← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

في المراقد، أي: لا تدخلوهن تحت اللحف، أو هي كناية عن الجماع. وقيل: هو أن يوليها ظهره في المضجع وقيل: (في المضاجع): في بيوتهن التي يبتن فيها. أى: لا تبايتوهن. وقرئ: (في المضجع)، و (في المضطجع)؛ وذلك لتعرّف أحوالهن وتحقق أمرهن في النشوز. أمر بوعظهن أوّلا، ثم بهجرانهن في المضاجع، ثم بالضرب إن لم ينجع فيهن الوعظ والهجران. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وناشص، ونشصت عن بلدي: انزعجت. الراغب: النشز: المرتفع من الأرض، ونشز فلان: إذا قصد نشزاً، ومنه: نشز فلان عن مقره، ويعبر عن الإحياء بالنشز والإنشاز لكونه ارتفاعاً بعد اتضاع، ونشوز المرأة: بغضها لزوجها ورفع نفسها عن طاعته وعينها إلى غيره. قوله: (أمر بوعظهن) جملة مستأنفة على سبيل البيان، لقوله: "وذلك لتعرف أحوالهن"؛ لأن المشار بها تلك المأمورات التي تضمنها قوله تعالى: (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) على قوله: (وَاضْرِبُوهُنَّ). الانتصاف: الترتيب الذي أشار إليه الزمخشري غير مأخوذ من الآية؛ لأنها واردة بواو العطف، وإنما استفيد من أدلة خارجية. وقلت: ما أظهر دلالة الفاء في قوله: (فَعِظُوهُنَّ) عليه! وكذا قضية الترتيب في الرفق والنظم، فإن قوله: (فَالصَّالِحَاتُ) وقوله: (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) تفصيل لما أجمل في قوله: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ)، كما سبق، أخبر الله تعالى بتفضيل الرجال على النساء، وقوامهم عليهن، ثم فصل النساء قسمين: إما أنهن قانتات صالحات يحفظن أزواجهن في الحضور والغيبة؛ فعلى الرجال الشفقة عليهن والنصيحة لهن، وإما أنهن ناشزات غير مطيعات؛ فعلى الرجال الترفق بهن أولاً بالوعظ والنصيحة، فإن لم ينجع الوعظ فيهن، فبالهجران والتفرق

стр. 1857

وقيل: معناه أكرهوهن على الجماع واربطوهن، هجر البعير إذا شدّه بالهجار، وهذا من تفسير الثقلاء! وقالوا: يجب أن يكون ضربًا غير مبرِّح لا يجرحها ولا يكسر لها عظمًا ويجتنب الوجه، وعن النبىّ ﷺ : «علق سوطك حيث يراه أهلك»، وعن أسماء بنت أبى بكر الصدّيق ﵄: كنت رابعة أربع نسوة عند الزبير بن العوّام، فإذا غضب على إحدانا ضربها بعود المشجب حتى يكسره عليها. ويروى عن الزبير أبيات منها: وَلَوْلَا بَنُوهَا حَوْلَهَا لَخَبَطْتُهَا (فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا): فأزيلوا عنهن التعرض بالأذى والتوبيخ والتجني، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في مضاجعهن ثانياً، ثم التأديب بالضرب؛ لأن المقصود الإصلاح والدخول في الطاعة؛ لقوله: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ)، فرتب الوعظ على الخوف من النشوز، فلابد من تقديمه على قرينيه، ومنه نبه على ترتيب قرينيه. قوله: (بالهجار). الأساس: الهجار: حبل يشد به يده إلى رجله، يخالف الشكال. قوله: (بعود المشجب). النهاية: المشجبـ بكسر الميم وفتح الجيمـ: عيدان تضم رؤوسها ويفرج بين قوائمها، وتوضع عليها الثياب، وقد تعلق عليها الأسقية لتبريد الماء. قوله: (ولولا بنوها حولها لخبطتها)، تمامه: كخبطة فروج ولم أتلعثم خبطت الشجر خبطاً: إذا ضربتها بالعصال يسقط ورقها، يتلعثم الرجل في الأمر: إذا تمكث فيه وتأنى. قوله: (والتجني) الجوهري: التجني: التجرم، وهو أن يدعي عليك ذنباً لم تفعله.

стр. 1858

وتوبوا عليهنَّ، واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن بعد رجوعهن إلى الطاعة والانقياد وترك النشوز. (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً) فاحذروه، واعلموا أنّ قدرته عليكم أعظم من قدرتكم على من تحت أيديكم. ويروى أن أبا مسعود الأنصارى رفع سوطه ليضرب غلاما له، فبصر به رسول اللَّه ﷺ ، فصاح به: أبا مسعود، للَّه أقدر عليك منك عليه، فرمى بالسوط وأعتق الغلام. أو: (إن اللَّه كان علياً كبيراً) وإنكم تعصونه على علو شأنه وكبرياء سلطانه، ثم تتوبون فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو عمن يجيء عليكم إذا رجع. (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً) ٣٥]. (شِقاقَ بَيْنِهِما) أصله: شقاقا بينهما، فأضيف الشقاق إلى الظرف على طريق الاتساع، كقوله: (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) [سبأ: ٣٣] وأصله: بل مكر في الليل والنهار؛ أو على أن جعل البين مشاقًا والليلُ والنهارُ ماكرين، على قولهم: نهارك صائم. والضمير للزوجين. ولم يجر ذكرهما لجري ذكر ما يدل عليهما، وهو الرجال والنساء. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويروى: أن أبا مسعود الأنصاري) الحديث من رواية مسلم وأبي داود والترمذي: كنت أضرب غلاماً لي بالسوط، فسمعت صوتاً من خلفي: "اعلم أبا مسعود"، فلم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا مني فإذا هو رسول الله ﷺ يقول: "اعلم أبا مسعود، الله أقدر عليك منك على هذا الغلام"، فسقط من يدي السوط، فقلت: يا رسول الله، هو حر لوجه الله، فقال: "أما لو لم تفعل للفحتك النار". قوله: (جعل البين مشاقاً). مشاقاً: اسم فاعل، نحو: مختار، ونحوه قوله تعالى: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) [الأنعام: ٩٤] برفع "بين".

стр. 1859

(حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ): رجلا مقنعاً رضياً يصلح لحكومة العدل والإصلاح بينهما، وإنما كان بعث الحكمين من أهلهما؛ لأنّ الأقارب أعرف ببواطن الأحوال، وأطلب للصلاح، وإنما تسكن إليهم نفوس الزوجين، وتبرز إليهم ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة وموجبات ذلك ومقتضياته، وما يزويانه عن الأجانب ولا يحبان أن يطلعوا عليه. فإن قلت: فهل يليان الجمع بينهما والتفريق إن رأيا ذلك؟ قلت: قد اختلف فيه، فقيل: ليس إليهما ذلك إلا بإذن الزوجين؛ وقيل: ذلك إليهما، وما جعلا حكمين إلا وإليهما بناء الأمر على ما يقتضيه اجتهادهما. وعن عبيدة السلماني: شهدت علياً ﵁ وقد جاءته امرأة وزوجها ومع كل واحد منهما فئام من الناس، فأخرج هؤلاء حكما وهؤلاء حكما، فقال عليّ ﵁ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (رجلاً مقنعاً رضاً). الأساس: فلان لنا مقنع رضاً، أي: مقنع بقوله وقضائه، وشاهد مقنع، وشهود مقانع. قوله: (ذلك غليهما) قال القاضي: قال مالك: لهما أن يتخالعا إن وجدا الصلاح فيه، قلت: وينصره تكرير ذكر الحكمين في التنزيل ومتعلقهما وإن لم يقل: حكمين من أهليهما، وهو أخصر. قوله: (وعن عبيدة السلماني) بفتح اللام في رواية الكتاب، وفي "جامع الأصول": هو جاهلي إسلامي، أسلم قبل وفاة النبي ﷺ ولم يلقه، سمع أكابر الصحابة، واشتهر بصحبة علي ﵁. عبيدة: بفتح العين وكسر الباء الموحدة وسكون الياء، والسلماني: بفتح السين المهملة وسكون اللام والنون. قوله: (فئام من الناس) فئام: جماعة، ولا واحد له من لفظه، النهاية: الفئام مهموز: الجماعة الكثيرة.

стр. 1860

للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تفرقا فرقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما، فقال الزوج: أما الفرقة فلا، فقال علىّ: كذب واللَّه لا تبرح حتى ترضى بكتاب اللَّه لك وعليك، فقالت المرأة: رضيت بكتاب اللَّه لي وعليّ. وعن الحسن: يجمعان ولا يفرقان. وعن الشعبي: ما قضى الحكمان جاز. والألف في (إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً) للحكمين، (وفي يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما) للزوجين؛ أي: إن قصدا إصلاح ذات البين، وكانت نيتهما صحيحة، وقلوبهما ناصحة لوجه اللَّه، بورك في وساطتهما، وأوقع اللَّه بطيب نفسهما وحسن سعيهما بين الزوجين الوفاق والألفة، وألقى في نفوسهما المودّة والرحمة. وقيل: الضميران للحكمين، أي: إن قصدا إصلاح ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كذب، والله لا تبرح) فيه التفات. قال الزجاج: على الحكمين أن يقصدا الإصلاح، وليس لهما طلاق ولا إقرار، وما فعل علي ﵁ فهو فعل للإمام، وللإمام أن يفعل ما رأى فيه؛ فعلي وكلهما فيه وأولاهما ذلك. وفي "المعالم": أصح القولين: أن بعث الحكمين على رضاهما، فيتوقف التطليق على رضاه، والاختلاع بمالها على رضاها، وعليه أصحاب الرأي، لقول علي ﵁ حين قال الزوج: أما الفرقة فلاـ: كذبت حتى تقر بمثل الذي أقرت به؛ فثبت أن تقييد الأمر موقوف على رضاه. والقول الثاني: أن لا يتوقف على رضاهما كالحاكم يحكم على الخصمين بلا رضاهما، ومن قال بهذا قال: ليس المراد بقوله للرجل: "حتى تقر" أن رضاه شرط؛ بل معناه: أن المرأة رضيت بما في كتاب الله، فقال الرجل: أما الفرقة فلا، يعني: ليست الفرقة في كتاب الله؛ فقال علي ﵁: كذبت؛ حيث أنكرت وقلت: إن الفرقة ليست في كتاب الله؛ فإن قوله: (يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) يشتمل على الفراق وغيره؛ لأن التوفيق أن يخرج كل واحد منهما من الوزر؛ وذلك يكون تارة بالفراق، وتارة بصلاح حالهما في الوصلة. هذا معنى كلام "المعالم". قوله: (الضميران للحكمين). قال الإمام: وها هنا قسم رابع: وهو أن الأول للزوجين

стр. 1861

ذات البين والنصيحة للزوجين يوفق اللَّه بينهما، فيتفقان على الكلمة الواحدة، ويتساندان في طلب الوفاق حتى يحصل الغرض ويتم المراد. وقيل: الضميران للزوجين، أي: إن يريدا إصلاح ما بينهما، وطلبا الخير، وأن يزول عنهما الشقاق يطرح اللَّه بينهما الألفة، وأبدلهما بالشقاق وفاقًا وبالبغضاء مودة. (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً): يعلم كيف يوفق بين المختلفين ويجمع بين المفترقين. (لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) [الأنفال: ٦٣]. (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً) ٣٦]. (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) وأحسنوا بهما إحسانا (وَبِذِي الْقُرْبى): وبكل من بينكم وبينه قربى من أخ أو عم أو غيرهما، (وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى): الذي قرب جواره، (وَالْجارِ الْجُنُبِ): الذي جواره بعيد، وقيل الجار القريب: النسيب، والجار الجنب: الأجنبى، وأنشد لبلعاء ابن قيس: لَا يَجْتَوِينَا مُجَاوِرٌ أَبَداً ذُو رَحِمٍ أَوْ مُجاوِرٌ جُنُبُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والثاني للحكمين، أي: أن يرد الزوجان إصلاحاً يوفق الله بين الحكمين إصلاحاً حتى يعملا بالصلاح. وقال القاضي: وفيه تنبيه على أن من أصلح نيته فيما يتحراه، أصلح الله مبتغاه. قوله: (وأحسنوا بهما). الأساس: أحسن على أخيه وأحسن به. قوله: (لا يجتوينا) البيت، أي: لا يكرهنا، من: اجتويت البلاد: إذا كرهتها.

стр. 1862

وقرئ: (والجار ذا القربى)، نصبا على الاختصاص، كما قرئ (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) [البقرة: ٢٣٨]؛ تنبيها على عظم حقه؛ لإدلائه بحق الجوار والقربى. (وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ): هو الذي صحبك بأن حصل بجنبك؛ إما رفيقًا في سفر، وإما جاراً ملاصقاً، وإما شريكًا في تعلم علم أو حرفة، وإما قاعداً إلى جنبك في مجلس أو مسجد أو غير ذلك، من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه، فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه، وتجعله ذريعة إلى الإحسان. وقيل: الصاحب بالجنب: المرأة (وَابْنِ السَّبِيلِ): المسافر المنقطع به، وقيل: الضيف، والمختال: التياه الجهول الذي يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه ومماليكه، فلا يتحفى بهم، ولا يلتفت إليهم. وقرئ: والجار الجنب، بفتح الجيم وسكون النون. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو غير ذلك من أدنى صحبة التأمت)، "أو غير" عطف على المنصوبات. وقوله: "من أدنى صحبة" وصف له، ومن: ابتداء أو بيان، أي: غير ذلك كائناً أو حاصلاً من أدنى صحبة، يعني: في تقييد (وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) تعميم معناه، وأريد به أصل الاستعمال لا المتعارف المشهور؛ لأنه لا يقال عرفاً: هو صاحب فلان، إلا إذا رافقه والتزمه، أو وافقه في مذهب؛ فهذا القيد نحو القيد (فِي الأَرْضِ) لـ (دَابَّةٍ) في قوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ) [الأنعام: ٣٨] ونظير لـ (طَائِرٍ) في قوله: (وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ). قوله: (المنقطع به) الجوهري: وانقطع به فهو منقطع به؛ إذا عجز عن سفره من نفقة ذهبت، أو قامت عليه راحلته، وأتاه أمر لا يقدر أن يتحرك. قوله: (فلا يتحفى بهم ولا يلتفت إليهم) أي: لا يتلطف بهم ولا يرحمهم. قوله: (وقرئ: "والجار الجنب") أي: الجار ذي الجنب، أي: الملتصق داره بجنب

стр. 1863

(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً) ٣٧]. (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ): بدل من قوله: (مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً) [النساء: ٣٦]، أو نصب على الذم. ويجوز أن يكون رفعاً عليه، وأن يكون مبتدأ خبره محذوف، كأنه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ دارك. الجوهري: قعدت إلى جنب فلان وإلى جانب فلان بمعنى، وهذه القراءة تنصر قول من قال: الجار القريب النسب والجار الأجنبي. قوله: (وأن يكون مبتدأ خبره محذوف)، فإن قلت: ما الفرق بين هذا، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف كما عليه الوجه الثاني؟ قلت: على الثاني يتصل بقوله: (مُخْتَالاً فَخُوراً) محكوم عليهم بأنهم هم الذين لا يحبهم الله، وهو أبلغ من البدل؛ لما يؤذن بأن البخل أخس أوصافهم، وهو الذي حملهم على أن تكبروا عن إكرام أقاربهم وأصحابهم، وأنهم معروفون مشهورون بكونهم مختالين فخورين؛ لما تقرر أن النصب أو الرفع على المدح أو الذم يقتضي أني كون الموصوف مشهوراً معروفاً، والصفة صالحة للمدح أو للذم. وعلى أن يكون مبتدأ خبره محذوف، والجملة منقطعة عما قبلها جيء بها مستطردة لحكاية من يمنع إحسانه عن الوالدين والأقربين، والوجه الاتصال؛ لأن قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً) تذييل لقوله: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً)، وقد رمز إليه تفسيره "المختال" بـ "التياه: الجهول الذي يتكبر عن إكرام أقاربه"، ثم لابد من انضمم قوله: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) ليتم به المقصود، ولو جعل (وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ) [النساء: ٣٨] عطفاً على (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ)؛ ليدخل معنى قوله: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) [النساء: ٣٦] في معنى المذيلـ ليكمل النظم ويبلغ الغاية، ويؤيده قوله بعد هذا: " (وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ)، قيل: نزلت في مشركي قريش". وقوله: "حيث حملهم على البخل والرياء" جعلهما وصفين لموصوف واحد، والواو

стр. 1864

قيل: الذين يبخلون ويفعلون ويصنعون، أحقاء بكل ملامة. وقرئ (بِالْبُخْلِ) بضم الباء وفتحها، وبفتحتين. وبضمتين، أي: يبخلون بذات أيديهم، وبما في أيدى غيرهم. فيأمرونهم بأن يبخلوا به مقتًا للسخاء ممن وجد. وفي أمثال العرب: أبخل من الضنين بنائل غيره. قال: وَإن امْرَا ضَنَّتْ يَدَاهُ عَلَى امْرِئٍ بِنَيْلِ يَدٍ مِنْ غَيْرِهِ لَبَخِيلُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ توسطت بينهما؛ ليدل على أنهم جامعون بين وصفين كل واحد منهما مستقل في الرذالة، وأيضاً، المرائي لا يكون إلا فخوراً؛ فكان الذهاب إلى العطف على (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) واتصاله بقوله: (كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً) أحرى، فإن قلت: هل يجوز في الموصول الأول القطع للاستئناف؟ قلت: لا يحسن ذلك الحسن؛ لأنه لا يخلو من أن يكون استئنافاً بإعادة اسم من استؤنف عنه الحديث أو صفته، والأول ظاهر البطلان؛ لأن "الذي" وضع وصلة إلى وصف المعارف بالجمل، والثاني يوجب أن يكون الموصوف بحيث ينبئ عن الوصف؛ ليكون ذريعة لبيان الموجب ليصح التعليل به، كقوله تعالى: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: ٢ ـ ٣]، ولا دلالة في قوله: (مُخْتَالاً فَخُوراً) على هذا الوصف، بل فيه ما يدفعه؛ لأن التياه الفخور أغلب ما يكون جواداً، اللهم إلا أن يقال: إن قوله: (مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً) ـ لما كان تذييلاً للكلام السابق أو استئنافاًـ تضمن معنى البخل الذي يعطيه قوله: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) إلى آخره، وهذا لا يصير إليه صاحب ذوق. قوله: (قرئ: (بِالْبُخْلِ) بضم الباء): كلهم إلا حمزة والكسائي، وبفتحها وسكون الخاء: شاذ، وبفتحتين: حمزة والكسائي، وبضمتين: شاذ. قوله: (وإن امرأ ضنت يداه على امرئ) البيت، يداه: عبارة عن جملته، كقوله تعالى:

стр. 1865

ولقد رأينا ممن بلى بداء البخل من إذا طرق سمعه أنّ أحدا جاد على أحد، شخص به، وحلّ حبوته، واضطرب، ودارت عيناه في رأسه، كأنما نهب رحله وكسرت خزانته، ضجراً من ذلك وحسرة على وجوده. وقيل: هم اليهود، كانوا يأتون رجالًا من الأنصار يتنصحون لهم ويقولون: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون؟ وقد عابهم اللَّه بكتمان نعمة اللَّه وما آتاهم من فضل الغنى والتفاقر إلى الناس. وعن النبي ﷺ «إذا أنعم اللَّه على عبد نعمة أحب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) [المسد: ١]، قال: جعلت يداه هالكتين، والمراد هلاك جملته، الجوهري: قولهم: هذا كما قدمت يداك، وهذا ما جنت يداك، أي: جنيته أنت. يقول: إن امرؤ ضن على امرئ بسبب نائل غيره، لشديد البخل. قوله: (شخص به). الجوهري: يقال للرجل إذا ورد عليه أمر أقلقه: شخص به. قوله: (حل حبوته). النهاية: الاحتباء: هو أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب ويجمعهما مع ظهره، ويشده عليها، وقد يكون الاحتباء باليدين؛ فهو كناية عن الاضطراب والقلق والانزعاج؛ لأن المحتبي متمكن مطمئن ساكن. قوله: (وحسرة على وجوده) أي: وجود الجود، دل بقوله أولاً: "مقتاً للسخاء ممن وجد"، وآخراً: "وحسرة على وجوده" على أن السخاء عندهم مبغوض بالذات، كما أن البخل محبوب بالذات. قوله: (يتنصحون) أي: يتشبهون بالنصحاء. قوله: (وقد عابهم بكتمان نعمة الله) أي: عابهم الله بقوله: (وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمْ اللَّهُ) بكتمان نعمة الله، "والتفاقر إلى الناس"، والتفاقر: عطف على "كتمان" على سبيل التفسير. قوله: (إذا أنعم الله على عبد) الحديث مخرج في "مسند" الإمام أحمد بن حنبل ﵀.

стр. 1866

أن يرى نعمته على عبده». وبنى عامل للرشيد قصراً حذاء قصره، فنمّ به عنده، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته، فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك، فأعجبه كلامه. وقيل: نزلت في شأن اليهود الذين كتموا صفة رسول اللَّه ﷺ . (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (٣٨) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً) ٣٨ ـ ٣٩]. (رِئاءَ النَّاسِ): للفخار، وليقال: ما أسخاهم وما أجودهم، لا ابتغاء وجه اللَّه. وقيل: نزلت في مشركي مكة المنفقين أموالهم في عداوة رسول اللَّه ﷺ (فَساءَ قَرِيناً) حيث حملهم على البخل والرياء وكل شر، ويجوز أن يكون وعيداً لهم بأنّ الشيطان يقرن بهم في النار (وَماذا عَلَيْهِمْ): وأي تبعة ووبالٍ عليهم في الايمان والإنفاق في سبيل اللَّه! والمراد الذم والتوبيخ، وإلا فكل منفعة ومفلحة في ذلك، وهذا كما يقال للمنتقم: ما ضرك لو عفوت! وللعاق: ما كان يرزؤك لو كنت باراً! وقد علم أنه لا مضرة ولا مرزئة في العفو والبر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأي تبعة ووبال عليهم! ) قال الزجاج: "وماذا عليهم" يصلح أن يكون اسماً واحداً، المعنى: وأي شيء عليهم؟ ويجوز أن يكون "ذا" في معنى "الذي"، و"ما" وحدها اسماً. قوله: (ولا مرزئة في العفو). الأساس: ما رزاته شيئاً مرزئة ورزءاً: ما نقصته، وما رزأته زبالاً، أي: ما نلت من ماله شيئاً، ولا أصبت منه خيراً.

стр. 1867

ولكنه ذم وتوبيخ وتجهيل بمكان المنفعة. (وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً): وعيد. (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠) فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ٤٠ ـ ٤٢]. الذرّة: النملة الصغيرة، وفي قراءة عبد اللَّه: مثقال نملة. وعن ابن عباس: أنه أدخل يده في التراب فرفعه ثم نفخ فيه فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرة. وقيل: كل جزء من أجزاء الهباء في الكوّة ذرة. وفيه دليل على أنه لو نقص من الأجر أدنى شيء وأصغره، أو زاد في العقاب لكان ظلمًا، وأنه لا يفعله لاستحالته في الحكمة لا لاستحالته في القدرة. (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً): وإن يكن مثقال ذرّة حسنة وإنما أنث ضمير المثقال لكونه مضافًا إلى مؤنث. وقرئ بالرفع على كان التامة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ذم وتوبيخ) وإنما نشأ التوبيخ من تقاعد المخاطب على أمر فيه منفعته، وأنه لا غنى له عن فعله، ولا مانع يمنعه من تحصيله، وها هنا ذم الله البخلاء حين أبدل قوله: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) من قوله: (مُخْتَالاً فَخُوراً)، وأوعدهم بالعذاب المهين وسماهم كافرين، وذم المرائين بقوله: (وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ) وأوعدهم بأن الشيطان يقرن بهم في النار، ثم أتبع ذلك ما يحرضهم على الإيمان بالله والإنفاق، وأنهم لا يظلمون مثقال ذرة، ووعدهم باتصال أجر عظيم من لدن رب كريم، فوقع قوله: (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا)، (وَأَنفَقُوا) منبهاً لخطأ آرائهم، وتجهيلاً لهم وتوبيخاً على التواني والتقاعد، وأصل استعمال "ماذا عليك" أن يوقع في أمر يجب على المخاطب أن يفعله لما فيه نفعه ومصلحته، فيجعله المتكلم مظنة للوبال والتبعة إرخاء للعنان موبخاً له على التكاسل، كما تقول للمنتقم: ما ضرك لو عفوت؟ قوله: (أنث ضمير المثقال) أي: في (تَكُ) لكونها مضافاً إلى مؤنث، قال صاحب

стр. 1868

(يُضاعِفْها): يضاعف ثوابها لاستحقاقها عنده الثواب في كل وقت من الأوقات المستقبلة غير المتناهية. وعن أبي عثمان النهدي أنه قال لأبى هريرة: بلغني عنك أنك تقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «إن اللَّه تعالى يعطي عبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة» قال أبو هريرة: لا، بل سمعته يقول «إن اللَّه تعالى يعطيه ألفي ألفي حسنة»، ثم تلا هذه الآية. والمراد: الكثرة لا التحديد (وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً): ويعط صاحبها من عنده على سبيل التفضل عطاءً عظيمًا وسماه (أَجْراً)؛ لأنه تابع للأجر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "الفرائد": ولا يمكن أن يكون تأنيثه لتأنيث الخبر، وقال الزجاج: الأصل في (تَكُ): تكون، فسقطت الضمة للجزم، والواو لسكونها وسكون النون، وأما سقوط النون فلكثرة الاستعمال تشبيهاً بحروف اللين؛ لأنها ساكنة، فحذفت استخفافاً كما قالوا: لا أدر ولم أبل، والأجود: لا أدري ولم أبال. قوله: (لاستحقاقها عنده الثواب في كل وقت) يريد أن لابد من المضاعفة؛ لأن الحسنة إذا جوزيت بمثلها انقطعت ويلزم منها انقطاع الزمان، وإذا ضوعفت أديمت فيدوم الزمان بحسب المضاعفة إلى غير المتناهي؛ ولهذا قال: "المراد: الكثرة لا التحديد" وفيه بحث. قوله: (ويعط صاحبها من عنده) جعل (مِن لَّدُنْهُ) بمعنى: من عنده، قال الزجاج: "لدن" لا تتمكن تمكن "عند"؛ لأنك تقول: هذا القول عندي صواب، ولا تقول: لدني صواب، وتقول: عندي مال عظيم، والمال غائب، ولدن: لما يليك لا غير. النهاية: "لدن": ظرف بمعنى: "عند"، إلا أنه أقرب مكاناً من "عند"، وأخص منه؛ فإن "عند" تقع على المكان وغيره، تقول: لي عند فلان مال، أي: في ذمته، ولا يقال ذلك في "لدن". قوله: (وسماه (أَجْراً) لأنه تابع للأجر) أي: هو مجاز عن التفضل؛ لأنه تعالى قال: (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا) ومضاعفة الحسنة هي الأجر؛ لأنها جزاء الحسنة، وقال بعده:

стр. 1869

لا يثبت إلا بثباته. وقرئ: (يضعفها) بالتشديد والتخفيف، من أضعف وضعف. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً)، فوجب حمله على معنى زائد على الأجر، وليس ذلك إلا التفضل؛ ولهذا قرن معه (مِن لَّدُنْهُ)، وهذا القيد أيضاً يوجب تقدير الثواب، وأنه بالاستحقاق لا بالتفضل، وتسمية التفضل بالأجر تسمية للشيء باسم مجاوره، وقلت: هذا التعسف إنما يصار إليه إذا قدر مضافاً، وفسر "يضاعفها" بـ: يضاعف ثوابها، وتأول القرآن بالرأي والمذهب، وأما إذا جعلت الحسنة بنفسها مضاعفة، ويترك (مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً) على ظاهره ليعلم أن الأجر تفضل منه، وأنه من لدنه لا باستحقاق العمل؛ كما عليه مذهب أهل الحق، فأي حاجة لنا إلى ارتكاب تلك التعسفات! وكان لنا مخلصاً من تلك الورطات! ومما يدل على إمكان مضاعفة الحسنة نفسهاـ وإن لم يعلم كيفيتهاـ ما روينا عن البخاري ومسلم وغيرهما، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما تصدق أحد بصدقة عن طيبـ ولا يقبل الله إلا الطيبـ إلا أخذها الرحمن بيمينهـ وإن كانت تمرةـ فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فلوه وفصيله"، الفلو: المهر الصغير، والمراد بتضاعفها أي: يكتب ثوابها مضاعفاً، ويثبت في صحف كرام الكاتبين، ثم يؤتي في الآخرة (مِن لَّدُنْهُ) ـ أي: من فضلهـ (أَجْراً عَظِيماً). وينصره ما رويناه في "صحيح البخاري" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، والسيئة بمثلها"، وفي رواية أخرى: "إلا أن يتجاوز الله عنها"، والعجب من القاضي وصاحب "التقريب" كيف قررا في هذا المقام كلام المصنف ولم ينبه عليه صاحب "الانتصاف". قوله: (وقرئ: "يضعفها" بالتشديد)، ابن كثير وابن عامر، والباقون: بالتخفيف.

стр. 1870

وقرأ ابن هرمز: (نضاعفها) بالنون. (فَكَيْفَ) يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم (إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) يشهد عليهم بما فعلوا، وهو نبيهم، كقوله: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ) [المائدة: ١١٧]. (وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ) المكذبين (شَهِيداً). وعن ابن مسعود: أنه قرأ سورة النساء على رسول اللَّه ﷺ حتى بلغ قوله: (وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً) فبكى رسول اللَّه ﷺ وقال: «حسبنا». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((فَكَيْفَ) يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم؟ ) يريد أن الإشارة بقوله: (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) إلى جميع من بعث إليهم رسول الله ﷺ ، فإذاً هذه الآية ناظرة إلى فاتحة السورة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ) [النساء: ١]، وهي كالتخلص إلى قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ) [النساء: ٤٣]، كما كان قوله: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ) [النساء: ٢٦] إلى قوله: (أَجْراً عَظِيماً) [النساء: ٤٠] تخلصاً إلى قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) [النساء: ٢٩]. قوله: (وعن ابن مسعود: أنه قرأ سورة الساء)، روينا عن البخاري ومسلم، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "اقرأ علي القرآن"، ثم ساق الحديث إلى قوله: (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً)، قال: "حسبك الآن"، فالتفت فإذا عيناه تذرفان، وفي رواية مسلم: قال ﷺ : "شهيداً ما دمت فيهم "أو" كنت فيهم"، وهذا يدل على أن البكاء كان للإشفاق كما قال عيسى ﵇ حين عوتب بقوله: (أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [المائدة: ١١٦]: (وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ) [المائدة: ١١٧]. وروي عن المصنف أن هذا كان بكاء فرح، لا بكاء جزع؛ لأنه تعالى جعل أمته شهداء على سائر الأمم، وقال الشاعر: طفح السرور علي حتى إنه … من فرط ما قد سرني أبكاني

стр. 1871

(لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ): لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى، وقيل: يودّون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء، وقيل: تصير البهائم تراباً، فيودّون حالها. (وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً): ولا يقدرون على كتمانه؛ لأن جوارحهم تشهد عليهم، وقيل الواو للحال، أي: يودون أن يدفنوا تحت الأرض وأنهم لا يكتمون اللَّه حديثاً. ولا يكذبون في قولهم: (واللَّهِ رَبِنَا مَا كُنَّا مُشركِينَ [الأنعام: ٢٣]؛ لأنهم إذا قالوا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كما تسوى بالموتى). المغرب: وفي الحديث: قدم زيد بشيراً بفتح بدر حين سوينا على قرية، يعني: دفناها وسوينا تراب القبر، هذا يدل على أن الباء في (تُسَوَّى بِهِمْ) بمعنى "على"، كقوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَامَنْهُ بِدِينَارٍ) [آل عمران: ٧٥]، ويجوز أن تكون للسببية، أي: بسبب دفنهم، وعلى القولين الآخرين بمعنى "مع". قوله: (وقيل: الواو للحال) أي: في (وَلا يَكْتُمُونَ)، وهو على الأول عطف على قوله: (لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الأَرْضُ)، قال صاحب "المرشد": الوقف على (الأَرْضُ) كاف وليس بحسن؛ لأن قوله: (وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً) داخل في التمني؛ لأن جوارحهم تنطق بما فعلوه من الشرك وسوء الأفعال، يتمنون أن الأرض لو سويت بهم، وأنهم لا يكتمون الله حديثاً؛ لأن قوله: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام: ٢٣] كذب كتمان؛ فإذا ظهر عليهم وشهدت جوارحهم ودوا أنهم لم يكذبوا ولم يكتموا الله حديثاً، فإن حمل (وَلَا يَكْتُمُونَ) على الاستئنافـ لأن ما عملوا ظاهر عند الله لا يقدرون على كتمانه ولا يكون داخلاً في التمنيـ حسن الوقف. قوله: (ولا يكذبون) وهو عطف على قوله: (وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً) على سبيل البيان والتفسير؛ لأن المعني بالكتمان هو جحدهم شركهم؛ وذلك أدى إلى أن ختم على أفواههم وتكلمت جوارحهم بتكذيبهم فافتضحوا لذلك، وعنده تمنوا أن تسوى بهم الأرض، وأنهم لم يتفوهوا بالكذب.

стр. 1872

ذلك وجحدوا شركهم، ختم اللَّه على أفواههم عند ذلك، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بتكذيبهم والشهادة عليهم بالشرك فلشدة الأمر عليهم يتمنون أن تسوى بهم الأرض: وقرئ: تسوى، بحذف التاء من تتسوى. يقال: سويته فتسوّى نحو: لوّيته فتلوى. وتسوى بإدغام التاء في السين، كقوله: (يَسَّمَّعٌونَ) [الصافات: ٨]، وماضيه أسوى كأزكى. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ (تسوى) بحذف التاء) حمزة والكسائي، وبإدغام التاء: نافع وابن عامر، والباقون: بضم التاء مخففاً. ***

стр. 1873

[) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (]. روي أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا فدعا نفرا من أصحاب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (روي أن عبد الرحمن بن عوف)، روينا عن الترمذي وأبي داود، عن عليٌّ ﵁، قال: صنع لنا ابن عوفٍ طعاماً فأكلنا، وسقانا خمراً قبل أن تحرم فأخذت منا، وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت: قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون، قال: فخلطت، فنزلت: (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأَنتُمْ سُكَارَى). اعلم أنه تعالى بعد ما أتم بيان أحكام ذوي الأرحام، وأطنب فيه وفيما يتعلق بها؛ أخذ في بيان شرع آخر من الأحكام التي تتعلق بالعبادة، وهي: إما أن تتعلق بالقلوب، أو بالجوارح، والأول: إما أن يختص بالله ، أو بالخلق؛ فالذي يختص بالله هو المراد بقوله: (واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) [النساء: ٣٦] والذي يتعلق بالخلق هو المراد بقوله: (وبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا وبِذِي القُرْبَى والْيَتَامَى والْمَسَاكِينِ والْجَارِ) [النساء: ٣٦]، ثم حث على التواضع والجود بذم الكبر والبخل بقوله: (إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا) [النساء: ٣٦]، (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) [النساء: ٣٧]، وذم الإنفاق الذي لا يكون لوجه الله، وقرنه بالكفر حيث قال: (والَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِالْيَوْمِ الآخِرِ) [النساء: ٣٨]، وبالغ في قلع الرياء وقمع الشرك الخفي حيث ترقى إلى نفي الشرك الجلي بقوله: (ومَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ) [النساء: ٣٩]، ثم حرض على الإخلاص في الإنفاق بقوله: (إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) الآية [النساء: ٤٠]، ثم أتى

стр. 1874

رسول اللَّه ﷺ حين كانت الخمر مباحة، فأكلوا وشربوا، فلما ثملوا وجاء وقت صلاة المغرب قدموا أحدهم ليصلي بهم، فقرأ: أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، فنزلت. فكانوا لا يشربون في أوقات الصلوات، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون. ثم نزل تحريمها. ومعنى) لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ (لا تغشوها ولا تقوموا إليها، واجتنبوها، كقوله: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى) [الإسراء: ٣٢]، (لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ) [الأنعام: ١٥١]. وقيل معناه: ولا تقربوا مواضعها وهي المساجد، لقوله ﵊: (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم) وقيل: هو سكر النعاس وغلبة النوم، كقوله: ......... وَرَانُوا … بِسُكْرِ سِنَاتِهِمْ كُلَّ الرُّيُونِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من الأعمال ما يتعلق بالجوارح وخص بالصلاة التي هي أعظمها، وقدم ذكر ما هو متوقفٌ عليه من رفع الجنابة والحدث بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ). قوله: (ثملوا)، الجوهري: ثَمِلَ الرجل- بالكسر- ثَمَلاً: إذا أخذ فيه الشراب، فهو ثَمِلٌ، أي: نشوان. قوله: (كل الريون)، الرين والغين: ما يركب القلب، ران الرجل بالشراب وران الشراب بالرجل: إذا جعله رايناً، أي: ثقيلاً، والسنات: جمع سنة، وهي مقدمة النوم. قوله: ((رانوا)) من المصراع الأول، و ((بسكر)) من المصراع الثاني، ووجد في ((ديوان الطرماح)) ممن قصيدته: وركب قد بعثت إلى ردايا … طلائح مثل أخلاق الجفون مخافة أن يرين النوم فيهم … بسكر سناتهم كل الريون الردية: الناقة المهزولة. طلائح: جمع طليحة، وهي ناقةٌ جهدها السير وهزلها.

стр. 1875

وقرئ: (سكارى) بفتح السين. (وسكرى) على أن يكون جمعاً، نحو: هلكى وجوعى، لأن السكر علة تلحق العقل. أو مفرداً بمعنى: وأنتم جماعةٌ سكرى، كقولك: امرأة سكرى وسكرى بضم السين كحبلى على أن تكون صفة للجماعة. وحكى جناح بن حبيش: كسلى وكسلى بالفتح والضم. (وَلا جُنُباً): عطفٌ على قوله: (وَأَنْتُمْ سُكارى)؛ لأن محل الجملة مع الواو النصب على الحال، كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنباً، والجنب: يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث؛ لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب. (إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ): استثناء من عامة أحوال المخاطبين، وانتصابه على الحال. فإن قلت: كيف جمع بين هذه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن السكر علة)، أي: باب فعلٍ للعلل والأمراض. قوله: (كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنباً)، فإن قلت: ما فائدة المخالفة بين الحالين؟ قلت- والعلم عند الله-: فائدتها: الإشعار بأن قربان الصلاة مع السكر منافٍ لحال المسلمين، ومن يناجي الحضرة الصمدانية، دل عليه الخطاب ب ((أنتم))؛ ولهذا قرنه بقوله: (حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)، والمجنبون لا يعدمون إحضار القلب؛ ومن ثم رخص لهم بالأعذار. قوله: (والجنب يستوي) إلى آخره. من هذا يعلم أن كل اسمٍ يقع موقع المصدر يجري فيه ما ذكر، ولا تختص به المصادر، كرجلٍ عدلٍ وامرأةٍ عدل؛ ولهذا وصف الجنب بالجمع في قوله: ((بالجنب الذين لم يغتسلوا))، قال أبو البقاء: : والجنب يفرد مع التثنية، والجمع في اللغة الفصحى يذهب به مذهب الوصف بالمصادر، ومنه من يجمعه ويثنيه. قوله: (من عامة أحوال المخاطبين)، أراد بالمخاطبين: المجنبين، ولهم أحوالٌ جمةٌ ما عدا حال السفر، فنهوا عن قربا الصلاة إلا في حال السفر، يعني: لا تقربوا الصلاة وأنتم جنبٌ على تقديرٍ من التقادير، وفي حالٍ من الأحوال إلا في حال السفر.

стр. 1876

الحال والحال التي قبلها؟ قلت: كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة في حال الجنابة، إلا ومعكم حال أخرى تعذرون فيها، وهي حال السفر، وعبور السبيل عبارة عنه. ويجوز أن لا يكون حالاً، ولكن صفة لقوله: (جُنُباً)، أي: ولا تقربوا الصلاة جنباً غير عابري سبيل، أي: جنباً مقيمين غير معذورين. فإن قلت: كيف تصح صلاتهم على الجنابة لعذر السفر؟ قلت: أريد بالجنب: الذين لم يغتسلوا كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة غير ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن لا يكون حالاً ولكن صفة) و ((إلا)) - على الصفة- بمعنى ((غير))، والفرق بين أن يكون حالاً وبين أن يكون صفةً هو أنه- على الحال- يفيد أنه لا يجوز قربان الصلاة في حال الجنابة قط؛ إلا أن يكون مسافراً؛ فدل الحصر على أن العذر غير متعدد، ثم مجيء قوله: (وإن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) يبطل معنى الحصر، بخلافه إذا جعل صفة، ويكون المعنى: لا تقربوا الصلاة جنباً مقيمين، فيحسن: (وإن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ)؛ لجواز ترادف القيد. قال صاحب ((المفتاح)): إذا قلت: زيدٌ المنطلق، أو: المنطلق زيدٌ؛ لزم ألا يكون غير زيدٍ منطلقاً؛ ولذلك ينهى أن يقال: زيدٌ المنطلق وعمرو، بالواو، ولا ينهى: زيدٌ المنطلق لا عمرو. قوله: (كيف تصح صلاتهم على الجنابة لعذر السفر؟ ) هذا السؤال واردٌ على مفهوم قوله: ((لا تقربوا الصلاة جنباً مقيمين غير معذورين))؛ لأن ضمير ((صلاتهم)) راجعٌ إليهم؛ فدل مفهوم الوصف على جواز قربان الصلاة للجنب عند طرآن السفر، وأجاب: أن ليس المراد بالجنب كل من أجنب، بل أريد: الجنب المقيم الواجد للماء؛ لقرينة (حَتَّى تَغْتَسِلُوا)، ولذلك قدر: ((غير مغتسلين حتى تغتسلوا)). المعنى: لا تقربوا الصلاة مع هذا القيد حتى تغتسلوا، إلا أن تكونوا مسافرين، فإن الحكم حينئذٍ غير ما ذكر، وهو جواز قربان الصلاة مع كونه جنباً فاقداً للماء.

стр. 1877

مغتسلين حتى تغتسلوا، إلا أن تكونوا مسافرين. وقال: من فسر الصلاة بالمسجد: معناه: لا تقربوا المسجد جنباً إلا مجتازين فيه، إذا كان الطريق فيه إلى الماء، أو كان الماء فيه أو احتلمتم فيه. وقيل إن رجالاً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فتصيبهم الجنابة ولا يجدون ممرّا إلا في المسجد فرخص لهم. وروي أن رسول اللَّه ﷺ لم يأذن لأحد أن يجلس في المسجد أو يمرّ فيه وهو جنب إلا لعلي رضى اللَّه عنه، لأن بيته كان في المسجد. فإن قلت: أدخل في حكم الشرط أربعة؛ وهم: المرضى، والمسافرون، والمحدثون، وأهل الجنابة فبمن تعلق الجزاء الذي هو الأمر بالتيمم عند عدم الماء منهم؟ قلت: الظاهر أنه تعلق بهم جميعاً، وأنّ المرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه؛ فلهم أن يتيمموا، وكذلك السفر إذا عدموه لبعده، والمحدثون وأهل الجنابة كذلك إذا لم يجدوه لبعض الأسباب. وقال الزجاج: الصعيد: وجه الأرض ترابا كان أو غيره، وإن كان صخراً لا تراب عليه؛ لو ضرب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إذا كان الطريق فيه إلى الماء). هذا مذهب أبي حنيفة ﵀، وجوز الشافعي ﵀ للجنب عبور المسجد مطلقاً. قوله: (أو يمر به وهو جنبٌ لعلي ﵁. روينا عن الترمذي، عن أبي سعيدٍ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا علي، لا يحل لأحدٍ يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك))، وقال علي بن المنذر: قلت لضرار بن صرد: ما معنى الحديث؟ قال: لا يحل لأحدٍ يستطرقه جنياً غيري وغيرك. قوله: (الصعيد: وجه الأرض). قال الزجاج: قال الله تعالى: (فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا) [الكهف: ١٠٧]، أعلم الله أن الصعيد يكون زلقاً، والصعدات: الطرقات، وإنما سمي

стр. 1878

المتيمم يده عليه ومسح، لكان ذلك طهوره، وهو مذهب أبى حنيفة رحمة اللَّه عليه. فإن قلت: فما يصنع بقوله تعالى في سورة المائدة: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) [المائدة: ٦] أي: بعضه، وهذا لا يتأتى في الصخر الذي لا تراب عليه؟ قلت. قالوا: إنّ «من» لابتداء الغاية. فإن قلت: قولهم إنها لابتداء الغاية قول متعسف، ولا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسحت برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب إلا معنى التبعيض، قلت: هو كما تقول. والإذعان للحق أحق من المراء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صعيداً لأنها نهاية ما يصعد عليه من باطن الأرض، ولا أعلم بين أهل اللغة اختلافاً في أن الصعيد: وجه الأرض. واستدل الشافعي بأن التركيب يدل على الارتفاع والعلو، ولا يكون الارتفاع إلا من الغبار. قوله: (من المراء) المراء: المجادلة، وأصل استعماله في الشك، وقد أنصف المصنف من نفسه في هذه المسألة وهو حنفي! الانتصاف: ويحتمل أن تعود الهاء في (مِنْهُ) على الحدث المذكور، كما تقول: تيممت من الجنابة؛ وهي إما للتعليل، أو لابتداء الغاية. قلت: يبعد أن يترك اللفظ الصريح القريب ويعتبر البعيد المتأول، على أن قوله: (فَتَيَمَّمُوا) متسببٌ عن كونهم محدثين؛ لأنه جواب الشرط فلا يحتاج إلى تعليلٍ آخر، وعليه قول أبي العلاء: سطوت ففي وظيف الصعب قيدٌ … بذاك وفي وتيرته عران إذا جعل المشار إليه الاستعصاء لا السطو؛ لئلا يلزم التكرار في التعليل.

стр. 1879

(إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً): كناية عن الترخيص والتيسير، لأنّ من كانت عادته أن يعفو عن الخطائين ويغفر لهم آثر أن يكون ميسراً غير معسر. فإن قلت: كيف نظم في سلكٍ واحدٍ ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الوظيف: مستدق الذراع، والصعب: نقيض الذلول، والوتيرة: حجاب ما بين المنخرين، والعران: العود الذي يجعل في وتيرة أنف البختي. قوله: (كنايةٌ عن الترخيص والتيسير) يريد أن قوله: (إنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًا غَفُورًا) كالتعليل بقوله: (وإن كُنتُم مَّرْضَى) إلى آخره، والعفو والغفران يستدعيان سبق جرم، وليس في ذلك الإعذار ما يشم منه رائحته؛ فلا يصح إجراؤه على ظاهره، فوجب العدول إلى الترخيص والتيسير، ويؤيده مجيء قوله: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ولَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) [المائدة: ٦] في مثل هذه الآية في المائدة، وفي تخصيص الوصفين إدماجٌ لشدة لإيجاب الطهارة في الصلاة، وأن أصل الأمر أن لا يؤتى بها إلا بالطهارة الكاملة؛ لأنها مثولٌ بين يدي جبار السماوات والأرض، وأن الترخيص بالطهارة بالتراب بابٌ من العفو والغفران، وإذا كان حال الطهارة الظاهرة إلى هذه المثابة، فما بال الطهارة الباطنة! ثم في مثل هذا التشديد في مقدمات الصلاة إيذانٌ بعلو منزلتها ورفعة مرتبتها، وكيف لا وهي أعظم العبادات التي ما خلقت الكائنات إلا لها! ومن ثم فصلت آية المائدة بقوله: (ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة: ٦] والله أعلم. قوله: (كيف نظم في سلكٍ واحد؟ ) أي: هذه المذكورات الأربعة أسبابٌ لأشياء مختلفة، فكيف جمعها بحرف النسق والجهة الجامعة مفقودة؟ وخلاصة الجواب: أن المسببات وإن اختلفت لكن جمعها حكمٌ واحد، وهو الرخصة في التيمم؛ لأن الخطاب بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) لجميع الأمة الذين وجب عليهم التطهر، وأعوزهم الماء لأعذار جمةٍ من المرض، والسفر، والخوف من العدو السبع، والحبس، وعدم آلة الاستقاء، وغير ذلك مما يدخل تحت هذا المعنى، وأقدمها في استحقاق الرخصة وأغلبها وقوعاً: السفر والمرض،

стр. 1880

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [فخصهما] بالذكر أولاً بقوله: (وإن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ)، ثم عطف عليهما قوله: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) على إرادة أنهما مشتملان على سائر ما يدخل تحت العذر على طريقة قوله: (ولَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ المَثَانِي والْقُرْآنَ العَظِيمَ) [الحجر: ٨٧] عطف القرآن- وهو مجموع التنزيل- على قوله: (سَبْعًا مِّنَ المَثَانِي) وهو الفاتحة؛ ليؤذن بتقدمها على مزيد شرفها؛ فعلى هذا (أَوْ) في قوله: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم) غير التي في قوله: (أَوْ عَلَى سَفَرٍ)، لأنها عطفت على مجموع جنسٍ واحد، وهو على كل من وجب عليه التطهر وأعوزه الماء على نوعيه، قال القاضي: ووجه هذا التقسيم أن المترخص بالتيمم إما محدثٌ أو جنب، والحال المقتضية في غالب الأمر مرضٌ أو سفر، والجنب لما سبق ذكره اقتصر على بيان حاله، والمحدث لما لم يجر ذكره ذكر من أسبابه ما يحدث بالذات وما يحدث بالعرض، واستغنى عن تفصيل أحواله بتفصيل حال الجنب وبيان العذر مجملاً؛ كأنه قيل: وإن كنتم جنباً: مرضى أو على سفر، أو محدثين جئتم من الغائط، أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً. وقلت: هذا التفسير متفرعٌ على مذهب الشافعي ﵁؛ لأن الملامسة على هذا بمعنى المس لا الجماع. روى مالكٌ عن ابن عمر، أنه كان يقول: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء. وعنه أيضاً، عن ابن مسعودٍ أنه كان يقول: من قبلة الرجل امرأته الوضوء. وبيان ذلك أن قوله: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) عطفٌ من حيث المعنى على قوله: (جُنُبًا)، فلما ذكر المقتضي للترخص في المعطوف عليه- أعني المرض والسفر- استغنى عن ذكره في المعطوف؛ فحينئذٍ التقدير: لا تقربوا الصلاة وأنتم

стр. 1881

بين المرضى والمسافرين، وبين المحدثين والمجنبين، والمرض والسفر سببان من أسباب الرخصة، والحدث سبب لوجوب الوضوء، والجنابة سبب لوجوب الغسل؟ قلت: أراد سبحانه أن يرخص للذين وجب عليهم التطهر وهم عادمون للماء في التيمم بالتراب، فخص أوّلاً من بينهم مرضاهم وسفرهم؛ لأنهم المتقدّمون في استحقاق بيان الرخصة لهم بكثرة المرض والسفر وغلبتهما على سائر الأسباب الموجبة للرخصة، ثم عم كل من وجب عليه التطهر وأعوزه الماء؛ لخوف عدو أو سبع أو عدم آلة استقاء أو إرهاق في مكان لا ماء فيه وغير ذلك بما لا يكثر كثرة المرض والسفر. وقرئ: من غيط، قيل هو تخفيف غيط، كهين في هين. والغيط بمعنى الغائط. [(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ* وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً)]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا جنباً حتى تغتسلوا، ولا محدثين من الغائط أو اللمس حتى تتوضؤوا وإن كنتم مرضى أو على سفر، سواءٌ كنتم مجنبين أو محدثين فلم تجدوا ماءً فتيمموا، هذا أبعد من التعسف وأقرب إلى حسن النظم؛ لأن المقصود من الآية بيان النهي عن قربان الصلاة للموانع الثلاثة؛ أعني: السكر والجنابة والحدث، وبيان الترخص في المانعين الأخيرين عند طرآن العذر، ولا يلزم أيضاً التكرير في حكم المجنبين. قوله: (أو إرهاق) الجوهري: يقال: أرهقني فلانٌ إثماً حتى رهقته، أي: حملني إثماً حتى حملته له. قوله: (وقرئ: من غيط) قال أبو البقاء: وهي قراءة ابن مسعود، وفيه وجهان، أحدهما: هو مصدر يغوط، وكان القياس غوطاً فقلبت الواو ياءً وأسكنت وانفتح ما قبلها لخفتها، وثانيهما: أنه أراد الغيط فخفف، مثل: سيد وميت، والجمهور: الغائط، على فاعل، والفعل منه: غاط المكان يغوط: إذا اطمأن.

стр. 1882

(أَلَمْ تَرَ) من رؤية القلب، وعدى بـ (إلى) على معنى: ألم ينته علمك إليهم؟ أو بمعنى: ألم تنظر إليهم؟ (أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ) حظاً من علم التوراة، وهم أحبار اليهود (يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ): يستبدلونها بالهدى، وهو البقاء على اليهودية بعد وضوح الآيات لهم على صحة نبوّة رسول اللَّه ﷺ ، وأنه هو النبي العربي المبشر به في التوراة والإنجيل. (وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا) أنتم أيها المؤمنون سبيل الحق كما ضلوه، وتنخرطوا في سلكهم لا تكفيهم ضلالتهم بل يحبون أن يضل معهم غيرهم. وقرئ: (أن يضلوا) بالياء؛ بفتح الضاد وكسرها. (وَاللَّهُ أَعْلَمُ) منكم (بِأَعْدائِكُمْ) وقد أخبركم بعداوة هؤلاء وأطلعكم على أحوالهم وما يريدون بكم فاحذروهم، ولا تستنصحوهم في أموركم، ولا تستشيروهم (وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً) فثقوا بولايته ونصرته دونهم، ولا تبالوا بهم فإن اللَّه ينصركم عليهم ويكفيكم مكرهم. [(مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على معنى: ألم ينته علمك إليهم؟ )، وذلك أن فعل القلوب يتعدى بنفسه إلى مفعولين، وحيثما تعدى- ((إلى)) وجب أن يجعل بمعنى النظر، أو يضمن معنى الانتهاء. قال الزجاج: (أَلَمْ تَرَ) بمعنى: ألم تخبر؟ وقال أهل اللغة: ألم تعلم؟ : ألم ينته علمك إلى هؤلاء، ومعناه: اعرفهم. قوله: (ويُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا): السبعة، و (((أن يضلوا)) بالياء؛ بفتح الضاد وكسرها): شاذ، وهو من قولهم: ضللت الدار والمسجد: إذا لم تعرف موضعها. قوله: (ولا تستنصحوهم) أي: لا تقبلوا نصيحتهم.

стр. 1883

غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً)]. (مِنَ الَّذِينَ هادُوا): بيان لـ (لذين أوتوا نصيباً من الكتاب)؛ لأنهم يهود ونصارى، وقوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ)، وقوله: (وَكَفى بِاللَّهِ)، (وَكَفى بِاللَّهِ): جُمل توسطت بين البيان والمبين على سبيل الاعتراض؛ أو بيان لـ"أعدائكم"، وما بينهما اعتراض أو صلة لـ (نصيراً) [النساء: ٤٥]، أي: ينصركم من الذين هادوا، كقوله: (وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأنهم يهودٌ ونصارى) يهودٌ صح بالتنوين، وإن كان فيه علميةٌ وتأنيث؛ لأنه أريد التنكير، وفي نسخةٍ بغير تنوين، قال المصنف: من الأسماء ما يتعاقب عليه التعريفان: التعريف باللام وبالعلمية، كاليهود والمجوس. قوله: (أو بيان ل ((أعدائكم)) وما بينهما اعتراض) بيانه: أن قوله تعالى: (واللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ) [النساء: ٤٥] بعد قوله: (الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الكِتَابِ) [النساء: ٤٤] المشتمل على الفريقين: اليهود والنصارى، مشعرٌ بتهديدٍ عظيم، ووعيدٍ شديدٍ لبعضٍ منهم على سبيل الإبهام، فبين بقوله: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا) ذلك البعض المبهم، والآية تنظر إلى معنى قوله تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أَشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى) [المائدة: ٨٢]. وعلل العداوة على طريقة الاستئناف بقوله: (يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ) [المائدة: ١٣]، كأن سائلاً سأل: لم تفردت اليهود بعداوة النبي ﷺ دون النصارى؟ فقيل: لأنهم حرفوا اسمه ووصفه من التوراة وكتموا الحق وأخذوا على ذلك الرشى وأظهروا المسبة بقولهم: (رَاعِنَا) [البقرة: ١٠٤] إخفاءٍ لأمره، وحطا لمنزلته، ولما كان الكلام فيه تسليةٍ لرسول الله ﷺ ، ووعدٌ على نصرته وقهر أعدائه؛ كان قوله: (وكَفَى بِاللَّهِ ولِيًا وكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا) [النساء: ٤٥] اعتراضاً ومؤكداً له، وفي تكرير الاعتراض دلالةٌ على الانتقام الشديد والتسلية التامة. قال الزجاج: (واللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ)، أي: هو أعرف بهم فيعلمكم ما هم عليه.

стр. 1884

الَّذِينَ كَذَّبُوا) [الأنبياء: ٧٧]، ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ، على أن (يُحَرِّفُونَ) صفة مبتدأ محذوف تقديره: من الذين هادوا قوم يحرفون. كقوله: وَمَا الدَّهْرُ إلّا تَارَتَانِ فَمِنْهُمَا … أَمُوتُ وَأُخْرَى أَبْتَغِى الْعَيْشَ أَكْدَحُ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وكَفَى بِاللَّهِ ولِيًا وكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا) أعلمهم الله تعالى أن عداوة اليهود وغيرهم من الكفار لا تضرهم شيئاً؛ إذ ضمن لهم النصرة والولاية، وظهر بهذا التقدير ضعف قول صاحب ((الانتصاف)): إن المراد بتحريف الكلم ها هنا مثل قولهم: (غَيْرَ مُسْمَعٍ ورَاعِنَا)، ولم يقصد ها هنا تبديل الأحكام لقوله تعالى: (لَيًا بِأَلْسِنَتِهِمْ)، وأما في المائدة فالظاهر أن المراد الأحكام وتبديلها كالرجم؛ لقوله عقبه: (إنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ) [المائدة: ٤١]، فظهر مناسبة (مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) [المائدة: ٤١] في المائدة؛ لأنهم نقلوا الحكم عن موضعه الذي وضعه الله تعالى فيه، واستقر فيه؛ فصار بنقله كالغريب، ولا يوجد مثله في تحريف الكلم إلا على بعد، ولولا اشتمال لفظهم على السخرية لما عظم أمره. وقلت: والعجب أنه كيف ذهل عن قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ويُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ) [النساء: ٤٤] وهل الاشتراء والإضلال إلا في التبديل والتحريف وأخذ الرشى عليه؟ وكذا عطف (يَقُولُونَ) على (يُحَرِّفُونَ) يقتضي المغايرة. قوله: ((ونَصَرْنَاهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا))، قال المصنف: ((هو النصر الذي مطاوعه: انتصر)). الأساس: نصره الله على عدوه ومن عدوه، وانتصرت منه، ويجوز أن يكون مضمناً معنى انتقم. الجوهري: نصره الله على عدوه ينصره نصراً، وانتصر منه: انتقم. قوله: (وما الدهر إلا تارتان) البيت، الكدح: العمل والسعي والكسب، أي: الدهر قسمان: قسمٌ يموت فيه الشخص، وقسم يعيش فيه ولكن في تعب؛ يريد أنه لا راحة فيه.

стр. 1885

أي: فمنهما تارة أموت فيها. (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ): يميلونه عنها ويزيلونه؛ لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه كلما غيره، فقد أمالوه عن مواضعه التي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ): يميلونها عنها). الراغب: حرف الشيء: طرفه، وحروف الهجاء: أطراف الكلمة، وانحرف عن كذا وتحرف واحترف، والاحتراف: طلب حرفةٍ للمكتسب، والحرفة: الحالة التي يلزمها في ذلك نحو القعدة والجلسة، وتحريف الشيء: إمالته كتحريف القلم، وتحريف الكلام: أن تجعله على حرفٍ من الاحتمال، يمكن حمله على الوجهين، قال تعالى: (يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ). قوله: (لأنهم إذا بدلوه) تعليلٌ لتأويل (يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) بقوله: ((يزيلونه))؛ لأن حقيقته يحرفونه ويميلونه. المغرب: الحرف: الطرف، ومنه الانحراف والتحرف: الميل إلى الحرف، وفي التنزيل: (مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ) [الأنفال: ١٦]، أي: مائلاً له وأن يصير بحرفٍ لأجله، وهو من مكائد الحرب. ف (يُحَرِّفُونَ) إذا كان بمعنى ((يزيلون)) كان كناية؛ لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه كلما غيره لزم أنهم أمالوه عن مواضعه وحرفوه. واختلاف التفسيرين بحسب اختلاف القول في فعل اليهود بتغيير التوراة. قال الإمام: وفي كيفية التحريف وجوه: الأول: أنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظٍ آخر، نحو تحريفهم ((أسمر ربعة)) عن موضعه ووضع ((آدم طوالٌ)) موضعه، ونظيره قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ) [البقرة: ٧٩]، فإن قيل: كيف يمكن هذا في الكتاب الذي بلغت آحاد حروفه وكلماته مبلغ التواتر؟ قلنا: لعل القوم كانوا قليلين وكذا العلماء فتواطؤوا على التبديل. الثاني: أن المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة، وجر اللفظ من

стр. 1886

وضعها اللَّه فيها، وأزالوه عنها. وذلك نحو تحريفهم «أسمر ربعة» عن موضعه في التوراة بوضعهم: «آدم طوال» مكانه، ونحو تحريفهم: «الرجم» بوضعهم «الحدّ» بدله. فإن قلت: كيف قيل هاهنا (عَنْ مَواضِعِهِ) وفي المائدة: (مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ) [المائدة: ٤١]؟ قلت: أمّا (عَنْ مَواضِعِهِ) فعلى ما فسرناه من إزالته عن مواضعه التي أوجبت حكمة اللَّه وضعه فيها بما اقتضت شهواتهم من إبدال غيره مكانه. وأمّا (مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ) فالمعنى: أنه كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها، فحين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ معناه الحق إلى باطلٍ بوجوه الحيل اللفظية؛ كما تفعله المبتدعة في زماننا. الثالث: أنهم كانوا يحرفون كلام رسول الله ﷺ . وقلت: يؤيد الأول ما روينا في ((صحيح البخاري)) عن عبد الله بن عباس، قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيءٍ وكتابكم الذي أنزل على رسوله أحدث تقرؤونه محضاً لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله، لشتروا به ثمناً قليلاً! قوله: (طوال) الطوال بالضم: الطويل، يقال: طويلٌ وطوال، يعني به رسول الله ﷺ ، قال محيي السنة: (يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ)، (مَّوَاضِعِهِ) يعني: صفة محمدٍ صلوات الله عليه. وفي قوله: ((أسمر ربعةٌ)) نظرٌ؛ لأنه كان ربعةً من القوم، أبيض مشرباً بحمرة، رواه الترمذي عن إبراهيم بن محمدٍ من ولد علي. قوله: (هو قمنٌ) بالتحريك والكسر، أي: خليق. الجوهري: يقال: أنت قمنٌ أن تفعل كذا بالتحريك، أي: خليقٌ وجدير، لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث.

стр. 1887

حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له بعد مواضعه ومقارّه، والمعنيان متقاربان. وقرئ: "يحرّفون الكلام" والكلم - بكسر الكاف وسكون اللام-: جمع كلمة؛ تخفيف كلمة. قولهم: (غَيْرَ مُسْمَعٍ) حال من المخاطب، أي: اسمع وأنت غير مسمع، وهو قول ذو وجهين، يحتمل الذمّ، أي: اسمع منا مدعوا عليك بـ: لا سمعت؛ ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والمعنيان متقاربان) وذلك أن ((عن)) للمجاوزة و ((بعد)) نقيض قبل، والمجاوزة عن الشيء مسبوقٌ باستقباله والوصول إليه بعد أن يكون [ذلك] الشيء قارًّا في مكانه. ومعنى قوله: (مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) [المائدة: ٤١]: من بعد أن كان قارًّا في موضعه ثابتاً فيه لا ينبغي أن يزال عنه. نعم، الثاني أبلغ؛ لأن اقتضاء الاستقرار فيه من مقتضى ذلك الشيء، ولهذا قال: ((هو قمنٌ بأن يكون فيها))، وفي الأول: من أمرٍ خارجيٍّ وهو المراد بقوله: ((أوجبت حكمة الله وضعه فيها)). قوله: (تخفيف كلمة). قال المصنف: كما يقال: اللبن في جمع اللبنة تخفيف اللبنة. قوله: (وهو قولٌ ذو وجهين) وهو المسمى في البديع بالتوجيه، وهو: إيراد كلامٍ محتملٍ لوجهين مختلفين الذم والمدح. الراغب: السمع: قوةٌ في الأذن بها تدرك الأصوات، وفعله يقال له: السمع أيضاً، وقد سمع سمعاً، ويعتبر تارةً بالسمع عن الأذن، قال تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ) [البقرة: ٧]، وتارةً عن الطاعة؛ تقول: اسمع ما أقول لك، و: لم تسمع ما قلت، أي: لم تفهم، وقوله: (سَمِعْنَا وعَصَيْنَا) [النساء: ٤٦] أي: فهمنا ولم نأتمر بك، وقوله: (واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ) [النساء: ٤٦] إما دعاءٌ للإنسان أو دعاءٌ عليه، فالأول نحو: أسمعك الله، أي: لا جعلك الله أصم، والثاني نحو: أسمعت فلاناً، إذا سببته، وروي أن أهل الكتاب كانوا يقولون للنبي ﷺ ذلك، ويوهمون أنهم يدعون له وهم يدعون عليه بذلك.

стр. 1888

لأنه لو أجيبت دعوتهم عليه لم يسمع، فكان أصم غير مسمع، قالوا ذلك اتكالاً على أنّ قولهم: لا سمعت، دعوة مستجابة؛ أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه، ومعناه: غير مسمعٍ جواباً يوافقك، فكأنك لم تسمع شيئاً؛ أو اسمع غير مسمعٍ كلاماً ترضاه، فسمعك عنه نابٍ. ويجوز على هذا أن يكون (غَيْرَ مُسْمَعٍ) مفعول "اسمع"، أي: اسمع كلاماً غير مسمع إياك؛ لأن أذنك لا تعيه نبوّاً عنه. ويحتمل المدح، أي: اسمع غير مسمع مكروهاً، من قولك: أسمع فلان فلاناً: إذا سبه. وكذلك قولهم (راعِنا) يحتمل: راعنا نكلمك، أي: ارقبنا وانتظرنا. ويحتمل شبه كلمة عبرانية أو سريانيةٍ كانوا يتسابون بها، وهي: راعينا، فكانوا سخرية بالدين، وهزؤا برسول اللَّه ﷺ يكلمونه بكلام محتمل ينوون به الشتيمة والإهانة، ويظهرون به التوقير والإكرام. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأنه لو أجيبت) تعليل قوله: ((يحتمل الذم)) أي: (غَيْرَ مُسْمَعٍ) يحتمل الذم؛ لأنه لو أجيبت دعوتهم لكان أصم، فعلى هذا (غَيْرَ مُسْمَعٍ) يجري مجرى اللازم واردٌ على الدعاء، ولهذا لم يقدر له معمولاً كما قدره في الوجوه الآتية. قوله: (ويجوز على هذا) أي: على أن يكون المعنى: اسمع غير مسمع كلاماً ترضاه لجامع نبو السمع عن المسموع. واعلم أن قوله: (غَيْرَ مُسْمَعٍ) إما حالٌ من فاعل ((اسمع))، أو مفعولٌ به؛ وعلى الأول: إما هو من حذف المتعلق للتعميم، أو مُجَرى مجرى اللازم، وهو المراد من قوله: ((وأنت غير مسمع)) أو يقدر له معمولٌ إما جواباً أو كلاماً. ولما كان هذا المعنى الأخير موافقاً لتقدير المفعول به قرنه به. قوله: (يحتمل: راعنا نكلمك) إلى آخره، جملةٌ مستأنفةٌ على سبيل البيان لوجه التشبيه، أي: قولهم هذا أيضاً قولٌ ذو وجهين يحتمل إذا أريد (رَاعِنَا) نكلمك، والذم إذا كانت شبه كلمةٍ عبرانية. قوله: (فكانوا سخريةً) مسببٌ عن قوله، وهو قوله: (قولٌ ذو وجهين))، يعني: إذا كان هذا القول ذا وجهين فهم أهل سخرية، أو كانوا يكلمونه سخريةً واستهزاءً.

стр. 1889

(لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ): فتلا بها وتحريفاً، أي: يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل، حيث يضعون (راعِنا) موضع (انْظُرْنا)، و (غَيْرَ مُسْمَعٍ) موضع: لا أسمعت مكروها. أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقاً. فإن قلت: كيف جاؤوا بالقول المحتمل ذى الوجهين بعد ما صرحوا وقالوا: (سمعنا وعصينا)؟ قلت: جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان. ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء، ويجوز أن يقولوه فيما بينهم، ويجوز أن لا ينطقوا بذلك، ولكنهم لما لم يؤمنوا جعلوا كأنهم نطقوا به. وقرأ أبيّ: (وأنظرنا)، من الإنظار وهو الإمهال. فان قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: (لَكانَ خَيْراً لَهُمْ)؟ قلت إلى (أَنَّهُمْ قالُوا)؛ لأن المعنى: ولو ثبت قولهم: (سمعنا وأطعنا) لكان قولهم ذلك (خيراً لهم وَأَقْوَمَ) وأعدل وأسدّ، (وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ) أي: خذلهم بسبب كفرهم، وأبعدهم عن ألطافه، (فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا) إيماناً (قَلِيلًا)، أي: ضعيفاً ركيكاً لا يعبأ به، وهو إيمانهم بمن خلقهم مع كفرهم بغيره، أو أراد بالقلة العدم، كقوله: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: يفتلون بألسنتهم) إشارةً إلى أن (لَيًا) حالٌ من فاعل (يَقُولُونَ)، قال أبو البقاء والكواشي: (لَيًا بِأَلْسِنَتِهِمْ) مفعولٌ له، أو مصدرٌ في موضع الحال، أي: لاوين ألسنتهم استهزاءً وكذلك (وطَعْنًا)، والأصل في ((ليّ)): لوي؛ فقلبت الواو ياءً وأدغمت. قوله: (ويجوز أن يقولوه) أي: سمعنا وعصينا. قوله: (لأن المعنى: ولو ثبت قولهم) يريد أنه ثبت في النحو أن الواقعة بعد ((لو)) في تأويل الفاعل للفعل المقدر؛ لأن ((لو)) لابد أن يليها الفعل. قال القاضي: وإنما يجب حذف الفعل بعد ((لو)) في مثل ذلك لدلالة ((أن)) عليه ووقوعه موقعه.

стр. 1890

قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْمُهِمِّ يُصِيبُهُ أى عديم التشكي، أو (إلا قليلاً) منهم قد آمنوا. [(يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً)]. (أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً) أي: نمحو تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم (فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها) فنجعلها على هيئة أدبارها، وهي الأقفاء مطموسة مثلها. والفاء للتسبيب، وإن جعلتها للتعقيب على أنهم توعدوا بعقابين أحدهما عقيب الآخر، ردها على أدبارها بعد طمسها؛ فالمعنى: أن نطمس وجوها فننكسها، الوجوه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قليل التشكي للمهم يصيبه). تمامه: كثير الهوى شتى النوى والمسالك أي: هو كثير الهم مختلف الوجوه والطرق لا يقف أمله على فنٍّ واحد؛ بل يتجاوز إلى فنونٍ مختلفةٍ، صبورٌ على النوائب، لا يكاد يشتكي منها، واستعمل لفظ القليل وقصد به إلى نفي الكل، والمعنى على هذا: ليس لهم إيمانٌ إلا إيماناً يدل على أن لا إيمان لهم ألبتة، كقوله تعالى: (لا يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إلاَّ المَوْتَةَ الأُولَى) [الدخان: ٥٦]. قوله: (أو (إلاَّ قَلِيلاً) منهم قد آمنوا) فعلى الأول (إلاَّ قَلِيلاً) مستثنىً من مصدر (يُؤْمِنُونَ)، وعلى هذا ((من)) فاعله. قوله: (والفاء للتسبيب) فيكون إرادة الطمس سبباً لردها على أدبارها، أي: أردنا أن نردها إلى أدبارها ففعلنا، فلا يكون الرد غير الطمس؛ ولهذا قال: ((فنجعلها على هيئة أدبارها)). قوله: (فالمعنى: أن نطمس وجوهاً) جزاءٌ لقوله: ((وإن جعلتها للتعقيب)).

стр. 1891

إلى خلف، والأقفاء إلى قدّام؛ ووجه آخر وهو أن يراد بالطمس القلب والتغيير، كما طمس أموال القبط فقلبها حجارة؛ وبالوجوه رؤوسهم ووجهاؤهم، أي: من قبل أن نغير أحوال وجهائهم، فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم، ونكسوهم صغارهم وإدبارهم، أو نردهم إلى حيث جاءوا منه، وهي: أذرعات الشام، يريد: إجلاء بنى النضير. فإن قلت: لمن الراجع في قوله: (أَوْ نَلْعَنَهُمْ) قلت: للوجوه؛ إن أريد الوجهاء، أو لأصحاب الوجوه؛ لأن المعنى: من قبل أن نطمس وجوه قوم أو يرجع إلى (الَّذِين َأُوتُوا الْكِتابَ) على طريقة الالتفات. (أَوْ نَلْعَنَهُمْ): أو نجزيهم بالمسخ كما مسخنا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ووجهٌ آخر) عطفٌ على قوله: ((أي: نمحو تخطيط صورها))، يريد أن الطمس مشتركٌ بين محو الأثر وقلب الحقيقة. الأساس: طمس الأثر وانطمس، وطمسته الريح، وطمس على أموال آل فرعون، ذكره في قسم الحقيقة. والمعنى الثاني: لما لم يكن ظاهراً في الوجوه جعلها عبارةً عن الوجهاء، وفسر الطمس بتغيير أحوالهم وقلب العز إلى ذل؛ لذلك قال: ((فنسلبهم إقبالهم ونكسوهم صغارهم)). قوله: (أو نردهم) عطفٌ على قوله: ((فنسلبهم))، والفاء في ((فنسلبهم)) للتسبيب لا غير كما سبق؛ لأن معنى سلب إقبالهم ومعنى تغيير حال وجهائهم واحد، والفاء في ((نردهم)) المقدر قيل: يحتمل التعقيب أيضاً، على معنى أن يكون الإجلاء بعد تغيير أحوالهم، فيكون عقاباً غب عقاب، والتسبب أظهر لقوله بعده: ((فإن كان الطمس تبديل أحوال رؤسائهم أو إجلاءهم إلى الشام)). قوله: (وجوه قوم) فعلى هذا التنوين في قوله تعالى: (وجُوهًا) عوضٌ من المضاف إليه، وعلى الأول: للتفخيم؛ ولهذا قال: ((وجهائهم)). قوله: (على طريقة الالتفات) أراد الالتفات من الخطاب المستفاد من البدء في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ) إلى الغيبة في قوله: (أَوْ نَلْعَنَهُمْ).

стр. 1892

أصحاب السبت. فإن قلت: فأين وقوع الوعيد؟ قلت: هو مشروط بالإيمان، وقد آمن منهم ناس، وقيل: هو منتظر، ولا بدّ من طمسٍ ومسخٍ لليهود قبل يوم القيامة؛ ولأنّ اللَّه أوعدهم بأحد الأمرين؛ بطمس وجوه منهم، أو بلعنهم- فإن الطمس تبديل أحوال رؤسائهم- أو إجلائهم إلى الشام، فقد كان أحد الأمرين، وإن كان غيره فقد حصل اللعن، فإنهم ملعونون بكل لسان، والظاهر اللعن المتعارف دون المسخ؛ ألا ترى إلى قوله: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ) [المائدة: ٦٠]. (وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا): فلا بدّ أن يقع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا. [(إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً)]. فإن قلت: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هو مشروطٌ بالإيمان) صح من الأصل، أي: بعدم الإيمان، كقوله تعالى: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا) [النساء: ١٧٦]، أي: كراهة أن تضلوا. قوله: (ولأن الله أوعدهم) جوابٌ آخر، يعني أنه تعالى جاء ب ((أو)) في قوله: (أَوْ نَلْعَنَهُمْ) فلابد من وقوع أحد الأمرين: إما الطمس، وإما اللعنة. ثم الطمس إن أريد به سلب الإقبال أو الإجلاء إلى الشام فقد حصلا، أما الإجلاء فلا ارتياب فيه، وأما سلب الإقبال فهو بضرب الجزية عليهم، وإن أريد طمس وجوههم على أدبارهم حقيقةً كما في الوجه الأول، فهو وإن لم يحصل؛ فقد حصل اللعن. قوله: (والظاهر) عطفٌ على قوله: ((أو نجزيهم بالمسخ)، والسؤال لا يرد على هذا؛ لأن اللعن واقعٌ، فإنهم ملعونون بكل لسان، وبين وجه الظهور بقوله تعالى: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ … ) الآية [المائدة: ٦٠] لأنه تعالى عطف (وجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ والْخَنَازِيرَ) - وهو المسخ- على قوله: (لَّعَنَهُ اللَّهُ)؛ فالظاهر المغايرة بين المعطوفين.

стр. 1893

قد ثبت أن اللَّه يغفر الشرك لمن تاب منه، وأنه لا يغفر ما دون الشرك من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قد ثبت أن الله تعالى يغفر الشرك لمن تاب) إلى آخره، توجيهه: أنه ثبت عند علماء أهل العدل أن حكم الشرك وما دونه من الكبائر سواءٌ في أنهما لا يغفران قبل التوبة ويغفران بعدها، فما وجه قوله: (لا يَغْفِرُ) و ((يغفر))؟ وما فائدة التقييد بقوله: (لِمَن يَشَاءُ)؟ وجه الجواب: أن فائدة التقييد أن يبين به عدم التوبة في الأول، والتوبة في الثاني. انظر إلى هذا التعسف حيث جعل الأمرين المتنافيين متوجهين إلى معنىً واحد، يراد به معنيان متضادان معاً! الانتصاف: عسر الآية بتفسيرها على مذهبه؛ لأنه إن كان المراد ((لمن لم يتب)) فيهما، فلم قيد ما دون الشرك؟ وإن كان المراد ((لمن تاب)) فلم أطلق الشرك؟ فتأولها كما ترى، على أن التوبة عندهم موجبةٌ للعفو؛ فلا يجوز تعليقها بالمشيئة. وقال القاضي: فيه تقييدٌ بلا دليل؛ إذ ليس عموم آيات الوعيد بالمحافظة أولى من الوعد، ونقضٌ لمذهبهم؛ فإن تعليق الأمر بالمشيئة ينافي وجوب التعذيب قبل التوبة، ووجوب الصفح بعدها، فالآية كما هي حجةٌ عليه. وقلت: أما المثال الذي ذكره وهو ((أن الأمير لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله ويبذل القنطار لمن يستأهله))؛ فلا يصح للاستشهاد؛ لأنه يحتمل أن يراد به أن الملك حكيمٌ حازمٌ في أموره عازفٌ بما يفعله لا يعطي إلا من يستحقه ولا يمنع إلا من لا يستحقه؛ لأنه يضع الشيء في موضعه، وأن يراد أنه ذو جبروتٍ مستبدٌّ برأيه، ومتصرفٌ في ملكه كيف شاء أو أراد، على أن المقام يقتضي الثاني كما سبق في سورة آل عمران عند قوله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) [آل عمران: ١٢٨]. الراغب: إن قيل لمَ لم يشترط في قوله تعالى: (إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ) التوبة؟ قيل: إن المشرك إنما يلزمه الاسم ما دام يلزمه الوصف؛ فإذا زال وصفه زال اسم الشرك

стр. 1894

الكبائر إلا بالتوبة، فما وجه قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ)؟ قلت: الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعاً موجهين إلى قوله تعالى: (لِمَنْ يَشاءُ)، كأنه قيل: إن اللَّه لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك، على أنّ المراد بالأول من لم يتب، وبالثاني من تاب، ونظيره قولك: إنّ الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء، تريد لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن يستأهله. (فَقَدِ افْتَرى إِثْماً) أي: ارتكبه وهو مفترٍ مفتعل ما لا يصح كونه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عنه؛ فإذا كان كذلك فالمشرك ما دام مشركاً لا يغفر له، ومن تاب زال عنه اسم الشرك، فإذاً التائب الذي يغفر له ليس هو المشرك، بل هو المؤمن في الحقيقة، ومتى أطلق عليه اسم المشرك فعلى اعتبار الماضي. وقوله: (أَن يُشْرَكَ بِهِ) موضعه النصب، أي: لا يغفر الشرك، وقيل: لا يغفر من أجل أن يشرك به، أي: لا يغفر من أجل الشرك شيئاً من الذنوب. تنبيه: إن الذنوب قد تغفر مع انتفاء الشرك كما قال: (إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ) [الأعراف: ٥٦]. قوله: ((فَقَدِ افْتَرَى إثْمًا)، أي: ارتكبه) قال القاضي: أي: ارتكب ما يستحقر دونه الآثام، وهو إشارةٌ إلى المعنى الفارق بينه وبين سائر الآثام، والافتراء كما يطلق على القول يطلق على الفعل، وكذلك الاختلاق. وقلت: لا يعلم منه أنه مشتركٌ أو مجازٌ وحقيقةٌ. والظاهر من كلام المصنف أنه- أي: ارتكبه- استعارةٌ تبعية، شبه ما لا يصح كونه من الفعل بما لا يصح ثبوته من القول، ثم استعمل في الفعل ما كان مستعملاً في القول من الافتراء، وإليه الإشارة بقوله: ((مفتعلٌ ما لا يصح كونه)).

стр. 1895

[(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً* انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً)]. (الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ): اليهود والنصارى، قالوا: (نحن أبناء اللَّه وأحباؤه) [المائدة: ١٨]، (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى) [البقرة: ١١١]، وقيل: جاء رجال من اليهود إلى رسول اللَّه ﷺ بأطفالهم، فقالوا: هل على هؤلاء ذنب؟ قال: "لا"، قالوا: واللَّه ما نحن إلا كهيئتهم ما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل، وما عملناه بالليل كفر عنا بالنهار، فنزلت. ويدخل فيها كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى والزلفى عند اللَّه. فإن قلت: أما قال رسول اللَّه ﷺ : «واللَّه إني لأمين في السماء أمين في الأرض»؟ قلت: إنما قال ذلك حين قال له المنافقون: اعدل في القسمة؛ إكذاباً لهم، إذ وصفوه بخلاف ما وصفه به ربه، وشتان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى والزلفى عند الله تعالى) عطفٌ على ((زكى نفسه)) على سبيل البيان، كأن الذي ذكره هو حد التزكية، قال القاضي: التزكية: نفي ما يستقبح فعلاً أو قولاً. وقال الراغب: التزكية: إما بالفعل؛ وهو أن يتحرى الإنسان ما فيه تطهير بدنه، وذلك يصح أن ينسب إلى العبد، كقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا) [الشمس: ٩]، وإلى من يأمره بفعله، كقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكِّيهِم بِهَا) [التوبة: ١٠٣]. وإما بالقول؛ وذلك بالإخبار عنه بذلك، ومدحه به، ومحظورٌ على الإنسان أن يفعل ذلك بنفسه، لا بالشرع فقط؛ بل بمقتضى العقل أيضاً من غير داعٍ إلى ذلك، فالتزكية في الحقيقة هي: الإخبار عما ينطوي عليه الإنسان، ولا يعرف ذلك إلا الله؛ ولهذا قال: (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ). قوله: (إنما قال ذلك حين قال له المنافقون: اعدل في القسمة) يعني أنه صلوات الله
следующие страницы →