← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

[(وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)]. (وَلَهُ) عطفٌ على (الله)، (ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) من السكنى، وتعديه بفي كما في قوله (وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) [إبراهيم: ٤٥]. (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) يسمع كل مسموع، ويعلم كل معلوم، فلا يخفى عليه شيءٌ مما يشتمل عليه الملوان. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ﴿ولَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ والنَّهَارِ ﴿الآية، وبين المعطوف عليه، لأن لهما مدخلاً في التسلي. قوله: (﴿ولَهُ ﴿عطف على: ﴿لِلَّهِ ﴿) أي: قل: لله ما في السموات والأرض، ﴿ولَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ والنَّهَارِ ﴿). يعني: "سكن" من السكني، جاء متعدياً بنفسه وبـ"في". وقال في "الأساس": "وسكنوا الدار، وسكنوا فيها. وأسكنتهم الدار، وأسكنتهم فيها". ومقصوده من جعله من "السكنى" دون "السكون": التعميم والشمول، إذ لو جعل من السكون الذي يقابل الحركة، لفات الشمول الذي عناه بقوله: "مما يشتمل عليه الملوان"، واقتضاه عطف ﴿ولَهُ ﴿على: ﴿لِلَّهِ ﴿. كما قال صاحب "التقريب": وإنما أدرجه، يعني: قوله: ﴿ولَهُ مَا سَكَنَ ﴿تحت قوله: ﴿قُلْ ﴿، ولم يجعله مستأنفاً، كما هو السابق إلى الفهم، ليكون احتجاجاً ثانياً على المشركين إيذاناً بأن له ما استقر في الأمكنة، وما استقر في الأزمنة. وعليه معنى كلام الزجاج.

стр. 2452

[(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ* مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ)]. (أ) وَلي (غَيْرَ اللَّهِ)؟ همزةُ الاستفهام دون الفعل الذي هو (أَتَّخِذُ)؛ لأنّ الإنكار في اتخاذ غير الله ولياً، لا في اتخاذ الولي، فكان أولى بالتقديم، ونحوه: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ) [الزمر: ٦٤]، (آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ) [يونس: ٥٩]. وقرئ: (فاطِرِ السَّماواتِ) بالجرّ صفة لله، وبالرفع على المدح. وقرأ الزهري: "فطر" … ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال القاضي: "ويجوز أن يكون من السكون أيضاً، أي: وله ما سكن فيهما، أو تحرك. فاكتفي بأحد الضدين عن الآخر". وقلت: ثم المناسب أن يكون قوله: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ﴿مردوداً إلى المعطوف والمعطوف عليه، أي: يعلم كل معلوم من الأجناس المختلفة في السموات والأرض، ويسمع هواجس كل ما سكن في الملوين من الحيوان وغيره. وعلى ما ينبئ عنه كلام المصنف أنه من تتمة قوله: ﴿ولَهُ مَا سَكَنَ ﴿لقوله: "مما يشتمل عليه الملوان". قوله: (لأن الإنكار في اتخاذ غير الله) سيجيء تحقيقه في قوله: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ ﴿[الأنعام: ١٠٠]. قوله: (﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ﴿. إيراده هاهنا يوهم أن تقديم اسم "الله" على

стр. 2453

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الفعل كتقديم "غير الله" على الفعل في الموضعين. وليس بذلك، إذ المراد أن إيلاء هذا الاسم حرف الإنكار، وبناء الخبر عليه، دون العكس، وأن يقال: أأذن الله لكم؟ لأنه الأصل في الاستفهام، لاسيما وقد عطف عليه: ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴿[يونس: ٥٩]، وهي فعلية، إذن بتقوية حكم إنكار أن الله هو الآذن، لا حصول الإذن مطلقاً. ألا ترى كيف استشهد به لقوله: "لأن الإنكار في اتخاذ غير الله، لا في اتخاذ الولي"؟ وكيف يوهم تقديم المعمول؟ . والتركيب من باب تقوى الحكم، مثله في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ ﴿[الزمر: ٢٣]. وقال فيه المصنف: "إيقاع اسم ﴿الله ﴿مبتدأ، وبناء ﴿نَزَّلَ ﴿عليه، فيه تفخيم لـ ﴿أَحْسَنَ الحَدِيثِ ﴿، وتأكيد لإسناده إلى الله، وأن مثله لا يجوز أن يصدر إلا منه". فظهر أن المراد بالتقديم في قوله: "فكان أولى بالتقديم" الاهتمام دون التخصيص. وإلى هذا ينظر قول صاحب "المفتاح": "فلا يحمل قوله تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ﴿[يونس: ٥٩] على التقديم، فليس المراد أن الإذن ينكر من الله دون غيره، ولكن احمله على الابتداء، مراداً منه تقوية حكم الإنكار". تم كلامه. هذا التقدير مبني على أن تكون ﴿أَمْ ﴿منقطعة، والهمزة فيها للتقرير، وفي ﴿آللَّهُ﴾

стр. 2454

وعن ابن عباس ﵄: ما عرفت ما فاطر السموات والأرض، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: ابتدأتها. (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ): وهو يرزق ولا يرزق، كقوله: (ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) [الذاريات: ٥٩]، والمعنى: أن المنافع كلها من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع. وقرئ: "ولا يطعم"؛ بفتح الياء. وروى ابن المأمون عن يعقوب: "وهو يطعم ولا يطعم"؛ على بناء الأول للمفعول والثاني للفاعل، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للإنكار، فيفيد توكيد الافتراء ومزيد تقريره، والله أعلم. قوله: (أن المنافع كلها من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع). يريد أن قوله تعالى: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ ﴿من إطلاق أعظم الشيء على كله، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ﴿[النساء: ١٠]، لأن أعظم المنافع عند الحيوان الطعم. وإنما عبر عن المنافع بالطعم، لأن قوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ ولِيًا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ ﴿جاء تقريراً للجواب السابق، وهو قوله: ﴿قُل لِّلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴿إلى قوله: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ﴿. يعني: قل لهم بعد ذلك التقرير: أغير الذي ذكرته من له ما في السموات وما في الأرض، والذي منه الرحمة العظمي أتخذ ولياً؟ فوضع: ﴿يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ ﴿، موازياً لـ ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴿تعييراً لهم، وأنهم لا يعرجون إلا إلى المعارف الوارفة من الطعم، واستيفاء الشهوات واللذات الجسمانية، كالبهائم.

стр. 2455

والضمير لـ"غير الله". وقرأ الأشهب. "وهو يطعم ولا يطعم"، على بنائهما للفاعل، وفسر بأن معناه: وهو يطعم ولا يستطعم. وحكى الأزهرى: أطعمت، بمعنى: استطعمت، ونحوه: أفدت. ويجوز أن يكون المعنى: وهو يطعم تارة ولا يطعم أخرى؛ على حسب المصالح، كقولك: وهو يعطي ويمنع، ويبسط ويقدر، ويغني ويفقر. (أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) لأنّ النبي سابق أمته في الإسلام، كقوله: (وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام: ١٦٣] وكقول موسى: (سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) [الأعراف: ١٤٣]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الضمير لـ"غير الله"، أي: في قوله: "وهو يطعم" على البناء للمفعول. وفيه إشكال، لأن الأصنام لا توصف بأنها تطعم ولا تطعم، وليس الكلام مع اليهود والنصارى، ليقال: إن المسيح أو عزيز يطعم ولا يطعم والجواب: أن المقصود من قوله: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ ﴿إذا أخذ بزبدته على سبيل الكناية، إنها تربي ولا تربي، كقوله: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿[النحل: ٢٠]. قوله: (ونحوه: أفدت)، أي: استفدت. الأساس: "أفدت منه خيراً واستفدته". قال الشماخ: أفاد سماحة وأفاد حمداً … فليس بجامدٍ لحزٍ ضمين أي: استفاد حمداً.

стр. 2456

(وَلا تَكُونَنَّ) وقيل لي: لا تكونن (مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ومعناه: أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك. و(مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ) العذاب (يَوْمَئِذٍ فَقَدْ ﵀ الرحمة العظمى، وهي النجاة، كقولك: إن أطعمت زيداً من جوعه فقد أحسنت إليه، تريد: فقد أتممت الإحسان إليه، أو: فقد أدخله الجنة، لأن من لم يعذب لم يكن له بدّ من الثواب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿فَقَدْ رَحِمَهُ ﴿الله الرحمة العظمى). فسر مطلق الرحمة بالرحمة العظمى، لأن الشرط والجزاء إذا اتحدا معنى، وكان الجزاء مطلقاً، دل على عظم شأن الجزاء. أصل الكلام: من يصرف عنه العذاب يومئذٍ فقد نجا، فوضع موضعه: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ ﴿. وإليه الإشارة بقوله: "هي النجاة". نظيره قوله تعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴿[آل عمران: ١٨٥]، أي: فقد حصل له الفوز المطلق المتناول ما يقاربه. وقوله تعالى: ﴿إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ﴿[آل عمران: ١٩٢]. قال المصنف: "فقد بالغت في إخزائه". قوله: (أو فقد أدخله الجنة) فهو من التقسيم الحاصر، لأنه لا ثالث. وإليه الإشارة بقوله: "لم يكن له بد من الثواب". قال في "الانتصاف": "لو بقيت الرحمة على إطلاقها، لما زاد الجزاء على الشرط، لأن صرف العذاب رحمة، فاحتاج إلى أحد التأويلين، فصححه الزمخشري بأن صرف العذاب يستلزم الثواب. ولعمري، قاعدة الاعتزال تلجئه إلى التأويل. وقال القونوي: إن صرف العذاب لا يستلزم الثواب، فأفاد الجزاء إذن فائدة لم تفهم من الشرط". وقلت: لا يلجئه إلى التأويل سوى اتحاد الجزاء مع الشرط، وكونه مطلقاً، فتارةً قيد الرحمة بالعظمي، وأخرى بالجنة.

стр. 2457

وقرئ: "من يصرف عنه" على البناء للفاعل، والمعنى: من يصرف الله عنه في ذلك اليوم فقد رحمه، بمعنى: من يدفع الله عنه ويحفظه، وقد علم من المدفوع عنه. وترك ذكر المصروف، لكونه معلوماً أو مذكوراً قبله وهو العذاب. ويجوز أن ينتصب (يومئذ) بـ"يصرف" انتصاب المفعول به، أي: من يصرف الله عنه ذلك اليوم- أي: هَوْلَه- فقد رحمه. وينصر هذه القراءة قراءة أبىّ رضى الله عنه: "من يصرف الله عنه". [(وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)]. (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ) من مرض أو فقر أو غير ذلك من بلاياه، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "من يصرف عنه" على البناء للفاعل) أبو بكر، وحمزة، والكسائي. قوله: (وقد علم من المدفوع عنه) يعني: من منهم، ولم يبينه، لأنه علم أن الذي يدفع عنه العذاب لا يكون غير المكلف، ولذا ترك ذكر المصروف، وهو العذاب، لأن المقام لا يقتضي غيره. قوله: (﴿بِضُرٍ ﴿من مرضٍ أو فقرٍ، أو غير ذلك)، الراغب: "الضر: سوء الحال، إما في النفس، لقلة العلم والفضل والعفة، وإما في البدن، لعدم جارحه، ونقص، ومرض، وإما في حالة ظاهرة من قلة مالٍ وجاه. وقوله تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ﴿[الأنبياء: ٨٤]

стр. 2458

فلا قادر على كشفه إلا هو، (وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ) من غنى أو صحة، (فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فكان قادراً على ادامته أو إزالته. [(وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ)]. (فَوْقَ عِبادِهِ) تصوير للقهر والعلوّ بالغلبة والقدرة، كقوله: (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ) [الأعرافك ١٢٧]. [(قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ)]. "الشيء": أعم العام لوقوعه على كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه، فيقع على القديم والجرم والعرض والمحال والمستقيم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يحمل عليها. ورجل ضرير: كناية عن فقد بصره. والضرة: أصلها الفعلة التي تضر، لاعتقادهم أنها تضر بالمرأة الأخرى. والإضرار: حمل الإنسان على ما يضره. وهو في التعارف: حمله على أمرٍ يكرهه". قوله: (فكان قادراً على إدامته أو إزالته). يريد أن قوله: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿جواب للشرط مقابل لقوله: ﴿فَلا كَاشِفَ لَهُ إلاَّ هُوَ ﴿. وكان من الظاهر أن يقال: فلا راد لفضله، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وإن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إلاَّ هُوَ وإن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ ﴿[يونس: ١٠٧]. لكن جيء به هاهنا عاماً ليشمل ذلك وغيره، وليتصل به قوله: ﴿وهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴿.

стр. 2459

ولذلك صحّ أن يقال في الله : شيء لا كالأشياء، كأنك قلت: معلوم لا كسائر المعلومات، ولا يصح: جسم لا كالأجسام. وأراد: أي شهيدٍ (أَكْبَرُ شَهادَةً)، فوضع "شيئاً" مقام "شهيد" ليبالغ في التعميم، (قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولذلك صح أن يقال في الله تعالى: شيء لا كالأشياء). نقل الإمام عن جهم أنه كان ينكر كونه تعالى شيئًا، ويحتج بقوله تعالى: ﴿ولِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى ﴿[الأعراف: ١٨٠]، ويقول: "إذا دل اسم على صفةٍ من صفات الكمال، يطلق عليه، والشيء ليس كذلك، فلا يجوز إطلاقه عليه". دليل الجمهور هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلاَّ وجْهَهُ ﴿[القصص: ٨٨]، استثنى من ﴿كُلِّ شَيْءٍ ﴿ذاته، ولأن لفظ "الشيء" أعم الأشياء، فيشمل الواجب والممكن. فالنزاع لفظي. قوله: (ليبالغ بالتعميم)، وذلك أنه لو قيل: أي شهيدٍ أكبر شهادة؟ خص بالشاهد المتعارف، ومن يقال له: "شهيد" فيعم، ليعرض ما يصلح للشهادة من أي جنس كان، متعارفاً وغير متعارف، فيكون أدخل في المبالغة.

стр. 2460

يحتمل أن يكون تمام الجواب عند قوله: (قُلِ اللَّهُ)، بمعنى: الله أكبر شهادة، ثم ابتدئ: (شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) أي: هو شهيد بيني وبينكم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أن يكون تمام الجواب عند قوله تعالى: ﴿قُلِ الله ﴿، فهو أيضاً من باب قوله: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ قُل لِّلَّهِ ﴿[الأنعام: ١٢]. وأما قضية النظم على هذا، فهي أنه تعالى لما افتتح السورة بدلائل الآفاق والأنفس، وقرن معهما حججاً شتى، نبه بهذه الآية على أن كل ذلك شهادة من الله على إثبات توحيده، وعلمه، وقدرته، وسائر الصفات المستتبعة، لأن نصب الأدلة، وإقامة البراهين والحجج، هو الأصل فيها. ولهذا فصل شهادة الله عن شهادة الغير في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ والْمَلائِكَةُ وأُوْلُوا العِلْمِ ﴿[آل عمران: ١٨]. يعني: من يقدر على مثل هذه الأشياء إلا الله، حتى يكون أكبر شهادةً منه؟ ثم جعل ذلك مخلصاً ووسيلةً إلى إثبات رسالته صلوات الله عليه بقوله: ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴿. يعني: مثل هذا الشاهد العظيم الشأن، الباهر القدرة، يشهد بيني وبينكم، وهو مصدق لدعواي بأني رسول حق، وكلامي صدق، وشهادته لي بأن أنزل على هذا الكتاب الكريم، المعجز، الفائق، الهادي إلى الطريق المستقيم. وإليه الإشارة بقوله: ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذَا القُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ ومَن بَلَغَ ﴿، أي: لأثبت دعواي به، وأنذركم؛ فأعظم بمشهودٍ له من هذه صفات شاهده! ثم أنكر عليهم الإنكار البليغ بقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى ﴿[الأنعام: ١٩]، يعني: بعد توضيح هذه الدلالات، وتبيين هذه الآيات البينات، أنتم ثابتون مستقرون على ما كنتم عليه؟ ما أشد شكيمتكم، وأعظم عنادكم! وإليه الإشارة بقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ ﴿تقرير لهم، مع إنكارٍ واستبعاد.

стр. 2461

وأن يكون (اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) هو الجواب، لدلالته على أنّ الله إذا كان هو الشهيد بينه وبينهم، فأكبر شيء شهادة شهيدٍ له. (وَمَنْ بَلَغَ) عطفٌ على ضمير المخاطبين من أهل مكة. أي: لأنذركم به وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم. وقيل: من الثقلين. وقيل: من بلغه إلى يوم القيامة. وعن سعيد بن جبير: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً ﷺ . (أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ) تقرير لهم مع إنكار واستبعاد، (قُلْ لا أَشْهَدُ) شهادتكم. [(الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثم قوله: ﴿قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إنَّمَا هُوَ إلَهٌ واحِدٌ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴿[الأنعام: ١٩] أمر للرسول ﷺ بالإعراض عنهم، والتبري من شركهم، والتبتل إلى الله تعالى، لأن ذلك سنة أبيه إبراهيم، فإنه بعد ما أنذر وبالغ فيه، قال: ﴿وأَعْتَزِلُكُمْ ومَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وأَدْعُو رَبِّي ﴿[مريم: ٤٨]. وبعد الاحتجاج عليهم بالكواكب، قال: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ ﴿[الأنعام: ٧٨ - ٧٩]. قوله: (وأن يكون ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ﴿هو الجواب)، أي: المجموع. فعلى هذا هو من الأسلوب الحكيم. يعني: شهادته معلومة، كما سبق، لا كلام فيه، وإنما الكلام في أنه شاهد لي عليكم، مبين لدعواي بإنزال هذا الكتاب الكريم. وإذا ثبت أن الله تعالى شاهد لي، يلزم ما قال المصنف: "فأكبر شيء شهادةً شهيد له". قوله: (وقيل: من بلغه إلى يوم القيامة). قال القاضي: "هو دليل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين وقت نزوله، ومن بعدهم، وأنه لا يؤاخذ بها من لم تبلغه".

стр. 2462

(الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) يعني: اليهود والنصارى، يعرفون رسول الله ﷺ بحليته ونعته الثابت في الكتابين معرفة خالصة، (كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ) بحلاهم ونعوتهم، لا يخفون عليهم ولا يلتبسون بغيرهم. وهذا استشهادٌ لأهل مكة بمعرفة أهل الكتاب به وبصحة نبوّته. ثم قال: (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) من المشركين ومن أهل الكتاب الجاحدين (فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) به، .... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهذا استشهاد لأهل مكة)، أي: هذا الكلام استشهاد لأجل أهل مكة. ووزان هذا مع ما قبله وزان قوله تعالى: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ومَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكِتَابِ ﴿[الرعد: ٤٣]. قال: " ﴿كَفَى بِاللَّّهِ شَهِيدًا ﴿، لما أظهر من الأدلة على رسالتي، ﴿ومَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكِتَابِ ﴿من علماء أهل الكتاب الذين أسلموا". ولكن هذا خاص ابتداءً، وما نحن بصدده عام مخصص بقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ ﴿. وبيانه: أنه تعالى أمر رسوله ﷺ أولً بأن يقول للكافرين: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ وأُوحِيَ إلَيَّ هَذَا القُرْآنُ ﴿إثباتاً لنبوته، بكونه تعالى أظهر هذا الكلام المعجز دلالةً عليها، ثم ثنى بقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ﴿[البقرة: ١٤٦] تقريراً وتوكيداً، ثم قدر للمشركين أن يقولوا: إن أكثر أهل الكتابين لا يشهدون بذلك، فيجابوا بقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم ﴿: من المشركين ومن أهل الكتاب"، يعني كما أن الكفار عرفوه حق معرفته، بالمعجزات القاهرة، أنه رسول من الله، صادق فيما جاء به، ثم كابروا وعاندوا، كذلك أكثر أهل الكتابين: عرفوه بحليته ونعته الثابت في الكتابين، فهم فيه سواء. والله أعلم.

стр. 2463

جمعوا بين أمرين متناقضين، فكذبوا على الله بما لا حجة عليه، وكذبوا بما ثبت بالحجة البينة والبرهان الصحيح، حيث قالوا: (لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا) [الأنعام: ١٤٨]، وقالوا: (وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها) [الأعراف: ٢٨]، وقالوا: "الملائكة بنات الله"، و (هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ) [يونس: ١٨]، ونسبوا إليه تحريم البحائر والسوائب، ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (جمعوا بين أمرين متناقضين)، فيه جمع، وتقسيم، وتفسير، فالجمع قوله: "جمعوا بين أمرين متناقضين"، والتقسيم: قوله: "فكذبوا على الله ما لا حجة عليه، وكذبوا بما ثبت بالحجة البينة". وقوله: "حيث قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴿[الأنعام: ١٤٨]، إلى قوله: "تحريم البحائر والسوائب" تفسير لقوله: فكذبوا على الله". وقوله: "وذهبوا فكذبوا القرآن والمعجزات، وسموها سحراً، ولم يؤمنوا بالرسول ﷺ " تفسير لقوله: "وكذبوا بما ثبت بالحجة".

стр. 2464

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وبيان التناقض أنهم نسبوا إلى الله تعالى ما لم ينزل به سلطاناً، فصدقوه، وعزلوا عن الله تعالى ما كان منسوباً إليه، من القرآن والآيات والرسول، فكذبوا بها. وفي قوله: "بين أمرين متناقضين" تسامح. قال القاضي: "إنما ذكر: ﴿أَوّ ﴿بمعنى الواو، كقوله تعالى: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ﴿[المرسلات: ٦]. وفي كلامه رائحة من الاعترال ثم الأحسن والأوفق لتأليف النظم أن تستنبط هذه المعاني من الآيات الثلاث، فقوله: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴿أصله: لا يفلح الكافرون، لأنه تذييل وتأكيد لما سبق، وليس فيه إلا حديث الكذب والتكذيب، فعلم منه أن دأبهم الكذب، وأنهم ليسوا من الصدق في شيء. ثم قوله: ﴿واللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴿: بيان لدأبهم وعادتهم. وقوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿، وقوله: ﴿وضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿: بيان لكذبهم على الله، كقوله: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ ﴿[يونس: ١٨]. وقوله: ﴿وإن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا ﴿، إلى قوله: ﴿إنْ هَذَا إلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ﴿: بيان لتكذيبهم بآيات الله.

стр. 2465

وذهبوا فكذبوا القرآن والمعجزات، وسموها سحراً، ولم يؤمنوا بالرسول ﷺ . [(وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ* ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ* انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ)]. (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ) ناصبه محذوف، تقديره: ويوم نحشرهم كان كيت وكيت، فترك ليبقى على الإبهام الذي هو داخل في التخويف، (أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ) أي: آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وذهبوا فكذبوا القرآن)، الأساس: "ومن المجاز: ذهب على كذا: نسيته. وذهب الرجل في القوم، والماء في اللبن: ضل". قوله: (﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ ﴿: ناصبه محذوف)، إلى قوله: (كان كيت وكيت)، أي: مما لا يدخل تحت الوصف. ورأيت أيها المخاطب أمراً فظيعاً، يسلي رسول الله ﷺ ، وذلك أنه تعالى لما أرشده صلوات الله عليه إلى توبيخ المشركين، بقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى ﴿، ثم أمره بأن يواجههم بكلمة المتاركة والموادعة، وهي قوله: ﴿وإنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴿، شرع يسليه بقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ ﴿، إلى قوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴿. يعني: إن كان أولئك الخاسرون لا يعرفونك، ولا يؤمنون بما جئت به، فالمؤمنون من أهل الكتابين يعرفونك حق المعرفة. وفي قوله: "هذا استشهاد لأهل مكة بمعرفة أهل الكتاب به" إيماء إلى ذلك.

стр. 2466

وقوله: (الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) معناه: تزعمونهم شركاء، فحذف المفعولان. وقرئ: "يحشرهم"، "ثم يقول"؛ بالياء فيهما. وإنما يقال لهم ذلك على وجه التوبيخ. ويجوز أن يشاهدوهم، إلا أنهم حين لا ينفعونهم ولا يكون منهم ما رجوا من الشفاعة، فكأنهم غيب عنهم، وأن يحال بينهم وبينهم في وقت التوبيخ ليفقدوهم في الساعة التي علقوا بهم الرجاء فيها، فيروا مكان خزيهم وحسرتهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثم قال: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴿، أي: لا يفوزون في الدنيا بمباغيهم، بل يخسرون أنفسهم، وتستأصلون شأفتهم بأيديكم، ثم يوم القيامة أدهي وأمر. قوله: (فكأنهم غيب). الغيب: ما غاب عنك. وجمع الغائب: غيب، وغياب، وغيب أيضاً. وإنما تثبت فيه الياء مع التحريك، لأنه شبه بـ"صيد"، وإن كان جمعاً، وصيد: مصدر قولك: بعير أصيد. قوله: (وأن يحال بينهم) عطف على "أن يشاهدوهم". وقوله: "ويجوز أن يشاهدوهم" على قوله: "وإنما يقال لهم ذلك على جهة التوبيخ". يعني: إنما يقال للمشركين: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ ﴿على سبيل التوبيخ، كقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴿، إلى قوله: ﴿ومَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ﴿[الأنعام: ٩٤]. أو يقال لهم وهم يشاهدونهم على سبيل التعيير، أي: ادعيتم أن هؤلاء شركاؤنا، فيشفعون لنا عند الله، فأين شفاعتهم؟ كما تقول للمهدد، ومعه صاحبه، وقد ادعى أنه يعينه في الشدائد، وقد وقع فيها وخذله: "أين زيد؟ " فجعلته، لعدم نفعه وإن كان حاضرًا، كالغائب.

стр. 2467

(فِتْنَتُهُمْ): كفرهم، والمعنى: ثم لم تكن عاقبة كفرهم - الذي لزموه أعمارهم، وقاتلوا عليه وافتخروا به، وقالوا دين آبائنا- إلا جحوده والتبرؤ منه، والحلف على الانتفاء من التدين به. ويجوز أن يراد: ثم لم يكن جوابهم إلا أن قالوا فسمى فتنة، لأنه كذب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أو يقال لهم حين يحال بينهم وبينهم، كما تقول لمن ادعى أن له ناصراً ينصره، ويدفع عنه المكاره، وقد جاء لنصرته، فطمع في ذلك، فضربت الحيلولة بينه وبينه، ثم قلت: أين ناصرك الذي علقت به الرجاء؟ ادعه! لتريه تحسره وخيبته. ومنه قول الشاعر: كما أبرقت قوماً عطاشاً غمامة … فلما رأوها أقشعت وتجلت لذلك قال: "علقوا بهم الرجاء فيها". الوجه الأول حقيقة، والثاني مجاز، والثالث كالأول. قوله: (لأنه كذب). يعني: إنما سمي الجواب فتنةً، لأن قولهم: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴿كان كذباً، والكذب سبب لإيقاع الإنسان في الفتنة وورطة الهلاك. فعلى هذا، قولهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴿مجرى على ظاهره. و"ثم" للتراخي في الرتبة. يعني: أن جوابهم هذا أعظم في تصورهم من توبيخنا إياهم بقولنا: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ ﴿؟ وهذا هو الداعي إلى وضع الفتنة موضع الجواب.

стр. 2468

وقرئ: (تكن) بالتاء، و"فتنتهم" بالنصب، وإنما أنث "أَنْ قالُوا" لوقوع الخبر مؤنثاً، كقولهم: من كانت أمّك؟ وقرئ بالياء ونصب "الفتنة"، وبالياء والتاء مع رفع "الفتنة"، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وعلى الأول قولهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴿كناية عن التبري عنهم، وانتفاء التدين به، و"ثم" مجرى على ظاهره، لقوله: "ثم لم تكن عاقبة كفرهم". قوله: (وقرئ: ﴿تَكُن ﴿بالتاء) - المنقوطة فوقها نقطتان - (و"فتنتهم" بالنصب). ذكر فيه ثلاث قراءات، أولها: لحمزة والكسائي، وثانيتها: شاذة، وثالثتها: لحفص، وابن كثير، وابن عامر. قال الزجاج: "إن نضب "فتنة" على خبر ﴿تَكُن ﴿، و ﴿أَن قاَلُوا ﴿: الاسم، فأنثت ﴿تَكُن ﴿، وفاعله: ﴿أَن قاَلُوا ﴿، لأن ﴿أَن قاَلُوا ﴿هو الفتنة، ويجوز: "إلا مقالتهم" وهو مؤنث. ويجوز رفع "الفتنة" على اسم ﴿تَكُن ﴿، و ﴿أَن قاَلُوا ﴿: الخبر. ويجوز: "لم يكن" على التذكير، والفاعل ﴿أَن قاَلُوا ﴿. ويجوز على التذكير، والفاعل "فتنتهم" على تأويل الافتتان. وتأويل الآية حسن لطيف، لا يعرفه إلا من عرف معاني الكلام، وتصرف العرب. ومثلها أن ترى إنساناً يحب غاوياً، فإذا وقع في هلكةٍ تبرأ منه، فيقال له: ما كانت محبتك لفلانٍ إلا أن تبرأت منه". وقال صاحب "التقريب" في الاستشهاد بقوله: "من كانت أمك" نظر، لأن "من" يذكر ويؤنث.

стр. 2469

وقرئ: "ربنا" بالنصب على النداء. (وَضَلَّ عَنْهُمْ): وغاب عنهم، (ما كانُوا يَفْتَرُونَ) أي: يفترون إلهيته وشفاعته. فإن قلت: كيف يصحّ أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور، وعلى أن الكذب والجحود لا وجه لمنفعته؟ قلت: الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما حيرة ودهشاً؛ ألا تراهم يقولون: (رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ) [المؤمنون: ١٠٧]، وقد أيقنوا بالخلود ولم يشكوا فيه، وقالوا: (يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ) [الزخرف: ٧٧]، وقد علموا أنه لا يقضى عليهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأجيب: أن "من" إنما يؤنث ويذكر باعتبار مدلوله، وإبهامه، وشيوعه، كالمشترك. وأما لفظه فليس إلا مذكراً. روى المصنف عن سيبويه: "إنما يخرج التأنيث من التذكير، ألا ترى أن "الشيء" يقع على ما أخبر عنه من قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى! والشيء مذكر وهو أعم العام". قوله: (وقرئ: "ربنا" بالنصب): حمزة والكسائي. قوله: (أي: يفترون إلهيته وشفاعته). خص هذا التقدير، لأن قولهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴿جواب عن قوله تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ ﴿، أي: أين آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله، وزعمتم أنهم يشفعون لكم؟ حتى يخلصوكم الآن مما أنتم فيه من ورطات الهلاك. و ﴿مَّا ﴿في ﴿ومَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿موصولة، فحذف المضاف أولاً، فصار: "يفترونه"، ثم حذف الضمير الراجع.

стр. 2470

وأما قول من يقول: معناه: ما كنا مشركين عند أنفسنا، وما علمنا أنا على خطأٍ في معتقدنا، وحملُ قوله: (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ) يعني: في الدنيا، فتمحل وتعسف وتحريفٌ لأفصح الكلام إلى ما هو عيّ وإقحام؛ لأن المعنى الذي ذهبوا إليه ليس هذا الكلام بمترجم عنه ولا منطبقٍ عليه، وهو نابٍ عنه أشدّ النبوّ، ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأما قول من يقول: معناه: ما كنا مشركين) إلى آخره: إشارة على خلاف. قال الإمام: "للناس فيه قولان، الأول: قول أبي علي الجبائي والقاضي: أن أهل المحشر لا يجوز إقدامهم على الكذب، لأنهم يعرفون الله بالاضطرار، فيلجؤون إلى ترك القبيح، وأقبح القبائح القول بالكذب، وأتمه الحلف عليه. فإذا يحمل قوله تعالى: ﴿واللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴿على: ما كنا في اعتقادنا وظنونا مشركين، لأنهم كانوا معتقدين أنهم كانوا موحدين. ويحمل قوله: ﴿انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ ﴿[الأنعام: ٢٤] في الدنيا في أمورٍ كانوا يخبرون عنها، كقولهم: إنهم على صواب، وإن ما هم عليه ليس بشرك، والكذب يصح عليهم في الدنيا. والثاني قول الجمهور: إن الكذب عليهم في الآخرة جائز، بل واقع. واستدلوا بآيات كثيرة. وأما حمل هذه الآية على أن المراد: ما كنا مشركين في ظنوننا واعتقادنا، فمخالفة للظاهر، وقوله: ﴿انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ ﴿على أنهم كذبوا في الدنيا، يوجب تفكك النظم، وصرف أول الآية إلى أحوال القيامة، وآخرها إلى أحوال الدنيا". وهو المراد من قول المصنف: "وتحريف لأفصح الكلام إلى ما هو عي وإفحام".

стр. 2471

وما أدري ما يصنع من ذلك تفسيره بقوله تعالى: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ) [المجادلة: ١٨]، بعد قوله: (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [المجادلة: ١٤]، فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا؟ ! [(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ* وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ)]. (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) حين تتلوا القرآن، روي: أنه اجتمع أبو سفيان والوليد والنضر وعتبة وشيبة وأبو جهلٍ وأضرابهم يستمعون تلاوة رسول الله ﷺ ، فقالوا للنضر: يا أبا قتيلة، ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعلها بيته - يعني: الكعبة - ما أدري ما يقول، إلا أنه يحرّك لسانه ويقول أساطير الأوّلين، مثل ما حدثتكم عن القرون الماضية. فقال أبو سفيان: إني لأراه حقاً. فقال أبو جهل: كلا! فنزلت. والأكنة على القلوب، والوقر في الآذان: مثل في نبوّ قلوبهم ومسامعهم عن قبوله واعتقاد صحته ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ما يصنع من ذلك تفسيره بقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ﴿). "من": موصوله، وهو فاعل "يصنع"، وذلك أنه تعالى قال في حق المنافقين: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ ولا مِنْهُمْ ويَحْلِفُونَ عَلَى الكَذِبِ وهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿[المجادلة: ١٤]. يعني: تولوا اليهود وناصحوهم، ثم قالوا للمسلمين: والله إنا لمسلمون. ثم قال بعده: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ﴿[المجادلة: ١٨]. قال المصنف: "فيحلفون لله على أنهم مسلمون في الآخرة، كما يحلفون لكم في الدنيا"، وهو المراد من قوله هاهنا: "فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا". قوله: (والوقر في الآذان: مثل في نبو قلوبهم)، أي: استعارة. قال الزجاج: "الوقر بالفتح: ثقل في السمع. يقال: فلان في أذنه وقر. وقد وقرت الأذن توقر. قال الشاعر:

стр. 2472

ووجه إسناد الفعل إلى ذاته - وهو قوله: (وَجَعَلْنا) - للدلالة على أنه أمر ثابتٌ فيهم لا يزول عنهم، كأنهم مجبولون عليه، أو هي حكايةٌ لما كانوا ينطقون به من قولهم: (وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ) [فصلت: ٥]. وقرأ طلحة: "وقراً"؛ بكسر الواو. (حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ) هي "حتى" التي تقع بعدها الجمل، والجملة قوله: (إِذا جاؤُكَ … يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا)، .. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وكلام سيءٍ قد وقرت … أذني منه وما بي من صمم والوقر بكر الواو: أن يحمل البعير أو غيره مقدار ما يطيق. تقول: عليه وقر". قوله: (ووجه إسناد الفعل إلى ذاته - وهو قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ﴿- للدلالة على أنه أمر ثابت)، وهذا هو أول الوجوه المذكورة في إسناد ﴿خَتَمَ ﴿إلى ﴿الله ﴿في "البقرة". وقوله: (أو هي حكاية) هو من آخر الوجوه المذكورة هناك، وهو من باب المشاكلة، وقد حققنا القول فيها. قوله: (والجملة قوله: ﴿إذَا جَاءُوكَ … يَقُوُل ﴿)، أي: الجملة: ﴿إذَا جَاءُوكَ ﴿، وجوابه وهو: ﴿يَقُوُل ﴿. وقوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ ﴿: حال"، أي: لمجيئهم.

стр. 2473

و (يُجادِلُونَكَ) في موضع الحال، ويجوز أن تكون الجارة، ويكون (إذا جاءوك) في محل الجرّ، بمعنى: حتى وقت مجيئهم، و (يجادلونك) حال. وقوله: (يقول الذين كفروا) تفسيرٌ له، والمعنى: أنه بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم يجادلونك ويناكرونك، وفسر مجادلنهم بأنهم يقولون: (إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ)، فيجعلون كلام الله - وأصدق الحديث- خرافاتٍ وأكاذيب، وهي الغاية في التكذيب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المعنى: حتى إذا جاؤوك مجادلين يقولون: ﴿إنْ هَذَا إلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ﴿. فوضع ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿موضع الضمير، ليشعر بأن مجيئهم على تلك الحالة كفر وعناد، وقولهم كذب بحت. قوله: (حتى وقت مجيئهم)، يعني: "حتى": إما حرف ابتداء، وبعده الجملة الشرطية. قال أبو البقاء: " ﴿إِذَا ﴿في موضع نصب بجوابها، وهو ﴿يَقُوُل ﴿، وليس لـ ﴿حَتَّى ﴿هاهنا عمل، وإنما أفادت معنى الغاية، كما لا تعمل في الجمل". أو حرف جر بمنزلة "على"، فعلى هذا لها عمل. و ﴿يَقُوُل ﴿جملة مفسرة لقوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ ﴿، لأن المجادلة هي قولهم: ﴿إنْ هَذَا إلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ﴿، و"حتى" غايةُ هذه الحالة الفظيعة. يعني بلغ تماديهم في الطغيان، وتكذيب آيات الله في الأزمنة الماضية، على سبيل التدرج والاستمرار، إلى حد انتهي إلى هذا الزمان، وهذا الطغيان، وهو مجيئهم إليك، وتكذيبهم هذه الآية البينة، والحجة الساطعة. قوله: (خرافاتِ وأكاذيب)، العطف تفسيري. الجوهري: "خرافة: اسم رجلٍ من

стр. 2474

(وَهُمْ يَنْهَوْنَ) الناس عن القرآن أو عن الرسول ﵊ واتباعه، ويثبطونهم عن الإيمان به، (وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ) بأنفسهم، فيضلون ويضلون، (وَإِنْ يُهْلِكُونَ) بذلك (إِلَّا أَنْفُسَهُمْ)، ولا يتعداهم الضرر إلى غيرهم، وإن كانوا يظنون أنهم يضرون رسول الله ﷺ . وقيل: هو أبو طالب، لأنه كان ينهى قريشاً عن التعرض لرسول الله ﷺ ، وينأي عنه فلا يؤمن به. وروي: أنهم اجتمعوا إلى أبي طالبٍ وأرادوا برسول الله ﷺ سوءاً. فقال: وَاللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِم … حَتَّي أُوَسَّدَ فِى التُّرَابِ دَفِينَا فَاصْدَعْ بِأَمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ … وَأَبْشِرْ بِذَاكَ وَقَرَّ مِنْهُ عُيُونَا ودَعَوْتَنِى وَزَعَمْتَ أنَّكَ نَاصِحٌ … وَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ ثَمَّ أمِينَا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عذرة استهوته الجن، فكان يحدث ما رأي، فكذبوه، وقالوا: حديث خرافة. والراء فيه مخففة". قوله: (وقيل: هو أبو طالب): عطف على قوله: (﴿وهُمْ يَنْهَوْنَ ﴿الناس)، أي: الناهون إما جميع المشركين، وإما أبو طالب، وإنما أتي بضمير الجماعة استعظاماً لفعله. قوله: (والله لن يصلوا إليك بجمعهم)، الأبيات.

стр. 2475

وَعَرَضْتَ دِيناً لَا مَحَالَةَ أنَّهُ … مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا لَوْلَا الْمَلَامَةُ أوْ حذَارِىَ سُبَّةٌ … لَوَجَدْتَنِى سَمْحاً بِذَاكَ مُبِينَا فنزلت. [(وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ)]. (وَلَوْ تَرى) جوابه محذوف، تقديره: ولو ترى لرأيت أمراً شنيعاً، (وُقِفُوا عَلَى النَّارِ): أروها حتى يعاينوها، أو أُطلعوا عليها إطلاعاً هي تحتهم، أو أُدخلوها فعرفوا مقدار عذابها؛ من قولك: وقفته على كذا؛ إذا فهمته وعرفته، وقرئ: "وقفوا" على البناء للفاعل، من وقف عليه وقوفاً، (يا لَيْتَنا نُرَدُّ) تم تمنيهم، ثم ابتدؤوا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أوسد: من الوسادة، أي: أوسد يميني في رمسي. دفيناً: منصوب على الحال. فأصدع بأمرك: أي: أظهر بأمرك، أي: بدينك. غضاضة: منقصة، وهي: ما إذا سمعه الإنسان غض عليه بصره. وقر منه: أي: من أجل ذلك. أراد بالعيون: العينين، على أن أقل الجمع اثنان، أو عيون المسلمين. قوله: (تم تمنيهم ثم ابتدؤوا)، قال صاحب "المرشد": التقدير: يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب، ونحن من المؤمنين رددنا أو لم نرد. فلا يدخلان في جملة التمني، ويرتفعان على استئناف خبر. وعلى هذا يجوز أن تقف على قوله: ﴿نُرّدُ ﴿، ثم تَبتدئ، فنقول: "ولا نكذب" أي: لا نكذب أبداً، ونكون من المؤمنين أبداً. وهو وقف بيان. ووجه آخر: وهو أن يكون

стр. 2476

(وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) واعدين الإيمان، كأنهم قالوا: ونحن لا نكذب، ونؤمن على وجه الإثبات. وشبهه سيبويه بقولهم: دعني ولا أعود، بمعنى دعني وأنا لا أعود، تركتني أو لم تتركني، ويجوز أن يكون معطوفاً على (نردّ)، أو حالاً على معنى: يا ليتنا نردّ غير مكذبين وكائنين من المؤمنين، فيدخل تحت حكم التمني. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التقدير: يا ليتنا نرد، ويا ليتنا لا نكذب، ويا ليتنا نكون من المؤمنين، أي: نوفق للتصديق، وألا نكذب. ولا وقف على هذا إلى قوله: "مؤمنين". قوله: (واعدين الإيمان): حال من فاعل "ابتدؤوا"، أي: ثم ابتدؤوا قائلين: نحن لا نكذب بآيات ربنا، على سبيل الوعد. يقال: كذبه، وكذب به. قوله: (دعني ولا أعود)، قال صاحب "الإقليد"، وهو كالشرح لكلام ابن الحاجب: "إنما ذكر هذا الرفع، لتعذر النصب والجزم على العطف، أما لانصب فيفسد المعنى، إذ المعنى على هذا: ليجتمع تركك لي وتركي لما تنهاني عنه. وقد علم أن طلب هذا المتأدب لترك المؤدب إياه، إنما هو في الحال بقرينة ما عراه من ألمه بتأديب مؤدبه، وغرض المؤدب الترك لما نهي عنه في المستقبل. ولا يحصل هذا الغرض بترك المتأدب المنهي عنه في الحال، وإنما يحصل بالترك للعود في المستقبل، ولا يستقيم الجزم، لأنه إذا جزم عطف، أدى إلى عطف المعرب على المبني، وهو ممتنع، إذ العطف لاشتراك الشيئين في الإعراب، ولا موضع للأول حتى يحمل عليه. وأما امتناع الجزم في "ولا أعود"، فلما فيه من عطف الجملة المنهية على الأمرية. فكأنه قال" "دعني" ثم شرع في جملةٍ أخرى ناهياً لنفسه عن العود، لأنه لا يلزم من النهي تحقق الامتناع، ولذا لم يأت التناقض في قولك: أنا أنهي نفسي عن كذا في كل وقتٍ ثم أفعله، كما أتى

стр. 2477

فإن قلت: يدفع ذلك قوله: (وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ)؛ لأنّ المتمني لا يكون كاذباً. قلت: هذا تمنّ قد تضمن معنى العدة، فجاز أن يتعلق به التكذيب، كما يقول الرجل: ليت الله يرزقني مالاً فأحَسن إليك وأكافئك على صنيعك، فهذا متمنّ في معنى الواعد، فلو رزق مالاً ولم يحسن إلى صاحبه ولم يكافئه كذب، كأنه قال: إن رزقني الله مالاً كافأتك على الإحسان. وقرئ: (ولا نكذب … ونكون) بالنصب بإضمار أن على جواب التمني، ومعناه: إن رددنا لم نكذب ونكن من المؤمنين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التناقض في قولك: أنا لا أفعل كذا في كل وقتٍ ثم أفعله، والمقصود نفي وقوع العود في المستقبل. ولا يحصل هذا إلا بالخبر". قوله: (وقرئ: ﴿وَلَا تُكَذْبَ .... وَنكُونَ ﴿بالنصب): حمزة وحفص. قال الزجاج: "النصب على ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ … ونكون ﴿على الجواب بالواو في التمني، كما تقول: "ليتك تصير إلينا ونكرمك" أي: ليت مصيرك يقع وإكرامك. المعنى: ليت ردنا وقع وألا نكذب، أي: إن رددنا لم نكذب". وقال القاضي: "والجواب بإضمار "أن" بعد الواو، إجراء لها مجرى الفاء. وقرأ ابن عامر برفع الأول على العطف، ونصب الثاني على الجواب".

стр. 2478

(بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) من قبائحهم وفضائحهم في صحفهم وبشهادة جوارحهم عليهم؛ فلذلك تمنوا ما تمنوا ضجراً، لا أنهم عازمون على أنهم لو ردّوا لآمنوا. وقيل: هو في المنافقين، وأنه يظهر نفاقهم الذي كانوا يسرونه. وقيل: هو في أهل الكتاب وأنه يظهر لهم ما كانوا يخفونه من صحة نبوة رسول الله ﷺ . (وَلَوْ رُدُّوا) إلى الدنيا بعد وقوفهم على النار، (لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ) من الكفر والمعاصي، (وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) فيما وعدوا من أنفسهم لا يفون به. [(وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وبشهادة جوارحهم) عطف على قوله: (في صحفهم)، وهو ظرف لقوله: ﴿بَدَا لَهُم ﴿. المعنى: بل بدا لهم في صحفهم، وبسبب شهادة جوارحهم عليهم، ما كانوا يخفون من الناس. قوله: (لا أنهم عازمون على أنهم لو ردوا لآمنوا)، يعني: ﴿بَلْ ﴿: إضراب عن معنى تمنيهم الباطل الناشئ من إبداء ما يفضحهم، وهو: إن رددنا لم نكذب، أي: ليس ذلك من عزم صحيح، بل هو من إبداء ما افتضحوا به. قال الواحدي: " ﴿بَلْ ﴿: هاهنا رد لكلامهم؛ يقول الله: ليس الأمر كما قالوا من أنهم لو ردوا لآمنوا". قوله: (﴿وإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿فيما وعدوا من أنفسهم لا يفون به)، قال الزجاج: "المعنى: أن أكثر من عاند من اليهود والمشركين قد علم أن أمر الله حق، فركن إلى الرفاهية، وأن الشيء متأخر عنهم إلى أمد، كما فعل إبليس، فاعلم الله أنهم لو ردوا لعادوا، لأنهم قد كفروا بعد وضوح الحجة.

стр. 2479

(وَقالُوا) عطف على (لعادوا)، أي: ولو ردّوا لكفروا ولقالوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا كما كانوا يقولون قبل معاينة القيامة. ويجوز أن يعطف على قوله: (وإنهم لكاذبون)، على معنى: وإنهم لقومٌ كاذبون في كل شيء، وهم الذين قالوا: (إن هي إلا حياتنا الدنيا)، وكفى به دليلاً على كذبهم. [(وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ* قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ)]. (وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ) مجازٌ عن الحبس للتوبيخ والسؤال، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وروى بعضهم أنه صلوات الله عليه سئل، فقيل له: ما بال أهل النار، عملوا في عمر قصير، فخلدوا في النار، وأهل الجنة كذا، فخلدوا في الجنة؟ فقال: "إن الفريقين كان كل واحدٍ منهما لو أنه عاش أبداً عمل بذلك العمل". قوله: (ويجوز أن يعطف على قوله: ﴿وإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿، هو من عطف الخاص على العام، وإنما قدر المبتدأ، وأوقع "قالوا" صلة للموصول، وجعل الصلة مع الموصول خبراً، ليوازي المعطوف عليه المؤكد، وليشنع عليهم هذا الكذب الخاص. قوله: (﴿وقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ ﴿: مجاز عن الحبس)، يعني: لا يجوز أن يقال: وقف على الله

стр. 2480

كما يوقف العبد الجاني بين يدي سيده ليعاتبه. وقيل: وقفوا على جزاء ربهم. وقيل: عرفوه حق التعريف، (قالَ) مردودٌ على قول قائلٍ قال:ماذا قال لهم ربهم إذ وقفوا عليه؟ فقيل: (قال أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ)، وهذا تعيير من الله تعالى لهم على التكذيب وقولهم لما كانوا يسمعون من حديث البعث والجزاء: ما هو بحق، وما هو إلا باطل. (بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ): بكفركم بلقاء الله ببلوغ الآخرة وما يتصل بها. وقد حقق الكلام فيه في مواضع أُخر. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حقيقة ولا كناية، لأن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة، كما سبق في "آل عمران"، عند قوله: ﴿ولا يَنظُرُ إلَيْهِمْ ﴿[آل عمران: ٧٧] فوجب الحمل على المجازي: أي الاستعارة التمثيلية. قوله: (وقيل: عرفوه حق التعريف)، هذا مثل تفسيره في قوله: ﴿إذْ وقِفُوا عَلَى النَّارِ ﴿[الأنعام: ٢٧]: "هو من قولك: وقفته على كذا: إذا فهمته وعرفته". والضمير في "عرفوه" للجزاء. قوله: (مردود)، أي: متعلق أو متوقف على سؤال سائل. قوله: (ما هو بحق، وما هو إلا باطل)، وإنما قدر كذلك، لأن قوله: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ ﴿[الأنعام: ٣٠] سؤال تقرير، وقد أتي المنكر باسم الإشارة لمزيد التقرير، فيقتضي أن يكون مسبوقاً بإنكارٍ قوي. قوله: (وقد حقق الكلام فيه): أي في سورة "يونس". قال المصنف في قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ﴿[يونس: ١٥]: "فإن قلت: كيف جاز النظر على الله وفيه معنى المقابلة؟ قلت: هو مستعار للعلم المحقق الذي هو العلم بالشيء موجوداً، شبه بنظر الناظر في تحققه". وفي "العنكبوت" أبسط منه.

стр. 2481

و (حَتَّى) غاية لـ (كذبوا) لا لـ (خَسِرَ)، لأن خسرانهم لا غاية له، أي: ما زال بهم التكذيب إلى حسرتهم وقت مجيء الساعة. فإن قلت: أما يتحسرون عند موتهم؟ قلت: لما كان الموت وقوعاً في أحوال الآخرة ومقدّماتها جعل من جنس الساعة، وسمي باسمها، ولذلك قال رسول الله ﷺ : «من مات فقد قامت قيامته»، أو جعل مجيء الساعة بعد الموت لسرعته كالواقع بغير فترة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن خسرانهم لا غاية له)، ويمكن أن يحمل على معنى قوله تعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلَى يَوْمِ الدِّينِ ﴿[ص: ٧٨]: أي: إنك مذموم، مدعو عليك باللعنة إلى يوم الدين، ثم إذا جاء ذلك اليوم لقيت ما تنسى اللعن معه. أي: خسر المكذبون إلى قيام الساعة، بأنواع من المحن والبلاء، فإذا قامت الساعة يقعون فيما ينسون معه هذا الخسران، وذلك هو الخسران المبين، يؤيده قوله: "يا حسرتنا". قال سيبويه: "كأنه يقول: أيتها الحسرة، هذا أوانك". وقال أبو البقاء: "يا حسرة احضري، هذا أوانك". والمعنى: تنبيه أنفسهم لتذكر أسباب الحسرة. وقلت: هذا أقرب من قول المصنف بوجهين: أحدهما: سلامته من ذلك السؤال، وثانيهما: أن قوله: ﴿وهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ ﴿مقارن بهذا التحسر، وهو غير مناسب إلا بالحسر. قوله: (أو جعل مجيء الساعة بعد الموت لسرعته)، أي: وضع الساعة موضع الموت، لسرعة مجيئها.

стр. 2482

(بَغْتَةً) فجأة وانتصابها على الحال بمعنى باغتة، أو على المصدر، كأنه قيل: بغتتهم الساعة بغتة. (فَرَّطْنا فِيها) الضمير للحياة الدنيا، جيء بضميرها وإن لم يجر لها ذكر لكونها معلومة، أو "للساعة"؛ على معنى: قصرنا في شأنها وفي الإيمان بها، كما تقول: فرّطت في فلان. ومنه: (فرّطت في جنب الله) [الزمر: ٥٦]. (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ) كقوله: (فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) [الشورى: ٣٠]؛ لأنه اعتيد حمل الأثقال على الظهور، كما أُلف الكسب بالأيدي، (ساءَ ما يَزِرُونَ) بئس شيئاً يزرون وزرهم، كقوله: (ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ) [الأعراف: ١٧٧]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الضمير للحياة الدنيا، جيء بضميرها وإن لم يجر لها ذكر). فإن قلت: أما سبق قبيل هذا: ﴿وقَالُوا إنْ هِيَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا ﴿[الأنعام: ٢٩] لم لا يجوز أن يعود إليها، ويكون قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ﴿من وضع الظاهر موضع المضمر؟ قلت: ولا ارتياب أن القائلين لقوله: ﴿إنْ هِيَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا ﴿[الأنعام: ٢٩] هم الناهون عن رسول الله ﷺ من كفار قريش، كما مر، وأن قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ ﴿إلى قوله: ﴿ولَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴿[الأنعام: ٣١ - ٣٢] كالاعتراض والتوكيد لما يتضمن معنى الكلام السابق واللاحق من التهديد والوعيد، لاشتماله على جميع من أنكر الحشر، وسوء مغبتهم، وإظهار حسرتهم وندامتهم، ووخامة أمر حياة الدنيا. وليس المقام من مجاز وضع المظهر موضع المضمر، لأن الاعتراض مستقل بنفسه، لا تعلق له بالسابق إلا من حيث المعنى. قوله: (كقوله: ﴿سَاءَ مَثَلاً القَوْمُ ﴿، أي: مثله في تقدير المخصوص، أي: "ساء مثلا

стр. 2483

[(وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ)]. جعل أعمال الدنيا لعباً ولهواً واشتغالا بما لا يعنى ولا يعقب منفعة، كما تعقب أعمال الآخرة المنافع العظيمة. وقوله: (لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) دليلٌ على أن ما عدا أعمال المتقين لعب ولهو. وقرأ ابن عباسٍ ﵁: "ولدار الآخرة"، وقرئ: (تعقلون) بالتاء والياء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مثل القوم" ليحصل التطابق بين الفاعل والمخصوص بالذم، لأن ﴿مَثَلاً ﴿تمييز، والفاعل مضمر. قوله: (﴿لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴿دليل على أن ما سوى أعمال المتقين لعب ولهو). وذلك أن الظاهر أن يقال: ﴿ومَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ لَعِبٌ ولَهْوٌ ﴿، وما الدار الآخرة إلا جد وحق، لا باطل زائل. فوضع موضعه: ﴿خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴿إطلاقاً لاسم المسبب على السبب. يعني: أن حقيقة الدارين معلومة محققة عند من يدعي النهي والحجي، لكن العاقل الذي يستأهل أن يسمى عاقلاً هو من يؤثر ما يعينه وينجيه على ما لا يعينه ويرديه. وتلخيصه: أن العاقل هو المتقي الذي يرغب عن الدنيا إلى الآخرة. وفيه تعريض بمن سبق ذكرهم في قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا ﴿[الأنعام: ٣١]، أي: اشتغلنا بلذات الدنيا عن الآخرة، وكذبنا بمجيء الساعة. وهو إقناط كلي. ولهذا كانت هذه الآية تتمة للاعتراض، ثم عاد إلى ما سبق من ذكر المشركين، مسليا لحبيبه صلوات الله عليه: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ﴿[الأنعام: ٣٣].

стр. 2484

[(قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)]. (قَدْ) في (قَدْ نَعْلَمُ) بمعنى «ربما» الذي يجيء لزيادة الفعل وكثرته، كقوله: أَخُو ثِقَةٍ لَا تُهْلِكُ الْخَمْرُ مَالَهُ … وَلَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المَالَ نَائِلُهْ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿قَدْ ﴿في ﴿قَدْ نَعْلَمُ ﴿: بمعنى "ربما" الذي يجيء لزيادة الفعل وكثرته). يعني: أن لفظة "قد" للتقليل، وقد تعني به ضده للمجانسة بين الضدين. مثله "رب" للتقليل، ثم يراد به في بعض المواضع ضده، وهو الكثرة، كقوله تعالى: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴿[الحجر: ٢]. والنكتة هاهنا تصبير رسول الله ﷺ من أذي قومه وتكذيبهم، يعني: من حقك، وأنت سيد أولي العزم، ألا تكثر الشكوى من أذي قومك، وألا تعلم الله من إظهارك الشكوى إلا قليلاً. أو يكون تهكما بالمكذبين، وتوبيخاً لهم، لقوله: ﴿فَإنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظَّالِمِينَ ﴿قوله: (ولكنه قد يهلك المال نائله)، أوله: أخي ثقة لا تهلك الخمر ماله بعده: تراه إذا ما جئته متهللا … كأنك تعطيه الذي أنت سائله

стр. 2485

والهاء في (إِنَّهُ) ضمير الشأن، (لَيَحْزُنُكَ) قرئ بفتح الياء وضمها. (والَّذِي يَقُولُونَ) هو قولهم: ساحرٌ كذاب (لا يُكَذِّبُونَكَ) قرئ بالتشديد والتخفيف، من: كذبه؛ إذا جعله كاذباً في زعمه، وأكذبه، إذا وجده كاذباً. والمعنى: أن تكذيبك أمر راجعٌ إلى الله، لأنك رسوله المصدق بالمعجزات فهم لا يكذبونك في الحقيقة وإنما يكذبون الله بجحود آياته، فاله عن حزنك لنفسك، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يقول: جوده ذاتي، لا يزيد بالسكر، ولا ينقص بالصحو. متهللاً: أي: ضاحكاً. قوله: (﴿لَيَحْزُنُكَ ﴿: قرى بفتح الياء وضمها). نافع: بالضم، وغيره بالفتح. قوله: (﴿لا يُكَذِّبُونَكَ ﴿قرئ بالتشديد والتخفيف). التخفيف: نافع والكسائي، والباقون: مشدداً. قال الزجاج: "معنى كذبته: قلت له: كذبت. وأكذبته: أريته أن ما أتي به كذب". قوله: (فاله عن حزنك)، الجوهري: "لهيت عن الشيء، بالكسر، ألهي، لهياً ولهياناً: إذا سلوت عنه، وتركت ذكره، وأضربت عنه".

стр. 2486

فإنهم كذبوك وأنت صادق، وليشغلك عن ذلك ما هو أهمّ، وهو استعظامك بجحود آيات الله تعالى والاستهانة بكتابه. ونحوه قول السيد لغلامه - إذا أهانه بعض الناس -: إنهم لم يهينوك وإنما أهانونى! وفي هذه الطريقة قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ) [الفتح: ١٠]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويقال: أله عن الشيء: أي: اتركه. والمعنى: أضرب عن الاشتغال بحزن نفسك، إلى الاشتغال بحزن ما هو أهم، وهو استعظام جحود آيات الله، والاستهانة بها. فإن قيل: هذا غير مطابق للمثال والعادة، يقال: إذن تأمل، وقف على المطابقة، فإن قوله: ﴿ولَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿استدراك، وضع فيه مظهران موضع مضمرين، لشدة الخطب وعظم الأمر! وفيه تهديد للظالمين، وتنبيه لرسول الله ﷺ . كأنه قيل له: اشتغلت بخاصة نفسك، وذهلت عما هو أهم من ذلك، وهو ما تستعظمه من جحود آيات الله، والاستهانة بكتابه، ومن عادتك أن تؤثر حق الله على حق نفسك. ويعضده ما روينا عن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود، عن عائشة ﵂ قالت: "ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين قط، إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه: وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيءٍ قط، إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم". وكذلك قول السيد: "وإنما أهانوني" وإن كان تهديداً للجاني، لكن فيه ردع للغلام عن تركه الأولى، وهو استعظام إهانة السيد.

стр. 2487

وقيل: (فإنهم لا يكذبونك) بقلوبهم، ولكنهم يجحدون بألسنتهم. وقيل: (فإنهم لا يكذبونك) لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق، ولكنهم يجحدون بآيات الله. وعن ابن عباسٍ رضى الله عنه: كان رسول الله ﷺ يسمى الأمين، فعرفوا أنه لا يكذب في شيء، ولكنهم كانوا يجحدون، وكان أبو جهلٍ يقول: ما نكذبك وإنك عندنا لمصدق، وإنما نكذب ما جئتنا به. وروي: أنّ الأخنس بن شريق قال لأبي جهل: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس عندنا أحدٌ غيرنا؟ فقال له: والله إن محمداً لصادق، وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قُصيّ باللواء والسقاية والحجابة والنبوّة؛ فماذا يكون لسائر قريش؟ ! فنزلت. وقوله: (وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ) من إقامة الظاهر مقام المضمر، للدلالة على أنهم ظلموا في جحودهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: ﴿فَإنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ﴿بقلوبهم) عطف على قوله: "والمعنى: أن تكذيبك أمر راجع إلى الله". فعلى هذا معنى قوله: "يجحدون بألسنتهم" هو قولهم: ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿[ص: ٤]. قوله: (وقيل: ﴿فَإنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ﴿، معنى قولهم: ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿: لا يريدون به تكذيبك، "لأنك عندهم الصادق"، ولكن مرادهم به أن ما جئت به من الآيات سحر وكذب، وهو المراد بقول أبي جهل: إنك عندنا لمصدق، وإنما نكذب ما جئتنا به. والوجه هو الأول، لقوله: ﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا ﴿، فإنه عزاء وتسليه لرسول الله ﷺ فلا يليق بالوجهين الآخرين. قوله: (باللواء والسقاية والحجابة): أي: والسدانة. النهاية: "سقاية الحاج: هي ما كانت

стр. 2488

[(وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ)]. (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ) تسلية لرسول الله ﷺ ، وهذا دليل على أن قوله: (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ) [الأنعام: ٣٣] ليس بنفي لتكذيبه، وإنما هو من قولك لغلامك: ما أهانوك ولكنهم أهانوني، (عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا): على تكذيبهم وإيذائهم، (وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ): لمواعيده؛ من قوله: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ* إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ) [الصافات: ١٧١ - ١٧٢]. (وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ): بعض أنبائهم وقصصهم وما كابدوا من مصابرة المشركين. [(وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَاتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ* إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)]. كان يكبر على النبي ﷺ كفر قومه وإعراضهم عما جاء به فنزل: (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ) [الشعراء: ٣]، (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) [القصص: ٥٦]، (وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ .... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء. وكان يليها العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام". "واللواء: الراية، ولا يمسكها إلا صاحب الجيش". "والسدانة: سدانة الكعبة: وهي خدمتها، وتولي أمرها، وفتح بابها وإغلاقه". وفي نسخةٍ بدل "الحجابة": "السدانة". قالت بنو قصي: فينا الحجابة، يعنون حجابة البيت، وهي: سدانتها.

стр. 2489

إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ): منفذاً تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض حتى تطلع لهم آية يؤمنون بها، (أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَاتِيَهُمْ) منها (بِآيَةٍ) فافعل، يعني: أنك لا تستطيع ذلك. والمراد: بيان حرصه على إسلام قومه وتهالكه عليه، وأنه لو استطاع أن يأتيهم بآيةٍ من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿فَتَأتِيَهُم ﴿[منها] ﴿بِأَيَةٍ ﴿فافعل). "فافعل": جواب لقوله: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ ﴿، وهو مع جوابه: جواب لقوله: ﴿وإن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْرَاضُهُمْ ﴿. ثم من الجائز أن تعبر عن هذا المحذوف بالإخباري تارة، وبالإنشائي أخرى. ففيه وجوه ثلاثة: أحدها: المقدر: "أتيت" على الإخبار. وعنه بني قوله: "لأتي بها"، لأنه جعل "إن" بمعنى "لو"، ليؤذن أن فيه تعليق إسلام قومه بالمحال. والمعنى: بلغت من حرصك على إيمانهم بحيث إن قدرت أن تأتي بالمحال لأتيت. وتلخيصه: بيان حرصه على إسلام قومه على المبالغة. وثانيها: المقدر: "فافعل" على الأمر. وفيه نوع توبيخ. وتلخيصه: بيان حرصه على تبني مطلوب القوم من الاقتراحات. وهذا الوجه أبلغ، لأنه إذا وبخ على طلب ما اقترحوه من الآيات تعريضاً بهم، كان توبيخهم على اقتراحهم الآيات أولى وأجدر وأنسب إلى قوله: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجَاهِلِينَ ﴿لصراحته في التعريض. وثالثها: "لفعلت" على الإخبار أيضًا. لكن المعنى بابتغاء النفق والسلم نفس الآية والمعجزة، لإخراجها منهما.

стр. 2490

وقيل: كانوا يقترحون الآيات، فكان يورّ أن يجابوا إليها لتمادي حرصه على إيمانهم، فقيل له: إن استطعت ذلك فافعل، دلالةً على أنه بلغ من حرصه أنه لو استطاع ذلك لفعله حتى يأتيهم بما اقترحوا من الآيات لعلهم يؤمنون. ويجوز أن يكون ابتغاء النفق في الأرض أو السلم في السماء هو الإتيان بالآية، كأنه قيل: لو استطعت النفوذ إلى ما تحت الأرض أو الرقي إلى السماء لفعلت، لعل ذلك يكون لك آية يؤمنون عندها. وحذف جواب «إن» كما تقول: إن شئت أن تقوم بنا إلى فلانٍ نزوره. (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى) بأن يأتيهم بآيةٍ مُلجئة، ولكنه لا يفعل، لخروجه عن الحكمة، (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ): من الذين يجهلون ذلك ويرومون ما هو خلافه. (إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) يعني: أن الذين تحرص على أن يصدّقوك بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون، وإنما يستجيب من يسمع، كقوله: (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى) [النمل: ٨٠]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إن شئت أن تقوم بنا إلى فلانٍ نزوره). جوابه: "كان صواباً"، فدل متعلق ما في حيز الشرط به على أن الجواب ما هو. وكذلك تعلق ﴿فَتَاتِيَهُم ﴿بالشرط، يدل على أن الجزاء ما قدر، ولذلك ساغ حذفه. قوله: (يجهلون ذلك)، أي: يجهلون أنه لا يفعل ذلك، لخروجه عن الحكمة. وفيه رمز إلى مذهبه.
следующие страницы →