٣٥٩ - ما جاء في زهد أبي هريرة ﵁ وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا روح، حدثنا هشام، عن محمد قال: كنا عند أبي هريرة، وعليه ثوبان ممشقان، فتمخط فيهما، وقال: بخ بخ، أبو هريرة يتمخط في الكتان، لقد رأيتني فيما بين منبر رسول اللَّه ﷺ وحجرة عائشة ﵂ أخر مغشيًا علي، فيجيء الجائي فيقعد على صدري، فأقول: إنه ليس بي ذاك؟ إنما هو الجوع.
"الزهد" ص ٤٠ - ٤١
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا محمد بن راشد، عن مكحول، عن رجل، عن أبي هريرة قال: ما جلست إلى أحدٍ أكثر استغفارًا من رسول اللَّه ﷺ ، قال الرجل: وما جلست إلى أحد أكثر استغفارًا من أبي هريرة ﵀ (١).
"الزهد" ص ٥٠
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن كلثوم -إمام مسجد بني قشير- عن الفضل الرقاشي، عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة قال: كأني انظر إلينا صادرين عن الحوض للحساب، فيبلغ الرجل الرجل، فيقول: أشربت يا فلان؟ فيقول: لا واعطشاه.
"الزهد" ص ١٩٢
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا يزيد، أنبأنا حماد بن سلمة، عن العباس بن روح الجريري، عن أبي عثمان النهدي أن أبا هريرة ﵀ كان يقوم ثلث الليل، وتقوم امرأته ثلث الليل، ويقوم ابنه ثلث الليل، إذا نام هذا قام هذا.
стр. 492
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثني عبد الرزاق قال سمعت الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: قيل لأبي هريرة ألا تركب فتلقى فلانًا، قال: إني أكره أن أركب مركبًا لا أكون فيه ضامنًا على اللَّه .
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا إسماعيل -يعني: العبدي- عن أبي المتوكل؛ أن أبا هريرة كانت له زنجية فدعتهم بعملها فرفع عليها السوط يومًا، فقال: لولا القصاص لأغشيتك به، ولكن سأبيعك ممن يوفيني ثمنك، اذهبي فأنت للَّه .
"الزهد" ص ٢٢١
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا إسماعيل، عن أبي المتوكل، عن أبي هريرة قال: أعطاني رسول اللَّه ﷺ شيئًا من تمر، فجعلته في مكتل لنا، فعلقناه في سقف البيت، فلم نزل نأكل حتَّى كان منه آخره أصابه أهل الشام حيث أغاروا بالمدينة (١).
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الملك، حدثنا إسماعيل، عن أبي المتوكل أن أبا هريرة وأصحابه كانوا إذا صاموا قعدوا في السحر؛ قالوا: نطهر سيئاتنا.
"الزهد" ص ٢٢٢
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا هارون بن معروف، عن ضمرة، عن ابن شوذب قال: لما حضرته الوفاة بكى، فقيل له: يا أبا هريرة ما يبكيك؟ قال: بعد المفازة، وقلة الزاد، وعقبة كئود، المهبط منها إلى الجنة أو النار.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا أبو سعيد، حدثنا إسحاق بن عثمان
стр. 493
الكلابي قال: سمعت أبا أيوب -وهو عبد اللَّه بن أبي سليمان مولى عثمان بن عفان- يقول: كان لأبي هريرة في مخدعه مسجد، وفي بيته مسجد، وفي حجرته مسجد، وفي داره مسجد، وعلى باب داره مسجد، إذا دخل صلى فيها جميعًا، وإذا خرج صلى فيها جميعًا.
"الزهد" ص ٢٢٣
٣٦٠ - ما جاء في زهد عائشة ﵂ وأخبارها
حدثنا عبد اللَّه، حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى قال: حدثني من سمع عائشة رحمها اللَّه ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧] تقول: رب منّ علي، وقني عذاب السموم.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، حدثنا من سمع عائشة تقرأ: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ فتبكي حتى تبل خمارها.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه قال: قالت عائشة رحمها اللَّه: وددت أني كنت نسيًا منسيًا.
"الزهد" ص ٢٠٥
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا وكيع، حدثنا أسامة بن زيد، عن إسحاق مولى زائدة، عن عائشة رحمها اللَّه قالت: وددت أني شجرة أعضد، وددت أني لم أخلق.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا حجاج، حدثنا شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، عن عائشة أنها مرت بشجرة فقالت: يا ليتني كنت ورقة من ورق هذِه الشجرة.
"الزهد" ص ٢٠٦
стр. 494
٣٦١ - ما جاء في زهد عبد اللَّه بن عامر ﵁ وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا يزيد، أنبأنا عمرو بن ميمون، عن أبيه قال: لما مرض عبد اللَّه بن عامر مرضه الذي توفي فيه أرسل إلى أناس من أصحاب رسول اللَّه ﷺ فيهم عبد اللَّه بن عمر، فقال لهم: قد نزل بي ما قد ترون، ولا أرى إلَّا أني لمأْتيّ، فما ظنكم بي؟ فقالوا: قد كنت تعطي السائل، وتصل الرحم، وحفرت الآبار بالفلوات لابن السبيل، وبنيت الحوض بعرفة يشرع فيه حاج بيت اللَّه فما نشك لك في النجاة. وعينه إلى عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عمر ساكت، فلما أبطأ عليه بالكلام، قال له: يا أبا عبد الرحمن مالك لا تتكلم؟ قال: إذا طابت المكسبة زكت النفقة، وسترد فتعلم
"الزهد" ص ٢٣٨ - ٢٣٩
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن تميم بن سلمة، عن ابن عمر: ذكروا له من أمر ابن عامر فقال: إن الخبيث لا يكفر الخبيث.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا وكيع، عن جعفر، عن ميمون، عن ابن عمر قال: إذا طاب المكسب زكت النفقة.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا وكيع، عن أسامة، عن نافع، عن ابن عمر قال: وإنفاقه خير من إمساكه.
"الزهد" ص ٢٤٠
٣٦٢ - ما جاء في زهد عبد اللَّه بن عتبة ﵁ وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا وكيع، حدثنا مسعر، عن معن بن عبد الرحمن، عن عون بن عبد اللَّه، عن عبيد بن عبد اللَّه بن عتبة قال:
стр. 495
كان عبد اللَّه ﵀ إذا هدأت العيون قام، فسمعتُ له دويًا كدوي النحل.
"الزهد" ص ١٩٥
٣٦٣ - ما جاء في زهد المسور بن مخرمة ﵁ وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عبد اللَّه بن جعفر، حدثتنا أم بكر، قالت: احتكر المسور طعامًا كثيرًا، فرأى سحابًا من الخريف فكرهه، فقال: ألا أراني قد كرهت ما ينفع المسلمين، من جاءني وليته كما أخذته. فبلغ ذلك عمر ﵀، فقال: أما للمسور أخذ. فأتى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين إني احتكرتُ طعامًا كثيرًا فرأيت سحابًا قد نشأ، فكرهته، فتأليت أني لا أربح فيه شيئًا. فقال عمر: جزاك اللَّه خيرًا.
"الزهد" ص ٢٥٤
٣٦٤ - ما جاء في زهد عبد اللَّه بن عباس ﵄ أخباره
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل، أخبرني صالح بن رستم، عن عبد اللَّه بن أبي مليكة قال: صحبت ابن عباس من المدينة إلى مكة، ومن مكة إلى المدينة، فكان يصلي ركعتين، وكان يقوم شطر الليل، يكثر واللَّه في ذلكم التسبيح.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الوهاب عن سعيد الجريري عن رجل قال رأيت ابن عباس آخذًا بثمرة لسانه وهو يقول: ويحك قل خيرًا تغنم، واسكت عن شر تسلم. قال: فقال له رجل: يا ابن عباس مالي أراك آخذًا بثمرة لسانك تقول كذا وكذا، قال: بلغني أن العبد يوم
стр. 496
القيامة ليس هو على شيء أحنق منه على لسانه.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا بكر بن عيسى الراسبي، حدثنا أبو عوانة، حدثنا أبو حمزة قال: رأيت ابن عباس قميصه متقلصًا فوق الكعب، والكم يبلغ أصول الأصابع يغطي ظهر الكف.
"الزهد" ص ٢٣٦
٣٦٥ - ما جاء في زهد عدي بن حاتم
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، حدثنا رجل من جعفي، عن عدي بن حاتم قال: ما جاء وقت الصلاة إلَّا وأنا إليها بالأشواق، وما في خل وقت صلاة قط إلَّا وأنا لها مستعد.
"الزهد" ص ٢٥٠
٣٦٦ - ما جاء في زهد عبد اللَّه بن يزيد الخطمي وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أنبأنا أبو جعفر الخطمي، عن محمد بن كعب القرظي قال: دعي عبد اللَّه بن يزيد الخطمي إلى طعام فلما جاء رأى البيت منجدًا فقعد خارجًا وبكى، قالوا: ما يبكيك؟ قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا شيع جيشًا فبلغ عقبة الوداع قال: "أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكُمْ وأَمانتَكُمْ وخَواتِيمَ أَعْمالِكُمْ" فرأى رجلًا ذات يوم قد رقع بردة له بقطعة فرو قال: فاستقبل مطلع الشمس، وقال بيده -وصف حماد ببطن الكفين ومد بيده: "تطالعت عليكم الدنيا، تطالعت عليكم الدنيا" أي: أقبلت، حتَّى ظننا أن تقع علينا، ثم قال: "أنتم اليوم خير، أما إذا غدت عليكم قصعة وراحت أخرى، ويغدو أحدكم في حلة
стр. 497
ويروح في أخرى، وتستر بيوتكم كما تستر الكعبة" قال عبد اللَّه: أفلا أبكي وقد بقيت حتَّى رأيتكم تسترون بيوتكم كما تستر الكعبة (١).
"الزهد" ص ٢٤٥ - ٢٤٦
٣٦٧ - ما جاء في زهد عبد اللَّه بن الزبير ﵄ أخباره
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا يزيد بن إبراهيم، وهو التستري، عن عمرو بن دينار، قال: رأيت ابن الزبير ﵀ يصلي في الحِجْر خافضا بصره، فجاءه حَجَرٌ قدامه فذهب ببعض ثوبه فما انفتل.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا سليمان الأعمش، عن يحيى بن وثاب، أن ابن الزبير، كان يسجد حتَّى تنزل العصافير على ظهره لا تحسبه إلَّا جذم حائط.
"الزهد" ص ٤٩
стр. 498
٣٦٨ - ما جاء في زهد عبد اللَّه بن عمر
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا هشيم، أنبأنا منصور، عن ابن سيرين، أن رجلًا قال لابن عمر: أجعل لك جوارش؟ قال: وأي شيء الجوارش؟ قال: شيء إذا كظك الطعام فأصبت منه سهل عليك. قال: فقال ابن عمر: ما شبعت من طعام منذ أربعة أشهر، وما ذاك أن لا أكون له واجدًا، ولكني عهدت قومًا يشبعون مرة ويجوعون مرة.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا يزيد، أنبأنا سفيان بن حسين، عن الحسين أن ابن عمر، كان إذا تغدى أو تعشى دعا من حوله من اليتامى، فتغدى ذات يوم، فأرسل إلى يتيم فلم يجده، وكانت له سويقة محلاة يشربها بعد غدائه، فجاء اليتيم وقد فرغوا من الغداء وبيده السويقة ليشربها فناولها إياه وقال: خذها فما أراك غبنت.
"الزهد" ص ٢٣٧
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا يزيد، أنبأنا مستلم بن سعيد الثقفي، عن حُبيب بن عبد الرحمن، عن نافع أن ابن عمر اشتهى عنبًا وهو مريض، فاشتريتُ له عنقودًا بدرهم، فجئتُ به فوضعتُه في يده، فجاء سائل فقام على الباب فسأل، فقال ابن عمر: ادفعه إليه.
قال: قلت: كُل منه، ذقه. قال: لا، ادفعه إليه. قال: فدفعتُه إليه، ثم اشتريتُه منه بدرهم، فجئتُ به إليه فوضعتُه في يده، فعاد السائل، فقال ابن عمر: ادفعه إليه. قلتُ: ذقه، كُل منه. قال: ادفعه إليه. قال: فدفعتُه إليه ثم اشتريتُه منه بدرهم، فجئتُ به إليه فوضعتُه في يده، فعاد السائل، فقال لي: ادفعه إليه. قال: قلتُ: كُل منه، ذقه. قال: ادفعه إليه.
قال: فدفعتُه إليه وقلت: ويحك ما تستحيي في الثالثة أو الرابعة -ولا
стр. 499
أعلمه قال إلَّا في الرابعة، شك يزيد- قال: فاشتريته منه بدرهم، فذهبت فجئت به إليه فأكله.
"الزهد" ص ٢٣٧ - ٢٣٨
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد اللَّه بن نمير قال: سمعت عاصما الأحول، عمن ذكره قال: كان ابن عمر إذا رآه إنسان ظن أن به شيئًا من اتباعه آثار رسول اللَّه ﷺ .
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: أتي بشيء يقال له: الكبل، فقال: ما نصنع بهذا؟ قال: إنه يمريك، قال: إنه يمر بي الشهر ما أشبع إلَّا الشبعة والشبعتين.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شمر ابن عطية، عن يحيى بن وثاب، قال: قال ابن عمر: يا غلام، أنضج العصيدة تذهب حرارة الزيت، فإن أقوامًا تعجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا.
"الزهد" ص ٢٣٩
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن الزبير، حدثنا سفيان، عن ليث، عن طاوس قال: ما رأيت رجلًا أورع من ابن عمر، ولا رأيتُ رجلا أعلم من ابن عباس. قال: وكان طاوس يعد الحديث حرفًا حرفًا.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الأعلى، عن برد، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان لا يعجبه شيء من ماله إلَّا خرج عنه للَّه ، قال: وكان زمان يتصدق في المجلس بثلاثين ألفا، قال: وأعطاه ابن عامر مرتين ثلاثين ألفا، قال نافع: إني أخاف أن تفتنني دراهم ابن عامر، اذهب فأنت حر، قال: وكان لا يد من للحم شهرًا إلَّا مسافرًا أو في رمضان، قال: وكان يمكث الشهر لا يذوق فيه مزعة لحم.
стр. 500
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا وكيع، عن هشام الدستوائي، عن القاسم بن أبي بزة، حدثني من سمع ابن عمر، قرأ ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١]، حتَّى بلغ ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْنَّاسُ لِرَبِّ الْعَالِمينَ﴾ [المطففين: ٦] فبكى حتَّى خر، وامتنع عن قراءة ما بعده.
"الزهد" ص ٢٤٠
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا أبو المنذر إسماعيل بن عمر، حدثنا البراء بن سليمان، قال: سمعت نافعا مولى ابن عمر يقول: ما قرأ ابن عمر هاتين الآيتين قط من آخر سورة البقرة إلَّا بكى ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ إلى آخر الآية، ثم يقول: إن هذا لإحصاء شديد.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثني بهز، حدثني جعفر بن سليمان، حدثني أسماء بن عبيد، عن نافع قال: كان ابن عمر يقرأ في صلاته فيمر بالآية فيها ذكر الجنة فيقف ويسأل اللَّه الجنة، قال: ويدعو ويبكي، قال: ويمر بالآية فيها ذكر النار، فيقف فيدعو ويستجير باللَّه .
"الزهد" ص ٢٤١
قال عبد اللَّه: حدننا أبي، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن جعفر بن برقان قال: أخبرني من رأى ابن عمر وجاء ابن له فقال: يا أبت اكسني إزارًا. قال: يا بني نكس إزارك وإياك أن تكون من الذين يجعلون ما رزقهم اللَّه في بطونهم وعلى ظهورهم.
"الزهد" ص ٢٤٢
قال عبد اللَّه: حدثني أي، حدثنا موسى بن داود قال: سمعت مالك بن أنس قال: حدثت أن ابن عمر نزل الجحفة، فقال ابن عامر لخبازه: اذهب بطعامك إلى ابن عمر، قال: فجاء بصحفة، فقال ابن عمر: ضعها، ثم جاء
стр. 501
بأخرى وأراد أن يرفع الأولى، فقال ابن عمر: ما لك؟ قال: أريد أن أرفعها، قال: دعها، صب عليها هذِه، قال: وكان كلما جاء بصحفة صبها على الأخرى، قال: فذهب العبد إلى ابن عامر فقال: هذا كوفي أعرابي. قال ابن عامر: هذا سيدك ابن عمر.
"الزهد" ص ٢٤٣
٣٦٩ - ما جاء في زهد أبي أمامة
قال عبد اللَّه: أخبرني أبي، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال: سمعت يعلى بن حكيم يحدث عن سليمان بن أبي عبد اللَّه قال: كان أبو أمامة صاحب رسول اللَّه ﷺ قد أحقب زاده خلفه على رحله، قال: سمعت ابن عمر يقول: من سره أن ينظر إلى رجل حاج فلينظر إلى أبي أمامة ﵁، فقلنا له: أوما نحن حُجّاج؟ ، فقال: إنكم لتزعمون أنكم حجاج.
"الزهد" ص ٤٩
٣٧٠ - ما جاء في زهد سهل بن سعد
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن الزبير، حدثنا سفيان، عن رجل، عن أبي حازم، قال: كان سهل بن سعد يقول: إني فيكم غريب، فيقول له: لم؟ فيقول: ذهب أصحابي والذي كنت أعرف، وبقيت فيكم غريبًا.
"الزهد" ص ٢٤٤
стр. 502
٣٧١ - ما جاء في زهد أويس القرني وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا عبد اللَّه بن الأشعث بن سوار، عن محارب بن دثار قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن من أمتي من لا يستطيع أن يأتي مسجده أو مصلاه من العرى، يحجزه إيمانه أن يسأل الناس، منهم أويس القرني وفرات بن حيان العجلي" (١).
"الزهد" ص ١٩
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، وعبيد اللَّه بن ميسرة بن القواريري قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن قيس بن يسير بن عمرو، عن أبيه قال: كسوتُ أويسًا القرني ثوبين من العري.
"الزهد" ص ٤١١
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان -يعني: ابن المغيرة- حدثني سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن أسير بن جابر قال: كان يحدث بالكوفة فيحدثنا، فإذا فرغ من حديثه قال: تفرقوا، ويبقى رهطه فيهم رجل يتكلم بكلام لا أسمع أحدًا يتكلم كلامه فأحببته، فقدمته، فقلتُ لأصحابي: هل تعرفون رجلًا كان يجالسنا كذا وكذا؟ فقال رجل من القوم: نعم أنا أعرفه، ذاك أويس القرني. قال: فتعلم منزله؟ قال: نعم. قال: فانطلقت معه حتَّى ضربت، فخرج إلى، قال: قلت: يا أخي ما يحبسك عنا؟ قال: العري. وكان أصحابه يسخرون به ويؤذونه، قال: قلت: خذ هذا البرد فالبسه. قال: لا تفعل
стр. 503
فإنهم إذًا يؤذونني إن رأوه على. فلم أزل به حتَّى لبسه فخرج عليهم، فقالوا: من ترون خدع عن برده هذا؟ قال: فجاء فوضعه، قال: أترى؟ قال أسير: فأتيتُ المجلس فقلت: ما تريدون من هذا الرجل؟ قد آذيتموه، الرجل يعرى مرة ويكسى مرة. قال: فأخذتهم بلساني أخذًا شديدًا. قال: فقضى أن أهل الكوفة وفدوا إلى عمر ﵁، فوفد رجل ممن كان يسخر به. قال عمر: هل ههنا أحد من القرنيين؟ قال: فجاء ذلك الرجل، قال: فقال: إن رسول اللَّه ﷺ قد قال: "إِنَّ رَجُلًا يَأْتِيكُمْ مِنْ اليَمَنِ يُقالُ لَهُ: أُوَيْسٌ. لَا يَدَعُ بِالْيَمَنِ غَيْرَ أُمٍّ لَهُ، قَدْ كَانَ بِهِ بَياضٌ فَدَعا اللَّهَ فَأَذْهَبَهُ عَنْهُ إِلّا. مَوْضِعَ الدِّينارِ -أَوْ الدِّرْهَمِ- فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ" قال: فقدم علينا، قال: قلت: من أين؟ قال من اليمن. قال: قلت: ما اسمك؟ قال: أويس. قال: فمن تركت باليمن؟ قال: أمّا لي. قال: أكان بك بياض فدعوت اللَّه فأذهبه عنك؟ قال: نعم. قال: استغفر لي. قال: أويستغفر مثلي لمثلك يا أمير المؤمنين؟ ! قال: فاستغفر له، قال: قلت: أنت يا أخي لا تفارقني. قال: فأملس مني. قال: فأنبئت أنه قدم عليكم الكوفة. قال: فجعل ذلك الرجل الذي يسخر به يحقره، قال: يقول: ما هذا فينا ولا نعرفه. فقال عمر: بلى. فقال الرجل: إنه رجل -كأنه يضع شأنه- فقال: فينا يا أمير المؤمنين رجل يقال له: أويس. نسخر به. قال: أدرك ولا أراك تدرك. قأل: فأقبل ذلك الرجل حتَّى دخل عليه قبل أن يأتي أهله، فقال له أويس: ما هذِه بعادتك، فما بدا لك؟ قال: سمعت عمر يقول فيك كذا، فاستغفر لي يا أويس. قال: لا أفعل حتَّى تجعل لي عليك أن لا تسخر بي فيما بعد، وأن لا تذكر الذي سمعته من عمر إلى أحد. قال: فاستغفر له. قال أسير: فأتيته فدخلت عليه ليلة فقلت: يا أخي
стр. 504
أراك تغيب ونحن لا نشعر. قال: ما كان في هذا ما أتبلغ به في الناس، وما يجزى كل عبد إلَّا بعمله. قال: ثم أملس منهم فذهب (١).
"الزهد" ص ٤١١ - ٤١٢
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا حسين، حدثنا حماد بن سلمة، عن يونس، عن الحسن، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "ليخرجنَّ من النارِ بشفاعة رجلٍ ما هو نبي أكثرُ من ربيعة ومضر" (٢)، قال الحسن: وكانوا يرونه أنه عثمان ﵁، أو أويس القرني ﵁.
"الزهد" ص ٤١٢ - ٤١٣
٣٧٢ - ما جاء في زهد هرم بن حيان العبدي وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، عن مطر الوراق قال: بات هرم العبدي عند حممة صاحب رسول اللَّه ﷺ قال: فبات حممة يبكي ليلته كلها حتَّى أصبح، فلما أصبح قال له هرم: يا حممة، ما أبكاك؟ قال: ذكرت ليلة صبيحتها تبعثر القبور فيخرج من فيها. قال: وبات حممة عند هرم فبات ليلته يبكي حتَّى أصبح فسأله حين أصبح: ما الذي أبكاك؟ قال:
стр. 505
ذكرت ليلة صبيحتها تناثر نجوم السماء فأبكاني ذلك. قال: وكانا يصطحبان أحيانا بالنهار فيأتيان سوق الريحان فيسألان اللَّه الجنة ويدعوان، ثم يأتيان الحدادين فيتعوذان من النار، ثم يتفرقان إلى منازلهما.
"الزهد" ص ٢٨٢
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال: سمعت حميد بن هلال قال: خرج هرم بن حيان وعبد اللَّه بن عامر حاجين، فبينما هما يسيران إذ رفعت لراحلتهما صليانة، فابتدرتها راحلتهما فأكلتها إحداهما، فقال هرم لابن عامر: أيسرك أنك هذِه الصليانة أكلتْك هذِه الدابةُ فذهبتَ؟ قال: لا واللَّه، أرجو رحمة اللَّه وأرجو وأرجو، فقال هرم: لكني واللَّه لوددتُ أني هذِه الصليانة، أكلتني هذِه الدابةُ فذهبتُ فلم أكن شيئًا.
وقال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا روح، حدثنا هشام، عن الحسن قال: خرج هرم بن حيان وعبد اللَّه بن عامر يريدان أرض الحجاز، قال: فبينما هما يسيران على راحلتيهما إذ مرا على مكان فيه كلأ وحلي ونصي، قال: فجعلت راحلتاهما يخالجان ذلك الشجر، فقال ابن حيان: يا ابن عامر، أيسرك أنك شجرة من هذِه الشجر، أكلتك هذِه الراحلة فقذفتك بعرا فاتخذت جلة؟ قال: لا واللَّه؛ لما أرجو من رحمة اللَّه أحب إليّ من ذلك، فقال هرم بن حيان: ولكني واللَّه لوددت أني شجرة من هذا الشجر، أكلتني هذِه الناقة فقذفتني بعرا فاتخذت جلة، ولم أكابد الحساب يوم القيامة؟ إما إلى جنة وإما إلى نار، ويحك يا ابن عامر، إني أخاف الداهية الكبرى.
قال الحسن: كان واللَّه أفقههما وأعلمهما باللَّه .
"الزهد" ص ٢٨٤ - ٢٨٥
стр. 506
قال عبد اللَّه: قرأت على أبي: حدثنا محمد بن مصعب قال: سمعت مخلدا ذكر عن هشام، عن الحسن أن هرما مات في غزاة في يوم صائف، فلما فرغ من دفنه جاءت سحابة حتى كانت حيال القبر فرشت القبر حتى تروى، ولم تجاوز القبر منها قطرة، ثم عادت عودها على بدئها.
"الزهد" ص ٢٨٥
٣٧٣ - ما جاء في زهد عامر بن عبد قيس (عبد اللَّه) وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا مالك قال: قالت فلانة لعامر بن عبد قيس: ما لي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟ فقال: يا بنية إن جهنم لا تدع أباك ينام.
"الزهد" ص ٢٦٨
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا حوشب، عن الحسن قال: قال عامر بن عبد قيس: ما أبالي شممت مسككم هذا، أو شممت روثة، أو رأيت امرأة، أو رأيت جدارًا.
"الزهد" ص ٢٦٩
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا حوشب، عن الحسن قال: لما بعث معاوية إلى عبد اللَّه بن عامر أن انظر عامر بن عبد القيس. فأحسن إذنه وأكرمه، وأمره أن يخطب إلى من شاء، فأمهر عنه من بيت المال قال: فأرسل إليه أنّ أمير المؤمنين قد كتبَ إليَّ أن أحسن إذنك وأكرمك. قال: يقول عامر: فلان أحوج إلى ذلك مني -قال: يعني رجلًا كان قد أطال الاختلاف إليهم لا يؤذن له- وأمرني أن آمرك أن تخطب إلى من شئت، وأمهر عنك من بيت المال. قال: أنا في الخطبة دائب. قال: إلى مَنْ؟ قال: إلى من يقبل الفلقة والتمرة. قال: ثم أقبل على جلسائه فقال: إني سائلكم فأخبروني: هل منكم من أحد إلا لأهله من قلبه شعبة؟ قالوا:
стр. 507
اللهم لا -أي: بلى- قال: فهل منكم من أحد إلا لولده من قلبه شعبة؟ قالوا: اللهم لا -أي: بلى- قال: فوالذي نفسي بيده لأنَّ تختلف الأسنة في جوانحي أحب إليّ من أن أكون هكذا، أما واللَّه لأجعلن الهمَّ همًّا واحدًا، قال الحسن: ففعل.
"الزهد" ص ٢٦٩
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا روح، حدثنا سعيد، عن قتادة، أن عامر بن عبد قيس لما حُضر قال: ما آسى على شيء إلا على قيام الشتاء وظمأ الهواجر.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا محمد بن فضيل، عن العلاء بن سالم، حدثني من صحب عامر بن عبد قيس أربعة أشهر قال: فما رأيته نام بليل ولا نهار حتى فارقته، وكان له رغيفان قد جعل عليهما ودكًا، فيتسحر بواحد ويفطر بآخر، وكان إذا أصبح علمنا القرآن، حتى إذا أمكنته الصلاة قام فصلى، فلا يزال يصلي حتى العصر، قال: ثم يعلمنا القرآن، فإذا صلى المغرب قال: فهي ليلته حتى يصبح.
"الزهد" ص ٢٧٠
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا روح، حدثنا عون، عن محمد قال: قيل عند عبد اللَّه بن عامر: إن عامر بن عبد قيس العنبري لا يأكل اللحم، ولا يأكل السمن، ولا يقرب النساء، ولا يمس جلده جلد أحد، ولا يقرب المساجد، ويزعم أنه خير من إبراهيم. فدخل معقل بن يسار على عبد اللَّه بن عامر وقد تحدثوا عنده بهذا، وكان معقل خليلًا لعامر بن عبد قيس، فقال عبد اللَّه بن عامر لمعقل بن يسار: ألا ترى ما يقول هؤلاء لخليلك؟ قال: وما يقولون؟ قال: يقولون: كذا. ويقولون: كذا؛ للذي قالوا، فما كلمهم معقل حتى خرج فركب دابته، فأتى عامرًا وهو في داره، فإذا هو قاعد في
стр. 508
مسجده وعليه برنس، فجاء فجلس إليه، فقال له معقل: أتيتك من عند هؤلاء، وإنهم حدثوني عنك حديثًا -قال: حسبت أنه قال: فأفزعني- فقال عامر: وما حدثوك؟ قال: يزعمون أنك تفعل كذا وتفعل كذا؛ للذي ذكروا. قال: فما كلمه عامر بكلمة حتى أخرج يده من برنسه، فقبض على يده ثم قال: أما قولهم: لا يأكل اللحم؛ فإنهم يشترون العلج من السبي الذي لا يفقه الإِسلام فيذبح، وأنا إذا اشتهيت اللحم أرسلنا إلى شاة فذبحناها، وأما قولهم: لا يأكل السمن فإنى آكل السمن الذي يجيء من أرض العرب، وأما الذي يجيء من أرض العجم؛ فإني لا أدري ما يخالطه، فذلك الذي يحملني على تركه، وأما قولهم: لا يقرب النساء فواللَّه ما بي إليهن من نشاط، وما عندي مال، فبأي شيء أغر امرأة مسلمة ما أجيء بها إليّ، وأما قولهم: لا يقرب المساجد، فإني في مسجدي هذا فإذا كان يوم الجمعة ذهبت فصليت في جماعة المسلمين، ثم رجعت إليّ مسجدي هذا، وقولهم: يزعم أنه خير من إبراهيم؛ فإني لا أشعر أن أحدًا يتجرأ أن يقول هذا.
"الزهد" ص ٢٧٠ - ٢٧١
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عمرو بن عاصم الكلابي، قال الصباح بن أبي عبيدة العنبري: حدثني شيخ منا قال: صحبتُ عامر بن عبد قيس في سفر، فلما عرس القوم قام فأصلح من متاعه ثم دخل غيضة، قال: فصلى وجلستُ خلفه، فلما كان من آخر الليل -أو في السحر- قال: اللهم إني سألتك ثلاثًا فأعطيتني اثنتين ومنعتني واحدة، اللهم فأعطنيها حتى أعبدك كما أحب -أو كما أريد- قال: فلما برق الفجر التفت فرآني، فقال: فإنك منذ الليلة ههنا، وإنك لتراعيني. قال:
стр. 509
وأقبل على فشقد لسانه، قال: قلت: دع هذا، فواللَّه لتخبرني بهذِه الثلاث أو لأخبرن بما صنعت. قال: فاكتم علي، قال: فجعلتُ له عليَّ أن لا أخبر بها أحدًا حتى يموت، قال: سألتُ اللَّه أن يُذهب حبَّ النساء من قلبي فواللَّه ما أبالي امرأة رأيتُ أو حائطًا، وسألتُ أن لا أخاف شيئًا غيره، وسألتُه أن يذهب عني النوم حتى أعبده في الليل والنهار كما أشاء فمنعنيها.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثني حبيب بن أبي العنبري، حدثني سلمة بن آدم ابن أخي عامر: صنعت ابنة أخي عامر له قرصًا بلبن، قالت: فأتيته به ليفطر عليه. قالت: فإذا سائل يقول: من يطعم الكبد الجائعة؟ قال: يا ابنة أخي، أليس هذا لي وأصنع به ما شئت؟ قالت: بلى. فأعطاه للسائل، قال: فتضررت الجارية. قال: قال: هاتي هاتي. قال: فجاءت بتمر وفلق (١) فأكل وشرب عليه من الماء. قال: ثم قال: يا ابنة أخي إنما هذا البطن وعاء وما حشوتيه من شيء احتشى، ويبقى لك ذخر ما قدمت.
"الزهد" ص ٢٧١
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثني عبد الملك ابن معن النهشلي، حدثني نصر بن حسان العنبري جد معاذ بن حصين بن الحسن جد عبد اللَّه بن الحسن قال: قدمتُ الشام فسألتُ عن عامر، فقيل لي: إنه يأوي إلى عجوز ههنا، قال: فسألتُها عنه. قال: فقالت: هو في سفح ذلك الجبل ليله ونهاره، فإن كان لك به حاجة فتحره عند فطره. قال: فأتيتُه فسلمتُ عليه، فردَّ علي، وسألني مسائل رجل عهده
стр. 510
بالأمس، ولم يسألني عن أحدٍ من أهله وعشيرته، ولم يسمني العشاء. قال: قلت: يا عامر، رأيت منك عجبًا. قال: وما هو؟ قال: قلت قد غبت عن أهلك وعشيرتك من حيث تعلم، فلم تسألني عمن مات منهم ومن عاش، وقد علمت مكاني منهم، وسألتني مساءلة رجل عهدك به بالأمس ولم تسمني العشاء؟ ! قال: أما قولك في مساءلتي إياك؛ فقد رأيتك صالحًا فعمَّ أسألك؟ ! وأما عشيرتي وأهلي فما أسأل عنهم، فمن مات منهم فقد مات، ومن لم يمت فسيموت، وأما قولك: فإني لم أسمك العشاء؛ فقد عهدتك تأكل طعام الأمراء، وطعامي فيه خشونة، ولم أظن أن بك حاجة إليه.
"الزهد" ص ٢٧١ - ٢٧٢
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا محمد بن سابق، حدثنا مالك بن مغول قال: سمعت أبا صخرة يقول: قيل لعامر: رضيت في شرفك وحسبك بيتك هذا، وهذا لباسك؟ قال: إن اللَّه جعل قرة عين عامر في هذا.
قال عبد اللَّه: قرأت على أبي هذا الحديث: حدثنا محمد بن مصعب قال: سمعت مخلدا ذكر عن هشام، عن الحسن، أن عامرًا دخل مسجدًا فسمع قومًا يذكرون الغموم التي يلقونها في معاشهم، فقال عامر: صدقتموني واللَّه عن أنفسكم، أما واللَّه لئن استطعت لأجعلن الهم همًّا واحدًا. قال الحسن: ففعل ﵀.
"الزهد" ص ٢٧٢
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا حسين بن محمد، حدثنا خلف بن خليفة الأشجعي، حدثنا إسحاق البصري، عن عنبسة الخواص قال: لما قدم عبد اللَّه بن عامر أميرًا على البصرة، قال: يا أهل البصرة، اكتبوا لي من كل خمسة رجلًا من القراء أشاورهم في أمري، وأطلعهم على
стр. 511
سري، وأستعين بهم على ما ولاني اللَّه ، قال: فكتب له زياد بن مطر العدوي، وكان قد بلى حتى ذهب بصره، وكتب له غزوان من بني رقاش، وكان قد حلف أن لا يضحك حتى يعلم حيث يصيره اللَّه ، قال: قال الحسن: واللَّه ما ضحك حتى لحق باللَّه، وكتب له جابر بن أشتر من غطفان -قال عبد اللَّه: قال أبي: غير حسين قال: أشتر بن جابر- وكتب له عامر بن عبد قيس العنبري، وكتب له النعمان بن شوال العبدي، فلما دخلوا عليه قال: أنتم القراء قد أمرت لكم بألفين ألفين وكذا وكذا جريب. فأجابه النعمان بن شوال -وكان من أسن القوم، وخلوه والجواب، وكان قد ولوه أمرهم- فقال له: أيها الأمير، ألنا خاصة أم لأهل البصرة عامة؟ قال: بل لكم خاصة، ولا يسع هذا المال أهل البصرة. قال: فتقول ما نقول صدقة، فإن كان صدقة فلا يدخل لنا بطونا، ولا يعلو لنا جلودًا، وإنما يأخذ العامل ثمن عمله، وإنما نعمل لربنا فلا حاجة لنا فيما عندك، فقال له ابن عامر: ألا أراك طعانًا، اخرج من عندي. قال: أما إنك ما عهدتني للأمراء زوارا. قال: ثم أقبل إلى عامر، فقال: قد أمرت لك بألفين وكذا وكذا جريبًا. قال: انظر المكاتبين الذين هم على أبواب المسجد هم أفقر إليها مني. قال: إني قد أمرت أن لا تحجب لي عن باب. قال: عليك بسعيد بن قرحى هو أغشى للأمراء مني. قال: انظر أي امرأة شئت بالبصرة أزوجكها. ولم يكن تزوج قط، قال: أيها الأمير، أرأيت الرجل إذا كان له امرأة وولد يشغل ذلك قلبه؟ قال: نعم، قال: فلا حاجة لي فيه، أجعل الهمَّ همًّا واحدًا حتى ألقى ربي .
"الزهد" ص ٢٧٢ - ٢٧٣
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثني ابن كوا بن
стр. 512
جميع الهندي، حدثني عمارة بن عبد اللَّه العنبري، وابنه، وثابت أبو الفضل قالوا: ما رأينا عامر بن عبد قيس متطوعًا في مسجدهم قط، قال: وكان آخر من يدخل المسجد وأول من يخرج منه.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الجبار بن محمد الخطابي، حدثنا عبد الأعلى عن هشام، عن الحسن قال: سمعهم عامر بن عبد قيس، وما يذكرون من ذكر الضيعة في الصلاة، قال: تجدونه؟ قال: قالوا: نعم. قال: واللَّه لئن تختلف الأسنة في جوفي أحب إلى أن يكون هذا في صلاتي.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبو عقيل بشير بن عقبة، حدثنا يزيد -يعني: ابن عبد اللَّه بن الشخير- قال: كنا نأتي عامر بن عبد اللَّه وهو يصلي في مسجده، فإذا رآنا تجوز في صلاته، ثم انصرف، فقال لنا: ما تريدون؟ وكان يكره أن يروه يصلي.
"الزهد" ص ٢٧٣ - ٢٧٤
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا أبو الوليد خلف بن الوليد، حدثنا عباد بن عباد، عن يونس بن عبيد، عن الحسن قال: كان عامر بن عبد قيس إذا صلى الصبح تنحى في ناحية المسجد فقال: من أقرئه؟ قال: فيأتي قوم فيقرئهم حتى إذا طلعت الشمس وأمكنت الصلاة قام يصلي إلى أن ينتصف النهار، ثم يرجع إلى منزله فيقيل، ثم يرجع إلى المسجد إذا زالت الشمس فيصلي حتى يصلي الظهر، ثم يصلي حتى يصلي العصر، فإذا صلى العصر تنحى في ناحية المسجد ثم يقول: من أقرئه؟ قال: فيأتيه قوم فيقرئهم، حتى إذا غربت الشمس صلى المغرب، ثم يصلي حتى يصلي العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى منزله فيتناول أحد
стр. 513
رغيفيه فيأكل، ثم يضطجع هجعة خفيفة، ثم يقوم، فإذا كان السحر تناول رغيفه الآخر فيأكله، ثم يشرب عليه شربة من ماء، ثم يخرج إلى المسجد، قال خلف: وحدثني بعض أصحابنا قال: كان منصور بن زاذان يفعل هذا كله، ويفضل بخاصة لا يبيت كل ليلة حتى تبل عمامته بدموعه ثم يضعها.
"الزهد" ص ٢٧٤
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا روح، حدثنا هشام، عن الحسن أن عامر بن عبد قيس قال: إني وجدت عيش الناس في أربع: في النساء والطعام واللباس والنوم، فأما اللباس فواللَّه ما أبالي ما واريت به عورتي، وأما النساء فواللَّه ما أبالي امرأة رأيت أو جدارًا، وأما النوم والطعام فقد غلباني إلا أن أصيب منهما، فواللَّه لأضرن بها جهدي، قال الحسن: فأضر واللَّه بهما جهده حتى مات ﵀.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، عن عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن محمد بن واسع، عن أبي العلاء بن عبد اللَّه بن الشخير، أخبرني ابن أخي عامر بن عبد قيس أن عامرًا كان يأخذ عطاءه، فيجعله في طرف ردائه فلا يلقاه أحد من المساكين يسأله إلا أعطاه، فإذا دخل على أهله رمى بهم إليهم، فيعدونها فيجدونها سواء كما أعطيها.
"الزهد" ص ٢٧٤
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا معاذ، حدثنا ابن عون، عن محمد قال: كتب أبو موسى الأشعري إلى عامر بن عبد قيس العنبري: من عبد اللَّه إلى عامر بن عبد اللَّه الذي كان يدعى عبد قيس، أما بعد فإني عهدتك على أمر وبلغني أنك تغيرت، فإن كنت على ما عهدتك فاتق اللَّه ودم، وإن كنت تغيرت فاتق اللَّه وعد.
"الزهد" ص ٢٧٥
стр. 514
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثني يحيى بن سعيد، عن أشعث، عن الحسن، بعث بعامر بن عبد قيس إلى الشام، فقال: الحمد للَّه الذي حشرني راكبًا.
وقال عبد اللَّه: قال أبي: فبلغني أن عامر بن عبد قيس كان إذا أصبح قال: اللهم إن هؤلاء يغدون ويروحون، ولكلٍ حاجة، وإن حاجة عامر أن تغفر له.
وقال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الصمد، حدثنا همام، حدثنا قتادة قال: إن الملائكة تفرح بالشتاء للمؤمن، يقصر النهار فيصومه، ويطول الليل فيقومه، وبلغنا أن عامرًا لما حُضر جعل يبكي، فقالوا: ما يبكيك يا عامر؟ قال: ما أبكي جزعًا من الموت، ولا حرصًا على الدنيا، ولكني أبكي على ظمأ الهواجر وقيام الشتاء.
"الزهد" ص ٢٧٥ - ٢٧٦
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبيد اللَّه بن محمد التيمي قال: سمعت عقبة بن فضالة، يحدث عن شيخ -أحسبه قال: سكين الهجري- قال: كان عامر بن عبد اللَّه إذا مر بالفواكه قال: مقطوعة ممنوعة.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبيد اللَّه بن محمد، حدثني شيخ يكنى: أبا زكريا مولى للقرشيين، عن بعض مشايخه قال: كانت ابنة عم لعامر يقال لها: عبدة ترى ما يصنع بنفسه، فتعالج له الثريد، فتأتيه به فيخرج إلى أيتام الحي فيدعوهم، فتقول: إنما عملتها لك بيدي لتأكلها، فيقول: أليس إنما أردت أن تنفعيني؟ قال: وكان يقول لها: يا عُبَيِّدة تعزي بالقرآن عن الدنيا؛ فإنَّه من لم يتعز بالقرآن عن الدنيا تقطعت نفسه على الدنيا حسرات.
"الزهد" ص ٢٧٦
стр. 515
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبيد اللَّه بن محمد قال: سمعت سعيد ابن عامر يقول: قيل لعامر: لو انحدرت إلى البصرة، فقال: واللَّه إنه للبلد الذي أحبه، قال: هاجرت إليه وتعلمت به القرآن، ولكنها رحلة هوى، وما آسى من العراق إلا على هواجرها، وإخواني منهم الأسود بن كلثوم.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عفان، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا بعض مشيختنا قال: قال عامر بن عبد اللَّه: إنما أجدني آسف على البصرة لأربع خصال: تجاوب مؤذنيها، وظمأ الهواجر؛ ولأن بها إخواني؛ ولأن بها وطني.
"الزهد" ص ٢٧٧
قال عبد اللَّه: قرأت على أبي: حدثنا محمد بن مصعب قال: سمعت مخلد بن حسين، ذكر عن هشام أن جارية بن قدامة جاء إلى عامر وهو يصلي فاستأذن على باب البيت، فسبَّح عامر ودخل جارية، فجلس فلم ير في البيت إلا قلة من ماء، وعامر عليه برنس وهو قائم يصلي، فقضى عامر الصلاة، فقال له جارية: يا عامر، أرضيت من الدنيا بما أرى؟ لقد رضيت فيها بالقليل، فقال: أنت واللَّه وأصحابك الذين رضيتم منهما بالقليل، ثم نهض إلى صلاته.
"الزهد" ص ٢٧٨
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عفان، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا مالك بن دينار قال: حدثني من رأى عامر بن عبد قيس: دعا بزيت فصبه على يده -كذا وصف جعفر- مسح إحداهما على الأخرى ثم قال: ﴿تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠] قال: فدهن رأسه ولحيته.
"الزهد" ص ٢٧٨
стр. 516
٣٧٤ - ما جاء في زهد الربيع بن خثيم وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن سعيد بن مسروق قال: قال عبد اللَّه بن مسعود للربيع بن خثيم: واللَّه لو رآك رسول اللَّه ﷺ لأحبك.
"الزهد" ص ٤٠٤
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا ابن فضيل، عن عبد الرحمن بن عجلان، عن نسير أبي طعمة قال: صلى الربيع بن خثيم فقرأ بآية حتى أصبح: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١]، فجعل يركع ويسجد حتى أصبح.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا ابن فضيل، حدثني أبي، عن سعيد بن مسروق، عن ربيع بن خثيم قال: كان يأتي عبد اللَّه بن مسعود فإذا دخل قال: بشر المحسنين.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا ابن فضيل، حدثنا أبو حيان، عن أبيه قال: ما سمعت الربيع بن خثيم ذكر شيئًا من أمر الدنيا، إلا أني سمعته مرة يقول: كم لكم مسجدًا؟
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن سرية الربيع أن الربيع كان يتصدق بالرغيف، ويقول: إني أستحي أن يكون في صدقتي كسرٌ.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا مفضل بن يونس قال: ذكر عند الربيع بن خثيم رجل فقال: ما أنا عن نفسي براض، فأتفرغ من ذمها إلى ذم الناس! إن الناس خافوا اللَّه في ذنوب العباد وأمنوا على ذنوبهم!
стр. 517
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثني عبد الرحمن، عن سفيان، عن أم عبد اللَّه -سرية الربيع- قالت: لما حضر الربيع بكت ابنته فقال: يا بنية لا تبكي، ولكن قولي: يا بشراي، اليوم يلقى أبي الخير.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن نسير قال: ما رأيت الربيع متطوعًا في مسجد الحي قط إلا مرة، قال: وقال رجل للربيع: أوص لي بمصحف، فنظر إلى ابن له صغير فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦].
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن نسير، أن الربيع بن خثيم كان إذا أتوه يقول: أعوذ باللَّه من شركم.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا سيار، حدثنا جعفر قال: قالت ابنة الربيع بن خثيم: يا أبتاه، الناس ينامون ولا أراك تنام. قال: يا بنية إن أباك يخاف السيئات.
"الزهد" ص ٤٠٥ - ٤٠٦
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا النضر بن إسماعيل، أنبأنا سليمان الأعمش قال: مر الربيع بن خثيم في الحدادين، قال: فنظر إلى كير، قال: وصعق، قال الأعمش: فمررت بالحدادين لأتشبه به فلم يكن عندي خير.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبيه، عن الربيع بن خثيم قال: ما غائب ينتظره المؤمن خيرًا له من الموت.
"الزهد" ص ٤٠٧
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن، عن عبد الواحد -يعني: ابن زياد- عن عبد اللَّه بن الربيع بن خثيم، عن أبي عبيدة قال: كان إذا أتى
стр. 518
عبد اللَّه لم يكن عليه إذن لأحد حتى يفرغ كل واحد منهما من صاحبه، وكان يقول: لو رآك رسول اللَّه ﷺ لأحبك، وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن منذر قال: كان الربيع بن خثيم يكنس الحش بنفسه، فقيل له: إنك تكفى هذا، قال: إني أحب أن آخذ بنصيبي من المهنة.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا جرير، حدثنا مغيرة قال: أصاب الربيع بن خثيم الفالج، فكان يحمل إلى الصلاة.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا جرير، عن أبي حيان، عن أبيه قال: أصاب الربيع الفالج فكان يحمل إلى الصلاة، فقيل له: إنه قد رخص لك. قال: قد علمت، ولكني اسمع النداء بالفلاح.
"الزهد" ص ٢٠٨
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا ابن حياته، حدثني أبي، قال: كان الربيع بعد ما سقط شقة يهادي بين رجلين إلى مسجد قومه، وكان أصحاب عبد اللَّه يقولون: يا أبا يزيد قد رخص لك، لو صليت في بيتك؟ فيقول: أنه كما تقولون، ولكني سمعته ينادي حي على الفلاح، فمن سمعه منكم فليجبه ولو زحفًا، ولو حبوًا.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا يحيى، عن أبي حيان، حدثنا أبي، عن الربيع بن خثيم قال: لا تُشْعِروا بموتي أحدًا، وسلوني إلى ربي سَلًّا.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا أبو أحمد، حدثنا رزام بن سعيد، عن أبيه قال: جاء الربيع بن خثيم إلى مسجدنا فربط بغلته ودخل المسجد يصلي، فانحلت البغلة فذهب بها، فخرج فسألنا فقلنا: ما ندري. فقلنا له: أما تدعو عليه؟ فقال: ذروه لعله يتوب، فيتوب اللَّه عليه ويستقبل العمل.
"الزهد" ص ٤٠٩
стр. 519
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا طلق بن غنام، حدثنا كامل بن العلاء، عن منذر الثوري، عن الربيع بن خثيم، أنه قال لأهله: اصنعوا لي طعامًا، فإني أريد أن أدعو فقراء من أصحابي، فصنعوا له طعامًا، فأتى المسجد فجمع فقراء من الزَّمْنى، فأتى بهم فأطعمهم ذلك الطعام، قال: فقال له أهله: هؤلاء أصحابك؟ قال: نعم هؤلاء أصحابي.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا إسرائيل، عن سعيد بن مسروق، عن منذر الثوري، قال: كان الربيع إذا سجد في الرعد قال: بل طوعًا يا رباه.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا حسين بن علي، عن محمد، رجل من أسلم من المبكرين إلى المسجد قال: كان الربيع بن خثيم إذا سجد فكأنه ثوب مطروح، فتجيء العصافير فتقع عليه.
"الزهد" ص ٤١٠
٣٧٥ - ما جاء في زهد سويد بن شعبة وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي حيان، عن أبيه قال: دخلوا على سويد بن شعبة وقد صار على فراشه كأنه فرخ، وامرأته تناديه أهلي فداؤك، ما نطعمك؟ ما نسقيك؟ قال: فأجابها بصوت -يعني: خفي- دبرت الحراقف (١)، وطالت الضجعة، وما أحب أن اللَّه نقصني منه قلامة ظفر.
"الزهد" ص ٤٢٩
стр. 520
٣٧٦ - ما جاء في زهد مسروق بن الأجدع وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: حج مسروق فما نام إلا ساجدًا على وجهه.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير، قال مسروق: ما من الدنيا شيء آسى عليه إلا السجود للَّه .
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير قال: لقيني مسروق فقال: يا أبا سعيد، ما من شيء يرغب فيه إلا أن نعفر وجوهنا في هذا التراب.
"الزهد" ص ٤١٨
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد اللَّه بن مرة، عن مسروق قال: ما أكون أوثق مني بالرزق حتى يقول الخادم: ليس عندنا قفيز ولا درهم.
"الزهد" ص ٤١٩
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، عن وائل بن داود، حدثني خفاف بن أبي سريعة، عن مسروق قال: ما أغبط شيئًا بشيء كمؤمن في لحده قد أمن العذاب، واستراح من الدنيا.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا هشيم عن مجالد، عن الشعبي عن مسروق قال: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حذره من اللَّه سبحانه.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي وائل قال: كنت مع مسروق وهو على السلسلة أميرًا، فما رأيت رجلًا أعف من مسروق، ما كان يصيب إلا الماء من دجلة.
"الزهد" ص ٤٢٠
стр. 521
٣٧٧ - ما جاء في زهد أبي مسلم الخولاني وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان، عن حميد بن هلال، أو غيره أن أبا مسلم الخولاني مر بدجلة -وهي ترمى بالخشب من مدها- فمشى على الماء، ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل تفقدون من متاعكم شيئًا فتدعوا اللَّه .
"الزهد" ص ٤٥٨
قال عبد اللَّه: وجدت في كتاب أبي بخط يده: حُدثت عن محمد بن شعيب -يعني: ابن شابور، وعمرو بن واقد وغيرهما، عن بعض مشيخة أهل دمشق أن أبا مسلم الخولاني كان بأرض الروم، قال: فبعث الوالي سرية، ووقت لهم وقتًا، قال: فأبطئوا عن الوقت فأهم أبا مسلم إبطاؤهم، فبينا هو يتوضأ على شاطئ نهر وهو يحدث نفسه بأمرهم إذ وقع غراب على شجرة، فقال: يا أبا مسلم، أهممت بأمر السرية؟ فقال: أجل، فقال: لا تهتم؛ فإنهم قد غنموا وسلموا، وهم عندك في وقت كذا وكذا، فقال له أبو مسلم: من أنت يرحمك اللَّه؟ فقال: أنا أرتيائيل مفرح قلوب المؤمنين، قال: فجاء القوم في الوقت الذي ذكره على ما ذكره.
"الزهد" ص ٤٦٨
قال عبد اللَّه: وجدت في كتاب أبي بخط يده: حُدثت عن محمد بن شعيب، عن بعض مشيخة أهل دمشق قال: أقبلنا من أرض الروم قفالا، فلما أن خرجنا من حمص متوجهين إلى دمشق مررنا بالمعبر الذي يلي حمص منها على نحو من أربعة أميال في آخر الليل، فلما سمع الراهب الذي في الصومعة اطلع إلينا، فقال: ما أنتم يا قوم؟ فقلنا: أناس من أهل دمشق أقبلنا من أرض الروم. فقال: هل تعرفون أبا مسلم الخولاني؟ فقلنا: نعم. قال: فإذا رأيتموه فأقرئوه السلام، وأعلموه أنا نجده في
стр. 522
الكتاب رفيق عيسى ابن مريم ﷺ ، أما إنكم إن كنتم تعرفونه لا تجدونه حيًا، قال: فلما أشرفنا على الغوطة بلغنا موته ﵁.
"الزهد" ص ٤٦٨ - ٤٦٩
قال عبد اللَّه: وجدت في كتاب أبي بخط يده: حُدثت عن محمد بن شعيب، وسعيد بن عبد العزيز قال: قحط الناس على عهد معاوية ﵀، فخرج يستسقي بهم، فلما نظروا إلى المصلى قال معاوية لأبي مسلم: ترى ما داخل الناس، فادع اللَّه. قال: فقال: أفعل على تقصيري، فقام وعليه برنس فكشف البرنس عن رأسه، ثم رفع يديه فقال: اللهم إنا بك نستمطر، وقد جئت بذنوبي إليك فلا تخيبني، قال: فما انصرفوا حتى سقوا، قال: فقال أبو مسلم: اللهم إن معاوية أقامني مقام سمعة، فإن كان عندك لي خير فاقبضني إليك، قال: وكان ذلك يوم الخميس فمات أبو مسلم ﵀ يوم الخميس المقبل.
قال عبد اللَّه: وجدت في كتاب أبي بخط يده، حدثت عن بعض ولد إسماعيل بن عبد اللَّه، عن أبيه ومحمد بن شعيب أيضًا، أن أبا مسلم الخولاني كان يدعو في النافلة: اللهم ارزق أبا مسلم طبيخًا، اللهم ارزق أبا مسلم زيتًا، اللهم ارزق أبا مسلم حطبًا، ويسأل فيها كل ما يريده.
"الزهد" ص ٤٦٩
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا المغيرة، حدثنا ابن عياش، حدثني شرحبيل بن مسلم قال: كان أبو مسلم الخولاني إذا أتى خربة وقف عليها، ثم قال: يا خربة أين أهلك؟ ذهبوا وبقيت أعمالهم، انقطعت الشهوة وبقيت الخطيئة، ابن آدم، ترك الخطيئة أهون من طلب التوبة.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم الخولاني أن رجلين لقيا أبا مسلم الخولاني
стр. 523
في منزله فقال بعض أهله: هو في المسجد، فوجداه يركع فانتظرا انصرافه وأحصيا ركوعه، فأحصى أحدهما أنه ركع ثلاثمائة، والآخر أربعمائة قبل أن ينصرف، فقالا: يا أبا مسلم كنا قاعدين خلفك ننتظرك، فقال: أما إني لو علمت مكانكما لانصرفت إليكما، ما كان لكما أن تحصيا علي صلاتي، وأقسم لكما أن كثرة السجود خير ليوم القيامة.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا أبو زكريا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد اللَّه بن هبيرة، عن كعب قال: حكيم هذِه الأمة أبو مسلم الخولاني.
"الزهد" ص ٤٧٠
٣٧٨ - ما جاء في زهد صلة بن أشيم وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا هشام، عن الحسن قال: مات أخ لي فخرجنا في جنازته، فلما مد الثوب على القبر جاء صلة بن أشيم حتى رفع الثوب ثم قال: يا فلان:
فإنْ تَنْجُ مِنْها تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ ... وإلّا فإنّي لا إخالُكَ ناجِيا
"الزهد" ص ٢٥٧
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أنبأنا ثابت البناني أن صلة بن أشيم كان في مغزى له ومعه ابن له، فقال: أي بني تقدم فقاتل حتى أحتسبك، فحمل فقاتل حتى قتل ﵀، ثم تقدم فقتل فاجتمعت النساء عند امرأته معاذة العدوية فقالت: مرحبا إن كنتن جئتن لتهنيني فمرحبًا، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن.
"الزهد" ص ٢٥٧
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا إسماعيل، أنبأنا يونس، عن الحسن
стр. 524
قال: قال أبو الصهباء صلة بن أشيم: طلبت الدنيا من مظان حلالها، فجعلت لا أصيب فيها إلا قوتًا، أما أنا فلا أعيل فيه، وأما هو فلا يجاوزني، فلما رأيت ذلك قلت: أي نفس، جعل رزقك كفافًا فأربعي، فربعت ولم تكد.
"الزهد" ص ٢٥٧
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن أبي السليل قال: حدثه ابن أشيم قال: كنت أسير على دابة بهذِه الأهواز إذ جعت جوعا شديدا فلم أجد أحدا يبيعني طعاما، وجعلت أتحرج أن أصيب من أحد من الطريق شيئا، قال: فبينا أنا أسير -قال: حسب أنه قال: أدعو ربي وأستطعمه- إذ سمعت وجبة خلفي، فالتفت فإذا أنا بمنديل أبيض، فنزلت عن دابتي فأخذت الثوب، فإذا فيه دَوْخَلَّة (١) من رطب، قال: فأخذته وركبت دابتي وأكلت منه حتى شبعت، وأدركني المساء فنزلت إلى راهب في دير له فحدثته الحديث، فاستطعمني من الرطب فأطعمته رطبات، قال: ثم إني مررت على ذلك الراهب فإذا نخلات حسان جمال قال: إنهن لمن رطباتك التي أطعمتني، وجاء بالثوب إلى أهله فكانت امرأته تريه الناس.
"الزهد" ص ٢٥٧ - ٢٥٨
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا محمد بن مصعب قال: سمعت مخالد بن حسين قال: قال هشام: قالت حفصة: حدثتني معاذة قالت: ما زال ذلك المنديل بين أيدينا حتى قتل صلة ﵀ ففقدنا المنديل.
"الزهد" ص ٢٦٨
стр. 525
٣٧٩ - ما جاء في زهد علقمة بن قيس وأخباره
قال صالح: حدثني أبي، حدثنا قُرّان، عن الأعمش، عن إبراهيم أن علقمة لم يكن يخطب إِلى من هو فوقه، ويخطب إِلى من هو أسفل منه.
"مسائل صالح" (٨٢٧)
قال صالح: حدثني أبي، حدثنا قُرّان، عن الأعمش، عن إبراهيم أن أبا بردة كتب وفدًا -قال قُرّان: وكان قاضيًا- فكتب علقمة فيهم، فأرسل إليه علقمة: أن امحوني.
"مسائل صالح" (٨٢٨)
٣٨٠ - ما جاء في زهد الأحنف بن قيس وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا إسماعيل، أنبأنا يونس، أخبرني مولى الأحنف بن قيس قال: كان الأحنف قلما خلا إلا دعا بالمصحف.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الواحد أبو عبيدة الحداد، حدثنا عبد اللَّه بن عون، عن جبير بن حبيب أن الأحنف بلغه رجلان أن النبي ﷺ دعا له (١). فسجد.
"الزهد" ص ٢٨٦
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا عبد اللَّه بن بكر المزني، عن مروان الأصفر قال: كان الأحنف بن قيس
стр. 526
يقول: اللهم إن تعذبني فأنا أهل ذاك، وإن تغفر لي فأنت أهل ذاك.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثني محمد بن عبد الملك بن زنجويه، حدثنا عبد المتعال بن طالب، حدثنا عبد اللَّه بن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد اللَّه بن زحر، عن سعيد بن مسعود قال: قيل للأحنف بن قيس -وكان سيد قومه: ألا نضرب عليك سرادقًا أبدًا؟ قال: ما سمعت بالسرادق إلا في النار، واللَّه لا يُضرَب على سرادق أبدًا، قال: فما كان بيته إلا خصًّا من قصب حتى لقي اللَّه .
"الزهد" ص ٢٨٧
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ضمرة، عن ابن شوذب قال: قال الأحنف بن قيس: عرضت نفسي على القرآن فلم أجد نفسي بشيء أشبه مني بهذِه الآية ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢].
"الزهد" ص ٢٨٨
٣٨١ - ما جاء في زهد صفوان بن محرز وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا ثابت قال: أخذ عبد اللَّه بن زياد ابن أخي صفوان بن محرز المازني، قال: فتحمل عليه الناس فلم يبق أحد إلا كلمه فيه، فلم ير لحاجته نجاحًا، قال: فبات ليلته في مصلاه وهو يصلي، فرقد في صلاته، فلما رقد أتاه آتٍ في منامه، فقال له: يا صفوان قُم فاطلب حاجتك من قبل وجهها. فقال: أفعل، فقام فتوضأ من الماء وصلى ودعا، قال: فنبه ابن زياد لحاجة صفوان، قال: فجاء الحرس والشرطة بالنيران، وفتحت أبواب السجون حتى استخرج ابن أخي صفوان، فجيء به إلى ابن زياد، فقال: أنت ابن أخي صفوان؟ قال: نعم. فأرسله،
стр. 527
قال: فما شعر صفوان حتى ضرب عليه الباب، فقال: من ذا؟ قال: أنا فلان، نبه الأمير في بعض الليل فجاءت الحرس والشرطة وجيء بالنيران وفتحت أبواب السجون فجيء بي فخلي -أعني بعد كفالة.
"الزهد" ص ٣١٣
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا ثابت قال: انطلقت أنا والحسن إلى صفوان بن محرز نعوده، فإذا هو في خص من قصب مائل، فخرج إلينا ابنه فقال: إن به بطنًا شديدًا لا تقدرون أن تدخلوا عليه. فقال الحسن: إن أباك إن يؤخذ من لحمه ودمه فيكفر عنه خطاياه خير له من أن يموت جميعًا فيأكله التراب -أو قال: فتأكله الأرض- ولا يؤجر في ذاك.
"الزهد" ص ٣١٣
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن صفوان بن محرز؛ أنه كان له خص فيه جذع، فانكسر الجذع، فقيل له: ألا تصلحه، فقال: دعوه أنا أموت غدًا.
"الزهد" ص ٣١٣ - ٣١٤
٣٨٢ - ما جاء في زهد عمرو بن ميمون وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثني أبي قال: وحج عمرو بن ميمون ستين من بين حجة وعمرة (١).
"الزهد" ص ٤١٧
٣٨٣ - ما جاء في زهد الأسود بن يزيد الجوشي وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن، عن شعبة، عن أبي
стр. 528
إسحاق قال: حج الأسود ثمانين من بين حجة وعمرة.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا معمر بن سليمان -وهو الرقي- حدثنا عبد اللَّه بن بشر أن علقمة بن قيس، والأسود بن يزيد حجا، فكان الأسود صاحب عبادة، فصام يوما فراح الناس بالهجير وقد تربد وجهه، فأتاه علقمة فضرب على فخذه فقال: ألا تتقي اللَّه يا أبا عمر في هذا الجسد، علام تعذب هذا الجسد؟ فقال الأسود: يا أبا شبل، الجد الجد.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا أبو أحمد، حدثنا حسن، عن علي بن مدرك قال: قال علقمة للأسود: لم تعذب هذا الجسد وهو يصوم؟ ! قال: الراحة أريد له.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا حجاج، وحدثنا محمد بن طلحة، عن عبد الرحمن بن ثردان أبي قيس الأودي قال: كان الأسود بن يزيد يجهد نفسه في الصوم والعبادة حتى يضمر جسده ويصفر، قال: وكان علقمة يقول: ويحك لم تعذب هذا الجسد؟ فيقول: إن الأمر جد، إن الأمر جد.
"الزهد" ص ٤١٧
٣٨٤ - ما جاء في زهد يزيد بن شريك وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه يزيد بن شريك أنه اشترى رقيقا بأربعة آلاف من البصرة فبنوا له داره، قال: ثم باعهم بربح أربعة آلاف. قال: فقلت له: يا أبت، لو عدت إلى البصرة فاشتريت مثل هؤلاء فربحت فيهم! قال: يا بني، لم تقول لي هذا؟ ! فواللَّه ما فرحت بها حين أصبتها، ولا حدثت نفسي أن أعود فأصيب مثلها.
"الزهد" ص ٤٣٠
стр. 529
٣٨٥ - ما جاء في زهد زياد بن حدير وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا محمد بن سابق، حدثنا مالك ابن مغول، عن أبي ضمرة، عن زياد بن حدير قال: لوددت أني في حَيْر (١) من حديد معي فيه ما يصلحني، لا أكلم الناس ولا يكلموني حتى ألقى اللَّه .
"الزهد" ص ٤٤٢
٣٨٦ - ما جاء في زهد أبي البختري الطائي وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا مسكين، أنبأنا سفيان، عمن أخبره، عن أبي البختري الطائي قال: لأن أكون في قوم أتعلم منهم أحب إليّ من أن أكون في قوم أعلمهم.
"الزهد" ص ٤٣٠
٣٨٧ - ما جاء في زهد أبي وائل شقيق بن سلمة وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن جعفر، غندر، عن شعبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم قال: ما من قرية إلا وفيها من يدفع عن أهلها به، وإني لأرجو أن يكون أبو وائل منهم.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، عن أبي عوانة، عن عاصم أن أبا وائل كان له خص قصب، فكان يكون فيه هو وفرسه، فإذا غزا نقضه وتصدق به، فإذا رجع أنشأ بناءه.
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا حجاج، حدثنا المسعودي، عن
стр. 530
عاصم، عن أبي وائل أنه كان إذا خرج من العشاء الآخرة وضع جبهته ساجدًا ثم قال: اللهم إن تعف عني تعف عني طولا منك، وإن تعذبني تعذبني غير ظالم ولا مسبوق.
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن، حدثني معروف بن واصل قال: رأيت إبراهيم التيمي يقص، وعنده أبو وائل وهو يبكي.
"الزهد" ص ٤٢٧ - ٤٢٨
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر، عن عاصم قال: كان زر أكبر من أبي وائل، فكانا إذا جلسا جميعا لم يحدث أبو وائل مع زر، قال: وكنت أسمع أبا وائل وهو خال في بيته يقول في سجوده: ربِّ اغفر لي، ربِّ اعف عني فإنك إن تعفُ عني تعفُ عني طولا من قبلك، وإن تعذبني تعذبني غير ظالم ولا مسبوق. ثم ينشج كأشد نشيج ثكلى سمعتها، ولو أعطي على أن يراه أحد يبكي، أي: ما فعل.
"الزهد" ص ٤٣٠ - ٤٣١
٣٨٨ - ما جاء في زهد ميمون بن أبي شبيب وأخباره
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا حسين بن علي، عن الحسن بن الحر، عن ميمون بن أبي شبيب، قال: أردت الجمعة زمن الحجاج، قال: فتهيأت للذهاب، قال: ثم قلت: أين أذهب أصلي خلف هذا؟ فقلت مرة: أذهب. وقلت مرة: لا أذهب. قال: فأجمع رأيي على الذهاب. قال: فناداني مناد من جانب البيت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، قال: فذهبت. قال: وجلست مرة أكتب كتابا. قال: فعرض لي شيء إن أنا كتبته زين كتابي