← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

مثل تارخ، وعابر، وعازر، وشالخ، وفالغ، وما أشبهها من أسمائهم، وهو عطف بيانٍ لأبيه. وقرئ: «آزر» بالضم على النداء. وقيل: «آزر»: اسم صنم، فيجوز أن ينبز به للزومه عبادته، كما نبز ابن قيسٍ بالرقيات اللاتي كان يشبب بهنّ، فقيل: ابن قيس الرقيات. وفي شعر بعض المحدثين: أُدعى بأسماء نبزاً في قبائلها … كأن أسماء أضحت بعد أسمائي أو أريد: عابد آزر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقرئ "ءأزر تتخذ أصناما آلهةً" بفتح الهمزة وكسرها بعد همزة الاستفهام وزاي: ساكنة وراءٍ منصوبةٍ منونة، وهو اسم صنم. ومعناه: أتعبد إزراً؟ على الإنكار، ثم قال: تتخذ أصناماً آلهة تثبيتاً لذلك وتقريراً، وهو داخلٌ في حكم الإنكار، لأنه كالبيان له. (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ) عطفٌ على (قال إبراهيم لأبيه)، وقوله: (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ) جملةٌ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كان يشبب بهن). الشبيب: النسيب. يقال: هو يشبب بفلانه، أي: يذكر صفتها وحاله معها، في الشعر. قوله: (بعض المحدثين). هو: أبو بكرٍ محمد الأصفهاني، خازن الصاحب ابن عباد.

стр. 2557

معترضٌ بها بين المعطوف والمعطوف عليه. والمعنى: ومثل ذلك التعريف والتبصير نعرف إبراهيم ونبصره ملكوت السموات والأرض، يعني الربوبية والإلهية، ونوفقه لمعرفتها، ونرشده بما شرحا صدره وسدّدنا نظره وهديناه لطريق الاستدلال، (وَلِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ) فعلنا ذلك. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومثل ذلك التعريف)، يريد أن المشار إليه بقوله: "كذلك" معنى ما سيجيء. وعليه في وجه قوله تعالى: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ) [الكهف: ٧٨]. قال المصنف: "قد تصور فراق بينهما عند حلول ميعاده، فأشار إليه". كذلك جعل المشار إليه معنى الآيات التالية، وهي التعريف والتبصير. ويجوز أن يقال: إن الجملة معترضة بين المعطوف، وهو (فَلَمَّا جَنَّ)، والمعطوف عليه، وهو: (قَالَ إبْرَاهِيمُ). والجملة المعترضة مؤكدة، فمرتبتها التأخير، فيكون المشار إليه سابقاً في المرتبة وإن تأخر في اللفظ. ويجوز أن يكون المشار إليه: ما به أنذر أباه، وضلل قومه من المعرفة والبصارة، فيكون قوله: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ) تفصيلاً وبياناً لمعنى المثل في "كذلك". قوله: (يعني الربوبية) تفسير لقوله: (مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ)، وقوله: "ونوفقه لمعرفتها": تفسير للتفسير. قال القاضي: " (مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ): ربوبيتها وملكها. وقيل: عجائبها وبدائعها، والملكوت: أعظم الملك، والتاء فيه للمبالغة".

стр. 2558

و (نُرى) حكايةُ حالٍ ماضية، وكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم، وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤدٍّ إلى أن شيئاً منها لا يصح أن يكون إلهاً، لقيام دليل الحدوث فيها، وأن وراءها محدثاً أحدثها، وصانعاً صنعها، ومدبراً دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها. (هذا رَبِّي): قول من ينصف خصمه مع علمه بأنه مبطل، فيحكى قوله كما هو غير متعصب لمذهبه، لأنّ ذلك أدعى إلى الحق وأنجى من الشغب، ثم يكرّ عليه بعد حكايته، فيبطله بالحجة. (لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ): لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين عن حالٍ إلى حال، المتنقلين من مكانٍ إلى مكان، المحتجبين بستر، فإنّ ذلك من صفات الأجرام. (بازِغاً): مبتدئاً في الطلوع، (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي) تنبيهٌ لقومه على أنّ من اتخذ القمر إلهاً- وهو نظير الكوكب في الأفول- فهو ضال، وأنّ الهداية إلى الحق بتوفيق الله ولطفه. (هذا أَكْبَرُ) من باب استعمال النصفة أيضاً مع خصومه، (إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) من الأجرام التي تجعلونها شركاء لخالقها. (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) أي: للذي دلَّت هذه المحدثات عليه، وعلى أنه مبتدؤها ومبتدعها. وقيل: هذا كان نظره واستدلاله في نفسه، فحكاه الله، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أنجى من الشغب)، الجوهري: "الشغب - بالتسكين، والغين المعجمة-: تهييج الشر، ولا يقال: شغب، بالفتح". قوله: (وقيل: هذا كان نظره): معطوف على جملة قوله: "وكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام … ، فأراد أن ينبههم على الخطأ". فعلى هذا الفاء في (فَلَمَّا جَنَّ) تفصيلية كما سبق.

стр. 2559

والأوّل أظهر لقوله: (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي)، وقوله: (يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ). فإن قلت: لم احتج عليهم بالأفول دون البزوغ، وكلاهما انتقال من حالٍ إلى حال؟ قلت: الاحتجاج بالأفول أظهر، لأنه انتقال مع خفاءٍ واحتجاب. فإن قلت: ما وجه التذكير في قوله: (هذا رَبِّي) والإشارة للشمس؟ قلت: جعل المبتدأ مثل الخبر لكونهما عبارةً عن شيءٍ واحد، كقولهم: ما جاءت حاجتك، ومن كانت أمك؟ و (لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا) [الأنعام: ٢٣]، وكان اختيار هذه الطريقة واجباً لصيانة الرب عن شبهة التأنيث. ألا تراهم قالوا في صفة الله: «علام»، ولم يقولوا: «علامة» وإن كان العلامة أبلغ، احترازاً من علامة التأنيث. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والأول أظهر) أي: استدلاله لأجل قومه على سبيل الاستدراج أقوى لقوله: (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي). قال الزجاج: "واحتج القائلون بأن قوله كان على وجه النظر والاستدلال، بهذه الآية، وهذا لا يوجب ذلك، لأن الأنبياء تسأل الله أن يثبتها على الهدى، وتعلم أنه لولا هداية الله ما اهتدت، وقد قال: (واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) [إبراهيم: ٣٥] ". والعجب أن المصنف قلب القضية، فجعل دليل الخصم دليله، وذلك أن اللام في قوله: (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي) موطئة للقسم، بدليل قوله: (لأَكُونَنَّ). وقد تقرر أن الجملة القسمية إنما يتلقى بها من ينكر ويبالغ في الإصرار. وعلى تقدير أنه ﵊ كان مستدلا، واختلج في خلده تردد، لم يبلغ تردده أن ينكر على نفسه هذا الإنكار البليغ، ولأن قوله: (رَبِي) تصريح بأنه لم يكن مستدلا لنفسه، ولهذا قال: "الأول أظهر".

стр. 2560

وقرئ: "تري إبراهيم ملكوت السموات والأرض" بالتاء ورفع "الملكوت"، ومعناه: تبصره دلائل الربوبية. [(وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ* وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ* وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ* وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الانتصاف: "إنما عرض بضلالهم في أمر القمر، لأنه قد أيس منهم في أمر الكواكب، ولو قاله في الأول لما أنصفوا ولا أصغوا، ولهذا صرح في الثالثة بالبراءة منها، وأنهم على شرك، لما تبلج الحق، وبلغ الغاية في الظهور، ثم قال: "صدق صاحب الكشاف، بل يتعين هذا. وقد جاء في حديث الشفاعة: "فيأتون إبراهيم، فيذكر كذباته الثلاث" وهي كلها معاريض، فلو صدر منه أمر أشد، لذكره، ولو كان هذا مع نفسه لكان شكاً في الله، ولكان أعظم ما صدر عنه، فكان أولى أن يعده، والصحيح أن الأنبياء قبل النبوة معصومون من ذلك". قلت: وأما حسن التأليف فإن قوله لأبيه، وإنكاره عليه بقوله: (أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إنِّي أَرَاكَ وقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) إنما ينتظم انتظاماً مع قوله: (يَا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) إذا كان الاستدلال لأجل القوم، لأن صرف الخطاب معه إلى القوم يستدعي ألا يكون قد أشرك بالله طرفة عين، يؤيده قوله تعالى: (إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الصافات: ٨٤].

стр. 2561

مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ* وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ* وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ* أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ* أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ)]. (وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ) وكانوا حاجوه في توحيد الله ونفي الشركاء عنه منكرين لذلك، (وَقَدْ هَدانِ) يعني: إلى التوحيد، (وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ) وقد خوفوه أنّ معبوداتهم تصيبه بسوء، (إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً): إلا وقت مشيئة ربي شيئاً يُخاف، فحذف "الوقت"، يعني: لا أخاف معبوداتكم في وقتٍ قط؛ لأنها لا تقدر على منفعة ولا مضرة، إلا إذا شاء ربي أن يصيبني بمخوفٍ من جهتها إن أصبت ذنباً أستوجب به إنزال المكروه، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ونحو هذا الخطاب قول الرسل: (ومَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [يس: ٢٢]. وأما معنى قوله تعالى: (وكَذَلِكَ نُرِي إبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ) على ما فسره: (ومثل ذلك التعريف والتبصير نعرف إبراهيم"، فالمراد هداية طريقة الاستدلال مع الخصوم، ومزيد تسديد النظر لنفسه. ولا شك أن العارف كلما كر إلى الدلائل، وقررها مع الخصوم، ازداد يقينه، لاسيما إذا حصل مع ذلك إفحام الخصوم، ومن ثم كررها الله في كتابه المجيد.

стр. 2562

مثل أن يرجمني بكوكبٍ أو بشقةٍ من الشمس أو القمر، أو يجعلها قادرة على مضرتي، (وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً) أي: ليس بعجبٍ ولا مستبعدٍ أن يكون في علمه إنزال المخوف بي من جهتها، (أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ) فتميزوا بين الصحيح والفاسد، والقادر والعاجز. (وَكَيْفَ أَخافُ) لتخويفكم شيئاً مأمون الخوف لا يتعلق به ضررٌ بوجه، (و) أنتم (لا تَخافُونَ) ما يتعلق به كل مخوف، وهو إشراككم بالله (ما لم ينزل) بإشراكه (سُلْطاناً) أي: حجة، لأن الإشراك لا يصح أن يكون عليه حجة، كأنه قال: وما لكم تنكرون عليّ الأمن في موضع الأمن، ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويعضده ما ذكره محيي السنة: (لا يجوز أن يكون لله رسول، يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله موحد، وبه عارف، ومن كل معبودٍ سواه بريء. وكيف يتوهم هذا على من عصمه الله، وطهره، وآتاه رشده من قبل، وأخبر عنه، فقال: (إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الصافات: ٨٤]، وقال: (وكَذَلِكَ نُرِي إبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ)! أفتراه أراهه الملكوت ليوقن، فلما أيقن (رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي) معتقداً! هذا لا يكون أبداً، بل أراد أن يستدرج القوم بهذا القول، ويعرفهم خطأهم وجهلهم في تعظيم ما عظموه، وكانوا يعظمون النجوم، ويعبدونها، ويرون أن الأمور كلها إليها". قوله: (وما لكم تنكرون على الأمن في موضع الأمن؟ ) زاد "الموضع" ليشير إلى أنه متمكن على الأمن، فلا يحوم الخوف بساحته، وأنهم على عكسه، تأكيداً لقوله: (وكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ ولا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ)، وإنما زاد "أنتم" لينبه على أنهم أحقاء بالخوف، فبني الكلام على تقوي الحكم.

стр. 2563

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفيه: أن الشرك مكان الخوف ومعدنه، كما أن التوحيد موضع الأمن ومقره، ولهذا استؤنف بقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ) أي: بشرك، بياناً لأمن من تمسك بالتوحيد، وتبرأ عن الشرك، كأنه سأل صلوات الله عليه: أي الفريقين - يعني: فريقي المشركين والموحدين - أحق بالأمن؟ وأجاب هو: هم الذين آمنوا. وهو من باب التبكيت، كقوله تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ) [الأنعام: ١٩]، (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ قُلِ اللَّهُ) [الرعد: ١٦]. و"قل" في الآية مقدر. فظهر من هذا أن الواجب أن يفسر الظلم بالشرك، ولفظ "اللبس" لا يأباه كما سنقرره، وكان تفسير سيد المرسلين، وإمام الموحدين، أولى بالتلقي، على ما روينا عن البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل والترمذي، عن ابن مسعود: لما نزلت الآية شق ذلك على المسلمين، وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: (يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣]؟ ". وفي رواية البخاري: "ليس كما تظنون"، ولأن اسم الإشارة الواقع خبراً للموصول مع صلتها،

стр. 2564

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يشير إلى أن ما بعده ثابت لمن قبله، لاكتسابه ما ذكر من الصفة، ولا ارتياب أن الأمن المذكور بعده هو الأمن المذكور قبل، وهو الأمن الحاصل للموحدين في قوله: (أَحَقُّ بِالأَمْنِ) لأن المعرف إذا أعيد كان الثاني عين الأول، فيجب أن يكون الظلم عين الشرك، ليسلم النظم، فإذا ليس الكلام في المعصية والفسق. أما معنى "اللبس" فهو ما قال القاضي: "لبس الإيمان بالظلم: أن يصدق بوجود الصانع الحكيم، ويخلط بهذا التصديق الإشراك به". وقلت: يؤيده قوله تعالى: (ومَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إلاَّ وهُم مُّشْرِكُونَ) [يوسف: ١٠٦]، قال المصنف: " (ومَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم) في إقراره (بِاللَّهِ)، وبأنه خلقه وخلق السموات والأرض، إلا وهو مشرك بعبادته الوثن، وعن الحسن: هم أهل الكتاب، معهم شرك وإيمان". وقال صاحب "التقريب": "ويحتمل أن يقال: النفاق: لبس الإيمان الظاهر بالكفر الباطن". وقلت: هو نحو قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ) [النساء: ١٣٦]. قال المصنف: "كأنه قيل: يا أيها الذين آمنوا نفاقاً آمنوا إخلاصاً"، ويجوز أن يراد بـ (الَّذِينَ آمَنُوا) المصدقون بألسنتهم، كما قال في قوله تعالى: (واخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ) [الشعراء: ٢١٥]: "فيه وجهان: أن يسميهم قبل الدخول في الإيمان مؤمنين، وأن يريد بالمؤمنين المصدقين بألسنتهم، وهم صنفان: صنف صدق واتبع، وصنف ما وجد منه إلا التصديق فحسب".

стр. 2565

ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف؟ ولم يقل: فأينا أحق بالأمن أنا أم أنتم؟ احترازاً من تزكيته نفسه، فعدل عنه إلى قوله: (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ) يعني فريقي المشركين والموحدين. ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ) أي: لم يخلطوا إيمانهم بمعصيةٍ تفسقهم، وأبى تفسير "الظلم" بالكفر لفظ اللبس. (وَتِلْكَ) إشارةٌ إلى جميع ما احتج به إبراهيم ﵇ على قومه من قوله: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ) إلى قوله: (وَهُمْ مُهْتَدُونَ). ومعنى (آتَيْناها): أرشدناه إليها ووفقناه لها، (نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ) يعني: في العلم والحكمة. وقرئ بالتنوين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما قوله: "وأبى تفسير "الظلم" بالكفر لفظ اللبس": فمبني على أن لفظ "اللبس" موضوع للخلط، وهو يقتضي شيئين، وذلك لا يتصور هاهنا، إذ الكفر والإيمان لا يجتمعان، وأما المعصية فيتصور فيه الخلط، كقوله تعالى: (خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا) [التوبة: ١٠٢]. قال الجوهري: "اللبس - بالضم: مصدر قولك: لبست الثوب، ألبس. واللبس - بالفتح: مصدر قولك: لبست عليه الأمر ألبس: خلطت"، والجواب ما سبق. قوله: (ولم يقل: فأينا أحق بالأمن: أنا أم أنتم؟ احترازاً من تزكية نفسه)، لأن الكلام مرتب بالفاء على (أَخَافُ) ولا تخافون، فيجب تقدير "أينا: أنا وأنتم" مفرداً وجماعة، فيلزم منه أمن نفسه وخوفهم، فكان تزكيته لنفسه صريحاً. قوله: (وقرئ بالتنوين): عاصم وحمزة والكسائي. قال أبو البقاء: (دَرَجَاتٍ) يقرأ

стр. 2566

(وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ) الضمير لنوحٍ أو لإبراهيم، و (داوُدَ) عطفٌ على (نُوحاً)، أي: وهدينا داود، (وَمِنْ آبائِهِمْ) في موضع النصب عطفاً على (كلاً)، بمعنى: وفضلنا بعض آبائهم. (وَلَوْ أَشْرَكُوا) مع فضلهم وتقدّمهم وما رفع لهم من الدرجات؛ لكانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم، كما قال تعالى وتقدّس: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: ٦٥]. (آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) يريد الجنس، (فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ) بالكتاب والحكمة والنبوّة، أو بالنبوّة، (هؤُلاءِِ) يعني: أهل مكة، (قَوْماً) هم الأنبياء المذكورون ومن تابعهم، بدليل قوله (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ)، وبدليل وصل قوله: (فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ) بما قبله. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بالإضافة، وهو مفعول (نَرْفَعُ)، ورفع درجة الإنسان رفع له، ويقرأ بالتنوين، و (مَن) على هذا: مفعول (نَرْفَعُ)، و (دَرَجَاتٍ): ظرف. أو حرف الجر محذوف، أي: إلى درجات. وقيل: منتصب انتصاب المصدر: أي نرفعه رفعات. ويجوز أن ينتصب على التمييز من (مَن نَشَآءُ)، لأنه ما رفع أنفسهم، وإنما رفعت درجاتهم. قوله: ((ومِن ذُرِّيَّتِهِ) الضمير لنوحٍ أو لإبراهيم)، نقله من "معاني" الزجاج. والصحيح الأول. قال محيي السنة: (ومِن ذُرِّيَّتِهِ)، أي: من ذرية نوح، ولم يرد: من ذرية إبراهيم، لأنه ذكر في جملتهم يونس ولوطاً، ولم يكونا من ذرية إبراهيم، وكذا في "الوسيط" و"الكواشي".

стр. 2567

وقيل: هم أصحاب النبي ﷺ وكل من آمن به. وقيل: كل مؤمنٍ من بني آدم. وقيل: الملائكة. وادّعى الأنصار أنها لهم. وعن مجاهدٍ: هم الفرس. ومعنى توكيلهم بها: أنهم وفقوا للإيمان بها والقيام بحقوقها كما يوكل الرجل بالشيء ليقوم به ويتعهده ويحافظ عليه. والباء في (بِها) صلة "كافرين"، وفي (بِكافِرِينَ) تأكيد النفي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي "جامع الأصول": أن يونس كان من الأسباط في زمن شعيا، أرسله الله إلى أهل نينوى من بلد الموصل، وقال: "إن لوطاً كان ابن أخي إبراهيم: هاران بن تارح، آمن بإبراهيم، وشخص معه مهاجراً إلى الشام، فأرسله الله إلى أهل سدوم". وقال الإمام: "لأن نوحاً أقرب المذكورين". وذكر ما قالوه، وقال: "ومن قال: إن الضمير لإبراهيم، يقدر: "ومن ذرية إبراهيم داود وسليمان هدينا" لأن إبراهيم هو المقصود بالذكر، وذكر نوح لتعظيم إبراهيم"، ولذلك ختم بـ (ويُونُسَ ولُوطًا). وجعلهما معطوفين على (نُوحًا هَدَيْنَا) لا على "داود" فيكون من عطف الجملة على الجملة. وصاحب "الكشف" أخرج إلياس أيضاً من ذرية إبراهيم، وليس كذلك، لما ذكر أبو عبد الله الكسائي في "المبتدأ": أنه ابن عيزار بن هارون بن عمران.

стр. 2568

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقد ذكرنا عن "جامع الأصول" أن يونس أيضاً من ذرية إبراهيم، فبقي لوط خارجاً منها، ولما كان ابن أخيه، وآمن به، وهاجر معه، أمكن أن يجعل من الذرية على سبيل التغليب. وقال صاحب "المرشد": اختلفوا في أن الضمير في: (ومِن ذُرِّيَّتِهِ) هل يرجع إلى إبراهيم أو نوح؟ والوجهان محتملان، ومعناه: وهدينا من ذريته داود وسليمان، ثم الوقوف على (المُحْسِنِينَ) كافٍ، ثم يبتدئ (وَزَكَرِيَّا) على أنه معطوف على ما قبله إلى قوله: (وَلُوَطاً)، ويبتدئ: (وكُلاًّ فَضَّلْنَا). وقلت: فعلى هذا كل من الآيات مستقلة في الدلالة، وهو الوجه، إذ ورود ذكر الأنبياء على غير ترتيب، لا سيما إسماعيل، وهو ولد إبراهيم، أخر ذكره، يدل دلالة ظاهرة على الاستقلال. قوله: "بدليل قوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)، وبدليل وصل قوله: (فَإن يَكْفُرْ) "، يعني: دل نظم الآيات على أن المراد بقوله: الأنبياء، فإن الآيتين اللتين صدرتا بـ (أُوْلَئِكَ) إنما عقبتا قوله: (ولَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) للتسلي والتأسي. وذلك أنه تعالى لما ذكر أولئك القادة السادة، وبين مراتبهم وطبقاتهم: تارة بالإحسان، وتارةً بتفضيلهم على العالمين، وأخرى بالاجتباء والهداية على صراطٍ مستقيم، وفذلك ذلك بقوله: (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ) على طريقة قول حاتم: ولله صعلوك …

стр. 2569

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثم عدد له خصالاً فاضلة، ثم عقب تعديدها بقوله: فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه وجعل عمدة ما منحوا، لأجل تلك الخصال، البراءة من الشرك، تعريضاً بالمشركين، كما قال: (ولَوْ أَشْرَكُوا) مع فضلهم وتقدمهم، وما رفع لهم من الدرجات؛ لكانوا كغيرهم، عقب ذلك كله بالآيتين، كما ذكرنا، للتسلي والتأسي. أما التسلي فإن الفاء في قوله: (فَإن يَكْفُرْ بِهَا) إما عاطفة، عطفت الجملة الشرطية على الأولى على الترتيب، على معنى: أولئك الكملة المذكورون، هم الذين آتيناهم الكتاب والحكمة والنبوة، وجعلناهم أهلاً لها، ومضطلعاً للقيام بحقها وحفظها، فإن يكفر بها هؤلاء الحمقى فلا بأس، فإن أولئك الموصوفين بتلك الفضائل النابهة قد آمنوا بها، وصدقوا بها حق التصديق، وأنت منهم، فقد آمنت بكتابك، ومن اتبعك من المؤمنين. أو جزائية، لأن في (والَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ) معنى الشرط، والجملة الشرطية خبر له، والجملة كما هي خبر (أُوْلَئكَ). ولابد في الجزاء من رابطة بالمبتدأ، فوضع (قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ) موضع الضمير، للإشعار بالعلية. والمعنى: أنا منحناهم الكتاب والحكم والنبوة، ووكلناهم بها،

стр. 2570

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يقومون بحقها، ولا يضيعونها، فإن أضاعها هؤلاء الكفرة، ولم يشكروا حق تلك النعمة، فأولئك الأقوام غير موصوفين بذلك، وأنت سيدهم، فلا تحتفل بذلك، كما تقول لصاحبك: منحتك هذا، فإن نازعك فلان فيه، أو أراد إتلافه، فلا بأس، لأنك مليء قادر على حفظه. وأما التأسي فهو قوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ). قال الزجاج: "معنى قوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) الأنبياء الذين ذكرهم (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ): أي: اصبر كما صبروا، فإن قومهم كذبوهم، فصبروا على ما كذبوا وأوذوا، فاقتد بهم". وكذا عن صاحب "المرشد". وقلت: ويعضده قوله: (قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا)، فإنه من أجل ما يتأسى به وأولاه. قال في سورة "هود": "ما من رسول إلا واجه قومه بهذا القول، لأن شأنهم النصيحة، والنصيحة لا يمحصها ولا يمحضها إلا حسم المطامع، وما دام يتوهم شيء منها لم تنجع ولم تنفع"، وهذا التقرير مبني على أن الكلام مبني على التفريق والجمع، فرقهم أولاً مع خلائقهم وخصائلهم في تلك الآيات، ثم جمع خصائلهم في قوله: (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)، الآية، وجمع ذواتهم معها في قوله: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) وأمر حبيبه صلوات الله عليه بالاقتداء بهداهم، والانخراط في سلكهم. ولذلك قال الإمام: "الآية دالة على فضله صلوات الله عليه على سائر الأنبياء، لأنه تعالى

стр. 2571

(فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) فاختص هداهم بالاقتداء، ولا تقتد إلا بهم. وهذا معنى تقديم المفعول، والمراد بـ"هداهم": طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده وأصول الدين دون الشرائع، فإنها مختلفة، وهي هدى ما لم تنسخ، فإذا نسخت لم تبق هدىً، بخلاف أصول الدين فإنها هدى أبداً. والهاء في (اقْتَدِهْ) للوقف، تسقط في الدرج، واستحسن إيثار الوقف لثبات الهاء في المصحف. [(وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أمره بالاقتداء بهداهم، ولابد من امتثاله لذلك الأمر، فوجب أن يجتمع فيه جميع خصائلهم وخلائقهم المتفرقة، ويدخل في هذا المقام، الصبر دخولاً أولياً". واعلم أن هذه الفضيلة - وهي كونه صلوات الله عليه مأموراً بإتباعهم - أعلى فضائلهم، وأسنى مراتبهم المذكورة. ونحوه قوله تعالى: (إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) إلى قوله: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ) [النحل: ١٢٠ - ١٢٣] قال: "فيه تعظيم منزلة رسول الله صلي الله عليه وسلم وإجلال محله، والإيذان بأن أشرف ما أوتي خليل الله من الكرامة إتباع رسول الله صلي الله عليه وسلم ملته". قوله: (والهاء في (أقْتَدِه) للوقف). قال أبو البقاء: "يقرأ بسكون الهاء، وإثباتها في الوقف دون الوصل، وهي على هذا هاء السكت. ومنهم من يثبتها في الوصل أيضاً لشبهها

стр. 2572

(وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ): وما عرفوه حق معرفته في الرحمة على عباده، واللطف بهم حين أنكروا بعثة الرسل والوحى إليهم، وذلك من أعظم رحمته وأجلّ نعمته، (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، [الأنبياء: ١٠٧]، أو: ما عرفوه حق معرفته في سخطه على الكافرين، وشدّة بطشه بهم، ولم يخافوه حين جسروا على تلك المقالة العظيمة من إنكار النبوّة. والقائلون هم اليهود، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بهاء الإضمار". وقال الزجاج: "المختار أن يوقف عند هذه الهاء". وروى صاحب "الكشف" عن أبي علي: "أن الهاء كناية عن المصدر، أي: اقتد اقتداءً". قوله: (أو: ما عرفوه حق معرفته في سخطه على الكافرين)، يريد أن كلا من المعلق والمعلق به، يعني: (إذْ قَالُوا)، (ومَا قَدَرُوا اللَّهَ) يحتمل معنيين مختلفين، وذلك أن قوله: (ومَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) يحتمل أن يكون صفة لطفٍ وصفة قهر، فإذا فسر باللطف جعل (إذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ) إنكاراً منهم لرحمته، لأن بعثة الرسل من جلائل نعمته، وعظائم رأفته، وإذا فسر بالقهر جعل قولهم جسارة على جحود حكمته، لحلول نقمته. قوله: (والقائلون هم اليهود)، وبيان النظم أنه تعالى لما وصف أمة محمد صلوات الله عليه بقوله: (فَإن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ)، وأنهم الذين قاموا بحقوق جميع الكتب المنزلة على جميع الأنبياء، ووفقوا بالإيمان بكلها، وبحفظ مقتضاها، استطرد

стр. 2573

بدليل قراءة من قرأ: (تَجْعَلُونَهُ) بالتاء، وكذلك (تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ)، وإنما قالوا ذلك مبالغةً في إنكار إنزال القرآن على رسول الله ﷺ ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ذكر اليهود، وأنهم على ضد ذلك، حيث طعنوا على الكتب المنزلة، وحرفوا التوراة وغيروها، وكتموا بعضها. وأما إذا أريد بالقوم: الأنبياء، وهو الوجه كما سبق، فالمعنى: أنهم الذين يعرفون الله، وجلال سلطانه، وكمال حكمته في إنشاء خلقه، لأنه تعالى ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق، وهو أن يعبد حق عبادته، ويعرف حق معرفته، وذلك لا يتم إلا بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، لإرشاد الخلق إلى ما خلقوا لأجله، وهؤلاء اليهود (ومَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ). قوله: (بدليل قراءة من قرأ: (تَجْعَلُونَهُ) بالتاء) الفوقانية: كلهم إلا ابن كثير وأبا عمرو. واعلم أن القراءة بالتاء الفوقانية تدل دلالة ظاهرةً على أن القائلين لقوله: (مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ) هم اليهود، لأنهم هم الذين غيروا التوراة ونقضوها، وأما بالياء على هذا فمحمولة على الالتفات، كأنهم جعلوا بعداً لتلك الفعلة القبيحة، ويكون قوله: (وعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا) في موضع الحال في ضمير الفاعل في (تَجْعَلُونَهُ)، والمعنى: تجعلونه ذا قراطيس والحال من أنكم علمتم على لسان محمد صلي الله عليه وسلم، مما أوحي من تصديق كتابكم (مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ ولا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ)، كما أومأ إليه المصنف.

стр. 2574

فألزموا ما لا بدّ لهم من الإقرار به من إنزال التوراة على موسى ﵇، وأدرج تحت الإلزام توبيخهم وأن نعى عليهم سوء حملهم لكتابهم، وتحريفهم، وإبداء بعضٍ وإخفاء بعض، فقيل: (جاءَ بِهِ مُوسى) وهو نورٌ وهدى للناس حتى غيروه ونقصوه وجعلوه قراطيس مقطعةً وورقاتٍ مفرقة، ليتمكنوا مما راموا من الإبداء والإخفاء. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وإن القراءة بالياء التحتانية ظاهرة على أن القائلين المشركون، كما قال: "وقيل: القائلون المشركون، وقد ألزموا إنزال التوراة"، فعلى هذا: (وعُلِّمْتُم): عطف على (أُنزِلَ الكِتَابُ) من حيث المعنى، أي: قل من أنزل التوراة؟ ومن علمكم ما لم تعلموا؟ وتقديره أنهم لما قالوا: (مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ) قيل لهم: ما الكتاب المنزل على موسي واليهود يفعلون به، ويصنعون ما ذكر؟ وما ذلك الكتاب الذي عرفتموه؟ حيث تحديتم به وأنتم فرسان البيان، وزعماء الحوار، فما قدرتم على الإتيان بأقصر سورةٍ منه، فعرفتم أنه حق وصدق. ثم جيء بقوله: (قُلِ اللهُ) إلزاماً لهم وتبكيتاً. وأما توجيه القراءة بالتاء الفوقانية على هذا فمشكل، لعل القائل به يتمحل، ويقول: إنهم لما كانوا يسمعون من اليهود، وكانوا راضين بفعلهم، خوطبوا بذلك، والله أعلم. قوله: (وأدرج تحت الإلزام توبيخهم) يعني: كان من حق الظاهر أن يقال: قل: ما التوراة؟ ثم من أنزل التوراة؟ فإنه كان في الإلزام، فعدل إلى قوله: (الْكِتَابَ)، ووصفه باسم الموصول، وجعل صلته ما ينبئ عن التوبيخ والنعي، على سبيل الإدماج. وبيانه أنه تعالى وصف الكتاب أولاً بالتعظيم والتفخيم، فذكر النبي المكرم، وجعله نوراً وهدى للناس كافة، ثم أتي بقوله: (تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ)، على سبيل الاستئناف، لبيان

стр. 2575

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الموجب، على سبيل التعكيس، لأن كونه نوراً وهدي موجب لأن يجعل ذريعةً إلى التخلص من ظلمات الجهالات، ووسيلةً إلى النجاة من ورطات الكفر والضلالات، فعكسوا وحقروه، حيث جعلوه ذا قراطيس مقطعة، وورقاتٍ مفرقة، وبعضوه، فأخفوا ما أرادوا، وأبدوا ما اشتهوه، ليضلوا ويضلوا. وقد أومأ إلى هذا المعنى بقوله: "وإن نعى عليهم سوء حملهم لكتابهم"، يعني كلفوا علمها والعمل بها، لكونها نوراً وهدى، فخاسوا بها، وظلموا حقها. وهو مقتبس من قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) [الجمعة: ٥]. قال صاحب "المرشد": "هدى للناس": وقف كافٍ، ومنهم من فرق بين القراءتين، وقال: هو وقف حسن إذا قرئ بالياء التحتاني، ولا فرق عندي، وهو وقف حسن على القراءتين. وقال أبو البقاء: (نُوراً): حال من الهاء في (بِه) أو من (الْكِتَابَ)، و (بِهِ): يجوز أن تكون مفعولاً به، وأن تكون حالاً، و (تَجْعَلُونَهُ): مستأنف لا موضع له. ولذلك فرق المصنف حين أخرج (نُوراً وَهُدىً) في صورة الجملة الاسمية، ليؤذن بأنها حال مؤكدة، وأبرز تفسير (تَجْعَلُونَهُ) مصدراً بكلمة الغاية، ليدل على القطع،

стр. 2576

وروي: أن مالك بن الصيف - من أحبار اليهود ورؤسائهم - قال له رسول الله ﷺ : "أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أنّ الله يبغض الحبر السمين؟ فأنت الحبر السمين، قد سمنت من مالك الذي يطعمك اليهود"، فضحك القوم، فغضب، ثم التفت إلى عمر فقال: ما أنزل الله على بشر من شيء، فقال له قومه: ويلك! ما هذا الذي بلغنا عنك؟ قال: إنه أغضبني، فنزعوه، وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف. وقيل: القائلون قريش، وقد ألزموا إنزال التوراة، لأنهم كانوا يسمعون من اليهود بالمدينة ذكر موسى والتوراة، وكانوا يقولون: لو أنا أنزل علينا الكتاب، لكنا أهدى منهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأن مجيء ذلك النور، وتلك الهداية، امتد إلى زمن أولئك الضالين المضلين، حتى فعلوا بها ما فعلوا. ثم وزان هذه الآية مع ما يتلوها من قوله: (وهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ) وزان قوله تعالى في آخر السورة: (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وتَفْصِيلاً) [الأنعام: ١٥٤] الآية: مع قوله: (وهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ) [الأنعام: ١٥٥]. أما قوله: (والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) وقوله: (ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) الآية، فكالتفصيل لما يحصل من إجمال قوله: (ولِتُنذِرَ أُمَّ القُرَى ومَنْ حَوْلَهَا)، لأن المعنى: إيذان بإنذار أهل أم البلاد، ثم شرع في إنذار من حولها من المكلفين، فهم: إما مصدقون أو مكذبون. قوله: (أنشدك)، الجوهري: "نشدت فلاناً": إذا قلت له: نشدتك الله، أي: سألتك بالله، كأنك ذكرته إياه.

стр. 2577

(وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ) الخطاب لليهود، أي: علمتم على لسان محمدٍ ﷺ مما أوحي إليه ما لم تعلموا أنتم، وأنتم حملة التوراة، ولم تعلمه آباؤكم الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم، (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [النمل: ٧٦]. وقيل: الخطاب لمن آمن من قريش، كقوله تعالى: (لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم) [يس: ٦]. (قُلِ اللَّهُ) أي: أنزله الله، فإنهم لا يقدرون أن يناكروك، (ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) في باطلهم الذي يخوضون فيه، ولا عليك بعد إلزام الحجة. ويقال لمن كان في عملٍ لا يجدى عليه: إنما أنت لاعب. و(يَلْعَبُونَ) حالٌ من (ذرهم)، أو من (خوضهم)، ويجوز أن يكون (فِي خَوْضِهِمْ) حالاً من (يلعبون)، وأن يكون صلةً له أو لـ (ذرهم). [(وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فإنهم لا يقدرون أن يناكروك) أي: قوله: (قُلِ اللهُ)، بمعنى: قل: الله (أَنزَلَ الكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى) إلى آخره، تبكيت وإلزام وإشعار بأن الجواب متعين لا يمكن غيره، وتنبيه على أنهم مبهوتون، لا يقدرون على الجواب، ولهذا عقبه بقوله: (ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ). قوله: (و (يَلْعَبُوَن): حال من (ذَرْهُمْ) أو من (خَوْضِهِمْ)، أو (فيِ خَوْضِهِمْ) حال من (يَلْعَبُونَ)). وفي كلامه توسع، لأن المراد: حال من الضمائر على التقادير، وهي حال مؤكدة، كقوله تعالى: (ولا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [البقرة: ٦٠].

стр. 2578

(مُبارَكٌ): كثير المنافع والفوائد، (ولتنذر) معطوفٌ على ما دلّ عليه صفة الكتاب، كأنه قيل: أنزلناه للبركات وتصديق ما تقدمه من الكتب والإنذار. وقرئ: (ولينذر) بالياء والتاء. وسميت مكة (أُمَّ الْقُرى) لأنها مكان أول بيتٍ وضع للناس، ولأنها قبلة أهل القرى كلها ومحجهم، ولأنها أعظم القرى شأناً. ولبعض المجاورين: فمن يلق في بعض القريّات رحله … فأمّ القرى ملقى رحالي ومنتابي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال أبو البقاء: " (فِي خَوْضِهِمْ): يجوز أن يتعلق بـ (ذَرْهُمْ) على أنه ظرف له، وأن يكون حالاً من ضمير المفعول في (ذَرْهُمْ)، وأن يكون متعلقاً بـ (يَلْعَبُونَ)، و (يَلْعَبُونَ) حال صاحبها ضمير المفعول في (ذَرْهُمْ) إذا لم تجعل (فيِ خَوْضِهِمْ) حالاً منه، وإن جعلته حالاً منه كانت الحال الثانية من ضمير الاستقرار في الحال الأولى، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير المجرور في (خَوْضِهِمْ) ويكون العامل: المصدر، والمجرور: فاعل في المعنى". قوله: (وقرئ: "لينذر" بالياء والتاء): كلهم بالتاء الفوقانية سوى أبي بكر. قوله: (ولِبَعْض المجاورين). قيل: عنى به نفسه، وقيل له: لم تجاور مكة؟ قال: القلب

стр. 2579

(وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ): يصدّقون بالعاقبة ويخافونها، (يُؤْمِنُونَ) بهذا الكتاب، وذلك أنّ أصل الدين خوف العاقبة، فمن خافها لم يزل به الخوف حتى يؤمن. وخصّ الصلاة لأنها عماد الدين. ومن حافظ عليها كانت لطفاً في المحافظة على أخواتها. [(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ)]. (افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) فزعم أن الله بعثه نبياً، (أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ) وهو مسيلمة الحنفي الكذاب، أو كذاب صنعاء الأسود العنسي. وعن النبيّ ﷺ : "رأيت فيما يرى النائم كأنّ في يديّ سوارين من ذهب، فكبرا عليّ وأهماني، فأوحى الله إليّ: أن انفخهما، فنفختهما فطارا عني، فأولتهما الكذابين الذين أنا بينهما؛ كذاب اليمامة مسيلمة، وكذاب صنعاء الأسود العنسي". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الذي أجده ثمة لا أجده هاهنا. منتابي: مرجعي، انتاب فلان القوم، أي: أتاهم مرة بعد أخرى، وهو افتعال من النوب. قوله: (كانت لطفاً له). أي: كانت المحافظة على الصلاة فتح باب في المحافظة على الصوم والإنفاق والحج وغيرها، وزجراً عن المعاصي. قوله: (رأيت فيما يرى النائم) الحديث أخرجه الشيخان عن أبي هريرة، ولعله صلوات الله عليه أول السوارين بالكذابين، لأن السوار، سيما إذا كان ذهباً، ليس من سمة

стр. 2580

(وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ) هو عبد الله بن سعد بن أبي سرحٍ القرشي، كان يكتب لرسول الله ﷺ ، فكان إذا أملى عليه: "سميعاً عليماً"، كتب هو: "عليماً حكيماً"، وإذا قال عليماً حكيماً، كتب: "غفوراً رحيماً، فلما نزلت: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) [المؤمنون: ١٢] إلى آخر الآية، عجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان، فقال: تبارك الله أحسن الخالقين. فقال النبي ﷺ : "اكتبها، فكذلك نزلت"، فشك عبد الله وقال: لئن كان محمدٌ صادقاً لقد أوحي إليّ مثل ما أوحي إليه، ولئن كان كاذباً لقد قلت مثل ما قال، فارتدّ عن الإسلام، ولحق بمكة، ثم رجع مسلماً قبل فتح مكة. وقيل: هو النضر بن الحرث والمستهزئون. (وَلَوْ تَرى) جوابه محذوف، أي: رأيت أمراً عظيماً، (إِذِ الظَّالِمُونَ) يريد: الذين ذكرهم من اليهود والمتنبئة، فتكون اللام للعهد، ويجوز أن تكون للجنس، فيدخل فيه هؤلاء لاشتماله، و (غَمَراتِ الْمَوْتِ): شدائده وسكراته، وأصل الغمرة: ما يغمر من الماء، فاستعيرت للشدّة الغالبة. (باسِطُوا أَيْدِيهِمْ): يبسطون إليهم أيديهم يقولون: هاتوا أرواحكم، أخرجوها إلينا من أجسادكم. وهذه عبارةٌ عن العنف في السياق، والإلحاح، والتشديد في الإزهاق، من غير تنفيسٍ وإمهال، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الرجال، خصوصاً الأنبياء، وكونهما في يديه دل على شخصين ينازعانه فيما يتقوى به من الرسالة والنبوة، كقوله تعال: (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ) [القصص: ٣٥]، ولا يكونان إلا كذابين. وقال التوربشتي: "نبه بنفخهما على استحقار شأنهما، وأنهما يمحقان بأدنى ما يصيبهما من بأس الله". قوله: (عبارة عن العنف) أي: كناية، لا أن ثمة تبسط الأيدي.

стр. 2581

وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم الملظ؛ يبسط يده إلى من عليه الحق، ويعنف عليه في المطالبة ولا يمهله، ويقول له: أخر إليّ مالي عليك الساعة، ولا أريم مكاني، حتى أنزعه من أحداقك. وقيل: معناه: باسطو أيديهم عليهم بالعذاب. (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ): خلصوها من أيدينا، أي: لا تقدرون على الخلاص، (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ) يجوز أن يريدوا وقت الإماتة وما يعذبون به من شدة النزع، وأن يريدوا الوقت الممتدّ المتطاول الذي يلحقهم فيه العذاب في البرزخ والقيامة. والهون والهوان: الشديد، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقوله: (أنهم يفعلون بهم فعل الغريم) إلى آخره: بيان لوجه التمثيل، وأن أصل الكناية أخذ الزبدة والخلاصة من التمثيل، الذي هو تشبيه الحالة بالحالة. قوله: (الغريم الملظ)، الجوهري: "ألظ فلان بفلان: إذا لزمه، عن أبي عمرو: هو ملظ به: إذا لزمه لا يفارقه". الإزهاق: "من: زهقت نفسه تزهق زهوقاً، أي: خرجت". قوله: (ولا أريم مكاني)، الجوهري: رامه يريمه ريماً، أي: برحه. يقال: لا ترمه، أي: لا تبرحه. والسياق: نزع الروح. قوله: (اليَوْمَ تُجْزَوْنَ) يجوز أن يريدوا وقت الأمانة، … وأن يريدوا الوقت الممتد المتطاول): والظاهر هذا الثاني، لأن قوله: (ولَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى) [الأنعام: ٩٤] مناسب لحال القيامة، لأن الآيات الواردة في معناها في فيها، وقد عطف من حيث المعنى على (تُجْزَوْنَ). والتقدير: يقولون: (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ) واليوم يقال لهم: (ولَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى) [الأنعام: ٩٤].

стр. 2582

وإضافة "العذاب" إليه كقولك: رجل سوء، يريد العراقة في الهوان والتمكن فيه. (عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) فلا تؤمنون بها. [(وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ)]. (فُرادى): منفردين عن أموالكم وأولادكم وما حرصتم عليه، وآثرتموه من دنياكم، وعن أوثانكم التي زعمتم أنها شفعاؤكم وشركاء لله، (كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ): على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد، (وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ): ما تفضلنا به عليكم في الدنيا فشغلتم به عن الآخرة، (وَراءَ ظُهُورِكُمْ): لم ينفعكم ولم تحتملوا منه نقيراً، ولا قدّمتموه لأنفسكم، (فِيكُمْ شُرَكاءُ) في استعبادكم، لأنهم حين دعوهم آلهة وعبدوها، فقد جعلوها لله شركاء فيهم وفي استعبادهم. وقرئ: "فراداً" بالتنوين. و"فراد" مثل: ثلاث، و"فردى" مثل: سكرى. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كقولك: رجل سوء) أي: عذاباً شديداً، فأضيف ليدل على أن العذاب ملك له، لأن نسبة الإضافة ألصق من نسبة الصفة بالموصوف. ومن ثم قال: "يريد العراقة في الهوان": أي: الأصالة. الأساس: "فلان معرق في الكلام أو اللؤم، وهو عريق فيه، واعترقت الشجرة، واستعرقت: ضربت بعروفها". قوله: (في استعبادكم) أي: زعمتم أن الأصنام شركاء لله في عبادتكم، لأنهم إذا عبدوا الآلهة، فقد جعلوا لله شركاء، والإضافة إلى الفاعل، أي: استعبادكم الآلهة. وقوله: "وفي استعبادهم" عطف تفسيري على قوله: "فيهم"، على نحو: "أعجبني زيد وكرمه". قوله: (وقرئ: "فراداً" بالتنوين)، كـ"رحال" جمع: "رحل"، في الشواذ. والسبعة:

стр. 2583

فإن قلت: (كما خلقناكم)، في أي: محلٍّ هو؟ قلت: في محل النصب صفة لمصدر (جئتمونا)، أي: مجيئاً مثل خلقنا لكم. (تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ): وقع التقطع بينكم، كما تقول: جمع بين الشيئين، تريد: أوقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التأويل، ومن رفع فقد أسند الفعل إلى الظرف، كما تقول: قوتل خلفكم وأمامكم. وفي قراءة عبد الله: "لقد تقطع ما بينكم". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "فرادى" بالألف بغير تنوين، جمع "فردان"، أي: كـ"سكارى" و "سكران". قوله: (أي: مجيئاً مثل خلقنا لكم). المجيء: عبارة عن خلق الله إياهم ثانياً، فهو مثل خلقه إياهم أولاً. ونحوه قوله تعالى: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) [الأعراف: ٢٩]. قال القاضي: لقد جئتمونا للحساب والجزاء، منفردين عن الأموال والأولاد وسائر ما آثرتموه من الدنيا، (كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)، أي: على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد. فعلى هذا (كَمَا خَلَقْنَاكُمْ): بدل من (فُرَادَى) أو حال ثانية إن جوز التعدد فيها، أو حال من الضمير في (فُرَادَى)، أي: مشبهين ابتداء خلقكم عراة حفاة غرلاً. أو صفة مصدر؛ كما قال المصنف، والأحسن للتأليف أن يكون حالاً من الضمير في (فُرَادَى) معنى ولفظاً. قال أبو البقاء: (أَوَلَ): ظرف لـ (خَلَقْنَاكُمْ). والمرة، في الأصل، مصدر مر يمر، ثم استعمل ظرفاً اتساعاً. وهذا يدل على قوة شبه الزمان بالفعل". قوله: (وقع التقطع بينكم). قال القاضي: "البين: من الأضداد، يستعمل في الوصل والفصل. وقيل: هو الظرف أسند إليه الفعل على الاتساع، والمعنى: وقع التقطع بينكم. ويشهد

стр. 2584

[(إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)]. (فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى) بالنبات والشجر. وعن مجاهدٍ: أراد الشقين الذين في النواة والحنطة، (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) أي: الحيوان، والنامي من النطف والبيض والحب والنوى، (وَمُخْرِجُ) هذه الأشياء الميتة من الحيوان والنامي. فإن قلت: كيف قال: (مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ) بلفظِ اسم الفاعل، بعد قوله: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ)؟ ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ له قراءة نافعٍ والكسائي وحفص عن عاصم: بالنصب، على إضمار الفاعل لدلالة ما قبله عليه، أو أقيم مقام موصوفه، وأصله: لقد تقطع ما بينكم. وقد قرئ به". وقال صاحب "الكشف": (مَا): موصوف، و (بَيْنَكُمْ): صفته، وليس بموصول، لأن الموصول لا يحذف. قال صاحب "الفرائد": قوله: (لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) على إسناد الفعل إلى مصدره" يعني: وقع التقطع بينكم بعيد، لأن التقطع لازم، وما ذكره من النظر مستبعد، وهو قوله: "جمع بين الشيئين"، لأنه تقدير أصله: "أوقع الجمع بين الشيئين"، وهو من قبيل ما جعل المفعول به، لنسيانه، بتأويل جمع الجمع بينهما، أو أوقع الجمع بينهما. هذا إذا كان متعدياً، فأما إذا كان لازماً فليس كذلك. ويمكن أن يقال: إن الاستشهاد لمجرد إسناد الفعل إلى مصدره، سواء كان لازماً أو متعدياً.

стр. 2585

قلت: عطفه على (فالق الحب والنوى)، لا على الفعل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عطفه على (فَالِقُ الحَبِّ والنَّوَى) لا على الفعل). فإن قلت: لم لم يعطف عليه، كما ذهب إليه الإمام، ويكون الغرض إرادة الاستمرار في الأزمنة المختلفة، كما سبق في قوله تعالى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) [البقرة: ١٥]، ليكون إخراج الحي من الميت أولى في القصد من عكسه، ولأن المناسبة في الصنعة البديعية تقتضي هذا، لأنه من باب العكس والتبديل، كقوله تعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) [الحج: ٦١]، ولورود سائر ما يشبه الآية على هذا المنوال؟ قلت: يمنعه ورود الجملة الثانية مفصولة عن الأولى على سبيل البيان، ولو عطفت الثالثة على الثانية كانت بيانيةً مثلها، لكنها غير صالحة له، لأن (فَالِقُ الحَبِّ والنَّوَى) ليس متضمناً لإخراج الميت من الحي. فإن قلت: فقدر لها مبيناً مناسباً لها، كما صنعت في قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ) [النساء: ٩٥] على تقدير: (فَالِقُ الحَبِّ والنَّوَى)، وخالق الحب والنوى. قلت: يفوت إذن غرض التعميم الذي تعطيه الآية، من إرادة "يخرج الحيوان والنامي من النطف والبيض والحب والنوى"، فإن هذا المعنى إنما يحصل إذا قدر: و (وَمُخْرِجُ) معطوفاً على (فَالِقُ الحَبِّ والنَّوَى). ثم يسري معنى العموم إلى قرينتها، فيصح أن يقال: (يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ)، أي: الحيوان والنامي من النطف والبيض والحب والنوى، ومخرج هذه الأشياء الميتة من الحيوان والنامي. ولو قدر معطوفاً على (يُخْرِجُ) اختص بالحب والنوى.

стр. 2586

و (يخرج الحيَّ من الميت) موقعه موقع الجملة المبينة لقوله: (فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى)، لأنّ فلق الحب والنوى بالنبات والشجر النامين من جنس إخراج الحيّ من الميت، لأنّ النامي في حكم الحيوان، ألا ترى إلى قوله: (يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) [الروم: ٥٠]. (ذلِكُمُ اللَّهُ) أي: ذلكم المحيي والمميت هو الله الذي تحق له الربوبية، (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ): فكيف تصرفون عنه وعن توليه إلى غيره. [(فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)]. (الْإِصْباحِ) مصدرٌ سمي به الصبح. وقرأ الحسن بفتح الهمزة جمع صبح وأنشد قوله: أفنى رباحًا وبني رباح … تناسخ الإمساء والإصباح ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال صاحب "الانتصاف": "تكرر في القرآن (يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ) [يونس: ٣١]. فيبعد قطعها عن نظيرها، والوجه أن قياس الآية أن تكون الصفات باسم الفاعل، كقوله: (فَالِقُ الحَبِّ)، (فَالِقُ الإصْبَاحِ)، (وجَعَلَ اللَّيلَ)، وإنما عدل إلى صيغة المضارع في (يُخْرِجُ) ليدل على تصوير ذلك وتمثيله واستحضاره، وإخراج الحي من الميت أولى في الوجود، وأعظم في القدرة، فكانت العناية به أتم، ولذلك جاء مقدماً في مواضعه، وحسن عطف الاسم على الفعل المضارع لأنه في معناه". قوله: (أفنى رياحاً)، رياح: اسم قبيلة، أي: أفناهم تعاقب الدهور والأعصار، ومرور الليل والنهار.

стр. 2587

بالكسر والفتح؛ مصدرين، وجمعي مسي وصبح. فإن قلت: فما معنى فلق الصبح، والظلمة هي التي تنفلق عن الصبح، كما قال: تردّت به ثمّ انفرى عن أديمها … تفرّى ليل عن بياض نهار قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يراد: فالق ظلمة الإصباح، وهي الغبش في آخر الليل، ومنقضاه الذي يلي الصبح. والثاني: أن يراد فالق الإصباح الذي هو عمود الفجر عن بياض النهار وإسفاره. وقالوا: انشق عمود الفجر. وانصدع الفجر. وسموا الفجر فلقا بمعنى مفلوق، وقال الطائي: وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه … وأوّل الغيث قطر ثمّ ينسكب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (تفري ليلٍ عن بياض نهار) الشعر لأبي نواس يصف الخمر، قبله: كأن بقايا ما عفا من حبابها … تفاريق شيبٍ في سوادٍ عذار تردت به ثم انفرى عن أديمها … تفري ليلٍ عن بياض نهار تردت به، أي: بالحباب، يعني: أظهرته الخمر على وجهها. فريت الأديم فرياً، أي: شققته، وأراد به: تشقق الحباب على وجه الخمر. قوله: (وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه) الطائي: هو البحتري، وتمامه:

стр. 2588

وقرئ: "فالق الإصباح وجاعل الليل" بالنصب على المدح. وقرأ النخعي: "فلق الإصباح وجعل الليل". السكن: ما يسكن إليه الرجل ويطمئن استئناساً به واسترواحاً إليه، من زوج أو حبيب، ومنه قيل للنار: سكن؛ كأنه يستأنس بها، ألا تراهم سموها المؤنسة؟ والليل يطمئن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه وجمامه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأول الغيث رش ثم ينسكب قبله: هذي مخايل برق خلقه مطر … جود، ووري زنادٍ خلفه لهب استشهد به على أن الصبح هو الذي ينشق عن بياض النهار. قوله: (وقرأ النخعي: "فلق الإصباح وجعل الليل"). "فلق": شاذ، و (جَعَلَ): قرأ بها عاصم وحمزة والكسائي، حملوه على معنى المعطوف عليه، فإن (فَاِلقُ) بمعنى: "فلَق". قوله: (والليل يطمئن إليه التعب بالنهار)، الأساس: "من المجاز: اطمأن إليه: سكن إليه: ووثق به"، كأنه ضمن "اطمأن" معنى "سكن". وإسناد "سكن" إلى الليل من باب: قائم ليله، وصائم نهاره، أي: يسكن إليه من تعب في النهار، ولهذا علله بقوله: "لاستراحته فيه". قوله: (وجمامه)، الجوهري: "الجمام - بالفتح -: الراحة، يقال: جم الفرس جماً وجماماً: إذا ذهب إعياؤه".

стр. 2589

ويجوز أن يراد: وجعل الليل مسكوناً فيه، من قوله: (لتسكنوا فيه) [يونس: ٦٧، غافر: ٦١]. (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) قرئا بالحركات الثلاث: فالنصب على إضمار فعل دل عليه "جاعل الليل"، أي: وجعل الشمس والقمر حسباناً، أو يعطفان على محل "الليل". فإن قلت: كيف يكون لـ"الليل" محل والإضافة حقيقية، لأنّ اسم الفاعل المضاف إليه في معنى المضيّ، ولا تقول: زيدٌ ضاربٌ عمراً أمس؟ قلت: ما هو في معنى المضيّ، وإنما هو دال على جعلٍ مستمرّ في الأزمنة المختلفة، وكذلك (فالق الحب)، و (فالق الإصباح)، كما تقول: الله قادرٌ عالم، فلا تقصد زماناً دون زمان. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((والشَّمْسَ والْقَمَرَ): قرئا بالحركات الثلاث). النصب: العامة، والرفع والجر: شاذتان. قوله: (ولا تقول: زيد ضارب عمراً أمس). قال الزجاج: "ولا يجوز: "جاعل الليل سكناً"، لأن أسماء الفاعلين، إذا كان الفعل ماضياً، أضيفت إلى ما بعدها لا غير. تقول: هذا ضارب زيداً أمس. أجمع البصريون على أنه لا يجوز في "زيد" النصب، وبعض الكوفيين يجيزه. فإذا قلت: هذا معطي زيد درهماً، فنصب "درهماً" محمول على تأويل: أعطي". قوله: (دال على جعلٍ مستمر). قال صاحب "التقريب": "فيه نظر، لأنه بخلاف ما ذكره في: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة: ٤] ". والجواب: أنه ليس مخالفاً له، بل هو تبيين وتفصيل لما

стр. 2590

والجرُّ عطفٌ على لفظ "الليل". والرفع على الابتداء، والخبر محذوف، تقديره: والشمس والقمر مجعولان حسباناً، أو محسوبان حسباناً. ومعنى جعل الشمس والقمر حسباناً: جعلهما على حسبان، لأنّ حساب الأوقات يعلم بدورهما وسيرهما. والحسبان - بالضم -: مصدر حسب، كما أنّ الحسبان - بالكسر - مصدر حسب. ونظيره الكفران والشكران. (ذلِكَ) إشارةٌ إلى جعلهما حسباناً، أي: ذلك التسيير بالحساب المعلوم، (تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ) الذي قهرهما وسخرهما (الْعَلِيمِ) بتدبيرهما وتدويرهما. [(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ذكره هنالك، لأنه قال بعد ما قرر أنه إضافة اسم الفاعل إلى معموله: "إنما تكون غير حقيقية، إذا أريد باسم الفاعل الحال أو الاستقبال، نحو: "مالك الساعة أو غدٍ"، وأما إذا قصد زمان مستمر، كقولك: "مالك العبيد"، كانت الإضافة حقيقية". وقد استقصينا القول فيه هناك. والذي نريده هاهنا هو أن اسم الفاعل المضاف، إذا كان بمعنى المضي فقط، تكون إضافته إلى ما بعده حقيقية، لانتفاء المشابهة المعنوية التي هي جزء العلة في إعمال اسم الفاعل، وإذا كان بمعنى الاستقبال أو الحال فقط، تكون إضافته غير حقيقية، لوجود المشابهة

стр. 2591

(فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ): في ظلمات الليل بالبر والبحر، وأضافها إليهما لملابستها لهما، أو شبه مشتبهات الطرق بالظلمات. [(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ التامة المقتضية للعمل. وأما إذا كان بمعنى الاستمرار، يعني يكون معناه موجوداً في جميع الأزمنة: من الماضي والمستقبل والحال، كالعالم والقادر، فيكون في إضافته اعتباران: أحدهما: محضة باعتبار معنى المضي وبهذا الاعتبار يقع صفة للمعرفة، وثانيهما: غير محضةٍ باعتبار معنى الاستقبال، وبهذا الاعتبار يعمل فيما أضيف إليه، نحو قوله تعالى: (أَيًا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى) [الإسراء: ١١٠]، فإن (أَيَّا)، من جهة كونها متضمنة لمعنى الشرط، عامل في (تَدْعُوا)، ومن جهة كونها اسماً يتعلق بـ (تَدْعُوا) معمول له. وقال صاحب "الفرائد" في قوله تعالى: (وقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَابِ) [غافر: ٣]: لما كان "القابل" بالنظر إلى أنه شيء له القبول، لا بالنظر إلى أنه عامل، صلح أن يكون صفةً له بالإضافة إلى "التوب"، وكان معرفة، فيصلح أن يكون "الشديد" من حيث إنه شيء له الشدة، لا بالنظر إلى أنه عامل، صفةً له بالإضافة إلى "العقاب"، فعلى هذا يكون (شَدِيدُ العِقَابِ) معرفة، فليتأمل. وقال صاحب "لباب التفاسير": "والظاهر في (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة: ٤] النكرة، لأنه بمعنى الاستقبال، وإضافة اسم الفاعل بمعنى الاستقبال لا يفيد تعريفاً، ولكن حمل على الماضي لتحقق لفظه".

стр. 2592

من فتح قاف "المستقر" كان "المستودع" اسم مكانٍ مثله أو مصدراً، ومن كسرها، كان اسم فاعل و"المستودع" اسم مفعول. والمعنى: فلكم مستقرٌّ في الرحم ومستودعٌ في الصلب، أو مستقر فوق الأرض ومستودع تحتها، أو: فمنكم مستقرٌّ ومنكم مستودعٌ. فإن قلت: لم قيل: (يَعْلَمُونَ) مع ذكر النجوم، و (يَفْقَهُونَ) مع ذكر إنشاء بني آدم؟ قلت: كان إنشاء الإنس من نفسٍ واحدة، وتصريفهم بين أحوالٍ مختلفةٍ ألطف وأدق صنعةً وتدبيراً، فكان ذكر الفقه الذي هو استعمال فطنة وتدقيق نظر مطابقاً له. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من فتح قاف "المستقر"). قرأها كلهم إلا ابن كثير وأبا عمرو، ويروى: "من فتح فاء المستقر" أي: فاء فعله، وهو القاف، لأن أصله: "قر". قال الزجاج: "الأكثر في القراءة: "مستقر"، بفتح القاف، وقد قرئت بكسرها، (وَمُسْتَوْدَعٌ) بالفتح لا غير". قوله: (ألطف وأدق صنعةً): إشارة إلى أن في دلائل الأنفس من دقة النظر ما ليس في دلائل الآفاق. ويوافقه ما ذكره حجة الإسلام: "الطبيعيون أكثروا البحث عن عجائب الحيوان والنبات، ورأوا في تشريح أعضاء الحيوان من عجائب صنع الله، وبدائع حكمته، ما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم، مطلعٍ على غايات الأمور ومقاصدها". الانتصاف: "لا يتحقق الفرق، وإنما أريد أن يكون لكل آية فاصلة مستقلة بالمقصود،

стр. 2593

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعداً عن التكرار، وتفنناً في البلاغة. ويحتمل أن يقال: الفقه أدني درجات العلم، والجهل بالنجوم جهل بأمرٍ خارج عن الذات، فسمى عارفه عالماً، والآخر لا يخرج عن أحوال النفس، وجهل الإنسان بأحوال نفسه أبشع، فسمى العارف به فقيهاً، لأن "الفقه" هاهنا من "فقه" - بالكسر -: إذا فهم ولو أدني فهم، وليس من باب "فقه" بضم القاف، لأنها درجة عالية، أي: صار فقيهاً. قال الهروي: "قال سلمان لامرأةٍ وقد أجابته عن سؤال: "فقهت"، أي: فهمت". "وقولنا: "لا يفقه شيئاً"، أذم من قولنا: "لا يعلم"، لأن نفي العلم نفي حصوله، وقد يكون فقيهاً، ويدل على أن جهل الإنسان بأمر نفسه أقبح لإنكاره، بقوله: (وفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) [الذاريات: ٢١] ". وقلت: الصحيح ما ذهب إليه المصنف، لأن صاحب "النهاية" قال: "الفقه في الأصل: الفهم، يقال: فقه الرجل - بالكسر - يفقه فقهاً: إذا فهم وعلم. وفقه - بالضم - يفقه: إذا صار فقيهاً عالماً. وجعله العرف خاصاً بعلم الشريعة وتخصيصاً بعلم الفروع". وقال الجوهري: "فقه الرجل - بالكسر - وفلان لا يفقه. ثم خص به علم الشريعة"، وقد تقرر أن لابد من رعاية المناسبة بين المنقول عنه والمنقول إليه. وإنما خص علم الشريعة بالفقه لأنه علم مستنبط بالقوانين والأدلة، والأقيسة، والنظر الدقيق، بخلاف علم اللغة، والنحو، والصرف، وغير ذلك.

стр. 2594

[(وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)]. (فَأَخْرَجْنا بِهِ): بالماء (نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ): نبت كل صنف من أصناف النامي، يعني: أن السبب واحد وهو الماء، والمسببات صنوفٌ مفتنة، كما قال: (يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ) [الرعد: ٤]، (فَأَخْرَجْنا مِنْهُ) من النبات (خَضِراً): شيئاً غضاً أخضر، يقال أخضر وخضر، كأعور وعَوِر، وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة، (نُخْرِجُ مِنْهُ): من الخضر (حَبًّا مُتَراكِباً) وهو السنبل. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما حديث سلمان، فقد رواه صاحب "النهاية": "أن سلمان نزل على نبطيةٍ بالعراق، فقال لها: هل هاهنا مكان نظيف أصلي فيه؟ فقالت: طهر قلبك، وصل حيث شئت. فقال: فقهت، أي: فهمت وفطنت للحق". وقلت: لو قال: علمت، لم يقع هذا الموقع. وروينا في "جامع الدارمي" عن عمران، قال: "قلت للحسن يوماً في شيءٍ قاله: يا أبا سعيد، ليس هكذا يقول الفقهاء، فقال: ويحك! هل رأيت فقيهاً قط؟ إنما الفقيه: الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، والمداوم على عبادة ربه".

стр. 2595

و (قِنْوانٌ) رفعٌ بالابتداء، (ومِنَ النَّخْلِ) خبره، و (مِنْ طَلْعِها) بدلٌ منه، كأنه قيل: وحاصلةٌ من طلع النخل قنوان. ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً لدلالة "أخرجنا" عليه، تقديره: ومخرجة من طلع النخل قنوان. ومن قرأ: "يخرج منه حب متراكبٌ"، كان (قِنْوانٌ) عنده معطوفاً على "حبٌّ". والقنوان: جمع قنو، ونظيره: صنوٌ وصنوان. وقرئ بضم القاف وبفتحها، على أنه اسم جمع كركب؛ لأنّ "فعلان" ليس من زيادة التكسير. (دانِيَةٌ): سهلة المجتنى معرضةٌ للقاطف، كالشيء الداني القريب المتناول؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (و (قِنْوَانٌ) رفع بالابتداء): قرأ بها العامة. الجوهري: "القنوان: جمع قنو، وهو: العذق، وهو للتمر بمنزلة العنقود للعنب". قوله: (ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً). قال صاحب "التقريب": الخبر في الوجه الأول عام، فلا يفتقر إلى القرينة، وفي الثاني خاص فافتقر، فلذلك قال فيه: "لدلالة (أَخْرَجْنَا) ". وذلك أن الخبر إذا كان عاماً، كان المذكور نائباً عن المقدر، فلا يقال: الخبر محذوف، وأما إذا كان خاصاً فلا يكون نائباً عنه، فيقال: الخبر محذوف. قوله: (لأن "فعلان" ليس من زنات التكسير"، أي: بفتح الفاء. قال في "المفصل": "وما كانت زيادته ثالثة مدة، فلأسمائه في الجمع أحد عشر مثالاً". وذكر منها: فعلان وفعلان، بضم الفاء وكسرها. قوله: (معرضة). يقال: أعرض له كذا: إذا أمكنه. وحقيقته إبداء عرضه، والعرض - بالضم -: الجانب.
следующие страницы →