← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

فلهن ما للأنثيين؛ وهو الثلثان لا يتجاوزنه لكثرتهن؛ ليعلم أن حكم الجماعة حكم الثنتين بغير تفاوت. وقيل: إن البنتين أمس رحمًا بالميت من الأختين؛ فأوجبوا لهما ما أوجب اللَّه للأختين، ولم يروا أن يقصروا بهما عن حظ من هو أبعد رحما منهما. وقيل: إن البنت لما وجب لها مع أخيها الثلث كانت أحرى أن يجب لها الثلث إذا كانت مع أخت مثلها، ويكون لأختها معها مثل ما كان يجب لها ـ أيضا ـ مع أخيها لو انفردت معه، فوجب لهما الثلثان (وَلِأَبَوَيْهِ) الضمير للميت، و (لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا) بدل من (لِأَبَوَيْهِ) بتكرير العامل. وفائدة هذا البدل: أنه لو قيل: ولأبويه السدس؛ لكان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: إن البنتين) عطف على قوله: "والذي يعلل به قولهم" يعني: فقد أعطوهما حكم الجماعة: إما بطريقة الاستنباط من الآية، أو القياس على الأختين أو على البنت مع أخيها؛ بيانه ما قال الإمام: إنه تعالى ذكر في الآية حكم الواحدة من البنات، وحكم الثلاث فما فوقهن، ولم يذكر حكم الثنتين، وقال في شرح ميراث الأخوات: (إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ) [النساء: ١٧٦] وها هنا ذكر ميراث الأخت الواحدة والاثنتين ولم يذكر ميراث الأخوات الكثيرات، فصار كل واحدة من هاتين الآيتين مجملاً من وجه، ومبيناً من وجه؟ فنقول: لما كان نصيب الأختين الثلثين كانت البنتان أولى بهما؛ لأنهما أقرب منهما، ولما كان نصيب البنات الكثيرات لا يزداد على الثلثين وجب ألا يزداد نصيب الأخوات على ذلك؛ لأن البنت أشد اتصالاً من الأخت، فوجب ألا يكون حكمها أضعف. قوله: (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) بدل من (لأبَوَيْهِ) بتكرير العامل)، الانتصاف: الأولى أن يقدر المبتدأ، والمعنى: لأبويه الثلث، ثم يفصل بقوله: (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ). ودل التفصيل على المبتدأ المحذوف، ويستقيم على هذا جعله من بدل التقسيم، كقولك: الدار لثلاثة: لزيد ثلثها، ولعمرو ثلثها، ولبكر ثلثها، ولا يستقيم هذا إذا لم يقدر المبتدأ.

стр. 1787

ظاهره اشتراكهما فيه. ولو قيل: ولأبويه السدسان؛ لأوهم قسمة السدسين عليهما على التسوية وعلى خلافها. فإن قلت: فهلا قيل: ولكل واحد من أبويه السدس! وأي فائدة في ذكر الأبوين أوّلا، ثم في الإبدال منهما؟ قلت: لأنّ في الإبدال والتفصيل بعد الإجمال تأكيدًا وتشديدًا، كالذي تراه في الجمع بين المفسر والتفسير. و (السدس): مبتدأ، وخبره: (لِأَبَوَيْهِ). والبدل متوسط بينهما للبيان. وقرأ الحسن ونعيم بن ميسرة (السُّدُسُ) بالتخفيف، وكذلك الثلث، والربع، والثُّمن. والولد: يقع على الذكر والأنثى، ويختلف حكم الأب في ذلك: فإن كان ذكراً اقتصر بالأب على السدس، وإن كانت أنثى عُصِّبَ مع إعطاء السُّدس. فإن قلت: قد بين حكم الأبوين في الإرث مع الولد ثم حكمهما مع عدمه، فهلا قيل: فإن لم يكن له ولد فلأمه الثلث! وأي فائدة في قوله: (وَوَرِثَهُ أَبَواهُ)؟ قلت: معناه: فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فحسب، فلأمه الثلث مما ترك، كما قال: (لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ)؛ لأنه إذا ورثه أبواه مع أحد الزوجين، كان للأم ثلث ما بقي بعد إخراج نصيب الزوج، لا ثلث ما ترك، إلا عند ابن عباس. والمعنى: أن الأبوين إذا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ("السدس" بالتخفيف). قال الزجاج: يجوز تخفيف هذه الأشياء لثقل الضم، ومن زعم أن الأصل التخفيف فثقل فخطأ؛ لأن الكلام مطلوب منه التخفيف. قوله: (لا ثلث ما ترك إلا عند ابن عباس)، الانتصاف: مذهب ابن عباس أن الإخوة يأخذون السدس الذي حجبوا الأم عنه مع وجود الأب، فيقيد قوله: (وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ) [النساء: ١١] الاحتراز مما لو كان معهما إخوة فلها السدس، كأنه قال: إن لم يكن له إخوة فلأمه الثلث، وإن كانوا فلها السدس، وابن عباس لا يرى التقييد بعدم الزوجين؛ لأن ثلث الأم عنده لا يتغير بهما.

стр. 1788

خلصا تقاسما الميراث: للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن قلت: ما العلة في أن كان لها ثلث ما بقي دون ثلث المال؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أنّ الزوج إنما استحق ما يسهم له بحق العقد لا بالقرابة، فأشبه الوصية في قسمة ما وراءه. والثاني: أن الأب أقوى في الإرث من الأم، بدليل أنه يضعف عليها إذا خلصا ويكون صاحب فرض وعصبة، وجامعًا بين الأمرين، فلو ضرب لها الثلث كَمَلا لأدى إلى حط نصيبه عن نصيبها. ألا ترى أن امرأة لو تركت زوجا وأبوين فصار للزوج النصف وللأم الثلث والباقي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال الإمام الرافعي: إن الشيخ أبا حاتم القزويني لما حكى مذهب ابن عباس في زوج وأبوين، وهو أن للأم الثلث كاملاً؛ قال: وبه قال شيخنا، يعني أبا الحسين ابن اللبان. قوله: (ألا ترى أن امرأة لو تركت زوجاً وأبوين)، قال الزجاج: فلما أعلمنا الله تعالى أن للأم الثلث علمنا أن للأب الثلثين، فلما دخل عليهما داخل وأخذ نصف المال؛ دخل النقص عليهما جميعاً، وأيضاً إنه تعالى قال: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ) [النساء: ١١] وها هنا لم يرثه أبواه فقط، وورثه معهما الغير، فرجع ميراث الأم إلى ثلث ما يبقى. قوله: (فطار للزوج)، صح بالطاء غير المعجمة، أي: أعطي نصيبه من غير نزاع ولا افتقار إلى فكر وروية، ويفهم منه أن نصيب الأبوين محتاج فيه إلى نظر واستدلال؛

стр. 1789

للأب؛ حازت الأم سهمين والأب سهمًا واحدًا، فينقلبُ الحكم إلى أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين؟ (فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ): الإخوة يحجبون الأم عن الثلث وإن كانوا لا يرثون مع الأب؛ فيكون لها السدس وللأب خمسة الأسداس، ويستوي في الحجب الاثنان فصاعدا إلا عند ابن عباس. وعنه: أنهم يأخذون السدس الذي حجبوا عنه الأم. فإن قلت: فكيف صحّ أن يتناول الإخوة الأخوين، والجمع خلاف التثنية؟ قلت: الإخوة تفيد معنى الجمعية المطلقة بغير كمية، والتثنية كالتثليث والتربيع في إفادة الكمية، وهذا موضع الدلالة على الجمع المطلق، فدل بالإخوة عليه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لئلا ينعكس الحكم؛ ولهذا قال: "فينقلب الحكم إلى أن يكون للأنثى مثل حظ الذكرين"، النهاية: في حديث أم العلاء الأنصارية: اقتسمنا المهاجرين، وطار لنا عثمان بن مظعون، أي: حصل نصيبنا منهم عثمان. قوله: (الإخوة تفيد معنى الجمعية المطلقة) أي: من غير نظر إلى حقيقته في الكمية بأن أقل الجمع ثلاثة أو اثنان، بل إلى مجرد معناه، قال في "البقرة": "اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد"، وقال محيي السنة: معنى الجمع: ضم الشيء إلى الشيء، فهو صادق على اثنين فما فوقه. قوله: (الذي حجبوا عنه) ويروى: "الذين"، وقيل: هو أصح، وهو بدل من فاعل "يأخذون". قوله: (وهذا موضع الدلالة على الجمع المطلق) أي: في هذا المقام ما يوجب الحمل على الجمعية المطلقة، وهو أن الأكثرين من الصحابة أجمعوا على إثبات الحجب في الأخوين، كما في الثلاثة، سوى ابن عباس، روي أنه احتج على عثمان ﵄: الأخوان كيف يردان الأم من الثلث إلى السدس، والله تعالى يقول: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ) [النساء: ١١]،

стр. 1790

وقرئ: (فلإمّه)، بكسر الهمزة اتباعًا للجرّة: ألا تراها لا تُكسر في قوله (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً) [المؤمنون: ٥٠]؟ (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ) متعلق بما تقدمه من قسمة المواريث كلها، لا بما يليه وحده، كأنه قيل: قسمة هذه الأنصباء كلها من بعد وصية يوصى بها. وقرئ (يُوصِي بِها) بالتخفيف والتشديد. و (يُوصِي بِها) على البناء ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والأخوان ليسا بإخوة؟ فقال عثمان: لا أستطيع رد قضاء قضي به ومضى في الأمصار ذكره. هذا ما ذكره في "الشرح الكبير". وقال الزجاج: قال جميع أهل اللغة: إن الأخوين جماعة؛ لأنك إذا ضممت واحداً إلى واحد فهما جماعة. وحكى سيبويه أن العرب تقول: قد وضعا رحالهما، يريدون رحليهما، وما كان في الشيء منه واحد فتثنيته جمع أيضاً؛ لأن الأصل إنما هو الجمع؛ قال الله تعالى: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) [التحريم: ٤]. قوله: (وقرئ: "فلإمه" بكسر الهمزة) قرأها حمزة والكسائي، وأكثر القراء بالضم. قال الزجاج: والضم أكثر القراء، فإذا كان ما قبل الهمزة غير كسر فالضم لا غير، لقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ) [المؤمنون: ٥٠]، وإذا كان مكسوراً كقوله: (فِي أُمِّهَا رَسُولاً) [القصص: ٥٩] (فَلأُمِّهِ السُّدُسُ) [النساء: ١١] فجاز الكسر للاستثقال، وليس في كلامهم مثل "فعل" بكسر الفاء وضم العين، فلما اختلطت اللام بالاسم شبه بالكلمة الواحدة؛ فأبدل من الضمة كسره. قوله: ((يُوصِي بِهَا) بالتخفيف) قراءة السبعة، والتشديد: شاذة، "و (يوصى بها) على البناء للمفعول مخففاً" ابن كثير وابن عامر وأبو بكر.

стр. 1791

للمفعول مخففًا: فإن قلت: ما معنى (أو)؟ قلت: معناها الإباحة، وأنه إن كان أحدهما أو كلاهما، قدم على قسمة الميراث، كقولك: جالس الحسن أو ابن سيرين. فإن قلت: لم قدّمت الوصية على الدين والدين مقدم عليها في الشريعة؟ قلت: لما كانت الوصية مشبهة للميراث في كونها مأخوذة من غير عوض؛ كان إخراجها مما يشق على الورثة ويتعاظمهم، ولا تطيب أنفسهم بها، فكان أداؤها مظنة للتفريط، بخلاف الدين؛ فإنّ نفوسهم مطمئنة إلى أدائه، فلذلك قدمت على الدِّين؛ بعثًا على وجوبها والمسارعة إلى إخراجها مع الدين، ولذلك جيء بكلمة «أو» للتسوية بينهما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (معناها الإباحة) كذا عن الزجاج، قيل: فيه نظر؛ لأنه مخالف لما في "المفصل": "أو" في الخبر للشك، وفي الأمر للتخيير والإباحة، وجوابه: أن الخبر ها هنا في معنى الأمر؛ لما سبق أن معنى (يُوصِيكُمْ اللَّهُ): يعهد إليكم ويأمركم (فِي أَوْلادِكُمْ) في شأن ميراثهم؛ ولهذا مثله بقوله: "جالس الحسن أو ابن سيرين"، ويؤكده قوله بعد ذلك: "ولذلك جيء بكلمة (أَوْ) للتسوية بينهما في الوجوب". قوله: (لم قدمت الوصية على الدين والدينُ مقدم؟ ٩ الانتصاف: وفيه عندي وجه، وهو أن الآية ما جاءت على ترتيب الواقع شرعاً؛ فإن المبدوء به الدين ثم الوصية ثم الوراثة، ولو أسقطت ذكر (بَعْدِ) فقلت: أخرجوا الميراث والوصية والدين، لم يكن ورود السؤال، وفيه نظر؛ لأن الآية واردة في حكم الميراث أصالة؛ لأنها بيان لقوله تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ) [النساء: ٧] كما سبق، فكان ذكر الوصية والدين كالاستطراد، وذكر (مِنْ بَعْدِ) أمارة عليه؛ فكأنهما حكم واحد في كونهما مقدمين على الميراث، والظاهر تقدم الدين على الوصية فيرد السؤال.

стр. 1792

في الوجوب، ثم أكد ذلك ورغب فيه بقوله: (آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ) أي: لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يموتون، أمّن أوصى منهم أمّن لم يوص؟ يعنى: أن من أوصى ببعض ماله فعرّضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعًا وأحضرُ جدوى ممن ترك الوصية، فوفر عليكم عرض الدنيا وجعل ثواب الآخرة أقرب وأحضر من عرض الدنيا؛ ذهابًا إلى حقيقة الأمر؛ لأن عرض الدنيا وإن كان عاجلًا قريباً في الصورة، إلا أنه فانٍ، فهو في الحقيقة الأبعد الأقصى، وثواب الآخرة وإن كان آجلا إلا أنه باقٍ، فهو في الحقيقة الأقرب الأدنى. وقيل: إن الابن إن كان أرفع درجة من أبيه في الجنة سأل أن يرفع أبوه إليه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: إن الابن) قيل: هو معطوف من حيث المعنى على قوله: (لا تَدْرُونَ)، والتحقيق أن يقال: هو عطف على "قيل" مقدراً هناك، وقيل: الأصح أنه معطوف على قوله: "ثم أكد ذلك ورغب فيه". وقلت: الظاهر أنه عطف على جملة قوله: "يعني أن من أوصى ببعض ماله" إلى آخره؛ لأن المراد بالنفع في قوله: (أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً) على هذا ثواب الآخرة مطلقاً، وعلى الثاني: النفع مختص بالشفاعة، وعلى الوجه الآتي، وهو قيل: فرض الله النفع مختص بالدنيا بوضع الأموال في مواقعها. وأما قوله: "وقيل: الأب تجب" عطف على الوجه الثالث، وتنزيله منه تنزيل الوجه الثاني على الأول فليتدبر. وأما قضية التأكيد فهي أن تجعل الجملة معترضة، والمعترضة تؤكد معنى الكلام السابق، والسابق في أمر الوصية، لا في الرفع إلى الجنة، ولا في النفقة؛ ومن ثم قال: "وليس شيء من الأقاويل بملائم للمعنى ولا مجاوب له". قال القاضي: هو اعتراض لأمر القسمة، وذلك أن قوله: (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) وقوله: (وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) كلام في حق المتوالدين، أي: لا تعلمون من أنفع لكم ممن يرثكم من أصولكم وفروعكم في عاجلكم وآجلكم؛ فتحروا فيهم ما وصاكم الله به، ولا تعمدوا

стр. 1793

فيرفع، وكذلك الأب إن كان أرفع درجة من ابنه، سأل أن يرفع ابنه إليه، فأنتم لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعًا. وقيل: قد فرض اللَّه الفرائض على ما هو عنده حكمة. ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم لكم أنفع، فوضعتم أنتم الأموال على غير حكمة. وقيل: الأب تجب عليه النفقة على الابن إذا احتاج، وكذلك الابن إذا كان محتاجًا فهما في النفع بالنفقة لا يدرى أيهما أقرب نفعا. وليس شيء من هذه الأقاويل بملائم للمعنى ولا مجاوب له؛ لأن هذه الجملة اعتراضية، ومن حق الاعتراض أن يؤكد ما اعترض بينه ويناسبه، والقول ما تقدم. (فَرِيضَةً) نصبت نصب المصدر المؤكد، أي: فرض ذلك فرضاً. (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً) بمصالح خلقه (حَكِيماً) في كل ما فرض وقسم من المواريث وغيرها. (وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إلى تفضيل بعض وحرمانه. وهذا يقرب من قول من قال: قد فرض الله الفرائض … إلى آخره، وهذا أحسن؛ لأن حسن موقع الاعتراض أن يكون أعم من المعترض فيه فلا يختص بأمر الوصية وحده كما اختاره المصنف. قوله: (وقيل: الأب تجب عليه النفقة)، "عليه" متعلق بـ "تجب"، و"على الابن" بقوله: "النفقة"، والضمير المرفوع في قوله: "ما اعترض بينه" عائد إلى "الاعتراض"، والمجرور إلى "ما"، أي: حق الاعتراض أن يؤكد الكلام الذي اعترض عليه هو بين ذكر الكلام ويناسبه.

стр. 1794

الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) ١٢]. (فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ) منكم أو من غيركم، جعلت المرأة على النصف من الرجل بحق الزواج، كما جعلت كذلك بحق النسب، والواحدة والجماعة سواء في الربع والثمن (وَإِنْ كانَ رَجُلٌ) يعنى: الميت. و(يُورَثُ) من: ورث، أي: يورث منه وهو صفة ل (رَجُلٌ). و (كَلالَةً) خبر (كَانَ)، أي: وإن كان رجل موروث منه كلالة، أو يجعل (يُورَثُ) خبر (كَانَ)، و (كَلَالَةً) حالا من الضمير في (يُورَثُ). وقرئ (يورث) و (يورّث) بالتخفيف والتشديد على البناء للفاعل، و (كَلَالَةً) حال أو مفعول به. فإن قلت: ما الكلالة؟ قلت: ينطلق على ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (جعلت المرأة على النصف من الرجل بحق الزواج، كما جعلت كذلك بحق النسب). قال القاضي: هكذا قياس كل رجل وامرأة اشتركا في الجهة والقرب، ولا يستثنى منه إلا أولاد الأم، والمعتق والمعتقة. قوله: (من: ورث، أي: يورث منه) يعني: هو من الثلاثي لا من المزيد. المغرب: ورث أباه مالاً يرث وراثة، وهو وارث، والأب والمال كلاهما موروث ومنه: "إنا معشر الأنبياء لا نورث" وأورثه مالاً: تركه ميراثاً له. قوله: (على البناء للفاعل) أي: يورث رجل الوارث المال، فحذف المفعولين إلا أن يقال: إن (كَلالَةً) مفعول "يورث". قوله: (و (كَلالَةً) حال أو مفعول به) فإن قلت: لمَ لمْ يجز على هذا أن يكون (يُورَثُ) صفة رجل، و (كَلالَةً) خبر (كَانَ) كما سبق؟ قلت: لا يجوز؛ لأن التركيب حينئذ مشابه لباب التنازع؛ لأن "كان" الناقصة تستدعي خبراً، و (يُورَثُ)

стр. 1795

ثلاثة أقسام: على من لم يخلف ولداً ولا والداً، وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين، وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد، ومنه قولهم: (ما ورث المجد عن كلالة)، كما تقول: ما صمت عن عىّ، وما كف عن جبن. والكلالة في الأصل: مصدر بمعنى الكلال، وهو ذهاب القوّة من الإعياء. قال الأعشى: فَآلَيْتُ لا أرثي لَهَا مِنْ كَلَالَةٍ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [تستدعي] مفعولاً به، ولما كانت الكلالة أقرب إلى (يُورَثُ)؛ فالأفصح إعماله فيه فلا يبقى لـ (كَانَ) خبر، ولا يصح أن يقدر (كَلالَةً) مثل المذكور، ولأن (كَلالَةً) إذا كانت مفعولاً به فالرجل حينئذ: من ليس بوالد ولا ولد، وإذا كانت خبراً لـ (كَانَ) فالرجل: من لم يخلف ولداً (ولا والداً)؛ فهذا خلف، فعلم أن (كَانَ) إذا كانت تامة جاز ذلك، وبه قال أبو البقاء: (كَانَ) هي تامة، و (رَجُلٌ): فاعلها، و (يُورَثُ): صفة له، و (كَلالَةً): حال من الضمير في (يُورَثُ)، والكلالة على هذا: اسم للميت الذي لم يترك ولداً ولا والداً. قوله: (على من لم يخلف ولداً ولا والداً) إلى آخره، وقيل: الكلالة على الوجهين الأولين: اسم عين، وعلى الثالث: اسم معنى، قال أبو البقاء: قيل: الكلالة: اسم للمال الموروث؛ فعلى هذا تنتصب (كَلالَةً) على المفعول الثاني لـ (يُورَثُ) كما تقول: ورث زيد مالاً، وأحد المفعولين محذوف، والتقدير: يورث أهله مالاً. قوله: (ومنه قولهم) أي: من أن الكلالة تطلق على القرابة، و"عن" في الأمثلة كـ "عن" في قوله: ينهون عن أكل وعن شرب قوله: (فآليت لا أرثي لها من كلالة)، تمامه: ولا من حفاً حتى تلاقي محمدا

стр. 1796

فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد؛ لأنها بالإضافة إلى قرابتهما كآلة ضعيفة، وإذا جعل صفة للموروث أو الوارث فبمعنى ذي كلالة، كما تقول: فلان من قرابتي، تريد من ذوى قرابتي، ويجوز أن تكون صفة، كالهجاجة والفقاقة للأحمق. فإن قلت: فإن جعلتها اسما للقرابة في الآية فعلام تنصبها؟ قلت: على أنها مفعولٌ له، أي: يورث لأجل الكلالة أو يورث غيره لأجلها، فإن قلت: فان جعلت (يُورَثُ) على البناء للمفعول من أورث، فما وجهه؟ قلت: الرجل حينئذٍ هو الوارث لا الموروث. فان قلت: فالضمير في قوله: (فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا) إلى من يرجع حينئذ؟ قلت: إلى الرجل وإلى أخيه أو أخته، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: "لا أرثي"، أي: لا أرحم، والضمير في "لها": للناقة، "ولا من حفاً" أي: من وجى، قيل: إن الأعشى مدح النبي ﷺ بقصيدة فيها هذا البيت، وأقبل إلى مكة ونزل على عتبة، فسمع به أبو جهل فلم يزالوا يغوونه حتى صدوه، فمات باليمامة كافراً. قوله: (فاستعيرت للقرابة) هذا يدل على أن المنقولات الاصطلاحية كلها استعارات، يدل عليه ما شرطوا من وجود العلاقة المناسبة، وهي التشبيه، وفيه شرط آخر وهو الشهرة في المنقول إليه؛ ومن ثم لمي جعلوها من المجاز. قوله: (فإن جعلت (يُورَثُ) على البناء للمفعول) لما فرغ من تقرير معنى الثلاثي؛ شرع في تقرير المزيد. قوله: (إلى الرجل وإلى أخيه أو أخته) فالتقدير: إن كان رجل وارث يورث من جهة الكلالة، وله أخي رث معه؛ فيرث كل واحد منهما من الميت السدس، وكذا إن كان بدل الأخ الأخت، وحكم المرأة الوارثة مع أخيها أو أختها كذلك، قال القاضي: واكتفى بحكمه

стр. 1797

وعلى الأول إليهما. فإن قلت: إذا رجع الضمير إليهما أفاد استواءهما في حيازة السدس من غير مفاضلة الذكر الأنثى، فهل تبقى هذه الفائدة قائمة في هذا الوجه؟ قلت: نعم؛ لأنك إذا قلت: السدس له، أو لواحد من الأخ أو الأخت على التخيير؛ فقد سوّيت بين الذكر والأنثى. وعن أبى بكر الصديق ﵁: أنه سئل عن الكلالة فقال: أقول فيه برأيي، فإن كان صوابًا فمن اللَّه، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، واللَّه منه بريء. الكلالة: ما خلا الولد والوالد. وعن عطاء والضحاك: أنّ الكلالة هو الموروث. وعن سعيد ابن جبير: هو الوارث. وقد أجمعوا على أنّ المراد أولاد الأم. وتدل عليه قراءة أبىّ: وله أخ أو أخت من الأمّ. وقراءة سعد بن أبي وقاص• وله أخ أو أخت من أم). وقيل: إنما استدل على أن الكلالة هاهنا الإخوة للأم خاصة بما ذكر في آخر السورة من أنّ للأختين الثلثين وأنّ للإخوة كل المال، فعلم هاهنا ـ لما جعل للواحد السدس، وللاثنين الثلث، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن حكم المرأة لدلالة العطف على تشاركهما، ويمكن أن يقال: إن الضمير راجع إلى الرجل، وإلى المرأة، ويكون حكم كل واحد من أخيه أو أخته وأخيها أو أختها حكم كل واحد؛ لاستواء إدلائهما إلى الميت، ولا يبعد أن يجرى على التغليب. قوله: (وعلى الأول) أي: على أن قوله: (يُورَثُ) من ورث، أي: يورث منه، والضمير في "غليهما" للأخ والأخت، والتقدير: إن كان رجل يورث منه من جهة الكلالة وله أخ يرثه، أو أخت ترثه؛ فلكل من الأخ والأخت السدس. قوله: (وقد أجمعوا على أن المراد أولاد الأم) أي: في هذه الآية، يدل عليه ما بعده.

стр. 1798

ولم يزادوا على الثلث شيئاً ـ أنه يعني بهم الإخوة للأم، وإلا فالكلالة عامة لمن عدا الولد والوالد من سائر الإخوة الأخياف والأعيان وأولاد العلات وغيرهم (غَيْرَ مُضَارٍّ): حال، أي: يوصي بها وهو غير مضارّ لورثته، وذلك أن يوصى بزيادة على الثلث، أو يوصى بالثلث فما دونه، ونيته مضارّة ورثته ومغاضبتهم لا وجه اللَّه تعالى. وعن قتادة: كره اللَّه الضرار في الحياة وعند الممات ونهى عنه. وعن الحسن: المضارة في الدين أن يوصى بدين ليس عليه ومعناه الإقرار (وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ) مصدر مؤكد، أي: يوصيكم بذلك وصية، كقوله: (فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) [النساء: ١١]، ويجوز أن تكون منصوبة ب (غَيْرَ مُضَارّ)، أي: لا يضار وصية من اللَّه وهو الثلث فما دونه بزيادته على الثلث، أو: وصية من اللَّه بالأولاد وأن لا يدعهم عالة بإسرافه في الوصية. وينصر هذا الوجه قراءة الحسن: ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الأخياف). الجوهري: الأخياف من الخيف، وهو اختلاف إحدى العينين، يقال: فرس خيفاء: إذا كان إحدى عينيها زرقاء والأخرى سوداء، وإخوة أخياف: إذا كانت أمهم واحدة والآباء شتى، والأعيان: هم أولاد الأب والأم، وأعيان القوم: أشراف القوم، وأولاد العلات: أولاد الرجل من نسوة شتى، سميت به لأن أباهم نهل ثم عل، ومنه حديث علي ﵁: أن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، وأن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات، الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه. أخرجه الترمذي وابن ماجة. قوله: (وينصر هذا الوجه) أن تكون (وَصِيَّةً) منصوبة بـ (غَيْرَ مُضَارٍّ)؛ لأن

стр. 1799

(غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ) بالإضافة (وَاللَّهُ عَلِيمٌ) بمن جار أو عدل في وصيته (حَلِيمٌ) عن الجائر لا يعاجله، وهذا وعيد. فإن قلت: في: (يُوصي) ضمير الرجل إذا جعلته الموروث، فكيف تعمل إذا جعلته الوارث؟ قلت: كما عملت في قوله تعالى: (فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ) [النساء: ١١]؛ لأنه علم أن التارك والموصي هو الميت. فإن قلت: فأين ذو الحال فيمن قرأ (يُوصَى بِهَا) على ما لم يسم فاعله؟ قلت: يضمر يوصي فينتصب عن فاعله؛ لأنه لما قيل (يُوصَى بِهَا) علم أن ثم موصيا، كما قال: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيها) [النور: ٣٦] على ما لم يسمّ فاعله؛ فعلم أن ثمَّ مسبحا؛ فأضمر يسبح فكما كان (رِجَالٌ) [النور: ٣٦] فاعل ما يدل عليه (يُسَبّحُ)، كان غَيْرَ مُضَارٍّ) حالًا عما يدل عليه (يُوصَى بِهَا). (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ* ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قراءة الحسن: (غير مضار وصية من الله) بالإضافة من إضافة العامل إلى المعمول. قال أبو البقاء: في قراءة الحسن: (غير مضار) وجهان، أحدهما تقديره: غير مضار أهل وصية، أو ذي وصية؛ فحذف المضاف، والثاني تقديره: غير مضار وقت وصية، فحذف، وهو من إضافة الصفة إلى الزمان، ويقرب منه قولهم: هو فارس حرب، أي: فارس في الحرب، فالتقدير: غير مضار الورثة في وقت الوصية. قوله: (فكيف تعمل إذا جعلته الوارث؟ ) يعني: إذا جعل (يُورَثُ) من: ورث، أي: يورث فيه؛ يكون فاعل (يوصي) ضمير الموروث فيستقيم المعنى، وأما إذا جعل من أورث على بناء المفعول فلا يصح؛ لأن الموصي الموروث لا الوارث، وأجاب: أضمر فيه ضمير الموروث ولا يكون من الإضمار قبل الذكر؛ لأنه علم أن التارك والموصي هو الميت.

стр. 1800

وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ) ١٣ ـ ١٤]. (تِلْكَ): إشارة إلى الأحكام التي ذكرت في باب اليتامى والوصايا والمواريث، وسماها حدوداً؛ لأن الشرائع كالحدود المضروبة الموقتة للمكلفين؛ لا يجوز لهم أن يتجاوزوها ويتخطوها إلى ما ليس لهم بحق (يُدْخِلْهُ) قرئ بالياء والنون، وكذلك (يُدْخِلْهُ ناراً) وقيل: (يُدْخِلهُ)، و (خَالِدينَ) حملا على لفظ «من» ومعناه. وانتصب (خَالِدينَ) و (خَالِداً) على الحال. فان قلتَ: هل يجوزُ أن يكونا صفتين ل (جَنَّاتٍ) و (نَاراً)؟ قلت: لا؛ لأنهما جريا على غير من هما له، فلا بدّ من الضمير وهو قولك: خالدين هم فيها، وخالداً هو فيها. (وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥) وَالَّذانِ يَاتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً) ١٥ ـ ١٦]. (يَاتِينَ الْفاحِشَةَ): يرهقنها، يقال أتى الفاحشة وجاءها وغشيها ورهقها بمعنى. وفي قراءة ابن مسعود: يأتين بالفاحشة، والفاحشة: الزنا لزيادتها في القبح على ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بالياء والنون). بالنون: نافع وابن عامر، وبالياء: الباقون. قوله: (فلابد من الضمير) وذلك أن الخلود ليس بفعل لها، وإنما هو فعل أهلها؛ فلو جعل صفة لجيء بالضمير ظاهراً، كما ذكره في المتن، ولما لم يظهر علم أنه حال. قال القاضي: هي حال مقدرة، كقولك: مررت برجل معه صقر صائداً به غداً.

стр. 1801

كثير من القبائح (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ): قيل: معناه: فخلدوهن محبوساتٍ في بُيوتكم، وكانَ ذلك عقوبتهن في أول الإسلام، ثم نسخ بقوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي … ) الآية [النور: ٢]، ويجوز أن تكون غير منسوخة بأن يترك ذكر الحدّ؛ لكونه معلوما بالكتاب والسنة، ويوصى بإمساكهن في البيوت، بعد أن يحددن؛ صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا): هو النكاح الذي يستغنين به عن السفاح. وقيل: السبيل هو الحد؛ لأنه لم يكن مشروعًا ذلك الوقت. فإن قلت: ما معنى (يَتَوفَّاهُنَّ المَوتُ) ـ والتوفي والموت ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فخلدوهن محبوسات في بيوتكم)، فسر "أمسكوهن" بمعنى الحبس، ثم وضع "خلدوهن" مكان "أحبسوهن" باستعانة قوله: (حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ) حيث جعل الموت غاية للإمساك في البيوت. قوله: (ويوصى بإمساكهن في البيوت)، ومنه ما روى أبو داود والنسائي، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إن لي امرأة لا ترد يد لامس، فقال النبي ﷺ : "طلقها"، فقال: إني أحبها، وهي جميلة، قال: "فأمسكها إذاً". النهاية: قيل: معنى "لا ترد يد لامس": إجابتها لمن أرادها، وخاف النبي ﷺ إن هو أوجب عليه طلاقها أن تتوق نفسه إليها فيقع في الحرام، وقيل: معناه: أنها تعطي من ماله من يطلب منها، وهذا أشبه. قال أحمد: لم يكن ليأمره بإمساكها وهي تفجر. وقلت: إذا حمل الحديث على معنى الآية لم يحتج إلى مثل هذا التأويل البعيد.

стр. 1802

بمعنى واحد، كأنه قيل: حتى يميتهن الموت! قلت: يجوز أن يراد حتى يتوفاهنَّ ملائكة الموت، كقوله: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ) [النحل: ٢٨]، (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ) [النساء: ٩٧]، (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ) [السجدة: ١١]، أو حتى يأخذهن الموت ويستوفى أرواحهن. (وَالَّذانِ يَاتِيانِها مِنْكُمْ): يريد الزاني والزانية (فَآذُوهُما): فوبخوهما وذمّوهما وقولوا لهما: أما استحييتما، أوما خفتما اللَّه! (فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا) وغيرا الحال (فَأَعْرِضُوا عَنْهُما) واقطعوا التوبيخ والمذمة، فإن التوبة تمنع استحقاق الذم والعقاب. ويحتمل أن يكون خطاباً للشهود العاثرين على سرهما، ويراد بالإيذاء ذمهما وتعنيفهما وتهديدهما بالرفع إلى الإمام والحد. (فَإن تَابَا) قبل الرفع إلى الإمام (فَأَعرِضُوا عَنْهُمَا) ولا تتعرضوا لهما. وقيل: نزلت الأولى في السحاقات وهذه في اللواطين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حتى يتوفاهن ملائكة الموت) فهو من الإسناد المجازي، كقوله: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) [محمد: ٤] أي: أصحابها. قوله: (أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن) وعلى هذا فهو استعارة تبعية أو مكنية: جعل الموت كالشخص المتوفي، والتوفي كأخذ الرجل حقه، على التخييلية. قوله: (ويحتمل أن يكون خطاباً للشهود) عطف على قوله: "فوبخوهما"، والمخاطبون الحكام، أو كل واحد، أي: واللذان يأتيانها منكم أيها المؤمنون فوبخوهما وذموهما، أو: واللذان يأتيانها من جنسكم ومما يتصل بكم أيها الشهود فهددوهما بالرفع إلى الحكام. وفي الكلام حذف، أي: (فَآذُوهُمَا): خطاب لكل واحد، ويحتمل أن يكون خطاباً للشهود. قوله: (وهذه في اللواطين). قال الإمام: هذا القول اختيار أبي مسلم الأصفهاني، واحتج بأن قوله: (وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ) [النساء: ١٥] إشارة إلى النسوان، وقد ذكر فيها (مِنْ نِسَائِكُمْ)، وقوله: (وَاللَّذَانِ) إشارة إلى الرجال، ومذكور فيها (مِنكُمْ)، وعلى

стр. 1803

وقرئ: (واللذانّ) بتشديد النون. (واللذانّ): بالهمزة وتشديد النون. (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) ١٧ ـ ١٨]. (التَّوْبَةُ) من: تاب اللَّه عليه؛ إذا قبل توبته وغفر له، يعنى إنما القبول والغفران ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذا التقدير لا يحتاج إلى النسخ. وقال القاضي: هذه الآية سابقة على الأول نزولاً، وكان عقوبة الزنى الأذى ثم الحبس ثم الجلد. قوله: (وقرئ: "واللذان" بتشديد النون): ابن كثير، والقراءة الأخرى: شاذة، ونظيرها: الذأبة والشأبة. قوله: ((التَّوْبَةُ) من: تاب الله عليه). الجوهري: تاب إلى الله توبة نصوحاً ومتاباً، وقد تاب الله عليه، أي: وفقه لها، وتحقيقه: أن العبد إذا أذنب أعرض الله عنه، وإذا تاب ورجع إلى الله أقبل الله عليه بقبول توبته. وقوله: (عَلَى اللَّهِ) متعلق بمحذوف وهو: "واجب". روى الإمام عن القاضي أنه قال: يجب على الله قبول التوبة عقلاً، ولأن "على" كلمة الوجوب، ولأنه لو حمل قوله: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) على مجرد القبول لم يبق بينه وبين قوله: (فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) فرق، ولو حمل ذلك على الوجوب، وهذا على الوقوع؛ ظهر الفرق. ثم قال الإمام: إنه تعالى وعد بقبول التوبة، فإذا وعد شيئاً لابد أن ينجز وعده؛ لأن الخلف في وعده محال، ولما كان ذلك شبيهاً

стр. 1804

واجب على اللَّه تعالى لهؤلاء. (بِجَهالَةٍ): في موضع الحال، أي: يعملون السوء جاهلين سفهاء؛ لأنَّ ارتكاب القبيح مما يدعو إليه السفه والشهوة، لا مما تدعو إليه الحكمة والعقل. وعن مجاهد: من عصى اللَّه فهو جاهل حتى ينزع عن جهالته (مِنْ قَرِيبٍ): من زمانٍ قريب. والزمان القريب: ما قبل حضرة الموت، ألا ترى إلى قوله: (حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ) فبين أنّ وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة فبقي ما وراء ذلك في حكم القريب. وعن ابن عباس: قبل أن ينزل به سلطان الموت. وعن الضحاك: كل توبة قبل الموت فهو قريب. وعن النخعي: ما لم يؤخذ بكظمه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالواجب قيل: وجب على الله، مجازاً. فقوله: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) إعلام بأن الله يقبل التوبة على سبيل التفضل، وقوله: (فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) إخبار بأن الله تعالى سيفعل ذلك. أو أن قوله: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) معناه: إنما الهداية إلى التوبة والإرشاد إليها، وقوله: (فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) إخبار بقبول التوبة، هذا هو الجواب على السؤال الآتي. وأما قول المصنف: "كما يجب على العبد بعض الطاعات" قياساً على أنه تعالى يلام على الترك؛ فقياس من غير جامع. الانتصاف: هذا مما تقشعر منه الجلود، ومن لطف الله تعالى أن حاكي البدعة ليس بمبتدع، ووجهه عندنا: أن الله تعالى وعدنا قبول التوبة بشروطها، ووقوع الموعود به واجب لصدق الخبر، فكل ما ورد من صيغ الوجوب فهو منزل على وجوب صدق الوعد، وقولنا: صدق الخبر واجب، كقولنا: وجود الله واجب. قوله: (ما لم يؤخذ بكظمه). الكظم، بفتحتين: مجرى النفس. الجوهري: أخذت بكظمه أي: بمخرج نفسه. الراغب: يقال: أخذ بكظمه، والكظوم: احتباس النفس، ويعبر به عن السكوت،

стр. 1805

وروى أبو أيوب عن النبي ﷺ «إنّ اللَّه تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» وعن عطاء: ولو قبل موته بفواق ناقة. وعن الحسن: أنّ إبليس قال حين أهبط إلى الأرض: وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام روحه في جسده، فقال تعالى: وعزتي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر. فإن قلت: ما معنى (مِنْ) في قوله: (مِنْ قَرِيبٍ)؟ قلت: معناه التبعيض، أي: يتوبون بعض زمان قريب؛ كأنه سمي ما بين وجود المعصية وبين حضرة الموت زماناً قريباً، ففي أي جزء تاب من أجزاء هذا الزمان فهو تائب من قريب، وإلا فهو تائب من بعيد. فإن قلت: ما فائدة قوله (فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) بعد قوله: (إِنَّمَا التَّوبَةُ عَلَى اللَّهِ) لهم؟ قلت: قوله: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) إعلامٌ بوجوبها عليه كما يجب على العبد بعض الطاعات، وقوله: (فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ) عدةٌ بأنه يفي بما وجب عليه، وإعلامٌ بأن الغفران كائن لا محالة كما يعد العبد الوفاء بالواجب. (وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ) عطفٌ على (الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ)؛ سوّى بين الذينَ سوّفوا توبتهم إلى حضرة الموت، وبين الذين ماتوا على الكفر في أنه لا توبة لهم؛ لأنّ حضرة الموت أول أحوال الآخرة؛ فكما أنّ المائتَ على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين، فكذلك المسوّف إلى حضرة الموت؛ لمجاوزة كل واحد منهما أوان التكليف والاختيار. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كقولهم: فلان لا يتنفس: إذا وصف بالمبالغة في السكوت. قوله: (وروى أبو أيوب) الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة عن ابن عمر ﵄. غرغر المريض: إذا ترددت روحه في حلقه. قوله: (بفواق) قال في "الفائق": هو ما بين الحلبتين من الوقت؛ لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب، يقال: ما أقام عنده إلا فواقاً.

стр. 1806

(أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ) في الوعيد، نظير قوله: (فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) في الوعد؛ ليتبين أن الأمرين كائنان لا محالة. فإن قلت: مَنِ المراد ب (الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ)؛ أهم الفساقُ من أهل القبلة أم الكفار؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يراد الكفار، لظاهر قوله: (وَهُمْ كُفَّارٌ)؛ وأن يراد الفساق؛ لأن الكلام إنما وقع في الزانيين، والإعراض عنهما إن تابا وأصلحا، ويكون قوله: (وَهُمْ كُفَّارٌ) وارداً على سبيل التغليظ كقوله: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) [آل عمران: ٩٧] وقوله: «فليمت إن شاء يهوديًا أو نصرانيًا» «من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر»؛ لأن من كان مصدقًا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من المراد بـ (الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ)؟ ) فإن قلت: هذا السؤال مستدرك؛ لأنه ذكر أن قوله: " (وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ) عطف على (الَّذِينَ يَعْمَلُونَ) "، وقال: "سوى بين الذين سوفوا توبتهم إلى حضرة الموت وبين الذين ماتوا على الكفر"؛ فعلم منه أن الذين يعملون السيئات هم الفساق، والذين يموتون وهم كفار هم الكفار؟ قلت: لا، لأن قوله: (لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ) لا توقيت فيه، فكما صح أن يكون السياقـ وهو قوله: (وَهُمْ كُفَّارٌ) ـ قرينة للقيد لذلك السياق، وهو قوله: (وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ) [النساء: ١٥]، وقوله: (وَاللَّذَانِ يَاتِيَانِهَا مِنْكُمْ) [النساء: ١٦]، فلما تعارضا تساقطا. وقلت: وليس كذلك؛ لأن قوله: (وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ) قسيم لقوله: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ) [النساء: ١٧] فدلت الآية الأولى على أن توبة المؤمن إنما تقبل قبل غرغرة الموت، والثانية [على] أنها غير مقبولة عندها؛ يشهد لذلك قوله: (مِنْ قَرِيبٍ) [النساء: ١٧] وقوله: (إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ). قوله: (من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر) أخرجه أحمد بن حنبل في "مسنده".

стр. 1807

ومات وهو لم يحدث نفسه بالتوبة؛ حاله قريبة من حال الكافر؛ لأنه لا يجترئ على ذلك إلا قلب مصمت. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَاتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) ١٩]. (يَا أَيُّهَا الَّذينَ) كانوا يبلون النساء بضروب من البلايا ويظلمونهن بأنواع من الظلم، فزجروا عن ذلك: كان الرجل إذا مات له قريب من أب أو أخ أو حميم عن امرأة، ألقى ثوبَه علَيها وقال أنا أحقُّ بها من كلّ أحد، فقيل (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً) أي: أن تأخذوهنَّ على سبيل الإرثِ كما تُحاز المواريثُ وهن كارهات لذلك: أو مكرهات. وقيل: كان يمسكها حتى تموت، فقيل: لا يحل لكم أن تمسكوهنّ حتى ترثوا منهنَّ وهنّ غير راضيات بإمساككم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قلب مصمت)، الأساس: صمت الرجل وأصمت وأصمته وصمته. وقفل مصمت: قد أبهم إغلاقه. وقال: ومن دون ليلى مصمتات المقاصر قوله: (كان الرجل إذا مات له قريب) وما عطف عليه، وقوله: "وكان الرجل إذا تزوج"، وقوله: "وكانوا يسيئون معاشرة النساء"، وقوله: "وكان الرجل إذا طمحت عينه"، وقوله: "وكانوا ينكحون روابهم" بيان وتفصيل لما أبهم وأجمل بقوله: "وكانوا يبلون النساء بضروب من البلايا"، والمعطوفات على الترتيب تفسير للآيات المتلوات، أولها قوله: (لا يَحِلُّ لَكُمْ) [النساء: ١٩] إلى آخر الآية، إلى قوله: (وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) الآية [النساء: ٢٢]. قوله: (حتى ترثوا منهن) معنى قوله تعالى: (أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ) [النساء: ١٩]، يجوز حمله على: يرثوا أنفسهن كما يأخذون المواريث، أو على: أن يرثوا أموالهن.

стр. 1808

وكان الرجل إذا تزوّج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها مع سوء العشرة والقهر، لتفتدي منه بمالها وتختلع، فقيل: (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَاءَاتَيْتُمُوهُنَّ). والعضل: الحبس والتضييق. ومنه: عضَّلت المرأة بولدها، إذا اختنقت رحمها به فخرج بعضه وبقي بعضه. (إِلَّا أَنْ يَاتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) وهي النشوز، وشكاسة الخلق، وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء والسلاطة، أي: إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فقد عذرتم في طلب الخلع. وتدل عليه قراءة أبىّ: إلا أن يفحشن عليكم. وعن الحسن: الفاحشة: الزنا، فإن فعلت حلّ لزوجها أن يسألها الخلع. وقيل: كانوا إذا أصابت امرأت فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها. وعن أبي قلابة ومحمد بن سيرين: لا يحل الخلع حتى يوجد رجل على بطنها. وعن قتادة: لا يحل أن يحبسها ضراراً حتى تفتدي منه، يعنى: وإن زنت. وقيل: نسخ ذلك بالحدود. وكانوا يسيئون معاشرة النساء فقيل لهم: (وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، وهو النصفة في المبيت والنفقة، والإجمال في القول (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ) فلا تفارقوهن لكراهة الأنفس وحدها فربما كرهت ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومنه: عضلت المرأة بولدها) الراغب: العضلة: كل لحم في عصب، ورجل عضل: مكتنز اللحم، وعضلته: شددته بالعضل المتناول من الحيوان نحو عصبته، وتجوز به في كل منع شديد، قال تعالى: (فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) [البقرة: ٢٣٢]، وعضلت الدجاجة ببيضها والمرأةب ولدها: إذا تعسر خروجهما، وداء عضال: صعب البرء، والعضلة: الداهية المنكرة. قوله: (فربما كرهت) تفسير لقوله تعالى: (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا)، وهو علة لقوله: "فلا تفارقوهن لكراهة الأنفس" وهو الجزاء، والحاصل أن قوله: (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً) وقع في التنزيل جزاء لقوله: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ)، لكنه علة للجزاء المحذوف، المعنى: فإن

стр. 1809

النفس ما هو أصلح في الدين، وأحمد وأدنى إلى الخير، وأحبت ما هو بضد ذلك، ولكن للنظر في أسباب الصلاح. (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَاخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَاخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً) ٢٠ ـ ٢١]. وكان الرجل إذا طمحت عينه إلى استطراف امرأة، بهت التي تحته ورماها بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها؛ ليصرفه إلى تزوّج غيرها. فقيل: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ) الآية. والقنطار: المال العظيم، من قنطرت الشيء إذا رفعته. ومنه القنطرة؛ لأنها بناء مشيد. قال: كَقَنْطَرَةِ الرُّومِىِّ أقْسَمَ رَبُّهَا لَتُكْتَنَفَنْ حَتَّي تُشَادَ بِقِرْمِدِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكراهة (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً)، يتبين هذا بعيد هذا عند قوله: "فإن قلت: من أي وجه صح قوله: (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً) جزاء للشرط؟ ". قوله: (إلى استطراف امرأة) الأساس: استطرفت شيئاً وأطرفته: أخذته طريفاً، وهذه طرفة من الطرف للمستحدث المعجب. وامرأة طرفة: لا تثبت على زوج، تستطرف الرجال. قوله: (بهت التي تحته) الأساس: بهته بكذا وباهته به: رماه بالبهتة، وهي البهتان. قوله: (والقنطار: المال العظيم) الانتصاف: هو تنبيه بالأدنى على الأعلى، ومعنى قوله: (وَآتَيْتُمْ) أي: وكنتم آتيتم؛ إذ إرادة الاستبدال في الظاهر بعد إيتاء المال. قوله: (كقنطرة الرومي) البيت، ربها، أي: صاحبها، لتكتنفن، أي: تكتنفها

стр. 1810

وعن عمر ﵁ أنه قام خطيباً فقال: أيها الناس لا تغالوا بصدق النساء، فلو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند اللَّه لكان أولاكم بها رسول اللَّه ﷺ ، ما أصدق امرأة من نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقية، فقامت إليه امرأةٌ فقالت له: يا أمير المؤمنين؛ لِمَ تمنعنا حقًا جعله اللَّه لنا واللَّه يقول (وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً)، فقال عمر: كل أحد أعلم من عمر ثم قال لأصحابه: تسمعونني أقول مثل هذا القول فلا تنكرونه علىّ حتى تردّ علىّ امرأة ليست من أعلم النساء! والبهتان: أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو بريء منه؛ لأنه يبهت عند ذلك، أي: يتحير. وانتصب (بُهْتاناً) على الحال، أي: باهتين وآثمين، أو على أنه .. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الفعلة، من اكتنفوا به أي: أحاطوا به، تشاد أي: ترفع، القرمد: الآجر، شبه الناقة في تراصف عظامها وتداخل أعضائها بقنطرة، أي: قصر لرجل رومي، أو القنطرة المعروفة. قوله: (وعن عمر ﵁: أنه قام خطيباً) إلى قوله: (اثنتي عشرة أوقية) مذكور في "سنن الترمذي" و"أبي داود" وغيرهما، وليس في الروايات الفصل الأخير، يعني: فقامت … إلى آخره. قوله: (من اثنتي عشرة أوقية) الجوهري: الأوقية في الحديث: أربعون درهماً، وكذلك كان فيما مضى؛ فأما اليوم فيما يتعارفه الناس فالأوقية: وزن عشرة دراهم وخمسة أسباع درهم. قوله: (أي: باهتين) أي: رامين إياهن بالبهتان، "وآثمين": تفسير قوله: (إِثْماً

стр. 1811

مفعول له، وإن لم يكن غرضاً، كقولك: قعد عند القتال جبناً. والميثاق الغليظ: حق الصحبة والمضاجعة، كأنه قيل: وأخذن به منكم ميثاقًا غليظاً، أي: بإفضاء بعضكم إلى بعض. ووصفه بالغلظ لقوّته وعظمه، فقد قالوا: صحبة عشرين يومًا قرابة، فكيف بما يجرى بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟ وقيل: هو قول الوليّ عند العقد: أنكحتك على ما في كتاب اللَّه من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وعن النبي ﷺ : استوصوا بالنساء خيراً؛ فإنهن عوان في أيديكم؛ أخذتموهن بأمانة اللَّه، واستحللتم فروجهن بكلمة اللَّه". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مُبِيناً). قال الزجاج: البهتان: الباطل الذي يتحير من بطلانه، وهو حال موضوعة موضع المصدر. وقلت: البهتان: الباطل هنا بمعنى الظلم والإثم والفعل الباطل، لا قذف البريء، فيكون قوله: (وَإِثْماً مُبِيناً) عطفاً تفسيرياً لـ (بُهْتَاناً). قوله: (والميثاق الغليظ: حق الصحبة والمضاجعة) الراغب: الميثاق الغليظ هو: ما قال ﷺ : "أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله". قوله: (أي: بإفضاء بعضكم إلى بعض) الراغب: أفضى فلان إلى فلان، أي: وصل إلى فضاء منه، أي: سعة غير محظورة، فمن الفقهاء من جعل ذلك عبارة عن الخلوة حصل معها المسيس أو لم يحصل، ومنهم من جعله كناية عن المسيس، وإليه ذهب ابن عباس ومجاهد، ونبه أن المهر بإزاء ذلك المعنى، وقد نلتموه منهن، فال حق لكم إذاً عليهن. قوله: (استوصوا بالنساء) روينا عن الترمذي وابن ماجة، عن عمرو بن الأحوص، أن رسول الله ﷺ قال: "ألا فاستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عوان عندكم، وليس تملكون

стр. 1812

(وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً) ٢٢]. وكانوا ينكحون روابهم، وناس منهم يمقتونه من ذوي مروآتهم، ويسمونه نكاح المقت، وكان المولود عليه يقال له: المقتي. ومن ثم قيل (وَمَقْتاً) كأنه قيل: هو فاحشة في دين اللَّه بالغةٌ في القبح، قبيح ممقوت في المروءة ولا مزيد على ما يجمع القبحين. وقرئ: لا تحل لكم بالتاء، على (أَن ترثوا) بمعنى الوراثة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ منهن غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة" الحديث، قيل: "استوصى" مطاوع "أوصى"، كأنه قال: أوصيكم بالنساء خيراً فاقبلوا وصيتي فيهن، الاستيصاء: قبول الوصية. المغرب: وفي حديث الظهار: "استوصي بابن عمك خيراً"، أي: اقبلي وصيتي فيه. النهاية: العاني: الأسير، وكل من ذل واستكان وخضع فقد عنا يعنو، وهو عان، والمرأة عانية، وجمعها: عوان، أي: أسرى أو كالأسرى، وهو مرفوع على أنه خبر "إن". قوله: (روابهم) الرواب: جمع الرابة، الجوهري: والرابة: امرأة الأب. قوله: (على ما يجمع القبحين) أي: العقلي والشرعي، مذهبه. قوله: (وقرئ: "لا تحل لكم"، بالتاء) وهي شاذة. قوله: ((أَنْ تَرِثُوا) بمعنى الوراثة) وفي بعض النسخ: "على أن (تَرِثُوا) "، والمراد: أن توجيه القراءة بالتاء: أن يكون (تَرِثُوا) بمعنى الوراثة؛ لأن (أَن تَرِثُوا) في موضع رفع

стр. 1813

و (كَرْهًا) بالفتح، والضم، من الكراهة والإكراه. وقرئ (بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) من أبانت بمعنى تبينت أو بينت، كما قرئ (مُبَيِّنَةٍ) بكسر الياء وفتحها. و (يجعل الله) بالرفع، على أنه في موضع الحال: (وآتيتم إحداهن) بوصل همزة (إحْدَاهُنَّ)، كما قرئ (فَلَثْمَ عليه) [البقرة: ١٧٣]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فاعل "تحل"، وفي أكثر النسخ: "على (أَنْ تَرِثُوا) بمعنى الوراثة"، والمعنى على ما مر، و"أن" مقدرة، وعلى القراءة بالياء: على أن (أَن تَرِثُوا) بمعنى الإرث. قال أبو البقاء: (النِّسَاءِ) هو المفعول الأول بمعنى الموروثات، فكانت العرب في الجاهلية ترث نساء آبائها وتقول: نحن أحق بنكاحهن. قوله: (و (كَرْهاً) بالفتح والضم) بالضم: حمزة والكسائي، والباقون: بفتحها. قال أبو البقاء: وهما لغتان بمعنى، وقيل: الفتح بمعنى الكراهية؛ فهو مصدر، والضم: اسم المصدر، وقيل: الضم بمعنى المشقة. قوله: ((مُبَيِّنَةٍ) بفتح الياء وكسرها) بالفتح: ابن كثير وأبو بكر، والباقون: بكسرها. قال أبو البقاء: في هذه القراءة وجهان، أحدهما: أنها هي الفاعلة؛ أي: تبين حال مرتكبها، والثاني: أنه من اللازم، يقال: بان الشيء وأبان وتبين، واستبان وبيَّن، بمعنى واحد. قوله: ((ويجعلُ الله) بالرفع، على أنه في موضع الحال)، قيل: فلا حاجة إذن إلى الواو؛ لأنه مضارع مثبت، إلا أن يقال: لو لم تذكر الواو لالتبس بأن يكون صفة لقوله: (شَيْئاً) كقوله تعالى: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ) [الحجر: ٤] قلت: هذا مخالف لمذهبه؛ لأنه يجوز إدخال الواو بين الصفة والموصوف، فكذلك جوز ها هنا إدخال الواو في

стр. 1814

فإن قلت: (تَعْضُلُوهُنَّ)، ما وجه إعرابه؟ قلت: النصب عطفا على (أَن تَرِثُوا). و (لَا) لتأكيد النفي، أي: لا يحلُّ لكم أن ترثوا النساءَ ولا أن تعضلوهن. فإن قلتَ: أي فرق بين تعدية ذهب بالباء، وبينها بالهمزة؟ قلت: إذا عدي بالباء فمعناه الأخذ والاستصحاب، كقوله تعالى (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ) [يوسف: ٥] وأما الإذهاب: فكالإزالة. فإن قلت: (إِلَّا أَنْ يَاتِينَ) [النساء: ١٩] ما هذا الاستثناء؟ قلت: هو استثناء من أعم عام الظرف أو المفعول له، كأنه قيل: ولا تعضلوهن في جميع الأوقات إلا وقت أن يأتين بفاحشة، أو: ولا تعضلوهنّ لعلة من العلل إلا لأن يأتين بفاحشة. فإن قلت: من أي وجه صح قوله: (فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا) جزاء للشرط؟ قلت: من حيث أنّ المعنى: فإن كرهتموهن فاصبروا عليهنَّ مع الكراهة، فلعل لكم فيما تكرهونه خيراً كثيراً ليس فيما تحبونه. فإن قلت كيف استثني (مَا قَدْ سَلَفَ) مما نكح آباؤكم؟ قلت: كما استثنى «غير أن سيوفهم» من قوله: .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المضارع إذا وقع حالاً، وإن خالف المفصل. قال فخر المشايخ: وقد جاء مع الواو، كقوله تعالى: (أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٤٤] فإن قيل: لم لا يجوز: وأنتم تنسون أنفسكم؛ فتكون الجملة اسمية؟ يقال: لا يستقيم هذا المعنى فيما نحن بصدده إلا على التعسف، بأني قال: أصله: والله يجعل فيه خيراً، ثم حذف المبتدأ وأظهر الفاعل في "يجعل". قوله: (فمعناه: الأخذ والاستصحاب): قال الحريري في "درة الغواص": اختلف النحويون هل بين حرفي التعدية فرق أم لا؟ فقال: الأكثرون هما بمعنى واحد، وقال أبو العباس المبرد: بل بينهما فرق، وهو أنك إذا قلت: أخرجت زيداً، كان بمعنى: حملته على الخروج، وإذا قلت: خرجت به، فمعناه: أنك خرجت واستصحبته معك؛ والقول الأول أصح بدلالة قوله تعالى: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) [البقرة: ١٧]، وقد مر الكلام فيه في البقرة.

стр. 1815

ولا عيبَ فيهم يعنى: إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف، فانكحوه، فلا يحل لكم غيره وذلك غير ممكن، والغرض المبالغة في تحريمه وسدّ الطريق إلى إباحته، كما يعلق بالمحال في التأبيد نحو قولهم: حتى يبيض القار، وحتى يلج الجمل في سم الخياط. (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ٢٣]. معنى (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ): تحريم نكاحهن؛ كقوله: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) [النساء: ٢٢]؛ ولأن تحريم نكاحهن هو الذي يفهم من تحريمهن، كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها، ومن تحريم لحم الخنزير تحريم أكله. وقرئ (وبنات الأخت) بتخفيف الهمزة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولا عيب فيهم) للنابغة، تمامه: ....... غير أن سيوفهم … بهن فلول من قراع الكتائب فلول: جمع فل، وهو كسر في حده، يعني: إذا لم يكن العيب إلا الشجاعة، وهي من أخص أوصاف المدح؛ فإذاً لا عيب فيهم. قوله: ("وبنات الأخت" بتخفيف الهمزة) رواية ورش عن نافع، نقلت حركة همزة "أخت" إلى لام التعريف وحذفت الهمزة.

стр. 1816

وقد نَزَّل اللَّه الرضاعة منزلة النسب، حتى سمى المرضعة أمّا للرضيع، والمراضعة أختًا، وكذلك زوج المرضعة أبوه وأبواه جداه، وأخته عمته، وكل ولد وُلد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده فهم إخوته وأخواته لأبيه، وأم المرضعة جدّته، وأختها خالته، وكل من ولد لها من هذا الزوج فهم إخوته وأخواته لأبيه وأمه، ومن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأمه، ومنه قوله ﷺ «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» وقالوا: تحريم الرضاع كتحريم النسب إلا في مسألتين: إحداهما: أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج أخت ابنه من النسب ويجوز أن يتزوّج أخت ابنه من الرضاع؛ لأن المانع في النسب وطؤه أمَّها، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع؛ والثانية: لا يجوز أن يتزوج أم أخيه من النسب، ويجوز في الرضاع؛ لأن المانع في النسب وطء الأب إياها، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع. (مِنْ نِسائِكُمُ) متعلقٌ بربائبكم. ومعناه أن الربيبة من المرأة المدخول بها محرمة على الرجل، حلال له إذا لم يدخل بها. فإن قلت: هل يصح أن يتعلق بقوله: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) الحديث، أخرجه الترمذي عن علي ﵁. قال القاضي: استثناء أخت ابن الرجل وأم أخيه من الرضاع من هذا الأصل ليس بصحيح؛ فإن حرمتهما في النسب بالمصاهرة دون النسب. تم كلامه. وقيل: يلحق بهما الحفدة، كما لو أرضعت أجنبية ولد ولدك: لم تحرم عليك، فلو كانت من النسب لحرمت؛ لأنها زوجة ابنك أو بنتك، وكذا الجدة كما لو أرضعت أجنبية ولدك ولها أم؛ فإنها جدة الولد من الرضاع ولم تحرم، ولو كانت من النسب لحرمت؛ لأنها أمك أو أم زوجتك.

стр. 1817

(وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ)؟ قلت: لا يخلو إمّا أن يتعلق بهن وبالربائب غير مبهمتين جميعاً؛ وإما أن يتعلق بهن دون الربائب فيكون حرمتهن غير مبهمة، وحرمة الربائب مبهمة، فلا يجوز الأوّل؛ لأن معنى «من» مع أحد المتعلقين، خلاف معناه مع الآخر؛ ألا تراك أنك إذا قلت: وأمّهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ فقد جعلت «من» لبيان النساء، وتمييز المدخول بهنّ من غير المدخول بهنّ. وإذا قلت "وربائبكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ" فإنك جاعل «من» لابتداء الغاية، كما تقول: بنات رسول اللَّه ﷺ من خديجة، وليس بصحيح أن يعنى بالكلمة الواحدة في خطاب واحد معنيان مختلفان! ولا يجوز الثاني؛ لأن ما يليه هو الذي يستوجب التعليق به، ما لم يعترض أمر لا يرد، إلا أن تقول: أُعلِّقه بالنساء والربائب، وأجعل «من» للاتصال ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إما أن يتعلق) لم يرد به تعلق المعمول بالعامل؛ بل أراد به التقييد، يشهد له قوله: "غير مبهمتين" أي: مطلقتين. الإبهام: الإطلاق والإرسال، أي: غير مقيدتين بالدخول، وهذا مذهب بعض الصحابة وقراءتهم كما سيأتي. قوله: (فإنك جاعل "من" لابتداء الغاية) قيل: هذا على خلاف ما في "المفصل": أن معنى الكل راجع إلى ابتداء الغاية، ويندفع بأن "من" الابتدائية مجردة لها، وغيرها متضمنة لها، مع ما يختص به. وقلت: "من" البيانية تقتضي اتحاد الثاني بالأول، والابتدائية توجب إنشاء الأول من الثاني فبينهما تناف. قوله: (ما لم يعترض أمر) أي: الأصل أن يعلق بالأقرب، إلا أن يعترض صارف قوي لا يرد، وهذا مبني على أن المعطوفات المستعقبات للقيد هل يتعلق ذلك القيد بالأخير أم بالمجموع؟ ففيه الخلاف المشهور. قوله: (إلا أن تقول: أعلقه بالنساء والربائب) الاستثناء منقطع، ولابد فيه من تقدير

стр. 1818

كقوله تعالى: (الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) [التوبة: ٦٧]. فإنى لست منك ولست منى ما أنا من ددٍ ولا الدد منى: وأمهات النساء متصلات بالنساء؛ لأنهنّ أمهاتهنّ كما أن الربائب متصلات بأمهاتهن؛ لأنهنّ بناتهنّ. هذا وقد اتفقوا على أن تحريم أمهات ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مضاف؛ أي: أعلقه بأمهات النساء والربائب؛ لاستقامة المعنى، ولأن الكلام سابقاً ولاحقاً وارد في الأمهات والربائب، أما سابقاً: فقوله: "هل يصح أن يتعلق بقوله: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) "، وأما لاحقاً فقوله: "وأمهات النساء متصلات بالنساء". قوله: (فإني لست منك ولست مني) للنابغة، أوله: إذا حاولت في أسد فجوراً قوله: (ما أنا من دد). النهاية: الدد: اللهو واللعب وهي محذوفة اللام، ولا يخلو من أن يكون ياء، كقولهم: "يد" في "يدي"، أو نوناً كقولهم في "لدن": "لد"، ومعنى التنكير في الأول الشياع، أي: ما أنا في شيء من اللهو، والتعريف في الثاني للعهد، كأنه قال: ولا ذلك النوع مني، وإنما لم يقل: ولا هو مني؛ لأن التصريح أبلغ. قوله: (هذا وقد اتفقوا) "هذا": فصل الخطاب، أي: يصح ما قلت على قوانين النحويين، ولكن الإجماع يدفعه. الانتصاف: في الفرق بين الأم تحرم بالعقد وبين البنت لا تحرم إلا بالدخول سر؛ فالمتزوج بالبنت لا يخلو من محاورات ومراجعات تقع بينه وبين أمها بعد العقد وقبل الدخول، فحرمت بالعقد لينقطع شوقه من الأم فيعاملها معاملة المحرم، ولا كذلك عكسه؛ إذ لا يحصل مظنة خلطة الربيبة إلا بالدخول. تم كلامه.

стр. 1819

النساء مبهم دون تحريم الربائب، على ما عليه ظاهر كلام اللَّه تعالى وقد روى عن النبي ﷺ في رجل تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها أنه قال «لا بأس أن يتزوج ابنتها، ولا يحل له أن يتزوج أمها» وعن عمر وعمران بن الحصين ﵄: أن الأم تحرم بنفس العقد. وعن مسروق: هي مرسلة فأرسلوا ما أرسل اللَّه. وعن ابن عباس: أبهموا ما أبهم اللَّه، إلا ما روى عن على وابن عباس وزيد وابن عمر وابن الزبير: أنهم قرءوا: وأمّهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن. وكان ابن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وألطف منه ما يعزى إلى الإمام: أن البنت إذا أبدلت بالأم وأوثرت عليها لم يلحقها المشقة والغيرة ما يلحق البنت إذا أوثرت الأم عليها؛ لشفقة الأم وحنوها، وأنشد في المعنى لأبي الطيب: إنما أنت والد والأب القا … طع أحنى من واصل الأولاد فإن قلت: كيف يستقيم قولك: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) متصلات بـ (نِسَائِكُمْ)؟ قلت: على أن يكون حالاً، أي: متصلات بـ (نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ)؛ فيكون قيداً للمطلق؛ لأن اتصالهن بهن سبب لقيدهن. وأما الزجاج فلم يجوز مثل هذا النحو، أي: أن يكون (مِنْ نِسَائِكُمْ) متعلقاً بالأمهات والربائب، وإن كانت اتصالية، قال: لا يجيز النحويون: مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات، على أن تكون "الظريفات" نعتاً لهؤلاء ولهؤلاء، والجيد أن أمهات نسائكم من تمام التحريمات المبهمات، والربائب هن اللاتي يحللن إذا لم يدخل بأمهاتهن فقط دون أمهات نسائكم. قوله: (إلا ما روي عن علي)، قيل: استثناء من قوله: "اتفقوا"، وقلت: التقدير: اتفق آراء العلماء على التحريم بناءً على القراءة المشهورة، لكن رويت قراءة مخالفة لها عن الصحابة، وهي شاذة؛ فلا يعمل بها وتترك المشهورة.

стр. 1820

عباس يقول: واللَّه ما نزل إلا هكذا، وعن جابر روايتان، وعن سعيد بن المسيب عن زيد: إذا ماتت عنده فأخذ ميراثَها، كره أن يخلف على أمّها، وإذا طلقها قبل أن يدخل بها فإن شاء فعل. أقام الموت مقام الدخول في ذلك، كما قام مقامه في باب المهر. وسمى ولد المرأة من غير زوجها ربيبا وربيبة؛ لأنه يربهما كما يربُّ ولده في غالب الأمر، ثم اتسع فيه فسميا بذلك وإن لم يربهما. فإن قلت: ما فائدة قوله (فِي حُجُوركُم)؟ قلت: فائدته التعليل للتحريم، وأنهن لاحتضانكم لهن، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أن يخلف على أمها) أي: يتزوج الأم بعد موت البنت. الأساس: يقال: مات عنها زوجها فخلف عليها فلاناً: إذا تزوجها بعده. قوله: (ربيباً وربيبة) "فعيل" بمعنى مفعول؛ لحقه التاء لأنه صار اسماً. قوله: (ما فائدة [قوله: ] (فِي حُجُورِكُمْ)؟ ) يعني: قد تقرر في العرف أن الربائب: ولد الزوجة سواء رباهن الزوج أو لا، وهن محرمات عليه إذا دخل بأمهاتهن مطلقاً، فالكلام مستغن عن ذكر (فِي حُجُورِكُمْ) فأي فائدة فيه؟ وأجاب عنه بجوابين، أحدهما: أنه وإن استغني عنه ظاهراً لكن في ذكره نكتة لطيفة، وهي الإشارة إلى حسن التعليل وتصوير ما ينفر الرجل من إرادة نكاحهن تتميماً لمعنى التحريم، يعني: كيف يتصور من العقل نكاح من بصدد الاحتضان، وحكم التقلب في الحجور الذي هو مظنة لتربية الأولاد وأفلاذ الأكباد، وخلاصته: أنه جعل صلة الموصول ذريعة إلى استهجان نكاحهن، وتعليلاً للتحريم، وقوله: "خليقة بأن تجروا" مؤذن بأن التعليل ليس حقيقياً، ونحوه ما مر قبيل هذا: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ) [النساء: ٩]. قال المصنف: " (لَوْ) مع ما في حيزه: صلة للذين أمروا بأن يخشوا الله تعالى فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى"، قال: "وأن يقدروا ذلك في أنفسهم ويصوروه حتى لا يجسروا على خلاف الشفقة". وحاصل هذا الوجه يعود إلى أن التقييد بالصفة لا يدل على نفي الحكم

стр. 1821

أو لكونهن بصدد احتضانكم، وفي حكم التقلب في حجوركم إذا دخلتم بأمّهاتهن، وتمكن بدخولكم حكم الزواج وثبتت الخلطة والألفة، وجعل اللَّه بينكم المودة والرحمة، وكانت الحال خليقة بأن تجروا أولادهن مجرى أولادكم، كأنكم في العقد على بناتهن عاقدون على بناتكم. وعن علي ﵁: أنه شرط ذلك في التحريم، وبه أخذ داود. فإن قلت: ما معنى (دَخَلْتُمْ بِهِنَّ)؟ قلت: هي كنايةٌ عن الجماع، كقولهم: بنى عليها وضرب عليها الحجاب، يعنى أدخلتموهن الستر، والباء للتعدية واللمس. ونحوه يقوم مقام الدخول عند أبي حنيفة. وعن عمر ﵁: أنه خلا بجارية فجردها، فاستوهبها ابن له فقال: إنها لا تحلّ لك. وعن مسروقٍ أنه أمر أن تباع جاريته بعد موته، وقال: أما إني لم أصِبْ منها إلا ما يُحَرِّمها على ولدي من اللمس والنظر. وعن الحسن في الرجل يملك الأمة فيغمزها لشهوة أو يقبلها أو يكشفها: أنها لا تحل لولده بحال وعن عطاء وحماد بن أبي سليمان: إذا نظر إلى فرج امرأةٍ فلا ينكح أمّها ولا بنتها. وعن الأوزاعي: إذا دخل بالأم فعرّاها ولمسها بيده وأغلق الباب وأرخى الستر، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عما عداها؛ لأن شرط تلك الدلالة أن يكون لذكر الصفة فائدة أخرى سوى التخصيص. وذهب علي ﵁ على أنه شرط، وهو الوجه الثاني في الجواب. قوله: (أو لكونهن بصدد احتضانكم) مبني على قوله: "وإن لم يربهما"، وقوله: "كأنكم في العقد" خبر "وأنهن"، واستغنى عن العائد إلى اسم "إن" بقوله: "على بناتهن"؛ لأنه في معنى عليهن، أيك على الربائب، فأقيم المظهر مقام المضمر، وقوله: "لاحتضانكم" إلى آخره تعليل مقدم لكون هذا العقد كالعقد على البنات، و"إذا دخلتم" ظرف "لاحتضانكم". قوله: (وعن علي ﵁ أنه شرط ذلك) عطف على قوله: "فائدة التعليل"، أي: فائدته أنه لابد من الحضانة لتحرم، وإلا لم تحرم.

стр. 1822

فلا يحلّ له نكاح ابنتها. وعن ابن عباس وطاووس وعمرو بن دينار: أن التحريم لا يقع إلا بالجماع وحده الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ دون من تبنيتم. وقد تزوج رسول اللَّه ﷺ زينب بنت جحش الأسدية بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب حين فارقها زيد بن حارثة، وقال (لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ) [الأحزاب: ٣٧]. (وَأَنْ تَجْمَعُوا) في موضع الرفع عطف على المحرمات، أي: وحرّم عليكم الجمع بين الأختين. والمراد حرمة النكاح، لأنّ التحريم في الآية تحريم النكاح وأما الجمع بينهما في ملك اليمين، فعن عثمان وعلي ﵄ أنهما قالا: أحلتهما آية وحرّمتهما آية، يعنيان هذه الآية وقوله: (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) [النساء: ٣]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إن التحريم لا يقع إلا بالجماع قال القاضي: ويؤثر ما ليس بزنى، كالوطء بشبهة أو ملك يمين. وعند أبي حنيفة ﵁: لمس المنكوحة ونحوه كالدخول. وقوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) تصريح بعد إشعار دفعاً للقياس، يعني: كان من حق الظاهر أن يقال: فإن لم يكن كذلك بدل قوله: (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) مع أنه أخصر؛ فعدل إليه دفعاً لإرادة المجاز أو الكناية، فيقال حينئذ: لا تجوز العبارة عنه بالجماع ولا باللمس ونحوهما، فعلى هذا كلام الأوزاعي أظهر والله أعلم. قوله: (أميمة) بيان "عمته"، الاستيعاب: زينب بنت جحش أمها أميمة بنت عبد المطلب، عمة النبي ﷺ ، تزوجها رسول الله ﷺ في سنة خمس من الهجرة، وقيل: في سنة ست. قوله: (فعن عثمان وعلي ﵄ أنهما قالا: أحلتهما آية وحرمتهما آية)، عن الإمام مالك في "الموطأ"، عن قبيصة بن ذؤيب، أن رجلاً سأل عثمان عن أختين مملوكتين لرجل: هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية وحرمتهما آية، فأما أنا فلا أحب أن أصنع

стр. 1823

فرجح على التحريم، وعثمانُ التحليل. (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) ولكن ما مضى مغفور بدليل قوله: (إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ذلك. فخرج من عنده فلقي رجلاً من الصحابة فسأله عنه فقال: أما أنا فلو كان لي من الأمر شيء لم أجد أحداً فعل ذلك إلا جعلته نكالاً. قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي طالب ﵁. قوله: (وعثمان) أي: رجح عثمان ﵁ جانب التحليل لقوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٢٤] وقوله تعالى: (إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) [المعارج: ٣٠]. قال القاضي: قول علي أرجح؛ لأن آية التحليل مخصوصة في غير ذلك. وقيل: الاحتياط الترك؛ لقوله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ولأن الأصل في الأبضاع الحرمة، ولأنه ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام على الحلال. قوله: (ولكن ما مضى مغفور بدليل قوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً)) يريد أن الاستثناء منقطع، وتحقيقه ما ذكره أبو البقاء في الآية السابقة: (مَا) في (مَا قَدْ سَلَفَ) مصدرية، والاستثناء منقطع؛ لأن النهي للمستقبل، وما سلف ماض فلا يكون من جنسه، وهو في موضع نصب، ومعنى المنقطع أنه لا يكون داخلاً في الأول، بل في حكم المستأنف، وتقدر "إلا" فيه بـ "لكن"، أي: لا تتزوجوا من تزوجه آباؤكم، لكن ما سلف من ذلك فمعفو عنه، نحو قولك: ما مررت برجل إلا بامرأة، أي: لكن بامرأة، والغرض منه بيان معنى زائد؛ لأن قولك: ما مررت برجل صريح في نفي المرور برجل ما، غير متعرض لإثبات المرور بامرأة أو نفيه، فإذا قلت: بامرأة، كان إثباتاً لمعنى مسكوت عنه غير معلوم

стр. 1824

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالكلام الأول نفيه ولا إثباته. فإن قلت: لم فرق المصنف بين هذا الاستثناء حيث جعله منقطعاً وبين ما سبق حيث جعله من باب "ولا عيب فيهم"؟ قلت: لاقتضاء المقام، والفرق بين نكاح الأمهات، والجمع بين الأختين، واستدعاء كل من التعليلين؛ أعني قوله: (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً) [النساء: ٢٢] وقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) [النساء: ٢٣] ما يقتضيه من المعنى؛ فإن التعليل بالغفران والرحمة يستدعي كلاماً متضمناً للذنب والخطأ؛ ولذلك قال: "ما مضى مغفور، بدليل قوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) "، كأنه قيل: حرم عليكم الجمع بين الأختين؛ لأنه خطأ وذنب، ومن يفعل ذلك يؤاخذ به، لكن ما قد سلف فإنه مغفور غير مؤاخذ به؛ لأن الله تعالى كان غفوراً رحيماً. والتعليل بالفاحشة والمقت وسوء السبيل يوجب تأويل الكلام السابق بما ينبئ عن المبالغة في القبح والفحش، وأن المنهي عنه مما ينبغي ألا يوجد أصلاً، وأنه مناف لحال المؤمنين وأصحاب المروءة وأرباب التمييز، وذلك لا يتم إلا بجعل التركيب من باب تأكيد الذم بما يشبه المدح، وإليه الإشارة بقوله: "والغرض المبالغة في تحريمه وسد الطريق إلى إباحته"، ويؤيده ما روينا عن الترمذي وأبي داود وابن ماجة والدارمي والنسائي، عن البراء قال: بيناأنا أطوف يوماً على إبل ضلت بي، رأيت فوارس معهم لواء دخلوا بيت رجل من العرب فضربوا عنقه، فسألت عن ذنبه فقالوا: عرس بامرأة أبيه وهو يقرأ سورة النساء: (وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ) [النساء: ٢٢]. وما قاله القاضي: (إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) استثناء من معنى اللازم للنهي،

стр. 1825

(وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً) ٢٤]. (وَالْمُحْصَناتُ) القراءة بفتح الصاد. وعن طلحة بن مصرف: أنه قرأ بكسر الصاد، وهنّ ذوات الأزواج؛ لأنهنّ أحصنّ فروجهنّ بالتزويج، فهنّ محصِنات ومحصَنات. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كأنه قيل: تستحقون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف، أو استثناء منقطع، ومعناه: لكن ما قد سلف فإنه لا مؤاخذة عليه لا أنه مقرر، وإن كان كلاماً حسناً، لكن عز المرام بمنازل، وعز اقتضاء المقام بمراحل، والقول ما قالت حذام. قوله: (لأنهن أحصن فروجهن بالتزويج فهن محصِنات ومحصَنات). الراغب: الحصن جمعه: حصون، قال الله تعالى: (مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ) [الحشر: ٢] وتحصن: إذا اتخذ الحصن مسكناً، ثم تجوز في كل تحرز، ومنه: درع حصينة؛ لكونها حصناً للبدن، وفرس حصان؛ لكونه حصناً لراكبه، ومن هذا قال الشاعر: إن الحصون الخيل لا مدر القرى ويقال: حصان للعفيفة ولذات حرمة، قال تعالى: (فَإِذَا أُحْصِنَّ) [النساء: ٢٥] أي: تزوجن، وأحصن: زوجن، والحصان في الجملة: المحصنة إما بعفتها أو تزوجها أو بمانع من شرفها وحريتها، يقال: امرأة محصن: إذا تصور حصنها من نفسها، والمحصن: إذا تصور حصنها من غيرها. قوله تعالى: (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ)
следующие страницы →