Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
فإنهم كذبوك وأنت صادق، وليشغلك عن ذلك ما هو أهمّ، وهو استعظامك بجحود آيات الله تعالى والاستهانة بكتابه. ونحوه قول السيد لغلامه - إذا أهانه بعض الناس -: إنهم لم يهينوك وإنما أهانونى! وفي هذه الطريقة قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ) [الفتح: ١٠].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويقال: أله عن الشيء: أي: اتركه.
والمعنى: أضرب عن الاشتغال بحزن نفسك، إلى الاشتغال بحزن ما هو أهم، وهو استعظام جحود آيات الله، والاستهانة بها.
فإن قيل: هذا غير مطابق للمثال والعادة، يقال: إذن تأمل، وقف على المطابقة، فإن قوله: ﴿ولَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿استدراك، وضع فيه مظهران موضع مضمرين، لشدة الخطب وعظم الأمر! وفيه تهديد للظالمين، وتنبيه لرسول الله ﷺ . كأنه قيل له: اشتغلت بخاصة نفسك، وذهلت عما هو أهم من ذلك، وهو ما تستعظمه من جحود آيات الله، والاستهانة بكتابه، ومن عادتك أن تؤثر حق الله على حق نفسك.
ويعضده ما روينا عن البخاري ومسلم ومالك وأبي داود، عن عائشة ﵂ قالت: "ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين قط، إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه: وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيءٍ قط، إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم".
وكذلك قول السيد: "وإنما أهانوني" وإن كان تهديداً للجاني، لكن فيه ردع للغلام عن تركه الأولى، وهو استعظام إهانة السيد.
стр. 2487
وقيل: (فإنهم لا يكذبونك) بقلوبهم، ولكنهم يجحدون بألسنتهم.
وقيل: (فإنهم لا يكذبونك) لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق، ولكنهم يجحدون بآيات الله. وعن ابن عباسٍ رضى الله عنه: كان رسول الله ﷺ يسمى الأمين، فعرفوا أنه لا يكذب في شيء، ولكنهم كانوا يجحدون، وكان أبو جهلٍ يقول: ما نكذبك وإنك عندنا لمصدق، وإنما نكذب ما جئتنا به.
وروي: أنّ الأخنس بن شريق قال لأبي جهل: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد، أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس عندنا أحدٌ غيرنا؟ فقال له: والله إن محمداً لصادق، وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قُصيّ باللواء والسقاية والحجابة والنبوّة؛ فماذا يكون لسائر قريش؟ ! فنزلت.
وقوله: (وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ) من إقامة الظاهر مقام المضمر، للدلالة على أنهم ظلموا في جحودهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: ﴿فَإنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ﴿بقلوبهم) عطف على قوله: "والمعنى: أن تكذيبك أمر راجع إلى الله". فعلى هذا معنى قوله: "يجحدون بألسنتهم" هو قولهم: ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿[ص: ٤].
قوله: (وقيل: ﴿فَإنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ ﴿، معنى قولهم: ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿: لا يريدون به تكذيبك، "لأنك عندهم الصادق"، ولكن مرادهم به أن ما جئت به من الآيات سحر وكذب، وهو المراد بقول أبي جهل: إنك عندنا لمصدق، وإنما نكذب ما جئتنا به.
والوجه هو الأول، لقوله: ﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا ﴿، فإنه عزاء وتسليه لرسول الله ﷺ فلا يليق بالوجهين الآخرين.
قوله: (باللواء والسقاية والحجابة): أي: والسدانة. النهاية: "سقاية الحاج: هي ما كانت
стр. 2488
[(وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ)].
(وَلَقَدْ كُذِّبَتْ) تسلية لرسول الله ﷺ ، وهذا دليل على أن قوله: (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ) [الأنعام: ٣٣] ليس بنفي لتكذيبه، وإنما هو من قولك لغلامك: ما أهانوك ولكنهم أهانوني، (عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا): على تكذيبهم وإيذائهم، (وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ): لمواعيده؛ من قوله: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ* إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ) [الصافات: ١٧١ - ١٧٢].
(وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ): بعض أنبائهم وقصصهم وما كابدوا من مصابرة المشركين.
[(وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَاتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ* إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)].
كان يكبر على النبي ﷺ كفر قومه وإعراضهم عما جاء به فنزل: (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ) [الشعراء: ٣]، (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) [القصص: ٥٦]، (وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء. وكان يليها العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام".
"واللواء: الراية، ولا يمسكها إلا صاحب الجيش".
"والسدانة: سدانة الكعبة: وهي خدمتها، وتولي أمرها، وفتح بابها وإغلاقه".
وفي نسخةٍ بدل "الحجابة": "السدانة". قالت بنو قصي: فينا الحجابة، يعنون حجابة البيت، وهي: سدانتها.
стр. 2489
إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ): منفذاً تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض حتى تطلع لهم آية يؤمنون بها، (أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَاتِيَهُمْ) منها (بِآيَةٍ) فافعل، يعني: أنك لا تستطيع ذلك. والمراد: بيان حرصه على إسلام قومه وتهالكه عليه، وأنه لو استطاع أن يأتيهم بآيةٍ من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿فَتَأتِيَهُم ﴿[منها] ﴿بِأَيَةٍ ﴿فافعل). "فافعل": جواب لقوله: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ ﴿، وهو مع جوابه: جواب لقوله: ﴿وإن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْرَاضُهُمْ ﴿. ثم من الجائز أن تعبر عن هذا المحذوف بالإخباري تارة، وبالإنشائي أخرى. ففيه وجوه ثلاثة:
أحدها: المقدر: "أتيت" على الإخبار. وعنه بني قوله: "لأتي بها"، لأنه جعل "إن" بمعنى "لو"، ليؤذن أن فيه تعليق إسلام قومه بالمحال. والمعنى: بلغت من حرصك على إيمانهم بحيث إن قدرت أن تأتي بالمحال لأتيت. وتلخيصه: بيان حرصه على إسلام قومه على المبالغة.
وثانيها: المقدر: "فافعل" على الأمر. وفيه نوع توبيخ. وتلخيصه: بيان حرصه على تبني مطلوب القوم من الاقتراحات. وهذا الوجه أبلغ، لأنه إذا وبخ على طلب ما اقترحوه من الآيات تعريضاً بهم، كان توبيخهم على اقتراحهم الآيات أولى وأجدر وأنسب إلى قوله: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجَاهِلِينَ ﴿لصراحته في التعريض.
وثالثها: "لفعلت" على الإخبار أيضًا. لكن المعنى بابتغاء النفق والسلم نفس الآية والمعجزة، لإخراجها منهما.
стр. 2490
وقيل: كانوا يقترحون الآيات، فكان يورّ أن يجابوا إليها لتمادي حرصه على إيمانهم، فقيل له: إن استطعت ذلك فافعل، دلالةً على أنه بلغ من حرصه أنه لو استطاع ذلك لفعله حتى يأتيهم بما اقترحوا من الآيات لعلهم يؤمنون.
ويجوز أن يكون ابتغاء النفق في الأرض أو السلم في السماء هو الإتيان بالآية، كأنه قيل: لو استطعت النفوذ إلى ما تحت الأرض أو الرقي إلى السماء لفعلت، لعل ذلك يكون لك آية يؤمنون عندها.
وحذف جواب «إن» كما تقول: إن شئت أن تقوم بنا إلى فلانٍ نزوره.
(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى) بأن يأتيهم بآيةٍ مُلجئة، ولكنه لا يفعل، لخروجه عن الحكمة، (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ): من الذين يجهلون ذلك ويرومون ما هو خلافه.
(إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) يعني: أن الذين تحرص على أن يصدّقوك بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون، وإنما يستجيب من يسمع، كقوله: (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى) [النمل: ٨٠].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إن شئت أن تقوم بنا إلى فلانٍ نزوره). جوابه: "كان صواباً"، فدل متعلق ما في حيز الشرط به على أن الجواب ما هو. وكذلك تعلق ﴿فَتَاتِيَهُم ﴿بالشرط، يدل على أن الجزاء ما قدر، ولذلك ساغ حذفه.
قوله: (يجهلون ذلك)، أي: يجهلون أنه لا يفعل ذلك، لخروجه عن الحكمة. وفيه رمز إلى مذهبه.
стр. 2491
(وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ) مثلٌ لقدرته على إلجائهم إلى الاستجابة بأنه هو الذي يبعث الموتى من القبور يوم القيامة، (ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) للجزاء، فكان قادراً على هؤلاء الموتى بالكفر أن يحييهم بالإيمان، وأنت لا تقدر على ذلك.
وقيل معناه: وهؤلاء الموتى - يعني: الكفرة - يبعثهم الله، (ثم إليه يرجعون): فحينئذٍ يسمعون، وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى استماعهم. وقرئ: "يرجعون"، بفتح الياء.
[(وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ)].
(لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ): (نزل) بمعنى: أُنزل. وقرئ (أن ينزل) بالتشديد والتخفيف، وذكر الفعل والفاعل مؤنث، لأن تأنيث "آية" غير حقيقي، وحسن للفصل، وإنما قالوا ذلك مع تكاثر ما أُنزل من الآيات على رسول الله ﷺ ، لتركهم الاعتداد بما أنزل عليه، كأنه لم ينزل عليه شيءٌ من الآيات؛ عناداً منهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿والْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ﴿: مثل لقدرته)، أي: استشهاد لتقرير الإنكار السابق، وإقناط كلي لرسول الله ﷺ عن إيمان القوم، يعني: أنك لا تقدر أن تسمعهم، لأنهم كالموتى، وإنما القادر على ذلك من يقدر على تلك القدرة العظيمة، وهي بعث الموتى من القبور.
والباء في قوله: "بأنه هو الذي يبعث الموتى"، قيل: هو متعلق بـ"مثل" من حيث المعنى، أي: قوله: ﴿والْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ﴿مثل ضربه الله لقدرته، بأنه هو الذي يبعث الموتى.
قوله: (وقرئ ﴿أَن يُنَزِّلَ ﴿بالتشديد والتخفيف): ابن كثير وحده.
стр. 2492
(قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً) تضطرهم إلى الإيمان، كنتق الجبل على بني إسرائيل ونحوه، أو آية إن جحدوها جاءهم العذاب، (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) أنّ الله قادر على أن ينزل تلك الآية، وأن صارفاً من الحكمة يصرفه عن إنزالها.
[(وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ)].
(أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ) مكتوبةٌ أرزاقها وآجالها وأعمالها كما كتبت أرزاقكم وآجالكم وأعمالكم (ما فَرَّطْنا): ما تركنا وما أغفلنا (فِي الْكِتابِ): في اللوح المحفوظ (مِنْ شَيْءٍ) من ذلك لم نكتبه ولم نثبت ما وجب أن يثبت مما يختص به، (ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) يعني الأمم كلها من الدواب والطير، فيعوضها وينصف بعضها من بعض، كما روي: "أنه يأخذ للجماء من القرناء".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿مِن شَيْءٍ ﴿من ذلك لم نكتبه). قيل: "لم نكتبه": حال من ضمير "تركنا". وليس بذلك، لأن "من ذلك" صفة ﴿شَيْءٍ ﴿، و"من" بيان، فلذلك "لم نكتبه": صفة أخرى، أو حال منه. "ولم نثبت": عطف تفسيري.
المعنى: ما تركنا في اللوح من شيءٍ كائنٍ من المذكور، ومتصل به، غير مكتوب، ولا مثبت فيه البتة. و"من" في "متما يختص به" بيان "ما". والضمير في "يختص" يعود إلى "ما". والمجرور يعود إلى "الكتاب".
قوله: (يأخذ للجماء من القرناء). روينا عن مسلمٍ والترمذي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء".
стр. 2493
فإن قلت: كيف قيل: (إِلَّا أُمَمٌ) مع إفراد "الدابة" و"الطائر"؟ فإن قلت: لما كان قوله تعالى: (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ) دالاً على معنى الاستغراق ومغنياً عن أن يقال: وما من دواب ولا طير، حُمل قوله: (إِلَّا أُمَمٌ) على المعنى.
فإن قلت، هلا قيل: وما من دابة ولا طائرٍ إلا أمم أمثالكم؟ وما معنى زيادة قوله: (فِي الْأَرْضِ) و (يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ)؟ قلت: معنى ذلك زيادة التعميم والإحاطة، كأنه قيل: وما من دابة فقط في جميع الأرضين السبع، وما من طائرٍ قط في جو السماء من جميع ما يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم محفوظة أحوالها غير مهملٍ أمرها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الحديث استشهد به لقوله: "وينصف بعضها من بعض"، لا لقوله: "فيعوضها"، لأنه لا يثبت التعويض إلا إلى المكلفين، لأن قوله: "يعني الأمم كلها" مشتمل على المكلفين وغير المكلفين.
قوله: (معنى ذلك زيادة التعميم والإحاطة) فيه أن منزلة ﴿فيِ الأَرضِ ﴿، و ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ﴿من ﴿دَآبةٍ ﴿و ﴿طَيرٍ ﴿منزلة المؤكد مع المؤكد للشمول. ولهذا قال: "قط في جميع الأرضين السبع، وما من طائرٍ قط في جو السماء".
قال الزجاج: "قال: ﴿بِجَنَاحَيْهِ ﴿على جهةِ التوكيد، لأنك قد تقول للرجل: طر في حاجتي، أي: أسرع. وجميع ما خلق الله ليس يخلو من هاتين المنزلتين: إما أن يدب أو يطير".
قلت: عنى أن تعميم الجنسين كما حصل بالتوكيد حصل تعميم الحيوان بتكرير لفظ الدابة، ولفظ الطائر. وإلى هذا المعنى ينظر قول المصنف: "إن المكلفين ليسوا بمخصوصين بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان". وقول صاحب "المفتاح": "ذكر ﴿فِي الأَرْضِ ﴿مع ﴿دَآبةٍ ﴿، و ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ﴿مع ﴿طَيرٍ ﴿لبيان أن القصد من لفظ ﴿دَآبةٍ ﴿ولفظ ﴿طَيرٍ ﴿
стр. 2494
فإن قلت: فما الغرض في ذكر ذلك؟ قلت: الدلالة على عظم قدرته، ولطف علمه، وسعة سلطانه وتدبيره: تلك الخلائق المتفاوتة الأجناس، المتكاثرة الأصناف، وهو حافظ لما لها وما عليها، مهيمنٌ على أحوالها، لا يشغله شأن عن شأن، وأنّ المكلفين ليسوا بمخصوصين بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان.
وقرأ ابن أبي عبلة: "ولا طائر"؛ بالرفع على المحل، كأنه قيل: وما دابة ولا طائر. وقرأ علقمة: "ما فرطنا"؛ بالتخفيف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنما هو إلى الجنسين، وإلى تقريرهما". قوله: "وإلى تقريرهما" تفسير لقوله: "إلى الجنسين". والمراد به التوكيد لا غير. وقد يظن أن قوله: "من هذا الباب من وجه"، أن الوجه الآخر ما ذكره صاحب "الكشاف"، وهو وهم، لأن مراده أنه لو أطلق ﴿مِن دَابَّةٍ ﴿، ﴿ولا طَائِرٍ ﴿غير مؤكدين، ربما اختلج في ذهن السامع إرادة غير الجنسين، وأن المراد بهما غير المتعارف، لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿إلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ﴿، فلا يحصل الشمول المقصود، فأزيل الوهم بما يفيد أن القصد إلى الجنسين وإلى تقريرهما. أي: هو من باب البيان من هذا الوجه.
وما عليه أصحاب المعاني غير ما عليه النحويون، فإنهم يحملون سائر التوابع على البيان والتوضيح. وقد سبق في "الفاتحة" أن البدل تفسير وتوضيح للمبدل.
وقال المصنف في قراءة من قرأ: "أإزرا تتخذ أصناماً آلهة": " [معناه: أتعبد] على الإنكار، ثم قال: "تتخذ أصناماً آلهة" تثبيتاً لذلك وتقريراً، وهو داخل في حكم الإنكار، لأنه كالبيان له".
стр. 2495
[(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَا يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)].
فإن قلت: كيف أتبعه قوله: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا)؟ قلت: لما ذكر من خلائقه وآثار قدرته ما يشهد لربوبيته، وينادي على عظمته، قال: والمكذبون (صُمٌّ): لا يسمعون كلام المنبه (وَبُكْمٌ): لا ينطقون بالحق، خابطون في ظلمات الكفر، فهم غافلون عن تأمل ذلك والتفكر فيه، ثم قال إيذاناً بأنهم من أهل الطبع: (مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ) أي: يخذله ويخله وضلاله لم يلطف به، لأنه ليس من أهل اللطف، (وَمَنْ يَشَا يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) أي: يلطف به لأنّ اللطف يجدي عليه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ألا ترى كيف جعل التأكيد بياناً؟ وكيف يعني بقوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ﴿أنه من باب عطف البيان! والمبين كالترجمة والتفسير لما اشتمل عليه المبين من الإبهام، وهو عين التأكيد؟
قال الإمام: "هو كقولهم: نعجة أنثى، وكلمته بقي، ومشيت برجلي".
قال صاحب "التقريب": "في قول المصنف نظر، لأنهما صفتان، فهما بالدلالة على التخصيص أولى من التعميم".
وأجيب: أن التوكيد لا ينافي الصفة، كقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّمَا هُوَ إلَهٌ واحِدٌ ﴿[النحل: ٥١]، و ﴿نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ﴿[الحاقة: ١٣]، وقولهم: "أمس الزائل لا يعود"، وأن التعميم نوع من التخصيص.
قوله: (ثم قال: إيذاناً بأنهم من أهل الطبع: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ﴿). ما أظهر دلالته على مذهب أهل السنة! وذلك أنه تعالى لما أنكر على رسول الله ﷺ حرصه على إسلام قومه،
стр. 2496
[(قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ)].
(أَرَأَيْتَكُمْ) أخبروني، والضمير الثاني لا محل له من الإعراب، لأنك تقول: أرأيتك زيداً ما شأنه؟ فلو جعلت للكاف محلاً لكنت كأنك تقول: أرأيت نفسك زيداً ما شأنه؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وتهالكه عليه، ذلك الإنكار البليغ، وضرب لهم مثلاً بالموتى أتى بقوله: ﴿ومَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ ﴿الآية [الأنعام: ٣٨]، بياناً لربوبيته، وشاهداً على عظمة ألوهيته. وعقبه بقوله: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ ﴿[الأنعام: ٣٩]، ليدل به على أن هؤلاء الكفرة، مع هذه الأدلة الظاهرة، والأنوار الساطعة، خابطون في ظلمات الكفر، صم لا يسمعون كلام المنبه، بكم لا ينطقون بالحق.
يعني أنه ليس في مقدورك هدايتهم ﴿وسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴿[البقرة: ٦] لأن ذلك مبني على المشيئة، وعلمه السابق. ﴿ولَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ ﴿[السجدة: ١٣]. وكم ترى من آيات هذا الكتاب الكريم معاضدة بعضها بعضاً في هذا المعنى، كما أشرنا إليها في أماكنها.
وأما قول المصنف: " ﴿يُضْلِلْهُ ﴿، أي: يخذله ويخله وضلاله" فهو نابٍ عن مظانه، كأنه جاء يرقعه ليسد ثلمه، هيهات! "اتسع الخرق على الراقع".
قوله: (والضمير الثاني لا محل له من الإعراب). قال الزجاج: "ذهب الفراء إلى أن الكاف في "أرأيتك" لفظها نصب، ومعناها رفع. نحو: "دونك زيداً"، الكاف مخفوض لفظاً، مرفوع معنى، لأن المعنى: خذ زيداً. وهذا خطأ، لأن "أرأيت" في قولك: أرأيتك زيداً ما شأنه؟
стр. 2497
وهو خلفٌ من القول، ومتعلق الاستخبار محذوف، تقديره: (إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ) من تدعون؟ ثم بكتهم بقوله: (أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ) بمعنى: أتخصون آلهتكم بالدعوة فيما هو عادتكم إذا أصابكم ضرّ، أم تدعون الله دونها؟
(بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ): بل تخصونه بالدعاء دون الآلهة، (فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ) أي: ما تدعونه إلى كشفه (إِنْ شاءَ) إن أراد أن يتفضل عليكم ولم يكن مفسدة (وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ): وتتركون آلهتكم، ولا تذكرونها في ذلك الوقت، لأنّ أذهانكم مغمورة بذكر ربكم وحده، إذ هو القادر على كشف الضر دون غيره. ويجوز أن يتعلق الاستخبار بقوله: (أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ) كأنه قيل: أرأيتكم أغير الله تدعون إن أتاكم عذاب الله؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعدت إلى الكاف وإلى "زيد"، فصار لها اسمان، والمعنى: أرأيت نفسك زيداً ما حاله؟ وهذا محال. والذي يعتمد عليه أن الكاف زائدة لا موضع لها، والمعنى: أرأيت زيداً ما حاله؟ والكاف لبيان الخطاب، وهي المعتمد عليها في الخطاب، فتقول للمؤنث: أرأيتك زيداً ما حاله؟ بفتح التاء على أصل خطاب المذكر، وبكسر الكاف، لأنها صارت مبينة للخطاب. أرأيتكما، وأرأيتكم، وأرأيتكن زيداً ما حاله؟ فتوحد التاء فيها. فإن عديت الفاعل إلى المفعول في هذا الباب، صارت الكاف مفعوله. تقول: أرايتني عالماً بفلان؟ أرأيتك، أرأيتكما، وأرأيتكم عالماً وعالمين وعالمين بفلان؟ ".
قوله: (خلف من القول) بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام، الجوهري: يقال في خلف القول: سكت ألفاً ونطقت خلفاً، أي: رديئاً.
قوله: (وتتركون آلهتكم، أو لا تذكرونها في ذلك الوقت، لأن أذهانكم مغمورة بذكر ربكم). نقل الإمام "أن بعض الزنادقة - خذلهم الله - أنكر الصانع عند جعفر الصادق
стр. 2498
فإن قلت: إن علقت الاستخبار به، فما تصنع بقوله: (فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ) مع قوله: (أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ)، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
﵁، فقال جعفر: هل ركبت البحر؟ قال: بلى. قال: هل رأيت أهواله؟ قال: بلى، هاجت يوماً رياح هائلة، فكسرت السفن، وغرق الملاحون، فتعلقت ببعض ألواحها، ثم ذهب عني اللوح، فدفعت إلى تلاطم الأمواج، حتى حصلت بالساحل. قال جعفر ﵁: قد كان اعتمادك من قبل على السفينة وعلى الملاح، وعلى اللوح، فلما ذهبت، هل أسلمت نفسك للهلاك، أم كنت ترجو السلامة بعد ذلك؟ قال: بل رجوت السلامة. قال: ممن؟ فكست: فقال جعفر ﵁: إن الصانع هو الذي كنت ترجوه ذلك الوقت، وهو الذي أنجاك. فأسلم الرجل".
قوله: (فإن علقت الاستخبار به، فما تصنع؟ ). قال صاحب "التقريب": "لم يرد السؤال على الأول، لأن الشرطين وهما: ﴿إنْ أَتَاكُمْ ﴿، ﴿أَوْ أَتَتْكُمُ ﴿يتعلقان فيه بالمضمر، وهو "من تدعون؟ " وينقطع قوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ ﴿عما قبله، فلا يتوهم تقيد الكشف بالشرطين. وفي الثاني لا يتعلقان بمضمر، فيلزم تعليق الشرطين بما بعدهما، وهو قوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ ﴿، فيتوهم تقييد الكشف بالشرطين، ولذلك خصصه بالسؤال. وفيه دقة".
وقلت: تحرير السؤال: إن علقت ﴿أَرَءَيتكُمْ ﴿بقوله: "من تدعون" المقدر، على أنه مفعوله، والدال عليه ما بعد الاستفهام، فالمعنى: أخبروني من تدعون ﴿إنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ ﴿فيتم الكلام عنده، ثم استؤنف مقرر لذلك المعنى، سائلاً عن الواقع في الدنيا، وما شوهد منهم في الشدائد، سؤال تبكيت: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ ﴿أي: أتخصون آلهتكم بالدعوة؟
стр. 2499
وقوارع الساعة لا تكشف عن المشركين؟ قلت: قد اشترط في الكشف المشيئة، وهو قوله: (إِنْ شاءَ)؛ إيذاناً بأنه إن فعل كان له وجه من الحكمة، إلا أنه لا يفعل لوجهٍ آخر من الحكمة أرجح منه.
[(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَاساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ* فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَاسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ* فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ* فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا بل أنتم قوم عادتكم أنكم تخصون الله بالدعاء عند الكرب والشدائد، فيكشف ما تدعون إليه.
وإن علقته بالاستفهام، أي: بقوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ ﴿، يكون هو الدال على الجزاء. فالمعنى: أخبروني إن أتتكم الساعة: أدعوتم غير الله، أم دعوتم الله، فيكشف ما تدعون؟ ودخلت همزة الاستفهام لمزيد التقرير، وحينئذ يلزم كشف قوارع الساعة عنهم، وهي لا تنكشف عن الكفار.
قال أبو البقاء: "مفعول ﴿أَرَءَيْتَكُمْ ﴿محذوف، أي: أرأيتكم عبادتكم الأصنام؟ دل عليه قوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ ﴿. وقيل: الشرط والجزاء مفعوله. وأما جواب الشرط فما دل عليه الاستفهام، أي: إن أتتكم الساعة دعوتم الله".
قوله: (قوارع الساعة)، الجوهري: "القارعة: الشديدة من شدائد الدهر، وهي الداهية. يقال: قرعتهم قوارع الدهر، أي: أصابتهم".
стр. 2500
البأساء والضراء: البؤس والضر. وقيل: البأساء: القحط والجوع. والضراء: المرض ونقصان الأموال والأنفس. والمعنى: ولقد أرسلنا إليهم الرسل، فكذبوهم فأخذناهم. (لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ): يتذللون ويتخشعون لربهم ويتوبون عن ذنوبهم.
(فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَاسُنا تَضَرَّعُوا) معناه: نفي التضرع، كأنه قيل: فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا. ولكنه جاء بـ"لولا" ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم، وقسوة قلوبهم، وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم.
(فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ) من البأساء والضراء، أي: تركوا الاتعاظ به ولم ينفع فيهم ولم يزجرهم، (فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ) من الصحة والسعة وصنوف النعمة، ليراوح عليهم بين نوبتي الضراء والسراء، ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولكنه جاء بـ"لولا" ليفيد أنه لم يكن لهم عذر)، وذلك أن "لولا" إذا دخلت على المضي أفاد التنديم والتوبيخ، كأنه قيل: لم لم يتضرعوا؟ وليتهم تضرعوا، وكانوا متمكنين منه، غير ممنوعين. وإليه الإشارة بقوله: "لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم". ولو بقي التضرع صريحاً لم يدل عليه عدم المانع من التضرع.
قال صاحب "المفتاح": "فإذا قيل: "هلا أكرمت زيداً؟ "، فكأن المعنى: ليتك أكرمت زيداً، متولداً منه معنى التنديم".
قوله: (ليراوح عليهم)، الجوهري: "المراوحة في العملين: أن يعمل هذا مرة وهذا مرة. وتقول: راوح بين رجليه: إذا قام على إحداهما مرة، وعلى الأخرى مرة".
стр. 2501
كما يفعل الأب المشفق بولده؛ يخاشنه تارة ويلاطفه أخرى؛ طلباً لصلاحه، (حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا) من الخير والنعم، لم يزيدوا على الفرح والبطر، من غير انتدابٍ لشكر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: (ليراوح عليهم) إلى قوله: (كما يفعل الأب المشفق) لا يصلح أن يكون تعليلاً لقوله تعالى: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴿، لأن هذا مكر واستدراج من حيث لا يعلمون، وذلك تثقيف وتأديب.
روينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ قال: "إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب: فإنما هو استدراج". ثم تلا رسول الله ﷺ ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴿، الآية، أي: تركوا الاتعاظ من البأساء والضراء. نعم في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَاسَاءِ والضَّرَّاءِ ﴿رائحة من تأديب الأب المشفق. ونظيره قوله تعالى: ﴿ومَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَاسَاءِ والضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ والسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وهُمْ لا يَشْعُرُونَ ﴿[الأعراف: ٩٤ - ٩٥].
قوله: (لم يزيدوا على الفرح والبطر من غير انتدابٍ لشكر، ولا تصد لتوبة): ليس جوابا لقوله: ﴿إذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا ﴿، بل هو تفسير له، والجواب: ﴿أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً ﴿، وقوله: "من غير انتدابٍ لشكر" قيل: هو حال من المجرورين، و"من": ابتدائية، أي: لم يزيدوا على الفرح والبطر، كائنين من عدم الشكر والتوبة، وذلك أنه تعالى حكي عن حال الأمم الخالية، الذين بطرت معيشتهم فأخذهم بالبأساء، ليتضرعوا ويتوبوا، فما تضرعوا، ثم فتح عليهم أبواب
стр. 2502
ولا تصدّ لتوبةٍ واعتذار، (أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ): واجمون متحسرون آيسون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الخيرات ليشكروا فما شكروا وداموا على ما كانوا عليه من البطر، وما غيروا من حالهم.
وقيل: هو صفة "شيئاً" مفعول "لم يزيدوا". ويدفعه لفظة "غير"، وقيل: هو حال من فاعل "لم يزيدوا"، و"من": مزيدة، أي: لم يزيدوا على الفرح حال كونهم غير منتدبين لشكر، ولا متصدين لتوبة. ويمكن أن يقال: إنه صفة مصدرٍ محذوفٍ من حيث المعنى، وإن القرينتين عبارتان عن عدم تغيير الحال، أي: أخذناهم بالبأساء ليتضرعوا ويتوبوا، ثم فتحنا عليهم أبواب السماء ليشكروا، فما نفعهم ذلك. كأنه قيل: حتى إذا استمروا على البطر استمراراً من غير انتدابٍ لشكر، ولا تصد لتوبةٍ، أخذناهم بغتة. نظيره: ما ذكره في "القصص": "الغابط: هو الذي يتمنى مثل نعمة صاحبه، من غير أن تزول عنه". وفي الحديث: "من سن سنة حسنةً، فله أجرها وأجر من عمل بها، من غير أن ينقص من أجورهم شيء".
هذا على تقرير المصنف، لكن معنى الآية ما ذكرناه. والله أعلم.
قوله: "من غير انتدابٍ لشكر"، يقال: ندبه لأمر، فانتدب له: أي: دعاه له، فأجاب.
قوله: (﴿أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً ﴿. قال أبو البقاء: " ﴿بَغْتَةً ﴿: مصدر في موضع الحال من الفاعل، أي: مباغتين، أو من المفعولين، أي: مبغوتين. ويجوز أن يكون مصدراً على المعنى، لأن ﴿أَخَذْنَاهُم ﴿بمعنى: "بغتناهم"، و ﴿إِذَا ﴿للمفاجأة، وهي ظرف مكان، و ﴿هُم ﴿: مبتدأ، و ﴿مُبْلِسُونَ ﴿: خبره، وهو العامل في ﴿إذَا ﴿".
قوله: (وأجمون)، الجوهري: "وجم من الأمر وجوماً، والواجم: الذي اشتد حزنه حتى أمسك عن الكلام".
стр. 2503
(فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ): آخرهم، لم يترك منهم أحد، قد استؤصلت شأفتهم، (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) إيذانٌ بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراغب: "الإبلاس: الحزن من شدة البأس، ومنه اشتق "إبليس" فيما قيل. ولما كان المبلس كثيراً ما يلزم السكوت، وينسى ما يعنيه، قيل: أبلس فلان: إذا سكت وإذا انقطعت حجته".
قوله: (قد استؤصلت شأفتهم)، أي: أذهبهم الله. النهاية: "الشأفة بالهمز وغير الهمز: قرحة تخرج في أسفل القدم، فتقط وتكوى، فتذهب. ومنه قولهم: استأصل الله شأفته: أي أذهبه".
قوله: (إيذان بوجوب الحمد [الله] عند هلاك الظلمة). هذا يؤذن أن ﴿والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ ﴿- كما قال في الكواشي - إخبار بمعنى الأمر: أي: احمدوا الله. وكذا كل ما ورد في القرآن من هذا. ثم "الحمد" على ما سبق في أول الكتاب، قد يكون شكراً للصنيعة، وقد يكون للثناء على الفضائل الاختيارية.
أما بذله على الشكر فإن قوله: ﴿ولَقَدْ أَرْسَلْنَا إلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَاسَاءِ ﴿إلى قوله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴿وارد ليسلي رسول الله ﷺ ، يعني: هؤلاء المشركون الذين تدعوهم إلى الله، وهم يعاندون، ويكذبونك، لابد أن يكون لهم أسوة بمن قبلهم في هلاكهم وتدميرهم، واستئصال شأفتهم، فإذا تم عليهم ذلك، فاحمد الله على طهارة الأرض من عبث الظلمة.
فالرب على هذا فيه معنى التربية، لأن في هلاكهم تخليصاً لأهل الأرض من شؤم عقائدهم وإضلالهم، واحتباس الخير النازل من السماء. وذلك نعمة جليلة يجب أن يحمد عليها.
وأما بذله على الفضائل الاختيارية، فإنه تعالى لما ذكر إهلاك المتمردين، وتطهير الأرض
стр. 2504
وأنه من أجلّ النعم وأجزل القسم. وقرئ «فتحنا» بالتشديد.
[(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَاتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ)].
(إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ) بأن يصمكم ويعميكم، (وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ) بأن يغطي عليها ما يذهب عنده فهمكم وعقلكم (يَاتِيكُمْ بِهِ) أي: يأتيكم بذاك، إجراءً للضمير مجرى اسم الإشارة ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من أدناسهم، مدح نفسه المقدسة بالقهارية والعظمة. فالرب على هذا بمعنى المالك. فالمعنى: الحمد لله الملك القهار، الذي له الكبرياء والعظمة، وله التصرف في ملكه كيف شاء.
وهذا أحرى في الإيراد، لأن قوله: ﴿والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ ﴿مجرى على ظاهر الإخبار. فيكون قوله: ﴿ولَقَدْ أَرْسَلْنَا ﴿إلى آخر ﴿والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ ﴿، على التقديرين، معترضاً بين قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ ﴿، وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ ﴿، مؤكداً لمضمون معنى الكلامين.
قوله: (وقرئ: "فتحنا" بالتشديد): ابن عامر. والباقون: بالتخفيف.
قوله: (إجراء للضمير مجرى اسم الإشارة)، نحو قول رؤبة:
فيها خطوط من سوادٍ وبلق … كأنه في الجلد توليع البهق
стр. 2505
أو بما أخذ وختم عليه يَصْدِفُونَ يعرضون عن الآيات بعد ظهورها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال أبو عبيدة: "إن أردت الخطوط فقل: كأنها، وإن أردت السواد والبلق فقل: كأنهما، فقال: أردت: كأن ذالك".
قوله: (أو بما أخذ وختم عليه). قال الزجاج: "الهاء تعود على معنى الفعل: "أي: يأتيكم" بما أخذ منكم. ويجوز أن يكون ﴿يَاتِيكُم بِهِ ﴿أي: بسمعكم، ويكون ما عطف على السمع داخلاًً معه في القصة، إذ كان معطوفاً على السمع: أي ﴿سَمْعَكُمْ وأَبْصَارَكُمْ ﴿إلى آخره".
قوله: (﴿يَصْدِفُونَ ﴿: يعرضون عن الآيات بعد ظهورها). قال القاضي: " ﴿نُصَرِّفُ الآيَاتِ ﴿: نكررها تارةً من جهة المقدمات العقلية، وتارة من جهة الترغيب والترهيب، وتارةً بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين، وهم يعرضون عنها".
وقلت مزيداً للتقرير: إن قوله: "بعد ظهورها" دل على أن "ثم" للاستبعاد، كما في قوله تعالى: ﴿ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ﴿[السجدة: ٢٢]. وإن التعريف في "الآيات" للعهد، وهي الآيات المكررة من أول السورة، سيما من قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ ﴿[الأنعام: ٤٠] وما يشبهه، وإن هذه الآية كالمعترضة توكيداً للتذكير والاعتبار.
وأيضًا، إن كلمة ﴿اُنظُر ﴿معطية معنى التعجب، نحو: ألم تر؟ و: أرأيت؟ تعجب السامع من شدة شكيمة أولئك المشركين، وإصرارهم على العناد، ونفورهم عن الحق، بعد تكرير الآيات المنذرة المخوفة، كقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا ومَا يَزِيدُهُمْ إلاَّ نُفُورًا ﴿[الإسراء: ٤١].
стр. 2506
[(قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ)].
لما كانت البغتة أن يقع الأمر من غير أن يشعر به وتظهر أماراته، قيل: (بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً)، وعن الحسن: ليلاً أو نهاراً. وقرئ: "بغتة أو جهرة"، (هَلْ يُهْلَكُ) أي: ما يهلك هلاك تعذيب وسخط إلا الظالمون. وقرئ. هل يهلك بفتح الياء.
[(وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون)].
(مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) من آمن بهم وبما جاءوا به وأطاعهم، ومن كذبهم وعصاهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قلت: فلم قرنت هذه الآية من بين تلك الآي المنذرة بهذه؟ قلت: لأن تلك واردة في التخويف بالعذاب النازل من الخارج، وهذه من نفس المخاطب. يعني: إن أنشأنا العذاب من ذاتكم وما أنتم به أهم، من إله غير الله ينجيكم منها؟ ﴿انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ﴿. ومن ثم كان دلائل الأنفس أدق وأفيد للناظر من دلائل الآفاق.
قوله: (لما كانت البغتة)، يعني: ﴿جَهْرَةً ﴿: لا تقابل ﴿بَغْتَةً ﴿من حيث اللفظ، لأن مقابل "الجهرة": "الخفية". لكن معنى ﴿بَغْتَةً ﴿: وقوع الأمر من غير الشعور، فكأنها في معنى "خفية"، فحسن لذلك أن يقال: ﴿بغتةً أو جهرةً ﴿.
стр. 2507
ولم يرسلهم ليتلهى بهم ويقترح عليهم الآيات بعد وضوح أمرهم بالبراهين القاطعة (وَأَصْلَحَ) ما يجب عليه إصلاحه مما كلف.
[(وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ)].
جعل العذاب ماساً، كأنه حيّ يفعل بهم ما يريد من الآلام، ومنه قولهم: لقيت منه الأمرّين والأقورين، حيث جمعوا جمع العقلاء، وقوله: (إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً)] [الفرقان: ١٢].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لم يرسلهم ليتهلي بهم ويقترح عليهم الآيات): إشارة إلى اتصال هذه الآية بقوله تعالى: ﴿وقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ﴿[الأنعام: ٣٧] الآيات. الجوهري: "لهوت بالشيء، ألهو لهواً: إذا لعبت به. وتلهيت به: مثله". يعني: ليسخر بهم.
قوله: (كأنه حي يفعل بهم ما يريد من الآلام). يجوز أن يريد أن الاستعارة واقعة في "المس" فتكون تبعية، أو في ﴿اَلْعَذَابُ ﴿فتكون مكنية. والظاهر الثاني، بشهادة الاستشهاد بـ"الأمرين".
قوله: (الأمرين). روى الجوهري عن أبي زيد: "لقيت منه الأمرين، بنون الجمع: وهي الدواهي"، وعن الكسائي: "لقيت منه الأقورين، بكسر الراء، والأقوريات: وهي الدواهي العظام".
وقال الميداني: "لقيت منه الأقورين والفتكرين والبرحين: إذا لقي منه الأمور العظام".
والأقورين: من: قوره، أي: قطعه مدوراً. والبرحين، بالضم والكسر، أي: الشدة.
стр. 2508
[(قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ)].
أي: لا أدعي ما يستبعد في العقول أن يكون لبشرٍ من ملك خزائن الله - وهي قسمه بين الخلق وأرزاقه- وعلم الغيب، وأني من الملائكة الذين هم أشرف جنسٍ خلقه الله تعالى، وأفضله وأقربه منزلةً منه. أي: لم أدّع إلهية ولا ملكية؛ .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي: لا أدعي ما يستبعد في العقول). قيل: المناسب: ما يستحيل ويمتنع، لأن المراد: لا أدعى الإلهية. كأنه يريد بالمستبعد: المستحيل، لقوله بعد هذا: "والمحال: وهو الإلهية والملكية".
قوله: (وأني من الملائكة) بفتح الهمزة قيل: هو عطف على قوله: "ما يستبعد". والوجه: العطف على قوله: "أن يكون لبشر"، ليكون داخلاً في حكم الاستبعاد، أي: لا أدعي ما يستعبد في العقول من أن يكون عندي ملك خزائن الله، وأني من الملائكة. والدليل عليه قوله: "والمحال: وهو الإلهية والملكية". وإنما وضع "لبشر" موضع "أني أملك خزائن الله"، ليشعر بالعلية، وهي: البشرية مما ينافي الإلهية والملكية.
قوله: (أي: لم أدع إليهةً ولا ملكية). جعل مجموع قوله تعالى: ﴿عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ ولا أَعْلَمُ الغَيْبَ ﴿عبارة عن معنى الإلهية، لأن قسمة الأرزاق بين العباد، ومعرفة علم الغيب، مخصوصتان به، ولهذا كرر في التنزيل لفظ: ﴿ولا أَقُولُ ﴿.
وهذا النسق يهدم قاعدة استدلاله في قوله تعالى: ﴿لَن يَسْتَنكِفَ المَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ ﴿[النساء: ١٧٢] على تفضيل الملك على البشر، لأن الترقي لا يكون من الأعلى إلى الأدنى، يعني من الإلهية إلى الملكية.
وأما قوله: "الذين هم أشرف جنسٍ خلقه الله، وأفضله" فهو بعيد، لأن سياق هذه الآية
стр. 2509
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الرد على اقتراح المشركين على رسول الله ﷺ وطلبهم الآيات يدل عليه إجمالاً قوله: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَاتِيَهُم بِآيَةٍ ﴿[الأنعام: ٣٥]، وقوله: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ﴿[الأنعام: ٣٧].
كما قال الزجاج: "هذه الآية متصلة بقوله: ﴿لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴿[الأنعام: ٨]، وقوله: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ﴿[الأنعام: ٣٧] ". وهذه الآية كالجواب عن تفصيل تلك الآيات، فقوله: ﴿لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ ولا أَعْلَمُ الغَيْبَ ﴿: جواب عن قولهم: إن كنت رسولاً من عند الله فاطلب من الله أن يوسع علينا خير الدنيا، وأن يوقفك على ما سيقع في المستقبل من المصالح والمضار، حتى تستعد لذلك، وقوله: ﴿ولا أَقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ ﴿: جواب عن قولهم: ﴿مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ ويَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ ﴿[الفرقان: ٧].
والمعنى: لست إلهاً حتى تطلبوا مني قسمة الأرزاق، ومعرفة الغيب، فإنهما يختصان بالله وحده، ولست ملكاً حتى لا آكل ولا أشرب.
والمقصود من الرسالة تلقي الوحي من عند الله، والتبليغ إلى الخلق ﴿إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ ﴿، هذا على تقدير المصنف.
وأما الذي عليه الظاهر، وفي "المعالم": "فهو أني لست متصرفا في ملك الله، حتى تقترحوا مني خزائن رزق الله، فأعطيكم ما تريدون، ولا أعلم الغيب، فأخبركم بما غاب مما انقضي ومما سيكون، ولا أنا ملك أقدر على ما لا يقدر عليه الإنسان، بل أنا رسول من الله مأمور متبع لما يوحى إليَّ".
стр. 2510
لأنه ليس بعد الإلهية منزلةٌ أرفع من منزلةِ الملائكة، حتى تستبعدوا دعواي وتستنكروها، وإنما أدّعي ما كان مثله لكثيرٍ من البشر، وهو النبوّة.
(هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ) مثلٌ للضالّ والمهتدي، ويجوز أن يكون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإذا كان الكلام رداً على المشركين، فمن أين دل على الأفضلية؟ وكل هذه المعاني مستنبطة من كلامه في سورة "هود" و"بني إسرائيل"، سيما من قوله: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا ﴿إلى قوله: ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ المُهْتَدِ ﴿[الإسراء: ٩٠ - ٩٧].
روى الإمام عن الجبائي: أن الآية دلت على فضل الملائكة على الأنبياء، لأن المعنى: لا أدعي منزلة أقوى من منزلتي. فأجاب القاضي عبد الجبار، منهم: "إن كان الغرض في النفي التواضع، فالأقرب لزوم الأفضلية، وإن كان نفي قدرته على أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة، فلا".
ثم إني نظرت في كلام صاحب "الانتصاف"، فوجدت فيه لمحةً من هذه المعاني، وفي آخره: "وفي لفظ الزمخشري قبح، فإنه قال: "ليس بعد الإلهية منزلة أرفع من الملائكة". فجعل للألوهية منزلة، ولا يجوز هذا الإطلاق".
قوله: (مثل للضال والمهتدي). يريد أن هذه الخاتمة كالتذييل الذي يقع في آخر الكلام،
стр. 2511
لمن اتبع ما يوحى إليه، ومن لم يتبع، أو لمن ادّعى المستقيم وهو النبوة، والمحال وهو الإلهية أو الملكية، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على سبيل التمثيل، وقوله: (أفلا تتفكرون) كالتتميم للتذييل، والتنبيه على مكان التذييل.
ثم المذيل إما ما سبق من أول هذه السورة، وجميع ما جرى له مع القوم: من الدعوة إلى الحق، وإبائهم إلا الباطل. وإليه الإشارة بقوله: "فلا تكونوا ضالين أشباه العميان": يعني أفلا تتفكرون في أحوالي وأحوالكم، لتميزوا بين الحق والباطل، ولتعلموا الضال والمهتدي؟ وإما ما سبق من قوله: ﴿إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ ﴿. فالبصير من يتبع ما يوحي إليه، وهو الرسول ﷺ ، والأعمى من لا يرفع به رأساً. وهو المراد بقوله: "فتعلموا أن أتباع ما يوحي إلى ما لابد لي منه" حتى أكون مهتدياً لا ضالا، أفلا تتفكرون في حالي لتعلموا أني مهتدٍ حيث أتبع الوحي، ولست بضال في تركه؟ أو من قوله: ﴿لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ ولا أَعْلَمُ الغَيْبَ ولا أَقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ ﴿. فالأعمى من يدعي هذا، والبصير من يتبع الوحي، ويدعى النبوة. وإليه الإشارة بقوله: "فتعلموا أني ما ادعيت ما لا يليق بالبشر"، يعني: أفلا تتفكرون في اهتدائي لطريق الحق، ومجانبتي عن الباطل؟
قوله: (والمحال، وهو الإلهية أو الملكية)، الانتصاف: "دعوى الملكية من الممكنات، لأن الجواهر متماثلة، والمعاني القائمة ببعضها يجوز أن تقوم بكلها".
قال في "الإنصاف": "من البين فيه قوله تعالى: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ ﴿[الأعراف: ٢٠]، أطمع آدم في أن يصير ملكاً، والنبي لا يطمع في المستحيل".
стр. 2512
(أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ): فلا تكونوا ضالين أشباه العميان، أو فتعلموا أني ما ادعيت ما لا يليق بالبشر، أو فتعلموا أن أتباع ما يوحى إليَ مما لا بدّ لي منه.
فإن قلت: (أَعْلَمُ الْغَيْبَ) ما محله من الإعراب؟ قلت: النصب عطفاً على قوله: (عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ)، لأنه من جملة المقول، كأنه قال: لا أقول لكم هذا القول ولا هذا القول.
[(وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)].
(وَأَنْذِرْ بِهِ) الضمير راجع إلى قوله: (ما يُوحى إِلَيَّ) [الأنعام: ٥٠]، و (الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا) إمّا قومٌ داخلون في الإسلام، مقرّون بالبعث إلا أنهم مفرطون في العمل، فينذرهم بما يوحى إليه، (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) أي: يدخلون في زمرة المتقين من المسلمين، وإمّا أهل الكتاب، لأنهم مقرّون بالبعث، وإما ناسٌ من المشركين علم من حالهم أنهم يخافون إذا سمعوا بحديث البعث
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ ﴿: فلا تكونوا ضالين أشباه العميان)، الراغب: "الفكرة: قوة مطرقة للعلم إلى المعلوم. والتفكير: جولان تلك القوة بحسب نظر العقل. وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب. ولهذا روي: "تفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في الله"، إذ كان الله منزهاً أن يوصف بصورة".
стр. 2513
أن يكون حقاً فيهلكوا، فهم ممن يرجى أن ينجع فيهم الإنذار، دون المتمرّدين منهم، فأمر أن ينذر هؤلاء.
وقوله: (لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ) في موضع الحال من (يحشروا)، بمعنى: يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعاً لهم، ولا بدّ من هذه الحال، لأن كلا محشور، فالمخوف إنما هو الحشر على هذه الحال.
[(وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن ينجع)، الجوهري: "نجع فيه الخطاب والوعظ والدواء: إذا دخل وأثر".
قوله: (ولابد من هذه الحال). قال صاحب "التقريب": "لأن المخوف هو الحشر على هذه الحال، لا أصل الحشر".
وقلت: معنى قول المصنف يعود إلى مذهبه، يعني: لابد من القيد لأن الحشر مطلقاً لا يخاف منه، وإنما الذي يخاف منه هو الحشر الذي يعتقد المكلف فيه أن لا شفيع ولا نصير إلا الله وهو قد فرط في جنب الله، فحينئذ خسر خسرانا مبيناً. فإذا خاف هذه الحالة نفع معه الإنذار، ونجع فيه الوعظ، ويفهم منه أن المتقي الذي يتحرى رضا الله لا يخاف حينئذ، وخرج من هذا الحكم.
ولهذا قال بعد هذا: "ذكر غير المتقين من المسلمين، وأمر بإنذارهم ليتقوا، ثم أردفهم ذكر المتقين)، فاعتضد المفهوم بدلالة النظم والترتيب. ولكن النظم الأوفق أن قوله تعالى: ﴿أَنذِرِ ﴿: أمر وارد عقيب قوله: ﴿ولا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ ﴿[الأنعام: ٥٠]، وقد عطف عليه النهي، وهو: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ ﴿[الأنعام: ٥٢].
стр. 2514
ذكر غير المتقين من المسلمين وأمر بإنذارهم ليتقوا، ثم أردفهم ذكر المتقين منهم، وأمره بتقريبهم وإكرامهم، وأن لا يطيع فيهم من أراد بهم خلاف ذلك، وأثنى عليهم بأنهم يواصلون دعاء ربهم، أي: عبادته، ويواظبون عليها. والمراد بذكر "الغداة" و"العشي": الدوام. وقيل: معناه: يصلون صلاة الصبح والعصر، ووسمهم بالإخلاص في عبادتهم بقوله: (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)، والوجه يعبر به عن ذات الشيء وحقيقته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والكلام مرتبط بعضه ببعض: أمر الله نبيه أولاً بالإعراض عن المتمردين الذين لا ينجع فيهم التذكير، ثم أمره ثانياً بالإنذار لمن ينجع فيه الوعظ من الكفار، ثم نهاه ثالثاً عن طرد المتقين، يعني: اترك المعاندين وإنذارهم، واشتغل بمن يرجي منهم الخير، وإلزم مصاحبة المؤمنين.
قال في "الانتصاف": "إنما تلزم الحال لو قيل: "وأنذر به الذين يحشرون"، إذ لولا الحال لعم الأمر بالإنذار، والمقصود تخصيصه. وأما وقد قيل: ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا ﴿فهو مستقل بتخصيص الإنذار: إما لإقرارهم به، وإما لأخذهم بالأحوط، دون العتاة المتمردين، وليس كل خائفٍ من البعث لا شفيع له، فإن الموحدين أجمعين خائفون وهم مشفوع لهم. فإن عني بأن الحال لازمة، كقوله: ﴿وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا ﴿[البقرة: ٩١]، كان بناءً على قاعدته في إنكار الشفاعة. فكل خائفٍ عنده غير مشفوع له، إذ لا يخاف عنده إلا أصحاب الكبائر غير التائبين، أو الكفار، ولا شفاعة لهم عنده، وإنما الشفاعة عنده في زيادة الثواب لمن استوجبه - بزعمه - بعمله الصالح. وهذا عنده لا يخاف من البعث، لأنه يستوجب الجنة. فجعل الحال لازمة، لأن غير الخائف لا تتناوله الآية، والخائف مستوجب للعقاب عنده، فلا شفاعة له. فتفطن لدقائقه".
قوله: (ويواظبون) تفسير "يواصلون". وفيه إيذان بأن ﴿يَدْعُونَ ﴿محمول على الاستمرار.
стр. 2515
روي: أن رؤوساً من المشركين قالوا لرسول الله ﷺ : لو طردت عنا هؤلاء الأعبد - يعنون فقراء المسلمين، وهم عمار وصهيب وبلال وخباب وسلمان وأضرابهم رضوان الله عليهم-، وأرواح جبابهم - وكانت عليهم جباب من صوف -؛ جلسنا إليك وحادثناك، فقال ﵊: "ما أنا بطارد المؤمنين"، فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا، فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت، فقال: "نعم"؛ طمعاً في إيمانهم. وروي أن عمر ﵁ قال: لو فعلت حتى ننظر إلى ما يصيرون. قال فاكتب بذلك كتاباً، فدعا بصحيفة وبعليّ ﵁ ليكتب، فنزلت. فرمى بالصحيفة، واعتذر عمر من مقالته.
قال سلمان وخباب وصهيب: فينا نزلت، فكان رسول الله ﷺ يقعد معنا ويدنو منا حتى تمس ركبنا ركبته،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم قوله: "والمراد بالغداة والعشي: الدوام" ينبي أن الدوام هو الزبدة من اختصاص هذين الوقتين، لاختصاصهما بعينهما. وإنهم يقولن: "أنا عند فلان صباحاً ومساءً"، ويريدون الدوام. فيكون التقدير: يواظبون على ذكر ربهم دائمين. فيكون حالاً مؤكدة.
قوله: (روي أن رؤوساً من المشركين). الحديث رواه ابن ماجه عن خباب، وقال: "جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حسن الفزاري". وليس فيه أن عمر ﵁ قال شيئاً، ولا فيه قوله: "الحمد لله الذي لم يمتني".
قوله: (وأرواح جبابهم): أي: روائحها الكريهة، وهو عطف على "هؤلاء الأعبد"، على تقدير: وأبعدت أرواح جبابهم، نحو قوله:
علفتها تبناً وماءً باردا
стр. 2516
وكان يقوم عنا إذا أراد القيام، فنزلت: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم)، فترك القيام عنا إلى أن تقوم عنه، وقال: "الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرنى أن أصبر نفسي مع قوم من أمتى. معكم المحيا ومعكم الممات".
و(ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ)، كقوله: (إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي) [الشعراء: ١١٣]، وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم، فقال: (ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) بعد شهادته لهم بالإخلاص وبإرادة وجه الله في أعمالهم، على معنى: وإن كان الأمر على ما يقولون عند الله، فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر والاتسام بسيرة المتقين، وإن كان لهم باطنٌ غير مرضي، فحسابهم عليهم لازمٌ لهم لا يتعدّاهم إليك، كما أن حسابك عليك لا يتعدّاك إليهم، كقوله: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) [الزمر: ٧].
فإن قلت: أما كفى قوله: (ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) حتى ضم إليه (وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ)؟
قلت: قد جُعلت الجملتان بمنزلة جملةٍ واحدة، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ ومَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم ﴿، كقوله: ﴿إنْ حِسَابُهُمْ إلاَّ عَلَى رَبِّي ﴿[الشعراء: ١١٣]. قال أبو البقاء: ﴿يُرِيدُونَ ﴿: حال من ﴿يَدْعُونَ ﴿، و ﴿مِنَ ﴿في ﴿مَنِ شَيءً ﴿: زائدة، وموضعها رفع بالابتداء، و ﴿عَلَيْكَ ﴿: الخبر، و ﴿مِن حِسَابِهِم ﴿: صفة ﴿شَيءٍ ﴿قدم عليه، فصار حالاً، وكذلك الذي بعده، إلا أنه قدم ﴿مَنْ حِسَابِكَ ﴿على ﴿عَلَيِهم ﴿، ويجوز أن يكون الخبر ﴿مَنِ حِسَابِكَ ﴿و ﴿عَلَيِهم ﴿صفة لـ ﴿شَيءِ ﴿مقدمة عليه، ﴿فَتَطْرُدَهُمْ ﴿. جوال لـ ﴿مَا ﴿النافية، فلذلك نصب: ﴿فَتَكُونَ ﴿جواب ﴿وَلَا تَطْرُدِ ﴿.
стр. 2517
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويجوز أن يكون ﴿مِنَ شَيءٍ ﴿: فاعل ﴿عَلَيْكَ ﴿، لاعتماده على النفي، و ﴿مِنْ حِسَابِهِم ﴿: حال من الفاعل مقدم عليه.
قيل: قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ ﴿كقوله: ﴿إنْ حِسَابُهُمْ إلاَّ عَلَى رَبِّي ﴿[الشعراء: ١١٣]، يخالف قوله: "فحسابهم عليهم لازم لهم لا يتعداهم إليك"، لأن صاحب "المفتاح" قال: " ﴿إنْ حِسَابُهُمْ إلاَّ عَلَى رَبِّي ﴿معناه: حسابهم مقصور على الاتصاف بـ ﴿عَلَى رَبِّي ﴿لا يتجاوز إلى أن يتصف بـ"علي"، فيلزم من أول الكلام أن يكون "حسابهم" مقصوراً على "الله"، ومن آخره ألا يكون مقصوراً عليه".
والجواب: أن قوله: ﴿إنْ حِسَابُهُمْ إلاَّ عَلَى رَبِّي ﴿نازل في الكفار من قوم "نوح"، لما طعنوا في مؤمنيهم بقولهم: ﴿مَا نَرَاكَ إلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا ومَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّايِ ﴿[هود: ٢٧]. بعمنى أنهم ما آمنوا عن نظرٍ وبصيرة، كما نص عليه في موضعه. فهو مثل قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ ﴿، لأنه نازل في طعن المشركين في ضعفاء المؤمنين في مثله. يدل عليه قوله: "وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم".
فمعنى هذه الآية ما قال المصنف: "فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر، وإن كان لهم باطن غير مرضي، فحسابهم عليهم لازم لهم، لا يتعداهم إليك"، أي: فحسابهم علي لا عليك.
وهو معنى قول نوح ﵇ وهو ما قال صاحب "المفتاح": ﴿حِسابُهُمْ ﴿مقصور على الله، لا يتجاوز أن يتصف بـ"علي"، راجع إلى هذا. يعني: إن كان باطنهم غير مرضي، فلا علي، ولا يتعدى ضرره إليّ.
стр. 2518
وقصد بهما مؤدىً واحد، وهو المعنيّ في قوله: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) [الزمر: ٧]، ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعاً، كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه.
وقيل: الضمير للمشركين. والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك ولا أنت بحسابهم، حتى يهمك إيمانهم، ويحرّك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين، (فَتَطْرُدَهُمْ) جواب النفي، (فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) جواب النهي، ويجوز أن يكون عطفاً على (فَتَطْرُدَهُمْ) على وجه التسبيب، لأن كونه ظالماً مسبب عن طردهم. وقرئ: "بالغدوة والعشي".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نعم، ضمت مع هذه الآية ضميمة أخرى مؤكدة لها، وهي قوله: ﴿ومَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ ﴿فصارت بمعنى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى ﴿[الأنعام: ١٦٤]، ورجع معنى الآيتين إلى أنك غير مؤاخذٍ بسرائرهم، في كونهم غير مخلصين النية. كما أن قول نوح ﵇: ﴿إنْ حِسَابُهُمْ إلاَّ عَلَى رَبِّي ﴿[الشعراء: ١١٣] معناه: إني غير مؤاخذٍ بسرائرهم وإخلاصهم، لأن المشبه به حكاية قول نوح ﵇ مع قومه، والمشبه حكاية قول الله مع رسوله صلوات الله عليه، وأنه تعالى نهاه عما كان يشاهد منه من حرصه على إسلام قومه، ومن لم يعين المقام قال ما شاء.
قوله: (ويجوز أن يكون عطفاً على ﴿فَتَطْرُدَهُمْ ﴿على وجه التسبيب). قال القاضي:
стр. 2519
[(وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ)].
(وَكَذلِكَ فَتَنَّا): ومثل ذلك الفتن العظيم، فتنا بعض الناس ببعض، أي: ابتليناهم بهم. وذلك أنّ المشركين كانوا يقولون للمسلمين:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"وفيه نظر"، ووجه النظر هو أن قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ ومَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مَنَ الظَّالِمِينَ ﴿حينئذ مؤذن بأن عدم الظلم لعدم تفويض أمر الحساب إليه، فيفهم منه أن لو كان حسابهم عليه وطردهم، لكان ظالماً. وليس كذلك، لأن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه.
والجواب: أنه أراد بذلك المبالغة في منع الطرد. يعني: لو قدر تفويض الحساب إليك مثلاً ليصح منك طردهم لم يصح أيضاً، فكيف والحساب ليس إليك؟
نظيره في إرادة المبالغة قول عمر ﵁: "نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه".
قوله: (ومثل ذلك الفتن العظيم). المشار إليه ما دل عليه التعليل والمعلل، كأنه تعالى
стр. 2520
(أَهؤُلاءِ) الذين (مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا) أي: أنعم عليهم بالتوفيق لإصابة الحق ولما يسعدهم عنده من دوننا، ونحن المقدمون والرؤساء، وهم العبيد والفقراء، إنكاراً لأن يكون أمثالهم على الحق وممنونا عليهم من بينهم بالخير، ونحوه (أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا) [القمر: ٢٥]، (لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ) [الأحقاف: ١١].
ومعنى "فتناهم ليقولوا ذلك": خذلناهم فافتتنوا، حتى كان افتتانهم سبباً لهذا القول، لأنه لا يقول مثل قولهم هذا إلا مخذولٌ مفتون.
(أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) أي: الله أعلم بمن يقع منه الإيمان والشكر فيوفقه للإيمان، وبمن يصمم على كفره فيخذله ويمنعه التوفيق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أشار إلى فتنةٍ عظيمة مقدرة. قال القاضي: "ومثل ذلك الفتن - وهو اختلاف أحوال الناس في أمور الدنيا - ﴿فَتَنَا ﴿، ثم علله بقوله: ﴿لِيَقُولُوا ﴿.
وإليه الإشارة بقوله: "خذلناهم فافتتنوا حتى كان افتتانهم سبباً لهذا القول".
قال محيي السنة: " ﴿فَتَنَا ﴿: أراد: ابتلينا ابتلاء الغني بالفقير، والشريف بالوضيع، وذلك أن الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد سبقه بالإيمان، امتنع من الإسلام بسببه - فكان فتنة له - فذلك قوله: ﴿لِّيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَا ﴿".
قوله: (خذلناهم فافتتنوا)، أي: وضع الافتتان موضع الخذلان، إطلاقاً لاسم المسبب على السبب، واللام في ﴿لِيَقُولُوا ﴿: لام "كي"، ولتقديره الخذلان علله بقوله: "لأنه لا يقول مثل قولهم هذا إلا مخذول"، بناءً على مذهبه.
стр. 2521
[(وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)].
(فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) إما أن يكون أمراً بتبليغ سلام الله إليهم، وإما أن يكون أمراً بأن يبدأهم بالسلام إكراماً لهم وتطييباً لقلوبهم، وكذلك قوله: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) من جملة ما يقول لهم ليسرهم ويبشرهم بسعة رحمة الله وقبوله التوبة منهم. وقرئ: (إنَهُ … فَإِنَّهُ)؛ بالكسر على الاستئناف كأن الرحمة استفسرت فقيل: (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ)، وبالفتح على الإبدال من الرحمة.
(بِجَهالَةٍ) في موضع الحال، أي: عمله وهو جاهل، وفيه معنيان:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال أولاً: "فتنا بعض الناس ببعض: ابتليناهم بهم" بحسب اللغة، وثانياً: "معنى فتناهم ليقولوا ذلك: خذلناهم، فافتتنوا" بحسب تلخيص المعنى ومعزى الكلام.
قوله: (وقرئ: (إِنَهُ … فَإِنًّهُ))، والظاهر أنه يعني: "أنه" في قوله: (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ)، و"فإنه" في قوله: (فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). قرأ عاصم وابن عامر: بفتحهما، ونافع: بفتح الأولى فقط، والباقون: بكسرهما، ولكن المراد بقوله: " (فَأَنَّهُ) بالكسر على الاستئناف" أي: قري: (أِنَّهُ) و "أنه) بالكسر والفتح، فالكسر على الاستئناف، والفتح على الإبدال، وهو لف تقديري. والفاء في (فَإِنَّهُ) تفصيلية، دليله تفسيره، ولا يبعد أن المصنف فتح همزة (أَنَّهُ) وكسرها في الكتابة، وكتب على الهمزة: "معاً".
стр. 2522
أحدهما: أنه فاعلٌ فعل الجهلة، لأنّ من عمل ما يؤدي إلى الضرر في العاقبة وهو عالمٌ بذلك أو ظانٌّ فهو من أهل السفه والجهل، لا من أهل الحكمة والتدبير، ومنه قول الشاعر:
على أنّها قالت عشيّة زرتها: … جهلت على عمد ولم تك جاهلا
والثاني: أنه جاهل بما يتعلق به من المكروه والمضرة، ومن حق الحكيم أن لا يقدم على شيء حتى يعلم حاله وكيفيته.
وقيل: إنها نزلت في عمر ﵁ حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما سألوا، ولم يعلم أنها مفسدة.
[(وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ)].
قرئ: (وَلِتَسْتَبِينَ) بالتاء والياء مع رفع "السبيل"، لأنها تذكر وتؤنث، وبالتاء على خطاب الرسول مع نصب "السبيل"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (على أنها قالت) البيت. جهلت: سفهت، أي: ما تدبرت العاقبة بهذه الزيارة، فكأنها خافت عليه من قومها حين زارها، فلامته على ذلك ونسبته إلى الجهل.
قوله: (أنه جاهل بما يتعلق من المكروه). جعل (بِجَهَالِةٍ) في الوجه الأول مطلقةً غير مقيدة، ليفيد المبالغة، وإليه الإشارة بقوله: "فهو من أهل السفه والجهل". وفي الثاني قيدها بما يقتضيه السياق. فالجهالة على الأول مجاز، وعلى الثاني حقيقة.
قوله: ((وَلِتَسْتَبِينَ)): بالياء التحتانية: حمزة وأبو بكر والكسائي، والباقون: بالتاء الفوقانية
стр. 2523
يقال: استبان الأمر وتبين، واستبنته وتبينته. والمعنى: ومثل ذلك التفصيل البين نفصل آيات القرآن ونلخصها في صفة أحوال المجرمين؛ من هو مطبوعٌ على قلبه لا يرجى إسلامه، ومن يرى فيه أمارة القبول وهو الذي يخاف إذا سمع ذكر القيامة، ومن دخل في الإسلام إلا أنه لا يحفظ حدوده، ولتستوضح سبيلهم فتعامل كلاً منهم بما يجب أن يعامل به، فصلنا ذلك التفصيل.
[(قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ* قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ* قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في صفة أحوال المجرمين؛ من هو مطبوع على قلبه): "من": بدل من "المجرمين"، و"من يرى فيه أمارة" معطوف على "من"، وكذلك: "ومن دخل في الإسلام"، يريد أن "ذلك" في قوله: (وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ) إشارة إلى ما سبق من أحوال الطوائف الثلاث من لدن قوله: (والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ العَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) [الأنعام: ٤٩] لأن هذه الطائفة هي المطبوع على قلوبهم، و (الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إلَى رَبِّهِمْ) [الأنعام: ٥١] هي الطائفة التي يرى فيها أمارة القبول، لأنها هي المنذرة التي يرجى إسلامها، لقوله: (يَخَافُونَ)، وقوله: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [الأنعام: ٥٠]. وإليه الإشارة بقوله: "وهو الذي يخاف إذا سمع ذكر القيامة".
والتي في قوله: (وإذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) هي الطائفة التي دخلت في الإسلام، إلا أنها لا تحفظ حدوده، ومن ثم خوطبوا بقوله: (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ) [الأنعام: ٥٤]. فعلى هذا قوله: (ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ) إذا قدر المعلل فصلنا ذلك التفصيل بدلالة السابق، عطف جملةٍ على جملة، وقال القاضي: ويجوز أن يعطف
стр. 2524
(نُهِيتُ): صرفت وزجرت- بما ركب فيّ من أدلة العقل، وبما أُوتيت من أدلة السمع - عن عبادة ما تعبدون (مِنْ دُونِ اللَّهِ)، وفيه استجهالٌ لهم، ووصفٌ بالاقتحام فيما كانوا فيه على غير بصيرة، (قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ) أي: لا أجري في طريقتكم التي سلكتموها في دينكم من اتباع الهوى دون اتباع الدليل، وهو بيانٌ للسبب الذي منه وقعوا في الضلال،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على علة مقدرة، أي: (نُفَصِّلُ الآيَاتِ) ليظهر الحق (ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ).
قوله: (وفيه استجهال لهم). يعني: أدمج في هذا الكلام معنى الاستدراج، وإرخاء العنان، كقوله تعالى: (وَإنَّا أَوْ إيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) [سبأ: ٢٤]، وذلك أنه نسب النهي إلى نفسه، يعني: كنت على ما أنتم عليه من الضلال، فنهاني عنه دليل العقل، وما أوتيت من العلم، فانزجرت عنه وانصرفت، فما بالكم ثابتون عليه لا تستعملون دليلي: العقل والعلم؟ !
فإذا نظروا بعين البصيرة في هذا الكلام المنصف، وعلموا أنه صلوات الله عليه لم يزل على الحق المبين، والطريق المستقيم، ووقفوا على أنهم على الضلال البعيد، رجعوا عن ذلك.
فقولنا: فما بالكم ثابتون عليه .. إلى آخره، معنى قوله: "ووصف بالاقتحام" أي: الوقوع في الشدائد فيما كانوا فيه على غير بصيرة.
قوله: (وهو بيان للسبب الذي منه وقعوا في الضلال) يعني: فصل قوله: (قُل لاَّ أَتَّبِعُ) للاستئناف وبيان الموجب، كأنه قيل: لم نهيت عما نحن فيه من عبادة دون الله؟ فأجاب: لأن ما أنتم عليه هوى، ليس بهدى، فكيف أتبع أهواءكم؟ ! (قَدْ ضَلَلْتُ إذًا).
قال الزجاج "إذا: شرط، أي: قد ضللت إن عبدتها".
стр. 2525
وتنبيهٌ لكل من أراد إصابة الحق ومجانبة الباطل. (قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً) أي: إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال، وما أنا من الهدى في شيء، يعني أنكم كذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وتنبيه لكل من أراد). يعني: تنبيه لغير هؤلاء من رقدة الغفلة، ومتابعة الهوى، وإرشاد إلى متابعة دليلي العقل والكتاب المنير.
قوله: (وما أنا من الهدى في شيء)، يعني: اللام في (الْمُهْتَدِينَ) للجنس، والمعنى: وما أنا في عدادهم وزمرتهم، تعريضا بهم، وهو المراد بقوله: "أنكم كذلك"، يعني: إذا لم تكونوا من زمرة المهتدين، فلا تكونوا من الهدى في شيء، على طريق الكناية.
قالوا: في قوله: "وما أنا من الهدى في شيء" في تفسير (ومَا أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ) نظر؛ لأن هذا الأسلوب في الآيات يوجب أن يكون المدخول ليس ممن له حظ قليل في ذلك الوصف، بل له حظوظ وافية، لا أنه غير محظوظ فيه، وفي السلب يوجب أن يكون المدخول ممن له حظ ما فيه.
قال في قوله: (إنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ القَالِينَ) [الشعراء: ١٦٨]: "قولك: فلان من العلماء أبلغ من قولك: فلان عالم، لأنك تشهد له بكونه معدوداً في زمرتهم، ومعروفة مساهمته لهم في العلم". وأجيب بأن إفادة معنى الاستغراق في نفي الهدى ليست من هذا القبيل، بل من قبيل كون قوله: (قَدْ ضَلَلْتُ إذًا ومَا أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ) جوابا وجزاءً لما دل عليه قوله: (قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهُوَاءَكُمْ) على سبيل التعريض، كأنه قيل: إن اتبعت أهواءكم قد ضللت إذن، وكنت مثلكم متوغلاً في الضلال منغمساً فيه، ولا أكون من الهدى في شيءٍ كما أنتم عليه، وفيه أني من زمرة المهتدين، ولي مساهمته معروفة في الهداية. ومن ثم أتبعه بقوله: (إنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ) أي: بينة لا يقدر قدرها.
следующие страницы →