← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

إلى خلف، والأقفاء إلى قدّام؛ ووجه آخر وهو أن يراد بالطمس القلب والتغيير، كما طمس أموال القبط فقلبها حجارة؛ وبالوجوه رؤوسهم ووجهاؤهم، أي: من قبل أن نغير أحوال وجهائهم، فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم، ونكسوهم صغارهم وإدبارهم، أو نردهم إلى حيث جاءوا منه، وهي: أذرعات الشام، يريد: إجلاء بنى النضير. فإن قلت: لمن الراجع في قوله: (أَوْ نَلْعَنَهُمْ) قلت: للوجوه؛ إن أريد الوجهاء، أو لأصحاب الوجوه؛ لأن المعنى: من قبل أن نطمس وجوه قوم أو يرجع إلى (الَّذِين َأُوتُوا الْكِتابَ) على طريقة الالتفات. (أَوْ نَلْعَنَهُمْ): أو نجزيهم بالمسخ كما مسخنا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ووجهٌ آخر) عطفٌ على قوله: ((أي: نمحو تخطيط صورها))، يريد أن الطمس مشتركٌ بين محو الأثر وقلب الحقيقة. الأساس: طمس الأثر وانطمس، وطمسته الريح، وطمس على أموال آل فرعون، ذكره في قسم الحقيقة. والمعنى الثاني: لما لم يكن ظاهراً في الوجوه جعلها عبارةً عن الوجهاء، وفسر الطمس بتغيير أحوالهم وقلب العز إلى ذل؛ لذلك قال: ((فنسلبهم إقبالهم ونكسوهم صغارهم)). قوله: (أو نردهم) عطفٌ على قوله: ((فنسلبهم))، والفاء في ((فنسلبهم)) للتسبيب لا غير كما سبق؛ لأن معنى سلب إقبالهم ومعنى تغيير حال وجهائهم واحد، والفاء في ((نردهم)) المقدر قيل: يحتمل التعقيب أيضاً، على معنى أن يكون الإجلاء بعد تغيير أحوالهم، فيكون عقاباً غب عقاب، والتسبب أظهر لقوله بعده: ((فإن كان الطمس تبديل أحوال رؤسائهم أو إجلاءهم إلى الشام)). قوله: (وجوه قوم) فعلى هذا التنوين في قوله تعالى: (وجُوهًا) عوضٌ من المضاف إليه، وعلى الأول: للتفخيم؛ ولهذا قال: ((وجهائهم)). قوله: (على طريقة الالتفات) أراد الالتفات من الخطاب المستفاد من البدء في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ) إلى الغيبة في قوله: (أَوْ نَلْعَنَهُمْ).

стр. 1892

أصحاب السبت. فإن قلت: فأين وقوع الوعيد؟ قلت: هو مشروط بالإيمان، وقد آمن منهم ناس، وقيل: هو منتظر، ولا بدّ من طمسٍ ومسخٍ لليهود قبل يوم القيامة؛ ولأنّ اللَّه أوعدهم بأحد الأمرين؛ بطمس وجوه منهم، أو بلعنهم- فإن الطمس تبديل أحوال رؤسائهم- أو إجلائهم إلى الشام، فقد كان أحد الأمرين، وإن كان غيره فقد حصل اللعن، فإنهم ملعونون بكل لسان، والظاهر اللعن المتعارف دون المسخ؛ ألا ترى إلى قوله: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ) [المائدة: ٦٠]. (وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا): فلا بدّ أن يقع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا. [(إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً)]. فإن قلت: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هو مشروطٌ بالإيمان) صح من الأصل، أي: بعدم الإيمان، كقوله تعالى: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا) [النساء: ١٧٦]، أي: كراهة أن تضلوا. قوله: (ولأن الله أوعدهم) جوابٌ آخر، يعني أنه تعالى جاء ب ((أو)) في قوله: (أَوْ نَلْعَنَهُمْ) فلابد من وقوع أحد الأمرين: إما الطمس، وإما اللعنة. ثم الطمس إن أريد به سلب الإقبال أو الإجلاء إلى الشام فقد حصلا، أما الإجلاء فلا ارتياب فيه، وأما سلب الإقبال فهو بضرب الجزية عليهم، وإن أريد طمس وجوههم على أدبارهم حقيقةً كما في الوجه الأول، فهو وإن لم يحصل؛ فقد حصل اللعن. قوله: (والظاهر) عطفٌ على قوله: ((أو نجزيهم بالمسخ)، والسؤال لا يرد على هذا؛ لأن اللعن واقعٌ، فإنهم ملعونون بكل لسان، وبين وجه الظهور بقوله تعالى: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ … ) الآية [المائدة: ٦٠] لأنه تعالى عطف (وجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ والْخَنَازِيرَ) - وهو المسخ- على قوله: (لَّعَنَهُ اللَّهُ)؛ فالظاهر المغايرة بين المعطوفين.

стр. 1893

قد ثبت أن اللَّه يغفر الشرك لمن تاب منه، وأنه لا يغفر ما دون الشرك من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قد ثبت أن الله تعالى يغفر الشرك لمن تاب) إلى آخره، توجيهه: أنه ثبت عند علماء أهل العدل أن حكم الشرك وما دونه من الكبائر سواءٌ في أنهما لا يغفران قبل التوبة ويغفران بعدها، فما وجه قوله: (لا يَغْفِرُ) و ((يغفر))؟ وما فائدة التقييد بقوله: (لِمَن يَشَاءُ)؟ وجه الجواب: أن فائدة التقييد أن يبين به عدم التوبة في الأول، والتوبة في الثاني. انظر إلى هذا التعسف حيث جعل الأمرين المتنافيين متوجهين إلى معنىً واحد، يراد به معنيان متضادان معاً! الانتصاف: عسر الآية بتفسيرها على مذهبه؛ لأنه إن كان المراد ((لمن لم يتب)) فيهما، فلم قيد ما دون الشرك؟ وإن كان المراد ((لمن تاب)) فلم أطلق الشرك؟ فتأولها كما ترى، على أن التوبة عندهم موجبةٌ للعفو؛ فلا يجوز تعليقها بالمشيئة. وقال القاضي: فيه تقييدٌ بلا دليل؛ إذ ليس عموم آيات الوعيد بالمحافظة أولى من الوعد، ونقضٌ لمذهبهم؛ فإن تعليق الأمر بالمشيئة ينافي وجوب التعذيب قبل التوبة، ووجوب الصفح بعدها، فالآية كما هي حجةٌ عليه. وقلت: أما المثال الذي ذكره وهو ((أن الأمير لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله ويبذل القنطار لمن يستأهله))؛ فلا يصح للاستشهاد؛ لأنه يحتمل أن يراد به أن الملك حكيمٌ حازمٌ في أموره عازفٌ بما يفعله لا يعطي إلا من يستحقه ولا يمنع إلا من لا يستحقه؛ لأنه يضع الشيء في موضعه، وأن يراد أنه ذو جبروتٍ مستبدٌّ برأيه، ومتصرفٌ في ملكه كيف شاء أو أراد، على أن المقام يقتضي الثاني كما سبق في سورة آل عمران عند قوله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) [آل عمران: ١٢٨]. الراغب: إن قيل لمَ لم يشترط في قوله تعالى: (إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ) التوبة؟ قيل: إن المشرك إنما يلزمه الاسم ما دام يلزمه الوصف؛ فإذا زال وصفه زال اسم الشرك

стр. 1894

الكبائر إلا بالتوبة، فما وجه قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ)؟ قلت: الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعاً موجهين إلى قوله تعالى: (لِمَنْ يَشاءُ)، كأنه قيل: إن اللَّه لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك، على أنّ المراد بالأول من لم يتب، وبالثاني من تاب، ونظيره قولك: إنّ الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء، تريد لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن يستأهله. (فَقَدِ افْتَرى إِثْماً) أي: ارتكبه وهو مفترٍ مفتعل ما لا يصح كونه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عنه؛ فإذا كان كذلك فالمشرك ما دام مشركاً لا يغفر له، ومن تاب زال عنه اسم الشرك، فإذاً التائب الذي يغفر له ليس هو المشرك، بل هو المؤمن في الحقيقة، ومتى أطلق عليه اسم المشرك فعلى اعتبار الماضي. وقوله: (أَن يُشْرَكَ بِهِ) موضعه النصب، أي: لا يغفر الشرك، وقيل: لا يغفر من أجل أن يشرك به، أي: لا يغفر من أجل الشرك شيئاً من الذنوب. تنبيه: إن الذنوب قد تغفر مع انتفاء الشرك كما قال: (إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ) [الأعراف: ٥٦]. قوله: ((فَقَدِ افْتَرَى إثْمًا)، أي: ارتكبه) قال القاضي: أي: ارتكب ما يستحقر دونه الآثام، وهو إشارةٌ إلى المعنى الفارق بينه وبين سائر الآثام، والافتراء كما يطلق على القول يطلق على الفعل، وكذلك الاختلاق. وقلت: لا يعلم منه أنه مشتركٌ أو مجازٌ وحقيقةٌ. والظاهر من كلام المصنف أنه- أي: ارتكبه- استعارةٌ تبعية، شبه ما لا يصح كونه من الفعل بما لا يصح ثبوته من القول، ثم استعمل في الفعل ما كان مستعملاً في القول من الافتراء، وإليه الإشارة بقوله: ((مفتعلٌ ما لا يصح كونه)).

стр. 1895

[(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً* انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً)]. (الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ): اليهود والنصارى، قالوا: (نحن أبناء اللَّه وأحباؤه) [المائدة: ١٨]، (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى) [البقرة: ١١١]، وقيل: جاء رجال من اليهود إلى رسول اللَّه ﷺ بأطفالهم، فقالوا: هل على هؤلاء ذنب؟ قال: "لا"، قالوا: واللَّه ما نحن إلا كهيئتهم ما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل، وما عملناه بالليل كفر عنا بالنهار، فنزلت. ويدخل فيها كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى والزلفى عند اللَّه. فإن قلت: أما قال رسول اللَّه ﷺ : «واللَّه إني لأمين في السماء أمين في الأرض»؟ قلت: إنما قال ذلك حين قال له المنافقون: اعدل في القسمة؛ إكذاباً لهم، إذ وصفوه بخلاف ما وصفه به ربه، وشتان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ووصفها بزكاء العمل وزيادة الطاعة والتقوى والزلفى عند الله تعالى) عطفٌ على ((زكى نفسه)) على سبيل البيان، كأن الذي ذكره هو حد التزكية، قال القاضي: التزكية: نفي ما يستقبح فعلاً أو قولاً. وقال الراغب: التزكية: إما بالفعل؛ وهو أن يتحرى الإنسان ما فيه تطهير بدنه، وذلك يصح أن ينسب إلى العبد، كقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا) [الشمس: ٩]، وإلى من يأمره بفعله، كقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكِّيهِم بِهَا) [التوبة: ١٠٣]. وإما بالقول؛ وذلك بالإخبار عنه بذلك، ومدحه به، ومحظورٌ على الإنسان أن يفعل ذلك بنفسه، لا بالشرع فقط؛ بل بمقتضى العقل أيضاً من غير داعٍ إلى ذلك، فالتزكية في الحقيقة هي: الإخبار عما ينطوي عليه الإنسان، ولا يعرف ذلك إلا الله؛ ولهذا قال: (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ). قوله: (إنما قال ذلك حين قال له المنافقون: اعدل في القسمة) يعني أنه صلوات الله

стр. 1896

من شهد اللَّه له بالتزكية، ومن شهد لنفسه أو شهد له من لا يعلم. (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ): إعلام بأن تزكية اللَّه هي التي يعتدّ بها، لا تزكية غيره؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عليه ما قال ذلك افتخاراً؛ بل قاله إخباراً عما شرفه الله بتلك الكرامة، وردًّا لمن وصفه بخلاف ما وصفه الله تعالى إبلاغاً لما أوحي إليه، روينا عن البخاري ومسلمٍ وأبي داود والنسائي، عن أبي سعيدٍ في حديثٍ طويل، وفيه: بعث عليٌّ ﵁ وهو باليمن إلى النبي ﷺ بذهبيةٍ في تربتها؛ فقسمها بين أربعة، وفيه: فأقبل رجلٌ غائر العينين ناتئ الجبين، كث اللحية، مشرف الوجنتين، محلوق الرأس، فقال: يا محمد، اتق الله! فقال: ((فمن يطيع الله إذا عصيته؟ فيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني! ))، فسأل خالد بن الوليد قتله، فمنعه، وفي روايةٍ لمسلم: ((ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءًا! )). قوله: (إعلامٌ بأن تزكية الله هي التي يعتد بها) يعني: قوله تعالى: (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ) كلامٌ واردٌ على الإضراب لما سبق، فوجب تنزيل ما قبل كلمة الإضراب على ما يصح أن يكون مضرباً عما بعدها، وهو إثبات تزكيةٍ منهم لأنفسهم لا يعتد بها؛ لأجل أنهم جاهلون عاجزون، كأنهم لما زكوا أنفسهم ادعوا أنهم عارفون بأحوال أنفسهم وأنها صالحةٌ للتزكية، لما فيها من الخلال المرضية، وأنهم قادرون أيضاً على استيفاء جميع ما يستحقونه من الثواب على ما لأجله زكوا أنفسهم، وهو العمل والطاعة والتقوى، فرد عليهم ذلك بأن قيل لهم: ليس كما تزعمون؛ بل الله هو وحده يزكي، ولا يزكي إلا من يشاء وأراده واصطفاه لذلك بأن وفقه لقمع رذائل النفس الأمارة، وهداه إلى العروج إلى مدارج الكمال ومعارج القدس، وأنه هو وحده قادرٌ على الوفاء بما يستأهلونه من الزلفى عنده والكرامات، فيوفيهم على النقير والقطمير، هذا على أن يجعل (ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) تكميلاً لقوله: (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ) وإليه لمح بقوله: ((يثابون على زكائهم ولا ينقص من ثوابهم)).

стр. 1897

لأنه هو العالم بمن هو أهل للتزكية. ومعنى (يزكي من يشاء): يزكي المرتضين من عباده الذين عرف منهم الزكاء فوصفهم به. (وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) أي: الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم، أو من يشاء يثابون على زكائهم ولا ينقص من ثوابهم، ونحوه (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى) [النجم: ٣٢]. (كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) في زعمهم أنهم عند اللَّه أزكياء! (وَكَفى) بزعمهم هذا (إِثْماً مُبِيناً) من بين سائر آثامهم. [(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً* أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً)]. الجبت: الأصنام وكل ما عبد من دون اللَّه، والطاغوت: الشيطان. وذلك أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديين خرجا إلى مكة مع جماعة من اليهود يحالفون قريشاً على محاربة رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: أنتم أهل كتابٍ وأنتم أقرب إلى ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وإذا جعل تأكيداً لمعنى الإنكار والتعجب المتولد من الوعيد في قوله: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ)؛ كان تذييلاً له، وإليه الإشارة بقوله: ((يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم))، واتصال قوله: (انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ) بما قبله من حيث إنه تعالى لما عجبه صلوات الله عليه من تزكيتهم أنفسهم ونسبهم إلى الجهل والعجز؛ أمره بالتفكر في مآل [تلك] التزكية، وأنها تؤدي إلى الافتراء على الله، وادعاء أنهم مقربون عند الله ذوو زلفى؛ لأن المزكى من طهره الله من جميع الآثام ومحضه من الرذائل، واصطفاه لقربه، وهذا أعظم ما ينبئ عن الجهل والعجز؛ ولذلك قال تعالى: (وكَفَى بِهِ إثْمًا مُّبِينًا)، وأشار المصنف إليه بقوله: (((وكَفَى) بزعمهم هذا (إثْمًا مُّبِينًا) من بين آثامهم)). ثم إنه تعالى كرر كلمة التعجب، وهو قوله: (أَلَمْ تَرَ) لإناطة نوعٍ آخر من قبائح أهل الكتاب بها.

стр. 1898

محمدٍ منكم إلينا فلا نأمن مكركم، فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم ففعلوا فهذا إيمانهم بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ؛ لأنهم سجدوا للأصنام وأطاعوا إبليس فيما فعلوا. وقال أبو سفيان: أنحن أهدى سبيلاً أم محمد؟ فقال كعب:ماذا يقول محمد؟ قالوا يأمر بعبادة اللَّه وحده، وينهى عن الشرك. قال: وما دينكم؟ قالوا: نحن ولاة البيت، نسقي الحاج، ونقري الضيف، ونفك العاني، وذكروا أفعالهم، فقال: أنتم أهدى سبيلاً. [(أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً* أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً* فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً)]. وصف اليهود بالبخل والحسد وهما شرّ خصلتين؛ يمنعون ما أوتوا من النعمة ويتمنون أن تكون لهم نعمة غيرهم فقال: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ) على أن (أم) منقطعة، ومعنى الهمزة لإنكار أن يكون لهم نصيب من الملك ثم قال: (فَإِذاً لا يُؤْتُونَ) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أنتم أهدى سبيلاً) فيه إشعارٌ بأن قوله تعالى: (هَؤُلاءِ) وضع موضع (أَنتُمْ) ليميزه أكمل تمييز؛ فعلى هذا قوله: (لِلَّذِينَ كَفَرُوا) معناه: أنهم يخاطبون غيرهم لأجل الذين كفروا، وأن سبيل هؤلاء ظهر ظهور المحسوس فلا يبقى مع أحدٍ فيه شكٌّ عناداً منهم، وتغطيةً للحق الواضح الجلي، ولعل الله تعالى وضع موضع قولهم الدال على الظلم قوله: (مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) إشعاراً بأنهم ظلموا في ذلك حيث وضعوا الذم موضع المدح. قوله: (وهما شر خصلتين) أي: إذا اعتبر الخصال خَصْلتَيْنِ خَصْلتَيْنِ، فهما شر كل خَصْلتَيْنِ خَصْلتَيْن، وأما إفراد ((شر)) فلجواز إفراده ومطابقته، والإفراد أخصر. قوله: (فقال: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ) يتعلق بقوله: ((وصف اليهود)) يعني: أراد أن يصفهم بالبخل فقال: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ)، وبالحسد فقال: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ).

стр. 1899

أي: لو كان لهم نصيب من الملك فإذاً لا يؤتون أحداً مقدار نقير؛ لفرط بخلهم، والنقير: النقرة في ظهر النواة، وهو مثل في القلة كالفتيل والقطمير. والمراد بالملك: إما ملك أهل الدنيا، وإما ملك اللَّه كقوله: (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ) [الإسراء: ١٠٠]، وهذا أوصف لهم بالشح، وأحسن لطباقه نظيره من القرآن، ويجوز أن يكون معنى الهمزة في (أم) لإنكار أنهم قد أوتوا نصيباً من الملك وكانوا أصحاب أموال وبساتين وقصور مشيدة، كما تكون أحوال الملوك. وأنهم لا يؤتون أحداً مما يملكون شيئاً. وقرأ ابن مسعود: (فإذاً ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لطباقه) الضمير ل ((هذا))، وقد أضاف إلى الفاعل، و ((نظيره)): مفعوله، وإنما كان أوصف لهم بالشح وأحسن لطباق القرآن؛ لأنه أعرق في بيان شحهم حيث جعل نصيبهم من الملك ما ليس شيءٌ أوسع منه، وهو ملك الله، ووصف منعهم لشيءٍ ليس شيءٌ أقل منه، وهو النقرة في النواة، فأعرق في طرفي الإفراط والتفريط. قوله: (الإنكار أنهم قد أوتوا) والفرق بين الوجهين أن الإنكار على الأول متوجهٌ إلى أن يكون لهم نصيبٌ من الملك فقط، أي: ليس لهم نصيب، فالفاء جزاءٌ لشرطٍ محذوف، يعني: إن قدر أن لهم نصيباً فإذاً لا يؤتون الناس نقيراً، وإليه أشار بقوله: ((لو كان لهم نصيبٌ من الملك))، وعلى الثاني متوجهٌ إلى أن يكون لهم نصيب، وإلى أنهم لا يؤتون أحداً شيئاً؛ فالإنكار منصبٌ على الأمرين، يعني: أوتوا نصيباً من الملك ليشكروا وينفقوا في سبيل الله؛ فجعلوه سبباً للإمساك، كقوله تعالى: (وتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) [الواقعة: ٨٢]، فالفاء سببيةٌ، نحو اللام في قوله: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًا) [القصص: ٨]. قوله: (وكانوا أصحاب أموالٍ وبساتين)، واستشهادٌ لإثبات الملك لهم، وهي جملةٌ حالية؛ فالهمزة على الثاني للإنكار والتقرير، ومعناه: لما كان، وعلى الأول للإنكار فقط، ومعناه: لم يكن.

стр. 1900

لا يؤتوا)، على إعمال "إذن" عملها الذي هو النصب، وهي ملغاة في قراءة العامة، كأنه قيل: فلا يؤتون الناس نقيراً إذن. (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ): بل أيحسدون رسول اللَّه ﷺ والمؤمنين؟ على إنكار الحسد واستقباحه! وكانوا يحسدونهم على ما آتاهم اللَّه من النصرة والغلبة وازدياد العزّ والتقدّم كل يوم. (فَقَدْ آتَيْنا): إلزام لهم بما عرفوه من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على إعمال ((إذن)) عملها الذي هو النصب، وهي ملغاةٌ في قراءة العامة)، قال الزجاج: وأما رفع (يُؤْتُونَ) فعلى معنى: فلا يؤتون الناس نقيراً إذن، ومن نصب قال: فإذن لا يؤتوا، وهو شاذ، والمصحف لا يخالف. قال سيبويه: ((إذن: في عوامل الأفعال بمنزلة ((أظن)) في عوامل الأسماء))، فإذا ابتدأت ((إذن)) وأنت تريد الاستقبال نصبت لا غير، تقول: إذن أكرمك، فإذا جعلتها معترضةً ألغيتها فقلت: أنا إذن أكرمك، فإن أتيت بها مع الواو والفاء قلت: فإذن أكرمُك، وإن شئت: فإذن أكرمَك، فمن نصب بها جعل الفاء ملصقةً بها في اللفظ والمعنى، ومن رفع ((أكرمُك)) جعل ((إذن)) لغواً، وجعل الفاء في المعنى معلقةً ب ((أكرمُك))، المعنى: فأكرمُك إذن، وتأويل ((إذن)): إذا كان الأمر كما ذكرت أو كما جرى. قوله: (كأنه قيل: فلا يؤتون الناس نقيراً إذن) ولما كان ((إذن)) جواباً وجزاءً فلابد من السؤال، والسؤال هنا مقدر، فكأنه لما قيل منكراً: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ)، أي: ليس لهم ذلك ولا ينبغي، اتجه لسائلٍ أن يقول: فلو قدر أن يكون لهم نصيبٌ من الملك فماذا يكون حينئذٍ؟ فقيل: فلا يؤتون الناس نقيراً، ثم أقحم ((إذن)) توكيداً. قوله: (على إنكار الحسد) متعلقٌ بقوله: ((بل أيحسدون)) من حيث المعنى، يعني: ((أم)) منقطعةٌ بمعنى ((بل))، والهمزة واردةٌ على إنكار الحسد. قوله: ((فَقَدْ آتَيْنَا): إلزامٌ لهم بما عرفوه) فالفاء في (فَقَدْ) مثلها في قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ) [المائدة: ١٩] وقول القائل:

стр. 1901

إيتاء اللَّه الكتاب والحكمة. (آلَ إِبْراهِيمَ): الذين هم أسلاف محمد ﷺ وأنه ليس ببدع أن يؤتيه اللَّه مثل ما أوتي أسلافه. وعن ابن عباس: الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان. وقيل: استكثروا نساءه، فقيل لهم: كيف استكثرتم له التسع وقد كان لداود مائة ولسليمان ثلاثمائة مهيرة وسبعمائة سرية؟ (فَمِنْهُمْ): فمن اليهود، (مَنْ آمَنَ بِهِ) أي: بما ذكر من حديث آل إبراهيم. (وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ) وأنكره مع علمه بصحته؛ أو: من اليهود من آمن برسول اللَّه ﷺ ، ومنهم من أنكر نبوّته؛ أو: من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم ومنهم من كفر كقوله: ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قالوا: خراسان أقصى ما يراد بنا … ثم القفول، فقد جئنا خراسانا أي: إن صح ما قلتم من أن خراسان المقصد؛ فقد جئناه، وأين لنا الخلاص؟ فالمعنى: إن حسدتموه على إيتاء الكتاب والحكمة والملك؛ فقد علمتم أن ذلك ليس ببدع؛ لأن أسلافه قد أوتوا ذلك. قوله: (ما أوتي أسلافه) صح بالرفع؛ لأن ((أوتي)) مسندٌ إليه، ومفعوله الثاني محذوفٌ، أي: أوتي أسلافه إياه. قوله: (وقيل: استكثروا نساءه) ولا يبعد أن يعد هذا من بدع التفاسير لما يلزم من اختصاص الناس برسول الله ﷺ كما في قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ) [آل عمران: ١٧٣] والمراد نعيم بن مسعود، كما يقال: فلانٌ يركب الخيل. وتأويل (يَحْسُدُونَ): يتعيبون؛ لأنهم ما حسدوه ﷺ باستكثار النساء بل عابوه، وأبعد من ذلك تأويل قوله: (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إبْرَاهِيمَ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ وآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا) [النساء: ٥٤] بقوله: ((وقد كان لداود مئةٌ)) إلى آخره، والتفسير هو الأول.

стр. 1902

(فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) [الحديد: ٢٦]. [(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً)]. (بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها) أبدلناهم إياها. فإن قلت: كيف تعذب مكان الجلود العاصية جلود لم تعص؟ قلت: العذاب للجملة الحساسة، وهي التي عصت لا للجلد. وعن فضيل: يجعل النضيج غير نضيج. وعن رسول اللَّه ﷺ : «تبدّل جلودهم كل يوم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ) قبله: (ولَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وإبْرَاهِيمَ وجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ والْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ) [الحديد: ٢٦]. هذا هو الوجه؛ لأن الفاء تفصيليةٌ لابد من سبق مجمل، وذلك هو قوله: (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إبْرَاهِيمَ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ) [النساء: ٥٤] لقوله: (وجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ والْكِتَابَ)، وآل إبراهيم يدخل فيه المسلمون والمشركون واليهود والنصارى. قوله: (العذاب للجملة الحساسة) قال الإمام: المعذب هو الإنسان، والجلد ليس منه، بل هو كالشيء الملتصق به، فإذا جدد الله الجلد حتى صار سبباً لوصول العذاب إليه لم يكن ذلك تعذيباً إلا للعاصي، وكذا عن القاضي والزجاج. وقلت: هذا مبنيٌّ على أن الإنسان غير البدن. قوله: (وعن فضيل: يجعل النَّضيج غير نَضيج) فالمغايرة في الصفة لا في الذات، كقولك: بدلت الخاتم قرطاً، والوجه ما قال الإمام أيضاً: أنه لا يسأل عما يفعل، بل إنه تعالى قادرٌ على أن يوصل إلى أبدانهم آلاماً عظيمةً من غير إدخالهم النار مع أنه تعالى أدخلهم النار.

стр. 1903

سبع مرّات». وعن الحسن: سبعين مرّة يبدّلون جلوداً بيضاء كالقراطيس (لِيَذُوقُوا الْعَذابَ): ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع، كقولك للعزيز: أعزّك اللَّه أي: أدامك على عزّك وزادك فيه. (عَزِيزاً): لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين (حَكِيماً) لا يعذب إلا بعدل من يستحقه. [(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً* إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً)]. ظَلِيلٌ: صفة مشتقة من لفظ الظلّ؛ لتأكيد معناه. كما يقال: ليل أليل، ويوم أيوم، وما أشبه ذلك؛ وهو ما كان فيناناً لا جوب فيه، ودائماً لا تنسخه الشمس، وسجسجاً لا حرّ فيه ولا برد، وليس ذلك إلا ظل الجنة، رزقنا اللَّه بتوفيقه لما يزلف إليه التفيؤ تحت ذلك الظل! وفي قراءة عبد اللَّه: "سيدخلهم" بالياء. (أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ) الخطاب عامّ لكل أحد في كل أمانة. وقيل: نزلت في عثمان بن طلحة بن عبد الدار، وكان سادن الكعبة. وذلك: أنّ رسول اللَّه ﷺ حين دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب الكعبة ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فيناناً) أي: كثير الأفنان منبسطاً متصلاً لا فرج فيه لالتفات الأشجار. قوله: (وسجسجاً). النهاية: وفي الحديث: ((ظل الجنة سجسج))، أي: معتدلٌ لا حر فيه ولا قر، ومنه حديث ابن عباس: ((هواؤها السجسج)). قوله: (سادن الكعبة). النهاية: سدانة الكعبة: خدمتها وتولى أمرها وفتح بابها وإغلاقه، يقال: سدن يسدن سدانة فهو سادنٌ، والجمع: سدنة.

стр. 1904

وصعد السطح، وأبى أن يدفع المفتاح إليه، وقال: لو علمت أنه رسول اللَّه لم أمنعه، فلوى علي بن أبي طالب ﵁ يده، وأخذه منه وفتح، ودخل رسول اللَّه ﷺ وصلى ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة، فنزلت، فأمر عليًّا أن يردّه إلى عثمان ويعتذر إليه، فقال عثمان لعليّ: أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق، فقال: لقد أنزل اللَّه في شأنك قرآناً، وقرأ عليه الآية، فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمداً رسول اللَّه، فهبط جبريل وأخبر رسول اللَّه ﷺ أن السدانة في أولاد عثمان أبداً. وقيل هو خطاب للولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل. وقرئ: (الأمانة) على التوحيد. (نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ): «ما» إما أن تكون منصوبة موصوفة بـ (يعظكم) به، وإما أن تكون مرفوعة موصولة به، كأنه قيل: نعم شيئاً يعظكم به، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فلوى عليٌّ ﵁ يده) فإن قلت: كيف لوى يده وهو على سطح الكعبة، والباب مغلقٌ وعليٌّ ﵁ لم يتخلص إليه؟ قلت: في الكلام حذف، يعني: صعد عثمان سطح الكعبة من خوف دخول رسول الله ﷺ مكة، فطلب رسول الله ﷺ المفتاح، فقيل له: إنه مع عثمان، فدعاه فنزل وجاء، فطلب منه فامتنع وأبى … إلى آخره. وفي ((معالم التنزيل)) ما يقارب من هذا المعنى، ومن هذا الأسلوب: قوله تعالى: (فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) وقَالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ) [يوسف: ٤٩ - ٥٠] أي: فرجع إليه الرسول وأخبره بمقالة يوسف، وسمع الملك به، ونزع إليه وقال: إيتوني به. قوله: (موصولة به) أي: ب (يَعِظُكُم) أي: ((ما)) موصولةٌ صلتها (يَعِظُكُم)، قال أبو البقاء: (نِعِمَّا يَعِظُكُم): الجملة خبر (إنَّ)، و ((ما)) إما بمعنى الشيء معرفةٌ تامة و (يَعِظُكُم) صفة موصوفٍ محذوفٍ وهو المخصوص بالمدح، أي: نعم الشيء شيءٌ يعظكم به، ويجوز: نعم الشيء شيئاً يعظكم به، والمخصوص بالمدح محذوف، أو ((ما)) بمعنى ((الذي)) وما بعدها صلتها، وهو فاعل ((نعم)) والمخصوص محذوف، أي: نعم الذي يعظكم به بتأدية الأمانة

стр. 1905

أو نعم الشيء الذي يعظكم به. والمخصوص بالمدح محذوف، أي: نعما يعظكم به ذاك، وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكم. وقرئ (نعما) بفتح النون. [(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً)]. لما أمر الولاة بأداء الأمانات إلى أهلها، وأن يحكموا بالعدل؛ أمر الناس بأن يطيعوهم، وينزلوا على قضاياهم. والمراد بأولي الأمر منكم: أمراء الحق؛ لأن أمراء الجور اللَّه ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على اللَّه ورسوله في وجوب الطاعة لهم، واختيار الحق، والأمر بهما، والنهي عن أضدادهما، كالخلفاء الراشدين، ومن تبعهم بإحسان. وكان الخلفاء يقولون: أطيعونى ما عدلت فيكم، فإن خالفت فلا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والحكم بالعدل، قيل: في كلامه نظر؛ لأنه قد تقرر أن فعل نعم إذا كان مظهراً التزم أن يكون محلىًّ بلام الجنس أو مضافاً إليه، خرجه في ((المفصل))، والجواب ما قال ابن الحاجب في قوله تعالى: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ) [البقرة: ٩٠] جاز أن يكون ((ما)) بمعنى: الذي، وجاز أن تقع فاعله، لما فيها من الإبهام، كالمعرف باللام، أي: لام الجنس. قوله: (وقرئ: ((نعما)) بفتح النون): ابن عامرٍ وحمزة والكسائي؛ لأن أصله: ((نعم)) فأتى به على الأصل. قوله: (لأن أمراء الجور الله ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على الله ورسوله في وجوب الطاعة لهم) مذهبه، لما روينا عن مسلمٍ والدارمي، عن عوف بن مالك، عن

стр. 1906

طاعة لي عليكم. وعن أبى حازم: أن مسلمة بن عبد الملك قال له: ألستم أمرتم بطاعتنا في قوله: (وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)؟ قال: أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله: (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)! وقيل: هم أمراء السرايا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رسول الله ﷺ ، أنه قال: ((من ولي عليه والٍ، فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة الله)). قوله: (وعن أبي حازم) الجامع: هو أبو حازمٍ سلمة بن دينارٍ المدني القاضي، من عباد أهل المدينة وثقاتهم والمشهور من تابعيهم، روى عنه مالكٌ والثوري وابن عيينة وغيرهم. قوله: (أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله: (فَإن تَنَازَعْتُمْ)) يعني: الفاء في (فَإن تَنَازَعْتُمْ) متصلةٌ بالأخير، مستدعيةٌ لما ترتب عليه من جملةٍ بأن يقال: وأطيعوا أولي الأمر منكم إن لم تنازعوهم في شيءٍ من الحق بما كانوا على المنهج المستقيم، فإن تنازعتم فيه بانحرافهم عن العدل: فلا؛ ولذلك لم يعد ((أطيعوا)) كما أعاد في (وأَطِيعُوا الرَّسُولَ)؛ ليؤذن بأنه لا استقلال لهم في الطاعة استقلال الرسول، ألا ترى كيف عقب بقوله: (إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ) [النساء: ٥٩] إلهاباً وتهييجاً؟ يعني: قضية الإيمان بالله، وبأن لا مصير إلا إليه؟ وأن لا حكم إلا له: أن لا يأخذكم في الله لومة لائم، وأن لا تجاملوهم بصدق الأمير، بل خاصموهم ونازعوهم وردوهم إلى الحق البحت والصدق المحض، وذلك خيرٌ لكم وأحسن عاقبةً. قوله: (السرايا). النهاية: السرية: طائفةٌ من الجيش يبلغ أقصاها أربع مئة، تبعث إلى العدو، وسموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم، من الشيء السري أي: النفيس.

стр. 1907

وعن النبي ﷺ : «من أطاعنى فقد أطاع اللَّه ومن عصاني فقد عصى اللَّه، ومن يطع أميرى فقد أطاعنى ومن يعص أميرى فقد عصاني». وقيل: هم العلماء الدينون الذين يعلمون الناس الدين، ويأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر. (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ): فإن اختلفتم أنتم وأولو الأمر منكم في شيء من أمور الدين، (فردّوه إلى اللَّه ورسوله)، أى: ارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة. وكيف تلزم طاعة أمراء الجور. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من أطاعني فقد أطاع الله)، الحديث رواه البخاري ومسلمٌ عن أبي هريرة. قوله: (هم العلماء الدينون). روى محيي السنة، عن ابن عباسٍ وجابرٍ: أولو الأمر: هم الفقهاء والعلماء الذين يعلمون الناس معالم دينهم، وهو قول الحسن والضحاك ومجاهد، ودليله: (ولَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء: ٨٣]. وروى الدارمي عن عطاءٍ، أنه قال: (أُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ): أولي العلم والفقه، وطاعة الرسول: إتباع الكتاب والسنة. قال القاضي: قوله تعالى: (فَإن تَنَازَعْتُمْ) أي: أنتم وأولو الأمر منكم (فِي شَيْءٍ) من أمور الدين، هذا يؤيد أن يراد بأولي الأمر: أمراء المسلمين؛ إذ ليس للمقلد أن ينازع المجتهد في حكمه بخلاف المرؤوس، إلا أن يقال: الخطاب لأولي الأمر على طريقة الالتفات، أي: إن تنازعتم في شيءٍ فيرد العلماء إلى الكتاب والسنة. واستدل به منكرو القياس لأنه أوجب رد المختلف إلى الكتاب والسنة دون القياس. وأجيب بأن رد المختلف إنما يكون بالتمثيل والبناء على الكتاب والسنة، وهو القياس. وقال الزجاج: لا يخلو الرد من أحد الأمرين إما القياس، وإما أن يقولوا: الله ورسوله أعلم.

стр. 1908

وقد جنح اللَّه الأمر بطاعة أولي الأمر بما لا يبقى معه شك، وهو أن أمرهم أولاً بأداء الأمانات وبالعدل في الحكم، وأمرهم آخراً بالرجوع إلى الكتاب والسنة فيما أشكل. وأمراء الجور لا يؤدّون أمانة، ولا يحكمون بعدل، ولا يردون شيئاً إلى كتابٍ ولا إلى سنة، إنما يتبعون شهواتهم حيث ذهبت بهم، فهم منسلخون عن صفات الذين هم أولو الأمر عند اللَّه ورسوله، وأحق أسمائهم اللصوص المتغلبة. (ذلِكَ): إشارة إلى الرد، أي: الرد إلى الكتاب والسنة (خَيْرٌ) لكم وأصلح، (وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا): وأحسن عاقبة. وقيل: أحسن تأويلاً من تأويلكم أنتم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (جنح الله الأمر بطاعة أولي الأمر). الأساس: ومن المجاز: هو مقصوص الجناح: للعاجز، وهو في جناح طائر: إذا وصف بالقلق والدهش، وركب جناحي نعامةٍ: إذا جد في الأمر وعجل. جعل الأمر بطاعة أولي الأمر بمنزلة الطائر الذي يحتاج في نهوضه للطيران إلى جناحين، وجعل أحد جناحيه أداء الأمانة والعدل، والآخر التمسك بالكتاب والسنة؛ فهو من الاستعارة المكنية المستلزمة للتخييلية، ووجه التشبيه هو افتقار ما به يقدر على سرعة المشي المطلوب، فكما أن الطائر يفتقر في طيرانه إلى الجناحين؛ فكذا الأمير في تنفيذ أمره يفتقر إلى هاتين الخصلتين؛ ولذا قيل: الدين والملك توأمان، وفيه إدماجٌ، لافتقار المتصدي لأمر الخلافة إلى هاتين الخصلتين. قوله: (بما لا يبقى معه شكٌّ) أي: في أنه لا يلزم طاعة أمراء الجور. قوله: (وأحسن عاقبةً). الأساس: ومن المجاز: طبخت الدواء حتى آل المنوان منه إلى منٍّ واحد، وتقول: لا تعول على الحسب تعويلاً فتقوى الله أحسن تأويلاً، أي: عاقبةً. قوله: (من تأويلكم أنتم) أي: رد المتنازع فيه إلى الكتاب والسنة ليعلم الحكم بهما: أحسن من جهة الحكم من الرد إلى تأويلكم ليعلم الحكم من تأويلكم، وفيه أن الكتاب

стр. 1909

[(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً* وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً* فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً* أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً)]. روي أن بشراً المنافق خاصم يهوديا فدعاه اليهودي إلى رسول اللَّه ﷺ ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكما إلى رسول اللَّه ﷺ فقضى لليهودي، فلم يرضَ المنافق وقال: تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب، فقال اليهودي لعمر: قضى لنا رسول اللَّه فلم يرض بقضائه، فقال للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر فاشتمل على سيفه، ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد، ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء اللَّه ورسوله، فنزلت. وقال جبريل: إنّ عمر فرق بين الحق والباطل، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "أنت الفاروق". والطاغوت: كعب بن الأشرف، سماه اللَّه طاغوتاً لإفراطه في الطغيان، وعداوة رسول اللَّه ﷺ ؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والسنة مقدمان على القياس والاجتهاد؛ ولذا أكد الضمير المجرور بالمرفوع تتميماً للمعنى، فالتأويل على حقيقةٌ. الأساس: أول القرآن وتأوله، وأول الحكم إلى أهله: رده إليهم. ذكره في الحقيقة. قوله: حتى برد). النهاية: أي: مات. قوله: (سماه الله طاغوتاً لإفراطه في الطغيان). الأساس: فلانٌ طاغٍ باغٍ، وتمادى به الطغيان والطغوى، وأطغاه ماله. النهاية: الطاغوت: الشيطان، أو: ما يزين لهم أن يعبدوه من الأصنام، والطاغوت يكون واحداً وجمعاً.

стр. 1910

أو على التشبيه بالشيطان، والتسمية باسمه؛ أو جعل اختيار التحاكم إلى غير رسول اللَّه على التحاكم إليه تحاكماً إلى الشيطان، بدليل قوله: (وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ). وقرئ (بما أنزل)، و (ما أنزل) على البناء للفاعل. وقرأ عباس بن الفضل: (أن يكفروا بها) ذهاباً بالطاغوت إلى الجمع، كقوله: (أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ) [البقرة: ٢٥٧]. وقرأ الحسن (تعالوا) بضم اللام، على أنه حذف اللام من تعاليت تخفيفاً، كما قالوا: ما باليت به بالة، وأصلها بالية، كعافية، وكما قال الكسائي في: "آية": إن أصلها «آيية» فاعلة، فحذفت اللام، فلما حذفت وقعت واو الجمع بعد اللام، من ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو على التشبيه) عطفٌ على قوله: ((لإفراطه في الطغيان)) من حيث المعنى، وقوله: ((أو جعل اختيار التحاكم)) عطفٌ على قوله: ((الطاغوت: كعب بن الأشرف))، يعني: الطاغوت، يجوز أن يراد به كعب بن الأشرف لطغيانه؛ سمي به إما مراعاةً لوجه التناسب بين الاسم والمسمى، أو على التشبيه بالشيطان واستعارة اسمٍ له كتسمية الرجل بالأسد؛ لما وجد فيه من الخداع [والجريرة] كالشيطان، وأن يراد به الشيطان نفسه، فيكون حكماً عامًّا فمن يختار التحاكم إلى غير الرسول ﷺ ، فيدخل فيه كعب بن الأشرف دخولاً أولياً، وينصر هذا الوجه إيقاع قوله: (وقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ) حالاً من الضمير المرفوع في (يَتَحَاكَمُوا) وإيراد قوله: (ويُرِيدُ الشَّيْطَانُ) عطفاً على الحال، أو حالاً من الضمير المرفوع في (يَكْفُرُوا)، والشيطان مظهرٌ وضع موضع المضمر، وعلى الوجهين الأولين لا يلتئم هذا الالتئام؛ لأنهم إنما أمروا أن يكفروا بالشيطان لا بكعبٍ في قوله تعالى: (فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ويُؤْمِنْ بِاللَّهِ [البقرة: ٢٥٦]. قوله: (وقرأ عباس بن الفضل). في ((أسماء الرجال)) للذهبي: هو عباس بن الفضل الأنصاري المقرئ بالموصل، ولي القضاء، وهو واهي الحديث.

стр. 1911

تعال، فضمت فصار (تعالوا)، نحو تقدموا، ومنه قول أهل مكة: تعالي، بكسر اللام للمرأة، وفي شعر الحمداني: تَعَالِي أُقَاسِمْك الْهمُومَ تَعَالِي والوجه فتح اللام. (فَكَيْفَ) يكون حالهم؟ وكيف يصنعون؟ يعني أنهم يعجزون عند ذلك فلا يصدرون أمراً ولا يوردونه .. (إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) من التحاكم إلى غيرك، واتهامهم لك في الحكم. (ثُمَّ) حين يصابون فيعتذرون إليك، و (يَحْلِفُونَ) ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك (إِلَّا إِحْساناً) لا إساءة (وَتَوْفِيقاً) بين الخصمين، ولم نرد مخالفة لك، ولا تسخطاً لحكمك، ففرج عنا بدعائك، وهذا وعيد لهم على فعلهم، وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم، ولا يغني عنهم الاعتذار عند حلول بأس اللَّه. وقيل: جاء أولياء المنافق يطلبون بدمه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفي شعر الحمداني) هو أبو فراسٍ سعيد بن حمدان يخاطب حمامةً قبله: أيا جارةً ما أنصف الهر بيننا … تعالي أقاسمك الهموم تعالي تعالي تري روحاً لدي ضعيفةً … تردد في جسم يعذب بال أيضحك مأسورٌ وتبكي طليقةٌ … ويسكت محزونٌ ويندب سال قوله: (ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك (إلاَّ إحْسَانًا) لا إساءةً) من التراكيب التي منعها صاحب ((المفتاح)). قوله: (وقيل: جاء أولياء المنافق) عطفٌ على قوله: ((فكيف يكون حالهم وكيف يصنعون؟ ))، فعلى الأول: الاستفهام في (فَكَيْفَ): تعجيبٌ للسامع من حال عجزهم عند الاعتذار، والثاني: استبعادٌ لما يصدر منهم من الأفعال التي كل واحدٍ منها أبعد وأنكر

стр. 1912

وقد أهدره اللَّه، فقالوا: ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بحكومة العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم له بما حكم به. (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ): لا تعاقبهم لمصلحة في استبقائهم، ولا تزد على كفهم بالموعظة والنصيحة عما هم عليه، (وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً): بالغ في وعظهم بالتخفيف والإنذار. فإن قلت: بم تعلق قوله: (فِي أَنْفُسِهِمْ)؟ قلت: بقوله: (بَلِيغاً) أي: قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم، مؤثراً في قلوبهم، يغتمون به اغتماماً، ويستشعرون منه الخوف استشعاراً، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجم منهم النفاق وأطلع قرنه، وأخبرهم أن ما في نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند اللَّه، وأنه لا فرق بينكم وبين المشركين، وما هذه المكافة إلا لإظهاركم الإيمان، وإسراركم الكفر وإضماره، فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف؛ أو يتعلق بقوله: (قُلْ لَهُمْ) أي: قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغاً، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من الآخر، يعني: ألا ترى إلى مكابرتهم كيف تحاكموا إلى غير الرسول ﷺ ثم علموا أن صاحبهم مهدر الدم جاؤوا يطلبون بدمه، والعاقل لا يفعل شيئاً مثل هذا الفعل. قوله: (نجم منهم النفاق وأطلع قرنه) مقتبسٌ من الحديث: ((الشمس تطلع بين قرني الشيطان))، قال خباب: ((هذا قرنٌ قد طلع)) أراد قوماً أحداثاً نبغوا بعد أن لم يكونوا، يعني القصاص. قوله: (وأنه لا فرق بينكم) عطفٌ على قوله: ((أن ما في نفوسهم))، وفيه التفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب، وهو قريبٌ من قوله تعالى: (سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ) [آل عمران: ١٢] بالتاء والياء. قوله: (وما هذه المكافة؟ ) أي: المحاجزة عن الحرب. الأساس: كففته عن الشر، فكف عنه، فهو كافٌّ ومكفوف، كافوهم أي: حاجزوهم، وتكافوا: تحاجزوا.

стр. 1913

وأنّ اللَّه يعلم ما في قلوبكم، لا يخفى عليه فلا يغني عنكم إبطانه، فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم، وداووها من مرض النفاق وإلا أنزل اللَّه بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشراً من ذلك وأغلظ؛ أو قل لهم في أنفسهم خالياً بهم ليس معهم غيرهم، مسارًّا لهم بالنصيحة؛ لأنها في السر أنجع، وفي الإمحاض أدخل (قولاً بليغاً): يبلغ منهم ويؤثر فيهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأن الله يعلم ما في قلوبكم) عطفٌ تفسيريٌّ على قوله: ((بليغاً))، فالبليغ: من البلاغة، ولهذا أتى بالكلام الشافي والبيان الوافي، قال الزجاج: يقال: قولٌ بليغ، وقد بلغ القول، وبلغ الرجل يبلغ بلاغةً، وهو بليغٌ: إذا كان يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه. الراغب: القول البليغ: إذا اعتبر بنفسه، فهو ما يجمع أوصافاً ثلاثةً: أن يكون صواباً، وطبقاً للمعنى المقصود به لا زائداً ولا ناقصاً عنه، وصدقاً في نفسه، وإذا اعتبر بالمقول له والقائل فهو الذي يقصد به قائله الحق ويجد من المقول له قبولاً، ويكون وروده في الموضع الذي يجب أن يورد فيه. وعلى الأول، أي: إذا تعلق: (فِي أَنفُسِهِمْ) بقوله: (بَلِيغًا)، البليغ: من البلوغ والوصول؛ ولهذا قال: مؤثراً في قلوبهم، فجعل (أَنفُسِهِمْ) ظرفاً ليتمكن القول في قلوبهم تمكن المظروف في الظرف. قوله: (أو قل لهم في أنفسهم خالياً بهم) عطفٌ على قوله: ((قل لهم في معنى أنفسهم)) هذا الوجه مشتركٌ مع الوجه الثاني من حيث إن (فِي أَنفُسِهِمْ) متعلقٌ ب ((قل))، ومع الوجه الأول في التأثير، والفرق بين التأثيرين اختلاف الجهة، وهو أن المؤثر هناك إيقاع (أَنفُسِهِمْ) ظرفاً للقول، وها هنا النصيحة في السر. قوله: (ويؤثر فيهم) عطفٌ تفسيريٌّ على قوله: ((يبلغ منهم)) يعني: يتمكن منهم من جهة الإبلاغ. النهاية: في حديث عائشة، قالت لعليٍّ ﵄ يوم الجمل: قد بلغت منا البلغين، بكسر الباء والغين المعجمة مع فتح اللام على الجمع، ومعناه قد بلغت منا كل المبلغ.

стр. 1914

[(وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً* فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)]. (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ): وما أرسلنا رسولاً قط (إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ): بسبب إذن اللَّه في طاعته، وبأنه أمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه ويتبعوه؛ لأنه مؤدّ عن اللَّه؛ فطاعته طاعة اللَّه، ومعصيته معصية اللَّه. و (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ) [النساء: ٨٠]. ويجوز أن يراد: بتيسير اللَّه وتوفيقه في طاعته. (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بالتحاكم إلى الطاغوت ........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أن يراد بتيسير الله تعالى) فالباء في (بِإذْنِ اللَّهِ) على هذا كما في قولك: كتبت بالقلم، يعني: جرت سنة الله بأن يوفق الأمة علة طاعة نبيه، والمعنى على الأول: وما أرسلنا من رسولٍ إلا ليظهر المعجزة، ويثبت النبوة، ثم يأتي للقوم بكتابٍ لإثبات الرسالة، وفيه مثل قوله: (أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ) [النساء: ٥٩]، وهو المراد من قوله: ((أمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه)). قوله: ((إذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ) بالتحاكم إلى الطاغوت) إشارةٌ إلى اتصال هذه الآية بقوله: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ) إلى قوله: (يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ) [النساء: ٦٠] وذلك أنه تعالى لما نعى عليهم نفاقهم وأمر نبيه ﷺ بالإعراض عنهم وأن يهددهم بالقول البليغ، جاء بقوله تعالى: (ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ) [النساء: ٦٤] للتعليل والتخلص إلى التوبة، يعني: لم يكن ذلك التشنيع والقول البليغ إلا لعصيانهم وترك التحاكم إليك، والانتهاء إلى الطاغوت، والصدور عما أنزله الله إلى الرسول، ولو أنهم مع هذا الظلم العظيم تابوا بأن يعتذروا إليك ويتوسلوا بشفاعتك إلى الله تعالى لتاب الله عليهم؛ لأنا ما أرسلناك لأمرٍ من الأمور إلا لتطاع ولا لتخالف قطعاً؛ ففيه تعظيمٌ لشأن متابعيه وتوبيخٌ عظيمٌ لمخالفيه، ثم رشح هذا التعظيم بالالتفات تتميماً لتعظيم جانبه، وتنبيهاً على علو

стр. 1915

(جاؤُكَ) تائبين من النفاق متنصلين عما ارتكبوا، (فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ) من ذلك ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مكانته، وفي قوله: ((إلى طريقة الالتفات)) إشعارٌ بأن هذا الأسلوب- وهو وضع المظهر موضع المضمر- من وادي الالتفات، وليس بالالتفات حقيقةً، كما دل وضع الرسول مكان ضميره على فخامة شفاعة الرسول؛ دل وضع اسم الله الجامع في قوله: (لَوَجَدُوا اللَّهَ) موضع ضميره، بحسب تجليه في هذا المقام على فخامة قبولها من جانب الله تعالى، قال في قوله تعالى: (ومَن تَابَ وعَمِلَ صَالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلَى اللَّهِ مَتَابًا) [الفرقان: ٧١] أي: ((فإنه تائبٌ إلى الله تعالى الذي يعرف حق التائبين، والذي يحب التوابين ويحب المتطهرين)). قوله: ((جَاءُوكَ) تائبين من النفاق) إلى قوله: (فاستغفروا): إذنٌ بأن ما بعد الفاء في (فَاسْتَغْفَرُوا) إما مسببٌ عن محذوف، وهو حالٌ عن فاعل (جَاءُوكَ)، أو متعقبٌ له؛ فعلى الأول الاستغفار غير التوبة، وعلى الثاني عينها كما في قوله تعالى: (فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤]. الراغب: استغفار الإنسان وتوبته يمكن أن يقال: هما في الحقيقة واحدٌ لكن اختلافهما بحسب اعتبارهما بغيرهما، فالاستغفار يقال إذا استعمل في الفزع إلى الله تعالى وطلب الغفران منه، والتوبة تقال إذا اعتبر بترك العبد ما لا يجوز فعله وفعل ما يجب، ولا يكون الإنسان طالباً في الحقيقة لغفران الله تعالى إلا بإتيان الواجبات وترك المحظورات، ولا يكون تائباً إلا إذا حصل على هذه الحالة. ويمكن أن يقال: الاستغفار مبدأ التوبة والتوبة تمام الاستغفار؛ ولهذا قال تعالى: (واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ) [هود: ٩٠]. فإن قلت: هذا مخالفٌ لما ذهبت إليه أن الاستغفار متعقبٌ للتوبة. قلت: إذا اعتبر في التوبة الندم فقط فلا شك بتقدمها، وإذا اعتبر فيها المجموع لابد من تأخرها، وأما معنى ثم في قوله: (ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ) فلتفاوت الرتبة. قوله: (متنصلين). الأساس: أنصلت السهم: نزعت نصله، ونصلته: ركبت نصله،

стр. 1916

بالإخلاص، وبالغوا في الاعتذار إليك من إيذائك بردّ قضائك حتى انتصبت شفيعاً لهم إلى اللَّه ومستغفراً؛ (لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً) لعلموه تواباً، أي: لتاب عليهم. ولم يقل: واستغفرت لهم، وعدل عنه إلى طريقة الالتفات، تفخيماً لشأن رسول اللَّه ﷺ وتعظيماً لاستغفاره، وتنبيهاً على أن شفاعة من اسمه الرسول من اللَّه بمكان. (فَلا وَرَبِّكَ) معناه: فو ربك، كقوله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ) [الحجر: ٩٢]، و «لا» مزيدة لتأكيد معنى القسم، كما زيدت في: (لِئَلَّا يَعْلَمَ) [الحديد: ٢٩]؛ لتأكيد وجود العلم. و (لا يُؤْمِنُونَ): جواب القسم. فإن قلت: هلا زعمت أنها زيدت لتظاهر "لا" في (لا يُؤْمِنُونَ)؟ قلت: يأبى ذلك استواء النفي والإثبات فيه؛ وذلك قوله: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ونصلته تنصيلاً، ومن المجاز: نصل بحقي صاغراً: أخرجه، وتنصل من ذنبه، وفي الحديث: ((من لم يقبل من متنصلٍ صادقاً أو كاذباً لم يرد على الحوض)). قوله: (يأبى ذلك استواء النفي والإثبات) يريد أن ((لا)) في: (فَلا ورَبِّكَ) جاءت لتوكيد معنى القسم، لا لتوافق ((لا)) في (لا يُؤْمِنُونَ)؛ لأن إثبات ((لا)) في القسم، سواءٌ كان الجواب منفيًّا أو مثبتاً جائز، فإن قوله تعالى: (إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) [الحاقة: ٤٠] مثبت، وقد جيء بالقسم مؤكداً ب ((لا)) في قوله: (فَلا أُقْسِمُ)، فلو كان للتظاهر لما جاءت في المثبت، قال صاحب ((التقريب)): وفيه نظر؛ إذ يحتمل أن يقال: إنه تأكيد النفي في المنفي فقط، بل وجه المنع أن ((لا)) حينئذٍ تتمة الجواب، فيلزم الفصل بين أجزاء الجواب بالجملة القسمية، فيقال: إن القسم لما اتحد مع الجواب اتحاد المفرد في قوله تعالى: (وإنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ) [النساء: ٧٢] حتى اكتفى الجواب في إيقاعه صلةً للموصول اغتفر الفصل فيه، قال أبو البقاء: فيه وجهان، أحدهما: أن الأولى زائدة، وقيل: إن الثانية زائدة، والقسم معترضٌ بين النفي والمنفي، وثانيهما: أن ((لا)) لنفي مقدر، أي: فلا يفعلون، ثم قال: (فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ).

стр. 1917

(فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ* وَما لا تُبْصِرُونَ* إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) [الحاقة: ٣٨ - ٤٠]. (فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ): فيما اختلف بينهم واختلط، ومنه: الشجر؛ لتداخل أغصانه. (حَرَجاً): ضيقاً، أي: لا تضيق صدورهم من حكمك، وقيل: شكاً، لأنّ الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين. (وَيُسَلِّمُوا): وينقادوا ويذعنوا لما تأتي به من قضائك، لا يعارضوه بشيء، من قولك: سلم الأمر للَّه، وأسلم له، وحقيقة "سلم نفسه وأسلمها": إذا جعلها سالمة له خالصة. و (تَسْلِيماً): تأكيد للفعل بمنزلة تكريره، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الانتصاف: أراد الزمخشري أنها لما زيدت حيث لا يكون القسم نفياً دلت على أنها إنما تزاد لتأكيد القسم؛ فجعلت كذلك في النفي، والظاهر عندي أنها هنا لتوطئة القسم، وهو لم يذكر مانعاً منه؛ إنما ذكر مجملاً لغير هذا، وذلك لا يأبى مجيئها في النفي على الوجه الآخر من التوطئة، على أن دخولها على المثبت فيه نظر، فلم يأت في الكتاب العزيز إلا مع القسم بالفعل: (لا أُقْسِمُ بِهَذَا البَلَدِ) [البلد: ١]، (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ) [القيامة: ١]، (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) [الواقعة: ٧٥]، (فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ) [الحاقة: ٣٨]، ولم يأت إلا في القسم بغير الله، وله سرٌّ ثانٍ: أن يكون ها هنا لتأكيد القسم، وذلك أن المراد بها تعظيم المقسم به في الآيات المذكورة؛ فكأنه بدخولها يقول: إعظامي لهذه الأشياء المقسم بها كلا إعظام؛ إذ هي تستوجب فوق ذلك، وإنما يذكر هذا التوهم وقوع عدم تعظيمها فيؤكد بذلك ويفعل القسم ظاهراً، وفي القسم بالله الوهم زائلٌ فلا يحتاج إلى تأكيد، فتعين حملها على الموطئة، ولا تكاد تجدها في غير الكتاب العزيز داخلةً على قسمٍ مثبت، أما في النفي فكثير. قوله: (وحقيقة سلم نفسه له) يعني: ((سلم)) متعدٍّ إلى مفعولين أحدهما: بالواسطة، والآخر: بغير واسطة، فحذف الأول للإطلاق، والثاني لقرينة الكلام، ولذلك قدر ((ويذعنوا لما تأتي به من قضائك)). قوله: (و (تَسْلِيمًا): تأكيدٌ للفعل بمنزلة تكريره). قال الزجاج: المصادر المؤكدة

стр. 1918

كأنه قيل: وينقادوا لحكمه انقياداً لا شبهة فيه بظاهرهم وباطنهم. قيل: نزلت في شأن المنافق واليهودي، وقيل: في شأن الزبير وحاطب بن أبي بلتعة وذلك أنهما اختصما إلى رسول اللَّه ﷺ في شراجٍ من الحرّة كانا يسقيان بها النخل، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بمنزلة ذكرك الفعل ثانياً، كأنك إذا قلت: سلمت تسليماً فقد قلت: سلَّمتُ سلَّمت. قوله: (نزلت في شأن الزبير وحاطب بن أبي بلتعة) هذا خطأٌ، لما روينا عن البخاري ومسلمٍ وغيرهما، عن عروة بن الزبير، قال: خاصم الزبير رجلاً من الأنصار في شراج الحرة … الحديث، إلى قوله: ((في صريح الحكم))، وجل جانب حاطبٍ أن يتكلم بما يتغير به رسول الله ﷺ ويلحقه من الحفيظة ما لحقه، وقد شهد الله له بالإيمان في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) [الممتحنة: ١] وأنه شهد بدراً والحديبية، وقال رسول الله ﷺ : ((لا يدخل النار أحدٌ شهد بدراً والحديبية))، وأنه حليف الزبير بن العوام، ذكره في ((الاستيعاب))، وقال صاحب ((الجامع)): هو حاطب بن راشدٍ اللخمي، وهو حليف قريش، ويقال: إنه من مذحج، وقيل: هو حليف الزبير بن العوام، وقيل: هو من أهل اليمن، والأكثر أنه حليفٌ لبني أسد بن عبد العزى، وقلت: فلا خلاف إذاً أنه لم يكن أنصاريًّا. قوله: (شراج الحرة)، النهاية: الشرجة: مسيل الماء من الحرة إلى السهل، والشرج جنسٌ لها، والشراج: جمعها، والحرة: أرضٌ ذات حجارةٍ سود، والجدر: المسناة، وهو ما رفع حول المزرعة كالجدار.

стр. 1919

فقال: «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك» فغضب حاطبٌ وقال: لأن كان ابن عمتك، فتغير وجه رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال: «اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر واستوف حقك ثم أرسله إلى جارك». كان قد أشار على الزبير برأي فيه السعة له ولخصمه، فلما أحفظ رسول اللَّه ﷺ ، استوعب للزبير حقه في صريح الحكم، ثم خرجا فمرا على المقداد فقال: لمن كان القضاء؟ فقال الأنصاري: قضى لابن عمته ولوى شدقه، ففطن يهودي كان مع المقداد فقال: قاتل اللَّه هؤلاء يشهدون أنه رسول اللَّه ثم يتهمونه في قضاء يقضى بينهم! وأيم اللَّه لقد أذنبنا ذنباً مرّةً في حياة موسى فدعانا إلى التوبة منه، وقال: اقتلوا أنفسكم، ففعلنا، فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا، فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما واللَّه إنّ اللَّه ليعلم مني الصدق، لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلتها. وروي أنه قال ذلك ثابت وابن مسعود وعمار بن ياسر، فقال ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن كان ابن عمتك) أي: لأجل أن الزبير ابن عمتك حكمت له بأن يسقي أرضه قبلي، و ((أن)) مخففةٌ من الثقيلة، أم الزبير وهي: صفية بنت عبد المطلب بن هاشم. قوله: (ثم خرجا فمرا على المقداد … ، فقال: قاتل الله هؤلاء) إلى آخره. هكذا في أكثر النسخ، وفي نسخةٍ معتمدة: ((ثم خرجا فمرا على المقداد فقال: لمن كان القضاء؟ فقال الأنصاري: قضى لابن عمته ولوى شدقه، ففطن يهوديٌّ كان مع المقداد، فقال: قاتل الله هؤلاء)) إلى آخره. هذا هو الصحيح، وعليه التعويل، وكذا في ((معالم التنزيل))؛ لأن الرواية الأولى توهم أن المقداد كان يهوديًّا أسلم، وليس كذلك، فإن صاحبي ((الاستيعاب)) و ((الجامع)) ذكرا أنه كان كنديًّا، وقيل: قضاعيًّا، وقيل: حضرميًّا، وقيل: زهريًّا، والصحيح أنه بهراوي.

стр. 1920

رسول اللَّه ﷺ : «والذي نفسي بيده إنّ من أمتى رجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي». وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: واللَّه لو أمرنا ربنا لفعلنا، والحمد للَّه الذي لم يفعل بنا ذلك، فنزلت الآية في شأن حاطبٍ ونزلت في شأن هؤلاء. [(وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً* وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً* وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً)]. (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم، أو خروجهم من ديارهم حين استتيبوا من عبادة العجل، (ما فَعَلُوهُ إِلَّا) ناس (قَلِيلٌ مِنْهُمْ) وهذا توبيخ عظيم، والرفع على البدل من الواو في (فَعَلُوهُ)، وقرئ: (إلا قليلاً) بالنصب على أصل الاستثناء، أو على "إلا فعلاً قليلاً". (ما يُوعَظُونَ بِهِ) من اتباع رسول اللَّه ﷺ وطاعته والانقياد لما يراه ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أي: لو أوجبنا عليهم) هذا تفسير قوله: (ولَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ)، قال الزجاج: حق ((لو)) أن تليها الأفعال إلا أن المشددة تقع بعدها؛ لأنها تنوب عن الاسم والخبر، تقول: ظننت أنك عالمٌ، أي: ظننت علمك، فناب هنا- أي: في هذه الآية- عن الفعل والاسم كما نابت هناك عن الاسم والخبر. قوله: (وقرئ: ((إلا قليلاً))، بالنصب): ابن عامر، وبالرفع: الباقون، قال أبو البقاء: بالرفع بدلٌ من الضمير المرفوع وعليه المعنى؛ لأن المعنى: فعله قليلٌ منهم، و (مِّنْهُمْ): صفة (قَلِيلٌ). قوله: (أو على: إلا فعلاً قليلاً) فعلى هذا الاستثناء مفرغ، و (مِّنْهُمْ): بيانٌ للضمير

стр. 1921

ويحكم به؛ لأنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى. (لَكانَ خَيْراً لَهُمْ) في عاجلهم وآجلهم، (وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً) لإيمانهم، وأبعد من الاضطراب فيه. (وَإِذاً): جواب لسؤال مقدرٍ، كأنه قيل:وماذا يكون لهم أيضاً بعد التثبيت؟ فقيل: وإذن لو ثبتوا (لَآتَيْناهُمْ)؛ لأن "إذن" جواب وجزاء، (مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً)، كقوله: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في ((فعلوا))، كقوله تعالى: (لَيَمَسَّنَّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ) [المائدة: ٧٣] على التجريد، وعلى أصل الاستثناء (مِّنْهُمْ): للتبعيض، قال الزجاج: والنصب جائزٌ في غير القرآن على (مَا فَعَلُوهُ)، استثنى قليلاً منهم. وقلت: في كلامه إشعارٌ بأن النصب غير مختار، فلا يحمل القرآن عليه، وقال ابن الحاجب: لا بعد أن يكون أقل القراء على الوجه الأقوى وأكثرهم على الوجه الذي هو دونه، بل التزم بعض الناس أنه يجوز أن يجمع القراء على غير الأقوى. وقلت: بل يكون إجماعهم على قراءتهم دليلاً على أن ذلك هو القوي؛ لأنهم هم المتقنون الآخذون عن مشكاة النبوة، وأن تعليل النحاة غير ملتفتٍ إليه. قوله: (لأن ((إذن)) جوابٌ وجزاء) تعليلٌ للتقدير، يعني: لما قال تعالى: (لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وأَشَدَّ تَثْبِيتًا) اتجه لسائلٍ أن يسأل عن جزاء التثبيت على الإيمان فأوقع (إذًا لآتَيْنَاهُم) جواباً لهذا السؤال وجزاءً لتثبيت، واللام في (لآتَيْنَاهُم) جواب ل ((لو)) محذوفاً كما قدره، وفي هذا التقدير تكلفاتٌ شتى، إحداها: أنه لم يعلم أن المعطوف عليه لهذه الجملة- يعني (وإذًا لآتَيْنَاهُم) - ماذا؟ وثانيها: تقدير السؤال و ((نحن)) مستغنيً عنه، وثالثها: حذف ((لو))، والظاهر أنها معطوفةٌ على قوله: (لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ) ليكون جواباً آخر لقوله: (ولَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ)، كأنه قيل: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم في الدنيا، وأشد تثبيتاً في الدين، وإذاً لآتيناهم في الآخرة أجراً عظيماً تفضلاً من عندنا، لا وجوباً. هذا هو الوجه ذهاباً ومذهباً، ويؤيده ما قال المرزوقي في قوله:

стр. 1922

(وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً) [النساء: ٤٠] في أنّ لمراد العطاء المتفضل به من عنده، وتسميته أجراً؛ لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته، (وَلَهَدَيْناهُمْ): وللطفنا بهم ووفقناهم لازدياد الخيرات. [(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً* ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً)]. الصديقون: أفاضل صحابة الأنبياء الذين تقدموا في تصديقهم؛ كأبي بكرٍ الصديق رضى اللَّه عنه، وصدقوا في أقولهم وأفعالهم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إذن لقام بنصري معشرٌ خشنٌ إذن لقام: جواب ((لو))، كأنه أجيب بجوابين، وهذا كما تقول: لو كنت حراًّ لاستقبحت ما يفعله العبيد، إذن لاستحسنت ما يفعله الأحرار، وقال المرزوقي: واللام في ((لقام)) جواب يمينٍ مضمرة، والتقدير: إذن والله لقام. وأما قوله: (ولَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) بعد فعل (مَا يُوعَظُونَ) وتثبيت الإيمان والوعد بالأجر؛ فللدلالة على أن فعل الطاعات سببٌ لجلب التوفيق، وهو لاستزادة عملٍ يستجد توفيقاً إلى أن ينتهي السالك إلى مخدع القرب والانخراط في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. اللهم وفقنا لذلك بمنك وكرمك! قوله: (العطاء المتفضل به من عنده). الراغب: إنما قال: (مِّن لَّدُنَّا)؛ لأنه تعالى لا يكاد ينسب إلى نفسه من النعم إلا ما كان أجلها قدراً وأعظمها خطراً.

стр. 1923

وهذا ترغيب للمؤمنين في الطاعة؛ حيث وعدوا مرافقة أقرب عباد اللَّه إلى اللَّه وأرفعهم درجات عنده (وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهذا ترغيبٌ للمؤمنين في الطاعة حيث وعدوا مرافقة أقرب عباد الله إلى الله تعالى وأرفعهم درجاتٍ عنده). الراغب: قيل: قسم الله تعالى عباده في هذه الآية أربعة أقسام، وجعل لهم أربعة منازل بعضها دون بعض، وحث كافة الناس أن لا يتأخروا عن منزلٍ واحدٍ منهم: الأول: هم الأنبياء الذين تمدهم قوةٌ إلهية، ومثلهم كمن يرى الشيء عياناً من قريب ولذلك قال تعالى في صفة نبينا ﷺ : (أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى) [النجم: ١٢]. والثاني: الصديقون، وهم الذين يتأخرون عن الأنبياء في المعرفة، ومثلهم كمن يرى الشيء عياناً من بعيد، وإياه عنى عليٌّ ﵁ حيث قيل له: هل رأيت الله؟ فقال: ما كنت لأعبد ربًّا لم أره! ثم قال: لم تره العيون بشواهد العيان، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان. والثالث: الشهداء، وهم الذين يعرفون الشيء بالبراهين، ومثلهم كمن يرى الشيء في المرآة من مكان قريب، كحال حارثة حيث قال: كأني انظر إلى عرش ربي بارزاً، وإياه قصد النبي ﷺ حيث قال: ((اعبد الله كأنك تراه)). الرابع: الصالحون، وهم الذين يعملون الشيء بالتقليد، ومثلهم كمن يرى الشيء من بعيدٍ في مرآة، وإياه قصد النبي ﷺ بقوله: ((اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))، أي: كن من الشهداء بما تكتسبه من العلم والعمل الصالح، فإن لم تكن منهم فكن من الصالحين.

стр. 1924

فيه معنى التعجب؛ كأنه قيل: وما أحسن أولئك رفيقاً! ولاستقلاله بمعنى التعجب. قرئ: (وحسن) بسكون السين، يقول المتعجب: حسن الوجه وجهك، وحسن الوجه وجهك؛ بالفتح والضم مع التسكين. والرفيق: كالصديق والخليط في استواء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فيه معنى التعجب)، كقول القائل: وجارة جساسٍ أبأنا بنابها … كليباً غلت نابٌ كليبٌ بواؤها قال المصنف: وفي فحوى هذا الفعل دليلٌ على التعجب من غير لفظ تعجب، ألا ترى أن المعنى: ما أغلى ناباً بواؤها- أي: كفؤها- كليب! قوله: (يقول المتعجب: حسن الوجه) أي: بسكون السين. الجوهري: وقد حسن الشيء، وإن شئت خففت الضمة فقلت: حسن الشيء، ولا يجوز أن تنقل الضمة إلى الحاء لأنه خبرٌ، وإنما يجوز النقل إذا كان بمعنى المدح أو الذم؛ لأنه يشبه في جواز النقل ب ((نعم)) و ((بئس))، وذلك أن الأصل فيهما نعم وبئس، فسكن ثانيهما ونقلت حركته إلى ما قبله، وكذلك كل ما كان في معناهما. وقال الراغب: الحسن عبارةٌ عن كل مبهجٍ مرغوب إما عقلاً أو هوى أو حسًّا، والحسنة يعبر بها عن كل ما يسر من نعمةٍ تنال الإنسان في نفسه وبدنه وأحواله، والسيئة تضادها. والحسن أكثر ما يقال في تعارف العامة في المستحسن بالبصر، يقال: رجلٌ حسنٌ وحسانٌ، وامرأةٌ حسناء وحسانةٌ، وأكثر ما جاء في التنزيل من الحسن فللمستحسن من جهة البصيرة، منه قوله تعالى: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) [الزمر: ١٨]. قوله: (والرفيق كالصديق). قال الزجاج: (رَفِيقًا) منصوبٌ على التمييز ينوب عن رفقاء، وقال بعضهم: لا يجوز أن ينوب الواحد عن الجميع إلا أن يكون من أسماء الفاعلين،

стр. 1925

الواحد والجمع فيه، ويجوز أن يكون مفرداً بين به الجنس في باب التمييز. وروي: أنّ ثوبان مولى رسول اللَّه ﷺ كان شديد الحب لرسول اللَّه ﷺ قليل الصبر عنه، فأتاه يوماً وقد تغير وجهه، ونحل جسمه، وعرف الحزن في وجهه، فسأله رسول اللَّه ﷺ عن حاله فقال: يا رسول اللَّه ما بي من وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك، واستوحشت وحشةً شديدةً حتى ألقاك، فذكرت الآخرة، فخفت أن لا أراك هناك؛ لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين، وإن أدخلت الجنة كنت في منزلٍ دون منزلك، وإن لم أدخل فذاك حين لا أراك أبداً، فنزلت، فقال رسول اللَّه ﷺ : «والذي نفسي بيده لا يؤمن عبدٌ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فلو قال: حسن القوم رجلاً، لم يجز عنده، ولا فرق بين ((رفيقٍ)) و ((رجل)) في هذا المعنى؛ لأن الواحد في التمييز ينوب عن الجماعة، وكذلك في المواضع التي لا تكون إلا جماعةً نحو قولك: هو أحسن فتىً وأجمله، المعنى: هو أحسن الفتيان وأجملهم إذا كان الموضع لا يلبس، كقوله: في حلقكم عظمٌ وقد شجينا أراد: في حلوقكم عظام. قوله: (إن ثوبان مولى رسول الله ﷺ . الاستيعاب: هو أبو عبد الله ثوبان بن بجدد، من أهل السراة، والسراة: موضعٌ بين مكة واليمن، أصابه سبيٌ فاشتراه رسول الله ﷺ فأعتقه ولم يزل يكون معه إلى أن توفي رسول الله ﷺ . قوله: (فذاك) أي: فذاك الوقت الذي أخاف أني لا أراك، وروي: ((حين)) منصوباً. قوله: (والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبدٌ) الحديث من رواية البخاري ومسلم، عن أبي هريرة: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)).

стр. 1926

حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وأبويه وأهله وولده والناس أجمعين»، وحكي ذلك عن جماعةٍ من الصحابة. (ذلِكَ): مبتدأ، و (الْفَضْلُ): صفته، و (مِنَ اللَّهِ): الخبر، ويجوز أن يكون (ذلك): مبتدأ، و (الفضل من اللَّه): خبره، والمعنى: أنّ ما أعطي المطيعون من الأجر العظيم، ومرافقة المنعم عليهم من اللَّه؛ لأنه تفضل به عليهم تبعاً لثوابهم، (وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً) بجزاء من أطاعه؛ أو أراد أنّ فضل المنعم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((ذَلِكَ): مبتدأ و (الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ): خبره). الراغب: هو كقولك: ذاك الرجل وهذا المال، تنبيهاً على كماله، فإن الشيء إذا عظم أمره يوصف باسم جنسه، وقوله: (مِنَ اللَّهِ) في موضع الحال، أو خبر مبتدأٍ مضمر. قوله: (أو أراد أن فضل المنعم) عطفٌ على قوله: ((والمعنى: أن ما أعطي المطيعون))، يريد أن المشار إليه بقوله: (ذَلِكَ الفَضْلُ): إما مضمون الآيات الثلاث من قوله: (وإذًا لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: ٦٧] إلى قوله: (وحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا) [النساء: ٦٩]، فيكون قوله: (ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ) الآية [النساء: ٦٩] كالتذييل لقوله: (وإذًا لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) ولَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا)؛ لأن الهداية إلى الصراط المستقيم هو السبب في المرافقة مع المنعم عليهم، يدل عليه إبدال (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) من (الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ) في الفاتحة، فيدخل في هذا المقام المطيعون الذين منحوا الأجر العظيم دخولاً أوليًّا، أو المشار إليه ما دل عليه قوله: (الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ) [النساء: ٦٩]، فعلى هذا فائدة الإشارة التحريض على اكتساب ما اكتسبوه، والإيذان بالتجرد عما يشغلهم عن الله والتبتل إليه، والانقطاع عما سوى الله، وفائدته على الأول مزيد الامتنان عليهم، وأما قوله: (وكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا): بجزاء من يطع))، وثانياً: ((وكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) بعباده؛ فهو يوفقهم على حسب أحوالهم))، والوجه هو أن يكون المشار إليه مضمون الآيات الثلاث؛ لأن هذه الآية كالفذلكة لها مقررةٌ لمعناها ومقاصدها، قال في قوله تعالى: (فَصِيَامُ

стр. 1927

عليهم ومزيتهم من اللَّه؛ لأنهم اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه (وكفى باللَّه عليماً) بعباده، فهو يوفقهم على حسب أحوالهم. [(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً)]. (خُذُوا حِذْرَكُمْ): الحذر والحذر بمعنى كالإثر والأثر، يقال: أخذ حذره: إذا تحفظ واحترز من المخوف، كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه؛ والمعنى: احذروا واحترزوا من العدوّ ولا تمكنوه من أنفسكم، (فَانْفِرُوا) إذا نفرتم إلى العدوّ؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) [البقرة: ١٩٦]: وفائدة الفذلكة في كل حساب: أن يعلم العدد جملةً كما علم تفصيلاً ليحاط به من جهتين فيتأكد العلم، وهذا المعنى يهدم القاعدة التي بناها في تفسير الأجر اللدني في قوله: (وإن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا ويُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: ٤٠] وقوله: (وإذًا لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا) بالتفضل به من عنده وتسميته أجراً؛ لأنه تابعٌ للأجر من وجهين، أحدهما: تعرف الفضل، وهو خبر (ذَلِكَ) الدال على الحصر؛ فدل على دفع إرادة المجاز من الأجر اللدني، أي: ذلك هو الفضل لا شيءٌ آخر، وثانيهما: تعلق (مِنَ اللَّهِ) به، أي: ذلك من الله لا من العامل، والله أعلم: قوله: (جعل الحذر آلته) أي: استعار للسلاح الحذر بقرينة (خُذُوا) كقوله تعالى: (والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإيمَانَ) [الحشر: ٩]، جعل الإيمان متبوأ بمنزلة الدار، يعني: أنهم متمكنون في الإيمان تمكن الرجل في الدار. قوله: (إذا نفرتم إلى العدو). النهاية: وفي الحديث: ((وإذا استنفرتم فانفروا))،

стр. 1928

إما (ثُباتٍ): جماعاتٍ متفرّقةً سريةً بعد سرية، وإما (جَمِيعاً) أي: مجتمعين كوكبةً واحدة، ولا تتخاذلوا فتلقوا بأنفسكم إلى التهلكة. وقرئ: (فانفروا) بضم الفاء. [(وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً* وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً)]. اللام في: (لَمَنْ) للابتداء بمنزلتها في قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ) [النحل: ١٨]، وفي (لَيُبَطِّئَنَّ) جواب قسم محذوف، تقديره: وإنّ منكم لمن أقسم باللَّه ليبطئن، والقسم وجوابه صلة "من"، والضمير الراجع منها إليه ما استكن في: (لَيُبَطِّئَنَّ)، والخطاب ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والاستنفار: الاستنجاد والاستنصار، أي: إذا طلب منكم النضرة فأجيبوا وانفروا خارجين إلى الإعانة، ونفير القوم: جماعتهم الذين ينفرون في الأمر. قوله: (ثُبَاتٍ): جماعات متفرقة). قال الزجاج: واحدته: ثبةٌ، قال سيبويه: ثبةٌ: تجمع ثبون وثبين في الرفع والنصب والخفض جمعت بالواو والنون؛ لأنهما جعلتا عوضاً من حذف آخر الكلمة. قوله: (كوكبةً واحدةً). الجوهري: كوكب الشيء: معظمه، وكوكب الروضة: نورها، وإيراده ها هنا مجاز؛ لأن القوم إذا اجتمعوا متوافقين متعاضدين فالرائي: إما العدو فيمتلئ خلده هيبةً، أو الولي فتقر عينه زينةً. قوله: (والقسم وجوابه صلة ((من)))، وبهذا يعلم أن الجملة القسمية مع جوابها خبرية، فلا يمتنع وقوعه صلةً للموصول، وقيل: الصلة بالحقيقة جواب القسم، والقسم كالتأكيد، قال ابن الحاجب في ((شرح المفصل)): القسم جملةٌ إنشائيةٌ يؤكد بها جملةٌ أخرى. وقال الزجاج: (من): موصولةٌ بالجالب للقسم، تقديره: وإن منكم لمن- أحلف والله- ليبطئن.

стр. 1929

لعسكر رسول اللَّه ﷺ والمبطئون منهم: المنافقون؛ لأنهم كانوا يغزون معهم نفاقاً. ومعنى (لَيُبَطِّئَنَّ): ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد. وبطأ: بمعنى أبطأ، كغتم: بمعنى: أغتم؛ إذا أبطأ. وقرئ: (لَيُبَطِّئَنَّ) بالتخفيف يقال: بطأ عليَّ فلان وأبطأ عليَّ وبطؤ نحو: ثقل، ويقال: ما بطأ بك؟ ، فيعدى بالباء، ويجوز أن يكون منقولاً من بطؤ، نحو ثقل من ثقل، فيراد: ليبطئن غيره وليثبطنه عن الغزو، وكان هذا ديدن المنافق عبد اللَّه ابن أبيّ، وهو الذي ثبط الناس يوم أحد. (فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ): من قتلٍ أو هزيمة. (فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ): من فتح أو غنيمة. (لَيَقُولَنَّ) وقرأ الحسن: (ليقولن) بضم اللام إعادةً للضمير إلى معنى (من)؛ لأن قوله: (لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ) في معنى الجماعة. وقوله: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والنحويون مجمعون على أن ((ما)) و ((من)) و ((الذي)) لا يوصلن بالأمر والنهي إلا بما يضمر معها من ذكر الخبر، وأن لام القسم إذا جاءت مع هذه الحروف فلفظ القسم وما أشبه لفظه مضمرٌ معها. قوله: (ويجوز أن يكون منقولاً) أي: متعديًا بالتثقيل، وهو عطفٌ على قوله: ((ومعنى (لَّيُبَطِّئَنَّ): ليتثاقلن)). قوله: (وقرأ الحسن: ((ليقولن))). قال ابن جني: قرأ الحسن: ((ليقولن)) بضم اللام على الجمع، أعاد الضمير على معنى ((من))، لا على لفظها التي هي قراءة الجماعة؛ وذلك أن قوله تعالى: (وإنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ) لا يعني به رجلاً واحداً، ولكن معناه: أن هناك جماعةً هذا وصف كل واحدٍ منهم، فلما كان جمعاً في المعنى أعيد الضمير إلى معناه دون لفظه، كقوله تعالى: (ومِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ) [يونس: ٤٢]. الانتصاف: في هذه القراءة نكتةٌ غريبة، وهي العود إلى معنى ((من)) بعد الحمل على لفظها، وأنكر بعضهم وجوده في القرآن؛ لما يلزم من الإجمال بعد البيان، وهو خلاف

стр. 1930

(كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) اعتراض بين الفعل الذي هو (لَيَقُولَنَّ) وبين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ البلاغة؛ لأنه يؤدي إلى أن العود إلى لفظها ليس بمفصح عن معناها، بل تناوله للمعنى المبهم، فوقوعه بعد البيان عسر، ومنهم من عد موضعين وهذه القراءة ثالثة. قوله: ((كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) اعتراض)، قيل: هذا الاعتراض في غاية الجزالة؛ إذ يفيد أنهم يحسدونكم مما يصل إليكم من الخير، كأن لم يكن بينكم وبينهم مودة، وقلت: التحقيق فيه: أن قولهم: (يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) طلبٌ لما لا يمكن حصوله، وهذا القول منهم يشبه قول من فاته مصاحبة من كان يرافقه ويصل إليه منه المبرات فأيس من ذلك، فكان قوله: (كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) أي: مصاحبةٌ، مؤكداً لهذا المعنى، وإلى هذا المعنى ينظر قوله: ((لأن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر))، لكن إنما يحسن استعماله فيما إذا استعمل في مودةٍ صافية ومحبةٍ صادقة؛ إما تلهفاً وتحسراً على فوات المحبوب ومصافاته، قال: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا … أنيسٌ ولم يسمر بمكة سامر أو تعبيراً لمن نسي ذلك وانقلب إلى البغضاء والعداوة بعد تلك المصافاة. ولما لم يكن حال المنافقين من هذين الوصفين في شيءٍ قال: ((فكيف يوصفون بالمودة إلا على وجه العكس؟ ))، أي: الاستعارة التهكمية، قال الإمام: إنه تعالى حكى عن هذا المنافق سروره وقت نكبة المسلمين، ثم أراد أن يحكي حزنه عند دولتهم بسبب أنه فاتته الغنيمة؛ فقبل أن يتم قوله: (ولَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ … ) إلى قوله: (يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا) ألقى في البين قوله: (كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ)، والمراد التعجب، كأنه تعالى يقول: انظروا إلى ما يقول هذا المنافق، كأنه ليس بينكم أيها المؤمنون وبينه مودةٌ ولا مخالطةٌ أصلاً.
следующие страницы →