← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

أو لكونهن بصدد احتضانكم، وفي حكم التقلب في حجوركم إذا دخلتم بأمّهاتهن، وتمكن بدخولكم حكم الزواج وثبتت الخلطة والألفة، وجعل اللَّه بينكم المودة والرحمة، وكانت الحال خليقة بأن تجروا أولادهن مجرى أولادكم، كأنكم في العقد على بناتهن عاقدون على بناتكم. وعن علي ﵁: أنه شرط ذلك في التحريم، وبه أخذ داود. فإن قلت: ما معنى (دَخَلْتُمْ بِهِنَّ)؟ قلت: هي كنايةٌ عن الجماع، كقولهم: بنى عليها وضرب عليها الحجاب، يعنى أدخلتموهن الستر، والباء للتعدية واللمس. ونحوه يقوم مقام الدخول عند أبي حنيفة. وعن عمر ﵁: أنه خلا بجارية فجردها، فاستوهبها ابن له فقال: إنها لا تحلّ لك. وعن مسروقٍ أنه أمر أن تباع جاريته بعد موته، وقال: أما إني لم أصِبْ منها إلا ما يُحَرِّمها على ولدي من اللمس والنظر. وعن الحسن في الرجل يملك الأمة فيغمزها لشهوة أو يقبلها أو يكشفها: أنها لا تحل لولده بحال وعن عطاء وحماد بن أبي سليمان: إذا نظر إلى فرج امرأةٍ فلا ينكح أمّها ولا بنتها. وعن الأوزاعي: إذا دخل بالأم فعرّاها ولمسها بيده وأغلق الباب وأرخى الستر، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عما عداها؛ لأن شرط تلك الدلالة أن يكون لذكر الصفة فائدة أخرى سوى التخصيص. وذهب علي ﵁ على أنه شرط، وهو الوجه الثاني في الجواب. قوله: (أو لكونهن بصدد احتضانكم) مبني على قوله: "وإن لم يربهما"، وقوله: "كأنكم في العقد" خبر "وأنهن"، واستغنى عن العائد إلى اسم "إن" بقوله: "على بناتهن"؛ لأنه في معنى عليهن، أيك على الربائب، فأقيم المظهر مقام المضمر، وقوله: "لاحتضانكم" إلى آخره تعليل مقدم لكون هذا العقد كالعقد على البنات، و"إذا دخلتم" ظرف "لاحتضانكم". قوله: (وعن علي ﵁ أنه شرط ذلك) عطف على قوله: "فائدة التعليل"، أي: فائدته أنه لابد من الحضانة لتحرم، وإلا لم تحرم.

стр. 1822

فلا يحلّ له نكاح ابنتها. وعن ابن عباس وطاووس وعمرو بن دينار: أن التحريم لا يقع إلا بالجماع وحده الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ دون من تبنيتم. وقد تزوج رسول اللَّه ﷺ زينب بنت جحش الأسدية بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب حين فارقها زيد بن حارثة، وقال (لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ) [الأحزاب: ٣٧]. (وَأَنْ تَجْمَعُوا) في موضع الرفع عطف على المحرمات، أي: وحرّم عليكم الجمع بين الأختين. والمراد حرمة النكاح، لأنّ التحريم في الآية تحريم النكاح وأما الجمع بينهما في ملك اليمين، فعن عثمان وعلي ﵄ أنهما قالا: أحلتهما آية وحرّمتهما آية، يعنيان هذه الآية وقوله: (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) [النساء: ٣]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إن التحريم لا يقع إلا بالجماع قال القاضي: ويؤثر ما ليس بزنى، كالوطء بشبهة أو ملك يمين. وعند أبي حنيفة ﵁: لمس المنكوحة ونحوه كالدخول. وقوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) تصريح بعد إشعار دفعاً للقياس، يعني: كان من حق الظاهر أن يقال: فإن لم يكن كذلك بدل قوله: (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) مع أنه أخصر؛ فعدل إليه دفعاً لإرادة المجاز أو الكناية، فيقال حينئذ: لا تجوز العبارة عنه بالجماع ولا باللمس ونحوهما، فعلى هذا كلام الأوزاعي أظهر والله أعلم. قوله: (أميمة) بيان "عمته"، الاستيعاب: زينب بنت جحش أمها أميمة بنت عبد المطلب، عمة النبي ﷺ ، تزوجها رسول الله ﷺ في سنة خمس من الهجرة، وقيل: في سنة ست. قوله: (فعن عثمان وعلي ﵄ أنهما قالا: أحلتهما آية وحرمتهما آية)، عن الإمام مالك في "الموطأ"، عن قبيصة بن ذؤيب، أن رجلاً سأل عثمان عن أختين مملوكتين لرجل: هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية وحرمتهما آية، فأما أنا فلا أحب أن أصنع

стр. 1823

فرجح على التحريم، وعثمانُ التحليل. (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) ولكن ما مضى مغفور بدليل قوله: (إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ذلك. فخرج من عنده فلقي رجلاً من الصحابة فسأله عنه فقال: أما أنا فلو كان لي من الأمر شيء لم أجد أحداً فعل ذلك إلا جعلته نكالاً. قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي طالب ﵁. قوله: (وعثمان) أي: رجح عثمان ﵁ جانب التحليل لقوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٢٤] وقوله تعالى: (إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) [المعارج: ٣٠]. قال القاضي: قول علي أرجح؛ لأن آية التحليل مخصوصة في غير ذلك. وقيل: الاحتياط الترك؛ لقوله ﷺ : "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" ولأن الأصل في الأبضاع الحرمة، ولأنه ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام على الحلال. قوله: (ولكن ما مضى مغفور بدليل قوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً)) يريد أن الاستثناء منقطع، وتحقيقه ما ذكره أبو البقاء في الآية السابقة: (مَا) في (مَا قَدْ سَلَفَ) مصدرية، والاستثناء منقطع؛ لأن النهي للمستقبل، وما سلف ماض فلا يكون من جنسه، وهو في موضع نصب، ومعنى المنقطع أنه لا يكون داخلاً في الأول، بل في حكم المستأنف، وتقدر "إلا" فيه بـ "لكن"، أي: لا تتزوجوا من تزوجه آباؤكم، لكن ما سلف من ذلك فمعفو عنه، نحو قولك: ما مررت برجل إلا بامرأة، أي: لكن بامرأة، والغرض منه بيان معنى زائد؛ لأن قولك: ما مررت برجل صريح في نفي المرور برجل ما، غير متعرض لإثبات المرور بامرأة أو نفيه، فإذا قلت: بامرأة، كان إثباتاً لمعنى مسكوت عنه غير معلوم

стр. 1824

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالكلام الأول نفيه ولا إثباته. فإن قلت: لم فرق المصنف بين هذا الاستثناء حيث جعله منقطعاً وبين ما سبق حيث جعله من باب "ولا عيب فيهم"؟ قلت: لاقتضاء المقام، والفرق بين نكاح الأمهات، والجمع بين الأختين، واستدعاء كل من التعليلين؛ أعني قوله: (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً) [النساء: ٢٢] وقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) [النساء: ٢٣] ما يقتضيه من المعنى؛ فإن التعليل بالغفران والرحمة يستدعي كلاماً متضمناً للذنب والخطأ؛ ولذلك قال: "ما مضى مغفور، بدليل قوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) "، كأنه قيل: حرم عليكم الجمع بين الأختين؛ لأنه خطأ وذنب، ومن يفعل ذلك يؤاخذ به، لكن ما قد سلف فإنه مغفور غير مؤاخذ به؛ لأن الله تعالى كان غفوراً رحيماً. والتعليل بالفاحشة والمقت وسوء السبيل يوجب تأويل الكلام السابق بما ينبئ عن المبالغة في القبح والفحش، وأن المنهي عنه مما ينبغي ألا يوجد أصلاً، وأنه مناف لحال المؤمنين وأصحاب المروءة وأرباب التمييز، وذلك لا يتم إلا بجعل التركيب من باب تأكيد الذم بما يشبه المدح، وإليه الإشارة بقوله: "والغرض المبالغة في تحريمه وسد الطريق إلى إباحته"، ويؤيده ما روينا عن الترمذي وأبي داود وابن ماجة والدارمي والنسائي، عن البراء قال: بيناأنا أطوف يوماً على إبل ضلت بي، رأيت فوارس معهم لواء دخلوا بيت رجل من العرب فضربوا عنقه، فسألت عن ذنبه فقالوا: عرس بامرأة أبيه وهو يقرأ سورة النساء: (وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ) [النساء: ٢٢]. وما قاله القاضي: (إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) استثناء من معنى اللازم للنهي،

стр. 1825

(وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً) ٢٤]. (وَالْمُحْصَناتُ) القراءة بفتح الصاد. وعن طلحة بن مصرف: أنه قرأ بكسر الصاد، وهنّ ذوات الأزواج؛ لأنهنّ أحصنّ فروجهنّ بالتزويج، فهنّ محصِنات ومحصَنات. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كأنه قيل: تستحقون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف، أو استثناء منقطع، ومعناه: لكن ما قد سلف فإنه لا مؤاخذة عليه لا أنه مقرر، وإن كان كلاماً حسناً، لكن عز المرام بمنازل، وعز اقتضاء المقام بمراحل، والقول ما قالت حذام. قوله: (لأنهن أحصن فروجهن بالتزويج فهن محصِنات ومحصَنات). الراغب: الحصن جمعه: حصون، قال الله تعالى: (مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ) [الحشر: ٢] وتحصن: إذا اتخذ الحصن مسكناً، ثم تجوز في كل تحرز، ومنه: درع حصينة؛ لكونها حصناً للبدن، وفرس حصان؛ لكونه حصناً لراكبه، ومن هذا قال الشاعر: إن الحصون الخيل لا مدر القرى ويقال: حصان للعفيفة ولذات حرمة، قال تعالى: (فَإِذَا أُحْصِنَّ) [النساء: ٢٥] أي: تزوجن، وأحصن: زوجن، والحصان في الجملة: المحصنة إما بعفتها أو تزوجها أو بمانع من شرفها وحريتها، يقال: امرأة محصن: إذا تصور حصنها من نفسها، والمحصن: إذا تصور حصنها من غيرها. قوله تعالى: (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ)

стр. 1826

(إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) يريد: ما ملكت أيمانهم من اللاتي سبين ولهنّ أزواج في دار الكفر فهنّ حلال لغزاة المسلمين وإن كنّ محصنات. وفي معناه قول الفرزدق: وَذَاتُ حَلِيلٍ أنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا حَلَالٌ لِمَنْ يَبْنِى بِهَا لَمْ تُطَلَّقِ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [النساء: ٢٥] وبعده: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ)، ولهذا قيل: المحصنات: المزوجات، تصوراً أن زوجها هو الذي أحصنها، والمحصنات بعد قوله: (حُرِّمَتْ) بالفتح لا غير، وفي سائر المواضع: بالكسر والفتح؛ لأن اللواتي حرم التزوج بهن المزوجات دون العفيفات، وفي سائر المواضع يحتمل الوجهين. قوله: (ولهن أزواج في دار الكفر) فيه تفصيل، فعلى مذهب أبي حنيفة: أن المسبيات إنما تحل إذا أحرزن من دار الكفر إلى دار الإسلام. وقال الشافعي: تحل بمجرد السبي، وعلى مذهب أبي حنيفة: لو سبي الزوجان لم يرتفع النكاح، ولم تحل للسابي. قال القاضي: وإطلاق الآية حجة عليه. قوله: (وذات حليل) البيت، سميت الزوجة حليلة لحلها أو لحلولها مع الزوج، "لمن يبني بها": من: بنى الرجل بأهله: إذا نزل بها. روي أنه سئل الحسن وعنده الفرزدق: ما تقول فيمن يقول: لا والله، وبلى والله؟ فقال الفرزدق: أما سمعت قولي في ذلك؟ فقال الحسن: ما قلت؟ فقال: قلت: فلست بمأخوذ بلغو تقوله … إذا لم تعمد عاقدات العزائم

стр. 1827

(كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) مصدر مؤكد، أي: كتب اللَّه ذلك عليكم كتابًا، وفرضه فرضًا، وهو تحريم ما حرّم. فإن قلت: علام عطف قوله (وَأُحِلَّ لَكُمْ)؟ قلت: على الفعل المضمر الذي نصب (كِتابَ اللَّهِ)، أي: كتب اللَّه عليكم تحريم ذلك، وأحلّ لكم ما وراء ذلكم. ويدل عليه قراءة اليماني: (كتب اللَّه عليكم وأحلّ لكم). وروي عن اليماني: (كتب اللَّه عليكم)، على الجمع والرفع، أي: هذه فرائض اللَّه عليكم. ومن قرأ (وَأُحِلَّ لَكُم) على البناء للمفعول فقد عطفه على (حُرِمَتْ) [النساء: ٢٣]. (أَنْ تَبْتَغُوا): مفعول له بمعنى: بين لكم ما يحلّ مما يحرم، إرادة أن يكون ابتغاؤكم (بِأَمْوالِكُمْ) التي جعل اللَّه لكم قياما في حال كونكم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ؛ لئلا تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم فتخسروا دنياكم ودينكم، ولا مفسدة أعظم مما يجمع بين الخسرانين. والإحصان: العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام، والأموال: المهور وما يخرج في المناكح. فإن قلت: أين مفعول (تَبْتَغُوا)؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فقال الحسن: أحسنت، ثم قال: ما تقول فيمن سبى امرأة ولها حليل؟ فقال الفرزدق: أما سمعت قولي؟ وأنشد: وذات حليل .. البيت، فقال الحسن: أحسنت، كنت أراك أشعر؛ فإذا أنت أشعر وأفقه. قوله: (التي جعل الله لكم قياماً) "قياماً": ثاني مفعولي "جعل"، والمفعول الأول ضمير الأموال الراجع إلى الموصول، أي: التي جعلها الله. قوله: (والأموال: المهور وما يخرج في المناكح) قال القاضي: واحتج أبو حنيفة ﵀ بهذه الآية على أن المهر لابد أن يكون مالاً، ولا حجة فيه؛ ويؤيده ما روينا عن البخاري ومسلم وغيرهما، عن سهل بن سعد، أن رسول الله ﷺ سأل رجلاً خطب الواهبة نفسها لرسول الله ﷺ : "ماذا معك من القرآن؟ "، قال: معي سورة كذا وكذا، عددهن، قال: "تقرؤهن عن ظهر قلبك؟ " قال: نعم، قال: "اذهب، فقد ملكتكها بما معك من القرآن".

стр. 1828

قلت: يجوز أن يكون مقدّراً؛ وهو النساء، والأجود أن لا يقدر، وكأنه قيل: أن تخرجوا أموالكم. ويجوز أن يكون (أَنْ تَبْتَغُوا) بدلًا من (وَراءَ ذلِكُمْ). والمسافح: الزاني، من السفح وهو صبّ المنىّ. وكان الفاجر يقول للفاجرة: سافحينى وماذينى من المذي (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ): فما استمتعتم به من المنكوحات من جماع أو خلوة صحيحة أو عقد عليهنّ (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) عليه، فأسقط الراجع إلى «ما» لأنه لا يلبس، كقوله: ((إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [لقمان: ١٧] بإسقاط منه. ويجوز أن يكون ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والأجود أن لا يقدر، وكأنه قيل)، "وكأنه": عطف على "أن لا يقدر" على سبيل البيان، وإنما كان أجود لأنه إذا لم يقدر له مفعول يبقى مطلقاً معطى معنى التصرف، فيتناول إعطاء مهور الحرائر، وأثمان السراري، والإنفاق عليهن، وغير ذلك من سائر التصرفات، ويكون المعنى: بين لكم ما يحل مما يحرم إرادة أن تبتغوا بما أوليناكم من الأموال التي جعل الله لكم قياماً في معايشكم في حال الصلاح دون الفساد. وفيه مع الترغيب في الحلال والتنفير عن الحرام الإشعار بأن التمتع بالمال إنما يكون معتداً به إذا أنفق على العيال، وأن الغرض الأول منه الإنفاق عليهم. روينا عن مسلم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "دينار تنفقه في سبيل الله، ودينار تنفقه في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار تنفقه على أهلك، أعظمها أجراً الذي تنفقه على أهلك". وعند أبي داود والنسائي، عن أبي هريرة، قال: أمر رسول الله ﷺ قوماً بالصدقة، فقال رجل: عندي دينار، قال: "تصدق به على نفسك"، قال: عندي آخر، قال: "تصدق به على ولدك"، قال: عندي آخر، قال: "تصدق به على زوجتك أو زوجك"، قالك عندي آخر، قال: "تصدق به على خادمك"، قال: عندي آخر، قال: "أنت أبصر". قوله: (ويجوز أن يكون (أَنْ تَبْتَغُوا) بدلاً) عطف على قوله: " (أَنْ تَبْتَغُوا) مفعولٌ له".

стр. 1829

«ما» في معنى النساء، و «من» للتبعيض أو البيان، ويرجع الضمير إليه على اللفظ في (بِهِ)، وعلى المعنى في: (فَآتُوهُنَّ)، وأجورهن مهورهن؛ لأن المهر ثواب على البضع. (فَرِيضَةً) حال من الأجور بمعنى مفروضة، أو وضعت موضع إيتاء؛ لأن الإيتاء مفروض أو مصدر مؤكد، أي: فرض ذلك فريضة (فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ) فيما تحط عنه من المهر، أو تهب له من كله أو يزيد لها على مقداره. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (و"من" للتبعيض) المعنى: فما استمتعتم به بعض النكوحات، وعلى أن يكون بياناً؛ المعنى: فما استمتعتم به اللاتي هن المنكوحات. وقدر الزجاج: فما نكحتموه منهن، و"ما"ـ على أن يكون في معنى النساءـ يراد به الوصف لا غير، والذي يقتضيه المقام من التأويل: أن يجرى على كونها مستلذات وشهوات، كقوله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ) [آل عمران: ١٤]، كما يقتضي "ما" في (مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٢٥] أن يجرى على المملوكية والمالية. قوله: (ويرجع الضمير إليه) أي: إلى "ما" على اللفظ في (بِهِ)؛ لأنه مفرد لفظاً، وعلى المعنى في (فَآتُوهُنَّ)؛ لأن "ما" بمعنى النساء. قوله: (على البضع). النهاية: البضع يطلق على عقد النكاح والجماع معاً، وعلى الفرج. قوله: (أو مصدر مؤكد) والفرق بين هذا والأول أن هذا منصوب بفعل مقدر بمعناه، والأول منصوب بفعل مذكور من غير لفظه. قوله: (تحط عنه) أي: عن الزوج من المهر؛ بيانُ "ما".

стр. 1830

وقيل فيما تراضيا به من مقام أو فراق. وقيل: نزلت في المتعةِ التي كانت ثلاثة أيام حين فتح اللَّه مكة على رسوله ﵊ ثم نسخت، كان الرجل ينكح المرأة وقتًا معلومًا ليلة أو ليلتين أو أسبوعًا بثوبٍ أو غير ذلك، ويقضى منها وطره ثم يسرحها. سميت متعة لاستمتاعه بها أو لتمتيعه لها بما يعطيها. وعن عمر: لا أوتى برجل تزوّج امرأة إلى أجلٍ إلا رجمتهما بالحجارة. وعن النبي ﷺ أنه أباحها، ثم أصبح يقول: «يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء: ألا إن اللَّه حرّم ذلك إلى يوم القيامة» وقيل: أبيح مرتين وحرّم مرتين. وعن ابن عباس: هي محكمة، يعنى لم تنسخ، وكان يقرأ: (فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمى)، ويروى: أنه رجع عن ذلك عند موته وقال: اللهم إني أتوب إليك من قولي بالمتعة، وقولي في الصرف. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (نزلت في المتعة التي كانت ثلاثة أيام)، روينا عن البخاري ومسلم، عن سلمة ابن الأكوع، قال: رخص رسول الله ﷺ عام أوطاس في المتعة ثلاثاً، ثم نهى عنها. قال أبو موسى: "لما فرغ النبي ﷺ من حنين بعث أبا عمرو مع جيش إلى أوطاس، فلقي دريد ابن الصمة فقتل دريداً"، أخرجه البخاري ومسلم. قوله: (وعن عمر ﵁: لا أوتى برجل)، وفي "معالم التنزيل": أن عمر ﵁، قال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله ﷺ عنها، لا أجد أحداً نكحها إلا رجمته بالحجارة. قوله: (وقولي في الصرف)، أي: في ربا النقد دون النسيئة. المغرب: صرف الدراهم:

стр. 1831

(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ٢٥]. الطول: الفضل، يقال: لفلانٍ على فلانٍ طول أي: زيادة وفضل، وقد طاله طولًا فهو طائل. قال: لَقدْ زَادَنِي حُبًّا لِنَفْسِي أنَّنِي بَغِيضٌ إلَى كُلِّ امْرِئٍ غيْرِ طَائِلِ ومنه قولهم: ما حلا منه بطائل، أي: بشيء يعتد به مما له فضل وخطر، ومنه: الطول في الجسم؛ لأنه زيادة فيه، كما أن القصر قصور فيه ونقصان. والمعنى: ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرّة فلينكح أمة. قال ابن عباس: من ملك ثلاث مائة درهم فقد وجب عليه الحج وحرم عليه نكاح الإماء، وهو الظاهر، وعليه مذهب الشافعي ﵀، وأمّا أبو حنيفة ﵀ فيقول: الغنىّ والفقير سواء في جواز نكاح الأمة، ويفسر الآية بأن من لم يملك فراش الحرّة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ باعها بدراهم أو دنانير، واصطرفها: اشترى بها، وللدرهم على الدرهم صرف في الجودة والقيمة، أي: فضل. وقيل لمن يعرف هذا الفضل ويميز هذه الجودة: صراف وصيرفي، وأصله من الصرف: النقل؛ لأن ما فضل صرف عن النقصان، وإنما سمي بيع الأثمان صرفاً؛ إما لأن الغالب على عاقده طلب الفضل والزيادة، أو لاختصاص هذا العقد بنقل كلا البدلين من يد إلى يد في مجلس العقد.

стр. 1832

على أن النكاح هو الوطء؛ فله أن ينكح أمة. وفي رواية عن ابن عباس أنه قال: ومما ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على أن النكاح هو الوطء)، هو: حال منا لضمير في "يفسر"، وسط الحال بين "من" وخبره، وإنما فعل كذلك لأن تفسير (ومن لم يستطع منكم طولاً) الآية بعدم ملك فراش الحرة مبني على أن النكاح هو الوطء، المعنى: من لم يستطع منكم أن يملك وطء الحرة وذلك عندما لا يكون تحته حرة؛ فإنه يجوز له نكاح الأمة، و (طَوْلاً): مفعول به بمعنى القدرة وهي فضل، كما أنا لنكاح قوة وفضل، وقوله: (أَن يَنكِحَ) بدل منه. قال أبو البقاء: (طَوْلاً) مفعول (يَسْتَطِعْ)، وقيل: هو مفعول له، وفيه حذف مضاف، أي: لعدم طول. و (أَن يَنكِحَ) فيه وجهان، أحدهما: هو بدل من (طَوْلاً) بدل الكل لأن الطول هو القدرة أو الفضل، والنكاح قوة وفضل، وثانيهما: أن يكون منصوباً بـ (طَوْلاً)، أي: ومن لم يستطع أن ينال نكاح المحصنات، من قولك: طلته، أي: نلته، ويجوز أن يقدر حرف الجر؛ أي: ومن لم يستطع وصلة إلى نكاح المحصنات. وقال الإمام: الأكثرون ذهبوا إلى أن الطول هو الغنى والفضل؛ لأن تأثير عدم الغنى في عدم القدرة على العقد أولى وأقوى من عدم القدرة على الوطء. وأيضاً أنه تعالى ذكر عدم القدرة على طول الحرة، ثم ذكر عقيبه التزوج بالأمة، وهذا الوصف يناسب هذا الحكم؛ لأن الإنسان قد يحتاج إلى التزوج، فإذا لم يقدر على الحرة بسبب كثرة مؤنتها وغلاء مهرها يؤذن له في نكاح الأمة، وإليه أشار المصنف بقوله: "وهو الظاهر"، وعليه مذهبا لشافعي ﵁. وقال المطرزي: الطول: الفضل، يقال: لفلان على فلان طول، أي: زيادة وفضل، أي: ومن لم يستطع زيادة فيا لمال وسعة يبلغ بها نكاح الحرة فلينكح أمة. وهذا تفسير قول

стр. 1833

وسع اللَّه على هذه الأمّة نكاح الأمة واليهودية والنصرانية وإن كان موسراً. وكذلك قوله: (مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ) الظاهر أن لا يجوز نكاح الأمة الكتابية، وهو مذهب أهل الحجاز. وعند أهل العراق يجوز نكاحها، ونكاح الأمة المؤمنة أفضل، فحملوه على الفضل لا على الوجوب، واستشهدوا على أن الإيمان ليس بشرط بوصف الحرائر به، مع علمنا أنه ليس بشرط فيهن على الاتفاق، ولكنه أفضل. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الزجاج: إن الطول: القدرة على المهر. وقد قيل: هو الغنى فيصير إلى الأول، ومنهم من فسر الطول بكون الحرة تحته، وفيه نظر. ومحل (أَن يَنكِحَ) النصب أو الجر على حذف الجار أو إضماره، وهو "على" أو "إلى"، ونظيره: (وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ) [الممتحنة: ١٠]. والإضمار قول الخليل، وإليه ذهب الكسائي. وعن الشعبي: إذا وجد الطول إلى الحرة بطل نكاح الأمة فعداه بـ "إلى". وكذا عن ابن عباس وجابر وسعيد بن جبير: لا يتزوج الأمة من لم يجد طولاً إلى الحرة. وأما قولهم: طول الحرة فمتسع فيه. تم كلامه. قوله: (وكذلك)، أي: كما أن قوله: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ) ظاهر فيما مر، كذلك قوله: (مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ) ظاهر في أنه لا يجوز نكاح الأمة. قوله: (بوصف الحرائر به)، أي: بالإيمان، يعني: واستشهدوا لدعواهم بوصف الحرائر في قوله تعالى: (أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) فإن الوصف بالمؤمنات هنا ليس إلا لعلة الأفضلية اتفاقاً، وكذا في قوله: (مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ) قياساً عليه. والجواب: أن الأصل في أمثال هذه الصفات اعتبار فائدة التقييد بالصفة، وهو التخصيص، إلا أن يمنع مانع كما في (الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ)، وهو قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ

стр. 1834

فإن قلت: لم كان نكاح الأمة منحطًّا عن نكاح الحرة؟ قلت: لما فيه من اتباع الولد الأم في الرق، ولثبوت حق المولى فيها وفي استخدامها، ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة، وذلك كله نقصان راجع إلى الناكح ومهانة، والعزة من صفات المؤمنين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [المائدة: ٥]، ولا مانع من الثاني، فوجب الحمل على التخصيص. وقال بعض الحنفية: فائدة تعليق الجواز بهذا الشرط مع أن النكاح يجوز بدونه: هي كراهة نكاح الأمة حال طول الحرة، قال: فإن نكاح الأمة وإن جاز حال الطول لكن المستحب لمن قدر على تزوج الحرة أن لا يتزوج الأمة، ويكره له ذلك؛ إذ هو شرط خرج على وفاق العادة لقوله تعالى: (فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً) [النور: ٣٣]، (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ) [النساء: ١٠١]، (وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ) [النساء: ٢٣]، وذلك أن الرجل لا يتزوج الأمة في الغالب إلا عند العجز عن نكاح الحرة، ويستنكف عن ذلك، فأخرج الله تعالى هذا الكلام على وفاق العادة. وقلت: بل الظاهر أن الوصف جار على المدح، وفيه تنبيه على تحري الأصوب فالأصوب وتوخي الأكمل والأفضل؛ وذلك أنه تعالى لما بين المحرمات من النساء وذكر منهن المحصنات من النساء، وكانت مطلقة محتملة للمؤمنات والكتابيات، أتبعه قوله: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) الآية، يعني: الإيمان هو المطلوب الأولي، فطالبه طالب النسل للمعرفة والعبادة، وطالب مجرد قضاء الشهوة مذموم، فعليكم بالإيمان حيث كان، إلا أن الحاكم الاضطرار إلى قضاء الشهوة؛ فلا ينبغي التجاوز عن المنصوص عليها في نحو قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) [المائدة: ٥]، والذي يؤيد أن هذه الصفة جارية على المدح قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) [النساء: ٢٥]، وتفسيره: "وحق المؤمنين ألا يعتبروا إلا فضل الإيمان لا فضل الأحساب والأنساب".

стр. 1835

وقوله: (مِنْ فَتَياتِكُمُ) أي: من فتيات المسلمين لا من فتيات غيركم، وهم المخالفون في الدين. فإن قلت: فما معنى قوله (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ)؟ قلت: معناه: أن اللَّه أعلم بتفاضل ما بينكم وبين أرقائكم في الإيمان ورجحانه ونقصانه فيهم وفيكم، وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرة، والمرأة أفضل في الإيمان من الرجل وحق المؤمنين أن لا يعتبروا إلا فضل الإيمان لا فضل الأحساب والأنساب، وهذا تأنيسٌ بنكاح الإماء وترك الاستنكاف منه. (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) أي: أنتم وأرقاؤكم متواصلون متناسبون لاشتراككم في الإيمان لا يفضل حر عبداً إلا برجحان فيه (بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ): اشتراط لإذن الموالي في نكاحهن. ويحتج به لقول أبي حنيفة: أن لهن أن يباشرن العقد بأنفسهن؛ لأنه اعتبر إذن الموالي لا عقدهم. (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ): وأدّوا إليهن مهورهن بغير مطل وضرار وإحواج إلى الاقتضاء واللز. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأرقاؤكم متواصلون)، يريد أن (مِنْ) في قوله تعالى: (مِنْ بَعْضٍ) للاتصال. قوله: (ويحتج به لقول أبي حنيفة: إن لهن أن يباشرن العقد بأنفسهن)، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ لأن العاقد آذن في الاستحلال، فلعله المراد. وقال القاضي: واعتبار إذنهم لا إشعار له على ذلك. الانتصاف: فيحمل على الإذن للوكيل في العقد على أمته، فلا يلزم مباشرتها العقد. قوله: (واللز). الأساس: لز الشيء بالشيء: قرن به وألصق، فالتز به، ومن المجاز: لزه إلى كذا: اضطره، وجعلتكم لزازاً لفلان: لا تدعه يخالف.

стр. 1836

فإن قلت: الموالي هم ملاك مهورهن لا هن، والواجب أداؤها إليهم لا إليهن، فلم قيل: (وَءَاتُوهُنَّ)؟ قلتُ: لأنهنَّ وما في أيديهن مال الموالي، فكان أداؤها إليهنَّ أداء إلى الموالي، أو على أن أصله: فآتوا مواليهنَّ، فحذف المضاف. ا (مُحْصَناتِ) عفائف. والأخدان: الأخلاء في السرّ، كأنه قيل: غير مجاهرات بالسفاح ولا مسرات له (فَإِذا أُحْصِنَّ) بالتزويج. وقرئ: أحصن (نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ) أي: الحرائر (مِنَ الْعَذابِ) من الحدّ كقوله: (وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما) [النور: ٢]، و (يَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ) [النور: ٨] ولا رجم عليهن؛ لأن الرجم لا يتنصف. (ذلِكَ) إشارةٌ إلى نكاح الإماء (لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ) لمن خاف الإثم الذي تؤدي إليه غلبة الشهوة. وأصل العنت: انكسار العظم بعد الجبر، فاستعير لكل مشقة وضرر، ولا ضرر أعظم من مواقعة المآثم. وقيل: أريد به الحدّ؛ لأنه إذا هويها خشي أن يواقعها فيُحدَّ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأنهن وما في أيديهن مال الموالي)، وقلت: الفائدة في الأمر بالأداء إليهن الدلالة على وكادة إيجاب مهور النساء لاسيما الحرائر؛ لأنها أجور لأبضاعهن، والسيد إنما يأخذ من جهة ملك اليمين؛ لأنهن وما في أيديهن مال الموالي، لا من جهة أجور أبضاعهن صيانة من الوصمة. قوله: ((أُحْصِنَّ) بالتزويج) أي: جعلن أنفسهن بالتزويج في حصن الأمان، و (أحصن) أزواجهن، قال محيي السنة: لا فرق في حد المملوك بين أن يتزوج أو لم يتزوج عند الأكثرين، وذهب بعضهم إلى أنه لا حد على من لم يتزوج؛ لأنه تعالى قال: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ)، وروي ذلك عن ابن عباس وطاووس، ومعنى الإحصان عند الآخرين: الإسلام، والمراد من قوله: (فَإِذَا أُحْصِنَّ) التنبيه على أن المملوك وإن كان محصناً بالتزويج فلا رجم عليه، وإنما حده الجلد. قوله: (وقيل: أريد به الحد) عطف على قوله: "الإثم" أي: لمن خاف الحد.

стр. 1837

فيتزوجها. (وَأَنْ تَصْبِرُوا) في محل الرفع على الابتداء، أي: وصبركم عن نكاح الإماء متعففين (خَيْرٌ لَكُمْ)، وعن النبي ﷺ «الحرائر صلاح البيت، والإماء هلاك البيت». (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً) ٢٦ ـ ٢٨]. (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) أصله: يريد اللَّه أن يبين لكم فزيدت اللام مؤكدة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فيتزوجها) الرواية بالرفع جواباً لشرط محذوف، أي: إذا كان كذلك فهو يتزوجها فيترتب على "خشي". قوله: (هلاك البيت) وأنشدوا: ومن لم يكن في بيته قهرمانة … فذلك بيتـ لا أبالكـ ضائع قوله: (فزيدت اللام مؤكدة) قال صاحب "الفرائد": قيل: لا يبعد أن يكون مفعول (يُرِيدُ) محذوفاً للعلم به، كأنه قيل: يريد إيراد هذه الأحكام ليبين لكم، وكذا في قوله تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ) [الصف: ٨]، أي: يريدون كيدهم وعنادهم ليطفئوا، وقال: هذا أقرب إلى التحقيق؛ لأنه فعل متعد فلابد له من مفعول به. وقال ابن الحاجب في "شرح المفصل": يجوز: لزيد ضربت، وامتنع: ضربت لزيد؛ لأن المقتضي إذا تقدم كان أقوى منه إذا تأخر، والجواب: أن المقام إذا اقتضى التأكيد لابد من المصير إليه، وإذا كان المعنى على ما قال: "يريد الله أن يبين لكم ما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم، وأن يهديكم مناهج من كان قبلكم" إلى آخره، فخلو الكلام عن التأكيد بعيد عن قضاء حق البلاغة. قال الزجاج: اللام في (لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) كاللام في "لكي" في قوله:

стр. 1838

لإرادة التبيين، كما زيدت في: "لا أبالك"؛ لتأكيد إضافة الأب. والمعنى: يريد اللَّه أن يبين لكم ما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم، وأن يهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين، والطرق التي سلكوها في دينهم؛ لتقتدوا بهم (وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ): ويرشدكم إلى طاعاتٍ إن قُمتم بها كانت كفاراتٍ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أردت لكيما لا ترى لي عثرة … ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل وقال صاحب "اللباب": إن اللام في: شكرت لزيد، مكملة للفعل. والمراد من التكميل غير التعدية لجعله الباء المكملة قسيماً لباءا لتعدية في قوله: الباء للإلصاق، وإما مكملة للفعل في نحو: مررت بزيد. وقال الشارح: إذ معنى المرورـ وهو المجاوزةـ يقتضي متعلقاً، والباء تكميل لذلك المعنى، بخلاف التعدية، نحو: خرجت بزيد، فإن معنى الخروج لا يقتضي متعلقاً بل حصل اقتضاؤه المتعلق بحرف الجر فتلك هي المعدية. قوله: (يريد الله أن يبين لكم ما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم) فيه إشعار بتلفيق الآيات اللاحقة بالسابقة؛ فإن السوابق كانت في بيان النساء والمناكحات، واللواحق في بيان الأموال والتجارات، وهي قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ) [النساء: ٢٩]، فهذه الآيات التي توسطت بينهما كالتخلص من باب إلى باب لجامع التبيين. قوله: (ويرشدكم إلى طاعات) إشارة إلى أن قوله: (وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) [النساء: ٢٦] من وضع المسبب موضع السبب، وذلك من عطف (وَيَتُوبَ) على قوله: (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) على سبيل البيان، كأنه قيل: ليبين لكم ويهديكم ويرشدكم إلى الطاعات، فوضع موضعه (وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ). وإلى السبب الإشارة بقوله: "إن قمتم بها كانت كفارات لسيئاتكم فيتوب عليكم"، فقوله: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) [النساء: ٢٧] وتفسيره إياه بقوله: "إن تفعلوا ما تستوجبون به" فجرى على هذه الطريقة؛ لأن قوله:

стр. 1839

لسيئاتكم؛ فيتوب عليكم ويكفر لكم، (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ): أن تفعلوا ما تستوجبون به أن يتوب عليكم، (وَيُرِيدُ) الفجرة (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً): وهو الميل عن القصد والحق ـ ولا ميل أعظم منه ـ بمساعدتهم وموافقتهم على اتباع الشهوات، وقيل: هم اليهود، وقيل: هم المجوس كانوا يحلون نكاح الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرمهنّ اللَّه قالوا: فإنكم تحلون بنت الخالة والعمة، والخالة والعمة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخ والأخت، فنزلت. يقول تعالى: يريدون أن تكونوا زناة مثلهم. (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) بإحلال نكاح الأمة وغيره من الرخصّ (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً): لا يصبر عن الشهوات وعلى مشاق الطاعات. وعن سعيد بن المسيب: ما أيس الشيطان من بني آدم قط إلا أتاهم من قبل النساء، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) [النساء: ٢٧] تكرير لقوله: (وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) [النساء: ٢٦] للتأكيد، وقد قوبل بقوله: (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً) [النساء: ٢٧]، وذلك هو الزيغ والميل عن الطريق القويم؛ فوجب أن يفسر المقابل بما يوافقه من الإرشاد إلى الصراط المستقيم، وإنما بني (وَاللَّهُ يُرِيدُ) على تقوي الحكم، وقدم الاسم، وفي المؤكد الفعل مقدم؛ ليفرق بين الإرادتين، أي: إرادة الله وإرادة الزائغين. قوله: (بمساعدتهم وموافقتهم) يتعلق بقوله: "وهو الميل"، وقوله: "ولا ميل أعظم منه" اعتراض. قوله: (ما أيس الشيطان من بني آدم قط إلا أتاهم من قبل النساء)، إن قيل: إن ظاهر الاستثناء يوجب حصول يأس الشيطان من قبل إتيان النساء؛ لأن التقدير: ما أيس الشيطان في الأزمنة الماضية أبد الأزمان إتيانه النساء؛ لأن "قط" بمعنى "لابد" للماضي من

стр. 1840

فقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أعشو بالأخرى، وإن أخوف ما أخاف علىّ فتنة النساء. وقرئ: أن يميلوا بالياء. والضمير ب (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ)، وقرأ ابن عباس (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ) على البناء للفاعل ونصب الإنسان وعنه ﵁: ثماني آياتٍ في سورة النساء هي خير لهذه الأمّة مما طلعت عليه الشمس وغربت: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ)، (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ)، (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ) [النساء: ٣١]، (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) [النساء: ٤٨]، (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ) [النساء: ٤٠]، و (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) [النساء: ١١٠]، (ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ). [النساء: ١٤٧]. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً) ٢٩ ـ ٣٠]. (بِالْباطِلِ): بما لم تبحه الشريعة من نحو: السرقة، والخيانة، والغصب، والقمار، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الزمان، وهو فاسد. قلنا: بل المعنى: ما حصل للشيطان اليأس من إغواء بني آدم بمزاولة الحيل قط إلا أتى بهذه الحيلة؛ فهو استثناء مفرغ، ونظيره قولك: ما احتجت قط إلا زرتك، أي: لم يكن احتياجي ملتبساً بفعل من الأفعال إلا بزيارتك، هذا مما يدل عليه ظاهر التركيب، وهل زال ذلك الاحتياج أم لا؟ فلا يدل عليه إلا المقام، فإذا كان المقام مقام مدح دل على الزوال، وإلا فدل على خلافه، وما نحن بصدده يدل على الزوال لما قد قيل: "النساء حبائل الشيطان".

стр. 1841

وعقود الربا. (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً) إلا أن يقع تجارة. وقرئ: (تجارة) على: إلا أن تكون التجارة تجارة (عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) والاستثناء منقطع. معناه: ولكن اقصدوا كون تجارة عن تراض منكم. أو: ولكن تجارة عن تراض غير منهي عنه. وقوله: (عَنْ تَراضٍ) صفة (لتجارة)، أي: تجارة صادرة عن تراض. وخص التجارة بالذكر، لأنّ أسباب الرزق أكثرها متعلق بها. والتراضي: رضا المتبايعين بما تعاقدا عليه في حال البيع وقت الإيجاب والقبول، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه اللَّه تعالى. وعند الشافعي: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: (تِجَارَةً)) عاصم وحمزة والكسائي. قوله: (والاستثناء منقطع) أي: على التقديرين. قال أبو البقاء: الاستثناء منقطع ليس من جنس الأول، وقيل: هو متصل؛ أي: لا تأكلوها بسبب إلا أن تكون تجارة، وهذا ضعيف؛ لأنه قال: (بِالْبَاطِلِ)، والتجارة ليست من جنس الباطل. وفي الكلام حذف مضاف، أي: إلا في حال كونها تجارة، و (تجارة) بالرفع: على أن "كان" تامة، وبالنصب على أنها الناقصة، أي: إلا أن تكون المعاملة أو التجارة تجارة، وقيل: التقدير: إلا أن تكون الأموال تجارة. وأما المصنف فبنى على التغاير بين الكلامين: نفياً وإيجاباً، وقدر "لكن"، فقوله تعالى: (لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) يقتضي إيجاب الأمر بعد "لكن"، ولهذا قال: "ولكن اقصدوا كون تجارة عن تراض" أو أن قوله: (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) بدل بحسب المفهوم على أن عدم المراضاة منهي عنه؛ ومن ثم قدر: "ولكن كون تجارة عن تراض منكم غير منهي عنه"، فكأنه قيل: المنهي هو أن يكون التصرف بالباطل وعدم الرضا، لكن غير المنهي هو أن يكون التصرف بالحق وحصول المراضاة، هذا حاصل المعنى على التقديرين، لا بيان التقدير اللفظي. قوله: (بما تعاقدا عليه) قيل: يعني أن الرضا عند أبي حنيفة هو رضا المتعاقدين وقت الإيجاب والقبول حتى لا يؤثر الندم بعد ذلك وإن كانا في مجلس العقد، وعند الشافعي:

стр. 1842

تفرّقهما عن مجلس العقد متراضيين (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ): من كان من جنسكم من المؤمنين. وعن الحسن: لا تقتلوا إخوانكم، أو لا يقتل الرجل نفسه كما يفعله بعض الجهلة. وعن عمرو بن العاص: أنه تأوله في التيمم لخوف البرد فلم ينكر عليه رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وعلى آله وسلم. وقرأ علي ﵁ (وَلا تَقْتُلُوا) بالتشديد. (إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً): ما نهاكم عما يضركم إلا لرحمته عليكم. وقيل: معناه: أنه أمر بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم؛ ليكون توبة لهم وتمحيصاً لخطاياهم، وكان بكم ـ يا أمة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الرضا محمول على تفرقهما عن مجلس العقد متراضيين؛ فعلم أن التفرق الذي في الحديث "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا" تفرق فعلي عند الشافعي، وقولي عند أبي حنيفة، بأن يتركا كلام البيع، ويشرعا في كلام آخر. قوله: (أو: لا يقتل الرجل نفسه) معطوف على "من كان من جنسكم"، وقول الحسن متفرع على الأول، وقول عمرو على الثاني. قوله: (ما نهاكم عما يضركم إلا لرحمته عليكم) قال القاضي: جمع الله تعالى في التوصية بين حفظ النفس والمال الذي هو شقيقها من حيث إنه سبب قوامها استبقاء لهم ريثما تستكمل النفوس وتستوفى فضائلها رأفة بهم ورحمة، كما أشار إليه بقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً). قوله: (وقيل: معناه: أنه أمر بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم) إلى آخره، يريد أن قوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) تعليل لقوله: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ)، ولما نظر إلى مجيء (وَلا تَقْتُلُوا) [النساء: ٢٩] عقيب آيات التوبة، وهي قوله: (وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [النساء: ٢٦]، (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) [النساء: ٢٧] دعاه أن يحمل القتل على التوبة ويعلله بقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً). والوجه الأول، وهو قوله: (وَلَا

стр. 1843

محمد ـ رحيمًا حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الصعبة. (ذلِكَ) إشارة إلى القتل، أي: ومن يقدم على قتل الأنفس (عُدْواناً وَظُلْماً) لا خطأ ولا اقتصاصًا. وقرئ (عُدْواناً) بالكسر، و (نُصْلِيهِ) بتخفيف اللام وتشديدها. و (نُصْلِيهِ) بفتح النون من صلاه يصليه. ومنه شاة مصلية، ويصليه بالياء والضمير للَّه ، أو: ل (ذَلِكَ)؛ لكونه سبباً للصلي. (ناراً) أي: ناراً مخصوصة شديدة العذاب (وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً)؛ لأنّ الحكمة تدعو إليه، ولا صارف عنه من ظلم أو نحوه. (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً) ٣١]. (كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ) وقرئ: كبير ما تنهون عنه، أي: ما كبر من المعاصي التي ينهاكم اللَّه عنها والرسول. (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) نمط ما تستحقونه من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) من كان من جنسكم من المؤمنين ليجمع بين حفظ النفس وحفظ المال في التوصية؛ لأن قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) [النساء: ٢٨] إلى قوله: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) [النساء: ٣٤] كالاعتراض [بين حديث] النساء ونكاحهن والقيام عليهن؛ فيكون تأكيداً لمعنى التعليل في قوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ) [النساء: ٢٤]، كما قررنا أن فيه إشعاراً بأن التمتع بالمال إنما يكون معتداً به إذا أنفق على العيال؛ ومن ثم ضم مع حفظ المال لأجل الإنفاق على العيال حفظ النفس، مزيداً لإرادة التحريض على طلب الإحصان والاجتناب عن السفاح، والله أعلم. قوله: (ونصليه: بفتح النون) قال ابن جني: هي قراءة إبراهيم والأعمش وحميد، يقال: صلاه يصليه: إذا شواه، فيكون منقولاً من صلي ناراً وصليته ناراً، نحو: كسي ثوباً وكسوته ثوباً، وأما قراءة العامة بضم النون فهو منقول من صلي أيضاً؛ إلا أنه منقول بالهمزة لا بالمثال، نحو: علم الخبر وأعلمته إياه.

стр. 1844

العقاب في كل وقت على صغائركم، ونجعلها كأن لم تكن؛ لزيادة الثواب المستحق على اجتنابكم الكبائر وصبركم عنها، على عقاب السيئات، والكبيرة والصغيرة إنما وصفتا بالكبر والصغر بإضافتهما: إما إلى طاعة أو معصية أو ثواب فاعلهما. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على صغائركم) يتعلق بقوله: "من العقاب"، و"لزيادة الثواب" بقوله: "نمط"، و"على عقاب" بقوله: "لزيادة الثواب". المعنى: إن تجتنبوا الكبائر نمط من صغائركم بسبب زيادة الثواب الذي حصل لكم من اجتناب الكبائر على عقاب الصغائر، وهذا على القول بالموازنة على مذهبه، وهو أن العبد يستحق بسبب الطاعة الثواب، وبسبب المعصية العقاب، وتحصل بينهما الموازنة؛ فاستحقاق العقاب يحط بقدره من استحقاق الثواب، وبالعكس؛ فإن تساوى الاستحقاقان تساقطاً، وإن زاد أحدهما على الآخر بقي من الزائد شيء بعد الموازنة. قوله: (بإضافتهما: إما إلى طاعة أو معصية أو ثواب فاعلهما) أي: الكبيرة والصغيرة أمران نسبيان؛ فلابد من أمر آخر يقاس عليه، وهو أحد هذه الأمور الثلاثة، أما الطاعة: فهي إذا كان العذاب المستحق بسببها أزيد من الثواب المستحق بسبب طاعة فعلها فهي كبيرة، وإلا فصغيرة؛ فكل ما يكفر بمثل الصلاة فهو من الصغائر، يدل عليه حديث أبي اليسر، روى الترمذي عنه أنه قال: أتتني امرأة تبتاع تمراً، فقلت: إن في البيت تمراً أطيب منه، فدخلت معي البيت فأهويتها فقبلتها .. إلى قوله: فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: "أخلفت غازياً في سبيل الله بمثل هذا؟ " حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة، وحتى ظن أنه من أهل النار، قال: وأطرق رسول الله ﷺ طويلاً حتى أوحى الله إليه: (وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود: ١١٤]، قال أبو اليسر: فأتيته فقرأ علي، فقال أصحابه: ألهذا خاصة أول لناس عامة؟ فقال: "بل للناس عامة". وما في قوله ﷺ : "ما من مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كان كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله". أخرجه الشيخان عن

стр. 1845

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حمران. وكل ما يكفر بمثل الإسلام والهجرة فهو من الكبائر؛ لما روى مسلم عن عبد الرحمن عن رسول الله ﷺ : "أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله". وأما المعصية: فكل معصية يستحق فاعلها بسببها عقاباً أزيد من العقاب المستحق بسبب معصية أخرى؛ فهي كبيرة، وتلك صغيرة. وأما ثواب فاعلها: فهو أن فاعل المعصية إن كان من المقربين فالصغيرة بالنسبة إليه كبيرة؛ لما روي: "حسنات الأبرار سيئات المقربين"، وأنشد: لا يحقر الرجل الرفيع دقيقة … في السهو فيها للوضيع معاذر فكبائر الرجل الصغير صغائر … وصغائر الرجل الكبير كبائر وقال: زلة العالم زلة العالم، وفي الناس من لشرفه يؤاخذ على حديث النفس. وقال القاضي: واختلف في الكبائر، والأقرب أن الكبيرة: كل ذنب رتب عليه الشارع حداً أو صرح بالوعيد، وقيل: ما علم حرمته بقاطع، وقيل: صغر الذنوب وكبرها بالإضافة على ما فوقها وما تحتها، فأكبر الكبائر الشرك، واصغر الصغائر حديث النفس، وبينهما وسائط يصدق عليها الأمران، فمن عن له أمران منهما، ودعت نفسه غليهما بحيث لا يتمالك؛ فإن كفها عن أكبرهما كفر عنه ما ارتكبه من أصغرهما لما استحق من الثواب على اجتناب الأكبر، ولعل هذا مما يتفاوت باعتبار الأشخاص والأحوال، ألا ترى أنه تعالى عاتب نبيه صلوات الله وسلامه عليه في كثير من خطراته التي لم تعد على غيره خطيئة فضلاً عن أن يؤاخذه؟ .

стр. 1846

والتكفير: إماطة المستحق من العقاب بثواب أزيد أو بتوبة. والإحباط: نقيضه، وهو إماطة الثواب المستحق بعقابٍ أزيد أو بندم على الطاعة. وعن علي ﵁: الكبائر سبع: الشرك، والقتل، والقذف، والربا، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، والتعرّب بعد الهجرة. وزاد ابن عمر: السحر، واستحلال البيت الحرام. وعن ابن عباس: أن رجلًا قال له: الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى سبع مئة أقرب؛ لأنه لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار. وروي إلى سبعين. وقرئ: يكفر، بالياء. و (مُدْخَلًا) بضم الميم وفتحها، بمعنى المكان والمصدر فيهما. (وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الكبائر سبع)، روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي، عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، والزنى، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". وهذا هو المراد من قول القاضي: وما علم حرمته بقاطع. الزحف: الجيش الداهم الذي يرىـ لكثرتهـ كأنه يزحف، أي: يدب دبيباً، سمي بالمصدر. قوله: (والتعرب بعد الهجرة). النهاية: في الحديث: "ثلاث من الكبائر، منها: التعرب بعد الهجرة". وهو: أن يعود إلى البادية، ويقيم مع الأعراب، بعد ما كان مهاجراً، وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد.

стр. 1847

وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) ٣٢]. (وَلا تَتَمَنَّوْا): نهوا عن التحاسد وعن تمني ما فضل اللَّه به بعض الناس على بعض من المال والجاه؛ لأن ذلك التفضيل قسمة من اللَّه صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد وبما يصلح المقسوم له من بسط في الرزق أو قبض (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) [الشورى: ٢٧]، فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (نهوا عن التحاسد)، جعل تمني ما فضل الله حسداً لدلالة (مَا)؛ لأن تمني ما فضل الله طلب عين ذلك الشيء، ولا يصح حصوله إلا بعد الزوال منه والانتقال إليه، وذلك هو الحسد؛ لأن الحسد: هو أن يرى لأخيه نعمة فيتمنى أن تزول عنه وتكون له دونه، وأما الغبطة: فهو أن يمنى أن يكون له مثله، ولا يتمنى زواله. فإن قلت: يحتمل أن يكون المنهي تمني ما لأخيه ومثله على تقدير المضاف، وتمني المثل من غير زوال ما لأخيه غير مذموم؟ قلت: اللفظ يحتملهما، لكن النهي عنه والأمر بقوله: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) فيه إعلام أن الأول مذموم والثاني محمود، وغليه الإشارة بقوله: "ولا تتمنوا أنصباء غيركم من الفضل، ولكن سلوا الله من خزائنه التي لا تنفد"، وغنما قال في جانب الغبطة: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) دون: تمنوا من فضله ليريك أن التمني مذموم، والغبطة بلفظ التمني ملحق بالحسد، وأيضاً كما أن الحاسد في طلبه ذلك يروم ما لا يمكن حصوله، كقولهم: ليت الشباب يعود، كذلك المستمنح لفضل الله غير خائب البتة؛ لأن سائل الكريم لا يخيب. عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : "إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن ليعزم المسألة، وليعظم الرغبة في الإجابة"، رواه مسلم. قال القاضي: تمني ما لم يقدر له معارضة لحكمة القدر، وتمني ما قدر له يكسب بطالة وتضييع حظ، وتمني ما قدر له بغير كسب ضياع ومحال.

стр. 1848

علماً بأن ما قسم له هو مصلحته، ولو كان خلافه لكان مفسدة له؛ ولا يحسد أخاه على حظه (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا) جعل ما قسم لكل من الرجال والنساء على حسب ما عرف اللَّه من حاله الموجبة للبسط أو القبض كسباً له (وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) ولا تتمنوا أنصباء غيركم من الفضل، ولكن سلوا اللَّه من خزائنه التي لا تنفد. وقيل: كان الرجال قالوا: إن اللَّه فضلنا على النساء في الدنيا: لنا سهمان ولهن ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (علماً بأن ما قسم له) قيل: "علماً" حال من ضمير "يرضى" أو مفعول له، ويجوز الوجهان من فاعل "قسم" أي: عليه أن يرضى بما قسم الله تعالى حال كونه تعالى عالماً بالمصلحة، أو لعلمه بها. قوله: (جعل ما قسم لكل من الرجال والنساء … كسباً له) يعني قوله: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ)، جملتان مبينتان لقوله تعالى: (فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) أي: لكل من الرجال والنساء نصيب من تلك القسمة التي قدرناها لهم، وهي تفضيل بعضهم على بعضن فوضع موضعه قوله: (مِمَّا اكْتَسَبُوا)، و (مِمَّا اكْتَسَبْنَ) مبالغة في وقوع المقدر، يعني: نحن قسمنا بينهم الفضل، فلابد أن يكتسبوا ما به ينالون تلك الفضيلة المقسومة، ولولا الفضل لم يوجد الكسب. وفي توخي كسب الخيرات، وتحري فعل المبرات دفع لزعم من ينكل على المقدر، ويتقاعد عن الكسب، وكذا في جعل الفضل مقدمة للكسب تلويح إلى أن الكسب لا يجدي؛ إذا لم يسبقه الفضل، وإنما عقب بهذه الآية قوله: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً) ليؤذن أن الفضل لا يحصل بالتمني والحسد؛ بل بالاجتهاد في الطاعات وتحري الفاضلات من الأخلاق، والاجتناب عن المعاصي والرذائل. قوله: (وقيل: كان الرجال قالوا) عطف على قوله: "ما فضل الله به بعض الناس" المبين بقوله: "من الجاه والمال"، فكان تخصيص ذكر الرجال والنساء للتمثيل، وإلحاق ما لا يعلم بما علم، واشتهر نحوه في التمثيل قوله: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ) [النور: ٢٦] في أحد

стр. 1849

سهم واحد، فنرجو أن يكون لنا أجران في الآخرة على الأعمال ولهنّ أجر واحد، فقالت أم سلمة ونسوة معها: ليت اللَّه كتب علينا الجهاد كما كتبه على الرجال، فيكون لنا من الأجر مثل ما لهم. فنزلت. (وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً) ٣٣]. (مِمَّا تَرَكَ): تبيين ل (كل)، أي: ولكل شيء مما ترك الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وجهيه، وعلى الثاني الكسب محمول على كسب الطاعات وتحري المبرات، والحسد على المجاز كما ورد "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار، فسمعه جار له، فقال: يا ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان؛ فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه في حقه، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان؛ فعملت مثل ما يعمل". أخرجه البخاري عن أبي هريرة. فإن قلت: فكيف يصح خطابهن بقوله: (وَلا تَتَمَنَّوْا)؟ قلت: لا بأس أن يكون السبب خاصاً والحكم عاماً؛ إذ أكثر الأحكام وارد على هذا المنهج، فإن قلت: إذا كان مثل هذا الحسد محموداً كيف نهوا عنه؟ قلت: كان المتمنى أن يكتب عليهن الجهاد كما كتب على الرجال، وهذا متمنى غير جائز؛ لأنه تعالى كتب لكل من الرجال والنساء على حسب حاله واستعداده، ولكن استدركه بقوله: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ)، أي: اسألوا الله ما يليق بحالكم وما يصلحكم، ألا ترى كيف ذيل بقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً)؟ قوله: (أي: ولكل شيء) يعني: المضاف إليه لـ "كل" محذوف وهو شيء، والمفعول الأول لـ (جَعَلْنَا) هو (مَوَالِيَ)، والثاني (وَلِكُلٍّ)، و (مِمَّا تَرَكَ) متعلق بمحذوف

стр. 1850

من المال (جعلنا موالي) وراثا يلونه ويحرزونه؛ أو: ولكل قوم جعلناهم موالي نصيب (مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأَقْرَبُونَ)؛ على أن (جَعَلْنا مَوالِيَ) صفة ل"كل"، والضمير الراجع إلى "كل" محذوف، والكلام مبتدأ وخبر، كما تقول: لكل من خلقه اللَّه إنسانا من رزق اللَّه، أي: حظ من رزق اللَّه، أو: ولكل أحد جعلنا موالي مما ترك، أي: ورّاثا مما ترك، على أن «من» صلة موالي؛ لأنهم في معنى الورّاث، وفي: (تَرَكَ) ضمير كلّ، ثم فسر الموالي بقوله: (الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ)، كأنه قيل: من هم؟ فقيل: الوالدان والأقربون (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمانُكُمْ): مبتدأ ضمن معنى الشرط؛ فوقع خبره مع الفاء؛ وهو قوله (فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ)، ويجوز أن يكون منصوباً على قولك: زيداً فاضربه. ويجوز أن يعطف على (الوَالِدَانِ)، ويكون المضمر في: (فَآتُوهُمْ) للموالي، والمراد بالذين عاقدت أيمانكم: موالي الموالاة؛ كان الرجل يعاقد الرجل، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هو صفة لـ "كل"، المعنى: وجعلنا لكل مال تركه الوالدان وارثاً يحوونه، وهو المراد بقوله: "ولكل شيء مما ترك" إلى آخره. قال السجاوندي: وفيه ضعف للفصل بين الموصوف والصفة؛ إذ يصير بمنزلة من يقول: لكل رجل جعلت درهماً فقير. قوله: (أو: ولكل قوم) فعلى هذا "لكل قوم" خبر، والمبتدأ متعلق (مِمَّا تَرَكَ)، وهو نصيب المقدر، و (جَعَلْنَا): صفة لـ "كل"، ومفعوله الأول محذوف وهو ضمير الموصوف، و (مَوَالِيَ) ثاني مفعوليه، المعنى: لكل من جعلناه وارثاً نصيب من التركة. قوله: (أو ولكل أحد جعلنا موالي)، فعلى هذا "لكل أحد": مفعول (جَعَلْنَا)، و (مَوَالِيَ) بمعنى الوارث، و (مِمَّا تَرَكَ): صلته، المعنى: جعلنا لكل موروث وارثاً حائزاً لتركته، ثم قيل: ومن الوارث؟ فقيل: الوالدان والأقربون. قال القاضي: وفيه خروج الأولاد؛ فإن الأقربين لا يتناولهم، كما لم يتناول الوالدين. قوله: (ويكون المضمر في (فَآتُوهُمْ) للموالي) فيدخل فيه "الذين عاقدت"، وعلى

стр. 1851

فيقول: دمي دمك، وهدمي هدمك، وثأرى ثأرك، وحربى حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف، فنسخ. وعن النبي ﷺ : أنه خطب يوم الفتح فقال: «ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به، فإنه لم يزده الإسلام إلا شدة، ولا تحدثوا حلفا في الإسلام» وعند أبي حنيفة: لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا؛ صح عنده، وورث بحق الموالاة خلافا للشافعي، وقيل: المعاقدة التبني. ومعنى عاقدت أيمانكم: عاقدتهم أيديكم وماسحتموهم. وقرئ (عَقَدَتْ) بالتشديد والتخفيف بمعنى عقدت عهودهم أيمانكم. (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً) ٣٤]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الوجهين الأولين الضمير مختص بـ "الذين عاقدت"، وعلى هذا الوجه الفاء جزاء شرط مقدر، و"من": صلة (مَوَالِيَ)، أي: جعلنا لكل موروث وارثاً حائزاً لتركته، فقيل: من هم؟ قيل: (الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ) والمعاقدون، ثم قيل: وإذا كان كذلك (فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ). قوله: (وقرئ: "عقدت" بالتشديد) وهي شاذة، "والتخفيف": عاصم وحمزة والكسائي، والباقون: (عاقدت) بالألف. قوله: (بمعنى: عقدت عهودهم أيمانكم) فحذف العهود، وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه، ثم حذف حذفه في القراءة الأخرى وهي: (عاقدت أيمانكم)، أي: عاقدتهم أيديكم. قوله: (عهودهم) أي: عهود الموالي، وهو مفعول (عَقَدَتْ) وفاعله (أَيْمَانُكُمْ).

стр. 1852

(قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ) يقومون عليهن آمرين ناهين، كما يقوم الولاة على الرعايا. وسموا قوّما لذلك. والضمير في (بَعْضَهُمْ) للرجال والنساء جميعاً، يعنى: إنما كانوا مسيطرين عليهن بسبب تفضيل اللَّه بعضهم ـ وهم الرجال ـ، على بعض ـ وهم النساء. وفيه دليل على أنّ الولاية إنما تستحق بالفضل لا بالتغلب والاستطالة والقهر. وقد ذكروا في فضل الرجال: العقل، والحزم، والعزم، والقوّة، والكتابة في الغالب، والفروسية، والرمي، وأنّ منهم الأنبياء والعلماء، وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى، والجهاد، والأذان، والخطبة، والاعتكاف، وتكبيرات التشريق عند أبي حنيفة، والشهادة في الحدود، والقصاص، وزيادة السهم، والتعصيب في الميراث، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وسموا "قوماً" لذلك) الراغب: القوم: جماعة الرجال دون النساء؛ ولذلك قال تعالى: (لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ) [الحجرات: ١١]، قال الشاعر: أقوم آل حصن أم نساء وفي عامة التنزيل: أريدوا به وبالنساء جميعاً، وحقيقته للرجال لما نبه عليه قوله : (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ). قوله: (مسيطرين) أي: متسلطين. قوله: (وفيه دليل) يعني: في تعليل تسلط الرجال على النساء بالأمر والنهي بقوله: (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ)، (وَبِمَا أَنفَقُوا) إدماج لمعنى الإمامة الكبرى، نحوه قوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) [البقرة: ١٢٤]. قوله: (والحمالة) وهي الدية التي يتحملها الرجل، ويغرمها ويسعى في تحصيلها،

стр. 1853

والحمالة، والقسامة، والولاية في النكاح والطلاق والرجعة، وعدد الأزواج، وإليهم الانتساب، وهم أصحاب اللحى والعمائم (وَبِما أَنْفَقُوا): وبسبب ما أخرجوا في نكاحهنّ من أموالهم في المهور والنفقات. وروي أنّ سعد بن الربيع ـ وكان نقيبا من نقباء الأنصار ـ نشرت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، فلطمها، فانطلق بها أبوها إلى رسول اللَّه ﷺ وقال: أفرشته كريمتي فلطمها فقال: «لتقتصّ منه»، . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ و"القسامة" هي الأيمان، يقسم على الأولياء في الدم. النهاية: القسامة بالفتح: اليمين، كالقسم، وحقيقتها: أن يقسم من أولياء الدم خمسون نفراً على استحقاقهم دم صاحبهم إذا وجدوه قتيلاً بين قوم ولم يعرف قاتله، فإن لم يكونوا خمسين أقسم الموجودون خمسين يميناً، ولا يكون فيهم صبي ولا امرأة ولا مجنون ولا عبد، أو يقسم بها المتهمون على نفي القتل عنهم، فإن حلف المدعون استحقوا الدية، وإن حلف المتهمون لم تلزمهم الدية، وقد أقسم يقسم قسماً وقسامة: إذا حلف، وقد جاءت على بناء الغرامة والحمالة؛ لأنها تلزم أهل الموضع الذي يوجد فيه القتيل، وفي حديث الحسن: "القسامة جاهلية" أي: كان أهل الجاهلية يدينون بها، وقد قررها الإسلام. قوله: (أن سعد بن الربيع، وكان نقيباً من نقباء الأنصار). الاستيعاب: هو سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك الخزرجي الأنصاري، عقبي بدري، وكان أحد نقباء الأنصار، قتل يوم أحد شهيداً، بعث رسول الله ﷺ أبي بن كعب يأتيه بخبره، قال: اذهب فأقرئه مني السلام، وأخبره أني قد طعنت اثنتي عشرة طعنة، وأني قد انفذت مقاتلي، واقرأ على قومي السلام وقل لهم: يقول لكم سعد: الله الله! وما عاهدتم عليه رسول الله ﷺ ليلة العقبة، فوالله ما لكم عند الله عذر إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف.

стр. 1854

فنزلت؛ فقال ﷺ : «أردنا أمراً وأراد اللَّه أمرا، والذي أراد اللَّه خير»، ورفع القصاص. واختلف في ذلك، فقيل: لا قصاص بين الرجل وامرأته فيما دون النفس ولو شجها، ولكن يجب العقل. وقيل: لا قصاص إلا في الجرح والقتل. وأما اللطمة ونحوها فلا (قانِتاتٌ): مطيعات قائمات بما عليهنّ للأزواج، (حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ): الغيب خلاف الشهادة، أي: حافظات لمواجب الغيب إذا كان الأزواج غير شاهدين لهنّ حفظهن ما يجب عليهنّ حفظه في حال الغيبة، من الفروج والبيوت والأموال. وعن النبي ﷺ : «خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرّتك، وإن أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها» وتلا الآية وقيل (لِلْغَيْبِ): لأسرارهم (بِما حَفِظَ اللَّهُ): بما حفظهنّ اللَّه حين أوصى بهنّ الأزواج في كتابه وأمر رسوله ﵊ فقال: «استوصوا بالنساء خيراً» أو بما حفظهنّ اللَّه وعصمهنّ ووفقهنّ لحفظ الغيب، أو بما حفظهنّ حين وعدهنّ الثواب العظيم على حفظ الغيب، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لمواجب الغيب) قيل: المواجب: جمع الموجب، والمراد بـ "موجب الغيب": ما يوجبه الغيب، أي: ما يجب المحافظة عليه في حال غيبة الزوج. قوله: (في مالها) أراد في مالك، ولما كانت هي المتصرفة فيه في حال الغيبة، وأنه مما ينفق عليها؛ كأنه مالها، نحو قوله تعالى: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ) [النساء: ٥] بعثاً لها على الحفظ، أي: ليحفظن حفظاً مثل حفظ أموالهن. قوله: (أو بما حفظهن حين وعدهن الثواب) فسر الحفظ بوجوه ثلاث، أحدها: أنه مجاز، من إطلاق السبب على المسبب؛ لأن الظاهر أن يقال: حافظات للغيب بسبب أن الله تعالى وصى الأزواج بحفظهن رعاية لحقهن؛ فهن قضين حق تلك النعمة بحفظ غيب الأزواج، وعلى هذا يجوز أن يكون مشاكلة لقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) [الشورى: ٤٠]، والثاني: أنه حقيقة، أي: حافظات للغيب لأن الله تعالى حفظهن من أن يقعن في الذنب

стр. 1855

وأوعدهنّ بالعذاب الشديد على الخيانة. وما» مصدرية. وقرئ (بِما حَفِظَ اللَّهُ) بالنصب على أنّ ما موصولة، أي: حافظات للغيب بالأمر الذي يحفظ حق اللَّه وأمانة اللَّه، وهو التعفف والتحصن والشفقة على الرجال والنصيحة لهم. وقرأ ابن مسعود: فالصوالح قوانت حوافظ للغيب بما حفظ اللَّه فأصلحوا إليهنّ. نشوزها ونشوصها: أن تعصي زوجها ولا تطمئن إليه وأصله الانزعاج. (فِي الْمَضاجِعِ): ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعصمهن، فقوله: "وعصمهن" عطف تفسيري. وثالثها: أنه من باب الكناية، أي: أنهن حافظات للغيب لأن الله تعالى وعدهن الثواب عليه؛ ولذلك سعين في حفظ الغيب، كأنه قيل: احفظن الغيب حتى لا أضيع أجركن لما يلزم من عدم ضياعهن إيتاء أجورهن. قوله: (وقرئ: (بما حفظ الله) بالنصب على أن "ما" موصولة) قال أبو البقاء: "ما" على قراءة النصب بمعنى الذي، أو نكرة والمضاف محذوف، والتقدير: بما حفظ الله أو دين الله، وقال قوم: هي مصدرية، والتقدير: بحفظهن الله، وهذا خطأ؛ لأنه إذا كان كذلك خلا الفعل عن ضمير الفاعل؛ لأن الفاعل هنا جمع المؤنث، فكان يجب أن يكون بما حفظن الله، وقد صوب هذا القول وجعل الفاعل فيه للجنس، وهو مفرد مذكر، فلا يظهر له ضمير. قوله: (فالصوالح قوانت حوافظ للغيب … فأصلحوا إليهن). الأساس: ومن المجاز: وأصلح إلى دابته: أحسن إليها وتعهدها. وفي هذه القراءة إيذان بأن الآية فيها إجمال وتفصيل، فالمجمل قوله: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ)، وتفصيله: فالصالحات، وقوله: (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ)، وأن قوله: في هذه القراءة: "فأصلحوا إليهن" مقابل لقوله: (فَعِظُوهُنَّ)، يعني: قوموا عليهن، فاللاتي صلحت، فأحسنوا إليهن، واللاتي نشزت فعظوهن، واضربوهن. قوله: ٠ ونشوصها). الجوهري: نشصت المرأة من زوجها، مثل نشزت، فهي ناشز

стр. 1856

في المراقد، أي: لا تدخلوهن تحت اللحف، أو هي كناية عن الجماع. وقيل: هو أن يوليها ظهره في المضجع وقيل: (في المضاجع): في بيوتهن التي يبتن فيها. أى: لا تبايتوهن. وقرئ: (في المضجع)، و (في المضطجع)؛ وذلك لتعرّف أحوالهن وتحقق أمرهن في النشوز. أمر بوعظهن أوّلا، ثم بهجرانهن في المضاجع، ثم بالضرب إن لم ينجع فيهن الوعظ والهجران. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وناشص، ونشصت عن بلدي: انزعجت. الراغب: النشز: المرتفع من الأرض، ونشز فلان: إذا قصد نشزاً، ومنه: نشز فلان عن مقره، ويعبر عن الإحياء بالنشز والإنشاز لكونه ارتفاعاً بعد اتضاع، ونشوز المرأة: بغضها لزوجها ورفع نفسها عن طاعته وعينها إلى غيره. قوله: (أمر بوعظهن) جملة مستأنفة على سبيل البيان، لقوله: "وذلك لتعرف أحوالهن"؛ لأن المشار بها تلك المأمورات التي تضمنها قوله تعالى: (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) على قوله: (وَاضْرِبُوهُنَّ). الانتصاف: الترتيب الذي أشار إليه الزمخشري غير مأخوذ من الآية؛ لأنها واردة بواو العطف، وإنما استفيد من أدلة خارجية. وقلت: ما أظهر دلالة الفاء في قوله: (فَعِظُوهُنَّ) عليه! وكذا قضية الترتيب في الرفق والنظم، فإن قوله: (فَالصَّالِحَاتُ) وقوله: (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) تفصيل لما أجمل في قوله: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ)، كما سبق، أخبر الله تعالى بتفضيل الرجال على النساء، وقوامهم عليهن، ثم فصل النساء قسمين: إما أنهن قانتات صالحات يحفظن أزواجهن في الحضور والغيبة؛ فعلى الرجال الشفقة عليهن والنصيحة لهن، وإما أنهن ناشزات غير مطيعات؛ فعلى الرجال الترفق بهن أولاً بالوعظ والنصيحة، فإن لم ينجع الوعظ فيهن، فبالهجران والتفرق

стр. 1857

وقيل: معناه أكرهوهن على الجماع واربطوهن، هجر البعير إذا شدّه بالهجار، وهذا من تفسير الثقلاء! وقالوا: يجب أن يكون ضربًا غير مبرِّح لا يجرحها ولا يكسر لها عظمًا ويجتنب الوجه، وعن النبىّ ﷺ : «علق سوطك حيث يراه أهلك»، وعن أسماء بنت أبى بكر الصدّيق ﵄: كنت رابعة أربع نسوة عند الزبير بن العوّام، فإذا غضب على إحدانا ضربها بعود المشجب حتى يكسره عليها. ويروى عن الزبير أبيات منها: وَلَوْلَا بَنُوهَا حَوْلَهَا لَخَبَطْتُهَا (فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا): فأزيلوا عنهن التعرض بالأذى والتوبيخ والتجني، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في مضاجعهن ثانياً، ثم التأديب بالضرب؛ لأن المقصود الإصلاح والدخول في الطاعة؛ لقوله: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ)، فرتب الوعظ على الخوف من النشوز، فلابد من تقديمه على قرينيه، ومنه نبه على ترتيب قرينيه. قوله: (بالهجار). الأساس: الهجار: حبل يشد به يده إلى رجله، يخالف الشكال. قوله: (بعود المشجب). النهاية: المشجبـ بكسر الميم وفتح الجيمـ: عيدان تضم رؤوسها ويفرج بين قوائمها، وتوضع عليها الثياب، وقد تعلق عليها الأسقية لتبريد الماء. قوله: (ولولا بنوها حولها لخبطتها)، تمامه: كخبطة فروج ولم أتلعثم خبطت الشجر خبطاً: إذا ضربتها بالعصال يسقط ورقها، يتلعثم الرجل في الأمر: إذا تمكث فيه وتأنى. قوله: (والتجني) الجوهري: التجني: التجرم، وهو أن يدعي عليك ذنباً لم تفعله.

стр. 1858

وتوبوا عليهنَّ، واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن بعد رجوعهن إلى الطاعة والانقياد وترك النشوز. (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً) فاحذروه، واعلموا أنّ قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على من تحت أيديكم. ويروى أن أبا مسعود الأنصارى رفع سوطه ليضرب غلاما له، فبصر به رسول اللَّه ﷺ ، فصاح به: أبا مسعود، للَّه أقدر عليك منك عليه، فرمى بالسوط وأعتق الغلام. أو: (إن اللَّه كان علياً كبيراً) وإنكم تعصونه على علو شأنه وكبرياء سلطانه، ثم تتوبون فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو عمن يجيء عليكم إذا رجع. (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً) ٣٥]. (شِقاقَ بَيْنِهِما) أصله: شقاقا بينهما، فأضيف الشقاق إلى الظرف على طريق الاتساع، كقوله: (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) [سبأ: ٣٣] وأصله: بل مكر في الليل والنهار؛ أو على أن جعل البين مشاقًا والليلُ والنهارُ ماكرين، على قولهم: نهارك صائم. والضمير للزوجين. ولم يجر ذكرهما لجري ذكر ما يدل عليهما، وهو الرجال والنساء. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويروى: أن أبا مسعود الأنصاري) الحديث من رواية مسلم وأبي داود والترمذي: كنت أضرب غلاماً لي بالسوط، فسمعت صوتاً من خلفي: "اعلم أبا مسعود"، فلم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا مني فإذا هو رسول الله ﷺ يقول: "اعلم أبا مسعود، الله أقدر عليك منك على هذا الغلام"، فسقط من يدي السوط، فقلت: يا رسول الله، هو حر لوجه الله، فقال: "أما لو لم تفعل للفحتك النار". قوله: (جعل البين مشاقاً). مشاقاً: اسم فاعل، نحو: مختار، ونحوه قوله تعالى: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) [الأنعام: ٩٤] برفع "بين".

стр. 1859

(حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ): رجلا مقنعاً رضياً يصلح لحكومة العدل والإصلاح بينهما، وإنما كان بعث الحكمين من أهلهما؛ لأنّ الأقارب أعرف ببواطن الأحوال، وأطلب للصلاح، وإنما تسكن إليهم نفوس الزوجين، وتبرز إليهم ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة وموجبات ذلك ومقتضياته، وما يزويانه عن الأجانب ولا يحبان أن يطلعوا عليه. فإن قلت: فهل يليان الجمع بينهما والتفريق إن رأيا ذلك؟ قلت: قد اختلف فيه، فقيل: ليس إليهما ذلك إلا بإذن الزوجين؛ وقيل: ذلك إليهما، وما جعلا حكمين إلا وإليهما بناء الأمر على ما يقتضيه اجتهادهما. وعن عبيدة السلماني: شهدت علياً ﵁ وقد جاءته امرأة وزوجها ومع كل واحد منهما فئام من الناس، فأخرج هؤلاء حكما وهؤلاء حكما، فقال عليّ ﵁ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (رجلاً مقنعاً رضاً). الأساس: فلان لنا مقنع رضاً، أي: مقنع بقوله وقضائه، وشاهد مقنع، وشهود مقانع. قوله: (ذلك غليهما) قال القاضي: قال مالك: لهما أن يتخالعا إن وجدا الصلاح فيه، قلت: وينصره تكرير ذكر الحكمين في التنزيل ومتعلقهما وإن لم يقل: حكمين من أهليهما، وهو أخصر. قوله: (وعن عبيدة السلماني) بفتح اللام في رواية الكتاب، وفي "جامع الأصول": هو جاهلي إسلامي، أسلم قبل وفاة النبي ﷺ ولم يلقه، سمع أكابر الصحابة، واشتهر بصحبة علي ﵁. عبيدة: بفتح العين وكسر الباء الموحدة وسكون الياء، والسلماني: بفتح السين المهملة وسكون اللام والنون. قوله: (فئام من الناس) فئام: جماعة، ولا واحد له من لفظه، النهاية: الفئام مهموز: الجماعة الكثيرة.

стр. 1860

للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما، فقال الزوج: أما الفرقة فلا، فقال علىّ: كذب واللَّه لا تبرح حتى ترضى بكتاب اللَّه لك وعليك، فقالت المرأة: رضيت بكتاب اللَّه لي وعليّ. وعن الحسن: يجمعان ولا يفرقان. وعن الشعبي: ما قضى الحكمان جاز. والألف في (إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً) للحكمين، (وفي يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما) للزوجين؛ أي: إن قصدا إصلاح ذات البين، وكانت نيتهما صحيحة، وقلوبهما ناصحة لوجه اللَّه، بورك في وساطتهما، وأوقع اللَّه بطيب نفسهما وحسن سعيهما بين الزوجين الوفاق والألفة، وألقى في نفوسهما المودّة والرحمة. وقيل: الضميران للحكمين، أي: إن قصدا إصلاح ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كذب، والله لا تبرح) فيه التفات. قال الزجاج: على الحكمين أن يقصدا الإصلاح، وليس لهما طلاق ولا إقرار، وما فعل علي ﵁ فهو فعل للإمام، وللإمام أن يفعل ما رأى فيه؛ فعلي وكلهما فيه وأولاهما ذلك. وفي "المعالم": أصح القولين: أن بعث الحكمين على رضاهما، فيتوقف التطليق على رضاه، والاختلاع بمالها على رضاها، وعليه أصحاب الرأي، لقول علي ﵁ حين قال الزوج: أما الفرقة فلاـ: كذبت حتى تقر بمثل الذي أقرت به؛ فثبت أن تقييد الأمر موقوف على رضاه. والقول الثاني: أن لا يتوقف على رضاهما كالحاكم يحكم على الخصمين بلا رضاهما، ومن قال بهذا قال: ليس المراد بقوله للرجل: "حتى تقر" أن رضاه شرط؛ بل معناه: أن المرأة رضيت بما في كتاب الله، فقال الرجل: أما الفرقة فلا، يعني: ليست الفرقة في كتاب الله؛ فقال علي ﵁: كذبت؛ حيث أنكرت وقلت: إن الفرقة ليست في كتاب الله؛ فإن قوله: (يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) يشتمل على الفراق وغيره؛ لأن التوفيق أن يخرج كل واحد منهما من الوزر؛ وذلك يكون تارة بالفراق، وتارة بصلاح حالهما في الوصلة. هذا معنى كلام "المعالم". قوله: (الضميران للحكمين). قال الإمام: وها هنا قسم رابع: وهو أن الأول للزوجين
следующие страницы →