علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ الذِينَ إِذا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا، وإِذا أَساءُوا اسْتَغْفَرُوا" (١).
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا يحيى، عن شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا بردة قال: سمعت الأغر -رجلا من جهينة يحدث ابن عمر أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "يا أَيُّها النّاسُ، تُوبُوا إِلَى ربكم، فَإِنّي أَتُوبُ فِي اليَوْم إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ" (٢).
"الزهد" ص ٥٠
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا يزيد، أنبأنا كهمس بن الحسن، حدثنا أبو السليل، عن أبي ذر ﵁ قال: جعل رسول اللَّه ﷺ يتلو هذِه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] حتى فرغ من الآية، ثم قال: "يا أبا ذَرٍّ، لَوْ أَنَّ النّاسَ كُلَّهُمْ أَخَذُوا بِها لَكَفَتْهُمْ" قال: فجعل يتلوها عليّ ويرددها حتى نعست (٣).
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدّثنا عَفّانُ، حدّثنا ثابِتٌ، حدّثنا هِلالُ بْنُ خَبّابٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ التَفَتَ إِلَى أُحُدٍ فَقال:
стр. 422
"والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، ما يَسُرُّنِي أَنَّ أُحُدًا يُحَوَّلُ لِآلِ مُحَمَّدٍ ذَهَبًا؛ أُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَمُوتُ يَوْمَ أَمُوتُ، أَدَعُ مِنْهُ دِينارَيْنِ؛ إِلّا دِينارَيْنِ أُعِدُّهُما لِدَيْنٍ إِنْ كانَ" قال: فَماتَ وما تَرَكَ دِينارًا، ولا دِرْهَمًا، ولا عَبْدًا، ولا ولِيدَةً، وتَرَكَ دِرْعَهُ مَرْهُونَةً عِنْدَ يَهُودِيٍّ؛ عَلَى ثَلاثِينَ صاعًا مِنْ شَعِيرٍ (١).
"الزهد" ص ٥٨
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا يعمر بن بشر، حدثنا عبد اللَّه بن المبارك، أنبأنا الحجاج بن فرافصة، عن عقيل، عن ابن شهاب أن عائشة رحمة اللَّه عليها قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يعمل عمل البيت وأكثر ما يعمل الخياطة (٢).
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد اللَّه، أنبأنا معمر، عن يحيى، عن المختار، عن الحسن قال: إن رسول اللَّه
стр. 423
- ﷺ لا واللَّه ما كان تغلق دونه الأبواب، ولا يقوم دونه الحجاب، ولا يغدى عليه بالجفان، ولا يراح عليه بها، ولكنه كان بارزا من أراد أن يلقى نبي اللَّه لقيه، وكان يجلس بالأرض، ويوضع طعامه بالأرض، ويلبس الغليظ، ويركب الحمار، ويردف عبده ويلعق واللَّه يده ﷺ .
"الزهد" ص ٤٧١
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن إسحاق، أنبأنا الحارث بن عمير، عن حوشب أن النبي ﷺ كان يدعو: "اللهم إني أعوذ بك من دنيا تمنع خير العمل، وأعوذ بك من حياة تمنع خير الممات" (١).
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن محمد، حدثنا ذويد، عن حسين، عن عبد الرحمن، والحجاج بن الأسود قال: جاع الحسن والحسين ﵉، فبعثوا في تسعة بيوت من أبيات رسول اللَّه ﷺ فما وجدوا فيهن رَطْبًا ولا يابسًا.
"الزهد" ص ٤٧٢
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا الحسين بن محمد، حدثنا عويد، يقال له: العابد، عن ابن سهل، عن سليمان بن رومان مولى عروة، عن عروة، عن عائشة -رحمة اللَّه عليها- أنها قالت: والذي بعث محمدًا بالحق ما رأى منخلًا، ولا أكل خبزًا منخولًا منذ بعثه اللَّه إلى أن قبض، قلت: كيف كنتم تأكلون الشعير؟ قالت: كنا نقول: أف أف (٢).
стр. 424
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا حسين، حدثنا أبو معشر، عن سعيد، عن أبي هريرة أنه مر بدار ابن الأخنس وهم يأكلون الثريد والشواء، فقالوا: اجلس يا أبا هريرة. فقال: ما تأكلون؟ قالوا: نأكل الثريد والشواء، فقال: لقد طعمتم بعد أبي القاسم ﷺ . وبكى، ثم قال: كان يمر بآل رسول اللَّه ﷺ هلال وهلال لا يوقد في شيء من بيوتهم النار، ولا يخبز ولا يطبخ. قالوا: بأي شيء كانوا يعيشون؟ قال: الأسودان التمر والماء، وكان له جيران من الأنصار- جزاهم اللَّه خيرًا - لهم منائح يرسلون إليهم بشيء من لبنهم (١).
"الزهد" ص ٤٧٣
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا حسين بن محمد، حدثنا أبو المليح، عن ميمون قال: لم يصب النبي ﷺ من نعم الدنيا إلا النساء والطيب (٢).
"الزهد" ص ٤٧٦
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا المُبارَكُ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ قال: دَخَلْتُ على رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهُوَ عَلَى سَرِيرٍ مُضْطَجِعٌ مُرْمَلٍ بِشَرِيطٍ، وتَحْتَ رَأْسِهِ وسادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُها لِيفٌ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ غير واحد مِنْ أَصحابِهِ، ودَخَلَ عُمَرُ ﵁ فانْحَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ
стр. 425
- ﷺ انْحِرافَةً، فَلَمْ يَرَ عُمَرُ بَيْنَ جَنْبِهِ وبَيْنَ الشَّرِيطِ ثَوْبًا، قَدْ أَثَّرَ الشَّرِيطُ بِجَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَكَى عُمَرُ ﵁، فَقال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "ما يُبْكِيكَ يا عُمَرُ؟ " قال: واللَّه ما أبكي إِلّا أَنْ أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّكَ أَكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنْ كِسْرى وقَيْصَرَ وهُما يَعيثانِ فِي الدُّنْيا فِيما يَعيثانِ فِيهِ، وأَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ بِالْمَكانِ الذِي أَرى، قال النَّبِيُّ ﷺ : "أما تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمْ الدُّنْيا ولَنا الآخِرَةُ" فقال عُمَرُ: بَلَى. قال: "فَإِنَّهُ كَذَلكَ" (١).
"الزهد" ص ٤٧٦ - ٤٧٧
٣٢٢ - ما جاء زهد آدم ﵇ وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، أنبأنا حسين بن محمد، حدثنا المسعودي، عن علقمة بن مرثد قال: لو بكى أهل الأرض جميعا ما عدل دموع داود ﵇ حين أصاب الخطيئة، ولو أن دموع أهل الأرض، ودموع داود ﵇ جميعا ما عدل دموع آدم ﵇ حين أهبط من الجنة.
"الزهد" ص ٦١
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا روح، أخبرنا هشام، عن الحسن قال: لبث آدم ﵇ في الجنة ساعة من نهار؛ تلك الساعة ثلاثون ومائة سنة من أيام الدنيا (٢).
"الزهد" ص ٦١ - ٦٢
стр. 426
٣٢٣ - ما جاء في زهد نوح ﵇ وأخباره
قال عبد اللَّه: وجدت في كتاب أبي بخط يده: حدثنا غوث بن جابر قال: سمعت أبا الهذيل عمران بن عبد الرحمن بن هربذ يقول: سمعت وهبًا يقول: إن نوحًا مكث ينجر السفينة مائة سنة وهم يضحكون به قال: فلما تمت المائة ركب فيها.
"العلل" رواية عبد اللَّه (٤٧٦٦)
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبيد اللَّه بن عمير قال: كان قوم نوح يضربونه حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مجاهد، عن عبيد اللَّه بن عمير قال: إن كان الرجل من قوم نوح ليلقاه فيخنقه حتى يخر مغشيا عليه قال: فيفيق حين يفيق وهو يقول: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
"الزهد" ص ٦٦
٣٢٤ - ما جاء في زهد إبراهيم ﵇ وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الصمد، أخبرنا جعفر، حدثنا أبو عمران، عن عبد اللَّه بن رباح الأنصاري، عن كعب قال: إن إبراهيم ﵊ قال: يا رب، إنه ليحزنني أن لا أرى أحدا في
стр. 427
الأرض يعبدك غيري فأنزل اللَّه إليه ملائكة يصلون معه.
"الزهد" ص ١٠٠
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سليمان -يعني: التيمي- عن أبي عثمان قال: أرسل على إبراهيم أسدان قد جوعا، (فلحساه) (١)، وسجدا له.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عبد اللَّه بن فلفل، رجل من آل أبي ليلى، عن علي ﵁ في قوله ﵎: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] قال: لولا أنه قال ﴿وَسَلَامًا﴾ لقتله بردها.
"الزهد" ص ١٠١
قال عبد اللَّه، حدثنا أبي، حدثنا عبد الصمد، أخبرنا أبو هلال، وحدثنا عبد اللَّه، حدثنا شيبان، أخبرنا أبو هلال، حدثنا بكر قال: لما ألقي إبراهيم ﷺ في النار، جأرت عامة الخليقة إلى ربها؛ فقالوا: يا رب، خليلك يلقى في النار، فأذن لنا نطفئ عنه. قال: هو خليلي، ليس لي في الأرض خليل غيره، وأنا ربه، ليس له رب غيري، فإن استغاث بكم فأغيثوه، وإلا فدعوه. قال: فجاء ملك القطر، فقال: يا رب، خليلك يلقى في النار، فأذن لي أن أطفئ عنه بالقطر. فقال: هو خليلي؛ ليس في الأرض خليل غيره، وأنا ربه، ليس له رب غيري، فإن استغاثك فأغثه، وإلا فدعه، فلما ألقي في النار، دعا ربه بدعاء، نسيه أبو هلال، قال: فقال اللَّه : ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] قال: فبردت يومئذ على أهل المشرق والمغرب،
стр. 428
فلم ينضج منها كراع (١).
"الزهد" ص ١٠١ - ١٠٢
٣٢٥ - ما جاء في زهد أيوب ﵇ وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا يزيد، أنبأنا هشام، عن الحسن قال: ما كان بقي من أيوب إلا عيناه وقلبه ولسانه؟ فكانت الدواب تختلف في جسده، قال: ومكث في الكناسة سبع سنين وأيامًا -أو قال: وأشهرًا، قال يزيد: أنا أشك.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا يزيد، أخبرنا جرير بن حازم قال: سمعت عبد اللَّه بن عبيد بن عمير يقول: كان لأيوب ﵇ أخوان، فأتياه ذات يوم، فوجدا ريحا، فقالا: لو كان اللَّه علم من أيوب خيرا ما بلغ به كل هذا. قال: فما سمع شيئا كان أشد عليه من ذلك، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة شبعان وأنا أعلم مكان جائع، فصدقني قال: فصدق وهما يسمعان، ثم قال: اللهم، إن كنت تعلم أني لم ألبس قميصا قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني. قال: فصدق وهما يسمعان، قال: ثم خر ساجدا، ثم قال: اللهم لا أرفع رأسي حتى يكشف ما بي؛ فكشف اللَّه ما به، وقال يزيد مرة أخرى: لو كان لأيوب عند اللَّه خير ما بلغ به كل هذا.
"الزهد" ص ٥٤
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا غوث بن جابر قال: سمعت
стр. 429
عقيلا يذكر، قال: سمعت وهب بن منبه سئل: ما كان شريعة أيوب ﵇؟ قال: التوحيد، وصلاح ذات البين، وإذا أراد أحدهم حاجة إلى اللَّه خرَّ ساجدًا ثم طلب حاجته. قيل: فما كان ماله؟ ، قال: كان له ثلاثة آلاف فدان، مع كل فدان عبد، ومع كل عبد وليدة، ومع كل وليدة أتان وأربع عشرة ألف شاة، ولم يبت له ضيف وراء بابه، ولم يأكل طعاما إلا ومعه مسكين.
"الزهد" ص ٥٤
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرزاق، عن عمران قال: سمعت وهبا يقول: أصاب أيوب البلاء سبع سنين.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن حرب، أنبأنا حماد بن سلمة، عن أبي عمران الجوني، عن نوف البكالي قال: مر نفر من بني إسرائيل بأيوب ﵇ فقالوا: ما أصابه ما أصابه إلا بذنب عظيم أصابه قال: فسمعها أيوب ﵇ فعند ذلك قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] قال: وكان قبل ذلك لا يدعو.
"الزهد" ص ٥٥ - ٥٦
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبو هلال، حدثنا بكر قال: لما عفا اللَّه عن أيوب ﵇ أمطر عليه جرادا من ذهب، قال: فجعل يلتقط، قال: فنودي: يا أيوب ألم أغنك؟ ألم تشبع؟ قال: يا رب، ومن يشبع من فضلك؟
"الزهد" ص ٥٦
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي أبزى قال: قال داود نبي اللَّه ﵇: كان أيوب أصبر الناس، وأحلم الناس، وأكظمهم للغيظ.
"الزهد" ص ١٠٦
стр. 430
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عفان، حدثنا المبارك بن فضالة قال: سمعت الحسن يقول: كان أيوب ﵇ كلما أصابته مصيبة قال: اللهم أنت أخذت، وأنت أعطيت، مهما تبقي نفسي، أحمدك على حسن بلائك.
"الزهد" ص ١١٢
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا أبو المغيرة، أخبرنا صفوان، أخبرنا عبد الرحمن بن جبير، قال: لما ابتلي أيوب النبي ﷺ بماله وولده وجسده طرح في المزبلة، جعلت امرأته تخرج تكسب عليه ما تطعمه، فحسده الشيطان ذلك، وكان يأتي أصحاب الخبز والشواء الذين كانوا يتصدقون عليها، فيقول: اطردوا هذِه المرأة التي تغشاكم؛ فإنها تعالج صاحبها، وتلمسه بيدها، فالناس يقتذرون طعامكم من أجلها؛ إنها تأتيكم وتغشاكم. فجعلوا لا يدنونها منهم؛ ويقولون: تباعدي عنا، ونحن نطعمك، ولا تقربينا، فأخبرت أيوب بذلك، فحمد اللَّه على ذلك، فكان يلقاها إذا خرجت كالمتحزن بما لقي أيوب؛ فيقول: نج صاحبك. وأبى إلا ما أبى، فواللَّه لو تكلم بكلمة واحدة، لكشف عنه كل ضر، ولرجع إليه ماله وولده، فتجيء فتخبر أيوب ﵇ بذلك، فيقول لها: لقيك عدو اللَّه؛ فلقنك هذا الكلام، لما أعطانا اللَّه المال والولد آمنا به، وإذا قبض الذي له نكفر به؟ ! لئن أقامني اللَّه من مرضي هذا، لأجلدنك مائة جلدة، قال: فلذلك قال اللَّه : ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] يعني بالضغث: القبضة من المكانس.
"الزهد " ص ٩١٣
стр. 431
٣٢٦ - ما جاء في زهد موسى ﵇ وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد قال: حج البيت سبعون نبيا، منهم موسى بن عمران ﵇، عليه عباءتان قطوانيتان، قال: وفيهم يونس ﵇، يقول: لبيك كاشف الكرب لبيك.
"الزهد" ص ٤٤
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا يزيد، حدثنا الجريري، عن عبد اللَّه ابن شقيق، عن كعب الأحبار أن موسى ﵇ كان يقول في دعائه: اللهم لين قلبي بالتوبة، ولا تجعل قلبي قاسيًا كالحجر.
"الزهد" ص ٨٥
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة أن نبي اللَّه موسى ﵇ قال: أي رب، أي شيء وضعت في الأرض أقل؟ قال: العدل أقل ما وضعت في الأرض.
"الزهد" ص ٨٦
قال عبد اللَّه، حدثني أبي، أخبرنا قران بن تمام، عن عثمان بن الأسود، عن عطاء قال: طاف موسى بالبيت، وبين الصفا والمروة، وهو يقول: اللهم لبيك. فأجابه ربه ﵎: لبيك يا موسى، ها أنا ذا لديك. وعليه جبة قطوانية. وقال قران مرةً: وهو في عباءة قطوانية.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا شيبان، حدثنا جعفر، عن عمران أبي الهذيل أنه سمع وهب بن منبه يقول: بلغنا أن اللَّه ﵎ قال لموسى ﵇: يا موسى، وعزتي وجلالي، لو أن النفس التي قتلت أقرت لي طرفة عين أني لها خالق أو رازق، لأذقتك فيها طعم العذاب، وإنما عفوت عنك أمرها أنها لم تقر لي طرفة عين أني لها خالق أو رازق.
"الزهد" ص ٩٤ - ٩٥
стр. 432
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل بن منبه، أخبرنا عبد الصمد بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه قال: لما رأى موسى ﵇ النار انطلق يسير حتى وقف منها قريبا، فإذا هو بنار عظيمة تفور من فرع شجرة خضراء، شديدة الخضرة؛ لا تزداد النار فيما يرى إلا عظمًا وتضرمًا، ولا تزداد الشجرة على شدة الحريق إلا خضرةً وحسنًا، فوقف ينظر؛ لا يدري على ما يضع أمرها؟ ! إلا أنه قد ظن أنها شجرة تحترق، وأوقد إليها موقد نالها فاحترقت، فإنه إنما يمنع النار شدة خضرتها، وكثرة مائها، وكثافة ورقها، وعظم جذعها، فوضع أمرها على هذا، فوقف وهو يطمع أن يسقط منها شيء يقتبسه، فلما طال ذلك عليه، أهوى إليها بضغث في يده؛ وهو يريد أن يقتبس من لهبها، فلما فعل ذلك موسى مالت نحوه؛ كأنها تريده، فاستأخر عنها وهاب، ثم عاد فطاف بها، فلم تزل تطمعه ويطمع فيها، ولم يكن شيء بأوشك من خمودها، فاشتد عند ذلك عجبه، وفكر موسى في أمرها، وقال: هي نار ممتنعة، لا يقتبس منها، ولكنها تتضرم في جوف شجرة فلا تحرقها، ثم خمودها على قدر عظمها في أوشك من طرفة عين، فلما رأى ذلك موسى قال: إن لهذِه النار لشأنا، ثم وضع أمرها على أنها مأمورة، أو مصنوعة، لا يدري من أمرها، ولا بم أمرت؟ ولا من صنعها، ولا لم صنعت؟ فوقف متحيرًا، لا يدري أيرجع أم يقيم؟ فبينما هو على ذلك إذ رمى طرفه نحو فرعها، فإذا هو أشد ما كان خضرة، وإذا الخضرة ساطعة في السماء ينظر إليه، يغشى الظلام، ثم لم تزل الخضرة تنور وتصفر وتبيض، حتى صارت نورًا ساطعًا، عمودًا بين السماء والأرض عليه مثل شعاع الشمس تكل دونه الأبصار؛ كلما نظر إليه يكاد يخطف
стр. 433
بصره، فعند ذلك اشتد خوفه وحزنه، فرد يده على عينيه، ولصق بالأرض، وسمع الخفق والوجس، إلا أنه يسمع حينئذ شيئًا لم يسمع السامعون بمثله عظمًا، فلما بلغ موسى الكرب، واشتد عليه الهول، وكاد أن يخالط في عقله في شدة الخوف لما يسمع ويرى نودي من الشجرة؛ فقيل: يا موسى فأجاب سريعًا، وما يدري من دعاه؟ وما كان سرعة إجابته إلا استئناسًا بالأنس، فقال: لبيك، مرارًا إني أسمع صوتك، وأوجس وجسك، ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك ومعك وأمامك وأقرب إليك منك. فلما سمع هذا موسى علم أنه لا ينبغي ذلك إلا لربه جل وعز، فأيقن به، فقال: كذلك أنت يا إلهي، فكلامك أسمع أم رسولك؟ قال : بل أنا الذي أكلمك، فادن مني. فجمع موسى يديه في العصا، ثم تحامل، حتى استقل قائمًا، فرعدت فرائصه، حتى اختلفت واضطربت رجلاه، وانقطع لسانه، وانكسر قلبه، ولم يبق منه عظم يحمل آخر، فهو بمنزلة الميت إلا أن روح الحياة تجري فيه، ثم زحف على ذلك، وهو مرعوب، حتى وقف قريبًا من الشجرة التي نودي منها، قال له الرب ﵎: إليّ، ما تلك بيمينك يا موسى، قال: هي عصاي. قال: وما تصنع بها -ولا أحد أعلم بذلك منه- قال موسى ﵇: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨] وكان لموسى في العصما مآرب؛ كانت لها شعبتان ومحجن تحت الشعبتين، قال له الرب ﵎: ألقها يا موسى. فظن موسى أنه يقول: ارفضها. فألقاها على وجه الرفض، ثم حانت منه نظرة، فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون، يدب يلتمس كأنه يبتغي شيئا يريد أخذه، يمر بالصخرة مثل الخلفة من الإبل، فيقتلعها، ويطعن بأنياب من
стр. 434
أنيابه في أصل الشجرة العظيمة، فتجتثها، عيناه توقدان نارا، وقد عاد المحجن عرفًا فيه شعر مثل النيازك، وعاد الشعبتان فما مثل القليب الواسع، وفيه أضراس وأنياب لهما صريف، فلما عاين ذلك موسى ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ فذهب حتى أمعن، فرأى أنه قد أعجز الحية، ثم ذكر ربه، فوقف استحياء منه، ثم نودي: يا موسى إليَّ ارجع حيث كنت، فرجع وهو شديد الخوف، فقال: خذها بيمينك ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ [طه: ٢١] وعلى موسى حينئذ مدرعة من صوف، قد خلها بخلال من عيدان، فلما أمره بأخذها، ثنى طرف المدرعة على يده، فقال له ملك: أورأيت يا موسى لو أذن لنا اللَّه لما تحاذر، أكانت المدرعة تغنى عنك شيئا؟ قال: لا، ولكني ضعيف، ومن ضَعْفٍ خُلِقْتُ. فكشف عن يده، ثم وضعها فِي فِيّ الحية، حتى سمع حس الأضراس والأنياب، ثم قبض، فإذا هي عصاه التي عهدها، وإذا يده في الموضع الذي كان يضعها إذا توكأ بين الشعبتين، فقال له اللَّه : ادن. فلم يزل يدنيه، حتى أسند ظهره بجذع الشجرة، فاستقر، وذهب عنه الرعدة، وجمع يديه في العصا، وخضع برأسه وعنقه، ثم قال له: إني قد أقمتك اليوم مقامًا لا ينبغي لبشر بعدك أن يقوم مقامك؛ أدنيتك وقربتك حتى سمعت كلامي، وكنت بأقرب الأمكنة مني، فانطلق برسالتي، فإنك بعيني وسمعي، وإن معك يدي ونصري، وإني قد ألبستك جُنَّة من سلطاني، تستكمل بها القوة في أمري، فأنت جند عظيم من جنودي، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي، بطر نعمتي، وأمن مكري، وغرته الدنيا عني، حتى جحد حقي، وأنكر ربوبيتي، وعبد دوني، وزعم أنه لا يعرفني، وإني أقسم بعزتي، لولا العذر والحجة
стр. 435
اللذان وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار، يغضب لغضبه السماوات والأرض والجبال والبحار؛ فإن أمرت السماء حصبته، وإن أمرت الأرض ابتلعته، وإن أمرت الجبال دمرته، وإن أمرت البحار غرقته، ولكنه هان عليَّ، وسقط من عيني، ووسعه حلمي، واستغنيت بما عندي، وحق لي، إني أنا الغني؛ لا غني غيري، فبلِّغْه رسالاتي، وادْعُه إلى عبادتي وتوحيدي، وإخلاص اسمي، وذكره بأيامي، وحذِّرْه نقمتي وبأسي، وأخبره أنه لا يقوم شيء لغضبي، وقل له فيما بين ذلك ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] وأخبره أنِّي إلى العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغضب والعقوبة، ولا يرُوعَنَّك ما ألبسته من لباس الدنيا؛ فإن ناصيته بيدي، ليس يطرف، ولا ينطق، ولا يتنفس إلا بإذني، قل له: أجب ربك؛ فإنه واسع المغفرة، وإنه قد أمهلك أربعمائة سنة، وفي كلها أنت مبارز لمحاربته، تشبه وتمثل به، وتصد عباده عن سبيله، وهو يمطر عليك السماء، وينبت لك الأرض، لم تسقم، ولم تهرم، ولم تفتقر، ولم تُغْلَب، ولو شاء أن يعجل ذلك لك، أو يَسْلُبَكَه فعل، ولكنه ذو أناة وحلم عظيم، وجاهده بنفسك وأخيك، وأنتما محتسبان لجهاده، فإني لو شئت أن آتيه بجنود لا قبل له بها لفعلت، ولكن ليعلم هذا العبد الضعيف، الذي قد أعجبته نفسه وجموعه أن الفئة القليلة -ولا قليل مني- تغلب الفئة الكثيرة بإذني، ولا يعجبكما زينته، ولا ما متع به، ولا تمدان إلى ذلك أعينكما؛ فإنها زهرة الحياة الدنيا، وزينة المترفين، وإني لو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة يعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلت، ولكني أرغب بكما عن ذلك، وأزويه عنكما، وكذلك
стр. 436
أفعل بأوليائي، وقديما ما خِرْتُ لهم في ذلك، فإني لأذودهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيق إبله عن مراتع الهلكة، وإني لأجنبهم سلوتها وعيشها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك الغرة، وما ذلك لهوانهم عليَّ؛ ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفورا، لم تَكْلِمْه الدنيا، ولم يطفه الهوى، واعلم أنه لم يتزين لي العباد بزينة هي أبلغ من الزهد في الدنيا؛ فإنها زينة المتقين عليهم منها لباس، يعرفون به من السكينة والخشوع ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] أولئك أوليائي حقًّا، فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك، وذلل لهم قلبك ولسانك، واعلم أنه من أهان لي وليا أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة وبادأني، وعرض بنفسه ودعاني إليها، فأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي، أيظن الذي يحاربني أن يقوم لي؟ ! أو يظن الذي يغازيني أن يعجزني؟ أو يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني؟ وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة؛ لا أَكِل نصرتهم إلى غيري؟ ! قال: فأقبل موسى ﵇ إلى فرعون في مدينة قد جعل حولها الأسد في غيضة قد غرسها، فالأسد فيها مع سياسها، إذا أشلتها (١) على أحدٍ أكلته، وللمدينة أربعة أبواب في الغيضة، فأقبل موسى ﵇ من الطريق الأعظم الذي يراه فرعون، فلما رأته الأُسد صاحت صياح الثعالب فأنكر ذلك الساسة، وفرقوا من فرعون، وأقبل موسى حتى انتهى إلى الباب الذي فيه فرعون، فقرعه بعصاه، وعليه جبة صوف وسراويل، فلما رآه البواب، عجب من جرأته، فتركه، ولم يأذن له، وقال: هل تدري باب
стр. 437
من أنت تضرب؟ إنما تضرب باب سيدك. قال: أنا وأنت وفرعون عبيد لربي ﵎، فأنا ناصره، فأعلمه البواب السابق، فأخبر البواب الذي يليه والبوابين، حتى بلغ ذلك أدناهم، ودونه سبعين حاجبًا، كل حاجب منهم تحت يديه من الجنود ما شاء اللَّه، كأعظم أمير اليوم إمارة، حتى خلص الخبر إلى فرعون، فقال: أدخلوه عليَّ. فأدخل، فلما أتاه قال له فرعون: أعرفك؟ قال: نعم. قال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨] فرد عليه موسى الذي ذكر اللَّه ، قال فرعون: خذوه، فبادأهم موسى، فألقى عصاه ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ فحملت على الناس، فانهزموا منها، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا؛ قتل بعضهم بعضا، وقام فرعون منهزما، حتى دخل البيت، فقال لموسى: اجعل بيننا وبينك أجلا ننظر فيه. فقال له موسى: لم أؤمر بذلك؛ وإنما أمرت بمناجزتك، وإن أنت لم تخرج إليَّ دخلت إليك، فأوحى اللَّه إلى موسى أن اجعل بينك وبينه أجلا، وقل له أن يجعله هو، ثم قال فرعون: اجعله لي أربعين يوما ففعل، وكان فرعون لا يأتي الخلاء إلا في أربعين يوما مرة، فاختلف ذلك اليوم أربعين مرة، قال: وخرج موسى ﵇ من المدينة، فلما مر بالأسد مصعت بأذنابها، وسارت مع موسى تشيعه، ولا تهيجه، ولا أحدا من بني إسرائيل.
"الزهد" ص ٧٩ - ٨٤
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، عن الأعمش، عن مجاهد قال: حج البيت سبعون نبيا؛ منهم موسى بن عمران ﵇ عليه عباءتان قطوانيتان، فكان يلبي والجبال تجاوبه.
"الزهد" ص ١١٠
стр. 438
٣٢٧ - ما جاء في زهد حزقيل ﵇ وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا إسماعيل بن عبد السلام حدثني عبد الصمد بن معقل، حدثني وهب بن منبه أن حزقيل، كان فيمن سبى بختنصر مع دانيال ببيت المقدس، فزعم حزقيل أنه كان نائمًا على شاطئ الفرات، فأتاه ملك، وهو نائم، فأخذ برأسه، فاحتمله حتى وضعه في خزانة بيت المقدس، قال: فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا السماوات منفرجات دون العرش، قال: فبدا لي العرش ومن حوله، فنظرت إليهم من تلك الفرجة، فإذا العرش إذ نظرت إليه مظلا على السماوات والأرض، وإذا نظرت إلى السماوات والأرض رأيتهن معلقات ببطن العرش، وإذا الحملة أربعة من الملائكة، لكل ملك منهم أربعة وجوه: وجه إنسان، ووجه نسر، ووجه أسد، ووجه ثور، فلما أعجبني ذلك منهم، نظرت إلى أقدامهم، فإذا هم في تخوم الأرض، على عجل تدور لها أعين، قال: وإذا ملك قائم بين يدي العرش له ستة أجنحة، لها لون كلون فرع، فلم يزل ذلك مقامه منذ خلق اللَّه الخلق إلى أن تقوم الساعة، فإذا هو جبريل، قال: وإذا ملك أسفل من ذلك، أعظم شيء رأيته من الخلق، قال: فإذا هو ميكائيل، وهو خليفة على ملائكة السماء، وإذا ملائكة يطوفون بالعرش، منذ خلق اللَّه الخلق إلى أن تقوم الساعة؛ يقولون: قدوس، قدوس، ربنا اللَّه الذي ملأت عظمته السماوات والأرض، وإذا ملائكة أسفل من ذلك، لكل ملك منهم ستة أجنحة؛ جناحان يستر بهما وجهه من النور، وجناحان يغطي بهما جسده، وجناحان يطير بهما، وإذا هم الملائكة المقربون، قال: وإذا ملائكة
стр. 439
أسفل من ذلك؛ منهم الساجد، ومنهم القائم، لم يزالوا كذلك منذ خلق اللَّه الخلق إلى أن تقوم الساعة، قال: وإذا ملائكة أسفل من ذلك؛ سجود منذ خلق اللَّه الخلق، إلى أن ينفخ في الصور، رفعوا رءوسهم، فإذا نظروا إلى العرش قالوا: سبحانك، ما كنا نقدرك حق قدرك. ثم رأيت العرش تدلى من تلك الفرجة، فكان قدرها، ثم أفضى بي إلى ما بين السماء والأرض، وكان ملء ما بينهما، ثم دخل من باب الرحمة فكان قدره، ثم أفضى بي إلى المسجد، فكان قدره، ثم وقع على الصخرة، فكان قدرها، قال: يا ابن آدم، قال: فصعقت، وسمعت صوتا لم أسمع مثله قط، قال: فذهبت أقدر ذلك الصوت، فإذا قدره كعسكر اجتمعوا، فاجلبوا بصوت واحد وكيفية اجتمعت، فتدافعت ولقي بعضها بعضا، أو هو أعظم من ذلك، قال حزقيل: فلما صعقت قال: أنعشوه؛ فإنه ضعيف، خُلِقَ من ضَعْف، ثم قال: أذهب إلى قومك فأنت طليعتي عليهم؛ كطليعة الجيش، من دعوته منهم فأجابك واهتدى بهداك، فلك مثل أجره، ومن غفلت عنه حتى يموت ضلالا، فعليك مثل وزره، لا يخفف ذلك من أوزارهم شيئا، قال: ثم عرج بالعرش واحتملت، حتى رددت إلى شاطئ الفرات، فبينا أنا نائم على شاطئ الفرات، إذ أتاني ملك فأخذ برأسي، فاحتملني، حتى أدخلني جنب بيت المقدس، فإذا أنا بحوض ماء، لا يجوز قدمي، قال: ثم أفضيت منه إلى الجنة، فإذا شجرها على شطوط أنهارها، وإذا هو شجر لا يتناثر ورقه، ولا يفنى ثمره، وإذا فيه الطلع، والغض، والينيع، والقطيف، قال: قلت: فما لباسها؟ قال: هو ثياب كنبات الجوز؛ ينفلق عن أي لون شاء صاحبه. قلت: ما أزواجها؟ قال: فعرضن عليَّ، فذهبت لأقيس حسن وجوههن، فإذا هن
стр. 440
لو جمع الشمس والقمر، كان وجه إحداهن أضوأ منهما، وإذا لحم إحداهن لا يواري عظمها، وإذا عظمها لا يواري مخها، وإذا هي إذا نام عنها صاحبها استيقظ وهي بكر، قال: فعجبتُ من ذلك، قال حزقيل: فقيل لي: أتعجب من هذا؟ قال: قلت: وما لي لا أعجب؟ ! قال: فإنه من أكل من هذِه الثمار التي رأيت خُلد، ومن تزوج من هذِه الأزواج انقطع عنه الهم والحزن، قال: ثم أخذ برأسي، فردني إلى حيث كنت، قال حزقيل: فبينا أنا نائم على شاطئ الفرات، إذ أتاني ملك، فأخذ برأسي، فاحتملني، حتى وضعني في بقاع من الأرض، قد كانت معركة، وإذا فيه عشرة آلاف قتيل، قد بدَّدت الطير والسباع لحومهم، وفرقت بين أوصالهم، ثم قال لي: إن قوما يزعمون أنه من مات منهم، أو قتل فقد انفلت مني، وذهبت عنه قدرتي، فادعهم، قال حزقيل: فدعوتهم، فإذا كل عظم قد أقبل إلى مفصله الذي منه انقطع؛ ما الرجل بصاحبه بأعرف من العظم بمفصله الذي فارقه، حتى أمّ بعضها بعضا، ثم نبت عليها اللحم، ثم نبتت العروق، ثم انبسطت الجلود، وأنا انظر إلى ذلك، ثم قال: ادع لي أرواحهم، قال حزقيل: فدعوتها، قال: فإذا كل روح قد أقبل إلى جسده الذي فارق، قال: فلما جلسوا، قال: سلهم فيم كنتم؟ قالوا: إنا لما متنا وفارقتنا الحياة لفينا ملكًا يقال له: ميكائيل، فقال: هلموا أعمالكم، وخذوا أجوركم، كذلك سنتنا فيكم، وفيمن كان قبلكم، وفيمن هو كائن بعدكم. قال: فنظر في أعمالنا، فوجدونا نعبد الأوثان، فسلط الدود على أجسادنا وجعلت الأرواح تألمه، وسلط الغم على أرواحنا، وجعلت أجسادنا تألمه، فلم نزل كذلك نعذب حتى دعوتنا. ثم احتملني فردني حيث كنت.
"الزهد" ص ١٠٤ - ١٠٦
стр. 441
٣٢٨ - ما جاء في زهد داود ﵇ وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جابر، عن إسماعيل بن عبد اللَّه بن أبي المهاجر أن داود النبي ﷺ كان يعاتب في كثرة البكاء، فيقول: ذروني أبكي قبل يوم البكاء؛ قبل تحريق العظام، واشتعال اللحى، قبل أن يؤمر بي ملائكة غلاظ شداد، لا يعصون اللَّه ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.
"الزهد" ص ٨٨
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، أخبرنا عبد الرحمن، حدثنا الربيع بن صبيح، عن الحسن قال: قال نبي اللَّه داود ﵇: إلهي، لو أن لكل شعرة مني لسانين، يسبحان الليل والنهار، والدهر كله، ما قضيت حق نعمة.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا جابر بن زيد، عن المغيرة بن عيينة قال: قال داود ﵇: يا رب، هل بات أحد من خلقك الليلة أطول ذكرا لك مني؟ فأوحى اللَّه إليه: نعم، الضفدع، وأنزل اللَّه عليه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] قال: يا رب، كيف أطيق شكرك وأنت الذي تنعم علي، ثم ترزقني على النعمة، ثم تزيدني نعمة نعمة؛ فالنعم منك يا رب، والشكر منك، فكيف أطيق شكرك يا رب؟ قال: الآن عرفتني يا داود حق معرفتي.
"الزهد" ص ٨٨ - ٨٩
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا سيار، أخبرنا جعفر، حدثنا مالك قال: قال داود ﵇: اللهم اجعل حبك أحب إليّ من نفسي وسمعي وبصري وأهلي، ومن الماء البارد.
"الزهد" ص ٨٩
стр. 442
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن خالد، أخبرني عمر بن عبد الرحمن قال: سمعت وهب بن منبه يقول: إن داود ﵇ لما أصاب الذنب لم يطعم طعاما قط إلا ممن وجد بدموع عينيه، ولم يشرب شرابا إلا ممزوجا بدموع عينيه.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن خالد، أخبرني عمر بن عبد الرحمن قال: سمعت وهب بن منبه يقول: قال داود ﵇: رب، لا صبر لي على حر شمسك، فكيف صبري على حر نارك؟ ! رب، لا صبر لي على صوت رحمتك -يعني: الرعد- فكيف صبري على صوت عذابك؟ !
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن خالد، أخبرني عمر بن عبد الرحمن بن درية قال: بلغني أنه كان من دعاء داود ﵇: اللهم لا تفقرني فأنسى، ولا تغنني فأطغى.
"الزهد" ص ٩٠
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا صالح، عن أبي عمران الجوني، عن أبي الجلد، عن مسلمة أن داود النبي ﵇ قال: إلهي، كيف لي أن أشكرك، وأنا لا أصل إلى شكرك إلا بنعمتك؟ فأوحى اللَّه إليه: يا داود، ألست تعلم أن الذي بك من النعم مني؟ قال: بلى، أي رب، قال: فإني أرضى بذلك منك شكرا.
"الزهد" ص ٩١ - ٩٢
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، أخبرنا يزيد بن هارون، أنبأنا الجريري، عن أبي السليل قال: كان داود النبي ﵇ يدخل المسجد، فينظر أغمض حلقة من بني إسرائيل فيجلس إليهم، ثم يقول: مسكين بين ظهراني مساكين.
"الزهد" ص ٩٢
стр. 443
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان داود ﵇ يصنع القفة من الخوص، وهو على المنبر، ثم يبعث بها إلى السوق فيبيعها، ثم يأكل ثمنها.
"الزهد" ص ٩٣
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا أبو أحمد، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبزى قال: كان داود نبي اللَّه ﵇ أصبر الناس، وأحلمهم، وأكظمهم للغيظ.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، أخبرنا أبو المغيرة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز قال: قال داود النبي ﵇: رب، كيف أسعى لك في الأرض بالنصيحة؟ قال: تكثر ذكري، وتحب من أحبني من أبيف وأسود، وتحكم للناس، كما تحكم لنفسك، وتجتنب فراش الغيبة.
"الزهد" ص ١٠٦
قال عبد اللَّه، أخبرني أبي، أخبرنا عبد الصمد، حدثنا ثابت -يعني: أبا يزيد- أخبرنا عاصم قال: قال أبو زيد: أراه فضيل بن زيد، عن قيس بن عباد: إن داود كان يدعو؛ يقول: يا ماراه -أي: يا رباه- أسألك جليس إذا ذكرتك أعانني، وإذا نسيتك ذكرني، يا ماراه، أعوذ بك من جليس إذا ذكرتك لم يعني، وإذا نسيتك لم يذكرني، يا ماراه، إذا مررت بقوم يذكرونك، فأردت أن أجاوزهم، فاكسر رجلي التي تليهم؛ حتى أجلس، فأذكرك معهم.
قال عبد اللَّه، حدثني أبي، أخبرنا هاشم بن القاسم، حدثنا أبو سعيد المؤدب، عن رجل قد سماه، قال: نسيت اسمه: إن داود النبي ﵇ قال: اللهم لا تجعلني مصححًا فتانًا؛ فأبطر معيشتي، وأكفر نعمتك.
"الزهد" ص ١١١
стр. 444
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، أخبرنا عفان، حدثنا المبارك بن فضالة قال: سمعت الحسن يقول: كان داود النبي ﵇ يقول: اللهم لا مرضًا يضنيني، ولا صحة تنسيني، ولكن بين ذلك.
"الزهد" ص ١١٢
٣٢٩ - ما جاء في زهد سليمان ﵇ وأخباره
وقال عبد اللَّه: حدثني أبي قال: حدثنا إبراهيم بن خالد قال: حدثني عمر بن عبد الرحمن، عن وهب قال: لما حضرت داود الوفاة استخلف سليمان، قال: وملك سليمان أربعين سنة.
"العلل" رواية عبد اللَّه (٢١٠٩)
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح قال: قال سليمان بن داود ﵇: أوتينا ما أوتي الناس وما لم يؤتوا، وعلمنا ما علم الناس وما لم يعلموا، فلم نجد شيئا أفضل من ثلاث كلمات: الحلم في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وخشية اللَّه في السر والعلانية.
"الزهد" ص ٣٦
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا ابن نمير، حدثنا الأعمش، عن خيثمة قال: أتى ملك الموت سليمان ﵇ وكان له صديقًا، فقال له سليمان: ما لك تأتي أهل البيت فتقبضهم جميعًا، وتدع أهل البيت إلى جنبهم لا تقبض منهم أحدا؟ قال: ما أنا بأعلم بما أقبض منك؟ إنما أكون تحت العرش، فيلقى إليَّ صكاك فيها أسماء.
"الزهد" ص ٥٣
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا هارون بن معروف، أخبرنا ضمرة،
стр. 445
عن ابن عطاء، عن أبيه قال: كان سليمان ﵇ يعمل الخوص بيده، ويأكل خبز الشعير بالنوى، ويطعم بني إسرائيل الجولذي.
"الزهد" ص ١١٥
٣٣٠ - ما جاء في زهد لقمان ﵇ وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا حكام الرازي، عن سعيد الزبيدي، عن مجاهد قال: كان لقمان الحكيم ﵇ عبدا حبشيا، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، قاض على بني إسرائيل.
"الزهد" ص ٦٤
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا وكيع، ويزيد بن هارون، أنبأنا أبو الأشهب، عن خالد الربعي قال: كان لقمان عبدا حبشيا نجارا، فقال له سيده: اذبح لي شاة، فذبح له شاة، فقال له: ائتني بأطيب مضغتين فيها، فأتاه باللسان والقلب، فقال: أما كان فيها شيء أطيب من هذين؟ قال: لا. فسكت عنه، ثم قال له: اذبح شاة؛ فذبح له شاة، فقال له: ألق أخبثهما مضغتين. فرمى باللسان والقلب، فقال: أمرتك أن تأتيني بأطيبهما مضغتين، فأتيتني باللسان والقلب؟ ! وأمرتك أن تلقي أخبثهما مضغتين، فألقيت اللسان والقلب؟ ! فقال: إنه ليس شيء بأطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا.
"الزهد" ص ٦٥
стр. 446
٣٣١ - جاء في زهد عيسى ﵇ وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: قيل لعيسى ابن مريم ﵇: يا رسول اللَّه، لو أتخذت حمارًا تركبه لحاجتك؟ قال: أنا أكرم على اللَّه من أن يجعل لي شيئا يشغلني به.
"الزهد" ص ٧٣
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، أخبرنا عوف بن جابر قال: سمعت أبا الهذيل يقول: سمعت راهبًا يقول: إن إبليس قال لعيسى ﵇ حين وضعه على بيت المقدس، فقال: زعمت أنك تحيي الموتى، فإن كنت كذلك فادع اللَّه أن يرد هذا الجبل خبزًا. فقال له عيسى ﵇: أَوَكُلُّ الناس يعيشون من الخبز؟ ! فقال له إبليس: فإن كنت كما تقول فثب من هذا المكان فإن الملائكة ستلقاك، قال: إن ربي أمرني أن لا أجرب بنفسي، فلا أدري هل يسلمني أم لا؟
"الزهد" ص ٧٤
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا سفيان قال: كان عيسى ﵇ إذا ذكر الساعة صاح كما تصيح المرأة.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا هاشم، حدثنا أبو جعفر، عن مغيرة، عن الشعبي قال: كان عيسى ﵇ إذا ذكرت عنده الساعة صاح، وقال: لا ينبغي لابن مريم أن تذكر عنده الساعة فيسكت.
قال عبد اللَّه، أخبرنا أبي، حدثنا سفيان، عن ابن جدعان، وأسنده قال: مر عيسى ملبيًا: لبيك عبدك، وابن أمتك، وابنة عبدك، ومن قبل ذلك سبعون نبيًا خاطمي إبلهم بالليف حتى صلوا في مسجد الخيف.
"الزهد" ص ٧٥
стр. 447
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا هيثم بن خارجة، أنبأنا الجراح بن مليح من أهل حمص، عن الأحموسي -يعني: عمر بن عمرو- قال الهيثم- فقيل: من اليمن عن ابن عمر، وقال: بلغنا أن عيسى ابن مريم ﵇ كان يقول: بحق أقول لكم: إن أكل خبز البر، وشرب الماء العذب، ونوما على المزابل مع الكلاب كثير لمن يريد أن يرث الفردوس.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا أبو هلال، حدثنا قتادة: قال عيسى ابن مريم: سلوني؛ فإن قلبي لين، وإني صغير في نفسي.
"الزهد" ص ٧٦
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبو هلال، حدثنا قتادة قال: قال عيسى ابن مريم: سلوني، فإني لين القلب، صغير عند نفسي.
"الزهد" ص ٧٧
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، أخبرنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: انطلق عيسى ﵇ يزور أخًا له، فاستقبله إنسان، فقال: إن أخاك قد مات فرجع، فسمع بنات أخيه برجوعه عنهن، فأتينه، فقلن: يا رسول اللَّه، رجوعك عنا أشد علينا من موت أبينا، قال: فانطلقن، فأريني قبره. فانطلقن حتى أرينه قبره، قال: وصوت به، فخرج وهو أشيب، فقال: ألست فلانًا؟ قال: بلى، قال: فماذا الذي أرى بك؟ قال: سمعت صوتك فحسبته الصيحة. قال: وامرأته ترى ما صنع وتسمع، قالت: طوبى لبطن لبثت فيه، وثديين رضعتهما. قال عيسى: طوبى لمن علمه اللَّه كتابه، ثم لم يمت جبارًا.
"الزهد" ص ١١٦ - ١١٧
стр. 448
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، أخبرنا هيثم بن خارجة، أخبرنا ابن علاق، عن سعيد بن عبد العزيز، عن أشياخه أن عيسى ﵇ مر بعقبة أفيق، ومعه رجل من حوارييه، فاعترضهم رجل، فمنعهم الطريق، وقال: لا أترككما تجوزان حتى ألطم كل واحد مثكما لطمة فأداراه، فأبى إلا ذلك، فقال عيسى: أما خدي فالطمه. قال: فلطمه، فخلى سبيله، وقال للحواري: لا أدعك تجوز حتى ألطمك. فتمنع، فلما رأى عيسى ذلك أعطاه خده الآخر، فلطمه، فخلى سبيلهما، فقال عيسى ﵇: اللهم إن كان هذا لك رضى فبلغني رضاك، وإن كان سخطا فإنك أولى بالغيرة.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، أخبرنا أبو المغيرة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز قال: قال المسيح ابن مريم ﵇: ليس كما أريد، ولكن كما تريد، وليس كما أشاء، ولكن كما تشاء.
"الزهد" ص ١١٨ - ١١٩
قال عبد اللَّه: حدثنا أي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز قال: بلغني أنه ما من كلمة كانت تقال لعيسى ابن مريم ﵇ أحب إليه من أن يقال: كان هذا المسكين.
"الزهد" ص ١١٩
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عتاب بن زياد، أنبأنا عبد اللَّه -وهو ابن المبارك- أنبأنا معمر، عن جعفر بن برقان قال: كان عيسى ابن مريم ﵇ يقول: اللهم إني أصبحت لا أملك ما أرجو، ولا أستطيع دفع ما أحاذر، وأصبح الأمر بيد غيري، وأصبحت مرتهنًا بعملي، ولا فقير أفقر مني.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن
стр. 449
جعفر الخوري أن عيسى ابن مريم ﷺ كان يقول: اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره، ولا أملك نفع ما أرجو، وأصبح الأمر بيد غيري، وأصبحت مرتهنا بعملي، فلا فقير أفقر مني، لا تشمت بي عدوي، ولا تسؤ بي صديقي، ولا تجعل مصيبتي في ديني، ولا تسلط عليّ من لا يرحمني.
"الزهد" ص ١٢٠
٣٣٢ - ما جاء في زهد يحيى ﵇ وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا روح، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسين قال: إن يحيى وعيسى ﵉ التقيا، فقال له عيسى: استغفر لي؛ أنت خير مني. فقال له يحيى: استغفر لي، أنت خير مني. قال له عيسى: أنت خير مني، سلمت على نفسي، وسلم اللَّه عليك فعرف اللَّه فضلهما.
"الزهد" ص ٩٦ - ٩٧
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا سفيان، عن أبي سنان، عن أبي الهذيل قال: أتي عيسى ﵇ برجل قد زنا، فأمرهم برجمه، وقال لهم: لا يرجمه رجل عمل عمله، فألقوا الحجارة من أيديهم، إلا يحيى بن زكريا ﵉.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، أخبرنا عبد الرزاق، حدثنا عبد الصمد بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه يقول: نادى مناد من السماء أن يحيى بن زكريا سيد من ولدت النساء، وأن جورجيس سيد الشهداء.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن يحيى بن
стр. 450
جعدة عن النبي ﷺ قال: "لم يهم يحيى بن زكريا بخطيئة، ولا حاك في صدره امرأة" (١).
"الزهد" ص ٩٧
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، أخبرنا هيثم بن حارثة، أخبرنا إسماعيل بن عياش، عن سليمان بن سليم، عن يحيى بن جابر، عن يزيد بن ميسرة قال: كان طعام يحيى بن زكريا ﵉ الجراد وقلوب الشجر، وكان يقول: من أنعم منك يا يحيى، طعامك الجراد، وقلوب الشجر!
"الزهد" ص ١٠٣
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، أخبرنا إبراهيم بن خالد، أخبرنا رباح، أخبرنا أبو عبد الرحمن الخراساني قال -يعني: عبد اللَّه بن المبارك- عن مالك بن أنس، عن حميد الأعرج، عن مجاهد قال: كان طعام يحيى بن زكريا ﵇ العشب، وإن كان ليبكي من خشية اللَّه ما لو كان القار على عينيه لخرقه، ولقد كانت الدموع اتخذت مجرى في وجهه.
"الزهد" ص ١١٤
стр. 451
٣٣٣ - ما جاء في زهد أبي بكر الصديق ﵁ وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا وكيع، وأبو معاوية -المعنى واحد- قالا: حدثنا الأعمش، عن سليمان بن ميسرة، عن طارق بن شهاب، عن رافع بن أبي رافع الطائي قال: رافقت أبا بكر في غزوة ذات السلاسل، وعليه كساء له فدكي يخله عليه إذا ركب، ونلبسه أنا وهو إذا نزلنا.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا سيار، حدثنا جعفر قال: سمعت أبا عمران الجوني، قال أبو بكر الصديق ﵁: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن.
"الزهد" ص ١٣٥
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا يزيد، أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد اللَّه اليمني مولى الزبير بن العوام قال: لما احتضر أبو بكر ﵁ تمثلت عائشة ﵂ بهذا البيت:
أعاذل ما يغني الحذار عن الفتى ... إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر
فقال أبو بكر ﵁: ليس كذلك يا بنية ولكن قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] فقال: انظروا ثوبيَّ هذين فاغسلوهما، ثم كفنوني فيهما، فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت.
"الزهد" ص ١٣٦
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا عبد اللَّه بن عمر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: إن أبا بكر ﵁ حين حضرته الوفاة قال لعائشة: إني لا أعلم في آل أبي بكر من هذا المال شيئًا إلا هذِه اللقحة وهذا الغلام الصقيل كان يعمل سيوف
стр. 452
المسلمين ويخدمنا، فإذا مت فادفعيه إلى عمر ﵁. فلما بعثت به إلى عمر قال: يرحم اللَّه أبا بكر لقد أتعب من بعده.
"الزهد" ص ١٣٧
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، أخبرنا روح، أخبرنا هشام، عن الحسن قال: قال أبو بكر: واللَّه لوددت أني كنت هذِه الشجرة تؤكل وتعضد.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا روح، حدثنا ابن عون، عن عمير بن إسحاق قال: رئي أبو بكر وعلى منكبه عباءة، فقال رجل: وأومأ ابن عون بيده كأنه يقول: هاتها. فقال: إليك عني، لا تغرني أنت ولا ابن الخطاب من عيالي.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا روح، حدثنا هشام بن أبي عبد اللَّه، عن قتادة قال: بلغني أن أبا بكر قال: وددت أني خضرة تأكلني الدواب.
"الزهد" ص ١٣٩
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا شعبة، عن أبي بكر بن حفص قال: ذكر لي أن أبا بكر كان يصوم الصيف ويفطر الشتاء.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا وكيع، عن مالك بن مغول، عن أبي السفر قال: مرض أبو بكر فعادوه، فقالوا: ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال: قد رآني الطبيب. قالوا: فأي شيء قال لك؟ قال: قال: إني فعال لما أريد.
"الزهد" ص ١٤٠
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا حماد بن أسامة، حدثنا هشام، عن أبيه أن أبا بكر حين استخلف ألقى كل درهم له ودينار في بيت مال المسلمين، وقال: كنت أتجر فيه وألتمس به، فلما وليت شغلوني عن التجارة والطلب فيه.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عتبة، حدثني
стр. 453
أبو ضمرة -يعني: ابن حبيب بن صهيب- قال: حضرت الوفاة ابنًا لأبي بكر فجعل يلحظ إلى وسادة، فلما توفي قالوا لأبي بكر: رأينا ابنك يلحظ إلى وسادة فرفعوا عن الوسادة فوجدوا تحتها خمسة دنانير أو ستة، قال: فضرب أبو بكر بيده على الأخرى يرجع بقوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ يا فلان، ما أحسب جلدك يتسع لها.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا حماد، أنبأنا ثابت أن أبا بكر، كان يتمثل بهذا البيت:
لا تزال تنعى ميتًا حتى تكونه ... وقد يرجو الفتى الرجا يموت دونه
"الزهد" ص ١٤٠ - ١٤١
٣٣٤ - ما جاء في زهد عمر بن الخطاب ﵁ وأخباره
قال أبو داود: نا أحمد بن حنبل، قال: نا هشيم، قال: أنا يحيى بن سعيد، عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، قال: حججت مع عمر، فما رأيته ضرب فسطاطًا حتى رجع، قلت: كيف يصنع؟ قال كان يستظل بالنطع والكساء.
"الزهد" لأبي داود (٧٠)
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا حرمي بن عمارة، حدثني الحسن بن أبي جعفر، حدثنا عمارة بن أبي حفص، عن أبي مجلز؛ أن معاوية بن أبي سفيان قال: إن الدنيا لم ترد أبا بكر ولم يُرِدْها، وأرادت ابن الخطاب ولم يُرِدْها.
"الزهد" ص ١٤٠
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد اللَّه بن عياش، حدثنا محمد بن مطرف، حدثنا زيد بن أسلم، عن أبيه قال: كان لعمر فرس واحد، قال:
стр. 454
يا أسلم، كم تعلف الفرس كل يوم؟ قال: فرقا من شعير، فقال: لو صرفناه إلى بيت من المسلمين فبعثنا به إلى النقيع. فبعث به إلى النقيع وصرف علفه إلى بيت من المسلمين.
"الزهد" ص ١٤٤
قال عبد اللَّه، حدثني أبي، حدثنا حماد بن أسامة، أنبأنا هشام، عن أبيه، عن عاصم بن عمر بن الخطاب قال: أرسل إلى عمر يرفأ، فأتيته وهو في مصلاه عند الفجر أو عند الظهر فقال: ما كنت أرى أن هذا المال يحل لي قبل أن أليه إلا بحقه، وما كان أحرم على منذ وليته فعاد أمانتي، وقد أنفقت عليك شهرًا من مال اللَّه ، ولست بزائدك، ولكني معينك (بثمر) (١) مالي في العالية، (فاجدده) (١)، ثم ائت رجلًا من قومك من تجارهم فقم إلى جنبه، فإذا اشترى شيئًا فاستشركه وأنفق على أهلك.
"الزهد" ص ١٤٤ - ١٤٥
قال عبد اللَّه: قرأت على أبي هذا الحديث: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: قيل لعمر بن الخطاب ﵁: إن في الظَّهر ناقة عمياء. فقال عمر: ندفعها إلى أهل بيت ينتفعون بها. قال: قلت: وهي عمياء؟ قال: يقطرونها بالإبل. قلت: فكيف تأكل من الأرض؟ قال: أمن نعم الجزية أم من نعم الصدقة؟ قلت: لا بل من نعم الجزية. قال عمر: أردتم -واللَّه- أكلها. قلت: إن عليها وسم الجزية. قال: فأمر بها عمر فأتي بها فنحرت، وكان عنده صحاف تسع، فلا تكون فاكهة ولا طريفة إلا جعل منها في تلك الصحاف، فبعث بها إلى أزواج رسول اللَّه ﷺ ، ويكون الذي يبعث به إلى حفصة من آخر ذلك، فإن كان
стр. 455
فيه نقصان كان في حظ حفصة ﵂ وعنهم أجمعين، قال: فجعل في تلك الصحاف من لحم تلك الجزور فبعث بها إلى أزواج رسول اللَّه ﷺ وأمر بما بقي من اللحم فصُنع ودعا عليه المهاجرين والأنصار.
"الزهد" ص ١٤٥
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبو الأشهب، عن الحسن، أن عمر كان يقول: اللهم، اجعل عملي صالحا، واجعله لك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبو خلدة، حدثنا أبو العالية قال: أكثر ما كنت أسمع من عمر بن الخطاب: اللهم عافنا واعف عنا.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد اللَّه بن الوليد، حدثنا سفيان، قال: حدثني عاصم بن عبد اللَّه، عن أبان بن عثمان، عن عثمان بن عفان ﵀ قال: إني لشاهد عمر بن الخطاب ﵀ حين مات وهو يقول: ويلي وويل أمي إن لم يغفر لي. ثلاثًا، ثم قضى وما بينهما كلام. قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا حماد بن أسامة، حدثنا هشام عن أبيه قال: حدثني صاحب أيلة أو أذرعات قال: لما قدم عمر الشام بعث إلى بقميصه؛ لأرقعه له وأغسله، وكان قد تجوب عن مقعده قميص شقائق، فغسلته، ثم رقعته، وخطت له قميصًا قبطريًا فبعثت بهما إليه، فلما أتي بهما عمر ﵁ مس القبطري فقال: هذا ألين، ثم رمى به وأخذ قميصه قال: هذا أنشفهما للعرق.
"الزهد" ص ١٤٧
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا موسى، حدثنا حزم قال: سمعت الحسن بن أبي الحسن يقول: تزوج عثمان بن أبي العاص امرأة من نساء
стр. 456
عمر بن الخطاب، فقال: واللَّه، ما نكحتها رغبة في مال ولا ولد، ولكني أحببت أن تخبرني عن ليل عمر، فسألتها، فقال: كيف كان صلاة عمر بالليل؟ قالت: كان يصلي صلاة العشاء، ثم يأمرنا أن نضع عند رأسه تورًا فيه ماء فيتعار من الليل، فيضع يده في الماء فيمسح وجهه ويديه، ثم يذكر اللَّه حتَّى يغفي، ثم يتعار حتَّى تأتي الساعة التي يقوم فيها.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا أبو قطن، حدثنا شعبة، عن أبي مسلمة، عن أبي نضرة قال: قال عمر ﵁ لأبي موسى الأشعري: شوقنا إلى ربنا، قال: فقرأ، فقالوا: الصلاة. فقال عمر ﵁: أولسنا في الصلاة؟ !
"الزهد" ص ١٤٨.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا حوشب، عن الحسن، أن عمر أتي بشربة عسل فذاقها، فإذا ماء وعسل، فقال: اعزلوا عني حسابها، اعزلوا عني مؤنتها.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا هشام، عن الحسن، أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يمر بالآية في ورده فتخنقه فيبقى في البيت أيامًا يعاد يحسبونه مريضًا.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا هشيم، أنبأنا مجالد، عن الشعبي، عن ابن عمر قال: أوصاني عمر بن الخطاب فقال: إذا وضعتني في لحدي فأفض بخدي إلى الأرض، حتَّى لا يكون بين خدي وبين الأرض شيء.
"الزهد" ص ١٤٩
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا مطلب بن زياد، عن عبد اللَّه بن عيسى قال: كان في وجه عمر بن الخطاب ﵁ خطان أسودان من البكاء.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا أبو معاوية، عن عاصم الأحول، عن
стр. 457
أبي عثمان النهدي قال: لما قدم عتبة أذربيجان أتي بالخبيص، فأمر بسفطين عظيمين فصنعا له من الخبيص، ثم حمل على بعير فسرح بهما إلى عمر ﵁، فلما قدم على عمر ذاقه، فوجده شيئًا حلوًا، فقال: كل المسلمين يشبع من هذا في رحله؟ قال: لا. قال: فلا حاجة لنا فيه، فأطبقهما وردهما عليه، ثم كتب إليه: أما بعد، فليس من كد أبيك ولا من كد أمك، فأشبع المسلمين مما تشبع منه في رحلك، قال: وإياكم وزي الأعاجم ونعيمها وعليكم بالمعدية.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا يزيد، حدثنا محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: أصاب الناس سنة غلا فيها السمن، وكان عمر يأكل الزيت، فيقرقر بطنه، فيقول: قرقر ما شئت، فواللَّه، لا تأكل السمن حتَّى يأكله الناس، ثم قال: أكسر عني حره بالنار. فكنت أطبخه له فيأكله.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن بشير بن عمرو قال: لما قدم عمر ﵀ الشام قال: أتي ببرذون فركبه قال: فهزه فنزل عنه، ثم قال: قبَّح اللَّه من علمك هذا.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا أبو سعيد، حدثنا زائدة، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة قال: أقبلت فإذا الناس بين أيديهم القصاع، فدعاني عمر، فأتيته، فدعا بخبز غليظ وزيت، قال: قلت له: أمنعتني أن آكل من الخبز واللحم ودعوتني على هذا؟ قال: أنا دعوتك على (طعام) (١) فأما هذا فطعام المسلمين.
"الزهد" ص ١٥٠
стр. 458
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن الجريري، عن أبي عثمان قال: أخبرني من رأى عمر ﵀ يرمي الجمرة وعليه إزار مرقوع برقعة من أديم.
"الزهد" ص ١٥١
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد اللَّه بن يزيد، حدثنا موسى بن علي قال: سمعت أبي يقول: حدثني معاوية بن خديج، قال: بعثني عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب ﵁ بفتح الإسكندرية، فقدمت المدينة في الظهيرة، فأنخت راحلتي بباب المسجد، ثم دخلت المسجد إذ خرجت جارية من منزل عمر فرأتني ساحبًا على ثياب السفر فانصرفت، فقالت: أجب أمير المؤمنين، فذكر الحديث، قال: يا جارية، هل من طعام؟ فأتت بخبز وزيت، قال: كُلْ. فأكلت على حياء قال: كُلْ فإن المسافر يحب الطعام. ثم قال: يا جارية، هل من تمر؟ فأتتني بتمر في طبق، قال: كُلْ. فأكلتُ على حياء، ثم قال: ماذا قلت يا معاوية حين أتيت المسجد؟ قال قلت: إن أمير المؤمنين قائل، قال: بئس ما قلت -أو بئس ما ظننت- لئن نمتُ النهار لأضيعن الرعية، ولئن نمتُ الليل لأضيعن نفسي، فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية!
"الزهد" ص ١٥٢
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: قال عمر ﵀: لا ينخل لي دقيق، رأيت رسول اللَّه ﷺ يأكل غير منخول (١).
"الزهد" ص ١٥٢ - ١٥٣
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا يونس،
стр. 459
عن الحسن قال: دخل عمر على ابنه عبد اللَّه بن عمر وإذا عندهم لحم فقال: ما هذا اللحم؟ فقال: اشتهيته، قال: أو كلما اشتهيت شيئًا أكلته؟ كفى بالمرء سرفًا أن يأكل كل ما أشتهاه.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا حفص بن غياث، عن حنش بن الحارث قال: كان عمر بن الخطاب ﵀ لا يكاد يعيب طعامًا، فقال غلامه يرفأ -أو أسلم-: لأجعلنه حتَّى يعيبه. فجعل لبنًا حامضًا ثم قربه إليه، قال: فأخذ منه فقطب ثم قال: ما أطيب هذا من رزق اللَّه !
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا حفص بن غياث قال: سمعت الأعمش، عن بعض أصحابه قال: مر جابر بن عبد اللَّه معلقا لحمًا على عمر ﵁ فقال: ما هذا يا جابر؟ قال: هذا لحم اشتريته اشتهيته، قال: أوكلما اشتهيت شيئًا اشتريته؟ أما تخشى أن تكون من أهل هذِه الآية ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠].
"الزهد" ص ١٥٣
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الصمد، حدثني أبو زكريا بن مازن الذهلي قال: حدثني أبو مازن، أنه رأى عمر بن الخطاب، وكان أخي قتل مع الجارود، فبعثنا القتلى إلى عمر فرأيت على عمر ﵁ إزارًا مرقوعًا، فعددتها فإذا فيها (اثنتا عشرة) (١) رقعة.
"الزهد" ص ١٥٣ - ١٥٤
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن الجريري، عن أبي عثمان النهدي، أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى على عتبة بن فرقد قميصًا طويل الكم، فدعا بشفرة ليقطعه من أطراف
стр. 460
أصابعه، فقال عتبة: يا أمير المؤمنين، إني أستحيي أن يقطع كمي، أنا أقطعه، فتركه.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا بهز، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا مالك بن دينار، حدثنا الحسن قال: خطب الناس عمر بن الخطاب ﵀ وهو خليفة وعليه إزار فيه ثنتا عشرة رقعة.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا هشيم، أنبأنا منصور، عن قتادة، أن عمر بن الخطاب ﵁ أبطأ على الناس يوم الجمعة ثم خرج فاعتذر إليهم في احتباسه وقال: إنما حبسني غسل ثوبي هذا، كان يغسل ولم يكن لي ثوب غيره.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عبد، عن مسعر، عن سماك الحنفي قال: سمعت ابن عباس يقول: قلت لعمر ﵀: مصر اللَّه بك الأمصار، وفتح بك الفتوح، وفعل بك وفعل، قال: وددت أني أنجو لا أجر ولا وزر.
"الزهد" ص ١٥٤
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا يزيد، أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد، عن مصعب بن سعد، قال: قالت حفصة بنت عمر: يا أمير المؤمنين، لو لبست ثوبًا هو ألين من ثوبك، وأكلت طعامًا هو أطيب من طعامك، فقد وسع اللَّه من الرزق، وأكثر من الخير، قال: إني سأخصمك إلى نفسك، أما تذكرين ما كان رسول اللَّه ﷺ يلقى من شدة العيش، فما زال يذكرها حتَّى أبكاها، فقال لها: إن قلت لك ذاك، إني واللَّه لئن استطعت لأشاركنهما بمثل عيشهما الشديد لعلي أدرك معهما عيشهما الرخي.
"الزهد" ص ١٥٤ - ١٥٥