال روى هذِه المسألة عن أبي عبد اللَّه خلق كثير اقتصرت على هؤلاء منهم.
فأما مهنا الشامي حكى عن أبي عبد اللَّه مثله، وقال: يحبس ولم ير عليه القتل إذ قال: لم أرد بهذا الإسلام.
وأما أبو داود وأبو الحارث وصالح: أنه يجبر على الإسلام، فلم يبينوا بيانًا مقنعًا، إنما هذا توقّف منه بعد قوله الأول.
وأما ما قال إسحاق الكوسج: فهو يوجب عليه الإسلام وكذلك المروذي.
ثم بيّن عنه المشكاني وفوران: أنه إذا قال هذا وقد جاء يريد الإسلام فهو المعمول به إن رجع قُبل وصحّح إسلامه بمجيئه يريد الإسلام، إذا قال: أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه.
стр. 768
وأما قول أبي حنيفة يقول: إني خارج من كذا داخل في كذا، وأنكره أبو عبد اللَّه واحتجّ بالأحاديث في الإنكار عليه.
فعلى هذا مذهب أبي عبد اللَّه وإليه أذهب، وأما إذا صلَّى وشهد وقال: أنا مسلم، فهذا أوكد، إن أَبى استتيب ثلاثًا فإن تاب وإلَّا قتل.
وقال: أخبرني بذلك إبراهيم بن الخليل: أن أحمد بن نصر أبو حامد حدثهم: سُئل أبو عبد اللَّه عن الذمي يقول: أنا مسلم ولا يرجع؟
قال: إذا صلَّى وشهد أجبر على الإسلام.
وقال: أخبرني ابن مطر قال: حدثنا أبو طالب: أن أبا عبد اللَّه سُئل عن اليهودي يقول: قد أسلمت وأنا مسلم؟ قال: يجبر على الإسلام قد علم ما نريد منه، فإذا قال: أنا مسلم وقد أسلمت أجبر على الإسلام.
وقال: أخبرني منصور بن الوليد أن جعفر بن محمد حدثهم قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: إذا قال الذميّ أنا مسلم يجبر.
قيل: فإن قال: أنا مؤمن؟ قال: هذا أوكد.
"أحكام أهل الملل" للخلال ٢/ ٣٨٠ - ٣٨١ (٨٥٠ - ٨٥١).
стр. 769
١١٩ - باب: ذراري المسلمين والمشركين ممن لم يبلغ الحنث
قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: رجل وقع من بطن أمه أعمى أصم أبكم، فعاش حتى صار رجلًا، قال: هذا بمنزلة الميت، هو مع أبويه.
قال: قلت: وإن كانا مشركين ثم أسلما بعد ما صار رجلًا؟ قال: هو معهما.
قال إسحاق: هو كما قال. يعني: أنه على دين أبويه.
"مسائل الكوسج" (١٣٤٢).
قال إسحاق بن منصور: قلت لإسحاق: أطفال المشركين؟
قال: الذي نعتمد عليه أن لا ينزلوا جنة ولا نارًا حتى يكون اللَّه هو الذي ينزلهم، وأما أولاد المسلمين فإنهم أهل الجنة، ولكن لا يجوز لأحد أن يشهد لولد مسلم بعينه أن هذا من أهل الجنة كنحو ما نقول: المؤمنون أهل الجنة. ولا تنصب أحدًا بعينه.
"مسائل الكوسج" (٣٣٥٧).
قال حرب بن إسماعيل: سألتُ إسحاق عن أطفال المشركين؛ فقال: خلِّ أمرهم إلى اللَّه، اللَّه أعلم بما كانوا عاملين.
قال: وأطفال المسلمين هم في الجنة.
قال إسحاق: ولا يشهد أحدكم لصبي يموت: إني أشهد أن هذا في الجنة.
قال: وسُئل ابن عباس عن الولدان أفي الجنة هم؟ قال: حسبك
стр. 770
ما اختصم فيه موسى والخضر (١).
وقال حرب: قال: أخبرنا بقية بن الوليد، قال: حدثني محمد بن زياد، قال: حدثني عبد اللَّه بن أبي قيس، قال: حدثتني عائشة زوج النبي ﷺ ، وسألتها عن ذراري المشركين والمؤمنين، فقالت: سألت رسول اللَّه ﷺ عنهم، فقال: "مع آبائهم". قالت: فقلت: يا رسول اللَّه، بلا عمل؟ قال: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ" (٢).
قال حرب: حدثنا إسحاق، قال: أخبرنا جرير، قال: أخبرنا العلاء ابن المسيب، عن الفضيل بن عمرو الفقيمي، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين قالت: توفي صبي من الأنصار، فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة. فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا عائشة، أَوَ لَا تَدْرِينَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الجَنَّةَ وَخَلَقَ النَّارَ، فَخَلَقَ لِلْجَنَّةَ أَهْلًا وَللنَّارَ أَهْلًا" (٣).
"مسائل حرب" (٣٥٠).
قال عبد اللَّه بن أحمد: حدثني أبي، نا إسماعيل، نا خالد الحذاء، عن
стр. 771
عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس ﵄ قال: كنت أقول في أولاد المشركين: هم منهم. فحدثني رجل عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، فلقيته فحدثني عن النبي ﷺ أنه قال: "رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ، هُوَ خَلَقَهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ وَمَا كَانُوا عَامِلِينَ" (١).
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٤٠٠ (٨٦٩).
قال الخلال: أخبرني منصور بن الوليد؛ أن جعفر بن محمد حدثه، قال: سمعت أبا عبد اللَّه يُسأل عن أطفال المسلمين، فقال: ليس فيه خلاف إنهم في الجنة.
"أحكام أهل الملل" للخلال ١/ ٦٦ (١٤)
قال الخلال: أخبرني عبد الملك الميموني أنهم ذاكروا أبا عبد اللَّه في أطفال المؤمنين ذكروا له حديث عائشة ﵄ وأرضاها في قصة الأنصاري وقول النبي ﷺ فيه.
فسمعت أبا عبد اللَّه يقول غير مرة: وهذا حديث ضعيف وذكر فيه رجلًا ضعفه هو طلحة.
وسمعته يقول غير مرة: وأحد يشك أنهم في الجنة؟ ثم أملى علينا الأحاديث فيه.
وسمعته غير مرة يقول: هو يرجى لأبويه كيف يشك فيه؟
وقال أبو عبد اللَّه: إنما اختلفوا في أطفال المشركين. وابن عباس يقول: كنت أقول: هم مع آبائهم، حتى لقيت رجلًا من أصحاب النبي ﷺ فحدثني عن رجل آخر من أصحاب النبي ﷺ أنه سئل عنهم فقال: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ"، فسكت ابن عباس.
стр. 772
فقال رجل له: فقال ابن عباس هذا؟ !
فقال: أما ظاهر قوله فيدل على ذلك.
وقال: أخبرني حامد بن أحمد بن داود أنه سمع الحسن بن محمد بن الحارث سمع أبا عبد اللَّه يُسأل عن السقط إذا لم تنفخ فيه الروح يبعث؟
فقال: في الحديث: "يجيء السقط محبنطئًا" (١).
قال أبو بكر: سألت ثعلب النحوي عن السقط محبنطئًا. فقال: يقال: غضبان، ويقال: ألقى نفسه.
وقال: قرأت على الحسين بن عبد اللَّه النعيمي، عن الحسين ابن الحسن قال: حدثنا أبو داود قال: سمعت أبا عبد اللَّه قيل له: المرأة تموت وفي بطنها مضغة نرجو أن يكون ولدًا يوم القيامة؟ قال: اللَّه أعلم.
وقال: أخبرنا عبد اللَّه بن أحمد قال: حدثني أبي قال: حدثنا ابن أبي
стр. 773
عدي، عن سليمان -يعني التيمي- عن أبي السليل، عن أبي حسان قال: توفي ابنان لي، فقلت لأبي هريرة: سمعت عن رسول اللَّه ﷺ حديثًا تحدثنا به تطيب به أنفسنا؟
قال: نعم، سمعته يقول: "صِغاركم دعاميص الجنَّةِ، يلقى أحدهم أبويه فيأخذُ بناحية ثوبه كما يأخذ بصنفة ثوبك هذا، ولا يفارقه حتى يدخل وإياه الجنةَ" (١).
"أحكام أهل الملل" للخلال ١/ ٦٦ - ٧١ (١٤ - ١٩)
قال الخلال: رأيتُ في كتاب لهارون المستملي قال أبو عبد اللَّه: إذا سأل الرجل عن أولاد المشركين مع آبائهم فإنه أصل كل خصومة، ولا يسأل عنه إلا رجل اللَّه أعلم به.
قال: ونحن نمر هذِه الأحاديث على ما جاءت ونسكت لا نقول شيئا.
وقال الخلال: أخبرني عبيد اللَّه بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: سمعت أبا عبد اللَّه وسأله ابن الشافعي -الذي ولي قضاء حلب- فقال له: يا أبا عبد اللَّه، ذراري المشركين أو المسلمين -لا أدري أيهما سأله. فصاح به أبو عبد اللَّه، وقال: مسائل أهل الزيغ. ما لك ولهذه المسائل؟ فسكت وانصرف ولم يعد إلى أبي عبد اللَّه بعد ذلك حتى خرج.
وقال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: قال أبو عبد اللَّه: سأل بشر بن السري سفيان الثوري عن أطفال المشركين؛ فصاح به وقال: ناصبي أنت تسأل عن هذا؟
وقال: أخبرني منصور بن الوليد ومحمد بن موسى، وهذا لفظه أن
стр. 774
جعفر بن محمد حدثهم، قال: سمعت أبا عبد اللَّه وسُئل عن أطفال المشركين فلم يقل فيه شيئًا.
وقال: أخبرني منصور بن الوليد، قال: حدثنا علي بن سعيد؛ أنه سأل أبا عبد اللَّه: "فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ".
قال: الشأن في هذا وقد اختلف الناس ولم نقف فيها على شيء نعرفه.
وقال: أخبرني أحمد بن محمد بن مطر، قال: حدثنا أبو طالب؛ أن أبا عبد اللَّه سُئل عن أطفال المشركين فقال: كان ابن عباس يقول: "فَأبَواهُ يُهَوِّدَانِهِ ويُنَصِّرَانِهِ". حتى سمع: "اللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ". فترك قوله، وهي صحاح ومخرجها صحيح. وكان الزهري يقول من الحديث ما يحدث بها على وجوهها.
"أحكام أهل الملل" للخلال ١/ ٧٣ - ٧٦ (٢١ - ٢٦)
قال الخلال: أخبرني عبد اللَّه بن محمد، قال: حدثنا بكر بن محمد، عن أبيه، عن أبي عبد اللَّه وسأله عن أولاد المشركين فقال: أذهب إلى قول النبي ﷺ : "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ".
"أحكام أهل الملل" للخلال ١/ ٧٨ (٢٩)
قال الخلال: أخبرني عصام بن عصمة، قال: حدثنا حنبل، قال: قال أبو عبد اللَّه: إذا أسلم أبواه ثم مات وهو صغير صُلي عليه ودُفن في مقابر المسلمين، وإن مات وهما مشركان كان تبعًا لهما.
"أحكام أهل الملل" للخلال ١/ ٧٩ (٣٤)
قال الخلال: أخبرني عبد الكريم بن الهيثم العاقولي، قال: سمعتُ أبا عبد اللَّه يقول في المجوسيين يولد لهما ولد فيقولان: هذا مسلم فيمكث خمس سنين ثم يتوفى؛ قال: ذاك يدفنه المسلمون.
стр. 775
وقال: أخبرني محمد بن العباس بن إبراهيم، قال: حدثنا الحسن بن عبد الوهاب، قال: حدثنا عبد الكريم بن الهيثم، قال: سألت أبا عبد اللَّه عن الصبي المجوسي يجعله أبوه وأمه مسلمًا، ثم يموت، أين يدفن؟
قال: "يُهَوِّدَانِهِ ويُنَصِّرَانِهِ" أن معناه أن يدفن في مقابر المسلمين.
قال أبو بكر الخلال: أحسب أن الحسن سمعها من عبد الكريم حفظًا، وما سمعته أنا من عبد الكريم فهو من كتابه والمعنى واحد، إلا أن اللفظ الذي سمعت أنا هو الصواب.
"أحكام أهل الملل" ١/ ٩٠ (٦٢ - ٦٣)
قال أبو داود السجستاني: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا أبو المغيرة، قال: حدثنا عتبة بن ضمرة، قال: حدثني عبد اللَّه بن أبي قيس مولى عطية أنه أتى عائشة أم المؤمنين، فسلم عليها، فقالت: من أنت؟ قال: أنا عبد اللَّه مولى عطية بن عازب.
فقالت: ابن عفيف؟ فقال: نعم.
فسألها عن الركعتين بعد صلاة العصر أركعهما رسول اللَّه؟ فقالت: نعم، وسألها عن ذراري الكفار؟ فقالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَعَ آبَائِهِمْ". فقالت له: يا رسول اللَّه بلا عمل؟ قال: "اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ".
"الإبانة" كتاب القدر ٢/ ٨١ (١٤٨٥).
سأله حنبل عن ابن الذمي إذا مات أحد أبويه؟ قال: هو مسلم ما لم يبلغ.
"الروايتين والوجهين" ٢/ ٣٧٠