Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
(فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ): في ظلمات الليل بالبر والبحر، وأضافها إليهما لملابستها لهما، أو شبه مشتبهات الطرق بالظلمات.
[(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التامة المقتضية للعمل. وأما إذا كان بمعنى الاستمرار، يعني يكون معناه موجوداً في جميع الأزمنة: من الماضي والمستقبل والحال، كالعالم والقادر، فيكون في إضافته اعتباران:
أحدهما: محضة باعتبار معنى المضي وبهذا الاعتبار يقع صفة للمعرفة، وثانيهما: غير محضةٍ باعتبار معنى الاستقبال، وبهذا الاعتبار يعمل فيما أضيف إليه، نحو قوله تعالى: (أَيًا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى) [الإسراء: ١١٠]، فإن (أَيَّا)، من جهة كونها متضمنة لمعنى الشرط، عامل في (تَدْعُوا)، ومن جهة كونها اسماً يتعلق بـ (تَدْعُوا) معمول له.
وقال صاحب "الفرائد" في قوله تعالى: (وقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَابِ) [غافر: ٣]: لما كان "القابل" بالنظر إلى أنه شيء له القبول، لا بالنظر إلى أنه عامل، صلح أن يكون صفةً له بالإضافة إلى "التوب"، وكان معرفة، فيصلح أن يكون "الشديد" من حيث إنه شيء له الشدة، لا بالنظر إلى أنه عامل، صفةً له بالإضافة إلى "العقاب"، فعلى هذا يكون (شَدِيدُ العِقَابِ) معرفة، فليتأمل.
وقال صاحب "لباب التفاسير": "والظاهر في (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة: ٤] النكرة، لأنه بمعنى الاستقبال، وإضافة اسم الفاعل بمعنى الاستقبال لا يفيد تعريفاً، ولكن حمل على الماضي لتحقق لفظه".
стр. 2592
من فتح قاف "المستقر" كان "المستودع" اسم مكانٍ مثله أو مصدراً، ومن كسرها، كان اسم فاعل و"المستودع" اسم مفعول. والمعنى: فلكم مستقرٌّ في الرحم ومستودعٌ في الصلب، أو مستقر فوق الأرض ومستودع تحتها، أو: فمنكم مستقرٌّ ومنكم مستودعٌ.
فإن قلت: لم قيل: (يَعْلَمُونَ) مع ذكر النجوم، و (يَفْقَهُونَ) مع ذكر إنشاء بني آدم؟ قلت: كان إنشاء الإنس من نفسٍ واحدة، وتصريفهم بين أحوالٍ مختلفةٍ ألطف وأدق صنعةً وتدبيراً، فكان ذكر الفقه الذي هو استعمال فطنة وتدقيق نظر مطابقاً له.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من فتح قاف "المستقر"). قرأها كلهم إلا ابن كثير وأبا عمرو، ويروى: "من فتح فاء المستقر" أي: فاء فعله، وهو القاف، لأن أصله: "قر". قال الزجاج: "الأكثر في القراءة: "مستقر"، بفتح القاف، وقد قرئت بكسرها، (وَمُسْتَوْدَعٌ) بالفتح لا غير".
قوله: (ألطف وأدق صنعةً): إشارة إلى أن في دلائل الأنفس من دقة النظر ما ليس في دلائل الآفاق.
ويوافقه ما ذكره حجة الإسلام: "الطبيعيون أكثروا البحث عن عجائب الحيوان والنبات، ورأوا في تشريح أعضاء الحيوان من عجائب صنع الله، وبدائع حكمته، ما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم، مطلعٍ على غايات الأمور ومقاصدها".
الانتصاف: "لا يتحقق الفرق، وإنما أريد أن يكون لكل آية فاصلة مستقلة بالمقصود،
стр. 2593
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعداً عن التكرار، وتفنناً في البلاغة. ويحتمل أن يقال: الفقه أدني درجات العلم، والجهل بالنجوم جهل بأمرٍ خارج عن الذات، فسمى عارفه عالماً، والآخر لا يخرج عن أحوال النفس، وجهل الإنسان بأحوال نفسه أبشع، فسمى العارف به فقيهاً، لأن "الفقه" هاهنا من "فقه" - بالكسر -: إذا فهم ولو أدني فهم، وليس من باب "فقه" بضم القاف، لأنها درجة عالية، أي: صار فقيهاً. قال الهروي: "قال سلمان لامرأةٍ وقد أجابته عن سؤال: "فقهت"، أي: فهمت".
"وقولنا: "لا يفقه شيئاً"، أذم من قولنا: "لا يعلم"، لأن نفي العلم نفي حصوله، وقد يكون فقيهاً، ويدل على أن جهل الإنسان بأمر نفسه أقبح لإنكاره، بقوله: (وفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) [الذاريات: ٢١] ".
وقلت: الصحيح ما ذهب إليه المصنف، لأن صاحب "النهاية" قال: "الفقه في الأصل: الفهم، يقال: فقه الرجل - بالكسر - يفقه فقهاً: إذا فهم وعلم. وفقه - بالضم - يفقه: إذا صار فقيهاً عالماً. وجعله العرف خاصاً بعلم الشريعة وتخصيصاً بعلم الفروع".
وقال الجوهري: "فقه الرجل - بالكسر - وفلان لا يفقه. ثم خص به علم الشريعة"، وقد تقرر أن لابد من رعاية المناسبة بين المنقول عنه والمنقول إليه. وإنما خص علم الشريعة بالفقه لأنه علم مستنبط بالقوانين والأدلة، والأقيسة، والنظر الدقيق، بخلاف علم اللغة، والنحو، والصرف، وغير ذلك.
стр. 2594
[(وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)].
(فَأَخْرَجْنا بِهِ): بالماء (نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ): نبت كل صنف من أصناف النامي، يعني: أن السبب واحد وهو الماء، والمسببات صنوفٌ مفتنة، كما قال: (يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ) [الرعد: ٤]، (فَأَخْرَجْنا مِنْهُ) من النبات (خَضِراً): شيئاً غضاً أخضر، يقال أخضر وخضر، كأعور وعَوِر، وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة، (نُخْرِجُ مِنْهُ): من الخضر (حَبًّا مُتَراكِباً) وهو السنبل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما حديث سلمان، فقد رواه صاحب "النهاية": "أن سلمان نزل على نبطيةٍ بالعراق، فقال لها: هل هاهنا مكان نظيف أصلي فيه؟ فقالت: طهر قلبك، وصل حيث شئت. فقال: فقهت، أي: فهمت وفطنت للحق". وقلت: لو قال: علمت، لم يقع هذا الموقع.
وروينا في "جامع الدارمي" عن عمران، قال: "قلت للحسن يوماً في شيءٍ قاله: يا أبا سعيد، ليس هكذا يقول الفقهاء، فقال: ويحك! هل رأيت فقيهاً قط؟ إنما الفقيه: الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، والمداوم على عبادة ربه".
стр. 2595
و (قِنْوانٌ) رفعٌ بالابتداء، (ومِنَ النَّخْلِ) خبره، و (مِنْ طَلْعِها) بدلٌ منه، كأنه قيل: وحاصلةٌ من طلع النخل قنوان.
ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً لدلالة "أخرجنا" عليه، تقديره: ومخرجة من طلع النخل قنوان. ومن قرأ: "يخرج منه حب متراكبٌ"، كان (قِنْوانٌ) عنده معطوفاً على "حبٌّ".
والقنوان: جمع قنو، ونظيره: صنوٌ وصنوان. وقرئ بضم القاف وبفتحها، على أنه اسم جمع كركب؛ لأنّ "فعلان" ليس من زيادة التكسير.
(دانِيَةٌ): سهلة المجتنى معرضةٌ للقاطف، كالشيء الداني القريب المتناول؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (و (قِنْوَانٌ) رفع بالابتداء): قرأ بها العامة. الجوهري: "القنوان: جمع قنو، وهو: العذق، وهو للتمر بمنزلة العنقود للعنب".
قوله: (ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً). قال صاحب "التقريب": الخبر في الوجه الأول عام، فلا يفتقر إلى القرينة، وفي الثاني خاص فافتقر، فلذلك قال فيه: "لدلالة (أَخْرَجْنَا) ". وذلك أن الخبر إذا كان عاماً، كان المذكور نائباً عن المقدر، فلا يقال: الخبر محذوف، وأما إذا كان خاصاً فلا يكون نائباً عنه، فيقال: الخبر محذوف.
قوله: (لأن "فعلان" ليس من زنات التكسير"، أي: بفتح الفاء. قال في "المفصل": "وما كانت زيادته ثالثة مدة، فلأسمائه في الجمع أحد عشر مثالاً". وذكر منها: فعلان وفعلان، بضم الفاء وكسرها.
قوله: (معرضة). يقال: أعرض له كذا: إذا أمكنه. وحقيقته إبداء عرضه، والعرض - بالضم -: الجانب.
стр. 2596
ولأنّ النخلة وإن كانت صغيرة ينالها القاعد فإنها تأتى بالثمر لا تنتظر الطول.
وقال الحسن: (دانيةٌ): قريبٌ بعضها من بعض. وقيل: ذكر القريبة وترك ذكر البعيدة، لأنّ النعمة فيها أظهر، أو: دلّ بذكر القريبة على ذكر البعيدة، كقوله: (سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) [النحل: ٨١].
وقوله: (وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ) فيه وجهان: أحدهما: أن يراد: وثم جناتٌ من أعناب، أي: مع النخل. والثاني: أن يعطف على (قِنْوانٌ)؛ على معنى: وحاصلةٌ- أو: ومخرجةٌ- من النخل قنوانٌ وجناتٌ من أعناب، أي: من نبات أعناب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولأن النخلة) معطوف على قوله: "سهلة المجتنى" من حيث المعنى، كأنه قال: إنما قال تعالى: (دَاِنِيَةٌ)، لأن النخلة سهلة المجتني، ولأن النخلة كذا، والأولى عطفه على "كالشيء الداني"، لأن "الداني"، على هذا الوجه يراد به القريب حقيقة، وفي الأول المراد: المشابه بالشيء القريب، ولهذا قال: "كالشيء الداني".
قوله: (فإنها تأتي بالثمر): خبر "أن"، على قول من يجوز إدخال الفاء في الخبر مطلقاً، والشرط تأكيد، ويمكن أن يقال: إن الفاء جواب الشرط، وخبر "أن" محذوف بدلالة السياق، والشرط المذكور عطف عليه، والتقدير: لأن النخلة، إن كانت كبيرةً لا ينالها القاعد، فإنها سهلة المجتنى، وإن كانت صغيرة، فكيت وكيت. والأول أظهر من حيث المعنى؛ لأن أصل الكلام: ولأن النخلة تأتي بالثمر، لا تنتظر الطول وإن كانت صغيرة. ومثل هذا الشرط المذكور للمبالغة، لا يحتاج إلى الجزاء، ذكره بعض الفضلاء.
قوله: (أن يعطف على (قِنْوَانٌ) على معنى: وحاصلة أو مخرجة)، أي: على التقديرين المذكورين، فعلى هذا يكون من عطف المفرد على المفرد. قال صاحب "التقريب": وفيه نظر، لأنه [إن] عطف على (قِنْوَانٌ)، فـ (مِنْ أَعْنَابٍ) حينئذٍ إما: صفة "جنات" فيفسد المعنى،
стр. 2597
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إذ يؤول إلى قولنا: وحاصلة أو مخرجة من النخل جنات حصلت من أعناب، وإما خبر لـ"جنات"، فلا يصح، لأنه يكون عطفاً لها على مفرد، ويكون المبتدأ نكرة، بلا مصحح.
وقلت: العذر من الأول: أن المراد حصول هيئة الكروم، وخروجها من النخل، كما يرى في البساتين المعروشة الكرم، على فروع الأشجار المتدلية أغصانها، كأنها مخرجة منها. ومن ثم قال: "أي: من نبات الأعناب"، أي: بأغصان الكروم وأوراقها المخضرة، ولا تسمى الكروم جناتٍ إذا كانت مجتثة من فوق الأرض.
وعن الثاني: أن المصحح عطفه على مخصص، وأنشد الخبيصي:
عندي اصطبار وشكوى عند قاتلتي … فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعا
وأجاز المالكي أيضاً نحو ذلك.
стр. 2598
وقرئ: (وَجَنَّاتٍ) بالنصب عطفاً على (نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ) أى: وأخرجنا به جناتٍ من أعناب، وكذلك قوله: (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: (وَجَنَّاتٍ) بالنصب) وهي قراءة الجمهور، وجعلها معطوفةً على (نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ). وكذا أبو البقاء، وتبعهما الكواشي والقاضي، وأما الواحدي فعطفها على (خَضِراً) وقال: "فأخرجنا خضراً وجناتٍ من أعناب"، والأظهر أن يكون عطفاً على (حَبّاً)، لأن قوله: (نَبَاتَ كلِ شيءٍ) مفصل يشتمل على كل صنفٍ من أصناف النامي، كما قال: " (فَأَخْرَجْنَا) بالماء (نَبَاتَ كُلِ شَيءٍ): نبت كل صنفٍ من أصناف النامي"، والنامي: الحب والنوى وشبههما.
وقال الراغب: "النبت: يقال لما له نمو في أصل الخلقة، يقال: نبت الصبي والشعر والسن. ويستعمل النبات فيما له ساق وما ليس له ساق، وإن كان في التعارف قد يختص بما لا ساق له".
وقوله: (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا) طور آخر لذلك النبات، كما قال: " (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ): من النبات (خَضِراً): شيئاً غضاً أخضر". وقال أبو البقاء: " (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا)، أي: بسبب الماء، فيكون بدلاً من: (فَأَخْرَجْنَا) الأولي". يعني به: بدل الاشتمال، لاكتساء النبات بلباس الخضرة والطراوة، ومن هاهنا يقع التفصيل، فبعض يخرج منه السنابل ذات
стр. 2599
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حبوب متكاثرة، كما قال: " (نُّخْرِجُ مِنْهُ) من الخضر (حَبًّا مُّتَرَاكِبًا)، وهو السنبل". وبعض خرج منه ذات قنوان دانية، كما قال تعالى: (ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ) وبعض آخر جنات معروضات، كما قال: " (وجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ)، أي: من نبات أعناب"، وبعض ينبت زيتوناً ورماناً (مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشَابِهٍ)، ولكنه أبرز النخل والزيتون والرمان من صورة الإفراد إلى الجملة تفصيلاً لها ومزية، ولهذا قال: "والأحسن أن ينتصبا على الاختصاص".
ومما يدل على أن الأصل الإفراد، والمعطوف عليه (حَبّاً) قراءة من قرأ "حب متراكب"، ومن ثم قال: "ومن قرأ به كان (قِنْوَانٌ) عنده معطوفاً على (حب) ". وأحسن صاحب "المرشد" حيث قال: "والوقف على قوله (قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ) لم أر به بأساً، وكان كافياً، ليعلم أن قوله: (وَجَنَّاتٍ) ليس عطفاً على (قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ)، وأنه معطوف على قوله (حَبًّا مُّتَرَاكِبًا)، والوقف على (مِّنْ أَعْنَابٍ) صالح. وقد أذن بتفضيل المذكورات على سائرها ذكرها مفصلاً بعد الإجمالي في قوله: (نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ) ".
وقال الإمام: "اعلم أن أنواع النبات أكثر من أن تفي بشرحها المجلدات، وإنما اكتفي بذكر هذه الأقسام التي هي أشرف أنواعها، للتنبيه على البواقي".
وقلت: هذه الآية كالتفسير لقوله تعالى: (وفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوَانٌ وغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [الرعد: ٤]، وكالبيان لتفضيل بعضها على بعض، على ابلغ ما يكون من تدبر ورزق التوفيق.
стр. 2600
والأحسن أن ينتصبا على الاختصاص، كقوله: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ) [النساء: ١٦٢] لفضل هذين الصنفين.
(مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ) يقال: اشتبه الشيئان وتشابها، كقولك استويا وتساويا. والافتعال والتفاعل يشتركان كثيراً. وقرئ: "متشابهاً وغير متشابه"، وتقديره: والزيتون متشابهاً وغير متشابه، والرمّان كذلك كقوله:
..... كُنْتُ مِنْهُ وَوَالِدَي … بَرِيّا .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والأحسن أن ينتصبا على الاختصاص) أي: (والزَّيْتُونَ والرُّمَّانَ)، لأن الظاهر العطف على "جناتٍ"، أي: نخرج منه الزيتون والرمان. لكن الاختصاص، كما مر، هو الوجه، ولأن أسلوب الاختصاص مشروط بأن يكون المذكور صالحاً للمدح، وأن يكون مشهوراً، فإنه تعالى لما ذكر الأصناف الثلاثة، وصور كلا منها بما هو أحسن أحواله، تشويقاً للسامع، وتزييناً، أورد هذين الصنفين على طريقةٍ يظهر بها شر فهما، كأنه قال: الحب كذلك، والنخل على هذا، والأعناب كما ترى، ويذكر ما لا يخفى شأنهما في الفضل والكمال. هذا التقرير يقوي معنى الإجمال والتفصيل، ويخصص المذكورات لإنافتها على غيرها.
قوله: (رماني بأمرٍ كنت منه ووالدي برياً)، تمامه:
. ومن أجل الطوي رماني
الطوي: البئر المبنية بالحجر والآجر أو غيرهما، والتقدير: كنت منه بريئاً، ووالدي بريئاً.
стр. 2601
والمعنى: بعضه متشابهاً وبعضه غير متشابه، في القدر واللون والطعم. وذلك دليلٌ على التعمد دون الإهمال.
(انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ): إذا أخرج ثمره كيف يخرجه ضئيلاً ضعيفاً لا يكاد ينتفع به، وانظروا إلى حال ينعه ونضجه كيف يعود شيئاً جامعاً لمنافع وملاذ، نظر اعتبارٍ واستبصارٍ واستدلالٍ على قدرةِ مقدّره ومدبره وناقله من حال إلى حال.
وقرئ: "وَيَنْعِهِ" بالضم، يقال: ينعت الثمرة ينعاً وينعاً. وقرأ ابن محيصن: "ويانعه"، وقرئ: "وثمره" بالضم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (دليل على التعمد دون الإهمال) أي: الفاعل مختار لا موجب، كقوله بعض الزنادقة.
قوله: (وانظروا إلى حال ينعه). قال المصنف في "الحاشية": "فإن قلت: هلا قيل: من غض ثمره وينعه؟ قلت: في هذا الأسلوب فائدة، وهي أن "الينع" وقع فيه معطوفاً على "الثمر"، على سنن الاختصاص على نحو قوله: (وَجِبْرِيِلَ)، للدلالة على أن الينع أولى من الغض".
والتحقيق فيه أن قوله تعالى: (انظُرُوا إلَى ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ) عام في جميع أحوال الثمر، فيدخل النظر في حال بدئه ونضجه وغيرهما، فعطف (ويَنْعِهِ) على (ثَمَرِه)، ليؤذن بعموم أحوال الثمر، وأن حالة النضج مخرجة للثمر اليانع عن أن يسمى ثمراً، ونوعاً داخلاً في ذلك الجنس لشرفه وفضله. وفيه بحث، لعدم مطابقته لما في المتن، لأنه جعل (إذَا أَثْمَرَ) قيداً
стр. 2602
[(وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ)].
إن جعلت (لِلَّهِ شُرَكاءَ) مفعولي "جعلوا"، نصبت (الجن) بدلاً من (شركاء)، وإن جعلت (لِلَّهِ) لغوا كان (شُرَكاءَ الْجِنَّ) مفعولين قدّم ثانيهما على الأول.
فإن قلت: فما فائدة التقديم؟ قلت: فائدته استعظام أن يتخذ لله شريكٌ مَن كان، ملكاً أو جنياً أو إنسياً أو غير ذلك، ولذلك قدّم اسم الله على "الشركاء".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لإرادة حالة بدئه. يدل عليه قوله فيما بعد: "لما أبيح لهم الأكل من ثمره، قيل: (إَذَا أَثْمَرَ) ليعلم أن أول وقت الإباحة وقت إطلاع الشجر الثمر".
قوله: (إن جعلت (لله) لغوا). قال ابن الحاجب: "الظرف إذا افتقر الكلام إليه، ولا يتم إلا به، يسمى ظرفاً مستقراً، يجوز أن يكون خبراً، أو حالاً، أو صفة. فإذا كان الكلام تاماً بدونه يسمى لغواً، نحو: ما كان أحدٌ خيراً منك فيها".
قوله: (ولذلك قدم اسم "الله") أي: لفائدة الاستعظام قدم أيضاً اسم "الله".
والحاصل أن في التركيب تقديمين، لأن الظرف إذا جعل لغواً كان مكانه بعد ذكر المفعولين، و (الِجنَّ) إذا جعل مفعولا أول، لأنه معرفة، رجع الأصل إلى قوله: "وجعلوا الجن شركاء لله"، ولا ارتياب أن فائدة التقديم الاهتمام بشأن المقدم، والاعتناء فيه.
قال سيبويه: "إنهم يقدمون شأنه أهم، وهم ببيانه أعني، وإن كانا جميعاً مما يهمانهم".
стр. 2603
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وتحقيقه: أن المقدم في الكلام هو المقصود الأولي في أجزاء الكلام. ولما كان تقديم المفعول الثاني، وهو (شُرَكآءَ)، أوجب أن يكون الكلام فيه، قال: "استعظام أن يتخذ لله شريك من كان، ملكاً أو جنياً أو إنسياً أو غير ذلك"، وتقديم الظرف على المفعولين أوجب الاهتمام بشأنه، قال: "ولذل قدم اسم "الله" على الشركاء".
وقال صاحب "المفتاح": "مثل أن يكون الشيء مهتما بشأنه بسبب التفات الخاطر إليه، كما تجدك إذا قال لك أحد: عرفت شركاء الله، يقف شعرك، وتقول: لله شركاء؟ ! ".
فإذاً في تقديم اسم "الله" القصد إلى استعظام ذاته عز سلطانه أن يتصور لساحة جلاله معنى الشريك مطلقاً، من غير نظر إلى جواز إيجاده أو حظره، وفي تقديم (شُرَكَآءَ) على (الجِنَّ) استعظام إيجاد الشريك له، من غير نظر إلى كونه جنياً أو إنسياً أو غير ذلك.
قال صاحب "الإيضاح": "وفيه نظر، لأن الآية مسوقة للإنكار التوبيخي، فيمتنع أن يكون إنكار تعلقه به باعتبار تعلقه بـ (شُرَكآءَ)، وتعلقه بـ (شُرَكآءَ) كذلك منكر، باعتبار تعلقه بالله، فلم يبق فرق بين التلاوة وعكسها".
واعلم أنا على ما قررنا مغزى الكلام، وهو أن التقديم للاهتمام، سقط هذا السؤال بالكلية.
стр. 2604
وقرئ: "الجن" بالرفع، كأنه قيل: من هم؟ فقيل: الجن. وبالجرّ على الإضافة التي للتبيين.
والمعنى: أشركوهم في عبادته، لأنهم أطاعوهم كما يطاع الله. وقيل: هم الذين زعموا أنّ الله خالق الخير وكل نافع، وإبليس خالق الشر وكل ضارّ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: هم الذين زعموا أن الله تعالى خالق الخير وكل نافع، وإبليس خالق الشر، وكل ضار) عطف على قوله: "المعنى: أشركوهم"، ففاعل "جعلوا لله شركاء"، على الأول، عام، وعلى الثاني خاص.
روى محيي السنة عن الكلبي أن الآية: "نزلت في الزنادقة، أثبتوا الشركة لإبليس من الخلق، فقالوا: الله خالق النور والناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الظلمة والسباع، والحيات والعقارب".
وقال الإمام: "القائلون بيزدان وأهرمن قالوا: إن الجن شركاء الله، وهم قد اعترفوا بأن أهرمن محدث. وفي المجوس من يقول: إن الله تعالى فكر في مملكة نفسه واستعظمها، فحصل نوع من العجب، فتولد الشيطان منه، ومنهم من يقول: شك في قدرة نفسه، فتولد منه الشيطان، فأقروا بحدوثه، وذلك قوله: (وَخَلَقَهُمْ) ".
وهذا القول اختاره الإمام، وروى في الآية وجهين آخرين، وضعفهما: أحدهما: قالوا: إن الكافرين كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، فسموا بالجن، كما سموا في قوله: (وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ
стр. 2605
(وَخَلَقَهُمْ): وخلق الجاعلين لله شركاء. ومعناه: وعلموا أن الله خالقهم دون الجن، ولم يمنعهم علمهم أن يتخذوا من لا يخلق شريكاً للخالق. وقيل: الضمير للجن. وقرئ: "وخلقهم"، أي: اختلاقهم للإفك، يعني: وجعلوا لله خلقهم حيث نسبوا قبائحهم إلى الله في قولهم: (وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها) [الأعراف: ٢٨].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجِنَّةِ نَسَبًا) [الصافات: ١٥٨]. ومعنى الشركة أنها، مع كونها بنات الله، مدبرة لأحوال هذا العالم. وثانيهما: قال الحسن وطائفة من المفسرين: إن الجن لما دعوا الناس إلى عبادة الأصنام، والقول بالشرك، وكانوا مطاعين فيه، صح معنى الشركاء.
وقال الزجاج: "إنهم أطاعوا الجن فيما سولت لهم من شركهم، فجعلوهم شركاء لله تعالى".
قوله: (وعلموا أن الله تعالى خالقهم دون الجن). قال القاضي: " (وَخَلَقَهُمْ) حال، بتقدير "قد"، أي: وقد علموا أن الله خالقهم دون الجن، وليس من يخلق كمن لا يخلق". يعني: هي حال مقدرة لجهة الإشكال، ولهذا قدر المصنف "العلم" على نحو قوله تعالى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ) [البقرة: ٢٨] كما مر في موضعه.
قوله: (وقيل: الضمير للجن): عطف على قوله: "وخلق الجاعلين لله شركاء".
وذكر الزجاج الوجهين، وقرر الثاني بقوله: " (وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ) والله خالق الجن، فكيف يكون الشريك لله المحدث الذي لم يكن ثم كان؟ "، واختار الإمام الأول.
стр. 2606
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: الذي عليه النظم: الوجه الثاني، لما علم من قوله: (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ) هذا المعنى: أي: "خلق الجاعلين لله شركاء"، فالواجب أن يحمل على معنى زائد، لكن يجب تفسير الآية بما ذكره من قوله: "والمعنى: أشركوهم في عبادته"، ليعم جميع من اتخذ شريكاً لله من المجوس وغيرهم، وجميع من جعلوه شركاء لله، من الملائكة والجن وأهرمن، لأن السورة إلى سياقها في شأن مشركي مكة، واختصاصها بالمجوس، مما يخرم النظم.
وأما بيان النظم فإن الآيات من لدن قوله: (فَالِقُ الحَبِّ والنَّوَى) إلى خاتمة (ذلكم الله ربكم) [الأنعام: ٩٥ - ١٠٢] كالتفسير لسورة الإخلاص، والتفصيل لمجملها، وإن قوله: (وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ): عطف على الجمل السابقة من قوله: (إنَّ اللَّهَ فَالِقُ الحَبِّ والنَّوَى) من باب حصول مضمون الجملتين، على منوال ما سبق في فاتحة السورة التي هي كبراعة الاستهلال. يعني حصل من الله - عز شأنه، وجل سلطانه - تلك النعم العظمى، والآيات الباهرات، ليعبد ويوحد، وحصل من بني آدم ما ينافيه ويناقضه.
نحوه ما رواه المصنف: "إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري! ". وعلى هذا المنوال نسج المصنف في قوله تعالى: (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) [الرعد: ١٦] حيث قال: "أبعد أن علمتموه رب السموات والأرض اتخذتم من دونه أولياء، فجعلتم ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد، من علمكم وإقراركم، سبب الإشراك؟ ".
стр. 2607
(وَخَرَقُوا لَهُ): وخلقوا له، أي: افتعلوا له، (بَنِينَ وَبَناتٍ) وهو قول أهل الكتابين في المسيح وعُزير، وقول قريشٍ في الملائكة يقال: خلق الإفك وخرقه، واختلقه واخترقه، بمعنىً. وسئل الحسن عنه، فقال: كلمةٌ عربيةٌ كانت العرب تقولها: كان الرجلُ إذا كذب كذبةً في نادي القوم يقول له بعضهم: قد خرقها والله.
ويجوز أن يكون من: خرق الثوب؛ إذا شقه، أي: اشتقوا له بنين وبناتٍ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: وما أحسن موقع قوله: (إنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) خاتمة لتلك الآيات الباهرات، وتخلصاً إلى هذا التقريع، وتعريضاً بالمشركين! ومن حق التقريع أن يجعل: (وَخَرَقُوا): من خرق الثوب، لينبه على التباين الشديد بين طرفي الإفراط والتفريط.
ويؤيد العموم عطف قوله: (وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَنَاتٍ)، لأن القائلين بالبنين: اليهود والنصارى، وبالبنات: المشركون. يعني: جمع من مال من الدين الحنيف بين هاتين العظيمتين، فوزان المعطوف عليه كله وزان قوله: (اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ) [الإخلاص: ١ - ٢]، ووزان قوله: (لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ * ولَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص: ٣ - ٤]، وزان قوله: (وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ). ووزان قوله: (لَم يَلِدْ) وزان قوله: (وخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ).
(الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا ومَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) [الأعراف: ٤٣].
قوله: (اشتقوا له بنين)، النهاية: "وفي الحديث: "النساء شقائق الرجال"، أي: نظائرهم
стр. 2608
وقرئ: "وخرّقوا" بالتشديد للتكثير، لقوله: (بَنِينَ وَبَناتٍ)، وقرأ ابن عمر وابن عباسٍ ﵄: "وحرّفوا" له، بمعنى: وزوّروا له أولاداً، لأنّ المزوّر محرّف مغير للحق إلى الباطل.
(بِغَيْرِ عِلْمٍ) من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه من خطأٍ أو صواب، ولكن رمياً بقولٍ عن عمى وجهالة. من غير فكرٍ وروية.
[(بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)].
(بَدِيعُ السَّماواتِ) من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، كقولك: فلانٌ بديع الشعر، أي: بديعٌ شعره، أو هو بديعٌ في السموات والأرض، كقولك: فلانٌ ثبت الغدر، أي: ثابتٌ فيه، والمعنى أنه عديم النظير والمثل فيها.
وقيل: البديع بمعنى: المبدع، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأٍ محذوف، أو هو مبتدأٌ وخبره: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ)، أو فاعل "تعالى". وقرئ بالجرّ ردّاً على قوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ)، أو على (سُبْحانَهُ)، وبالنصب على المدح.
وفيه إبطال الولد من ثلاثة أوجه:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأمثالهم في الأخلاق والطباع، كأنهن شققن منهم، ولأن حواء خلقت من آدم".
وقال في تفسير قوله تعالى: (وجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا) [الزخرف: ١٥]: "قالوا: الملائكة بنات الله، فجعلوهم جزءاً له، وبعضاً منه، كما يكون الولد بعضاً من والده، وجزءاً له".
قوله: (رداً على قوله: (وجَعَلُوا لِلَّهِ) أي: بدلاً منه.
قوله: (فيه إبطال الولد من ثلاثة أوجه). قال صاحب "التقريب": "ولا يخفى افتقار الوجوه إلى مقدمات".
стр. 2609
أحدها: أن مبتدع السموات والأرض - وهي أجسامٌ عظيمةٌ - لا يستقيم أن يوصف بالولادة، لأنّ الولادة من صفات الأجسام، ومخترع الأجسام لا يكون جسماً حتى يكون والداً.
والثاني: أن الولادة لا تكون إلا بين زوجين من جنس واحد وهو متعالٍ عن مجانس، فلم يصح أن تكون له صاحبة، فلم تصح الولادة.
والثالث: أنه ما من شيءٍ إلا وهو خالقه والعالم به، ومن كان بهذه الصفة كان غنياً عن كل شيء، والولد إنما يطلبه المحتاج.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: أما الوجه الأول: فتقديره - على ما قال المصنف - أن مبدع الأجسام لا ينبغي أن يتصف بصفة الولادة، لأنه إن اتصف بها يكون جسماً مثلها، لأن الولادة من صفات الأجسام، والله تعالى منزه عن أن يكون جسماً، لأن الأجسام ممكنة، محتاجة في إنشائها إلى مخترع منشئ.
والقاضي قرر هذا الوجه بأن قال: "إن من مبدعاته السموات والأرضين، وهي، مع أنها من جنس ما يوصف بالولادة، مبرأة عنها، فهو أولى بأن يتعالى عنها، أو أن ولد الشيء: نظيره، ولا نظير له، فلا ولد له".
والثاني: قوله: "إن الولادة لا تكون إلا بين زوجين"، وتحريره: أنه ثبت بالدليل أنه تعالى خالق الأجسام كلها، ومبدعها، ومنشئها، والخالق لا يجانس المخلوق، والزوجية تقتضي المجانسة، والولادة متوقفة على الزوجين، فإذاً لا ولد له.
وقال القاضي: "والمعقول من الولد ما يتولد من ذكر وأنثي متجانسين، والله تعالى منزه عن المجانسة".
والثالث: قوله: "إنه ما من شيءٍ إلا وهو خالقه والعالم به". وهذا ظاهر.
стр. 2610
وقرئ: ولم يكن له صاحبة، بالياء، وإنما جاز للفصل كقوله:
لَقَدْ وَلَدَ الأُخَيْطِلَ أُمُّ سُوءِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فعلم من هذا التقرير أن قوله: (ولَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ): عطف على قوله: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ)؟ فعلى هذا لا يتم الوجه الثاني دليلاً إلا بأن يضم إليه مقدمة من الدليل الأول، وفي الفاءين في قوله: "فلم يصح" مكرراً، إشعار بذلك. والوجه الثالث دليل مستقل كالأول، والجملة معطوفة على جملة قوله: (بَدِيعُ السَّمَوَاتِ والأرْضِ). وإنما كرر (كُلِّ شَيْءٍ) [البقرة: ٢٠]، ولم يكتف بقوله: وهو به عليم، ليشير به إلى استقلال كل من القدرة والعلم، بالإحاطة التامة، والقدرة الكاملة. ولهذا عطف الجملة الاسمية على الفعلية.
قال القاضي: "إن الولد كفؤ الوالد، ولا كفؤ له، بوجهين: الأول: أن كل ما عداه مخلوقه فلا يكافئه، والثاني: أنه لذاته عالم بكل المعلومات، ولا كذلك غيره بالإجماع".
وقال الإمام بعدما طول في تقرير الوجوه على غير هذا النمط: "ولو أن الأولين والآخرين اجتمعوا على أن يذكروا في هذه المسألة كلاماً، يساويه أو يدانيه في القوة والكمال، لعجزوا عنه"، والله أعلم.
قوله: (لقد ولد الأخيطل أم سوءٍ)، تمامه:
стр. 2611
[(ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)].
(ذلِكُمُ) إشارةٌ إلى الموصف مما تقدم من الصفات، وهو مبتدأ، وما بعده أخبار مترادفة وهي (اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على قمع استها صلب وشام
ويروى: باب استها.
وقيل: كان الأخطل من نصارى العرب. واسمه: غياث. وزعموا أن جريراً لقيه. وصلب: جمع صليب النصارى. والشام: النقوش. أراد أن هذه المرأة تفعل فعل المومسات. والقياس: "ولدت"، لأن الفاعل مؤنث حقيقي.
قال ابن جني: "وهي قراءة إبراهيم النخعي. مثله ما حكاه سيبويه من قولهم: "حضر القاضي اليوم امرأة". وأنا أرى أن تذكير "كان" مع تأنيث اسمها أسهل من تذكير سائر الأفعال وتأنيث فاعليها، فـ" كان في الدار هند" أسوغ من: "قام في الدار هند"، وذلك أنه إنما احتيج إلى تأنيث الفعل عند تأنيث فاعله لأنهما يجريان مجرى الجزء الواحد، لأن كل واحد منهما لا يستغني عن صاحبه، فإنك لو حذفت الفعل لانفرد الفاعل، فلم يفد شيئاً، فأنث الفعل إيذاناً بأن الفاعل المتوقع بعده مؤنث، بخلاف "كان" وأخواتها، لأنك لو حذفتها لاستقل ما بعدها برأسه، فلم تقو حاجته إلى الفعل، فانحطت رتبته، ولم يذكر أحد من أصحابنا هذا، فافهمه".
стр. 2612
أي: ذلكم الجامع لهذه الصفات، (فَاعْبُدُوهُ) مسببٌ عن مضمون الجملة، على معنى: أن من استجمعت له هذه الصفات كان هو الحقيق بالعبادة، فاعبدوه ولا تعبدوا من دونه من بعض خلقه. ثم قال: (وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) يعني: وهو مع تلك الصفات مالكٌ لكل شيءٍ من الأرزاق والآجال، رقيب على الأعمال.
[(لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)].
البصر: هو الجوهر اللطيف الذي ركبه الله في حاسة النظر، به تدرك المبصرات، فالمعنى: أن الأبصار لا تتعلق به ولا تدركه، لأنه متعالٍ أن يكون مبصراً في ذاته، .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي: ذلكم الجامع لهذه الصفات): إشارة إلى الصفات السابقة، وقوله: (فَاعْبُدُوهُ): حكم ترتب على تلك الأوصاف، وهي علة مناسبة له، فحيث وجدت وجد، وحيث فقدت فقد، ولهذا قال: "فاعبدوه ولا تعبدوا من دونه من بعض خلقه"، خص "البعض" لأن الكلام في الملائكة والجن، لقوله: (وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ) [الأنعام: ١٠٠]. وقوله: (وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ): تتميم للصفات، أو تكميل لأمر العبادة، فقوله: "وهو، مع تلك الصفات، مالك لكل شيءٍ من الأرزاق والآجال، رقيب على الأعمال" يحتملهما، أي: هو الحقيق بالعبادة، لأنه المنزه عن النقائص، والمنفرد بالإلهية، والمختص بالخالقية، ومع ذلك متكفل لأرزاق العباد، رقيب على أعمالهم، بيده آجالهم وسائر ما يرتفقون، ويحتاجون إليه، فلم لا يخصونه بالعبادة؟ !
قوله: (أن الأبصار لا تتعلق به ولا تدركه): رد على أهل السنة، لأنه يفيد أن الأبصار لا تتعلق به لا بالإحاطة ولا بغير الإحاطة، لأن أهل السنة قالوا بالثاني دون الأول.
стр. 2613
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الزجاج: "معنى هذه الآية: معنى إدراك الشيء والإحاطة بحقيقته. وهذا مذهب أهل السنة والحديث، لأن أحداً من خلقه لا يدرك المخلوق بكنهه، فكيف به جل وعز؟ فالأبصار لا تحيط به".
وقال الإمام: "المرئي إذا كان له حد ونهاية، وأدركه البصر بجميع حدوده، سمي إدراكاً، فالحاصل أن الرؤية جنس تحته نوعان: رؤية مع الإحاطة، ورؤية لا معها، فنفي الإدراك يفيد نوعاً واحداً، وهو لا يفيد نفي الجنس".
قال الواحدي: "يصح أن يقال: رآه وما أدركه، فالأبصار ترى الباري ولا تحيط به، كما أن القلوب تعرفه ولا تحيط به".
وقال الإمام: "هب أن الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية، لكن قوله: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) يفيد عموم النفي عن جميع الأشخاص، في كل الأوقات، وفي كل الأحوال، فإن نفي العموم غير عموم النفي، ونفي العموم يوجب ثبوت الخصوص. ألا ترى أنه إذا قيل: إن زيداً ما ضربه كل الناس، فإنه يفيد أنه ضربه بعض الناس؟ ".
ومثله ذكر المصنف في قوله تعالى: (إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي) [مريم: ٤].
ويقال: إن التعريف في (الأبْصَارَ) إما للاستغراق، أو للعهد، أو للجنس.
стр. 2614
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أما الاستغراق: فيفيد أن جميع الأبصار لا تدركه، ودليل الخطاب - على ما قاله الإمام - يفيد أن البعض يدركه.
وأما العهد: فأريد بها أبصار الكفار، على ما روى محيي السنة عن مالك: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة، لم يعير الكفار بالحجاب.
وأما الجنس: فهو أن البصر: ما يعلمه كل أحد أنه ما هو، وهي حاسة النظر، فلا شك أن الحاسة على ما هي الآن لا تدركه، وأما إذا طهرها الله من الكدورات، وأحدث فيها بلطفه ما يستعين به العبد على رؤية الله تعالى في دار الثواب، كما أراده، ويليق بحاله، بحيث لا تدركه الأذهان، فأي بعدٍ منه؟ !
نقل الإمام عن ضرار بن عمرو أن الله تعالى لا يرى بالعين، وإنما يرى بحاسة سادسة يخلقها الله تعالى يوم القيامة، بها تحصل رؤية الله وإدراكه.
وروى محيي السنة عن ابن عباس ومقاتل: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) في الدنيا، وهو يرى في الآخرة (وهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ)، ولا يخفى عليه شيء ولا يفوته".
وقال الواحدي: "والدليل على أن هذه الآية مخصوصة بالدنيا قوله: (وجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، فقيد النظر إليه بيوم القيامة، وأطلق في هذه الآية، والمطلق يحمل على المقيد".
стр. 2615
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال السجاوندي: " (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) ليس بمدح، لعدم كونه مرئياً، بل بيان أنه لا يرى في الدنيا، وهو يرى".
وقلت: قضية النظم تساعد قول ابن عباس ﵁، وذلك أن عطف قوله تعالى: (وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ) [الأنعام: ١٠٠] كما سبق، على قوله: (إنَّ اللَّهَ فَالِقُ الحَبِّ والنَّوَى) [الأنعام: ٩٥] على معنى: نحن أنعمنا عليهم بالنعم المتكاثرة، وأريناهم الآيات المتظاهرة، ليشكرونا، ولا يعبدوا غيرنا، وهم قد عكسوا؛ إذ عبدوا الجن، وجعلوا لله بنين وبنات: دل على استحقاق العبادة لله تعالى وعلى أنه ما خلق الخلق إلا للعبادة فلما أراد أن يبطل ما نسبوا إليه من اتخاذ بنين وبنات، على وجهٍ يستتبع المقصود من اختصاص العبادة به قال: (بَدِيعُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الأنعام: ١٠١]، ورتب عليه قوله: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ) [الأنعام: ١٠٢].
ومن المقرر أن العبادة لا تكون معتداً بها، مقبولة، حتى تكون مصحوبة بالإخلاص، غير مشوبة بالرياء، فنبه بقوله: (وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ) [الأنعام: ١٠٢] على أنه بذاته الأقدس مراقب لأحوالهم، حافظ لما يصدر منهم، كقوله تعالى: (ولِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) [طه: ٣٩]، وأن مراقبته على خلاف ما عليه المراقب في الشاهد، لأنه مراقب بحيث لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، لئلا يبطل غرض التكليف، لأن العابد إذا رآه يضطر إلى العبادة.
وفي تخصيص ذكر إدراكه الأبصار التلويح إلى المحافظة التامة، لئلا يسترق المرائي النظر إلى الخلق، وفي ذكر (اللَّطِيفُ الخَبِيرُ) الرمز إلى المراقبة الكاملة لخبيئات الصدور،
стр. 2616
لأن الأبصار إنما تتعلق بما كان في جهة أصلاً أو تابعاً، كالأجسام والهيئات.
(وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ): وهو للطف إدراكه للمدركات يدرك تلك الجواهر اللطيفة التي لا يدركها مدرك، (وَهُوَ اللَّطِيفُ) يلطف عن أن تدركه الأبصار، (الْخَبِيرُ) بكل لطيفٍ فهو يدرك الأبصار، لا تلطف عن إدراكه وهذا من باب اللطف.
[(قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ)].
(قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ) هو واردٌ على لسان رسول الله ﷺ ، لقوله: (وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وخفيات الهواجس، ليكون المريد واقفاً على مواقف الإخبات والخضوع، آخذاً أهبة الحذر عن الشرك الخفي. وإلى هذه المعاني لمح صلوات الله عليه: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
فظهر من هذا البيان أن قوله: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ): إما استئناف على تقدير سؤال مورده قوله: (وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ)، أو صفة لـ (وَكِيلٌ)، وكالمقابل لمعنى قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الجَنَّةِ) إلى قوله: (إنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ) [الأعراف: ٢٧]. قال المصنف: " (إنَّهُ يَرَاكُمْ): تعليل للنهي، وتحذير من فتنته، بأنه بمنزلة العدو المداجي، يكيدكم ويغتالكم من حيث لا تشعرون".
قوله: ((قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ)): هو وارد على لسان رسول الله صلي الله عليه وسلم لدلالة قوله: (ومَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ)، لأنه إما حال من فاعل "جاء"؛ وهو (بَصَائُر)، أو من المفعول؛ وهو الضمير المنصوب، ويؤيد الثاني قوله: "أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها".
стр. 2617
والبصيرة: نور القلب الذي به يستبصر، كما أن البصر نور العين الذي به تبصر. أي: جاءكم من الوحي والبينة على ما يجوز على الله وما لا يجوز ما هو للقلوب كالبصائر، (فَمَنْ أَبْصَرَ) الحق وآمن (فَلِنَفْسِهِ) أبصر وإياها نفع، (وَمَنْ عَمِىََ) عنه فعلى نفسه عمى وإياها ضرَّ بالعمى، (وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها، إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم.
[(وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)].
(وَلِيَقُولُوا) جوابه محذوف تقديره: وليقولوا "درست" نُصرّفها. ومعنى (دَرَسْتَ): قرأت وتعلمت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والبصيرة: نور القلب الذي به يستبصر، كما أن البصر نور العين الذي به تبصر)، فيه بيان لربط هذه الآية بما قبلها، يعني: كما نفي إدراك البصر عن المكلفين، أثبت لهم البصيرة، ومن عليهم بما منى لهم، وحذرهم أن يغفلوا عنها بقوله: (ومَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا).
وقلت: والذي يقتضيه النظم أن "قل" هاهنا مقدرة، بدليل قوله: (ومَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ) فكأنه تعالى يقول: قل يا محمد للقوم: قد جاءكم فيما سبق في هذه السورة، من الآيات البينات، والبراهين الساطعات، ما يفتح به آذاناً صماً، وأعيناً عمياً، وقلوباً غلفاً، فمن أبصر الحق فلنفسه بصر، وإياها نفع، ومن عمي عنه فعلى نفسه عمي، وإياها ضر، وأنا لا أحفظ أعمالكم، وإنما أنا منذر، والله هو الحفيظ عليكم.
ولما قلنا: إن المراد: جاءكم في السورة من الآيات البينات، قال فذلكة: (وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ ولِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ).
قوله: (جوابه محذوف)، أي: معلله.
стр. 2618
وقرئ: (دارست)، أي: دارست العلماء، و (درست) بمعنى: قدّمت هذه الآيات وعفت، كما قالوا: أساطير الأولين، و"درست" بضم الراء، مبالغة في "درست"، أي: اشتدّ دروسها. و"درست" - على البناء للمفعول - بمعنى: قرئت أو عفيت، و (دارست) وفسروها بـ: دارست اليهود محمداً ﷺ ، وجاز الإضمار، لأن الشهرة بالدراسة كانت لليهود عندهم، ويجوز أن يكون الفعل للآيات، وهو لأهلها، أي: دارس أهل الآيات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "دارست"): ابن كثير وأبو عمرو. و"درست": ابن عامر ويعقوب.
قوله: (أي: اشتد دروسها)، لأن "فعل"، من أوزان أفعال الطبائع والغرائز، ولا شك في إثباتها وتمكنها.
قوله: (بمعنى: قرئت)، أي: قرأها النبي صلي الله عليه وسلم، كما قالوا: تعلمت من يسار وحبر، وكانا عبدين من سبي الروم.
قوله: (و"دارست"): أي: وقرئ: "ودارست".
قال ابن جني: "رويت عن الحسن: "درست"، وعن ابن مسعود، وأبي: "درس". وأما "درست" ففيه ضمير الآيات، أي: وليقولوا: درستها أنت يا محمد، كقراءة العامة: "دارست". ويجوز أن يكون "درست"، أي: عفت وتنوسيت، كقوله تعالى: (أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) [الأنعام: ٢٥].
стр. 2619
وحملتها محمداً، وهم أهل الكتاب. و"درس" أي: درس محمد، و"دارسات"، على: هي دارساتٌ، أي: قديمات، أو ذات دروس، كـ (عيشة راضية) [الحاقة: ٢١، القارعة: ٧].
فإن قلت: أي فرقٍ بين اللامين في (لِيَقُولُوا)، "لِنُبَيِّنَهُ"؟ قلت: الفرق بينهما أنّ الأول مجازٌ، والثانية حقيقة؛ وذلك أن الآيات صرفت للتبيين، ولم تصرف ليقولوا: دارست، ولكن لأنه حصل هذا القول بتصريف الآيات كما حصل التبيين، شبه به فسِيق مساقه. وقيل: ليقولوا كما قيل لنبينه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما "درس" ففيه ضمير النبي صلي الله عليه وسلم، وشاهد هذا: "دراست"، أي: فإذا جئتهم بهذه القصص والأنباء، قالوا: شيء قرأه، فأتي به، وليس من عند الله تعالى. أي: يفعل هذا التقوى أثرة التكليف عليهم، زيادة في الابتلاء لهم، كالحج والغزو وتكليف المشاق المستحق عليها الثواب. وإن شئت كان معناه: فإذا هم يقولون كذا، كقوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًا وحَزَنًا) [القصص: ٨]، أي: فإذا هو عدو لهم".
وقال الزجاج: "أهل اللغة تسمي هذه اللام: لام الصيرورة".
وقال أبو البقاء: "قصد بالتصريف إلى أن يقولوا: (دَرَسْت) عقوبةً لهم"، أي: ليعاقبهم به. نحوه قوله تعالى: (ومَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا) [المدثر: ٣١].
قوله: (شبه به، فسيق مساقه). تحقيق تشبيهه سيجيء في "القصص" عند قوله تعالى:
стр. 2620
فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: "لِنُبَيِّنَهُ"؟ قلت: إلى (الآيات)، لأنها في معنى القرآن، كأنه قيل: وكذلك نُصرف القرآن، أو: إلى القرآن وإن لم يجر له ذكر، لكونه معلوماً، أو: إلى التبيين الذي هو مصدر الفعل، كقولهم: ضربته زيداً.
ويجوز أن يراد فيمن قرأ: "درست" و"دارست": درست الكتاب ودارسته، فيرجع إلى "الكتاب" المقدّر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًا وحَزَنًا) [القصص: ٨]. المعنى: ولكن شبه به، فسيق مساقه، لأنه حصل هذا القول.
قوله: (ضربته زيداً). الضمير لمصدر "ضرب"، كقوله:
هذا سراقة للقرآن يدرسه
ومنه قوله تعالى: (ولِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) [البقرة: ١٦٣] إذا كان الضمير للتولية.
стр. 2621
[(اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ)].
(لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) اعتراضٌ أكد به إيجاب اتباع الوحي لا محلّ له من الإعراب. ويجوز أن يكون حالاً من (ربك)، وهي حالٌ مؤكدةٌ كقوله: (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً) [البقرة: ٩١].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ): اعتراض أكد به إيجاب إتباع الوحي)، وذلك أن قوله: (لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ) كلمة التوحيد، اعتراض بين قوله: (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إلَيْكَ) وبين قوله: (وأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ)، توكيداً لما في كلمة التوحيد [من] التمسك بحبل الله، والاعتصام به، والتبري والإعراض عما سواه. ولأن الموحي ليس إلا التوحيد. قال الله تعالى: (إنَّمَا يُوحَى إلَيَّ أَنَّمَا إلَهُكُمْ إلَهٌ واحِدٌ) [الأنبياء: ١٠٨].
وفيه تسلية لرسول الله صلي الله عليه وسلم والحث على احتمال الأذى من الكفار، والصفح عن مساوئهم، وذلك أنه تعالى ختم الآيات بقوله: (وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ولِيَقُولُوا) [الأنعام: ١٠٥].
وفيه معنى التعكيس، وهو أن تكرير الآيات البينات ليس إلا ليهتدوا ويتبعوك، فقد جعلوها وسيلةً إلى الطعن فيك، والقول بأنك درست وتعلمت من اليهود، فاصفح عنهم، واتبع ما جاءك من توحيد ربك.
قوله: (وهي حال مؤكدة)، قال صاحب "التقريب": "وفيه نظر، إذ شرط المؤكدة تقدم جملةٍ اسمية". قلت: هذا شرط لحذف العامل، كما مرَّ مراراً.
стр. 2622
[(وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ)].
(وَلا تَسُبُّوا) الآلهة (الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ)، وذلك أنهم قالوا عند نزول قوله تعالى: (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) [الأنبياء: ٩٨]: لتنتهينّ عن سب آلهتنا أو لنهجونّ إلهك. وقيل: كان المسلمون يسبون آلهتهم، فنهوا لئلا يكون سبهم سبباً لسب الله تعالى.
فإن قلت: سب الآلهة حق وطاعة، فكيف صحّ النهي عنه، وإنما يصح النهى عن المعاصي؟ قلت: ربّ طاعةٍ علم أنها تكون مفسدة فتخرج عن أن تكون طاعة، فيجب النهى عنها لأنها معصية، لا لأنها طاعة، كالنهي عن المنكر، هو من أجلّ الطاعات، فإذا علم أنه يؤدّي إلى زيادة الشر انقلب معصية، ووجب النهي عن ذلك النهي، كما يجب النهي عن المنكر.
فإن قلت: فقد روي عن الحسن وابن سيرين: أنهما حضرا جنازة، فرأى: محمد نساءً، فرجع، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال أبو البقاء: " (لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ) يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون حالاً مؤكدة من (ربك)، أي: منفرداً بالإلهية".
قوله: (أنهم قالوا عند نزول: (إنَّكُمْ ومَا تَعْبُدُونَ))، فإن قلت: لا يستقيم هذا مع النهي في (ولا تسبوا). قلت: إذا قصد بالتلاوة وغيظهم، يستقيم النهي عنها.
стр. 2623
فقال الحسن: لو تركنا الطاعة لأجل المعصية لأسرع ذلك في ديننا. قلت: ليس هذا مما نحن بصدده، لأنّ حضور الرجال الجنازة طاعة، وليس بسببٍ لحضور النساء، فإنهن يحضرنها، حضر الرجال أو لم يحضروا، بخلاف سب الآلهة. وإنما خُيل إلى محمدٍ ﵀ أنه مثله حتى نبه عليه الحسن.
(عَدْواً): ظلماً وعدواناً. وقرئ: "عدوّاً" بضم العين وتشديد الواو بمعناه. ويقال: عدا فلانٌ عدواً وعدواً وعدواناً وعداءً. وعن ابن كثير: "عدوّاً"، بفتح العين بمعنى: أعداء، (بِغَيْرِ عِلْمٍ): على جهالةٍ بالله وبما يجب أن يذكر به، (كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ) مثل ذلك التزيين زينا لكل أمّةٍ من أمم الكفار سوء عملهم، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأسرع ذلك في ديننا): أي لأسرع فساد ذلك في ديننا، أو: لأسرع ذلك في فساد ديننا. ضمن "أسرع" معنى التأثير: أي أثر الترك في ديننا سريعاً.
قلت: إن صحت الرواية، فالحق مع ابن سيرين، لما روينا في "مسند أحمد بن حنبل"، و"سنن ابن ماجه"، عن ابن عمر قال: "نهي رسول الله صلي الله عليه وسلم أن تتبع جنازة معها رانة".
وعن ابن ماجه، عن عمران بن حصين وأبي برزة، قالا: خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم في جنازة، فرأي قوماً قد طرحوا أرديتهم، يمشون في قمص، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "أبفعل الجاهلية تأخذون - أو: بصنيع الجاهلية تشبهون-؟ لقد هممت أن أدعو عليكم دعوةً ترجعون في غير صوركم" قال: فأخذوا أرديتهم، ولم يعودوا لذلك.
قوله: (مثل ذلك التزيين) المشار إليه قوله: (فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)، وهو أمر
стр. 2624
أي: خليناهم وشأنهم، ولم نكفهم، حتى حسن عندهم سوء عملهم، أو: أمهلنا الشيطان حتى زين لهم، أو: زيناه في زعمهم. وقولهم: إن الله أمرنا بهذا وزينه لنا، (فَيُنَبِّئُهُمْ): فيوبخهم عليه ويعاتبهم ويعاقبهم.
[(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ)].
(لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ) من مقترحاتهم، (لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ) وهو قادرٌ عليها، ولكنه لا ينزلها إلا على موجب الحكمة، أو: إنما الآيات عند الله لا عندي، فكيف أُجيبكم إليها وآتيكم بها، (وَما يُشْعِرُكُمْ): وما يدريكم (أَنَّها): أن الآية التي تقترحونها (إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) بها، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عظيم، فاستبعده، حيث أشار إليه بقوله: "ذلك"، ولا يحمل على مثل ذلك الأمر العظيم إلا التزيين.
قوله: (أو زيناه في زعمهم): إشارة إلى أنه هو من باب المشاكلة، كقوله تعالى: (إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً) [البقرة: ٢٦].
قوله: (وما يدريكم أن الآية التي تقترحونها (إذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ)). قال أبو البقاء: " (وما يشعركم): (ما): استفهام في موضع رفعٍ بالابتداء، و (يشعركم): الخبر، وهو يتعدى إلى مفعولين".
стр. 2625
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال صاحب "الانتصاف": "إذا قيل لك: أكرم زيداً يكافئك، قلت في إنكاره: وما يدريك أنني إذا أكرمته يكافئني؟ فإن قال: لا تكرم زيداً فإنه لا يكافئك، قلت في إنكاره: وما يدريك أنه لا يكافئني؟ تريد: وأنا أعلم منه المكافأة. فكان مقتضي حسن ظن المؤمنين بهؤلاء المعاندين أن يقال لهم: وما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنون؟ وإثبات (لا) يعكس المعنى إلى أن المعلوم لك الثبوت، وأنت تنكر على من نفي، فلهذا حملها بعض العلماء على زيادة "لا"، وبعضهم على معنى "لعل"، والزمخشري أبقاها على وجهها بطريق نوضحه بمثالنا المذكور.
فإذا قيل لك: أكرم زيداً يكافئك، فلك حالتان: حالة تنكر عليه ادعاءه العلم بما يعلم خلافه، وحالة تعذره في عدم العلم أنه لا يكافئ، فإنكار الأول بحذف "لا"، وإنكار الثاني يجوز معه ثبوت "لا"، بمعنى: ومن أين تعلم أنت ما علمته أنا من أنه لا يكافئ؟ فالآية أقيم فيها عذر المؤمنين في عدم علمهم بالغيب الذي علمه الله، وهو عدم إيمان هؤلاء فاستقام دخول (لا) ".
وقلت: الظاهر من تفسير المصنف بقوله: و"ما يدريكم (أنها): أن الآية التي تقترحونها (إذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) بها"، وقوله: "يعني: أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون، وأنتم لا تدرون" أن الاستفهام فيه للإنكار، وفيه معنى النفي، وإن منع صاحب "الكشف"
стр. 2626
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذلك بقوله: (ولا يجوز أن يكون "ما" نفياً، على تقدير: وما يشعركم الله إيمانهم، لأن الله تعالى قد أعلمنا أنهم لا يؤمنون، بقوله: (ولَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتَى) إلى قوله: (مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا) [الأنعام: ١١١] "، لأن تقريره - وذلك أن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها - بيان لمقتضي المقام، يعني: نزل المؤمنون، لحرصهم على إيمان القوم، منزلة من يدعي أن الآيات من عند رسول الله صلي الله عليه وسلم البتة، ومنزلة من لا يدري أن علم الله سبق بأنهم لا يؤمنون إذا جاءت الآيات. وذلك أن قريشاً لما سألت رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يأتيهم بآية، وحلفوا: (ليؤمنن بها)، سأل المسلمون أيضاً ذلك إظهاراً للحرص على إيمانهم، فقيل له صلوات الله عليه أن يقول لهم: أولاً: (إنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ) لا عندي، وثانياً: (ومَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) بمعنى: كأنكم لا تدرون سبق علمي بأنهم لا يؤمنون إذا جاءت الآيات، بسبب طمعكم هذا. وهو المراد من قوله: "وما يدريكم أنهم لا يؤمنون؟ على معنى: أنكم لا تدرون ما سبق علمي به من أنهم لا يؤمنون".
ولخصه القاضي حيث قال: "وما يدريكم، استفهام إنكار، أي: لا تدرون أنهم لا يؤمنون؛ أنكر السبب مبالغةً في نفي المسبب". يعني: أنكر الدراية بهذا العلم، وأريد إنكار إظهار الحرص على إيمانهم، أي: أنتم لا تدرون هذه المسألة، فلذلك تطمعون في إيمانهم.
ومنه قوله تعالى: (وإن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْرَاضُهُمْ فَإنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ) الآية [الأنعام: ٣٥]، قال: "كانوا يقترحون الآيات، فكان يود أن يجابوا إليها، لتمادي حرصه
стр. 2627
يعني: أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، وأنتم لا تدرون بذلك. وذلك أن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها، فقال : وما يدريكم أنهم لا يؤمنون، على معنى أنكم لا تدرون ما سبق علمي به من أنهم لا يؤمنون به، ألا ترى إلى قوله: (كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) [الأنعام: ١١٠]. وقيل: (أنها) بمعنى: «لعلها»، من قول العرب: ائت السوق أنك تشتري لحماً. وقال امرؤ القيس:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على إيمانهم، فقيل له: إن استطعت كذا فافعل، دلالةً على أنه بلغ في حرصه أنه لو استطاع ذلك لفعله".
وقال الإمام نور الدين الحكيم الأبرقوهي ﵀: "معنى الآية: وما يشعركم أيها المؤمنون المتمنون مجيء الآيات التي اقترحوها أنها إذا جاءت لا يؤمنون؟ أي: أنكم لا تدرون ذلك وأنا أدري". فالاستفهام بمعنى النفي. وعلى هذا قال بعضهم: إن قوله فيما بعد: (كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) [الأنعام: ١١٠] متصل بهذا، تدرون أنهم (إذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ)، (كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ).
والآية شديدة الشبه بقول السيد الذي حبس عبده - مثلاً - للذي يشفع إليه من أصحابه في إطلاقه: إنه إذا أطلق لا يمتثل، أي: أنا رزته، وذقت طباعه، وأعلم إصراره، وأنت لا تعلم.
قوله: (ألا ترى إلى قوله: (كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ) أي: هذه الآية التالية مؤذنة بأن (لا) غير مزيدة.
стр. 2628
عوجوا على الطّلل المحيل لأنّنا … نبكي الديار كما بكى ابن خذام
وتقويها قراءة أُبيّ: "لعلها إذا جاءت لا يؤمنون"، وقرئ: (إنها) بالكسر على أن الكلام قد تمّ قبله، بمعنى: وما يشعركم ما يكون منهم، ثم أخبرهم بعلمه فيهم فقال: (أنها إذا جاءت لا يؤمنون) البتة.
ومنهم من جعل (لا) مزيدةً في قراءة الفتح وقرئ: "وما يشعرهم أنها إذا جاءت لا يؤمنون" أي: يحلفون بأنهم يؤمنون عند مجيئها، وما يشعرهم أن تكون قلوبهم حينئذٍ كما كانت عند نزول القرآن وغيره من الآيات مطبوعا عليها فلا يؤمنوا بها.
[(وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (عوجوا على الطلل) البيت، عاج من راحلته: مال وعطف، والعوج: عطف رأس البعير بالزمام، والطلل المحيل: المنزل الذي أتي عليه الحول، أو حال وتغير من صفته بصوب الأمطار، وهبوب الرياح، وابن خذام، بكسر الخاء المعجمة: قيل: إنه أول من بكي من الشعراء على الديار.
قال الزجاج: "فزعم سيبويه عن الخليل أن معناها: "لعلها"، وهي قراءة أهل المدينة".
قوله: (وقرئ "إنها" بالكسر": ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر بخلافٍ عنه، والباقون: بفتحها.
قوله: (ومنهم من جعل (لا) مزيدةً في قراءة الفتح). قال الزجاج: "المعنى: وما يشعركم
стр. 2629
(وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُم … وَنَذَرُهُمْ) عطفٌ على (يؤمنون)، داخلٌ في حكم (وما يشعركم)، بمعنى: وما يشعركم أنهم لا يؤمنون، وما يشعركم اما نقلب أفئدتهم وأبصارهم، أي: نطبع على قلوبهم وأبصارهم فلا يفقهون ولا يبصرون الحق، كما كانوا عند نزول آياتنا.
أو لا يؤمنون بها لكونهم مطبوعاً على قلوبهم، وما يشعركم أنا نذرهم في طغيانهم أي: نخليهم وشأنهم لا نكفهم عن الطغيان حتى يعمهوا فيه.
وقرئ: "ويقلب"، "ويذرهم" بالياء، أي: الله . وقرأ الأعمش: "وتقلب أفئدتهم وأبصارهم" على البناء للمفعول.
[(وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ)].
(وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ)؛ كما قالوا: (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ) [الفرقان: ٢١]، (وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى)؛ كما قالوا: (فَاتُوا بِآبائِنا) [الدخان: ٣٦]، (وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا)؛ كما قالوا: (أَوْ تَاتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا) [الإسراء: ٩٢].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنها إذا جاءت يؤمنون، كقوله تعالى: (وحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) [الأنبياء: ٩٥] ".
قوله: ((أَوْ تَاتِيَ بِاللَّهِ والْمَلائِكَةِ قَبِيلاً)) يعني: معنى: (وحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً): هذا المقترح، وقد مر أن (كل شيء) من إطلاق الكل على معظم الشيء.
стр. 2630
(قبلا): كفلاء بصحة ما بشرنا به وأنذرنا، أو جماعاتٍ. وقيل: (قُبُلًا): مقابلة. وقرئ: (قُبُلًا) أي: عياناً. (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) مشيئة إكراهٍ واضطرار.
(وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون من حال قلوبهم عند نزول الآيات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((قبلاً): كفلاء): شروع في تفسير (قبلاً).
قال القاضي: " (قبلاً): جمع قبيل، بمعنى: كفيل، أي: كفلاء بما بشروا به وأنذروا، أو: جمع "قبيل" الذي هو: جمع قبيلة، بمعنى: جماعات، أو: مصدر، بمعنى: مقابلة. وهو على الوجوه: حال من (كل)، وإنما جاز ذلك لعمومه".
قال الجوهري: "رأيته قبلاً - بضم القاف وكسرها وفتحها-، أي: مقابلةً وعياناً، وقوله تعالى: (وحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً): قال الأخفش: أي: قبيلاً، وقال الحسن: أي: عياناً".
قوله: (وقرئ: "قبلاً") أي: بكسر القاف وفتح الباء: نافع وابن عامر، والباقون: بضمهما.
قوله: (مشيئة إكراه واضطرار): مذهبه.
قال القاضي: " (إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ): استثناء من أعم الأحوال، أي: لا يؤمنون في حالٍ إلا حال مشيئة الله إيمانهم. وقيل: منقطع، وهو حجة واضحة على المعتزلة".
следующие страницы →