Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذلك بقوله: (ولا يجوز أن يكون "ما" نفياً، على تقدير: وما يشعركم الله إيمانهم، لأن الله تعالى قد أعلمنا أنهم لا يؤمنون، بقوله: (ولَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتَى) إلى قوله: (مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا) [الأنعام: ١١١] "، لأن تقريره - وذلك أن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها - بيان لمقتضي المقام، يعني: نزل المؤمنون، لحرصهم على إيمان القوم، منزلة من يدعي أن الآيات من عند رسول الله صلي الله عليه وسلم البتة، ومنزلة من لا يدري أن علم الله سبق بأنهم لا يؤمنون إذا جاءت الآيات. وذلك أن قريشاً لما سألت رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يأتيهم بآية، وحلفوا: (ليؤمنن بها)، سأل المسلمون أيضاً ذلك إظهاراً للحرص على إيمانهم، فقيل له صلوات الله عليه أن يقول لهم: أولاً: (إنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ) لا عندي، وثانياً: (ومَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) بمعنى: كأنكم لا تدرون سبق علمي بأنهم لا يؤمنون إذا جاءت الآيات، بسبب طمعكم هذا. وهو المراد من قوله: "وما يدريكم أنهم لا يؤمنون؟ على معنى: أنكم لا تدرون ما سبق علمي به من أنهم لا يؤمنون".
ولخصه القاضي حيث قال: "وما يدريكم، استفهام إنكار، أي: لا تدرون أنهم لا يؤمنون؛ أنكر السبب مبالغةً في نفي المسبب". يعني: أنكر الدراية بهذا العلم، وأريد إنكار إظهار الحرص على إيمانهم، أي: أنتم لا تدرون هذه المسألة، فلذلك تطمعون في إيمانهم.
ومنه قوله تعالى: (وإن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْرَاضُهُمْ فَإنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ) الآية [الأنعام: ٣٥]، قال: "كانوا يقترحون الآيات، فكان يود أن يجابوا إليها، لتمادي حرصه
стр. 2627
يعني: أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، وأنتم لا تدرون بذلك. وذلك أن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها، فقال : وما يدريكم أنهم لا يؤمنون، على معنى أنكم لا تدرون ما سبق علمي به من أنهم لا يؤمنون به، ألا ترى إلى قوله: (كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) [الأنعام: ١١٠]. وقيل: (أنها) بمعنى: «لعلها»، من قول العرب: ائت السوق أنك تشتري لحماً. وقال امرؤ القيس:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على إيمانهم، فقيل له: إن استطعت كذا فافعل، دلالةً على أنه بلغ في حرصه أنه لو استطاع ذلك لفعله".
وقال الإمام نور الدين الحكيم الأبرقوهي ﵀: "معنى الآية: وما يشعركم أيها المؤمنون المتمنون مجيء الآيات التي اقترحوها أنها إذا جاءت لا يؤمنون؟ أي: أنكم لا تدرون ذلك وأنا أدري". فالاستفهام بمعنى النفي. وعلى هذا قال بعضهم: إن قوله فيما بعد: (كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) [الأنعام: ١١٠] متصل بهذا، تدرون أنهم (إذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ)، (كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ).
والآية شديدة الشبه بقول السيد الذي حبس عبده - مثلاً - للذي يشفع إليه من أصحابه في إطلاقه: إنه إذا أطلق لا يمتثل، أي: أنا رزته، وذقت طباعه، وأعلم إصراره، وأنت لا تعلم.
قوله: (ألا ترى إلى قوله: (كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ) أي: هذه الآية التالية مؤذنة بأن (لا) غير مزيدة.
стр. 2628
عوجوا على الطّلل المحيل لأنّنا … نبكي الديار كما بكى ابن خذام
وتقويها قراءة أُبيّ: "لعلها إذا جاءت لا يؤمنون"، وقرئ: (إنها) بالكسر على أن الكلام قد تمّ قبله، بمعنى: وما يشعركم ما يكون منهم، ثم أخبرهم بعلمه فيهم فقال: (أنها إذا جاءت لا يؤمنون) البتة.
ومنهم من جعل (لا) مزيدةً في قراءة الفتح وقرئ: "وما يشعرهم أنها إذا جاءت لا يؤمنون" أي: يحلفون بأنهم يؤمنون عند مجيئها، وما يشعرهم أن تكون قلوبهم حينئذٍ كما كانت عند نزول القرآن وغيره من الآيات مطبوعا عليها فلا يؤمنوا بها.
[(وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (عوجوا على الطلل) البيت، عاج من راحلته: مال وعطف، والعوج: عطف رأس البعير بالزمام، والطلل المحيل: المنزل الذي أتي عليه الحول، أو حال وتغير من صفته بصوب الأمطار، وهبوب الرياح، وابن خذام، بكسر الخاء المعجمة: قيل: إنه أول من بكي من الشعراء على الديار.
قال الزجاج: "فزعم سيبويه عن الخليل أن معناها: "لعلها"، وهي قراءة أهل المدينة".
قوله: (وقرئ "إنها" بالكسر": ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر بخلافٍ عنه، والباقون: بفتحها.
قوله: (ومنهم من جعل (لا) مزيدةً في قراءة الفتح). قال الزجاج: "المعنى: وما يشعركم
стр. 2629
(وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُم … وَنَذَرُهُمْ) عطفٌ على (يؤمنون)، داخلٌ في حكم (وما يشعركم)، بمعنى: وما يشعركم أنهم لا يؤمنون، وما يشعركم اما نقلب أفئدتهم وأبصارهم، أي: نطبع على قلوبهم وأبصارهم فلا يفقهون ولا يبصرون الحق، كما كانوا عند نزول آياتنا.
أو لا يؤمنون بها لكونهم مطبوعاً على قلوبهم، وما يشعركم أنا نذرهم في طغيانهم أي: نخليهم وشأنهم لا نكفهم عن الطغيان حتى يعمهوا فيه.
وقرئ: "ويقلب"، "ويذرهم" بالياء، أي: الله . وقرأ الأعمش: "وتقلب أفئدتهم وأبصارهم" على البناء للمفعول.
[(وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ)].
(وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ)؛ كما قالوا: (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ) [الفرقان: ٢١]، (وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى)؛ كما قالوا: (فَاتُوا بِآبائِنا) [الدخان: ٣٦]، (وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا)؛ كما قالوا: (أَوْ تَاتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا) [الإسراء: ٩٢].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنها إذا جاءت يؤمنون، كقوله تعالى: (وحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) [الأنبياء: ٩٥] ".
قوله: ((أَوْ تَاتِيَ بِاللَّهِ والْمَلائِكَةِ قَبِيلاً)) يعني: معنى: (وحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً): هذا المقترح، وقد مر أن (كل شيء) من إطلاق الكل على معظم الشيء.
стр. 2630
(قبلا): كفلاء بصحة ما بشرنا به وأنذرنا، أو جماعاتٍ. وقيل: (قُبُلًا): مقابلة. وقرئ: (قُبُلًا) أي: عياناً. (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) مشيئة إكراهٍ واضطرار.
(وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون من حال قلوبهم عند نزول الآيات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((قبلاً): كفلاء): شروع في تفسير (قبلاً).
قال القاضي: " (قبلاً): جمع قبيل، بمعنى: كفيل، أي: كفلاء بما بشروا به وأنذروا، أو: جمع "قبيل" الذي هو: جمع قبيلة، بمعنى: جماعات، أو: مصدر، بمعنى: مقابلة. وهو على الوجوه: حال من (كل)، وإنما جاز ذلك لعمومه".
قال الجوهري: "رأيته قبلاً - بضم القاف وكسرها وفتحها-، أي: مقابلةً وعياناً، وقوله تعالى: (وحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً): قال الأخفش: أي: قبيلاً، وقال الحسن: أي: عياناً".
قوله: (وقرئ: "قبلاً") أي: بكسر القاف وفتح الباء: نافع وابن عامر، والباقون: بضمهما.
قوله: (مشيئة إكراه واضطرار): مذهبه.
قال القاضي: " (إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ): استثناء من أعم الأحوال، أي: لا يؤمنون في حالٍ إلا حال مشيئة الله إيمانهم. وقيل: منقطع، وهو حجة واضحة على المعتزلة".
стр. 2631
أو: ولكنّ أكثر المسلمين يجهلون أن هؤلاء لا يؤمنون إلا أن يضطرّهم فيطمعون في إيمانهم إذا جاءت الآية المقترحة.
[(وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ)].
(وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا): وكما خلينا بينك وبين أعدائك، كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء وأعدائهم، ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو: ولكن أكثر المسلمين يجهلون). فإن قلت: لم نسب الجهل إلى المسلمين في هذا الوجه، وإلى المشركين في الوجه السابق؟ قلت: أما تخصيص المسلمين بالذكر فهو مفرع على القراءة المشهورة في الآية السابقة في قوله: (ومَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ)، وفسره بقوله: "إن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية، ويتمنون مجيئها"، فالمعنى كما قال: "أكثر المسلمين يجهلون أن هؤلاء لا يؤمنون، إلا أن يضطرهم، فيطعمون في إيمانهم".
وتخصيص المشركين بالذكر مبني على القراءة الشاذة، وهي: "وما يشعرهم أنها إذا جاءتهم لا يؤمنون"، وفسره بقوله: "وما يشعرهم أن تكون قلوبهم حينئذ كما كانت عند نزول القرآن وغيره من الآيات، مطبوعاً عليها". فالمعنى كما قال: "وأكثرهم يجهلون، فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون من حال قلوبهم عند نزول الآيات".
والحاصل: أن هذا الكلام تذييل للكلام السابق بحسب اعتبار القراءتين.
قوله: (وكما خلينا بينك وبين أعدائك كذل فعلنا بمن قبلك). قال القاضي: "وهو دليل على أن عداوة الكفرة للأنبياء بفعل الله وخلقه".
стр. 2632
لم نمنعهم من العداوة، لما فيه من الامتحان الذي هو سبب ظهور الثبات والصبر، وكثرة الثواب والأجر.
وانتصب (شَياطِينَ) على البدل من (عدوّا)، أو على أنهما مفعولان كقوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ) [الأنعام: ١٠٠].
(يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ): يوسوس شياطين الجنّ إلى شياطين: الإنس، وكذلك بعض الجنّ إلى بعض وبعض الإنس إلى بعض. وعن مالك ابن دينار: إنّ شيطان الإنس أشد عليّ من شيطان الجنّ، لأني إذا تعوّذت بالله ذهب شيطان الجنّ عني، وشيطان الإنس يجيئني فيجرّني إلى المعاصي عياناً، (زُخْرُفَ الْقَوْلِ): ما يزينه من القول والوسوسة والإغراء على المعاصي ويموّهه، (غُرُوراً): خدعاً وأخذاً على غرّة، (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ): ما فعلوا ذلك، أي: ما عادوك، أو ما أوحى بعضهم إلى بعضٍ زخرف الفول، بأن يكفهم ولا يخليهم وشأنهم.
[(وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: الظاهر: أن المشار إليه بقوله: (كذلك) ما سبق من الأقوال التي لا تصدر إلا عن أعداء الأنبياء، تسليةً لرسول الله صلي الله عليه وسلم مثل قولهم: (درست) [الأنعام: ١٠٥]، ومثل السب الذي يفهم من قوله: (فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا) [الأنعام: ١٠٩]. يدل على أن الكلام في هذا قوله: (يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا)، ثم بين أن ذلك بتمكين الله إياهم، بقوله: (ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ).
قوله: (على غرة) أي: "غفلة. والغار: الغافل، واغتره: إذا أتاه على غفلة". قاله الجوهري.
стр. 2633
(وَلِتَصْغى) جوابه محذوف، تقديره: وليكون ذلك (جعلنا لكل نبيّ عدوّاً)، على أن اللام لام الصيرورة وتحقيقها ما ذكر.
والضمير في (إِلَيْهِ) يرجع إلى ما رجع إليه الضمير في (فعلوه)، أي: ولتميل إلى ما ذكر من عداوة الأنبياء ووسوسة الشياطين، (أَفْئِدَةُ) الكفار، (وَلِيَرْضَوْهُ) لأنفسهم، (وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ) من الآثام.
[(أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)].
(أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً) على إرادة القول، أي: قل يا محمد: أفغير الله أطلب حاكماً يحكم بيني وبينكم، ويفصل المحق منا من المبطل، (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ) المعجز،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (جوابه محذوف)، أي: معلله، وهو ما قدره من قوله: (جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًا) لدلالة المذكور عليه. ولأن الصغو إلى ما ذكره من عداوة الأنبياء لم يصح عنده أن يكون مطلوباً لله بجعل كل نبي عدواً، قال: "إن اللام للصيرورة".
والمعنى عند أهل السنة: وليكون إصغاء الأتباع، وميل قلوبهم إلى المتبوعين من شياطين الإنس والجن، وإلى ما عادوا به الأنبياء من زخرف القول والغرور؛ (جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ)، تلخيصه: إنما جعلنا لكل نبي عدواً ذا قول مزخرف، ليميل إليه قلوب الذين قدرنا في الأزل أنهم لا يؤمنون، هذا يؤيد قول القاضي: "فيه دليل على أن عداوة الكفرة للأنبياء بفعل الله".
قوله: (وليكون ذلك) المشار إليه: الصغو المذكور.
قوله: (وتحقيقها ما ذكر) أي: عند قوله: (ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ ولِنُبَيِّنَهُ) [الأنعام: ١٠٨].
стр. 2634
(مُفَصَّلًا): مبيناً فيه الفصل بين الحق والباطل، والشهادة لي بالصدق وعليكم بالافتراء، ثم عضد الدلالة على أنّ القرآن حقٌّ بعلم أهل الكتاب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ثم عضد الدلالة على أن القرآن حق). يعني: احتج بقوله: (وهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إلَيْكُمُ الكِتَابَ مُفَصَّلاً) أن القرآن حق، ثم أيده بشهادة أهل الكتاب، فيكون "ثم عضد" عطفاً على قوله في الكتاب: (وهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إلَيْكُمُ الكِتَابَ) من حيث المعنى. وفيه أن قوله: (والَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ) عطف على قوله: (وهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إلَيْكُمُ الكِتَابَ) حال مثله.
هذا يدل على إنكار عظيم من القوم، ولذلك صدرت الآية بهمزة الإنكار، مع إضمار فعل المنكر، وتقديم المفعول.
وقريب منه قوله تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ وأُوحِيَ إلَيَّ هَذَا القُرْآنُ) [الأنعام: ١٩]، وهذا أبلغ، وذلك أنهم طعنوا في نبوته، وما عدوا القرآن معجزةً عناداً، واتهموه تارة بقوله: (درست) وتعلمت من اليهود، وأنكروا نبوته، وأخرى بقوله: (وأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا) [الأنعام: ١٠٩]، يعني: أنك لست بنبي وأن ما جئت به ليس بآية، فأت بآيةٍ حتى نؤمن بها. فبين الله تعالى عنادهم، وأنهم مختوم على قلوبهم، وعلى أبصارهم غشاوة.
وأمثاله في آيات تسليته لحبيبه صلوات الله عليه.
стр. 2635
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم أمره أن يوبخهم، وينكر عليهم بقوله: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ)؟ : أي أأزل عن الطريق السوي بأباطيلكم هذه، فأخص غير الله بالحكم؟ وهو الذي أنزل هذا الكتاب المعجز، الذي أفحمكم، وأبكم فصحاءكم! وكفى به حاكماً بيني وبينكم بإنزال هذا الكتاب المفصل بالآيات البينات؛ من التوحيد، والعدل، والنبوة، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، والقصص والإخبار عن الغيوب، وبما تضمن من الألفاظ الفائقة الرائقة، كالعقد المفصل الذي أعجزكم عن آخركم.
هذا كله معنى قوله: (مفصلاً)، كأنه تعالى أجابهم على الأسلوب الحكيم، والقول بالموجب، لأنهم طعنوا في معجزته، أي: القرآن، فبكتهم به على أحسن وجه، وضم مع ذلك علم أهل الكتاب بأنه حق، لتصديقه ما عندهم، وموافقته له، ثم أردف كل ذلك، على سبيل التتميم قوله: (وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ).
قال صاحب "المرشد": "ولا يوقف عند قوله (أبتغي حكماً)، لأن ما بعده متعلق به، أي: أغير الله أبتغي حكماً، وهو الإله، ومنزل الكتاب الذي فيه الأحكام، ولا حكم لغيره؟ ".
стр. 2636
أنه حق لتصديقه ما عندهم وموافقته له، (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) من باب التهييج والإلهاب، كقوله تعالى: (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام: ١٤].
أو (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) في أنّ أهل الكتاب يعلمون أنه منزلٌ بالحق، ولا يربك جحود أكثرهم وكفرهم به.
ويجوز أن يكون (فَلا تَكُونَنَّ) خطاباً لكل أحد، على معنى: أنه إذا تعاضدت الأدلة على صحته وصدقه، فما ينبغي أن يمتري فيه أحد. وقيل: الخطاب لرسول الله ﷺ خطابٌ لأمته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لتصديقه): تعليل لـ"العلم"، وهو "بعلم" متعلق بـ"عضد".
قوله: (والإلهاب). ويقال: ألهبه على كذا، أي: حرضه عليه. الأساس: "ومن المجاز: ألهبته على الأمر: أردت بذلك تهييجه".
قوله: (وقيل: الخطاب لرسول الله صلي الله عليه وسلم خطاب لأمته) يريد: أن قوله: (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ) من باب تلوين الخطاب، فيجوز أن يراد به رسول الله صلي الله عليه وسلم خاصةً؛ مزيداً للثبات على اليقين، والتجنب عن الامتراء، تهييجاً وإلهاباً، ولأمته عامة؛ بالطريق الأولى، وأن يراد به جميع الناس ابتداءً، وذلك أنه لما أمر النبي صلي الله عليه وسلم أن يقول: أفغير الله أبتغي حاكماً، وهو الذي أنزل القول الفصل، الفارق بين الحق والباطل، المشهود له بالصدق، التفت إلى من يصح أن يخاطب بقوله: (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ)، وهذا لا يصار إليه، إلا أن ما يجري لأجله الخطاب معنى به جداً، فلا يختص بواحد دون آخر: وإليه الإشارة بقوله: "إذا تعاضدت
стр. 2637
[(وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)].
(وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) أي: تم كل ما أخبر به، وأمر ونهى، ووعد وأوعد، (صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأدلة على صحته، فلا ينبغي أن يمتري فيه أحد"، وأن يراد جميع الناس، لكن على سبيل التبعية، تعظيماً للمخاطب، لأن الرسول صلي الله عليه وسلم رئيس أمته، وعليه تدور رحى الأمة، كقوله تعالى: (ْيَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [الطلاق: ١]. والله أعلم.
قوله: (أي: تم كل ما أخبر به وأمر ونهي، ووعد وأوعد)، خصها بالذكر بدلالة السابق، وهو قوله: (وهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إلَيْكُمُ الكِتَابَ مُفَصَّلاً) [الأنعام: ١١٤]: أي: فصله بمثل تلك الأنواع. واللاحق، وهو قوله: (صدقاً وعدلاً)، على النشر للف التقديري، كما قدره المصنف؛ فإن الصدق مناسب للخبر والوعد والوعيد، وإن العدل موافق للأمر والنهي، لأنه تعالى يأمر وينهي بمقتضي حكمته، ويضع كلا في موضعه، ويتصرف في ملكه بالأمر والنهي على ما أراد.
وفسرت "الكلمة" بـ"كن"، والمقام ينبو عنه كما ترى، ومعنى تمام الإخبار والوعد والوعيد أن يكون صدقاً، وفي الأمر والنهي يكون عدلاً، لأن تمام الشيء انتهاؤه وكماله؛ لا
стр. 2638
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يحتاج إلى خارج عنه، والناقص بخلافه. ومنه ما ورد في الحديث: "أعوذ بكلمات الله التامات". أخرجه مسلم.
ويجوز أن يجري الصدق والعدل على كل واحد من تلك الأنواع، لأن الصدق قد يعبر به مجازاً عن كل فعل فاضل، قال تعالى: (أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ) [يونس: ٢]، و (مدخل صدق)، و (مخرج صدق) [الإسراء: ٨٠]. وجميع ما أمر الله تعالى به فواضل، وما نهي عن أضدادها إلا لتحققها.
ويستعمل الصدق في التحقيق، قال تعالى: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ) [الفتح: ٢٧]: أي: حقق رؤيته، وقال تعالى: (والَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ) [الزمر: ٣٣]، أي: حقق ما أورده قولاً بما تحراه فعلاً. وأوامر الله تعالى ونواهيه محققه لما رتب عليها من الجزاء.
وإن العدل هو الاستواء والتقسيط على السواء، من غير زيادة ونقصان. فالكلمة الصادقة عادلة مستقيمة.
و(صدقاً وعدلاً): مصدران منصوبان على الحال، إما من (ربك) أو من الـ"كلمة" على الإسناد المجازي. ويجوز أن يكون تمييزاً أو مفعولاً به.
стр. 2639
لا أحد يبدّل شيئاً من ذلك مما هو أصدق وأعدل. و (صدقاً وعدلاً): نصبٌ على الحال. وقرئ: (كلمةُ ربك)، أي: ما تكلم به. وقيل: هي القرآن.
[(وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ)].
(وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ) أي: من الناس أضلوك، لأنّ الأكثر في غالب الأمر يتبعون هواهم، ثم قال: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ)، وهو ظنهم أنّ آباءهم كانوا على الحق فهم يقلدونهم، (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ): يُقدّرون أنهم على شيء. أو يكذبون في أنّ الله حرّم كذا وأحلّ كذا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا أحد يبدل شيئاً من ذلك)، قال القاضي: "لا أحد يقدر أن يحرفها تحريفاً شائعاً ذائعاً، كما فعل بالتوراة، على أن المراد بها القرآن، فيكون ضماناً من الله تعالى بالحفظ، كقوله: (وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: ٩] ".
قوله: (وقرئ: (كلمت ربك)): عاصم وحمزة والكسائي. وفي قوله: "أي: ما تكلم به" إشارة إلى أن هذه القراءة أشمل من القراءة الـ"كلمات"، حيث قال: "كل ما أخبر به ونهي، ووعد وأوعد"، لأن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع، كما سبق في آخر "البقرة" أن "كتابه" أكثر من "كتبه" عن ابن عباس.
стр. 2640
[(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ* فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ* وَما لَكُمْ أَلاَّ تَاكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ)].
وقرئ: "مَنْ يَضِلُّ" بضم الياء، أي: يضله الله.
(فَكُلُوا) مسببٌ عن إنكار اتباع المضلين، الذين يحلون الحرام ويحرّمون الحلال ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "من يضل" بضم الياء، أي: يضله الله). قال القاضي: " (من) منصوبة بالفعل المقدر، أو مجرورة بإضافة (أعلم) إليه، أي: أعلم المضلين، من قوله تعالى: (ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ) [العراف: ١٨٦]، أو من: أضللته: إذا وجدته ضالا. وعلى المشهورة: (من) موصولة، أو موصوفة في محل النصب بفعل دل عليه (أعلم) لا به، فإن "أفعل" لا ينصب الظاهر في مثل ذلك".
والتفصيل في العلم لكثرته وإحاطته، وبالوجوه التي يمكن تعلق العلم بها، ولزومه، وكونه بالذات، لا بالغير.
وقال الزجاج: "موضع (من): رفع بالابتداء، أي: إن ربك هو أعلم أي الناس يضل عن سبيله، نحو قوله: (لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَى) [الكهف: ١٢] ".
قوله: ((فكلوا): مسبب عن إنكار إتباع المضلين) بيان لترتيب النظم، وذلك أنه تعالى
стр. 2641
وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله، فما قتل الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم، فقيل للمسلمين: إن كنتم متحققين بالإيمان (فكلوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) خاصةً دون ما ذكر عليه اسم غيره من آلهتهم، أو مات حتف أنفه، وما ذكر اسم الله عليه هو المذكى بـ: بسم الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لما قال: (وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلا) [الأنعام: ١١٥]، وأتبع ذلك قوله: (وإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) [الأنعام: ١١٦]، ليؤذن بمعنى قوله: (فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إلاَّ الضَّلالُ) [يونس: ٣٢]، أتي بنوع دعوة المشركين المسلمين إلى أهوائهم وأباطيلهم، وهو أنهم كانوا يقولون للمسلمين: فما قتل الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم، فقيل للمسلمين: إن كنتم متحققين بالإيمان فلا تتبعوا أهواءهم، وكلوا مما ذكر اسم الله عليه، فالفاء في (فكلوا) إذاً: نتيجة.
قوله: (إن كنتم متحققين بالإيمان): أي: إن صرتم عالمين بحقائق الأمور بسبب إيمانكم بالله، وهذا من جملة ذلك، فالزموه. ويجوز أن يكون "تفعل" بمعنى "فعل" للمبالغة، أي: إن كنتم ثابتين في الإيمان، وأن يكون بمعنى "استفعل"، أي: إن كنتم طالبين الحق بسبب الإيمان.
قوله: (خاصةً دون ما ذكر عليه اسم غيره) هذا الحصر يفيده توكيد الكلام بالشرط، أي: إن خصصتم الإيمان بآيات الله، فكلوا ما أحلته الآيات، دون ما أحلوه من الميتة، أو ما ذبحوه على النصب. أو أن الفاء في قوله: (فكلوا) لما دل على التسبيب وإنكار إتباع المضلين
стр. 2642
(وَما لَكُمْ أَلَّا تَاكُلُوا) وأي: غرضٍ لكم في أن لا تأكلوا، (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ) وقد بين لكم ما حُرِّمَ عليكم مما لم يحرّم، وهو قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) [المائدة: ٣] وقرئ: (فَصَّلَ لَكُم مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) على تسمية الفاعل، وهو الله ، (إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) مما حُرِّم عليكم، فإنه حلالٌ لكم في حال الضرورة، (وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ) قرئ بفتح الياء وضمها، أي: يضلون فيحرّمون ويحللون (بِأَهْوائِهِمْ) وشهواتهم من غير تعلقٍ بشريعة.
[(وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ)].
(ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ): ما أعلنتم منه وما أسررتم. وقيل: ما عملتم وما نويتم. وقيل: ظاهره الزنى في الحوانيت، وباطنه الصديقة في السرّ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقولهم: كلوا ما قتله الله كما تأكلون ما قتلتم أنتم، فقيل لهم: كلوا ما قتلتم أنتم باسم الله خاصة، ولا تأكلوا ما أمروكم به.
قوله: (وقرئ: (فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) على تسمية الفاعل): نافع وحفص.
قوله: (قرئ بفتح الياء وضمها). بالضم: عاصم وحمزة والكسائي.
قوله: (وقيل: ظاهره: الزنى في الحوانيت، وباطنه: الصديقة في السر). فعلى هذا قوله: (وذروا) معطوف على قوله: (فكلوا) وداخل في حكم التسبيب عن إنكار إتباع المضلين في تحليل ما حرمه الله، وتحريم ما أحله: من أكل الميتة، ومن الزنا.
لكن الذي يقتضيه النظم أن تكون معترضةً بين المعطوف والمعطوف عليه، وهو قوله:
стр. 2643
[(وَلا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)].
(وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) الضمير راجعٌ إلى مصدر الفعل الذي دخل عليه حرف النهي، يعني: وإنّ الأكل منه لفسقٌ، أو إلى الموصول على: وإنّ أكله لفسقٌ، أو جعل ما لم يذكر اسم الله عليه في نفسه فسقاً.
فإن قلت: قد ذهب جماعةٌ من المجتهدين إلى جواز أكل ما لم يذكر اسم الله عليه بنسيانٍ أو عمد؟ قلت: قد تأوله هؤلاء بالميتة وبما ذكر غير اسم الله عليه، كقوله: (أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ به) [الأنعام: ١٤٥].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(ولا تأكلوا) (فكلوا)، معناه: ما قال أولاً: " (ظاهر الإثم وباطنه) وما أسررتم، وقيل: ما عملتم وما نويتم"، توكيداً للإنكار في قوله: (ومَا لَكُمْ أَلاَّ تَاكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) [الأنعام: ١١٩].
قوله: (قد تأوله هؤلاء بالميتة) قال الإمام: "نقل عن عطاء أنه قال: كل ما لم يذكر عليه اسم الله من طعام أو شراب فهو حرام، تمسكاً بعموم الآية، والفقهاء خصوا العام بالذبح"، ويعضد قول الفقهاء ترتيب نظم الآيات.
وروى الإمام أن مذهب مالك: كل ما ذبح وترك اسم الله عليه؛ عمداً كان أو خطأ، فهو حرام، وهو قول ابن سيرين.
وقال أبو حنفية: إن ترك عمداً فهو حرام، وإلا فهو حلال.
стр. 2644
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الشافعي ﵀: "حلال؛ سواء ترك عمداً أو نسياناً، إذا كان الذابح أهلاً له. وقال: هذا النهي مخصوص بما ذبح على النصب، أو مات حتف أنفه".
وقال صاحب "الانتصاف" - وكان مالكياً-: "مذهب مالك كمذهب أبي حنيفة: أنه لا يعذر العامد فيها، وأما السهو فقول شاذ بجواز أكل مذكي غير المتهاون في التسمية، والآية تساعد على ذلك مساعدةً بينة، فإن ذكره الفسق عقيبه؛ إن كان عن فعل المكلف - وهو إهمال التسمية - فلا يدخل الناسي لأنه غير مكلف، فلا يكون فعله فسقاً، وإن كان عن نفس الذبيحة التي لم يسم عليها، وليست مصدراً، فهو منقول من المصدر، فالذبيحة المتروك التسمية عليها نسياناً لا يصح تسميتها فسقاً، إذ الفعل الذي نقل منه هذا الاسم ليس بفسق.
فإما أن يقول: لا دليل في الآية على تحريم المنسي، فبقي على أصل الإباحة، أو يقول: فيها دليل من حيث مفهوم تخصيص النهي بما هو فسق، فما ليس بفسق ليس بحرام. هذا إذا لم تكن الميتة مرادة، فإن ثبت أنها مرادة تعين صرف الفسق إلى الأكل أو المأكول، وكان الضمير في (إنه) عائداً إلى المصدر المنهي عنه، أو إلى الموصول، وحينئذ يندرج المنسي في النهي، ولا تبقي - على هذا - الميتة مندرجةً إلا اندراج المنسي، إذ يكون الفسق إما للأكل أو للمأكول نقلاً من الأكل، ولا ينصرف إلى غير ذلك، لأن الميتة لم يفعل المكلف فيها فعلاً يسمى فسقاً سوى الأكل، والمنسي تسميتها لا يكون ذبحها فسقاً لأجل النسيان، فتعين صرفه إلى الأكل، فلأجله قوي عند الزمخشري تعميم التحريم في الناسي، لأنه يرى أن الميتة مرادة من الآية، إذ هي سبب نزول الآية.
стр. 2645
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والظاهر: أن العام باقٍ على ظهوره فيما عداها، إذا ثبت اندراج الميتة لزم اندراج المنسي، وحينئذ يضطر مبيح المنسي إلى مخصص، فيتمسك بقوله صلي الله عليه وسلم: "ذكر الله في قلب كل مؤمن؛ سمى أو لم يسم"، وكان الناسي ذاكراً حكماً، وإن لم يكن ذاكراً وجوداً.
وهذا ليس بتخصيص، ولكن منع لاندراج الناس في العموم، ويؤيده أن العام الوارد على سبب خاص - وإن قوي - تناوله السبب، حتى ينتهض الظاهر فيه نصاً، إلا أنه ضعيف التناول لما عداه، حتى ينحط عن أعالي الظواهر فيه، ويكتفي في معارضته بما لا يكتفي به منه لولا السبب".
وقلت: هذا الكلام فيه تطويل وتعسف، إذ لم يلتفت فيه إلى النظم، وتكلم في حواشي المعاني، ولم يتعمق فيها، واستدلال الإمام في غاية من الجودة، قال: "والذي يدل على أن الآية واردة في أمر خاص قوله: (وإنه لفسق)، لأن الواو للحال، لقبح عطف الخبرية على الطلبية. والمعنى: لا تأكلوه حال كونه فسقاً. ثم إن الفسق مجمل، وقد فصل بما جاء بعده؛ وهو قوله: (أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) [الأنعام: ١٤٥] فيبقي ما عداه حلالاً؛ إما لمفهوم تخصيص التحريم في هذه الآية، أو للعمومات المحللة".
وقلت: يؤيد هذا التأويل مضمون قوله: (وإنه لفسقٌ)، لأنه جملة اسمية مؤكدة
стр. 2646
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بـ"إن" واللام، ومثلها لا يليق بترك التسمية، لا سهواً ولا عمداً، وكذا عطف قوله: (وإنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ)، والمجادلة: هي قولهم: لم لا تأكلون ما قتله الله، وتأكلون ما قتلتموه أنتم؟ وذلك إنما يصح في الميتة، فدخل في قوله: (وإنه لفسقٌ): ما أهل لغير الله فيه، وبقوله: (وإنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ)، فيتحقق قول الشافعي: هذا النهي مخصوص بما ذبح على اسم النصب، أو مات حتف أنفه.
وفي كلام المصنف إشعار بهذا المعنى.
ثم قضية النظم تساعده مساعدةً ليس بعدها، فإن قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) [الأنعام: ١١٨] كما قال: "مسبب عن إنكار إتباع المضلين؛ الذين يحلون الحرام، ويحرمون الحلال، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله، فما قتل الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم، فقال للمسلمين: إن كنتم متحققين بالإيمان، فكلوا مما ذكر اسم الله عليه خاصة، دون ما ذكر عليه اسم غيره، أو مات حتف أنفه. وما ذكر اسم الله عليه: هو المذكي باسم الله".
ثم حث المسلمين بقوله: (ومَا لَكُمْ أَلاَّ تَاكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) على أكل ما أحل لهم، والاجتناب عما حرم عليهم، يعني: أي غرض لكم في توقفكم فيه بما أوقعوا من الشبه، وقد نص الله تعالى في أكل ما أباح أكله وترك ما يحترز عنه في قوله تعالى: (كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) إلى قوله: (إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ) الآية [البقرة: ١٧٢ - ١٧٣]، ثم لما أريد المزيد في التفصيل والبيان قيل: (ولا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ) كأنه قيل: كلوا مما ذكر اسم الله عليه، وما لكم لا تأكلون وقد أزيحت العلة بالبيان والتفصيل، وها قد تكرر عليكم النهي وتجدد مرةً أخرى بقوله: (ولا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ).
стр. 2647
(لَيُوحُونَ): ليوسوسون (إِلى أَوْلِيائِهِمْ) من المشركين، (لِيُجادِلُوكُمْ) بقولهم: ولا تأكلوا مما قتله الله؟ وبهذا يرجع تأويل من تأوله بالميتة، (إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) لأنّ من اتبع غير الله تعالى في دينه فقد أشرك به، ومن حق ذي البصيرة في دينه أن لا يأكل مما لم يذكر اسم الله عليه كيفما كان؛ لما يرى في الآية من التشديد العظيم، وإن كان أبو حنيفة ﵀ مرخصاً في النسيان دون العمد، ومالكٌ والشافعي رحمهما الله فيهما.
[(أَوَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ* وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويدل على التوكيد قوله: (وإنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ)، وقوله أيضاً: (وإنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ)، لأنهما في معنى قوله: (وإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إن يَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ) [الأنعام: ١١٦]، والله أعلم.
قوله: (لأن من اتبع غير الله … فقد أشرك به) قال الزجاج: "هذه الآية فيها دليل على أن كل من أحل شيئاً مما حرم الله، أو حرم شيئاً مما أحل الله، فهو مشرك، وإن أطاع الله في جميع ما أمره، وإنما سمي مشركاً لأنه اتبع غير الله، فأشرك به غيره".
والذي عليه كلام المصنف أنه من باب التغليظ، كقوله تعالى: (ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ)، وبعده: (ومن كفر) [آل عمران: ٩٧]، لقوله: "ومن حق ذي البصيرة في دينه ألا
стр. 2648
مثل الذي هداه الله بعد الضلالة، ومنحه التوفيق لليقين الذي يميز به بين المحق والمبطل والمهتدي والضال، بمن كان ميتاً فأحياه الله وجعل له نوراً يمشي به في الناس مستضيئاً به، فيميز بعضهم من بعض، ويفصل بين حلاهم. ومن بقي على الضلالة بالخابط في الظلمات لا ينفك منها ولا يتخلص.
ومعنى قوله: (كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها) كمن صفته هذه، وهي قوله: (فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يأكل مما لم يذكر اسم الله عليه"، وقوله: "وإن كان أبو حنيفة مرخصاً"، إلى آخره.
قوله: (ومن بقي على الضلالة): عطف على قوله: "الذي هداه الله".
وفي الآية استعارتان تمثيليتان، وتشبيه تمثيلي، أما الاستعارة الأولي: فبيانها ما قال: "مثل الذي هداه الله تعالى بمن كان ميتاً فأحييناه" والثانية: "مثل من بقي على الضلالة بالخابط في الظلمات لا ينفك منها" والاستعارة الأولي بجملتها مشبه، والثانية مشبه به، نحوه في التشبيه قوله: (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ) [السجدة: ١٨].
قوله: (كمن صفته): خبر، والمبتدأ: قوله: "ومعنى قوله"، أي: معنى ذلك كمعنى هذه.
стр. 2649
بمعنى: هو في الظلمات ليس بخارج منها، كقوله تعالى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ) [محمد: ١٥]، أي: صفتها هذه، وهي قوله: (فِيها أَنْهارٌ).
(زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ) أي: زينه الشيطان، أو الله عزّ وعلا؛ على قوله: (زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ) [النمل: ٤]، ويدل عليه قوله: (وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها)، يعني: وكما جعلنا في مكة صناديدها (ليمكروا فيها)، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جعل (مثله) مبتدأ خبره محذوف، وجعل قوله: (في الظلمات) خبر مبتدأٍ محذوف، حيث قدر أولاً: "صفته هذه"، ثم ثانياً: "هو في الظلمات ليس بخارج منها"، والجملة الثانية مبينة للأولي، فإنه لما قيل: كمن صفته هذه، اتجه لسائل: وما صفته؟ فقيل: هو (فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا).
قال المصنف في قوله تعالى: (مثل الجنة) [محمد: ١٥]: "ويجوز أن يكون خبر مبتدأٍ محذوف؛ هي (فيها أنهار) [محمد: ١٥]، وكأن قائلاً قال: وما مثلها؟ فقيل: فيها أنهار".
فقوله: "هي": مبهم مبين بالخبر، كما قال في "المؤمنون" في قوله: (إنْ هِيَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) [المؤمنون: ٣٧]: "هذا ضمير لا يعلم ما يعني به إلا بما يتلوه من الخبر. ومنه: هي النفس ما حملتها تتحمل".
قال أبو البقاء: " (مثله): مبتدأ، وخبره: (في الظلمات)، و (ليس بخارج منها) حال من المستكن في الظرف، لا من الهاء في (مثله) للفصل بينه وبين الحال بالخبر".
قوله: (وكما جعلنا في مكة صناديدها) مشعر بأن قوله: (أو من كان ميتاً) الآية، متصلة
стр. 2650
كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها لذلك. ومعناه: خليناهم ليمكروا، وما كففناهم عن المكر، وخص "الأكابر" لأنهم هم الحاملون على الضلال والماكرون بالناس، كقوله: (أَمَرْنا مُتْرَفِيها) [الإسراء: ١٦].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقوله: (وإنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)، لأن الضمير المرفوع للمسلمين، والمنصوب المفعول فيه للمشركين، وهم الذين قيل فيهم" (وإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) [الأنعام: ١١٦]، وهم الذين قالوا: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله، فما قتل الله أحق أن تأكلوا مما قتلتم أنتم.
فالجملة الشرطية، أعني: (وإنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) متضمنه لمعنى الإنكار العظيم. وقوله: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ) [الأنعام: ١٢٢] إلى آخره: إما حال مقدرة لجهة الإشكال، وهمزة التوبيخ مقحمة بينها وبين عاملها، أي: (إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) بسبب إطاعتكم إياهم، والحال أنكم متحققون أنكم على هدىً مبين، وهم على ضلالٍ بعيد. أو أن يقدر بعد الهمزة معطوف عليه، أي: أتشركون بإطاعتهم ولا تعلمون أن الموحد والمشرك لا يستويان؟ أو: أتجمعون بين طاعة المبطلين، والعلم بأنكم على الحق المبين، وهم في الباطل منغمسون؟
قوله: (لذلك): أي ليمكروا فيها. قال القاضي: " (وجعلنا) بمعنى: صيرنا، ومفعولاه: (أكابر مجرميها)، على تقديم المفعول الثاني، أو (في كل قريةٍ أكابر). وقوله: (مجرميها) بدل، ويجوز أن يكون مضافاً إليه، إن فسر الجعل بالتمكين".
стр. 2651
وقرئ: "أكبر مجرميها"؛ على قولك: هم اكبر قومهم، وأكابر قومهم.
(وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ) لأنّ مكرهم يحيق بهم، وهذه تسليةٌ لرسول الله ﷺ وتقديم موعد بالنصرة عليهم.
روي: أن الوليدين المغيرة قال: لو كانت النبوّة حقاً لكنت أولى بها منك، لأني أكبر منك سناً، وأكثر منك مالاً، وروي: أن أبا جهلٍ قال: زاحمنا بني عبد منافٍ في الشرف، حتى إذا صرنا كفرسي رهانٍ قالوا: منا نبيٌّ يوحى إليه، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقول المصنف: "ومعناه: خليناهم ليمكروا": تأويل على مذهبه.
قوله: (وقرئ: "أكبر مجرميها") هذا يقوي الإضافة في (أكابر مجرميها) في تلك القراءة. قال القاضي: "أفعل التفضيل إذا أضيف، جاز فيه الإفراد والمطابقة".
وقيل: أما المطابقة فعلى المشهورة (أكابر مجرميها)، وأما عدم المطابقة فعلى غيرها، كقوله: (ولَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ) [البقرة: ٩٦]، قال ذو الرمة:
ومية أحسن الثقلين جيداً … وسالفةً وأحسنه فذالا
قوله: (كفرسي رهان)، النهاية: "وفي حديث الضحاك في رجل آلي من امرأته، ثم طلقها، فقال: "هما كفرسي رهان: أيهما سبق أخذ به". أي: أن العدة، وهي ثلاثة أطهار، أو ثلاث حيض، إن انقضت قبل انقضاء وقت إيلائه، وهي أربعة أشهر، فقد بانت المرأة بتلك
стр. 2652
والله لا نرضى به ولا نتبعه أبداً إلا أن يأتينا وحى كما يأتيه، فنزلت. ونحوها قوله تعالى: (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً) [المدثر: ٥٢].
[(وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ)].
(اللَّهُ أَعْلَمُ) كلامٌ مستأنفٌ للإنكار عليهم، وأن لا يصطفي للنبوّة إلا من علم أنه يصلح لها، وهو أعلم بالمكان الذي يضعها فيه منهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التطليقة، ولا شيء عليه من الإيلاء، لأن الأشهر تنقضي وليست له بزوجة، وإن مضت الأشهر وهي في العدة بانت منه بالإيلاء مع تلك التطليقة فكانت اثنتين، فجعلهما كفرسي رهانٍ يتسابقان إلى غاية".
قوله: (كلام مستأنف للإنكار عليهم) أي: جواب عن سؤال مورده قوله: (لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ)، يعني لما قالوا: والله ما نرضي به ولا نتبعه إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، سئل: فما كان جواب البارئ عز شأنه لهم؟ قيل: أجيبوا بأن النبوة فضل من الله تعالى يختص بها من يشاء، وليس ذلك بالكبر والصغر، بل بفضائل نفسانية يجتبي لها من يصلح لها. ثم زيد في الإنكار لاستحقاق النبوة بالكبر بقوله: (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ)، يعني: أن الكبر والاستعلاء موجب للذلة والقماءة والمقت، لا التعظيم والكرامة. فوضع (الذين أجرموا) موضع (أكابر مجرميها)، لأنهم هم المرادون في قوله: (أكابر مجرميها) في الآية السابقة [الأنعام: ١٢٣]. ولهذا بينه بقوله: "من أكابرها". وهم القائلون: (لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ)، والمعنى ما ذكر: "قال الوليد: لو كانت النبوة حقاً لكنت أولى بها منك، وقال أبو جهل: زاحمنا بني عبد منافٍ في الشرف".
стр. 2653
(سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا) من أكابرها (صَغارٌ) وقماءةٌ بعد كبرهم وعظمهم، (وَعَذابٌ شَدِيدٌ) في الدارين، من الأسر والقتل وعذاب النار.
[(فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ* وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ* لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ)].
(فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ): أن يلطف به، ولا يريد أن يلطف إلا بمن له لطف، .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والحاصل أن قوله: (الذين أجرموا) مظهر وضع موضع المضمر، للإيذان بأن استكبارهم ذلك سبب لإيصال الذل والهوان، بالقتل والأسر يوم بدر، وإذاقة العذاب الشديد في الآخرة؛ فجمع لهم خزي الدارين.
نحوه قوله تعالى: (وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والْمَسْكَنَةُ وبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ) إلى قوله: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وكَانُوا يَعْتَدُونَ) [البقرة: ٦١].
وفيه أن تصديق آيات الله، وطاعة رسل الله موجب للعز والنجاة في الدارين.
قوله: (ولا يريد أن يلطف إلا بمن له لطف): إشارة إلى مذهبه. أي: لا يلطف ابتداء، بل يلطف بمن يستحق اللطف، وينفعه، بسبب إحداثه الإيمان والعمل الصالح.
стр. 2654
(يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ): يلطف به حتى يرغب في الإسلام، وتسكن إليه نفسه، ويحب الدخول فيه، (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ): أن يخذله ويخليه وشأنه، وهو الذي لا لطف له، (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً): يمنعه ألطافه، حتى يقسو قلبه، وينبو عن قبول الحق وينسدّ، فلا يدخله الإيمان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال القاضي " (يهديه): يعرفه طريق الحق، ويوفقه للإيمان، (يشرح صدره للإسلام)، فيتسع له، ويفسح فيه مجاله، وهو كناية عن جعل النفس قابلةً للحق، مهيأة لحلوله فيها، مصفاةً عما يمنعه وينافيه".
وقال محيي السنة: " (يشرح صدره للإسلام)، أي: يفتح قلبه، وينوره، حتى يقبل الإسلام. ولما نزلت هذه الآية، سئل رسول الله صلي الله عليه وسلم عن شرح الصدر، قال: "نور يقذفه الله في قلب المؤمن، فينشرح له وينفسح" قيل: فهل لذلك أمارة؟ قال: "نعم، الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت"".
وقلت: قد أجمع أكثر المفسرين على نقل هذا الحديث، وقد رواه البيهقي في كتاب "شعب الإيمان" عن ابن مسعود، وقضية النظم تستدعيه، فإن الفاء رابطة مرتبة للكلام
стр. 2655
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على ما قبله، فإنه تعالى لما ضرب للمؤمنين والكافرين مثلاً، بقوله: (أو من كان ميتا فأحيينه) [الأنعام: ١٢٢]، ونص على أنه تعالى هو المزين للكافرين عملهم، وأنه صير في كل قرية أكابر مجرميها، وحكي عنهم أنهم يطلبون ما ليس لهم، رتب على ذلك قوله: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ) الآية، تسلياً لرسول الله صلي الله عليه وسلم وإرشاداً إلى تفويض الأمور إلى الله، وإعلاماً بأن إرادته ومشيئته إذا تعلقت بهداية بعض العباد (يشرح صدره للإسلام)، وإذا تعلقت بضلالة بعضٍ (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا).
وهؤلاء المجرمون الذين خلقهم للصغار والدناءة، وأراد ضلالهم، لا يهتدون، (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ).
فشرح الصدر يجب أن يحمل على الانفتاح والانفساح، لأنه مقابل لضيقها وصعودها إلى السماء.
وقوله تعالى: (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) كالخاتمة على الختم.
اللهم إني أتضرع إليك بسوابغ فضلك، وسوابق أفضالك، وأبتهل إلى جنابك الأقدس، أن تشرح صدري، وتقذف النور في قلبي، إنك أنت الوهاب، وأدعوك بما دعا به حبيبك صلوات الله عليه: "اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، وأمامي نوراً، وفوقي نوراً، وتحتي نوراً، واجعلني نوراً"، وارزقني الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور.
стр. 2656
وقرئ: (ضَيِّقاً) بالتخفيف والتشديد، (حَرَجاً) بالكسر، و (حرجاً) بالفتح وصفاً بالمصدر، (كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ): كأنما يزاول أمراً غير ممكن، لأن صعود السماء مثلٌ فيما يمتنع ويبعد من الاستطاعة، وتضيق عنه المقدرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال المصنف: "هذا آخر المرتفع عند قبر ابن عباس ﵁"، وفتح فاء "المرتفع"، أي: هذا آخر الحاصل.
قوله: (وقرئ: "ضيقاً" بالتخفيف): ابن كثير، والباقون بالتشديد.
قوله: ("حرجاً" بالكسر): نافع وأبو بكر، والباقون بفتحها. قال الزجاج: "هو بمنزلة: رجل دنف، بكسر النون، و"حرج" بمنزلة: دنف، والمعنى: ذو دنف. وعن ابن عباس، الحرج: موضع الشجر الملتف، كأن قلب الكافر لا تصل إليه الحكمة، كما لا تصل الراعية إلى الموضع الملتف من الشجر، والحرج في اللغة: أضيق الضيق".
قوله: (كأنما يزاول أمراً غير ممكن) ما بين أن المشبه ما هو؛ فراراً، وصرح به الواحدي حيث قال: " (ومَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ) فإنه في نفوره عن الإسلام، وثقله عليه، بمنزلة من يكلف ما لا يطيقه، كما أن صعود السماء لا يستطاع".
стр. 2657
وقرئ: "يصعد"، وأصله: يتصعد. وقرأ عبد الله: "يتصعد". و (يصاعد)، وأصله: يتصاعد، و (يصعد)، من صعد، و"يصعد" من: أصعد، (يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ) يعني: الخذلان ومنع التوفيق، وصفه بنقيض ما يوصف به التوفيق من الطيب،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال ابن عباس: "فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ إلى السماء، فكذلك لا يقدر على أن يدخل التوحيد والإيمان في قلبه، حتى يدخله الله في قلبه".
وقلت: لابد من هذا التأويل لمقابلة الآية، قوله: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ) أي: ومن يرد أن يهديه يفسح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يضيق صدره، حتى لا يدخل فيه؛ فضرب بالممتنع مثلاً للتوكيد، ولئلا يفسر بخلاف ما عليه القضاء والقدر.
قوله: (وقرئ "يصعد"). روي عن الشيخ المعزي: أن من عادة المصنف إذا قال: قرئ كذا وكذا، وعدد قراءاتٍ متفاوتة؛ مشهورةً وغير مشهورة، أن يقدم المشهورة كما فعل هاهنا، وفيه نظر، لأن قراءة عبد الله: "يتصعد" شاذة، ومقدمة على قراءة أبي بكر وابن كثير. قال في "التيسير": "ابن كثير: "كأنما يصعد"، بإسكان الصاد مخففاً من غير ألف، وأبو بكر: "يصاعد"، بتشديد الصاد، وألف بعدها، وتخفيف العين، والباقون: بتشديد الصاد والعين من غير ألف".
قوله: (وصفه بنقيض ما يوصف به التوفيق) يعني: كما وصف المعاني ومنه التوفيق بما يوصف به الأعيان، وصف ما يقابله من الخذلان بما يناقضه من الرجس، قال تعالى: (وَهُدُوا إلَى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ) [الحج: ٢٤]. النهاية: "قد يرد الطيب بمعنى الطاهر. قال صلي الله عليه وسلم لعمار:
стр. 2658
أو أراد الفعل المؤدّي إلى الرجس وهو العذاب؛ من الارتجاس وهو الاضطراب.
(وَهذا صِراطُ رَبِّكَ): وهذا طريقه الذي اقتضته الحكمة، وعادته في التوفيق والخذلان، (مُسْتَقِيماً): عادلاً مطرداً، وانتصابه على أنه حال مؤكدة كقوله: (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً) [البقرة: ٩١].
(لَهُمْ): لقومٍ يذكرون (دارُ السَّلامِ): دارُ الله، يعني: الجنة، أضافها إلى نفسه تعظيماً لها، أو دار السلامة من كل آفة وكدر، (عِنْدَ رَبِّهِمْ): في ضمانه، كما تقول: لفلانٍ عندي حق لا ينسى. أو ذخيرةٌ لهم لا يعلمون كنهها، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"مرحباً بالطيب المطيب"، أي: الطاهر المطهر، و"الطيبات" في التحيات، أي: الطيبات من الصلاة والدعاء".
وقوله: (أو أراد الفعل المؤدي إلى الرجس، وهو العذاب)، قال القاضي: "وضع الرجس موضع العذاب، وهو من وضع المظهر موضع المضمر للتعليل".
قوله: ((لهم): لقوم يذكرون) يريد: أن قوله (لهم دار السلام)، صفة لـ"قوم"، (عند ربهم) حال من الضمير في (لهم)، والعامل الاستقرار. وقوله: (عند ربهم) إما كناية عن الوعد الصادق، أو عن الذخيرة، كقوله: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران: ١٣٣].
стр. 2659
كقوله: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) [السجدة: ١٧]، (وَهُوَ وَلِيُّهُمْ) مواليهم ومحبهم، أي: ناصرهم على أعدائهم، (بِما كانُوا يَعْمَلُونَ): بسبب أعمالهم، أو متوليهم بجزاه ما كانوا يعملون.
[(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)].
(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ) منصوبٌ بمحذوف، أي: واذكر يوم نحشرهم، أو: ويوم نحشرهم قلنا: (يا مَعْشَرَ الْجِنِّ)، أو: ويوم نحشرهم وقلنا: (يا معشر الجن) كان ما لا يوصف لفظاعته! والضمير لمن يحشر من الثقلين وغيرهم، والجن هم الشياطين.
(قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ): أضللتم منهم كثيراً أو جعلتموهم أتباعكم فحشر معكم منهم الجم الغفير، كما تقول: استكثر الأمير من الجنود، واستكثر فلانٌ من الأشياع. (وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ) الذين أطاعوهم واستمعوا إلى وسوستهم، (رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ) أي: انتفع الإنس بالشياطين حيث دلوهم على الشهوات وعلى أسباب التوصل إليها، وانتفع الجن بالإنس حيث أطاعوهم وساعدوهم على مرادهم وشهوتهم في إغوائهم، وقيل: استمتاع الإنس بالجن: .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو متوليهم بجزاء ما كانوا يعملون). يريد: أن الولي إذا كان بمعنى المحب والناصر، فالوجه أن تكون الباء سببية، أي: يحبهم وينصرهم بسبب عملهم، وإذا كان بمعنى متولي الأمور، فالباء للملابسة، والمعنى: يتولاهم ملتبسا بجزاء عملهم، أي: يعد لهم الثواب.
قوله: (الجم الغفير)، النهاية: "يقال: جاء القوم جماً غفيراً، والجماء الغفير، أي: مجتمعين كثيرين. ويقال: جاؤوا الجم الغفير: اسم وضع موضع المصدر".
стр. 2660
ما في قوله: (وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ) [الجن: ٦]، وأن الرجل كان إذا نزل وادياً وخاف قال: أعوذ بربّ هذا الوادي، يعني به: كبير الجن. واستمتاع الجن بالإنس: اعتراف الإنس لهم بأنهم يقدرون على الدفع عنهم وإجارتهم لهم، (وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا) يعنون: يوم البعث، وهذا الكلام اعترافٌ بما كان منهم من طاعة الشياطين واتباع الهوى والتكذيب بالبعث، واستسلامٌ لربهم، وتحسر على حالهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وإجارتهم لهم)، الجوهري: "الجار: الذي أجرته من أن يظلمه ظالم. وأجاره الله من العذاب: أنقذه". وأنشد لمروان بن أبي حفصة:
هم المانعون الجار حتى كأنه … لجارهم فوق السماكين منزل
قوله: (وهذا الكلام اعتراف) إلى قوله: (وتحسر على حالهم)، يعني قوله: (رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا) متضمن للاعتراف بأشياء ثلاثة وللاستسلام والتحسر أيضاً، وهو جواب عن قوله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإنسِ)، فإنه من جوامع الكلم، وهو سؤال توبيخ وتعريض، ولهذا أجاب الإنس عنه، وطابقوا، لأن معنى: (استكثرتم): "أضللتم كثيراً منهم وجعلتموهم أتباعكم" كما قال.
يعني: أنتم، يا معشر الجن، اجتهدتم في تزيين الشهوات وأسبابها، وما قصرتم في الإغواء، وإنهم أيضاً ما تهاونوا في القبول والطاعة، فركنوا إلى الخلود في الأرض، ومتابعة الهوى، حتى جحدوا لقاء يومهم هذا.
وإليه الإشارة بقوله: "إتباع الهوى، والتكذيب بالبعث"، نظيره قوله: (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ) إلى قوله: (أَخْلَدَ إلَى الأَرْضِ واتَّبَعَ هَوَاهُ) [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦].
стр. 2661
(خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ) أي: يخلدون في عذاب النار الأبد كله، (إلا ما شاء الله): إلا الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النّار إلى عذاب الزمهرير، فقد روي أنهم يدخلون وادياً فيه من الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض، فيتعاوون ويطلبون الردّ إلى الجحيم. أو يكون من قول الموتور الذي ظفر بواتره، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومعنى قوله: (رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ) كما قال: "استمتع الإنس بالشياطين، حيث دلوهم على الشهوات، وعلى أسباب التوصل إليها، وانتفع الجن بالإنس، حيث أطاعوهم، وساعدوهم على مرادهم وشهوتهم في إغوائهم".
وهذا معنى الاستكثار بعينه، كما شرحناه، ولذلك كان اعترافاً، ولهذا عقب بقوله: (قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا) الآية.
وأما الاستسلام: فقولهم: (وبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا)، أي: جاء اليوم الذي لا ملك إلا للواحد القهار، وما لنا من ناصرين.
وأما التحسر: فمن لفظة (ربنا)، قالوها تحسراً على ما فرطوا في جنب الرب الغفور الرحيم. نظيره قولهم: (يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ) [الزمر: ٥٦]، والله أعلم.
قوله: (أي: يخلدون فيها من عذاب النار) قيل: "من" بيان الهاء في "فيها". وفي نسخة: "في عذاب النار"، بدل من "فيها" بإعادة العامل.
قوله: ((إلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ): إلا الأوقات). (ما) في (ما شاء الله): مصدرية، ويقدر معه مضاف، أي: إلا أوقات مشيئة الله تعالى، خص مشيئة الله بقوله: "إلا الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير". وسيجيء تحقيق هذا الاستثناء في قوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ والأَرْضُ إلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ) [هود: ١٠٧].
قوله: (الموتور)، الأساس: "يقال: وترت الرجل: قتلت حميمه، وأفردته، وطلب وتره، أي: ثأره".
стр. 2662
ولم يزل يحرق عليه أنيابه، وقد طلب إليه أن ينفس عن خناقه: أهلكني الله إن نفست عنك إلا إذا شئت! وقد علم أنه لا يشاء إلا التشفي منه بأقصى ما يقدر عليه من التعنيف والتشديد، فيكون قوله: إلا إذا شئت، من أشد الوعيد، مع تهكمٍ بالموعد، لخروجه في صورة الاستثناء الذي فيه إطماع.
(إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ): لا يفعل شيئاً إلا بموجب الحكمة (عَلِيمٌ) بأن الكفار يستوجبون عذاب الأبد.
[(وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ)].
(نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً): نخليهم حتى يتولى بعضهم بعضاً كما فعل الشياطين وغواة الإنس، أو يجعل بعضهم أولياء بعض يوم القيامة وقرناءهم، كما كانوا في الدنيا بِما (كانُوا يَكْسِبُونَ): بسبب ما كسبوا من الكفر والمعاصي.
[يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يحرق عليه أنيابه)، الأساس: "ليحرق عليه الأرم: أي يسحق بعض الأضرا ببعضٍ للغيظ فعل الحارق بالمبرد".
الأرم، بالهمز وتشديد الراء: الأضراس، جمع آرم.
فعلى هذا: الاستثناء للتأبيد، كما نص عليه في قوله تعالى: (ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ) [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، ونحوه قوله: (ومَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ) [الأعراف: ٨٩].
стр. 2663
يقال لهم يوم القيامة على جهة التوبيخ: (لَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ)؟
واختلف في أن الجن هل بعث إليهم رسل منهم؟ فتعلق بعضهم بظاهر الآية ولم يفرق بين مكلفين ومكلفين أن يبعث إليهم رسول من جنسهم، لأنهم به آنس وله آلف. وقال آخرون: الرسل من الإنس خاصة، وإنما قيل رسل منكم لأنه لما جمع الثقلان في الخطاب صحَّ ذلك، وإن كان من أحدهما، كقوله: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) [الرحمن: ٢٢]، وقيل: أراد رسل الرسل من الجنّ إليهم، كقوله تعالى: (وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) [الأحقاف: ٢٩]. وعن الكلبي: كانت الرسل قبل أن يبعث محمد ﷺ يبعثون إلى الإنس، ورسول الله ﷺ بعث إلى الإنس والجن.
(قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا) حكايةٌ لتصديقهم وإيجابهم قوله: (أَلَمْ يَاتِكُمْ)، لأن الهمزة الداخلة على نفى إتيان الرسل للإنكار، فكان تقريراً لهم.
وقولهم: (شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا) إقرارٌ منهم بأن حجة الله لازمةٌ لهم، وأنهم محجوجون بها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ والْمَرْجَانُ)) قال الزجاج: "وإنما جاز ذلك لأن الجماعة تعقل وتخاطب؛ فالرسل هم بعض من يعقل، نحوه: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ والْمَرْجَانُ) [الرحمن: ٢٢]، وإنما يخرج من المالح دون العذب، فقال: (منهما)، لأن ذكرهما قد جمع، وهذا جائز في كل ما اتفق في أصله، كما اتفق الجن مع الإنس في باب التمييز".
قوله: (وإيجابهم) تفسير لقوله: "لتصديقهم"، أي: يقرون بالاستفهام الداخل على النفي، ويقرون أن الحجة لازمة لهم، وأنهم محجوجون بالإيجاب، هو الذي في مقابل النفي.
стр. 2664
فإن قلت: ما لهم مقرّين في هذه الآية جاحدين في قوله: (وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام: ٢٣]؟ قلت: تتفاوت الأحوال والمواطن في ذلك اليوم المتطاول، فيقرّون في بعضها، ويجحدون في بعضها.
أو أريد شهادة أيديهم وأرجلهم وجلودهم حين يختم على أفواههم.
فإن قلت: لم كرّر ذكر شهادتهم على أنفسهم؟ قلت: الأولى حكايةٌ لقولهم كيف يقولون ويعترفون؟ والثانية: ذمّ لهم، وتخطئةٌ لرأيهم، ووصفٌ لقلة نظرهم لأنفسهم، وأنهم قومٌ غرتهم الحياة الدنيا واللذات الحاضرة، وكان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام لربهم واستيجاب عذابه، وإنما قال ذلك تحذيراً للسامعين من مثل حالهم.
[(ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ* وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ووصف لقلة نظرهم لأنفسهم) إشارة إلى أن قوله: (وغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا) بعد قوله: (قالوا شهدنا) من باب ترتيب الحكم على الوصف المناسب، يعني: أنهم قالوا: (شهدنا على أنفسنا)، إقراراً منهم بأن حجة الله لازمة لهم، وأنهم محجوبون لقلة نظرهم، وأنهم قوم غرتهم الحياة الدنيا، واللذات الدنيوية. فعلى هذا عطف قوله: (وغرتهم) على ما قبله، من باب الإخبار عن وجود شيئين مترتبين، وقد عول الترتيب إلى الذهن.
وأما الواو الداخلة على (وشهدوا على أنفسهم) فاستئنافية مصدرة على الجملة التذييلية؛ نعى عليهم، بعد الفراغ من أخبار القيامة، سوء صنيعهم، تقبيحاً وفضيحة لهم، وتحذيراً للسامعين من مثل حالهم.
стр. 2665
(ذلِكَ) إشارةٌ إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة، وهو خبر مبتدأٍ محذوف: أي: الأمر ذلك، (وأَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى) تعليل، أي: الأمر ما قصصناه عليك لانتفاء كون ربك مهلك القرى بظلم، على أن (أن) هي التي تنصب الأفعال، ويجوز أن تكون مخففةً من الثقيلة، على معنى: لأن الشأن والحديث: (لم يكن ربك مهلك القرى بظلمٍ). ولك أن تجعله بدلاً من (ذلك)، كقوله: (وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ) [الحجر: ٦٦].
(بِظُلْمٍ): بسبب ظلم قدموا عليه، أو ظالماً، على أنه لو أهلكهم وهم غافلون لم ينبهوا برسول وكتاب، لكان ظلماء وهو متعالٍ عن الظلم وعن كل قبيح.
(وَلِكُلٍ) من المكلفين (دَرَجاتٌ): منازل (مِمَّا عَمِلُوا) من جزاء أعمالهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو ظالماً) أي: ملتبساً بظلم. فعلى هذا: (وأهلها غافلون) حال متداخلة.
هذا الوجه قريب إلى مذهبه، بعيد من النظم، لأن قوله تعالى: (أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي) استفهام على سبيل التوبيخ والتقرير يوم القيامة. وقد آذن أن الحجة قد لزمتهم، وهي أنه تعالى لا يهلك قريةً ظالمة ابتداء، بل يبعث إليهم من ينذرهم ويخوفهم عذاب الآخرة، فإذا لم يقلعوا عما هم فيه، أنحى عليهم بالقلع والدمار فيهم، فقوله: (ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ) كالتذييل والتأكيد للآية السابقة، ولابد من إثبات الظلم لهم، ولا يستقيم هذا المعنى استقامةً من غير تعسف إلا بذلك الوجه.
قوله: ((ولكل) من المكلفين (درجات))، أي: للمطيعين والعاصين درجات ودركات، فغلب. وهو قول أبي مسلم. قال الإمام: "وفيه قولان؛ أحدهما: لكل عاملٍ عمله،
следующие страницы →