← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

[(وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)]. (فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) إما أن يكون أمراً بتبليغ سلام الله إليهم، وإما أن يكون أمراً بأن يبدأهم بالسلام إكراماً لهم وتطييباً لقلوبهم، وكذلك قوله: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) من جملة ما يقول لهم ليسرهم ويبشرهم بسعة رحمة الله وقبوله التوبة منهم. وقرئ: (إنَهُ … فَإِنَّهُ)؛ بالكسر على الاستئناف كأن الرحمة استفسرت فقيل: (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ)، وبالفتح على الإبدال من الرحمة. (بِجَهالَةٍ) في موضع الحال، أي: عمله وهو جاهل، وفيه معنيان: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال أولاً: "فتنا بعض الناس ببعض: ابتليناهم بهم" بحسب اللغة، وثانياً: "معنى فتناهم ليقولوا ذلك: خذلناهم، فافتتنوا" بحسب تلخيص المعنى ومعزى الكلام. قوله: (وقرئ: (إِنَهُ … فَإِنًّهُ))، والظاهر أنه يعني: "أنه" في قوله: (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ)، و"فإنه" في قوله: (فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). قرأ عاصم وابن عامر: بفتحهما، ونافع: بفتح الأولى فقط، والباقون: بكسرهما، ولكن المراد بقوله: " (فَأَنَّهُ) بالكسر على الاستئناف" أي: قري: (أِنَّهُ) و "أنه) بالكسر والفتح، فالكسر على الاستئناف، والفتح على الإبدال، وهو لف تقديري. والفاء في (فَإِنَّهُ) تفصيلية، دليله تفسيره، ولا يبعد أن المصنف فتح همزة (أَنَّهُ) وكسرها في الكتابة، وكتب على الهمزة: "معاً".

стр. 2522

أحدهما: أنه فاعلٌ فعل الجهلة، لأنّ من عمل ما يؤدي إلى الضرر في العاقبة وهو عالمٌ بذلك أو ظانٌّ فهو من أهل السفه والجهل، لا من أهل الحكمة والتدبير، ومنه قول الشاعر: على أنّها قالت عشيّة زرتها: … جهلت على عمد ولم تك جاهلا والثاني: أنه جاهل بما يتعلق به من المكروه والمضرة، ومن حق الحكيم أن لا يقدم على شيء حتى يعلم حاله وكيفيته. وقيل: إنها نزلت في عمر ﵁ حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما سألوا، ولم يعلم أنها مفسدة. [(وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ)]. قرئ: (وَلِتَسْتَبِينَ) بالتاء والياء مع رفع "السبيل"، لأنها تذكر وتؤنث، وبالتاء على خطاب الرسول مع نصب "السبيل" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (على أنها قالت) البيت. جهلت: سفهت، أي: ما تدبرت العاقبة بهذه الزيارة، فكأنها خافت عليه من قومها حين زارها، فلامته على ذلك ونسبته إلى الجهل. قوله: (أنه جاهل بما يتعلق من المكروه). جعل (بِجَهَالِةٍ) في الوجه الأول مطلقةً غير مقيدة، ليفيد المبالغة، وإليه الإشارة بقوله: "فهو من أهل السفه والجهل". وفي الثاني قيدها بما يقتضيه السياق. فالجهالة على الأول مجاز، وعلى الثاني حقيقة. قوله: ((وَلِتَسْتَبِينَ)): بالياء التحتانية: حمزة وأبو بكر والكسائي، والباقون: بالتاء الفوقانية

стр. 2523

يقال: استبان الأمر وتبين، واستبنته وتبينته. والمعنى: ومثل ذلك التفصيل البين نفصل آيات القرآن ونلخصها في صفة أحوال المجرمين؛ من هو مطبوعٌ على قلبه لا يرجى إسلامه، ومن يرى فيه أمارة القبول وهو الذي يخاف إذا سمع ذكر القيامة، ومن دخل في الإسلام إلا أنه لا يحفظ حدوده، ولتستوضح سبيلهم فتعامل كلاً منهم بما يجب أن يعامل به، فصلنا ذلك التفصيل. [(قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ* قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ* قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في صفة أحوال المجرمين؛ من هو مطبوع على قلبه): "من": بدل من "المجرمين"، و"من يرى فيه أمارة" معطوف على "من"، وكذلك: "ومن دخل في الإسلام"، يريد أن "ذلك" في قوله: (وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ) إشارة إلى ما سبق من أحوال الطوائف الثلاث من لدن قوله: (والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ العَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) [الأنعام: ٤٩] لأن هذه الطائفة هي المطبوع على قلوبهم، و (الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إلَى رَبِّهِمْ) [الأنعام: ٥١] هي الطائفة التي يرى فيها أمارة القبول، لأنها هي المنذرة التي يرجى إسلامها، لقوله: (يَخَافُونَ)، وقوله: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [الأنعام: ٥٠]. وإليه الإشارة بقوله: "وهو الذي يخاف إذا سمع ذكر القيامة". والتي في قوله: (وإذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) هي الطائفة التي دخلت في الإسلام، إلا أنها لا تحفظ حدوده، ومن ثم خوطبوا بقوله: (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ) [الأنعام: ٥٤]. فعلى هذا قوله: (ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ) إذا قدر المعلل فصلنا ذلك التفصيل بدلالة السابق، عطف جملةٍ على جملة، وقال القاضي: ويجوز أن يعطف

стр. 2524

(نُهِيتُ): صرفت وزجرت- بما ركب فيّ من أدلة العقل، وبما أُوتيت من أدلة السمع - عن عبادة ما تعبدون (مِنْ دُونِ اللَّهِ)، وفيه استجهالٌ لهم، ووصفٌ بالاقتحام فيما كانوا فيه على غير بصيرة، (قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ) أي: لا أجري في طريقتكم التي سلكتموها في دينكم من اتباع الهوى دون اتباع الدليل، وهو بيانٌ للسبب الذي منه وقعوا في الضلال، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على علة مقدرة، أي: (نُفَصِّلُ الآيَاتِ) ليظهر الحق (ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ). قوله: (وفيه استجهال لهم). يعني: أدمج في هذا الكلام معنى الاستدراج، وإرخاء العنان، كقوله تعالى: (وَإنَّا أَوْ إيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) [سبأ: ٢٤]، وذلك أنه نسب النهي إلى نفسه، يعني: كنت على ما أنتم عليه من الضلال، فنهاني عنه دليل العقل، وما أوتيت من العلم، فانزجرت عنه وانصرفت، فما بالكم ثابتون عليه لا تستعملون دليلي: العقل والعلم؟ ! فإذا نظروا بعين البصيرة في هذا الكلام المنصف، وعلموا أنه صلوات الله عليه لم يزل على الحق المبين، والطريق المستقيم، ووقفوا على أنهم على الضلال البعيد، رجعوا عن ذلك. فقولنا: فما بالكم ثابتون عليه .. إلى آخره، معنى قوله: "ووصف بالاقتحام" أي: الوقوع في الشدائد فيما كانوا فيه على غير بصيرة. قوله: (وهو بيان للسبب الذي منه وقعوا في الضلال) يعني: فصل قوله: (قُل لاَّ أَتَّبِعُ) للاستئناف وبيان الموجب، كأنه قيل: لم نهيت عما نحن فيه من عبادة دون الله؟ فأجاب: لأن ما أنتم عليه هوى، ليس بهدى، فكيف أتبع أهواءكم؟ ! (قَدْ ضَلَلْتُ إذًا). قال الزجاج "إذا: شرط، أي: قد ضللت إن عبدتها".

стр. 2525

وتنبيهٌ لكل من أراد إصابة الحق ومجانبة الباطل. (قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً) أي: إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال، وما أنا من الهدى في شيء، يعني أنكم كذلك. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وتنبيه لكل من أراد). يعني: تنبيه لغير هؤلاء من رقدة الغفلة، ومتابعة الهوى، وإرشاد إلى متابعة دليلي العقل والكتاب المنير. قوله: (وما أنا من الهدى في شيء)، يعني: اللام في (الْمُهْتَدِينَ) للجنس، والمعنى: وما أنا في عدادهم وزمرتهم، تعريضا بهم، وهو المراد بقوله: "أنكم كذلك"، يعني: إذا لم تكونوا من زمرة المهتدين، فلا تكونوا من الهدى في شيء، على طريق الكناية. قالوا: في قوله: "وما أنا من الهدى في شيء" في تفسير (ومَا أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ) نظر؛ لأن هذا الأسلوب في الآيات يوجب أن يكون المدخول ليس ممن له حظ قليل في ذلك الوصف، بل له حظوظ وافية، لا أنه غير محظوظ فيه، وفي السلب يوجب أن يكون المدخول ممن له حظ ما فيه. قال في قوله: (إنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ القَالِينَ) [الشعراء: ١٦٨]: "قولك: فلان من العلماء أبلغ من قولك: فلان عالم، لأنك تشهد له بكونه معدوداً في زمرتهم، ومعروفة مساهمته لهم في العلم". وأجيب بأن إفادة معنى الاستغراق في نفي الهدى ليست من هذا القبيل، بل من قبيل كون قوله: (قَدْ ضَلَلْتُ إذًا ومَا أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ) جوابا وجزاءً لما دل عليه قوله: (قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهُوَاءَكُمْ) على سبيل التعريض، كأنه قيل: إن اتبعت أهواءكم قد ضللت إذن، وكنت مثلكم متوغلاً في الضلال منغمساً فيه، ولا أكون من الهدى في شيءٍ كما أنتم عليه، وفيه أني من زمرة المهتدين، ولي مساهمته معروفة في الهداية. ومن ثم أتبعه بقوله: (إنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ) أي: بينة لا يقدر قدرها.

стр. 2526

ولما نفى أن يكون الهوى متبعاً نبه على ما يجب اتباعه بقوله: (قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) ومعنى قوله: (قُل إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ): أني من معرفة ربي وأنه لا معبود سواه، على حجة واضحة وشاهد صدق، (وَكَذَّبْتُمْ بِهِ) أنتم حيث أشركتم به غيره. يقال: أنا على بينةٍ من هذا الأمر، وأنا على يقينٍ منه؛ إذا كان ثابتاً عندك بدليل. ثم عقبه بما دل على استعظام تكذيبهم بالله، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((وكَذَّبْتُم بِهِ) أنتم حيث أشركتم به غيره)، أي: كذبتم بالبينة، ولذلك أشركتم بالله، قال الزجاج: الهاء كناية عن البيان، لأن البينة والبيان في معنى واحد، أو: كذبتم ما أتيتكم به، لأنه هو البيان. قال أبو البقاء: (وكَذَّبْتُم): يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون حالاً، و"قد" معه مرادة، وفي كلام المصنف إشعار بالثاني. قوله: (ثم عقبه بما يدل على استعظام تكذيبهم بالله): بيان لاتصال قوله: (مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ) بقوله: (وكَذَّبْتُم بِهِ)، والظاهر أنه متصل بالمقالات الثلاث،

стр. 2527

وشدة غضبه عليهم لذلك، وأنهم أحقاء بأن يغافصوا بالعذاب المستأصل، فقال: (ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ) يعني: العذاب الذي استعجلوه في قولهم: (فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ) [الأنفال: ٣٢]، (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) في تأخير عذابكم، (يقضي الحق) أي: القضاء الحق في كل ما يقضي من التأخير والتعجيل في أقسامه، (وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ) أي: القاضين. وقرئ: (يَقُصُّ الْحَقَّ)، أي: يتبع الحق والحكمة فيما يحكم به ويقدّره، من قص أثره. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أعني قوله: (قُلْ إنِّي نُهِيتُ)، (قُل لاَّ أَتَّبِعُ)، (قُلْ إنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ)، يعني: دعوتكم إياي إلى عبادة ما تعبدونه، وإلى متابعتي أهواءكم، وكوني على بينة، وأنتم تخالفون بالتكذيب، مما يؤذن أنكم تستعجلونني بالعذاب، واستئصال شأفتكم. ولذلك قال متضجرا: (إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ). قوله: (وشدة غضبه عليهم لذلك) أي: لتكذيبهم بالله. قوله: (يغافصوا)، الجوهري: "غافصت الرجل، أي: أخذته على غرة". قوله: (وقرئ: (يَقُصُّ الحَقَّ)): بالصاد المهملة، مضمومة مشددة، قرأها نافع وابن كثير وعاصم، والباقون: بإسكان القاف وضاد معجمة مكسورة مخففة. قال الزجاج: "هذه كتبت هاهنا بغير ياءٍ على اللفظ، لأن الياء سقطت لالتقاء الساكنين، كما كتبوا: (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ) [العلق: ١٨] بغير واو".

стр. 2528

(لَوْ أَنَّ عِنْدِي) أي: في قدرتي وإمكاني، (ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ) من العذاب، (لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) لأهلكتكم عاجلاً غضباً لربي، وامتعاضاً من تكذيبكم به، ولتخلصت منكم سريعاً، (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ) وبما يجب في الحكمة من كنه عقابهم. وقيل: (عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي) على حجةٍ من جهة ربي، وهي القرآن، (وَكَذَّبْتُمْ بِهِ) أي: بالبينة، وذكر الضمير على تأويل البيان أو القرآن. فإن قلت: بم انتصب (الحق)؟ قلت: بأنه صفةٌ لمصدر "يقضي"؛ أي: يقضي القضاء الحق، ويجوز أن يكون مفعولاً به؛ ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وامتعاضاً)، الجوهري: "معضت من ذلك الأمر أمعض، وامتعضت منه: إذا غضبت وشق عليك". قوله: (وقيل: (عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي): على حجةٍ من جهة ربي): عطف على قوله: "إني من معرفة ربي، وأنه لا معبود سواه، على حجةٍ واضحة". هذا أشمل، وللنظم أوفق، لأنه قال في قوله تعالى: (قُلْ إنِّي نُهِيتُ): "أي: صرفت وزجرت بما ركب في من أدلة العقل، وما أوتيت من أدلة السمع"، كأنه قيل: إني صرفت عن الشرك بدليلي العقل والنقل، وثبت على التوحيد بهما، كما قال: "لما نفي أن يكون الهوى متبعاً، نبه على ما يجب إتباعه". قوله: (بم انتصب (الحَقِّ)؟ ). السؤال مستدرك لما سبق "يقضي الحق"، أي: القضاء الحق، لعل إعادته لبيان وجه الإعراب بعد سبق تلخيص المعنى: أو كرر ليتعلق به وجه آخر.

стр. 2529

من قولهم: قضى الدرع إذا صنعها، أي: يصنع الحق ويدبره. وفي قراءة عبد الله: "يقضى بالحق". فإن قلت: لم أسقطت الياء في الخط؟ قلت: اتباعاً للخط اللفظ، وسقوطها في اللفظ لالتقاء الساكنين. [(وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ)]. جعل للغيب مفاتح على طريق الاستعارة، لأنّ المفاتح يتوصل بها إلى ما في المخازن المستوثق منها بالأغلاق والأقفال، ومن علم مفاتحها وكيف تفتح، توصل إليها، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (قضى الدرع: إذا صنعها). قال الزجاج: أما "قضى" في معنى "صنع"، فمثله قول الهذلي: وعليهما مسرودتان قضاهما … داود أو صنع السوابغ تبع قوله: (وفي قراءة عبد الله: "يقضي بالحق")، قال الزجاج: "القراء لا يقرؤونه لمخالفة المصحف". قوله: (جعل للغيب مفاتح على طريق الاستعارة). يمكن أن تكون الاستعارة مصرحة تحقيقية، استعير للعلم المفاتح، وجعلت القرينة إضافتها إلى الغيب، يعني: عنده علوم الغيب، وقوله: (لأن المفاتح" تعليل لبيان العلاقة، يعني إنما ساغت استعارة المفاتح لعلم الله تعالى لأن

стр. 2530

فأراد أنه هو المتوصل إلى المغيبات وحده، لا يتوصل إليها غيره، كمن عنده مفاتح أقفال المخازن ويعلم فتحها، فهو المتوصل إلى ما في المخازن. و"المفاتح": جمع مفتح، وهو المفتاح، وقرئ: "مفاتيح"، وقيل: هي جمع مفتحٍ - بفتح الميم - وهو المخزن. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المفاتح هي التي يتوصل بها من علم بها، وبكيفية فتح المخازن المستوثق منها بالإغلاق، إلى ما في المخازن من المتاع. فعلم منه أنه تعالى أراد بهذه العبارة أنه هو المتوصل إلى المغيبات وحده، وأن تكون استعارة تمثيلية، بأن يجعل الوجه منتزعاً من أمور متوهمة، وهو ما يتوهم من تمكين تحصيل شيء مستوثق منه، يختص حصوله بمن عنده ما يتوصل به، وأنه مركب من أمور متعددة. وهذا البيان ينبهك على أن "من" في "من علم" موصولة، والخبر "توصل إليها"، والجملة معطوفة على اسم "أن" مع خبره، على سبيل التفسير. والفاء في قوله: "فأراد" نتيجة مما حصل من معنى الاستعارة، وبيان كيفية حقيقتها. ولهذا ذكر المشبه والمشبه به، وصرح بكاف التشبيه. يعني إذا كانت استعارة، يكون أصلها كيت وكيت. هذا على تقدير المصنف. وإن شئت جعلت الاستعارة في "الغيب" على سبيل المكنية، والقرينة: إضافة "المفتاح" إليه على التخييلية. وقيل: جعل "من" موصولة ضعيف، لأنه يفوت الإيهام المراد هاهنا، فـ"من" شرطية عطفت على قوله: "المفاتح"، وإن كان لـ"من" الشرطية صدر الكلام، لأنه يجوز تقديراً ما لا يجوز مصرحاً به، نحو: "رب شاةٍ وسخلتها"، ولا يجوز "رب سلختها". وقوله: "فأراد" إلى آخره عطف على "جعل"، لأن الاستعارة فرع التشبيه. قوله: (أنه هو المتوصل إلى المغيبات وحده، لا يتوصل إليها غيره)، الانتصاف: "لا يجوز إطلاق "التوصل" على الله، لما يوهم من تجدد الوصول".

стр. 2531

(وَلا حَبَّةٍ) (وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ) عطف على (وَرَقَةٍ) وداخلٌ في حكمها، كأنه قيل: وما يسقط من شيءٍ من هذه الأشياء إلا يعلمه. وقوله: (إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) كالتكرير لقوله: (إِلَّا يَعْلَمُها)؛ لأنّ معنى (إِلَّا يَعْلَمُها) ومعنى (فِي كِتابٍ مُبِينٍ) واحد. و"الكتاب المبين": علم الله تعالى، أو اللوح. وقرئ: "ولا حبةٌ"، "ولا رطب ولا يابسٌ"؛ بالرفع، وفيه وجهان: أن يكون عطفاً على محل (مِنْ وَرَقَةٍ)، وأن يكون رفعاً على الابتداء، وخبره (إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ)، كقولك: لا رجلٌ منهم ولا امرأة إلا في الدار. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلت: لا بأس إن أريد الاستمرار الدائم. قوله: (أنه هو المتوصل وحده*. هذا التخصيص والتأكيد فيه يفهم من استعمال الظرف وإثباته لله على سبيل الكناية، وتقديمه على المبتدأ، وتشبيه علم الغيب بمعرفة من يعلم كيفية فتح المخازن، ثم إرداف ذلك كله بقوله: (لا يَعْلَمُهَا إلاَّ هُوَ)، وتكرير (إلاَّ فِي كِتَابٍ) تتميماً للمبالغة، وإزالةً لدفع من يتوهم أن أحداً يعلم الغيب، وقوله: (ويَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ والْبَحْرِ) إلى آخره، كالتكميل، ليضم مع علم الغيب علم الشهادة، على منوال قوله: (عَالِمُ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ) [الأنعام: ٧٣]. كل ذلك ترغيماً للمنجم المخذول الذي يدعى علم الغيب، والفلسفي المطرود الذي يزعم أنه تعالى لا يعلم الجزئيات. قوله: (كالتكرير): يعني كرر ما في معنى (إلاَّ يَعْلَمُهَا) لتعلقه بقوله: (ولا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يَابِسٍ) للتأكيد.

стр. 2532

[(وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)]. (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) الخطاب للكفرة، أي: أنتم منسدحون الليل كله كالجيف، (وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ) ما كسبتم من الآثام فيه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال أبو البقاء: " (إلاَّ فِي كِتَابٍ): إلا هو في كتاب. ولا يجوز أن يكون استثناءً يعمل فيه (يَعْلَمُهَا)، لأن المعنى يصير: وما تسقط من ورقةٍ إلا يعلمها إلا في كتاب، فينقلب معناه إلى الإثبات، أي: إلا يعلمها في كتاب. وإذا لم يكن يعلمها إلا في كتاب وجب أن يعلمها في الكتاب. فإذاً يكون الاستثناء الثاني بدلاً من الأول، أي: وما تسقط من ورقة، ولا حبة، ولا رطب، ولا يابس، إلا هي في كتاب، وما يعلمها إلا هو". وقال الزجاج ﵀: "معنى (إلاَّ يَعْلَمُهَا) أنه يعلمها ساقطةً وثابتة. فأنت تقول: ما يجيئك أحد إلا وأنا أعرفه. فليس تأويله: إلا وأنا أعرفه في حال مجيئه فقط". قلت: لما كانت سنة الله في الغالب جارية أن يضم مع ذكر دلائل الآفاق، دلائل الأنفس، عقب هاهنا إثبات علم الآفاق علم الأنفس تكميلاً، وذلك قوله: (وهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ). سبحانه! ما أعظم شأنه، وما أتم بيانه، وأوضح برهانه! (قُتِلَ الإنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ)، وأشد طغيانه! قوله: (أنتم منسدحون) أي: مستلقون. الجوهري: "السدح: الصرع بطحاً على الوجه، أو إلقاءً على الظهر".

стр. 2533

(ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ): ثم يبعثكم من القبور في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم، من النوم بالليل وكسب الآثام بالنهار، ومن أجله، كقولك: فيم دعوتني؟ فتقول: في أمر كذا. (لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى) وهو الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم. (ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ) وهو المرجع إلى موقف الحساب، (ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) في ليلكم ونهاركم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومن أجله): عطف - على سبيل البيان - على قوله: "في شأن ذلك"، وفيه إشارة إلى أن الضمير في (فيه) واقع موقع اسم الإشارة. قوله: (وهو الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى) يريد أن معنى قوله: (ليقضي أجل مسمى) لينتهي أمد سماه الله تعالى لبعث الموتى، أو يؤدي ما التزمه الله تعالى بالوعد، لحلول القيامة. قيل: في تفسيره لـ"الأجل المسمى" و"البعث" إشكال، لأن البعث من القبور في شأن المذكور لا يكون علة لقضاء أجل مسمى إلا أن يقدر مضاف، أي: لقضاء أحوالٍ أو أمور أجل مسمى، وفي أكثر التفاسير: (يبعثكم فيه): يوقظكم في النهار، (ليقضي أجل مسمى)، أي: مدة الحياة، (ثم إليه مرجعكم) بعد الممات. وقال القاضي: (يبعثكم): يوقظكم، أطلق البعث ترشيحاً للتوفي، (فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى): ليبلغ المتيقظ آخر أجله المسمى له في الدنيا. (ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ): بالموت، (ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ): بالمجازاة عليه. وقيل: الآية خطاب للكفرة، والمعنى: أنكم ملقون كالجيف بالليل. وساق الكلام على ما بني عليه المصنف.

стр. 2534

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: تفسيره أقضى لحق البلاغة، لأنه لو أريد ما اختاره الأكثرون، لقيل: هو الذي يتوفاكم بالليل، ويبعثكم بالنهار، ليقضي أجل مسمى، ولأن إيراد العلم، واختصاص لفظة (يَتَوَفَّاكُمْ)، (جَرَحْتُم) دون آثامكم: كسبتم، وكلمة (فِيِه)، و (ثُمَّ)، و (يُنَبِئثكُم)، وتكرير الخطاب يدل على توبيخٍ شديد، وتهديد عظيم. ولا يليقُ ذلك إلا للمعاند الجاحد، ولهذا فسر التوفي بالليل بالانسداح كالجيف، ليقابل الاجتراح. المعنى: أنتم في الليل متساقطون على الفراش كالموتى، وفي النهار كاسبون للمآثم والمظالم، كالجوارح، فإن الله تعالى إن أمهلكم في الدنيا، فلابد أن يميتكم، ثم يبعثكم بعد ذلك من القبور، لإنجاز ما وعدكم به وليجزيكم بما عملتم. هذا، وإن المقام ينطبق عليه، لأن الله في هذه السورة كلما أثبت صفةً من صفات الجلال، عاد إلى تهديد الكفار بما يناسب تلك الصفة، فهاهنا لما استوفى حق الكلام في شأن العلم، أتى بقوله: (ويَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ) تهديداً ووعيداً، وذلك أن إيراد العلم، خصوصاً علم الغيب، استطراد لقوله تعالى: (قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ) يعني: ليس عندي ما تستعجلون به من العذاب، وأنه متى هو، ولو كان عندي ذلك لأهلكتكم عاجلاً، ولتخلصت منكم سريعاً، لكن الله أعلم بكم وبظلمكم، لأن عنده مفاتح الغيب، لا يعلمها إلا هو. ولما فرغ منه عاد إلى تهديد أولئك الكفرة بقوله: (وهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَار) ليبعثكم فيه، ويجازيكم على النقير والقطمير. وفي إسناد "التوفي"

стр. 2535

[(وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ* ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ)]. (حَفَظَةً): ملائكةً حافظين لأعمالكم وهم الكرام الكاتبون. وعن أبي حاتم السجستاني: أنه كان يكتب عن الأصمعى كل شيءٍ يلفظ به من فوائد العلم، حتى قال فيه: أنت شبيه الحفظة، تكتب لفظ اللفظة، فقال أبو حاتم: وهذا أيضاً مما يكتب! ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إلى الله تعالى، و"الكسب" إليهم، إشعار بأن نومهم أفضل من يقظتهم، لإمساكهم عن اكتساب المآثم حينئذ. وإنما جعل الانسداح المسند إلى أنفسهم تفسيراً للتوفي المسند إلى ذاته تعالى، لأنه مقابل لقوله: (ويَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ)، فجعل فعل الله تابعاً لفعل العبد، ولا مناقشة في هذا، لأن الكسب عند أهل السنة منسوب إلى العبد، وعلى هذا الضمير في (فيه) راجع إلى ما دل عليه التوفي والجرح. وأما قول القائل: إن البعث من القبور في شأن المذكور لا يكون علة لقضاء أحوال أجل مسمى، فالمصنف ما ذهب إليه لأنه جعل البعث من القبور علةً لقضاء الوعد الذي وعده، وهو الأجل الذي ضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم، كقوله تعالى: (إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وعْدَ اللَّهِ حَقًا إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا) إلى قوله: (والَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ) [يونس: ٤].

стр. 2536

فإن قلت: الله تعالى غنيّ بعلمه عن كتبة الملائكة، فما فائدتها؟ قلت: فيها لطفٌ للعباد، لأنهم إذا علموا أن الله رقيبٌ عليهم والملائكة الذين هم أشرف خلقه موكلون بهم، يحفظون عليهم أعمالهم ويكتبونها في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة، كان ذلك أزجر لهم عن القبيح، وأبعد عن السوء. (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا) أي: استوفت روحه وهم ملك الموت وأعوانه. وعن مجاهد: جعلت الأرض له مثل الطست يتناول من يتناوله، وما من أهل بيتٍ إلا ويطوف عليهم في كل يوم مرّتين. وقرئ: (توفاه)، ويجوز أن يكون ماضياً ومضارعاً بمعنى: تتوفاه، و (يُفَرِّطُونَ) بالتشديد والتخفيف، فالتفريط: التواني والتأخير عن الحدّ، والإفراط: مجاوزة الحدّ، أي: لا ينقصون مما أمروا به، أو لا يزيدون فيه. (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ) أي: إلى حكمه وجزائه، (مَوْلاهُمُ): مالكهم الذي يلي عليهم أمورهم، (الْحَقِّ): العدل الذي لا يحكم إلا بالحق، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فيها لطف للعباد)، قال القاضي: "وذلك أن العبد إذا وثق بلطف سيده، واعتمد على ستره وعفوه، لم يحتشم منه احتشامه من خدمه المطلعين عليه". قوله: (وقرئ: "توفاه") حمزة: بالألف ممالة، والباقون: بالتاء الفوقانية. قوله: (و (يُفَرِّطُونَ) بالتشديد) الجماعة. والتخفيف شاذة. قوله: (لا ينقصون مما أمروا به) معنى القراءة بالتشديد، (أو لا يزيدون فيه) معنى التخفيف.

стр. 2537

(أَلا لَهُ الْحُكْمُ) يومئذٍ لا حكم فيه لغيره، (وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ) لا يشغله حسابٌ عن حساب. وقرئ: "الْحَقِّ" بالنصب على المدح، كقولك: الحمد لله الحق. [(قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ* قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ)]. (ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) مجازٌ عن مخاوفهما وأهوالهما، يقال لليوم الشديد: يومٌ مظلم، ويومٌ بارد، ويومٌ ذو كواكب. أي: اشتدت ظلمته حتى عاد كالليل، ويجوز أن يراد: ما يشفون عليه من الخسف في البر والغرق في البحر بذنوبهم، فإذا دعوا وتضرعوا كشف الله عنهم الخسف والغرق، فنجوا من ظلماتهما، (لَئِنْ أَنْجَيْتَنا) على إرادة القول (مِنْ هذِهِ): من هذه الظلمة والشدة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويوم ذو كواكب). وأنشد الزجاج: فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي … إذا كان يوم ذا كواكب أشهبا والعرب تقول لليوم الذي تلقى منه شدة: "يوم مظلم". قوله: (ما يشفون عليه)، الجوهري: "وأشفى على الشيء: أشرف عليه. وأشفى المريض على الموت". فعلى هذا المراد بـ (ظُلُمَاتِ البَرِّ والْبَحْرِ): الحقيقة.

стр. 2538

وقرئ: (يُنَجِّيكُمْ) بالتشديد والتخفيف. و (أنجانا)، و (خُفيةً) بالضم والكسر. [(قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَاسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ* وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ* لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)]. (هُوَ الْقادِرُ) هو الذي عرفتموه قادراً، وهو الكامل القدرة، (عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ) كما أمطر على قوم لوطٍ وعلى أصحاب الفيل الحجارة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: (يُنَجِيكُم) بالتخفيف والتشديد). بالتخفيف: نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن ذكوان. و (أَنَجانَا): عاصم وحمزة والكسائي، والباقون: "أنجيتنا". قوله: ("وخفية" بالضم والكسر"، بالكسر: أبو بكر. والباقون: بالضم. قوله: ((هُوَ القَادِرُ): هو الذي عرفتموه قادراً). ولما كان الخبر معرفاً باللام، وهو إما للعهد، فهو المراد من قوله: "الذي عرفتموه قادراً"، وإما للجنس، فهو المراد من قوله: "وهو الكامل القدرة". وفيه إشعار بمذهبه، حيث لم يجعل الحصر حقيقياً، وفسره بالكمال، كما في (آلم *

стр. 2539

وأرسل على قوم نوح الطوفان، (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) كما أغرق فرعون وخسف بقارون، وقيل: (من فوقكم): من قِبَلِ أكابركم وسلاطينكم، و (من تحت أرجلكم): من قِبَلِ سِفْلَتِكُم وعبيدكم. وقيل: هو حبس المطر والنبات، (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً): أو يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواءٍ شتى، كل فرقة منكم مشايعةٌ لإمام. ومعنى خلطهم: أن ينشب القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال، من قوله: وكتيبة لبستها بكتيبةٍ … حتّى إذا التبست نفضت لها يدي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ذَلِكَ الكِتَابُ) [البقرة: ١ - ٢] و"حاتم الجواد". قال الإمام: "هذا يفيد الحصر، فوجب أن يكون غير الله غير قادر". قوله: (أو يخلطكم). قال الزجاج: "لبست عليه الأمر ألبسه: إذا لم أبينه، وخلطت بعضه ببعض. ومعنى (شِيَعاً): فرقاً، أي: لا يكون شيعةً واحدة". يعني: يخلط أمركم خلط اضطراب، لا خلط اتفاق، فإذا كنتم مختلفين قاتل بعضكم بعضاً. قوله: (أن ينشب القتال)، الجوهري: "يقال: نشب الشيء في الشيء نشوباً: علق فيه. وأنشبته أنا فيه: أي أعلقته. ويقال: نشبت الحرب بينهم". قوله: (وكتيبةٍ) البيت، ألحق الباء بالكتيبة لأنه جعله اسماً للجيش، وهو من: تكتبت

стр. 2540

وعن رسول الله ﷺ : «سألت الله أن لا يبعث على أمتى عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم فأعطانى ذلك، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني، وأخبرنى جبريل أنّ فناء أمتي بالسيف». وعن جابر بن عبد الله: لما نزل (مِنْ فَوْقِكُمْ) قال رسول الله ﷺ : «أعوذ بوجهك»، فلما نزل: (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً) قال: «هاتان أهون». ومعنى الآية: الوعيد بأحد أصناف العذاب المعدودة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الخيل، أي: تجمعت. يقول: رب جيش خلطتها بجيش، فلما اختلطت نفضت يدي، وتركتهم وشأنهم. وفي البيت كنايات، إحداها: أنه مهياج للحرب، وثانيها: قوله: "نفضت لها يدي" فإنه يدل على أنه خلاهم والفتنة، وثالثها: أنه فتان جبان. قوله: (سألت الله). الحديث من رواية الترمذي، والنسائي، عن خباب، عن رسول الله صلي الله عليه وسلم: "سألت الله ثلاثاً، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة. سألته ألا يهلك أمتي بسنةٍ فأعطانيها، وسألته ألا يسلط عليهم من غيرهم [عدوا] فأعطانيها، وسألته ألا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها". قوله: (أعوذ بوجهك) الحديث رواه البخاري وأحمد والترمذي عن جابر، مع زيادة يسيرة.

стр. 2541

والضمير في قوله: (وَكَذَّبَ بِهِ) راجعٌ إلى العذاب، (وَهُوَ الْحَقُّ) أي: لا بدّ أن ينزل بهم، (قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ): بحفيظٍ وكل إليَ أمركم، أمنعكم من التكذيب إجباراً، إنما أنا منذر. (لِكُلِّ نَبَإٍ): لكل شيءٍ يُنبأ به، يعني: إنباءهم بأنهم يعذبون وإيعادهم به، (مُسْتَقَرٌّ): وقت استقرار وحصولٍ لا بدّ منه، وقيل: الضمير في (نَبَإٍ) للقرآن. [(وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)]. (يَخُوضُونَ فِي آياتِنا) في الاستهزاء بها والطعن فيها؛ وكانت قريشٌ في أنديتهم يفعلون ذلك، (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ): فلا تجالسهم وقم عنهم، (حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) فلا بأس أن تجالسهم حينئذ، (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ): وإن شغلك بوسوسته حتى تنسى النهي عن مجالستهم، (فَلا تَقْعُدْ) معهم (بَعْدَ الذِّكْرى): بعد أن تذكر النهي. وقرئ: (ينسينك) بالتشديد. ويجوز أن يراد: وإن كان الشيطان ينسينك قبل النهي قُبح مجالسة المستهزئين لأنها مما تنكره العقول، (فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى): بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه معهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "ينسينك" بالتشديد). ابن عامر، والباقون: بالتخفيف. قوله: (مما تنكره العقول) يعني: كانت مجالسة المستهزئين في آيات الله قبحاً في العقول، فكان للشيطان والوهم مجال في إيراد الشبه، وكان العقل يتحير ويبقي كالناسي والساهي، فحين زالت الموانع بالنص القامع للشبه، والدافع للوهم، فلا تقعد بعد ذلك معهم.

стр. 2542

(وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ): وما يلزم المتقين الذين يجالسونهم شيءٌ مما يحاسبون عليه من ذنوبهم، (وَلكِنْ) عليهم أن يذكروهم (ذِكْرى) إذا سمعوهم يخوضون؛ بالقيام عنهم، وإظهار الكراهة لهم، وموعظتهم، ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال في "الانتصاف": هذا تنزيل على قاعدة الحسن والقبح، وأن العقل مدرك للأحكام، والشرع مبين لمقتضاه. ومما يدل على أن المراد خلاف ذلك ورود (يُنِسيَنَّكَ) مستقبلاً، ولو كان المراد نسيان ما علمه لقال: وإن أنساك فيما تقدم، فلا تقعد بعد النهي. وقلت: المستقبل غير مانع، لأن له أن يقول: معناه: إن استمر ذلك النسيان السابق - الذي كان سبباً لورود قولنا: (وإذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعرِضْ عَنْهُم) - فلا تقعد بعد أن ذكرنا به، أي: بقولنا: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ). لكن الوجه هو الأول، وهو أن يراد بقوله: (بَعْدَ الذِّكْرَى): بعد أن تذكر النهي. قيل: "الخطاب بقوله: (وَإِذَا رَأَيْتَ) للرسول صلي الله عليه وسلم والمراد غيره، أو المراد: إذا رأيت أيها السامع". كذا ذكره الإمام. وقال الواحدي: "إن المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في الرسول صلي الله عليه وسلم والقرآن، فأمرهم ألا يقعدوا معهم". وفيه: أن التكليف ساقط عن الناسي. قوله: (بالقيام) يتعلق بقوله: "أن يذكروهم (ذِكْرَى) ".

стр. 2543

(لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ): لعلهم يجتنبون الخوض حياءً أو كراهةً لمساءتهم. ويجوز أن يكون الضمير لـ (الذين يتقون)، أي: يذكرونهم إرادة أن يثبتوا على تقواهم ويزدادوها. وروي أن المسلمين قالوا: لئن كنا نقوم كلما استهزؤوا بالقرآن لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف، فرخص لهم. فإن قلت: ما محل (ذِكْرى)؟ قلت: يجوز أن يكون نصباً على: ولكن يذكرونهم ذكرى، أي: تذكيراً، ورفعاً على: ولكن عليهم ذكرى. ولا يجوز أن يكون عطفاً على محل (مِنْ شَيْءٍ)، كقولك: ما في الدار من أحد ولكن زيدٌ، لأنّ قوله: (مِنْ حِسابِهِمْ) يأبى ذلك. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لمساءتهم): أي: الذين يتقون. وهو مصدر: ساءه يسوؤه سوءاً - بالفتح - ومساءةً. وإضافتها إلى المفعول، وقيل: إلى الفاعل، والأول أظهر. قوله: (يجوز أن يكون الضمير) أي: في (لَعَلَّهْمْ). قوله: (لأن قوله: (مِنْ حِسَابِهِم) يأبي ذلك). قال أبو البقاء: (مِنْ) في (مِنْ شَيءٍ): زائدة، و (مِنْ حِسَابِهِم): حال، تقديره: شيء من حسابهم، يعني: شيء كائن من حسابهم، فإذا عطف (ذِكْرَى) على محل (مِنْ شَيءٍ)، رجع المعنى: ما يلزم المتقين الذكر الذي (مِنْ حِسَابِهِم)، لأن (مِنْ شَيءٍ) مقيد بقيد (مِنْ حِسَابِهِم) فإذا عطف عليه لابد من تقييده به. واعترض صاحب "التقريب" وقال: "لا يلزم من وصف المعطوف عليه بشيء وصف المعطوف". وأجيب أن ذلك في عطف الجملة على الجملة، وأما في عطف مفردات الجمل فملتزم،

стр. 2544

[(وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ)]. (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً) أي: دينهم الذي كان يجب أن يأخذوا به لعباً ولهواً، وذلك أن عبادة الأصنام وما كانوا عليه من تحريم البحائر والسوائب وغير ذلك، من باب اللعب واللهو واتباع هوى النفس والعمل بالشهوة، ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كما سيجيء بيانه على سورة "براءة" في قوله: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) [التوبة: ٢٥]. والمصنف لما فرغ من تقرير عطف الجملة على الجملة بقوله: "ولكن يذكرونهم ذكرى"، "أو لكن عليهم ذكرى"، أخذ في تقرير عطف المفرد بقوله: "على محل (مِنْ شَيءٍ) "، ومنعه. قوله: (وذلك أن عبادة الأصنام) هو بيان اتخاذهم لعباً ولهواً. والمراد بالدين: مطلق الدين وحقيقته، يعني: كان يجب على كل مكلفٍ أن يتدين بدين، وينتحل بملة، وهؤلاء تدينوا باللعب واللهو، فعلى هذا: لَعِبًا ولَهْوًا ثاني مفعولي "اتخذ"، وعلى قوله: "أو اتخذوا ما هو لعب ولهو ديناً لهم" بالعكس. لعل المراد أنه من باب القلب، لتصحيح أصل المعنى. ولهذا جعل (دِيَنُهمْ) نكرة. ونحوه ذكر الزجاج في "الفرقان" عند قوله تعالى: (أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ

стр. 2545

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مِنْ أَوْلِيَاءَ) [الفرقان: ١٨]، إذا قرئ "نتخذ" مجهولاً، فقال: أجاز الفراء أن يجعل (مِنْ أَوْلِيَاءَ) هو الاسم، ويجعل الخبر ما في "نتخذ" كأنه يجعل على القلب. واعلم أن الوجه الأول محمول على معنى قوله تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ) [الفرقان: ٤٣]، لأن الأصل: من اتخذ هواه كالإله نزل أمر الهوى والشهوات في متابعة ما يدعوهم إليه منزلة الإله الواجب العبادة، ثم قيل: (مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ) فقد المشبه به على المشبه، عكساً للتشبيه، روماً للمبالغة، وإيذاناً بأن الهوى في باب استحقاق العبادة أقوى من الإله. وفي كلام صاحب "المفتاح" إشعار بهذا. فكذلك حكم هذه الآية، شبه أولاً ما بنوا عليه نحلتهم من عبادة الأصنام، وتحريم البحائر والسوائب، بالدين الذي يجب على كل أحدٍ أن ينتحل به، فينتفع به عاجلاً وآجلاً، ثم سميت تلك النحلة باللعب واللهو، لكونها مبنية على قاعدة التشهي وأنهم لا ينتفعون بها، بل يتضررون من أجلها، ثم قدم المشبه به على المشبه للمبالغة المذكورة. وعلى هذا المنوال ينسج الوجه الثاني عند صاحب "المفتاح"، لأن باب القلب عنده

стр. 2546

ومن جنس الهزل دون الجد، أو: اتخذوا ما هو لعبٌ ولهوٌ من عبادة الأصنام وغيرها ديناً لهم، أو: اتخذوا دينهم الذي كلفوه ودعوا إليه- وهو دين الإسلام- لعباً ولهواً، حيث سخروا به واستهزؤا. وقيل: جعل الله لكل قوم عيداً يعظمونه ويصلون فيه ويعمرونه بذكر الله والناس كلهم من المشركين وأهل الكتاب اتخذوا عيدهم لعباً ولهواً، غير المسلمين فإنهم اتخذوا عيدهم كما شرعه الله. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمول على أصل المعنى، لكن المختار أنه جارٍ على أصل التشبيه، من تقديم المشبه على المشبه به، وإن كان قلباً في اللفظ. والأول أبلغ. وأما الوجه الثالث فتقديره: جعلوا دين الإسلام، والملة الحنيفية التي تستحق كل تبجيل وتعظيم، كاللعب واللهو الذي يستلزم السخرية والاستهزاء، فاستهزؤوا به، كقوله تعالى: (وإذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا) [الجاثية: ٩]. وأما بيان النظم فإن قوله تعالى: (وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا): عطف على قوله: (فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ)، وهو متصل بقوله: (وإذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعرِضْ عَنْهُم)، يعني: فلا تقعد بعد الذكرى مع هؤلاء الظلمة الذين يخوضون في آياتنا، ودع مصاحبة من بني دينه على اللعب واللهو، وغرته الحياة الدنيوية. ويجوز أن تكون الواو استئنافاً، والآية مستطردة. قوله: (أو اتخذوا دينهم الذي كلفوه) فعلى هذا المراد بالدين: الدين المقيد، ومن ثم قال: "وهو دين الإسلام". قوله: (وقيل: قد جعل الله لكم قومٍ عيداً) سمى العيد بالدين مجازاً، لأن العيد مبني على العادات، والدين: العادة. النهاية: "وفي الحديث: أنه ﵊ كان على دين

стр. 2547

ومعنى (ذرهم): أعرض عنهم، ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم ولا تشغل قلبك بهم (وَذَكِّرْ بِهِ) أي: بالقرآن، (أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ) مخافة أن تسلم إلى الهلكة والعذاب، وترتهن بسوء كسبها. وأصل الإبسال: المنع، ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قومه، أي: على ما بقي فيهم من إرث إبراهيم، من الحج والنكاح والميراث، وليس المراد الشرك الذي كانوا عليه، وقيل: هو من الدين: العادة، يريد به: أخلاقهم في الكرم، والشجاعة، وغير ذلك". قوله: (وأصل الإبسال: المنع). قال الزجاج: (تُبْسَلَ): تسلم بعملها غير قادرةٍ على التخلص، والمستبسل: المستسلم الذي يعلم أنه لا يقدر على التخلص. قال الشاعر: وإبسالي بني بغير جرم … بعوناه ولا بدمٍ مراق أي: إسلامي إياهم. والبعو: الجناية. "وقيل: أبسل: رهن، والمعنى واحد. يقال: أسد باسل، أي: معه من الإقدام ما يستبسل له قرنه، ويقال: هذا بسل عليك، أي: حرام". تم كلامه. قائل البيت: عوف بن الأحوص، وكان حمل عن غني لبني قشيرٍ دم ابني السجفية، فقالوا: لا نرضى بك، فرهنهم بنيه طلباً للصلح، فقال تحسراً وتلهفاً على تسليم بنيه إلى الهلكة بغير جرمٍ جرموه، ولا دمٍ أهراقوه.

стр. 2548

لأن المسلم إليه يمنع المسلم، قال عوف بن الأحوص: وإبسالى بنىَّ بغير جرم … بعوناه ولا بدم مراق ومنه: هذا عليك بسلٌ، أي: حرامٌ محظور. والباسل: الشجاع لامتناعه من قرنه، أو لأنه شديد البسور، يقال: بسر الرجل؛ إذا اشتدّ عبوسه، فإذا زاد قالوا: بسل. والعابس: منقبض الوجه. (وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها): وإن تفد كل فداء، والعدل: الفدية، لأن الفادي يعدل المفدي بمثله. و (كلّ عدلٍ): نصبٌ على المصدر، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن المسلم إليه يمنع المسلم). يعني: إذا أسلموا أحداً إلى الهلاك، فالهلاك هو المسلم إليه يمنع الشخص المسلم من الخروج منه. فالمعنى: ذكر بالقرآن، مخافة أن تسلم نفس إلى الهلكة، بسبب ما كسبت من المآثم، فلا تتخلص منها، كما أن أعمالها السيئة تمنعها من الخلاص، كما أن المسلم إليه يمنع المسلم أن يتخلص منه، نحوه في المعنى قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) [المدثر: ٣٨]. وقال القاضي: "إنما قيل: أسد باسل، لأن فريسته لا تفلت منه". الراغب: "البسل: ضم الشيء ومنعه، ولتضمنه لمعنى الضم استعير لتقطيب الوجه، فقيل: هو باسل ومبتسل الوجه. ولتضمنه لمعنى المنع، قيل للمحرم والمرتهن: بسل. والفرق بين الحرام والبسل أن الحرام: عام للممنوع منه حكماً أو قهراً. والبسل هو الممنوع منه قهراً. قال الله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا، أي: حرموا الثواب، وفسر بالارتهان، كقوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) ".

стр. 2549

وفاعل (يُؤْخَذْ) قوله: (مِنْها) لا ضمير العدل، لأنّ العدل هاهنا مصدر، فلا يسند إليه الأخذ. وأما في قوله تعالى: (وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ) [البقرة: ٤٨] فبمعنى المفديِّ به، فصحّ إسناده إليه. (أُولئِكَ) إشارةٌ إلى المتخذين دينهم لعباً ولهواً. قيل: نزلت في أبي بكرٍ الصديق ﵁ حين دعاه ابنه عبد الرحمن إلى عبادة الأوثان. [(قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفاعل (يُؤْخَذْ) قوله: (مِنْهَا)). وهذا كما تقول: "أُخِذ مِنّي" وتسكت. وتقول: "سير من البلد". فالفعل لابد له من فاعل، وفاعله ما يصح السكوت عليه. قوله: (لا ضمير العدل). أي: الضمير في (لا يُؤْخَذُ مِنْهَا) لا يرجع إلى "العدل"، لأنه مصدر. فإن قيل: كيف صح إسناده في تلك الآية، على تأويل المفتدى به، ولم يصح هاهنا؟ وأجيب: لأنه في تلك الآية لم يقع مفعولاً مطلقاً ابتداءً، بخلافه هاهنا. قال في "الانتصاف": "ونظيره ما سبق أن الضمير في: (فَتَنفُخُ فِيهَا) لا يعود إلى "الهيئة" من قوله: (كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ)، وأوجب كون "العدل" هاهنا مصدراً يتعدى الفعل إليه بغير واسطة، ولو كان مفعولاً به لقيل: بكل عدل".

стр. 2550

(قُلْ أَنَدْعُوا) أنعبد، (مِنْ دُونِ اللَّهِ) الضارّ النافع ما لا يقدر على نفعنا ولا مضرتنا، (وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا) راجعين إلى الشرك بعد إذ أنقذنا الله منه وهدانا للإسلام (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ): كالذي ذهبت به مردة الجن والغيلان، (فِي الْأَرْضِ): في المهمه، (حَيْرانَ): تائهاً ضالاً عن الجادة لا يدري كيف يصنع! (لَهُ) أي: لهذا المستهوى (أَصْحابٌ) رفقة، (يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى): إلى أن يهدوه الطريق المستوي. أو سمي الطريق المستقيم بالهدى، يقولون له: (ائْتِنا) وقد اعتسف المهمه تابعاً للجن لا يجيبهم ولا يأتيهم. وهذا مبني على ما تزعمه العرب وتعتقده: أن الجنّ تستهوي الإنسان، والغيلان تستولي عليه، كـ (الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ) [البقرة: ٢٧٥]، فشبه الضالّ عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان والمسلمون يدعونه إليه فلا يلتفت إليهم، (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ) وهو الإسلام، (هُوَ الْهُدى) وحده، وما وراءه، ضلالٌ وغيّ، (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً) [آل عمران: ٨٥]، (فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ) [يونس: ٣٢]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو سمي الطريق المستقيم بالهدى): عطف على "أن يهدوا"، أي: (الْهُدّى) يجوز أن يكون مصدراً على أصله، وأن يسمى الطريق المستقيم به. قوله: (وقد اعتسف)، الجوهري: "العسف: الأخذ على غير الطريق، وكذلك: التعسف والاعتساف". قوله: (وهاذ مبني على ما تزعمه العرب). قال صاحب "الانتصاف": "من أنكر استهواء الجن، واستيلاءهم هم على بعض الناس، بقدرة الله، فهو ممن استهوته الشياطين في مهامه الضلال، والفلسفي حيران له أصحاب من الموحدين يدعونه إلى الهدى: ائتنا، وهو راكب في ضلاله التعاسيف".

стр. 2551

فإن قلت: ما محل الكاف في قوله: (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ)؟ قلت: النصب على الحال من الضمير في "نُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا" أي: أننكص مشبهين من استهوته الشياطين؟ فإن قلت: ما معنى (اسْتَهْوَتْهُ)؟ قلت: هو استفعال، من هوى في الأرض؛ إذا ذهب فيها، كأن معناه: طلبت هويه وحرصت عليه. فإن قلت: ما محل: "أُمِرْنا"؟ قلت: النصب عطفاً على محل قوله: (إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى)، على أنهما مقولان، كأنه قيل: قل هذا القول وقل أمرنا لنسلم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: يمكن حمل قول المصنف على ما ذهب إليه صاحب "النهاية" في قوله صلي الله عليه وسلم: "لا غول" ليس نفياً لعين الغول ووجوده، وإنما فيه إبطال زعم العرب في تلونه بالصور المختلفة، فيكون المعنى: أنها لا تستطيع أن تضل أحداً، ويشهد له الحديث الآخر: "لا غول ولكن السعالي"، والسعالي: سحرة الجن، أي: ولكن في الجن سحرة، لهم تلبيس وتخييل. قوله: (على الحال من الضمير في "نرد". قال صاحب "الفرائد": "حاصل هذا الكلام: نرد في حال أشباهنا كقولك: جاء زيد راكباً، أي: في حال ركوبه. والرد ليس في حال الأشباه، كما أن المجيء في حال الركوب، ويمكن أن يقال: الكاف منصوب المحل على المصدر، أي: نرد رداً مثل رد الذي استهوته". وقلت: الحال مؤكدة، كقوله تعالى: (ثُمَّ ولَّيْتُم مُّدْبِرِينَ) [التوبة: ٢٥] فلا يلزم ذلك. والتشبيه، على أن يكون حالاً، من التمثيلي: شبه حال من خلص من الشرك، ثم نكص على

стр. 2552

فإن قلت: ما معنى اللام في (لِنُسْلِمَ)؟ قلت: هي تعليل للأمر، بمعنى: أمرنا وقيل لنا أسلموا لأجل أن نسلم. فإن قلت: فإذا كان هذا وارداً في شأن أبي بكر الصديق ﵁، فكيف قيل للرسول ﵊: (قل أندعوا)؟ قلت: للاتحاد الذي كان بين رسول الله ﷺ والمؤمنين، خصوصاً بينه وبين الصديق أبي بكر رضي الله تعالى عنه. [(وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ* وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عقبيه، بحال من ذهب به الغيلان في المهمه، بعدما كان على الجادة المستقيمة، وعلى أن يكون مصدراً يكون من المركب العقلي. قوله: (هي تعليل للأمر). قال أبو البقاء: "أي: أمرنا بذلك لنسلم، وقيل: اللام بمعنى الباء، وقيل: هي زائدة، أي: أن نسلم". قال الزجاج: "العرب تقول: أمرتك أن تفعل، وأمرتك بأن تفعل، وأمرتك لتفعل، فعلى الأولى الباء محذوفة. فمن قال: أمرتك بأن تفعل، فالباء للإلصاق، أي: وقع الأمر بهذا الفعل. وعلى الثالث اللام للتعليل، فقد أخبرنا بالعلة التي لها وقع الأمر".

стр. 2553

فإن قلت: علام عطف قوله: (وَأَنْ أَقِيمُوا)؟ قلت: على موضع (لِنُسْلِمَ)، كأنه قيل: وأُمرنا أن نسلم وأن أقيموا. ويجوز أن يكون التقدير: وأمرنا لأن نسلم، ولأن أقيموا: أي: للإسلام ولإقامة الصلاة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال في "الانتصاف": "قوله: اللام تعليل للأمر، بناءً على أن الأمر يلزمه الإرادة. وأما أهل السنة فيرون في هذه اللام، وفي قوله: (إلاَّ لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: ٥٦] إن كانت تعليلاً، أنهم بإزاحة العلل عوملوا معاملة من أريد منهم ذلك، وإن لم تكن الطاعة مرادة". قوله: (على موقع (لِنُسْلِمَ)). قال الزجاج: (وأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ) فيه وجهان، أحدهما: أن يكون: أمرنا لنسلم، ولأن نقيم الصلاة، وثانيهما: أن يكون محمولاً على المعنى، لأن المعنى: أمرنا بالإسلام وبإقامة الصلاة، ويجوز أن يكون محمولاً على قوله: (يَدْعُونَهُ إلَى الهُدَى ائْتِنَا) [الأنعام: ٧١]، (وأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ)، أي: ويدعونه أن أقيموا الصلاة، وكذا عن أبي البقاء. وذكر القاضي ما ذكره المصنف. فقول المصنف: "على موقع (لِنُسْلِمَ) "، أي: لو وقع موقعه "أن نسلم"، بحذف الجار، لصح العطف، فعطف عليه بذلك الاعتبار، كما في (فَأَصَّدَّقَ وأَكُن) [المنافقون: ١٠]. وقال الإمام: "وكان من الظاهر أن يقال: أمرنا لنسلم ولأن نقيم، وإنما عدل إلى قوله: (وأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ) (وأَنْ أَقِيمُوا) ليؤذن بأن الكافر ما دام كافراً كان كالغائب الأجنبي، فخوطب بما يخاطب به الغيب، وإذا أسلم ودخل في زمرة المؤمنين، صار كالقريب الحاضر، فخوطب بما يخاطب به الحاضرون".

стр. 2554

(قَوْلُهُ الْحَقُّ) مبتدأ، و (وَيَوْمَ يَقُولُ) خبره مقدّماً عليه، وانتصابه بمعنى الاستقرار، كقولك: يوم الجمعة القتال. واليوم بمعنى الحين، والمعنى: أنه خلق السموات والأرض قائماً بالحق والحكمة، وحين يقول لشيءٍ من الأشياء: "كُنْ"، فيكون ذلك الشيء قوله الحق والحكمة، أي: لا يكون شيئاً من السموات والأرض وسائر المكونات إلا عن حكمة وصواب. و(يَوْمَ يُنْفَخُ) ظرفٌ لقوله: (وَلَهُ الْمُلْكُ)، كقوله: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ [غافر: ١٦]. ويجوز أن يكون (قَوْلُهُ الْحَقُّ) فاعل (يكون)، على معنى: وحين يقول لقوله الحق- أي: لقضائه الحق-: (كُنْ فيكون قوله الحق) ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((قَوْلُهُ الحَقُّ): مبتدأ، و (ويَوْمَ يَقُولُ) خبره). قال أبو البقاء: "فعلى هذا الواو داخلة على الجملة المقدم فيها الخبر. و (الْحَقُّ) صفة لـ: (قَوْلُهُ)، وقوله: ويجوز أن يكون الظرف متعلقاً بمعنى الجملة التي هي (قَوْلُهُ الحَقُّ)، أي: يحق قوله في يوم يقول: كن". قلت: الواو استثنائية، والجملة تذييل لقوله: (وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ). ولهذا جعل "اليوم" بمعنى "الحين" ليعم الزمان، ثم قال: "أي: لا يكون شيئاً من السماوات والأرض وسائر المكونات إلا عن حكمةٍ وصواب". قوله: (ويجوز أن يكون (قَوْلُهُ الحَقُّ) فاعل (يَكُوُن). قال أبو البقاء: "المعنى: فيوجد قوله الحق. فعلى هذا يكون (قُوْلُهُ) بمعنى: "مقولة"، أي: فيوجد ما قال له: "كن".

стр. 2555

وانتصاب "اليوم" لمحذوفٍ دلّ عليه قوله: (بِالْحَقِّ)، كأنه قيل: وحين يكوّن ويقدّر يقوم بالحق. (عالِمُ الْغَيْبِ) هو عالمُ الغيب، وارتفاعه على المدح. [(وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ* وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ* فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأي: كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ* فَلَمَّا رَأي: الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ* فَلَمَّا رَأي: الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ* إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)]. (آزَرَ): اسم أبي إبراهيم ﵇. وفي كتب التواريخ أنّ اسمه بالسريانية تارح، والأقرب أن يكون وزن (آزَرَ): فاعل، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: قريب منه قول المصنف: "أي: لقضائه الحق". قوله: (وانتصاب "اليوم"): أي (ويَوْمَ يَقُولُ) - على هذا التقدير - منتصب بمحذوف، وهو "يقوم"، والدال عليه: (بِالْحَقِّ)، لأنه حال، وتقديره كما قال: "قائماً بالحق"، ففيه معنى "يقوم". قال أبو البقاء: "يجوز أن يكون عامله: اذكر". قوله: (أن اسمه بالسريانية: تارح). قال صاحب "الجامع": "تارح. التاء فوقها نقطتان، وفتح الراء وبالحاء المهملة".

стр. 2556

مثل تارخ، وعابر، وعازر، وشالخ، وفالغ، وما أشبهها من أسمائهم، وهو عطف بيانٍ لأبيه. وقرئ: «آزر» بالضم على النداء. وقيل: «آزر»: اسم صنم، فيجوز أن ينبز به للزومه عبادته، كما نبز ابن قيسٍ بالرقيات اللاتي كان يشبب بهنّ، فقيل: ابن قيس الرقيات. وفي شعر بعض المحدثين: أُدعى بأسماء نبزاً في قبائلها … كأن أسماء أضحت بعد أسمائي أو أريد: عابد آزر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقرئ "ءأزر تتخذ أصناما آلهةً" بفتح الهمزة وكسرها بعد همزة الاستفهام وزاي: ساكنة وراءٍ منصوبةٍ منونة، وهو اسم صنم. ومعناه: أتعبد إزراً؟ على الإنكار، ثم قال: تتخذ أصناماً آلهة تثبيتاً لذلك وتقريراً، وهو داخلٌ في حكم الإنكار، لأنه كالبيان له. (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ) عطفٌ على (قال إبراهيم لأبيه)، وقوله: (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ) جملةٌ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كان يشبب بهن). الشبيب: النسيب. يقال: هو يشبب بفلانه، أي: يذكر صفتها وحاله معها، في الشعر. قوله: (بعض المحدثين). هو: أبو بكرٍ محمد الأصفهاني، خازن الصاحب ابن عباد.

стр. 2557

معترضٌ بها بين المعطوف والمعطوف عليه. والمعنى: ومثل ذلك التعريف والتبصير نعرف إبراهيم ونبصره ملكوت السموات والأرض، يعني الربوبية والإلهية، ونوفقه لمعرفتها، ونرشده بما شرحا صدره وسدّدنا نظره وهديناه لطريق الاستدلال، (وَلِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ) فعلنا ذلك. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومثل ذلك التعريف)، يريد أن المشار إليه بقوله: "كذلك" معنى ما سيجيء. وعليه في وجه قوله تعالى: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ) [الكهف: ٧٨]. قال المصنف: "قد تصور فراق بينهما عند حلول ميعاده، فأشار إليه". كذلك جعل المشار إليه معنى الآيات التالية، وهي التعريف والتبصير. ويجوز أن يقال: إن الجملة معترضة بين المعطوف، وهو (فَلَمَّا جَنَّ)، والمعطوف عليه، وهو: (قَالَ إبْرَاهِيمُ). والجملة المعترضة مؤكدة، فمرتبتها التأخير، فيكون المشار إليه سابقاً في المرتبة وإن تأخر في اللفظ. ويجوز أن يكون المشار إليه: ما به أنذر أباه، وضلل قومه من المعرفة والبصارة، فيكون قوله: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ) تفصيلاً وبياناً لمعنى المثل في "كذلك". قوله: (يعني الربوبية) تفسير لقوله: (مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ)، وقوله: "ونوفقه لمعرفتها": تفسير للتفسير. قال القاضي: " (مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ): ربوبيتها وملكها. وقيل: عجائبها وبدائعها، والملكوت: أعظم الملك، والتاء فيه للمبالغة".

стр. 2558

و (نُرى) حكايةُ حالٍ ماضية، وكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم، وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤدٍّ إلى أن شيئاً منها لا يصح أن يكون إلهاً، لقيام دليل الحدوث فيها، وأن وراءها محدثاً أحدثها، وصانعاً صنعها، ومدبراً دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها. (هذا رَبِّي): قول من ينصف خصمه مع علمه بأنه مبطل، فيحكى قوله كما هو غير متعصب لمذهبه، لأنّ ذلك أدعى إلى الحق وأنجى من الشغب، ثم يكرّ عليه بعد حكايته، فيبطله بالحجة. (لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ): لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين عن حالٍ إلى حال، المتنقلين من مكانٍ إلى مكان، المحتجبين بستر، فإنّ ذلك من صفات الأجرام. (بازِغاً): مبتدئاً في الطلوع، (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي) تنبيهٌ لقومه على أنّ من اتخذ القمر إلهاً- وهو نظير الكوكب في الأفول- فهو ضال، وأنّ الهداية إلى الحق بتوفيق الله ولطفه. (هذا أَكْبَرُ) من باب استعمال النصفة أيضاً مع خصومه، (إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) من الأجرام التي تجعلونها شركاء لخالقها. (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) أي: للذي دلَّت هذه المحدثات عليه، وعلى أنه مبتدؤها ومبتدعها. وقيل: هذا كان نظره واستدلاله في نفسه، فحكاه الله، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أنجى من الشغب)، الجوهري: "الشغب - بالتسكين، والغين المعجمة-: تهييج الشر، ولا يقال: شغب، بالفتح". قوله: (وقيل: هذا كان نظره): معطوف على جملة قوله: "وكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام … ، فأراد أن ينبههم على الخطأ". فعلى هذا الفاء في (فَلَمَّا جَنَّ) تفصيلية كما سبق.

стр. 2559

والأوّل أظهر لقوله: (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي)، وقوله: (يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ). فإن قلت: لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ، وكلاهما انتقال من حالٍ إلى حال؟ قلت: الاحتجاج بالأفول أظهر، لأنه انتقال مع خفاءٍ واحتجاب. فإن قلت: ما وجه التذكير في قوله: (هذا رَبِّي) والإشارة للشمس؟ قلت: جعل المبتدأ مثل الخبر لكونهما عبارةً عن شيءٍ واحد، كقولهم: ما جاءت حاجتك، ومن كانت أمك؟ و (لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا) [الأنعام: ٢٣]، وكان اختيار هذه الطريقة واجباً لصيانة الرب عن شبهة التأنيث. ألا تراهم قالوا في صفة الله: «علام»، ولم يقولوا: «علامة» وإن كان العلامة أبلغ، احترازاً من علامة التأنيث. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والأول أظهر) أي: استدلاله لأجل قومه على سبيل الاستدراج أقوى لقوله: (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي). قال الزجاج: "واحتج القائلون بأن قوله كان على وجه النظر والاستدلال، بهذه الآية، وهذا لا يوجب ذلك، لأن الأنبياء تسأل الله أن يثبتها على الهدى، وتعلم أنه لولا هداية الله ما اهتدت، وقد قال: (واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) [إبراهيم: ٣٥] ". والعجب أن المصنف قلب القضية، فجعل دليل الخصم دليله، وذلك أن اللام في قوله: (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي) موطئة للقسم، بدليل قوله: (لأَكُونَنَّ). وقد تقرر أن الجملة القسمية إنما يتلقى بها من ينكر ويبالغ في الإصرار. وعلى تقدير أنه ﵊ كان مستدلا، واختلج في خلده تردد، لم يبلغ تردده أن ينكر على نفسه هذا الإنكار البليغ، ولأن قوله: (رَبِي) تصريح بأنه لم يكن مستدلا لنفسه، ولهذا قال: "الأول أظهر".

стр. 2560

وقرئ: "تري إبراهيم ملكوت السموات والأرض" بالتاء ورفع "الملكوت"، ومعناه: تبصره دلائل الربوبية. [(وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ* وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ* وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ* وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الانتصاف: "إنما عرض بضلالهم في أمر القمر، لأنه قد أيس منهم في أمر الكواكب، ولو قاله في الأول لما أنصفوا ولا أصغوا، ولهذا صرح في الثالثة بالبراءة منها، وأنهم على شرك، لما تبلج الحق، وبلغ الغاية في الظهور، ثم قال: "صدق صاحب الكشاف، بل يتعين هذا. وقد جاء في حديث الشفاعة: "فيأتون إبراهيم، فيذكر كذباته الثلاث" وهي كلها معاريض، فلو صدر منه أمر أشد، لذكره، ولو كان هذا مع نفسه لكان شكاً في الله، ولكان أعظم ما صدر عنه، فكان أولى أن يعده، والصحيح أن الأنبياء قبل النبوة معصومون من ذلك". قلت: وأما حسن التأليف فإن قوله لأبيه، وإنكاره عليه بقوله: (أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إنِّي أَرَاكَ وقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) إنما ينتظم انتظاماً مع قوله: (يَا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) إذا كان الاستدلال لأجل القوم، لأن صرف الخطاب معه إلى القوم يستدعي ألا يكون قد أشرك بالله طرفة عين، يؤيده قوله تعالى: (إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الصافات: ٨٤].
следующие страницы →