إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه: مع كل فرحة ترحة، وما ملئ بيت حبرة إلا ملئ عبرة.
"الزهد" ص ٢٠٣
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا أبو معاوية -يعني: شيبان- عن هلال -يعني: الوزان- عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي مسعود الأنصاري، أنه ذكر الدنيا فقال: ألزقوها بأكبادكم، فواللَّه ما تصلون إلى الآخرة منها بدينار ولا درهم، ولتتركنها على ظهر الأرض وفي بطنها كما تركها من قبلكم، تشاجروا عليها تشاجركم الآن، وتخادعوا عليها تخادعكم، ولتهلكنَّ دينكم ودنياكم.
"الزهد" ص ٢٣٥
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا مالك، عن أبي حصين، عن مجاهد قال: كنت أمشي مع ابن عمر فمر على خربة، فقال: قل: يا خربة، ما فعل أهلك؟ فقلت: يا خربة ما فعل أهلك؟ قال ابن عمر: ذهبوا وبقيت أعمالهم.
"الزهد" ص ٢٣٩
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن خليد العصري، عن غزوان الرقاشي: قوله : ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]، قال: ما يسرني لحظي من المزيد الدنيا جميعًا.
"الزهد" ص ٢٥٤ - ٢٥٥
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا هشام، عن الحسن قال: أدركتُ أقوامًا كانوا لا يفرحون بشيء من الدنيا أوتوه، ولا يأسون على شيء منها فاتهم.
"الزهد" ص ٣٢٢
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا روح، حدثنا سلام بن مسكين، عن
стр. 282
الحسن قال: أهينوا هذِه الدنيا.
"الزهد" ص ٣٤٤
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن بشر، حدثني مسعر، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر قال: كان مسروق يركب كل جمعة بغلة له ويحملني خلفه، ثم يأتي كناسة بالجيزة قديمة فيجعل عليها بغلته ثم يقول: الدنيا تحتنا.
"الزهد" ص ٤٢٠
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثني هارون بن معروف، حدثنا ضمرة، عن هشام قال: قال سعيد بن جبير: الدنيا جمعة من جمع الآخرة.
"الزهد" ص ٤٤٤
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد، في قوله ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] قال: ليس الغرض الدنيا.
"الزهد" ص ٤٥٧
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا كثير بن هشام، حدثنا جعفر بن برقان، قال صالح بن مسمار: ولنعمة اللَّه علينا فيما زوى عنا من الدنيا أفضل من نعمته علينا فيما بسط علينا منها.
"الزهد" ص ٤٦٦
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثني هاشم، حدثنا المبارك، عن الحسن قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده ما تعدل الدنيا عند اللَّه ﵎ جِدْيًا من الغنم" (١).
"الزهد" ص ٤٧٥.
стр. 283
٢٥١ - الحذر من فتنة الدنيا أو الاغترار بها
قال المروذي: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: أخبرت عن مالك بن دينار قال: مررت براهب في صومعة، فناديته، فأشرف علي، فكلمني وكلمته، وكان فيما قال لي: إن استطعت أن تجعل بينك وبين الدنيا حائطًا من حديد فافعل.
"الورع" (٢٧١)
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا سفيان بن سعيد، عن الزبير بن عدي، عن مصعب بن سعد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "احذروا الدنيا فإنها خضرة حلوة" (١).
"الزهد" ص ١٨
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن يزيد -يعني: ابن أبي زياد، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه أكلتنا الضبع. فقال: "غَيْرُ ذَلِكَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ؛ أَنْ تُصَبَّ عَلَيْكُمْ الدُّنْيا صَبًّا، فَلَيْتَ أُمَّتِي لا يَلْبَسُونَ الذَّهَبَ" فقلت لزيد بن وهب: ما الضبع؟ قال: السِنَة (٢).
"الزهد" ص ٣٧
стр. 284
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، أخبرنا عَبْدُ الصَّمَدِ، حدثنا المُسْتَمِرُّ بْنُ الرَّيّانِ الإِيادِيُّ، حدثنا أَبُو نَضْرَةَ العَبْدِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ الدُّنْيا فَقال: "إِنَّ الدُّنْيا خَضِرَةٌ خلْوَةٌ فاتَّقُوها، واتَّقُوا النِّساءَ" (١).
"الزهد" ص ٤٩
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا مسكين بن بكير، أنبأنا سفيان، عمن أخبره، أن لقمان الحكيم قال لابنه: أي بني، إن الدنيا بحر عميق، قد غرق فيه ناس كثير، فاجعل سفينتك فيها تقوى اللَّه ، وحشوها الإيمان باللَّه ، وشراعها التوكل على اللَّه لعلك تنجو، ولا أراك ناجيا.
"الزهد" ص ١٣٠
قال عبد اللَّه، حدثنا أبي، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا شيخ من بني تميم يقال له: أبو هزار قال: قالت لي أم الدرداء: أبا هزار، ألا أحدثك ما يقول الميت على سريره؟ قال: قلت: بلى، قالت: فإنه ينادي: يا أهلاه ويا جيراناه، ويا حملة سريراه، لا تغرنكم الدنيا كما غرتني، ولا تلعبن بكم كما لعبت بي، فإن أهلي لم يحملوا عني من وزري شيئا، ولو حاطون اليوم عند اللَّه لحجوني. قالت أم الدرداء:
стр. 285
الدنيا أسحر لقلب العبد من هاروت وماروت، وما آثرها عبد قط إلا أصرعت خده.
"الزهد" ص ٢٠٦ - ٢٠٧
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا أبو عبد الصمد العمي، حدثنا حوشب، عن الحسن، أنه قال: واللَّه ما أصبح اليوم رجل يطيع امرأته إلا أكبه اللَّه في النار على وجهه.
"الزهد" ص ٣٤١
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا سيار، حدثنا جعفر قال: سمعت مالكًا يقول: اتقوا السحارة؛ فإنها تسحر قلوب العلماء.
"الزهد" ص ٣٨٠
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا حسين، حدثنا محمد بن مطرف، عن هلال بن يساف الفزاري، عن عطاء بن يسار، عن النبي ﷺ قال: "أتتني الدنيا خضرة حلوة ورفعتْ رأسها وتزينتْ لي، فقلتُ: إني لا أريدك، فقالت: إن انفلتَّ مني لم ينفلتْ مني غيرك" (١).
"الزهد" ص ٤٧٦
стр. 286
٢٥٢ - ما جاء في أن فتنة الدنيا في المال، وذم المال
قال ابن هانئ: وسمعت أبا عبد اللَّه وذكر الأعين (١)، فقال لي: خلف مالًا؟
قلت: نعم. قال: قال ابن عمر، أو قيل لابن عمر: إن فلانًا ترك مالًا.
فقال ابن عمر: لكنها لا تتركه، وهو يحاسب عليها (٢).
"مسائل ابن هانئ" (٢٠٧٢)
قال المروذي: ودفع إليّ أبو عبد اللَّه هذِه الأحاديث في الورع وغيرها، فقلت أرويها عنك؟ فأجازها.
حدثنا جعفر، قال: سمعتُ سميطًا يقول في كلامه: أبناء الدنيا يرضعونها لا ينفطمون في رضاعها. قال: سمعت سميطًا يقول: إن الدينار والدرهم أزمة المنافقين بها ينقادون إلى السوءات (٣).
"الورع" (٢٣٤).
قال عبد اللَّه، حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن سليمان يعني: ابن عبد الرحمن النخعي، عن عبد اللَّه بن أبي الهذيل، حدثنا صاحب لي عن النبي ﷺ قال: "تَبًّا لِلذَّهَبِ والْفِضَّةِ" قال عمر:
стр. 287
يا رسول اللَّه، قولك: "تَبًّا لِلذَّهَبِ والْفِضَّةِ" فما تأمرنا، أو ما نصنع؟ قال: "لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، وزوجةً تعين على الآخرة" (١).
"الزهد" ص ٢٩
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: لما أنزلت ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ في بعض أسفاره، فقال بعض أصحابه: قد أنزل في الذهب والفضة ما أنزل، فلو أنا علمنا أي المال خير اتخذناه؟ قال: قال: "أفضله لسانٌ ذاكرٌ، وقلبٌ شاكرٌ، وزوجةٌ مؤمنةٌ تعينه على الإيمان" (٢).
"الزهد" ص ٣٤ - ٣٥
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا سفيان، حدثنا الأعمش، عن شمر، عن مغيرة بن سعد بن الأخرم، عن أبيه، عن عبد اللَّه أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيا" (٣).
"الزهد" ص ٣٧
стр. 288
قال عبد اللَّه: في كتاب أبي: حدثنا أبو معاوية، حدثني رجل، عن بشر بن منصور، قال: قال شميط (١) ﵀: إن هذِه الدنانير، والدراهم أزمة المنافقين؛ يقادون بها إلى السوءات.
"الزهد" ص ٤٧
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا يزيد، أخبرنا هشام، عن الحسن قال: واللَّه لقد أدركتُ أقوامًا لو شاء أحدُهم أن يأخذ هذا المال من حله أخذه، فيقال لهم: ألا تأتون نصيبكم من هذا المال فتأخذونه حلالًا؟ فيقولون: لا، إنا نخشى أن يكون أخذه فسادًا لقلوبنا.
"الزهد" ص ٤٨
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الصمد، حدثنا همام، حدثنا قتادة قال: قال سليمان النبي ﵇: عجبًا لتاجرٍ كيف يخلص؟ يحلف بالنهار، وينام بالليل.
"الزهد" ص ٥٢
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا سفيان، عن أبي شيبان، عن أبي الهذيل -إن شاء اللَّه- قال: لقي عيسى يحيى ﵇ فقال: أوصني. قال: لا تغضب. قال: لا أستطيع. قال: لا تَقْتَنِ مالا، قال: أما هذا لعله.
"الزهد" ص ٧٥
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عمر بن سعد أبو داود الحفري، عن سفيان قال: كان عيسى ابن مريم ﵇ يقول: حب الدنيا أصل كل خطيئة،
стр. 289
والمال فيه داء كثير، قالوا: وما داؤه؟ قال: لا يسلم صاحبه من الفخر والخيلاء. قالوا: فإن سلم؟ قال: يشغله إصلاحه عن ذكر اللَّه تعالى.
"الزهد" ص ١١٧
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي قال: سمعت منصور بن زاذان يحدث عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى، أنه قال: إن هذا الدرهم والدينار أهلكا مَنْ كان قبلكم، وإني ما أراهما إلا مهلكيكم.
"الزهد" ص ٢٤٧
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي قال: سمعت حميد بن هلال يحدث عن العلاء بن زياد قال: رأيتُ الناس في النوم يتبعون شيئا فتبعته، فإذا عجوز كبيرة دهماء عوراء، عليها من كل حلة وزينة فقلت: ما أنت؟ فقالتْ: أنا الدنيا. قلتُ: أسأل اللَّه أن يبغضك إليَّ. قالت: نعم، إن أبغضت الدرهم.
"الزهد" ص ٣١٢
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثني أبو عبد الصمد العمي، عن مالك قال: دخلت على جار في مرضه فقال: جبلين من نار، جبلين من نار، قال مالك: حدثت أنه كان له قفيزان، أحدهما زائد، والآخر ناقص.
"الزهد" ص ٣٩٤
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا شجاع بن الوليد بن عمرو بن قيس، عن الوليد بن قيس قال: من كثر ماله كثر تعبه، ومن كثر تعبه كثرت شياطينه، ومن كثرت شياطينه اشتد حسابه.
"الزهد" ص ٤٥٧
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا ابن عياش، حدثني شرحبيل بن مسلم، عن جبير بن نفير، عن أبي مسلم الخولاني
стр. 290
أنه سمعه يقول: إن النبي ﷺ قال: "ما أوحى اللَّه إلى أن أجمع المال وأكن من التاجرين، ولكن أَوحى إلى أن: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ " (١) [الحجر: ٩٨ - ٩٩].
"الزهد" ص ٤٦٨
٢٥٣ - نعم المال الصالح للعبد الصالح
قال ابن هانئ: وسمعتُ أبا عبد اللَّه يقول:
قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
"مسائل ابن هانئ" (١٩٧٧).
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا روح، حدثنا عوف، عن الحسن قال: باع أرضًا بسبعمائة ألف -يعني: طلحة بن عبيد اللَّه- فبات ذلك المال عنده ليلة، فبات أرِقًا من مخافة ذلك المال حتى أصبح ففرقه.
"الزهد" ص ١٨١
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا خالد بن حيان، حدثنا عيسى بني كثير، عن ميمون بن مهران قال: أتت ابن عمر اثنان وعشرون ألف دينار في مجلس، فلم يقم حتى فرقها.
"الزهد" ص ٢٣٩
стр. 291
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا وكيع قال: سمعت الأعمش، عن تميم، عن عروة، عن عائشة رحمها اللَّه، قال: رأيتُها تقسم سبعين ألفًا وهي ترقع درعها.
"الزهد" ص ٢٠٦
٢٥٤ - ما جاء أن اللَّه يحمي عبده المؤمن من الدنيا وفتنتها
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا أبو سعيد، حدثنا سليمان -يعني: ابن بلال- عن عمرو بن أبي عمرو، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إِنَّ اللَّهَ لَيَحْمِي عَبْدَهُ المُؤْمِنَ مِنْ الدُّنْيا وهُوَ يَحْمِيهِ كما تَحْمُونَ مَرِيضَكُمْ مِنْ الطَّعامِ والشَّرابِ تَخافُونَهُ عَلَيْهِ" (١).
"الزهد" ص ١٧
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين بن سعد، عن حرملة بن عمران التجيبي، عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ قال: "إذا رأيتَ اللَّه يعطي العبدَ مِنَ الدنيا على معاصيه ما يحب فإنه استدراج" ثم تلا قول اللَّه : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] (٢).
"الزهد" ص ١٨
стр. 292
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا يزيد، أنبأنا هشام بن حسان قال: سمعت الحسن يقول: واللَّه ما أحد من الناس بسط اللَّه له دنيا فلم يخف أن يكون قد مكر به فيها، إلا كان قد نقص علمه وعجز رأيه، وما أمسكها اللَّه عن عبد، فلم يظن أنه قد خير له فيها إلا كان قد نقص علمه وعجز رأيه.
"الزهد" ص ٤٩
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبو الأشهب، عن الحسن قال: ولا أعلمه إلا رفعه قال: "إذا أراد اللَّه بعبدٍ خيرًا جعل غناهُ في قلبه، وكفَّ عليه ضيعته، وإذا أرادَ اللَّه بعبدٍ شرًّا جعل فقره بين عينيه وأَفشى عليه ضيعته" (١).
"الزهد" ص ٣٤٨
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا حسين، حدثنا المبارك، عن الحسن قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا أراد اللَّه بعبد خيرًا كفَّ عليه ضيعته وجعل
стр. 293
غناه في قلبه، وإذا أراد اللَّه بعبد شرًّا بثَّ عليه ضيعته وجعل فاقته بين عينيه" (١).
"الزهد" ص ٤٧٥
٢٥٥ - القناعة
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا أَبُو مُعاوِيَةِ، حدثنا الأَعْمَش، عَنْ أَبي صالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، ولا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ" (٢).
"الزهد" ص ٢٥
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا أبو معاوية، ووكيع، عن هشام، عن أبيه قال: قال عمر في خطبته: تعلمن أن الطمع فقر، وأن الإياس غنى، وأن الرجل إذا أيس من شيء استغنى عنه.
"الزهد" ص ١٤٦
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن موسى، عن الحسن قال: قال أبو الدرداء: يا بُني لا تتبع بصرَك كل ما ترى في الناس، فإنه من يتبع بصره كل ما يرى في الناس، يطل تحزنه ولا يشف غيظه، ومَنْ لا يعرف نعمة اللَّه إلا في مطعمه أو مشربه فقد قل علمه، وحضر عذابه، ومَنْ لا يكن غنيًا مِنْ الدنيا فلا دنيا له (٣).
"الزهد" ص ١٦٦
стр. 294
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبو الأشهب، عن الحسن قال: كان أبو الدرداء يقول: من يتبع نفسه كل ما يرى في الناس، يطل حزنه، ولا يشف غيظه.
"الزهد" ص ١٧٧
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد اللَّه بن إدريس، أنبأنا حصين، عن بكر بن عبد اللَّه المزني قال: لا يكون تقيا حتى يكون نقي الطمع نقي الغضب.
"الزهد" ص ٣٦٩
٢٥٦ - الغنى غنى النفس
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا وكيع، عن جعفر بن برقان، عن يزيد الأصم، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لَيْسَ الغِنَى عَنْ كثْرَةِ العَرَضِ، إِنَّما الغِنَى غِنَى النَّفْسِ" (١).
"الزهد" ص ٢٥
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ : "ليس الغنى عن كثرة العرضِ، إنَّما الغنى غنى النَّفْسِ" (٢).
"الزهد" ص ٤٧٥
стр. 295
٢٥٧ - الزهد في الفضول وما زاد على المسكة والبلاغ من القوت، واغتنام التفرغ إلى عمارة الوقت وحسم الجأش والتحلي بحلى الأنبياء والصديقين
قال أبو الفضل صالح: حدثني أبي، قال: حدثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن، قال: ما عال رجل مع اقتصاد.
"مسائل صالح" (٨٣٠).
قال المروذي: قال أبو عبد اللَّه: كان عمران القصير يقول لجلسائه: ألا حرُّ كريم يصبر أيامًا قلائل!
وقال وهيب: ألا حرُّ كريمٌ يغضب على الدنيا فيخربها.
سمعتُ عبد الواحد القنطري يقول: قال وكيع: نظرتُ في زادي فلم يصح لي، ونظرتُ في ثوبي إجرامي فلم يصح لي، فما على رجل أن يخلع ثيابه، ويقوم في الماء حتى يرزقه اللَّه.
وسمعتُ قرابة بشر بن الحارث يقول: قدم بشر بن الحارث من عبادان ليلًا -أو قال: من سفر- وهو متزر بحصير.
سمعتُ بعض أصحابنا يقول: قال بشر: لا تأس هذا أويس عري حتى قعد في قوصرة.
سمعتُ عبد الواحد القنطري يقول: عيرتْ بنو إسرائيل عيسى بن مريم ﵇ بالفقر، فقال: يا مساكين من الغنى أتيتم هل رأيتم أحدًا عصى اللَّه في طلب الفقر؟ !
قيل لبشر بن الحارث: لو اتخذت في مقطوعك لفاقة -أو قال: بيتًا- وذكر له الندى والبرد، فقال: لهذا البرد نهاية وينقطع؟ قالوا: نعم.
стр. 296
قال: فالأمر قريب.
"الورع" (٢٣٩ - ٢٤٤).
قال المروذي: سمعت أبا عبد اللَّه يقول لشجاع بن مخلد: يا أبا الفضل! إنما هو طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإنها أيام قلائل.
قال: سمعت مخلد بن حسين وذكر إنسانًا استسقى من منزل أبي السوار ماء، فقالت امرأته: ما في الجب قطرة، أو ما عندنا قطرة من ماء، قال: فذهب إلى عكر الجب أو ما في أسفله، قال: فجاء فصب على رأسها، وقال: يا أمَّ السوآت، كم هاهنا من قطرة.
"الورع" (٢٤٥ - ٢٤٦).
قال المروذي: وقال لي أبو عبد اللَّه: قد كفى بعض الناس من مكة إلى ههنا أربعة عشرة درهمًا. قلتُ: من يا أبا عبد اللَّه؟ قال: أنا.
"الورع" (٤٠٧).
قال المروذي: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: قد تفكرت في هذِه الآية: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١] ثم قال: تفكرت في رزقهم -وأشار نحو العسكر- وقال: رزق يوم بيوم خير.
"الورع" (٤٠٨).
قال المروذي: قلتُ لأبي عبد اللَّه: أيش تفسير: "خير الرزق ما يكفي" (١)؟ قال: هو قوت يوم بيوم، ولا يهتم لرزق غد.
"الورع" (٤١٠)
стр. 297
قال المروذي: أنبأنا أبو عبد اللَّه: عن أبي عوانة، عن عاصم قال: كان لأبي وائل بيت من قصب يكون هو وفرسه فيه، فإذا غزا نقضه وتصدق بقصبه، وإذا رجع أنشأ بناءه.
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: عن عبد اللَّه بن عمرو قال: مر علينا النبي ﷺ ونحن نصلح خصًّا لنا وهى فقال النبي ﷺ : "ما أَرى الأَمْرَ إَلّا أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ" أو كلاما ذا معناه (١).
"الورع" (٦٣٣ - ٦٣٤)
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا يونس، حدثنا بقية، عن السري بن ينعم، عن مريح بن مسروق، عن معاذ بن جبل أن رسول اللَّه ﷺ قال له لما بعثه إلى اليمن: "إِيّاكَ والتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ" (٢).
"الزهد" ص ١١
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا وكيع، حدثني فضيل -يعني: ابن غزوان- عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: رأيتُ سبعين من أهل الصفة يصلون في ثوب، فمنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من هو أسفل من
стр. 298
ذلك، فإذا ركع أحدهم قبض عليه مخافة أن تبدو عورته.
وقال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اللَّهُمَّ اجْعَلْ رْزقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا" (١).
"الزهد" ص ١٣
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن ﵁ قال: ما رفعت مائدة رسول اللَّه ﷺ وعليها طعام قط (٢).
وقال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد اللَّه بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثنا شرحبيل بن شريك، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن رسول اللَّه ﷺ قال: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ ورُزِقَ كَفافًا وقَنَّعَة اللَّهُ بما آتاهُ" (٣).
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد اللَّه بن يزيد وهو المقرئ، حدثنا حيوة، أخبرني أبو هانئ أن أبا علي -يعني: الجنبي- أخبره أنه سمع فضالة ابن عبيد يقول: أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "طوبى لمن هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافًا وقنع" (٤).
"الزهد" ص ١٤
стр. 299
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا وكيع، حدثنا أسامة بن زيد، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة، عن سعد بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "خير الرزق ما يكفي، وخير الذكر الخفي" (١).
"الزهد" ص ١٦
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا أَبُو مُعاوِيةَ، حدثنا الأَعْمَش، عَنْ أَبِي السَّفَرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قال: مَرَّ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ونَحْنُ نصلح خُصًّا، فَقال: "ما هذا؟ " قال: فَقُلْنا: خصنا وهَى فَنَحْنُ نُصْلِحُهُ. قال فقال: "ما أَرى الأَمْرَ إِلّا أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ" (٢).
"الزهد" ص ٣٧ - ٣٨
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الوهاب في تفسير سعيد، عن قتادة قال: لقد ذكر لنا أن الرجل كان يعصب على بطنه الحجر؛ ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ما له دثار غيرها.
стр. 300
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا أبو أحمد، حدثنا فطر بن عبد اللَّه بن أبي الهذيل قال: سمعت بعض أصحاب محمد ﷺ يقول: لقد كنا نبعر كما تبعر الإبل من الجهد.
"الزهد" ص ٤١
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن خيثمة قال: قال سليمان بن داود ﵇: جربنا العيش، لينه وشديده، فوجدناه يكفي منه أدناه.
"الزهد" ص ٥١
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا ابن عياش إسماعيل الحمصي، عن عبد اللَّه بن دينار البهراني قال: قال عيسى ابن مريم ﵇ للحواريين: عليكم بخبز الشعير، واخرجوا من الدنيا سالمين آمنين، بحق أقول لكم: إن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة، وإن مرارة في الدنيا حلاوة في الآخرة، وإن عباد اللَّه ليسوا بالمتنعمين، بحق أقول لكم: إن شركم عملا عالم يحب الدنيا، فيؤثرها على عمله، إنه لو يستطيع جعل الناس كلهم في عمله مثله.
"الزهد" ص ١١٩
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا خلف بن الوليد، أخبرنا ابن عياش، عن صدقة بن عبد اللَّه الزبيدي، وغيره عن المهاجر بن حبيب: أن المسيح عيسى ابن مريم ﷺ كان يقول: يا معشر الحواريين، لا تطلبوا الدنيا بهلكة أنفسكم، واطلبوا أنفسكم بترك ما فيها، عراة جئتم، وعراة تذهبون، ولا تطلبوا رزق ما في غد، كفى اليوم بما فيه، وغدا يدخل بشغله، واسألوا اللَّه أن يجعل رزقكم يوما بيوم.
"الزهد" ص ١٢٠
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثني عمر بن عبد الرحمن، أنه سمع وهب بن منبه يقول: إن عالمًا من علماء بني إسرائيل جاء
стр. 301
إلى عالم فوقه في العلم فقال: ما آكل؟ فقال: ما تطفئ به جوعك، قال: فما ألبس؟ قال: ما تواري به سوأتك -أو قال: لباس المسيح ﵇، شكَّ إبراهيم أبو محمد- قال: فما أبني؟ قال: ما يكنك من الشمس، وما يسترك من الريح، قال: فكم أضحك؟ قال: ما يسفر منه وجهك، قال: فكم أبكي؟ قال: لا تمل أن تبكي من خشية اللَّه ، فقال: فما أظهر من عملي؟ قال: ما يقتدي به الحريص، ولا يصدق عليك قول الناس، قال: فما أستر من عملي؟ قال: ما يظن أنك لا تعمل حسنة.
"الزهد" ص ١٢٤
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا سفيان، عن ابن أبي خالد قال: قال عمر ﵀: كونوا أوعية الكتاب، وينابيع العلم، وسلوا اللَّه رزق يوم بيوم، ولا يضركم أن لا يكثر لكم.
"الزهد" ص ١٤٩
قال عبد اللَّه: قرأتُ على أبي هذا الحديث: حدثنا محمد بن جعفر المدائني، أنبأنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، أخبرني أبو الحكم -يعني: سيارًا- عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: ما مِنْ أحد من الناس يوم القيامة إلا وهو يتمنى أنه كان يأكل في الدنيا قوتًا، وما يضر أحدكم على أي حال أصبح وأمسى من الدنيا إلا أن تكون في النفس حزازة.
"الزهد" ص ١٩٤
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة قال: دخل عبد اللَّه على مجمع بن حارثة يعوده، فرأى في بيته أبنية وسوادا -يعني: المتاع- فقال: خفف؛ فإن الناس يوشك أن يكونوا أهلًا -يعني: يرجعون إلى الإبل.
"الزهد" ص ١٩٩ - ٢٠٠
стр. 302
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا كثير، حدثنا جعفر، حدثنا يزيد بن الأصم قال: سمعت أبا هريرة يقول: المكثرون في النار إلا من قال هكذا وهكذا، وأشار بكفيه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ثم قال: وقليل ما هم، قال يزيد: إن لم أكن سمعته من أبي هريرة -وأشار بإصبعيه إلى أذنيه- وإلا فصمتا.
"الزهد" ص ٢٢٢
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد القدوس بن بكر، عن محمد بن النضر الحارثي، يرفعه إلى معاذ بن جبل ﵀ قال: ثلاث من فعلهن فقد تعرض للمقت: الضحك من غير عَجَب، والنوم من غير سهر، والأكل من غير جوع.
"الزهد" ص ٢٢٨
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا هشام، عن أبيه قال: قال حكيم بن حزام: اسقوني ماءً. قالوا: قد شربتَ. قال: فلا إذًا. وقال ابن الزبير: أطعموني تمرًا. قالوا: قد أكلتَ. قال: فلا إذا.
"الزهد" ص ٢٥٠
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا أبو عبيدة الحلبي، عن حيوة، عن يزيد ابن أبي حبيب، في قول اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] قال: أولئك أصحاب محمد ﷺ ، كانوا لا يأكلون طعاما يلتمسون به تنعمًا، ولا يلبسون ثيابًا يلتمسون جمالًا، وكانت قلوبهم على قلبٍ واحد.
"الزهد" ص ٢٥٤
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا هشام، قال: سمعتُ الحسن يقول: واللَّه لقد أدركتُ أقواما ما طوي لأحد منهم ثوب قط، ولا أمر في أهله بصنعة طعام قط، ولا جعل بينه وبين الأرض شيئا قط، وإن كان أحدهم ليقول: لوددتُ أني أكلتُ أكلة فتصير في
стр. 303
جوفي مثل الآجرة. وكان يقول: بلغنا أن الآجرة تبقى في الماء ثلاثمائة سنة.
"الزهد" ص ٣١٨
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا وكيع، حدثنا عبد الواحد بن زيد، عن الحسن قال: لقد أدركت أقوامًا إن كان الرجل منهم ليأتي عليه سبعون سنة ما اشتهى على أهله شهوة طعام، ولقد أدركتُ أقوامًا يأتي على أحدهم سبعون سنة ما توسَّد وسادة، وإن كان أحدهم ليأكل الأكلة يريد أنها حجر في بطنه.
"الزهد" ص ٣١٩
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا روح، حدثنا هشام، عن الحسن قال: واللَّه لقد أدركتُ أقواما ما طوي لأحدهم ثوب قط، ولا جعل بينهم ولا بين الأرض شيئا قط، ولا أمر في بيته بصنعة طعام قط، إن كان أحدهم ليأكل فما عدا أن يقارب شبعه يمسك، وقال الحسن: واللَّه لأن ينبذ طعامًا للكلب خير من أن يأكل فوق شبعه.
"الزهد" ص ٣٢٠
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا حوشب، عن الحسن قال: سألته، فقلت: يا أبا سعيد، رجل آتاه اللَّه مالا فهو يحج منه، ويصل منه، أله أن يتنعم فيه؟ فقال الحسن: لا لو كانت الدنيا له ما كان له إلا الكفاف، ويقدم فضل ذلك ليوم فقره وفاقته، إنما كان المتمسك من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ومن أخذ عنهم من التابعين كانوا يكرهون أن يتخذوا العقر والأموال في الدنيا ليركنوا إليها ولتشتد ظهورهم، فكانوا ما آتاهم اللَّه من رزق أخذوا منه الكفاف، وقدموا فضل ذلك ليوم فقرهم وفاقتهم، ثم حوائجهم بعد في أمر دينهم ودنياهم فيما بينهم وبين اللَّه .
"الزهد" ص ٣٣١
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا الهيثم قال: سمعتُ أبي يقول: قال
стр. 304
الحسن لأصحابه: يا ابن آدم إلى متى، يا أهلاه غدوني، يا أهلاه عشوني، يوشك واللَّه يغدى بك، يوشك واللَّه يراح بك، أما هو إلا أكلًا وبلعًا وشرطًا شرطًا أحمق إنما تجمع مالك لامرأة تذهب به إلى زوجها، أو رجل يذهب به إلى زوجته فإن استطعت أن تكون أخسر الثلاثة نصيبًا فافعل.
قال: وسمعتُ الحسن: يقول ابن آدم: مالي مالي. هل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت؟ !
"الزهد" ص ٣٣٤
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام، عن الحسن قال: قيل له: يا أبا سعيد، ألا تغسل قميصك؟ قال: فقال: ما أرى الأمر إلا أعجل من ذلك.
وقال عبد اللَّه: حدثني أبي، أنبأنا علي بن ثابت، حدثني رجل من أهل خراسان، عن الحسن قال: ابن آدم إنما أنت أيام، وكلما ذهب يومٌ ذهب بعضك.
"الزهد" ص ٣٣٩
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا أبو عبيد الناجي قال: دخلنا على الحسن نعوده في مرضه فقال: مرحبًا بكم وأهلا بكم، حياكم اللَّه بالسلام، وأحلنا وإياكم دار السلام، هذِه علانية حسنة إن صبرتم وصدقتم، وأقسم لا يكونن حظكم من هذا الخبر رحمكم اللَّه أن تسمعوه بهذِه الأذن فيخرج من هذِه الأذن، فإنه من رأى محمدًا ﷺ فقد رأى غاديًا رائحًا لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة، ولكن رفع له علم فشمر إليه، الوحا الوحا (١)، ثم النجا النجا،
стр. 305
علامَ تعرجون؟ ! أتيتم ورب الكعبة كأنكم والأمر معًا.
"الزهد" ص ٣٤٠
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا هاشم، حدثنا ابن المبارك، عن الحسن قال: نعمت الدار كانت الدنيا للمؤمن؛ وذلك أنه عمل قليلًا وأخذ زاده منها إلى الجنة، وبئست الدار كانت للكافر والمنافق وذلك أنه تمتع ليالي وكان زاده منها إلى النار.
"الزهد" ص ٣٤٦
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا روح، حدثنا هشام، عن الحسن قال: واللَّه، لقد أدركت أقواما وصحبت طوائف منهم ما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا أقبل ولا يتأسفون على شيء منها أدبر، ولهِيَ كانت أهون في أعينهم من هذا التراب، كان أحدهم يعيش خمسين سنة لم يُطوَ له ثوب قط، ولا نُصِب له قدر، ولا جعل بينه وبين الأرض شيئا، ولا أمر في بيته بصنعة طعام قط، فإذا كان الليل فقيام على أطرافهم يفترشون وجوههم تجري دموعهم على خدودهم يناجون ربهم في فكاك رقابهم كانوا إذا عملوا الحسنة دأبوا في شكرها، وسألوا اللَّه أن يقبلها، وإذا عملوا السيئة أحزنتهم، وسألوا اللَّه أن يغفرها، فما زالوا كذلك على ذلك، فواللَّه ما سلموا من الذنوب ولا نجوا إلا بالمغفرة، وإنكم أصبحتم في أجل منقوص، والعمل محفوظ، والموت واللَّه في رقابكم، والنار بين أيديكم، فتوقعوا قضاء اللَّه في كلِّ يوم وليلة.
"الزهد" ص ٣٤٧
قال عبد اللَّه: وجدت في كتاب أبي: حدثنا أبو معاوية الغلابي، حدثني رجل من قريش قال: أقبل يونس بن عبيد من جنازة فناداه الحسن من ورائه: أبا عبد اللَّه، أبا عبد اللَّه، فالتفت إليه فقال: إن كنت تبادر إلى أهل تحبهم ويحبونك لا تنزل فيهم إلا قليلًا.
"الزهد" ص ٣٧٩
стр. 306
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن خالد، أخبرنا عمر بن عبد الرحمن قال: سمعت وهب بن منبه يقول: إن عابدًا من بني إسرائيل تعبد وساح، حتَّى كان مع الوحش، وحتى عما شعره، فكان يغطي فرجه، فمات إنسان ليس له وارث غيره، فكرهوا أن يعرضوا لماله حتَّى يعلموه، فجعلوا يقعدون له، فإذا نظر إليهم يفر منهم، فقال إنسان: تجعلون لي شيئًا، آتيكم بخبره فجعلوا له شيئًا، فقعد له، فلما رآه استقبله، وألقى ثيابه، فلما نظر إليه، وقف، وغض بصره، فقال له: ائذن لي أن منك. فقال: ادنه. قال: فلان مات، وترك مالًا, ولم يترك وارثًا غيرك، فكرهوا أن يعرضوا المال حتَّى يعلموك. قال: كم له منذ مات؟ قال: كذا وكذا. قال: فكم لي منذ فارقتكم؟ قال: كذا وكذا. قال: فإنِّي قد مت قبله بكذا وكذا، فولى عنه وتركه.
"الزهد" ص ٥١٦
٢٥٨ - فضل الصبر على الجوع والفقر، وذم الشبع
قال الأثرم: سمعت أبا عبد اللَّه سئل عن قول النبي ﷺ : "أعوذ بك من الفقر" (١). كيف هذا وفي الفقر ما فيه من الفضل؟
стр. 307
فقال: إنما استعاذ النبي ﷺ من فقر القلب (١).
"سؤالات الأثرم" (٢٢)
قال المروذي: وقال أبو عبد اللَّه: كأنك بالموت وقد فرق بيننا، ما أعدل بالفقر شيئًا، أنا أفرح إذا لم يكن عندي شيء، إنِّي لأتمنى الموت صباحًا ومساءً؛ أخاف أن أفتن في الدنيا.
"الورع" (١٦)
قال المروذي: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: أنا أفرح إذا لم يكن عندي شيء، وقال: ما أعدل بالفقر شيئًا.
"الورع" (١٥٢)
قال المروذي: ذكرت لأبي عبد اللَّه: رجلًا صبورًا على الفقر في إطمار، فكان يسألني عنه، ويقول: اذهب حتَّى تأتيني بخبره، سبحان اللَّه الصبر على الفقر! ما أعدل بالصبر على الفقر شيئًا، تدري الصبر على الفقر أي شيء هو؟ وقال: كم بين من يُعْطى من الدنيا ليفتتن إلى آخر تُزوى عنه.
стр. 308
وقال المروذي: ذكرت لأبي عبد اللَّه: الفضل وعريه، وفتح الموصلي وعريه وصبره؛ فتغرغرت عينه وقال: ﵏، كان يقال: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة.
"الورع" (٢٦٦ - ٢٦٧)
قال المروذي: وقال لي أبو عبد اللَّه يومًا: إنِّي لأفرح إذا لم يكن عندي شيء.
وجاءه ابنه الصغير بعقب هذا الكلام، فطلب منه، فقال: ليس عند أبيك قطعة، ولا عندي شيء.
"الورع" (٢٨٠)
قال المروذي: قلتُ لأبي عبد اللَّه؛ أحمد بن حنبل ﵁: إن أصحاب التقلل يقولون: ليس شيء أفضل من القلة والجوع، وإذا عود الرجل نفسه ألا يأكل إلَّا في كلِّ يومين أو ثلاثة آجر له، وهو بمنزلة من تعود صيام الدهر؟
قال: إنما يجوز هذا لمن كان وحده، فأما من كان معيلًا فكيف يقوى؟ لقد أفطرت أمس، ودعتني نفسي إلى أن أفطر اليوم، ما أعدل بالفقر شيئًا. إنِّي لأذكر أولئك الفتيان أصحاب الصلاة.
ثم قال: إذا شبعوا مِنَ الخبز والتَّمر فأيش يريدون؟ وجعل يعظم أمر الجوع والفقر.
"الورع" (٣٢١)
قال المروذي: قلتُ لأبي عبد اللَّه: يؤجر الرجل في ترك الشهوات؟
قال: وكيف لا يؤجر، وابن عمر يقول: ما شبعتُ منذ أربعة أشهر (١)؟
стр. 309
قال المروذي: قلت لأبي عبد اللَّه: لا يجد الرجل من قلبه رقة وهو يشبع؟
قال: ما أرى.
وقال معاذ الخلال وغيره من أصحابنا: كان محمد بن الحسين يزن قوته.
عن ابن سيرين قال: قال رجل لابن عمر: ألا أجيئك بجوارش؟
قال: وأي شيء هو؟ قال: شيء يهضم الطعام إذا أكلته!
قال: ما شبعت منذ أربعة أشهر، فليس ذاك أني لا أقدر عليه، ولكن أدركتُ أقوامًا، يجوعون أكثر مما يشبعون (١).
حدثنا عاصم بن عمر بن حمزة بن عبد اللَّه بن عمر قال: كنت جالسًا مع أبي، فمر رجلٌ، فقال: أخبرني ما قلتَ لعبد اللَّه بن عمر، يوم رأيتَك تكلمه بالجرف؟ قال: قلتُ: يَا أبا عبد الرحمن رقت مضغتك، وكبر سنك، وجلساؤك لا يعرفون لك حقك، ولا شرفك، فلو أمرت أهلك أن يجعلوا لك شيئًا؛ يلطفوك إذا رجعت إليهم!
قال: ويحك، واللَّه ما شبعتُ منذ إحدى عشرة سنة، ولا اثنتي عشرة سنة، ولا ثلاث عشرة سنة، ولا أربع عشرة سنة، مرة واحدة، فكيف بي، وإنما بقي منه كظمئ الحمار.
عن النعمان بن بشير قال: سمعت عمر بن الخطاب -وذكر ما أصاب الناس من الدنيا- فقال: لقد رأيتُ نبيكم ﷺ يلتوي؛ ما يجد دقلًا يملأ به بطنه (٢).
أخبرني يحيى بن جابر قال: سمعتُ المقدام يقول: سمعتُ رسول اللَّه
стр. 310
- ﷺ يقول: "ما ملَأَ آدَمِيٌّ وِعاءً، شرًّا مِنْ بَطْنٍ، حَسْب ابن آدَمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كانَ لا مَحالةَ، فَثُلُثٌ لِطَعامِ، وثُلُثٌ لِشَرابِ، وثُلُثٌ لِنَفَسِهِ" (١).
عن عروة، عن عائشة قالت: والذي بعث محمدًا بالحق، ما رأى منخلًا, ولا أكل خبزًا منخولًا منذ بعثه اللَّه إلى أن قبض.
قلت: كيف كنتم تأكلون الشعير؟ قالت: كنا نقول: أُف أُف.
حدثنا ابن لهيعة؛ أن بكر بن سوادة أخبره؛ أن حنشًا حدثه؛ أن أم أيمن غربلت دقيقًا؛ لتصنع لرسول اللَّه ﷺ رغيفًا، فمر بها النبي ﷺ فقال: "ما هذا؟ " قالت: طعام صنعته في أرضنا، وأحببتُ أن أصنع لك رغيفًا، فقال النبي ﷺ : "رُدِّيه، ثم اعجنيه" (٢).
"الورع" (٣٢٢ - ٣٢٩)
قال المروذي: قرأت على أبي عبد اللَّه: أحمد بن الحجاج قال: حدثني مسلمة بن عبد الملك قال: دخلتُ على عمر بن عبد العزيز بعد الفجر -في بيت كان يخلو فيه، فلا يدخل عليه أحد- فجاءته جارية بطبقٍ عليه تمر صيحاني -وكان يعجبه التمر- فرفع بكفه منه، فقال:
стр. 311
يَا مسلمة! أترى لو أن رجلًا أكل هذا، ثم شرب عليه من الماء أكان يجزيه إلى الليل؟ قلت: لا أدري.
قال: فرفع أكثر منه. فقال: هذا؟
قلت: نعم يَا أمير المؤمنين، كان كافيه دون هذا، حتَّى لا يبالي أن لا يذوق طعامًا غيره.
فقال: فعلَام يدخل النار!
قال مسلمة: فما وقعت مني موعظة ما وقعت هذِه.
حدثني محمد بن إدريس البزار قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: ما ينبغي للرجل أن يشبع اليوم من الحلال؛ لأنه إذا شبع من الحلال، دعته نفسه إلى الحرام، فكيف من هذِه الأقذار؟ !
سمعتُ بعض أصحابنا -وهو: أبو حفص؛ ابن أخت بشر- قال: سمعت بشرًا يقول: ما شبعت منذ خمسين سنة.
سمعتُ أبا نصر التمار يقول: قال لي بشر بن الحارث: إنِّي لأشتهي هذا الباذنجان منذ عشرين سنة.
حدثنا عباد بن راشد، عن الحسن قال: قيل لسمرة: إن ابنك قد بشم الليلة. فقال: لو مات ما صليت عليه.
عن عمرو بن الأسود العنسي؛ أنه كان يدع كثيرًا من الشبع؛ مخافة الأشر.
"الورع" (٣٣٠ - ٣٥٣)
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا وكيع، حدثنا الفضل، عن الحسن: قال لقمان لابنه: يا بني، لا تأكل شبعًا فوق شبع، فإنك إن تُلْقِه بنَبْذِه للكلب خير لك من ذلك.
"الزهد" ص ٩٧
стр. 312
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الملك بن عمير، حدثنا عباد، عن الحسن قال: قيل لسمرة: إن ابنك لم ينم الليلة. قال: أبشمًا (١)؟ قيل: بشمًا، قال: لو مات لم أصل عليه.
"الزهد" ص ٢٤٨
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا مهدي، عن محمد بن سيرين قال: أعرس ابن أخت لنا فصنع طعامًا؛ فقال ابن سيرين: كان الرجل من أصحاب محمد ﷺ يمكث أيامًا لا يأكل، فإذا وجد جلدة اجتزأ بها، فإن لم يجد عصب على بطنه حجرًا.
"الزهد" ص ٣٧٥
قال عبد اللَّه: قرأت على أبي: حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن ثابت أن عسعسًا كان يقول: تعال فلنجعل يومنا طرسًا: يعني: الطرس الذي لا يأكل ولا يشرب.
"الزهد" ص ٣٧٩
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا هاشم، حدثنا المبارك، عن الحسن قال: أتى رجل عمر ﵁ وهو ينهج قد ركبه اللحم، قال: ما هذا؟ قال: بركة اللَّه يَا أمير المؤمنين قال: كذبت، بل هو عذاب اللَّه، وهو يقول: هاه هاه.
"الزهد" ص ٤٧٧
قال ابن الجوزي: أَخبرنا محمد بن أَبي منصور، قال: أَنبأَنا الحسن بن أَحمد بن البنا، قال: الحسن بن محمد الخلال، قال: ثنا أبو بكر أَحمد بن محمد بن غالب، قال: قرأتُ على أَبي بكر محمد بن أَحمد بن جعفر بن يزيد بن خالد الفامي، حدثنا محمد بن العباس المُسْتَمْليّ، قال: حدثنا
стр. 313
أبو بكر المَرُّوذي، قال سمعتُ أَحمد بن حنبل، يقول: ما أعدل بالفقر شيئًا، أتدري الصبر على الفقر أي شيء هو؟ قد رأيتُ قومًا صالحين: لقد رأيتُ عبد اللَّه بن إدريس وعليه جبة لبود، وقد أتى عليه السنون والدهور، ولقد رأيتُ أبا داود الحفري وعليه جبة مخرقة، قد خرج القطن منها، يصلي بين المغرب والعشاء وهو يترجَّح من الجوع، ورأيتُ أيوب بن النجار بمكة وقد خرج مما كان فيه ومعه رشاء يستقي به في مكة وقد خرج من كل ما يملكه، وكان من العابدين، وكان في دنيا فتركها في يدي يحيى القطان، وقد رأيتُ ابن بجالة العابد وكنتُ أسمع صوت خفه في الطواف بالليل، ولقد كان في المسجد رجل يقال له: العَرَفي، يقوم من أول الليل إلى الصباح يبكي.
قال: فاشتهيتُ النظر إليه، فإذا هو شاب مصفر، ولقد رأيتُ حسينًا الجُعْفيّ، وكان يُشَبّه بالراهب، ما رأيتُ بالكوفة أفضل من حُسيْن الجُعْفِيّ، وسعيد بن عامر بالبصرة.
"المناقب" ٨١
٢٥٩ - فضل الفقراء على الأغنياء
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا وكِيعٌ، ووافقه زائدة، حدثنا الأَعْمَشُ، عن سُلَيْمانَ بْنِ مُسْهِرٍ، عن خَرَشَةَ بْنِ الحُرِّ، عن أَبِي ذَرٍّ ﵁ قال: قال لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا أبا ذَرٍّ انْظُرْ أَرْفَعَ رَجُلٍ في المَسْجِدِ" قال: فَنَظَرْتُ فَإِذا رَجُلٌ عَلَيْهِ حُلَّةٌ، قال: قُلْتُ: هذا، قال: "انْظُرْ أَوْضَعَ رَجُلٍ في المَسْجِدِ" قال: فَنَظَرْتُ فَإذا رَجُلٌ عَلَيْهِ أَخْلاقٌ، قال: فقُلْتُ: هذا، فقال: فَقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَهذا خير عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ مِنْ
стр. 314
مِلْءِ الأَرْض مِنْ مِثْلِ هذا" (١).
"الزهد" ص ٣٦
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا وكيع، حدثني علي بن علي قال: سمعت الحسن يقول: بلغنا أنَّ فقراءَ المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين عامًا، والآخرون جثاء على ركبهم، فيأتيهم ربهم فيقول: أنتم كنتم حكام الناس، وولاة أمورهم، فعندكم حاجتي وطلبتي، قال: فقال الحسن: فثم واللَّه حساب شديد، إلَّا ما يسر اللَّه .
"الزهد" ص ٤٦
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد اللَّه بن يزيد -يعني: المقرئ- حدثنا حيوة، أخبرني أبو هانئ أن أبا على حدثه أنه سمع فضالة بن عبيد يقول: كان رسول اللَّه ﷺ إذا صلى بالناس غير رجال من مقامهم في الصلاة؛ لما بهم من الخصاصة وهم أصحاب الصفة حتَّى يقول الأعراب: إن هؤلاء مجانين، فإذا قضى رسول اللَّه ﷺ الصلاة انصرف إليهم فقال: "لَوْ تعْلَمونَ ما لَكُمْ عِنْدَ اللَّه لأَحْبَبْتُمْ لَوْ أَنَّكُمْ تَزْدادُونَ حاجَةً وفاقَةً" (٢) قال فضالة: وأنا مع رسول اللَّه ﷺ يومئذ.
"الزهد" ص ٤٦ - ٤٧
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا سَيّارٌ، حدثنا جَعْفَرٌ، حدثنا المُعَلَّى بن زِيادٍ، حدثنا العَلاءُ بْنُ بَشِيرٍ المُزَنِيُّ -وَكانَ واللَّه ما عَلِمْتُ شُجاعًا عِنْدَ
стр. 315
اللِّقاءِ، بَكّاءً عِنْدَ الذِّكْرِ- عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النّاجِيِّ، عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قال: كُنْتُ في حَلْقَةٍ مِنْ الأَنْصارِ، وإِنَّ بَغضَنا لَيَسْتَتِرُ بِبَعْضٍ مِنْ العُرْيِ، وقارِئٌ لَنا يَقْرَأُ عَلَيْنا، فَنَحْنُ نَسْمَعُ إلى كِتابِ اللَّهِ ؛ إِذ وقَفَ عَلَيْنا رَسولُ اللَّهِ ﷺ وقَعَدَ فِينا، لِيَعُدَّ نَفسَهُ مَعَهُمْ، فَكَفَّ القارِئُ، فَقال: "ما كُنْتُمْ تَقُولُونَ؟ " قال: قُلْنا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كانَ قارِئٌ لَنا يَقرَأُ عَلَيْنا كِتابَ اللَّهِ ، فَقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ وحَلَّقَ بِها يُومِئُ إِلَيْهمْ أَن تَحَلَّقُوا، فاسْتَدارَتِ الحَلْقَةُ، قال: فَما رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَرَفَ مِنهُمْ أَحَدًا غَيْرِي، قال: فَقال: "أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الصَّعالِيكِ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِياءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ عامٍ" (١).
"الزهد" ص ٤٧ - ٤٨
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الوهَّاب، عن سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن النبي ﷺ دخل على أهل الصفة وكان يجتمع بها فقراء المسلمين وكانوا يرقعون ثيابهم بآدم، ولا يجدون رقاعا، فقال: "أنتم اليوم خير، أو يوم يغدو أحدكم في حلة، ويروح في أخرى، وتغدو عليه جفنة، ويراح عليه بأخرى، ويستر بيته كما تستر الكعبة؟ " قالوا: لا، بل نحن يومئذ خير فقال النبي ﷺ : "لا، بل أنتم اليوم خير" (٢).
"الزهد" ص ٤٨
стр. 316
قال عبد اللَّه، حدثنا أبي، حدثنا يزيد، حدثنا أبو الأشهب، حدثني سعيد بن أيمن مولى كعب بن (سور) (١) قال: بينما رسول اللَّه ﷺ يحدث أصحابه، إذ جاء رجل من الفقراء، فجلس إلى جنب رجل من الأغنياء، فكأنه قبض من ثيابه عنه، فتغير رسول اللَّه ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أخشيت يَا فلان أن يعدو غناك عليه، وأن يعدو فقره عليك؟ " قال: يَا رسول اللَّه، وشر الغنى؟ قال: "نعم، إن غناك يدعوك إلى النار، وإن فقره يدعوه إلى الجنة" فقال: فما ينجيني منه؟ قال: "تواسيه" قال: إذًا أفعل، فقال الآخر: لا إرب لي فيه قال: "فاستغفر، وادع لأخيك" (٢).
"الزهد" ص ٤٩
قال عبد اللَّه، حدثنا أبي، حدثنا رجل -هو علي بن عبد اللَّه- حدثني يونس بن سليمان الصنعاني، حدثني إبراهيم بن عمر بن كيسان، عن أبيه، عن عمر بن أبي زيد، عن وهب بن منبه، أنه قال: إن عيسى ابن مريم قال: بحق أقول لكم، إن أكناف السماء لخالية من الأغنياء، ولدخول جمل في سم الخياط أيسر من دخول غني الجنة.
"الزهد" ص ١١٧
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبو الأشهب، عن الحسن أن رجلا قال لعثمان بن أبي العاص: يَا أهل الأموال،
стр. 317
تنفقون وتتصدقون وتحجون، وإنكم لتغبطونا بها. فقال: واللَّه لدرهم يأخذه أحدكم من جهد فيضعه في حق، خير من عشرة آلاف يأخذها أحدنا فيضا من فيض.
"الزهد" ص ٢٥٣
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا رباح، عن جعفر بن محمد، عن التيمي، عن وهب بن منبه قال: دخول الجمل في سم الخياط أيسر من دخول الأغنياء الجنة.
"الزهد" ص ٤٤٦
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا حُسَيْنٌ، حَدثنا (دويد عن سَلْم بن بَشِير) (١)، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ، قال النَّبِيُّ ﷺ : "الْتَقَى مُؤْمِنانِ عَلَى بابِ الجَنَّةِ: مُؤْمِنٌ غَنِيٌّ ومُؤْمِنٌ فَقِيرٌ كانا في الدُّنْيا، فَأُدْخِلَ الفَقِيرُ الجَنَّةَ، وحُبِسَ الغَنِيُّ ما شاءَ اللَّهُ أَنْ يُحْبَسَ ثُمَّ أُدْخِلَ الجَنَّةَ فَلَقِيَهُ الفَقِيرُ، فقال: أَيْ أَخِي، ماذا حَبَسَكَ؟ واللَّه لَقَدْ احْتُبِسْت حَتَّى خِفْتُ عَلَيْكَ، فَيَقُولُ: أَيْ أَخِي، إِنِّي حُبِسْتُ بَعْدَكَ مَحْبِسًا فَظِيعًا كَرِيهًا وما وصَلْتُ إِلَيْكَ حَتَّى سالَ مِنِّي العَرَقُ ما لَوْ ورَدَهُ أَلْفُ بَعِيرٍ كُلُّها آكلَةُ حَمْضٍ لَصَدَرَتْ عَنْها رِواءً" (٢).
"الزهد" ص ٤٧٣ - ٤٧٤
стр. 318
باب ما جاء في الورع
٢٦٠ - حقيقة الورع
قال المروذي: قيل لأبي عبد اللَّه: هل للورع حد يُعرف؟ فتبسم، وقال: ما أعرفه.
"الورع" (٣)
نقل المروذي عنه: عن عبد الوهَّاب، قال هشام: قال حسان بن أبي سنان: ما زاولتُ شيئًا أيسر من الورع.
قال: قيل له: لأي شيء؟ قال: إذا رابني شيء تركته.
"الورع" (٢٢٤)
نقل المروذي عنه: عن يونس بن عبيد قال: إنك لتعرف ورع الرجل في كلامه إذا تكلم. قال: قال يونس بن عبيد: ما أهم رجلًا كسبه حتَّى أهمه أين يضع درهمه.
"الورع" (٢٣٣)
قال عبد اللَّه: وجدت في كتاب أبي بخط يده: حدثنا أبو معاوية الغلابي، حدثني رجل، عن بشر بن منصور قال: إن الإيمان عفيف عن المطاعم، والمطامع، عفيف عن المحارم.
"الزهد" ص ٤٧
٢٦١ - فضل الورع ومنزلته
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، أخبرنا إبراهيم بن خالد، حدثني عمر بن عبيد، أنه سمع وهب بن منبه يقول: إن اللَّه فتح السماوات لحزقيل حتَّى نظر إلى العرش -أو كما قال- فقال حزقيل: سبحانك! ما أعظمك يَا رب! فقال اللَّه: إن السماوات والأرض لم تطق أن تحملني، وضقن من أن تسعني، ووسعني قلب المؤمن الوارع اللين.
"الزهد" ص ١٠٣
стр. 319
قال عبد اللَّه: وجدت هذا الحديث في كتاب أبي بخط يده: حدثنا هاشم بن القاسم أبو النضر، حدثنا أبو عقيل الثقفي عبد اللَّه بن عقيل، عن يحيى بن سعيد الأنصاري عمن حدثه، عن عمر بن الخطاب ﵀ قال: إن الدين ليس بالطنطنة من آخر الليل، ولكن الدين الورع.
"الزهد" ص ١٥٥
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا فياض بن محمد، حدثنا بعض أصحابنا يكنى: أبا أيوب قال: دخل الحسن المسجد ومعه فرقد، فقعد إلى جنب حلقة يتكلمون فنصت لحديثهم، قال: ثم أقبل على فرقد فقال: يا فرقد، واللَّه ما هؤلاء إلَّا قوم ملوا العبادة، ووجدوا الكلام أهون عليهم من العمل، وقيل ورعهم فتكلموا.
"الزهد" ص ٢٣٢
قال عبد اللَّه: وجدت في كتاب أبي بخط يده: حدثني هاشم بن القاسم أبو النضر، أنبأنا أبو عقيل -يعني: الثقفي- عن عبد اللَّه بن عقيل، عن ابن أبي خالد -يعني: إسماعيل- عن أبي السفر، عن عائشة رحمها اللَّه قالت: إن الناس قد ضيعوا أعظم دينهم: الورع.
"الزهد" ص ٢٥٢
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا روح، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان مطرف يقول: فضل العلم أحب إلى اللَّه من فضل العبادة، وخير دينكم الورع.
وقال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا روح، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: وكان مطرف بن عبد اللَّه يقول: إنك لتلقى الرجلين أحدهما أكثر صلاةً وصومًا وصدقةً والآخر أفضل منه بونًا بعيدًا. قيل له: كيف ذاك؟ قال: يكون أحدهما أشدهما ورعًا للَّه عن محارمه.
"الزهد" ص ٢٩٤
стр. 320
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا حسن بن موسى، حدثنا يحيى بن دينار، حدثنا معاوية بن قرة قال: أتينا الحسن فسألناه: أي العبادة أشد؟ قال: فقال قائل منا: أشد العبادة الجهاد في سبيل اللَّه، وقال قائل: أشد العبادة الصلاة، وقال قائل: أشد العبادة الزكاة، وقال قائل: الصيام.
قال: فقلت بيني وبين نفسي: لأكلمنه.
قال: قلت: يَا أبا سعيد، إنِّي لم أجد من العبادة أشد من الورع، فقال: لا أبا لك، فهل ينتفع بشيء من هذا إلَّا بالورع.
قال: فقال الحسن: إنِّي لم أجد من العبادة شيئًا أشد من الصلاة في جوف هذا الليل.
"الزهد" ص ٣١٧
٢٦٢ - الحب على ألا يطعم إلَّا طيبًا
قال المروذي: قال أبو عبد اللَّه: قال بشر بن الحارث: سمعتُ المعافى بن عمران يقول: كان عشرة فيمَنْ مضى من أهل العلم ينظرون في الحلال النظر الشديد، لا يدخلون بطونهم إلا ما يعرفون من الحلال، وإلا استفوا التراب، ثم عد: بشر وإبراهيم بن أدهم. وسليمان الخواص، وعلي بن الفضيل. وأبو معاوية الأسود، ويوسف بن أسباط، ووهيب بن الورد، وحذيفة -شيخ من أهل حران- وداود الطائي، فعد عشرة كانوا لا يدخلون بطونهم إلَّا ما يعرفون من الحلال، وإلا استفوا التراب.
"الورع" (٣٦)
ونقل المروذي عنه: عن أم عبد اللَّه -أخت شداد بن أوس- أنها بعثت إلى النبي ﷺ بقدح لبن عند فطره، وذاك في طول النهار وشدة الحر، فرد