Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
(خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ) أي: يخلدون في عذاب النار الأبد كله، (إلا ما شاء الله): إلا الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النّار إلى عذاب الزمهرير، فقد روي أنهم يدخلون وادياً فيه من الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض، فيتعاوون ويطلبون الردّ إلى الجحيم. أو يكون من قول الموتور الذي ظفر بواتره، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومعنى قوله: (رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ) كما قال: "استمتع الإنس بالشياطين، حيث دلوهم على الشهوات، وعلى أسباب التوصل إليها، وانتفع الجن بالإنس، حيث أطاعوهم، وساعدوهم على مرادهم وشهوتهم في إغوائهم".
وهذا معنى الاستكثار بعينه، كما شرحناه، ولذلك كان اعترافاً، ولهذا عقب بقوله: (قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا) الآية.
وأما الاستسلام: فقولهم: (وبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا)، أي: جاء اليوم الذي لا ملك إلا للواحد القهار، وما لنا من ناصرين.
وأما التحسر: فمن لفظة (ربنا)، قالوها تحسراً على ما فرطوا في جنب الرب الغفور الرحيم. نظيره قولهم: (يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ) [الزمر: ٥٦]، والله أعلم.
قوله: (أي: يخلدون فيها من عذاب النار) قيل: "من" بيان الهاء في "فيها". وفي نسخة: "في عذاب النار"، بدل من "فيها" بإعادة العامل.
قوله: ((إلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ): إلا الأوقات). (ما) في (ما شاء الله): مصدرية، ويقدر معه مضاف، أي: إلا أوقات مشيئة الله تعالى، خص مشيئة الله بقوله: "إلا الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير". وسيجيء تحقيق هذا الاستثناء في قوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ والأَرْضُ إلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ) [هود: ١٠٧].
قوله: (الموتور)، الأساس: "يقال: وترت الرجل: قتلت حميمه، وأفردته، وطلب وتره، أي: ثأره".
стр. 2662
ولم يزل يحرق عليه أنيابه، وقد طلب إليه أن ينفس عن خناقه: أهلكني الله إن نفست عنك إلا إذا شئت! وقد علم أنه لا يشاء إلا التشفي منه بأقصى ما يقدر عليه من التعنيف والتشديد، فيكون قوله: إلا إذا شئت، من أشد الوعيد، مع تهكمٍ بالموعد، لخروجه في صورة الاستثناء الذي فيه إطماع.
(إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ): لا يفعل شيئاً إلا بموجب الحكمة (عَلِيمٌ) بأن الكفار يستوجبون عذاب الأبد.
[(وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ)].
(نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً): نخليهم حتى يتولى بعضهم بعضاً كما فعل الشياطين وغواة الإنس، أو يجعل بعضهم أولياء بعض يوم القيامة وقرناءهم، كما كانوا في الدنيا بِما (كانُوا يَكْسِبُونَ): بسبب ما كسبوا من الكفر والمعاصي.
[يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يحرق عليه أنيابه)، الأساس: "ليحرق عليه الأرم: أي يسحق بعض الأضرا ببعضٍ للغيظ فعل الحارق بالمبرد".
الأرم، بالهمز وتشديد الراء: الأضراس، جمع آرم.
فعلى هذا: الاستثناء للتأبيد، كما نص عليه في قوله تعالى: (ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ) [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، ونحوه قوله: (ومَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ) [الأعراف: ٨٩].
стр. 2663
يقال لهم يوم القيامة على جهة التوبيخ: (لَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ)؟
واختلف في أن الجن هل بعث إليهم رسل منهم؟ فتعلق بعضهم بظاهر الآية ولم يفرق بين مكلفين ومكلفين أن يبعث إليهم رسول من جنسهم، لأنهم به آنس وله آلف. وقال آخرون: الرسل من الإنس خاصة، وإنما قيل رسل منكم لأنه لما جمع الثقلان في الخطاب صحَّ ذلك، وإن كان من أحدهما، كقوله: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) [الرحمن: ٢٢]، وقيل: أراد رسل الرسل من الجنّ إليهم، كقوله تعالى: (وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) [الأحقاف: ٢٩]. وعن الكلبي: كانت الرسل قبل أن يبعث محمد ﷺ يبعثون إلى الإنس، ورسول الله ﷺ بعث إلى الإنس والجن.
(قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا) حكايةٌ لتصديقهم وإيجابهم قوله: (أَلَمْ يَاتِكُمْ)، لأن الهمزة الداخلة على نفى إتيان الرسل للإنكار، فكان تقريراً لهم.
وقولهم: (شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا) إقرارٌ منهم بأن حجة الله لازمةٌ لهم، وأنهم محجوجون بها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ والْمَرْجَانُ)) قال الزجاج: "وإنما جاز ذلك لأن الجماعة تعقل وتخاطب؛ فالرسل هم بعض من يعقل، نحوه: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ والْمَرْجَانُ) [الرحمن: ٢٢]، وإنما يخرج من المالح دون العذب، فقال: (منهما)، لأن ذكرهما قد جمع، وهذا جائز في كل ما اتفق في أصله، كما اتفق الجن مع الإنس في باب التمييز".
قوله: (وإيجابهم) تفسير لقوله: "لتصديقهم"، أي: يقرون بالاستفهام الداخل على النفي، ويقرون أن الحجة لازمة لهم، وأنهم محجوجون بالإيجاب، هو الذي في مقابل النفي.
стр. 2664
فإن قلت: ما لهم مقرّين في هذه الآية جاحدين في قوله: (وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) [الأنعام: ٢٣]؟ قلت: تتفاوت الأحوال والمواطن في ذلك اليوم المتطاول، فيقرّون في بعضها، ويجحدون في بعضها.
أو أريد شهادة أيديهم وأرجلهم وجلودهم حين يختم على أفواههم.
فإن قلت: لم كرّر ذكر شهادتهم على أنفسهم؟ قلت: الأولى حكايةٌ لقولهم كيف يقولون ويعترفون؟ والثانية: ذمّ لهم، وتخطئةٌ لرأيهم، ووصفٌ لقلة نظرهم لأنفسهم، وأنهم قومٌ غرتهم الحياة الدنيا واللذات الحاضرة، وكان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام لربهم واستيجاب عذابه، وإنما قال ذلك تحذيراً للسامعين من مثل حالهم.
[(ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ* وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ووصف لقلة نظرهم لأنفسهم) إشارة إلى أن قوله: (وغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا) بعد قوله: (قالوا شهدنا) من باب ترتيب الحكم على الوصف المناسب، يعني: أنهم قالوا: (شهدنا على أنفسنا)، إقراراً منهم بأن حجة الله لازمة لهم، وأنهم محجوبون لقلة نظرهم، وأنهم قوم غرتهم الحياة الدنيا، واللذات الدنيوية. فعلى هذا عطف قوله: (وغرتهم) على ما قبله، من باب الإخبار عن وجود شيئين مترتبين، وقد عول الترتيب إلى الذهن.
وأما الواو الداخلة على (وشهدوا على أنفسهم) فاستئنافية مصدرة على الجملة التذييلية؛ نعى عليهم، بعد الفراغ من أخبار القيامة، سوء صنيعهم، تقبيحاً وفضيحة لهم، وتحذيراً للسامعين من مثل حالهم.
стр. 2665
(ذلِكَ) إشارةٌ إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة، وهو خبر مبتدأٍ محذوف: أي: الأمر ذلك، (وأَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى) تعليل، أي: الأمر ما قصصناه عليك لانتفاء كون ربك مهلك القرى بظلم، على أن (أن) هي التي تنصب الأفعال، ويجوز أن تكون مخففةً من الثقيلة، على معنى: لأن الشأن والحديث: (لم يكن ربك مهلك القرى بظلمٍ). ولك أن تجعله بدلاً من (ذلك)، كقوله: (وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ) [الحجر: ٦٦].
(بِظُلْمٍ): بسبب ظلم قدموا عليه، أو ظالماً، على أنه لو أهلكهم وهم غافلون لم ينبهوا برسول وكتاب، لكان ظلماء وهو متعالٍ عن الظلم وعن كل قبيح.
(وَلِكُلٍ) من المكلفين (دَرَجاتٌ): منازل (مِمَّا عَمِلُوا) من جزاء أعمالهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو ظالماً) أي: ملتبساً بظلم. فعلى هذا: (وأهلها غافلون) حال متداخلة.
هذا الوجه قريب إلى مذهبه، بعيد من النظم، لأن قوله تعالى: (أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي) استفهام على سبيل التوبيخ والتقرير يوم القيامة. وقد آذن أن الحجة قد لزمتهم، وهي أنه تعالى لا يهلك قريةً ظالمة ابتداء، بل يبعث إليهم من ينذرهم ويخوفهم عذاب الآخرة، فإذا لم يقلعوا عما هم فيه، أنحى عليهم بالقلع والدمار فيهم، فقوله: (ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ) كالتذييل والتأكيد للآية السابقة، ولابد من إثبات الظلم لهم، ولا يستقيم هذا المعنى استقامةً من غير تعسف إلا بذلك الوجه.
قوله: ((ولكل) من المكلفين (درجات))، أي: للمطيعين والعاصين درجات ودركات، فغلب. وهو قول أبي مسلم. قال الإمام: "وفيه قولان؛ أحدهما: لكل عاملٍ عمله،
стр. 2666
(وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) بساه عنه يخفى عليه مقاديره وأحواله وما يستحق عليه من الأجر.
[(وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ* إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ)].
(وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ) عن عباده وعن عبادتهم، (ذُو الرَّحْمَةِ) يترحم عليهم بالتكليف ليعرّضهم للمنافع الدائمة، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ......
فله في عمله درجات، يعني في الثواب والعقاب، على قدر أعمالهم في الدنيا، وإنه عالم بها على التفصيل، فرتب على كل درجةٍ ما يليق به من الجزاء". هذا تقرير ما ذكره المصنف. "والثاني: أن هذا مختص بأهل الطاعة، لأن لفظة "الدرجة" لا تليق إلا بهم".
وقلت: فعلى هذا: الجملة معطوفة من حيث المعنى على قوله: (ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ)، يعني: إرسال الرسل لم يكن إلا لتنبيه الغافلين، لتلزمهم الحجة، ولظهور طاعة المطيعين، وثبوت درجاتهم لأعمالهم الصالحة، ليجازيهم الله على ذلك.
قوله: ((وربك الغني) عن عباده). قال الإمام: "اعلم أنه تعالى لما بين ثواب أصحاب الطاعات، وعقاب أصحاب المعاصي، وذكر أن لكل قوم درجةً مخصوصة، ومرتبةً معينة، بين أن تخصيص المطيعين بالثواب، والمذنبين بالعذاب، ليس لأجل أنه يحتاج إلى طاعة المطيعين، أو ينتقص لمعصية المذنبين، فإنه تعالى غني لذاته عن جميع العالمين، ومع كونه غنياً، فإن رحمته عامة
стр. 2667
(إِنْ يَشَا يُذْهِبْكُمْ) أيها العصاة (وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ) من الخلق المطيع (كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ) من أولاد قومٍ آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم، وهم أهل سفينة نوح ﵇.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كاملة، ولا سبيل إلى تربية المكلفين، وإيصالهم إلى درجات الأبرار، إلا بعد الترغيب في الطاعات، والترهيب عن المحظورات".
وإلى هذا المعنى أشار المصنف بقوله: "يترحم عليهم بالتكليف، ليعرضهم للمنافع الدائمة". وقال القاضي: "وفيه تنبيه على أن ما سبق ذكره من الإرسال ليس لنفعه، بل لترحمه على العباد، وتأسيس لما بعده؛ وهو قوله: (إن يَشَا يُذْهِبْكُمْ)، أي: ما به إليكم حاجة. إن يشأ يذهبكم أيها العصاة".
قلت: هذا أحسن لتأليف النظم، يعني أنه تعالى إنما ذكر "الرحمة"، وقرن به "الغنى" في قوله: (ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ) لأمرين: أحدهما: ليشير إلى أن ذلك الإرسال المذكور لم يكن إلا لمحض رحمة العباد، لأنه غني مطلقاً، وثانيهما: أن يكون تخلصاً إلى خطاب العصاة من أمة محمد صلوات الله عليه بقوله: (إن يَشَا يُذْهِبْكُمْ) لأجل ذلك الاقتران، يعني أنه تعالى مع كونه ذا الرحمة، بإرسال الرسل، كذلك غني عن العالمين، وعنكم خاصة أيها العصاة، إن يشأ يذهبكم ويأت بآخرين، ولذلك عقبه بقوله: (إنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ).
قوله: (وهم أهل سفينة نوحٍ) شبه إذهاب المخاطبين من عصاة الأمة واستبدالهم، وإنشاء
стр. 2668
[(قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)].
«المكانة»: تكون مصدراً، يقال: مكن مكانةً إذا تمكن أبلغ التمكن، وبمعنى المكان، يقال: مكان ومكانة، ومقام ومقامة. وقوله: (اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ) يحتمل: اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها. يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حاله: على مكانتك يا فلان، أي: اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه (إِنِّي عامِلٌ) أي: عامل على مكانتى التي أنا عليها. والمعنى اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي، فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم، (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) أينا تكون له العاقبة المحمودة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
قومٍ آخرين من بقايا صالحيهم، باستئصال طالحي قوم نوح، وإنشاء آباء المخاطبين من بقايا صالحيهم، وهم أهل سفينته ﵇.
قوله: (واعملوا على جهتكم) هذا تقرير الاحتمال الثاني، على سبيل الكناية، لأن المكانة بمعنى المكان، وفي تقريره لف ونشر. أما قوله: "إني عامل على مكانتي" فمتفرع على الوجهين في (مكانتكم).
стр. 2669
وطريقة هذا الأمر طريقة قوله (اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ) [فصلت: ٤٠]، وهي التخلية، والتسجيل على المأمور بأنه لا يأتي منه إلا الشر، فكأنه مأمور به وهو واجب عليه حتم ليس له أن يتفصى عنه ويعمل بخلافه.
فإن قلت: ما موضع (مَنْ)؟ قلت: الرفع إذا كان بمعنى «أي»، وعلق عنه فعل العلم. أو النصب إذا كان بمعنى «الذي».
و(عاقِبَةُ الدَّارِ): العاقبة الحسنى التي خلق الله تعالى هذه الدار لها.
وهذا طريقٌ من الإنذار لطيف المسلك،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (العاقبة الحسنى التي خلق الله هذه الدار لها) تفسيره ما ذكره في "القصص": "أن الله وضع الدنيا مجازاً إلى الآخرة، وأراد بعباده ألا يعملوا فيها إلا الخير، ليتلقوا خاتمة الخير، ومن عمل خلاف ما وضعه الله تعالى فقد حرف، فإذاً عاقبتها الأصلية هي الخير، وأما عاقبة الشر فلا اعتداد بها، لأنها من نتائج تحريف الفجار" هذا بناءً على مذهبه.
والحق أن (عاقبة الدار) كناية عن خاتمة الخير، فكأنه قيل: من يكون له عاقبة الخير، سواء كان الظفر في الدنيا، كما قال الإمام: "العاقبة تكون على الكافر ولا تكون له. كما يقال: لهم الكرة، ولهم الظفر. وفي ضده: عليهم الكرة، وعليهم الظفر"، أو الجنة في العقبى، كما قال محيي السنة: " (عاقبة الدار): الجنة".
قوله: (وهذا طريق من الإنذار لطيف المسلك) يريد أن تعقيب قوله: (إنَّهُ لا يُفْلِحُ
стр. 2670
فيه إنصاف في المقال وأدب حسن، مع تضمن شدّة الوعيد، والوثوق بأنّ المنذر محق والمنذر مبطل.
[(وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ)].
كانوا يعينون أشياء من حرث ونتاجٍ لله، وأشياء منها لآلهتهم؛ فإذا رأوا ما جعلوه لله زاكياً نامياً يزيد في نفسه خيراً، رجعوا فجعلوه للآلهة، وإذا زكا ما جعلوه للأصنام تركوه لها، واعتلوا بأنّ الله غنىّ، وإنما ذاك لحبهم آلهتهم وإيثارهم لها.
وقوله: (مِمَّا ذَرَأَ) فيه أن الله كان أولى بأن يجعل له الزاكي،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الظَّالِمُونَ)، من العدول من المضمر إلى المظهر، حيث لم يصرح بنفي الفلاح عنهم قوله: (مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ)، مع التعميم فيه المبني على الأمر في قوله: (اعملوا على مكانتكم): طريقاً من الكلام المنصف، وإرخاء العنان، لطيف المسلك، حيث ضمن ذلك "شدة الوعيد، والوثوق بأن المنذر محق، والمنذر مبطل".
قوله: (فيه أن الله كان أولى) أي: في إتيان (مما ذرأ)، وبيانه بقوله: (مِنَ الحَرْثِ والأَنْعَامِ) إشعار وإدماج لمعنى أن الله كان أولى بأن يجعل له الزاكي، لأنه الخالق والمزكي، وإلا فكان من الظانين: (وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحَرْثِ والأَنْعَامِ نَصِيبًا).
стр. 2671
لأنه هو الذي ذرأه وزكاه، ولا يرد إلى ما لا يقدر على ذرء ولا تزكية (بِزَعْمِهِمْ) وقرى بالضم، أي: قد زعموا أنه لله والله لم يأمرهم بذلك ولا شرع لهم تلك القسمة التي هي من الشرك، لأنهم أشركوا بين الله وبين أصنامهم في القربة، (فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ) أي: لا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليها من قرى الضيفان والتصدق على المساكين، (فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ) من إنفاقٍ عليها؛ بذبح النسائك عندها، والإجراء على سدنتها، ونحو ذلك، (ساءَ ما يَحْكُمُونَ) في إيثار آلهتهم على الله تعالى وعملهم ما لم يشرع لهم.
[(وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ)].
(وَكَذلِكَ) ومثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك في قسمة القربات .......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ذرأه) قال الزجاج: "يقال: ذرأ الله الخلق ذرءاً: إذا خلقهم". النهاية: "في الحديث: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر كل ما خلق وذرأ وبرأ". ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءاً: إذا خلقهم، وكأن الذرء مختص بخلق الذرية".
قوله: (وقرئ بالضم) أي: "بزعمهم": الكسائي، وهو لغة.
قوله: (أي: قد زعموا أنه لله، والله لم يأمرهم بذلك، ولا شرع لهم تلك القسمة) النهاية: "إنما يقال: "زعموا" في حديث لا سند له، ولا تثبت فيه، وإنما يحكي على الألسن".
قوله: (ومثل ذلك التزيين، وهو تزيين الشرك في قسمة القربات بين الله والآلهة) يعني
стр. 2672
بين الله تعالى والآلهة، أو: ومثل ذلك التزيين البليغ الذي هو علم من الشياطين.
والمعنى: أن شركاءهم من الشياطين، أو من سدنة الأصنام زينوا لهم قتل أولادهم بالوأد، وبنحرهم للآلهة، وكان الرجل في الجاهلية يحلف: لئن ولد له كذا غلاماً لينحرنّ أحدهم، كما حلف عبد المطلب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المشار إليه بقوله: "ذلك" ما يعلم من قوله: (وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحَرْثِ والأَنْعَامِ نَصِيبًا) الآية.
قوله: (أو ومثل ذلك التزيين البليغ) هذا على أن يكون المشار إليه ما في الذهن، ولذلك قال: "الذي هو علم من الشياطين"، وسيجيء بيانه في قوله: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ) [الكهف: ٧٨]، والمبالغة إنما يفيدها الإبهام الذهني، والتفسير بقوله: (زين) وهو ما يعلمه كل أحد أن المزين من هو، وهو الشيطان.
قوله: (سدنة الأصنام)، الجوهري: "السادن: خادم الكعبة وبيت الأصنام. والجمع: السدنة".
قوله: (بالواد)، الجوهري: "وأد ابنته، يئدها وأداً، وهي موءودة، أي: دفنها في القبر وهي حية".
قوله: (لينحرن أحدهم، كما حلف عبد المطلب) روى ابن الجوزي في كتاب "الوفا": "كان عبد المطلب قد رأي في المنام: "احفر زمزم"، ونعت له موضعها. وقام يحفر وليس له ولد يومئذ إلا الحارث، فنازعته قريش، فنذر: لئن ولد له عشرة نفرٍ، ثم بلغوا، لينحرن أحدهم لله
стр. 2673
وقرئ: (زين)، على البناء للفاعل الذي هو (شركاؤهم)، ونصب (قَتْلَ أَوْلادِهِمْ)، و (زين) على البناء للمفعول الذي هو "القتل"، ورفع (شركاؤهم) بإضمار فعلٍ دل عليه "زُين"، كأنه قيل- لما قيل زين لهم قتل أولادهم من زينه؟
فقيل: زينه لهم شركاؤهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعالى عند الكعبة. فلما تموا عشرة، وعرف أنهم سيمنعونه، أخبرهم بنذره، فأطاعوه، وكتب كل منهم اسمه في قدح، فخرج على عبد الله، فأخذ الشفرة لينحره، فقامت قريش من أنديتها، وقالوا: لا تفعل حتى ننظر فيه. فانطلق به إلى عرافة. فقال: قربوا عشرةً من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها القداح، إن خرجت على صاحبكم، فزيدوا من الإبل حتى يرضي ربكم، فإذا خرجت على الإبل فقد رضي، ونجا صاحبكم. فقربوا عبد الله وعشراً، فخرجت على عبد الله، فلم يزالوا كذلك حتى جعلوها مئة، فخرج القدح على الإبل، فقالوا: قد رضي ربك. فقال: لا والله حتى أضرب عليه وعليها مرات، ففعل، فخرج القدح على الإبل، فنحرت ثم تركت، لا يصد عنها إنسان ولا سبع".
قوله: (و"زين" على البناء للمفعول … ، ورفع (شرؤكاهم)) ابن عامر: "زين" بضم الزاي، "قتل" بالرفع، و"أولادهم" بالنصب، و"شركائهم" بالخفض، والباقون: بفتح الزاي، و" (قتل) بالنصب، و (أولادهم) بالخفض، و (شركاؤهم) بالرفع".
قال ابن جني: "و"زين" على البناء للمفعول، ورفع (شركاؤهم): قراءة أبي عبد الرحمن السلمي. والوجه أن يكون مرفوعاً بفعل مضمر، دل عليه هذه الظاهر، ولا يرتفع بهذا الظاهر، لأن الفعل الواحد لا يرفع إلا الواحد، ونحوه بيت "الكتاب".
стр. 2674
وأما قراءة ابن عامر: (قتل أولادهم شركائهم) - برفع "القتل" ونصب "الأولاد" وجرّ "الشركاء" على إضافة "القتل" إلى "الشركاء"، والفصل بينهما بغير الظرف، فشيء لو كان في مكان الضرورات وهو الشعر، لكان سمجاً مردوداً، كما سمج وردّ
زجّ القلوص أبى مزاده
فكيف به في الكلام المنثور؟ فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته؟ ! والذي حمله على ذلك أن رأى في بعض المصاحف شركاؤهم مكتوباً بالياء. ولو قرأ بجر "الأولاد" و"الشركاء" - لأن الأولاد شركاؤهم في أموالهم - لوجد في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليبك يزيد ضارع لخصومةٍ … ومختبط مما تطيح الطوائح
كأنه لما قيل: ليبك يزيد، قيل: من يبكيه؟ قال: ليبكه ضارع لخصومة. ويشهد له قراءة العامة، لأن الشركاء هم المزينون".
قوله: (والذي حمله على ذلك أن رأي في بعض المصاحف "شركائهم" مكتوباً بالياء) قال موفق الدين الكواشي: "هذا يشعر أن ابن عامر قد ارتكب محظوراً، وأن قراءته قد بغت من الرداءة مبلغاً لم يبلغه شيء من جائز كلام العرب وأشعارهم، وأنه غير ثقة، لأنه يأخذ القراءة من المصحف لا من المشايخ، ومع ذلك أسندها إلى النبي صلي الله عليه وسلم وهو جاهل بالعربية. وليس الطعن في ابن عامر طعناً فيه، وإنما هو طعن في علماء الأمصار، حيث جعلوه أحد
стр. 2675
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القراء السبعة المرضية، وفي الفقهاء، حيث لم ينكروا عليهم إجماعهم على قراءته، وأنهم يقرؤونها في محاريبهم. والله أكرم من أن يجمعهم على الخطأ".
وذكر قريباً منه صاحب "الانتصاف"، وفيه: "ولولا العذر أن المنكر ليس من أهل علمي القراءة والأصول، لخيف عليه الخروج من ربقة الإسلام بذلك. ثم مع ذلك، هو في عهدةٍ خطرة، وزلةٍ منكرة".
قلت: إنه ذهب في هذا المقام أن مثل هذا المركب ممتنع، وخطأ إمام أئمة الإسلام، وضعفه في قوله: (فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ) [إبراهيم: ٤٧] فبين كلاميه تخالف.
وقال أبو محمد المكي: "لم أر أحداً يحمل قراءته إلا على الصحة والسلامة، وقراءته أصل يستدل به لا له".
وقال الإمام في "تفسيره": "وكثيراً أرى النحويين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهد في تقريره ببيت مجهول، فرحوا به، وأنا شديد التعجب منهم، لأنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقه دليلاً على صحته، فلأن يجعلوا ورود القرآن به دليلاً على صحته كان أولى".
стр. 2676
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال السكاكي: "لا يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير الظرف، ونحو قوله:
بين ذراعي وجبهة الأسد
محمول على حذف المضاف إليه من الأول. ونحو قراءة من قرأ: "قتل أولادهم شركائهم"، و"مخلف وعده رسله" لإسنادها إلى الثقات وكثرة نظائرها من الأشعار، ومن أرادها فعليه بخصائص ابن جني، محمولة عندي على حذف المضاف إليه من الأول، وإضمار المضاف في الثاني، على قراءة من قرأ: "والله يريد الآخرة" بالجر، أي: عرض الآخرة، وما ذكرت - وإن كان فيه نوع بعدٍ - فتخطئة الثقات والفصحاء أبعد".
روى الواحدي عن أبي علي: أن الفصل بين المضاف والمضاف إليه قبيح، قليل في الاستعمال، ولكنه قد جاء في الشعر، كما أنشده أبو الحسن الأخفش:
فزججتها متمكناً … زج القلوص أبي مزاده
وفي "المفصل": "فزججتها بمزجة. الزج: الطعن. والمزجة - بكسر الميم -: الرمح القصير كالمزراق. وأبي مزادة: كنية رجل".
стр. 2677
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ونقل صاحب "الإقليد" عن المصنف: "ووجهه أن يجر "القلوص" على الإضافة، ويقدر مضاف إلى: "أبي مزادة" محذوفاً بدلاً عن "القلوص"، تقديره: زج القلوص قلوص أبي مزادة. والقلوص: الشابة من النوق".
وقال صاحب "الانتصاف": "إن إضافة المصدر إلى معموله مقدر بالفعل، ولهذا عمل. وهو وإن كانت إضافته محضة، مشبه بما إضافته غير محضة، حتى قال بعض النحاة: هي غير محضة. والحاصل أن اتصاله بالمضاف إليه، ليس كاتصال غيره، وجاء الفصل في غيره بالظرف، فتميز المصدر عن غيره، لجوازه بغير الظرف. وكأنه فكه، وقدم المفعول على الفاعل". ثم ذكر شواهد. وقال: "وليس القصد تصحيح القراءة بالعربية، بل تصحيح العربية بالقراءة".
وأنشد السجاوندي:
تمر على ما تستمر، وقد شفت … غلائل عبد القيس منها صدورها
ومثله في شعر المتنبي:
حملت إليه من لساني حديقةً … سقاها الحجي سقي الرياض السحائب
стр. 2678
(لِيُرْدُوهُمْ) ليهلكوهم بالإغواء، (وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ): وليخلطوا عليهم ويشبهوه. ودينهم: ما كانوا عليه من دين إسماعيل ﵇ حتى زلوا عنه إلى الشرك. وقيل: دينهم الذي وجب أن يكونوا عليه. وقيل: معناه: وليوقعوهم في دين ملتبس. فإن قلت: ما معنى اللام؟ قلت: إن كان التزيين من الشياطين فهي على حقيقة التعليل، وإن كان من السدنة فعلى معنى الصيرورة.
(وَلَوْ شاءَ اللَّهُ) مشيئة قسر، (ما فَعَلُوهُ): لما فعل المشركون ما زُين لهم من القتل، أو لما فعل الشياطين أو السدنة التزيين أو الإرداء أو اللبس أو جميع ذلك، إن جعلت الضمير جارياً مجرى اسم الاشارة (وَما يَفْتَرُونَ): وما يفترونه من الإفك. أو: وافتراؤهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جعل القصيدة كالروضة التي يحدث بها حاجز، وجعل العقل ساقياً لها، وفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول.
قوله: (فعلى معنى الصيرورة)، نحوه قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًا وحَزَنًا) [القصص: ٨].
قوله: (إن جعلت الضمير جارياً مجرى اسم الإشارة). أي: الضمير في (فعلوه)، كقوله تعالى: (إنَّ السَّمْعَ والْبَصَرَ والْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) [الإسراء: ٣٦]. وأنشد ابن جني:
مثل الفراخ نتفت حواصله
стр. 2679
[(وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ)].
(حِجْرٌ): فعلٌ، بمعنى: مفعول، كالذبح والطحن، ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع، لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات. وقرأ الحسن وقتادة «حُجر» بضم الحاء. وعن ابن عباس: "حرجٌ"، وهو من التضييق وكانوا إذا عينوا أشياء من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا: (لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ)، يعنون خدم الأوثان، والرجال دون النساء، (وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها) وهي البحائر والسوائب والحوامي (وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا) في الذبح، وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام. وقيل: لا يحجون عليها ولا يلبون على ظهورها. والمعنى:
أنهم قسموا أنعامهم، فقالوا: هذه أنعام حجر، وأنعام محرّمة الظهور، وهذه أنعام لا يذكر عليها اسم الله، فجعلوها أجناساً بهواهم، ونسبوا ذلك التجنيس إلى الله (افْتِراءً عَلَيْهِ) أي: فعلوا ذلك كله على جهة الافتراء، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً - وانتصابه على أنه مفعولٌ له، أو حال، أو مصدر مؤكد، لأنّ قولهم ذلك في معنى الافتراء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي: حواصل ذلك، أو حواصل ما ذكرنا، ذهب بالضمير إلى ذلك القدر والمبلغ، فلاحظ معنى الواحد فحمل عليه.
قوله: (أو حال، أو مصدر مؤكد)، والحال أولى الوجوه: لملاءمته قوله: (بزعمهم)،
стр. 2680
[(وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)].
كانوا يقولون في أجنة البحائر والسوائب: ما ولد منها حياً فهو خالصٌ للذكور لا تأكل منه الإناث، وما ولد منها ميتاً اشترك فيه الذكور والإناث. وأنث (خالِصَةٌ) للحمل على المعنى، لأنّ (ما) في معنى الأجنة، وذكر "مُحَرَّمٌ" للحمل على اللفظ. ونظيره (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ) [محمد: ١٦]. ويجوز أن تكون التاء للمبالغة مثلها في رواية الشعر، وأن تكون مصدراً وقع موقع "الخالص"، كالعاقبة، أي: ذو خالصة. ويدل عليه قراءة من قرأ: "خالِصَةٌ" بالنصب على أنّ قوله (لِذُكُورِنا) هو الخبر، و"خالصةً" مصدر مؤكد، ولا يجوز أن يكون حالاً متقدمة، لأن المجرور لا يتقدم عليه حاله. وقرأ ابن عباس: "خالصةٍ" على الإضافة، وفي مصحف عبد الله: "خالص".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لأنه حال من فاعل: (قالوا) أي: قالوا زاعمين مفترين، قال أبو البقاء: (بزعمهم) متعلق بـ (قالوا).
قوله: (ويدل عليه) أي: على أن (خالصة) في قراءة الرفع، مصدر بمعنى: ذو خالصة، قراءة النصب، فإنها مصدر قطعاً، لعدم جواز أن يكون حالاً من المجرور في (لذكورنا)، لأنها لا تتقدم عليه، ولا من الضمير في "لذكورنا" لأنها لا تتقدم على العامل المعنوي.
وفيه بحث من وجهين: أحدهما: أن التقسيم غير حاصر، لجواز أن يكون حالاً من ضمير
стр. 2681
(وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً): وإن يكن ما في بطونها ميتة. وقرئ: (وإن تكن)، بالتأنيث، على: وإن تكن الأجنة ميتة. وقرأ أهل مكة: (وإن تكن ميتة) بالتأنيث والرفع على كان التامّة وتذكير الضمير في قوله (فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ) لأن الميتة لكل ميت ذكر أو أنثى، فكأنه قيل: وإن يكن ميت فهم فيه شركاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الاستقراء في: (فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ). وعليه أبو البقاء، وصاحب "الكشف"، والكواشي، والقاضي. ويؤيده معنى قراءة ابن عباس: "خالصه" بالإضافة، أي: حيه.
وثانيهما: أن التعليل بتقديم الحال ضعيف، لأنه يؤذن بأنها لو تأخرت عن المجرور لجاز، وأنه لا يجوز معنى، لأن (خالصةً) جارية على ما في بطون هذه الأنعام لا على الذكور. يدل عليه حمل (خالصة) عليه في قراءة الرفع، وقول المصنف: "ما ولد منها حياً، فهو خالص للذكور، لا تأكل منه الإناث" إلى آخره.
على أن المالكي أجاز تقديمها على المجرور، وذكر شواهد ودلائل سنذكرها في "سبأ" إن شاء الله تعالى.
قوله: ("وإن تكن" بالتأنيث): أبو بكر وابن عامر، والباقون: بالتذكير. وابن كثير وابن عامر: "ميتة" بالرفع، والباقون: بالنصب. و"قتلوا" بالتشديد: ابن كثير وابن عامر، والباقون: بالتخفيف.
стр. 2682
(سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ) أى، زاء وصفهم الكذب على الله في التحليل والتحريم من قوله تعالى: (تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ) [النحل: ١١٦].
[(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ)].
نزلت في ربيعة ومضر والرب الذين كانوا يئدون بناتهم مخافة السبي والفقر (سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ): لخفة أحلامهم، وجهلهم بأنّ الله هو رازق أولادهم، لا هم.
وقرئ: «قتلوا» بالتشديد (ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ): من البحائر والسوائب وغيرها.
[(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من قوله: (تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ)). قال: "جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه، فإذا نطقت به ألسنتهم، فقد حلت الكذب بحليته، وصورته بصورته"، ويجيء تمام تحقيقه في موضعه.
قوله: (لخفة أحلامهم، وجهلهم بأن الله تعالى هو رازق أولادهم). الظاهر أن "جهلهم" عطف على "خفة"، وتفسير لقوله: (بغير علمٍ)، و"لخفة أحلامهم" تفسير لقوله: (سفها)، وأنه مفعول له. ولا يجوز أن يكون (بغير علم) معطوفاً عليه. قال أبو البقاء: " (سفها): مفعول له، أو مصدر لفعلٍ محذوف. و (بغير علم): حال".
стр. 2683
(أَنْشَأَ جَنَّاتٍ) من الكروم، (مَعْرُوشاتٍ): مسموكاتٍ (وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ): متروكاتٍ على وجه الأرض لم تعرّش. وقيل: المعروشات: ما في الأرياف والعمران مما غرسه الناس واهتموا به فعرّشوه، (وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ) مما أنبته وحشياً في البراري والجبال، فهو غير معروش. يقال: عرّشت الكرم؛ إذا جعلت له دعائم وسمكاً تعطف عليه القضبان، وسقف البيت: عرّشه.
(مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ) في اللون والطعم والحجم والرائحة. وقرئ (أكله) بالضم والسكون وهو ثمره الذي يؤكل. والضمير للنخل والزرع داخل في حكمه، لكونه معطوفاً عليه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلت: المعنى: قتلوا أولادهم في حال كونهم جاهلين بالله، وبأنه هو الرازق ذو القوة المتين، لأجل خفة عقولهم.
قوله: (ما في الأرياف). الريف: أرض فيها زرع وخصب. والجمع: أرياف.
قوله: ((وغير معروشات) مما أنبته الله) من بيان (وغير معروشات)، وكان من حق الظاهر أن يقال: وغير معروشات: ما في البراري والجبال مما أنبته الله تعالى؛ ليصح التقابل مع قوله: "المعروشات: ما في الأرياف والعمران، مما غرسه الناس" فعلق "في البراري والجبال" بقوله: "وحشياً" وأخره، ليرتب عليه قوله: "فهو غير معروش"، ليؤذن بالفرق بين المأهول والوحشي.
وفيه تنبيه على أن من لم يكن تحت سياسة سائس، وتأديب مؤدب، ولا ضبط ضابط، ينشأ كما ينشأ الوحشي، غير مؤدب، كأرباب البوادي والجبال.
قوله: (وقرئ: (أكله) بالضم): كلهم إلا نافعاً وابن كثير، فإنهما قرآ بالسكون.
قوله: (والضمير للنخل، والزرع داخل في حكمه)، لأن الأصل أن يطلق "الأكل" على
стр. 2684
و (مختلفاً): حال مقدّرة لأنه لم يكن وقت الإنشاء كذلك، كقوله تعالى (فَادْخُلُوها خالِدِينَ) [الزمر: ٧٣]. وقرئ «ثمره» بضمتين.
فإن قلت: ما فائدة قوله: (إِذا أَثْمَرَ)، وقد علم أنه إذا لم يثمر لم يؤكل منه؟ قلت: لما أبيح لهم الأكل من ثمره قيل: (إذا أثمر)، ليعلم أن أول وقت الإباحة وقت إطلاع الشجر الثمر، لئلا يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك وأينع.
(وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ) الآية مكية، والزكاة إنما فرضت بالمدينة، فأريد بـ"الحق": ما كان يتصدّق به على المساكين يوم الحصاد، وكان ذلك واجباً حتى نسخه افتراض العُشر ونصف العُشر. وقيل مدنية، والحق هو الزكاة المفروضة، ومعناه: واعزموا على إيتاء الحق واقصدوه واهتموا به يوم الحصاد، حتى لا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الثمرة والجناة بالحقيقة، فيه الزرع. الأساس: "يقال: أكل بستانك دائم، أي: ثمره". ذكره في الحقيقة.
الجوهري: "الأكل: ثمر النخل والشجر، وكل ما يؤكل فهو أكل". ولم يفرق بين الحقيقة والمجاز، فالضمير إذاً للمذكور.
قوله: (وقرئ: "ثمرة" بضمتين): حمزة والكسائي، والباقون: بفتحتين.
قوله: (لئلا يتوهم أنه لا يباح إلا إذا أدرك) قال القاضي: "قيل: فائدة قوله: (إذا أثمر): رخصة المالك في الأكل منه قبل أداء حق الله. وفائدة الأمر بالإيتاء يوم الحصاد: اهتمام
стр. 2685
(وَلا تُسْرِفُوا) في الصدقة، كما روى عن ثابت بن قيس بن شماس: أنه صرم خمسمائة نخلة ففرّق ثمرها كله، ولم يدخل منه شيئاً إلى منزله (وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً) [الإسراء: ٢٩].
[وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّانِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)].
(حَمُولَةً وَفَرْشاً) عطفٌ على (جناتٍ)، أى: وأنشأ من الأنعام ما يحمل الأثقال وما يفرش للذبح، أو ينسج من وبره وصوفه وشعره الفرش.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأداء عند الحصاد حتى لا يؤخر عنه، وليعلم أن الوجوب بالإدراك لا بالتبقية".
قوله: ((ولا تسرفوا) في الصدقة) علق (ولا تسرفوا) في الصدقة بالقريب، وهو: (وءاتوا حقه) على طريقة التنازع، فيقدر مثله لقوله: (كلوا من ثمره).
قوله: ((حمولةً وفرشاً) عطف على (جناتٍ)): والجهة الجامعة: إباحة الانتفاع بالنوعين في عرف الشرع؛ وذلك أنه تعالى لما حكي عن المشركين تحريم ما في أجنة البحائر والسوائب، وسجل عليهم بالخسران، بسبب تحريمهم ما رزقهم الله افتراءً على الله، نص على
стр. 2686
وقيل: «الحمولة» الكبار التي تصلح للحمل، «والفرش»: الصغار كالفصلان والعجاجيل والغنم، لأنها دانية من الأرض للطافة أجرامها، مثل الفرش المفروش عليها. (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ) في التحليل والتحريم من عند أنفسكم كما فعل أهل الجاهلية.
(ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ) بدلٌ من (حمولة وفرشاً)، (اثْنَيْنِ): زوجين اثنين، يريد الذكر والأنثى، كالجمل والناقة، والثور والبقرة، والكبش والنعجة، والتيس والعنز - والواحد إذا كان وحده فهو فرد، فإذا كان معه غيره من جنسه سمي كل واحدٍ منها زوجاً، وهما زوجان، بدليل قوله: (خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى) [النجم: ٤٥]، والدليل عليه قوله تعالى: (ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ) ثم فسرها بقوله: (مِنَ الضَّانِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ)، (وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ)، ونحو تسميتهم الفرد بالزوج، بشرط أن يكون معه آخر من جنسه: تسميتهم الزجاجة كأساً بشرط أن يكون فيها خمر.
والضأن والمعز: جمع ضائنٍ وما عز، كتاجر وتجر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما خلق للمكلفين، فأباح لهم أكله، وحمل الأثقال عليه، وقدم أولاً ذكر الجنات المختلفة، والزروع المتفاوتة، وأمرهم بالأكل منها، وأداء حقوق الله منها، ثم ثنى بذكر الأنعام المختلفة، ثم عم الخطاب في إباحة أكل سائر ما رزقهم الله تعالى، ونهي عن إتباع خطوات الشيطان؛ من تحريم ما أحل الله تعالى.
قوله: (بدليل قوله: (خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنثَى)) تعليل لقوله: "سمي كل واحدٍ منهما زوجاً، وهما زوجان". وقوله: "والدليل عليه"، أي: على أنه يريد الذكر والأنثى؛ كالجمل والناقة، إلى آخره.
стр. 2687
وقرئا بفتح العين. وقرأ أُبيّ: "ومن المعزى". وقرئ: "اثنان"، على الابتداء.
الهمزة في (آلذَّكَرَيْنِ) للإنكار، والمراد بالذكرين: الذكر من الضأن والذكر من المعز، وبالأنثيين: الأنثى من الضأن والأنثى من المعز، على طريق الجنسية. والمعنى إنكار أن يحرّم الله تعالى من جنس الغنم ضأنها ومعزها شيئاً من نوعي ذكورها وإناثها، ولا مما تحمل إناث الجنسين، وكذلك الذكران من جنسى الإبل والبقر، والأنثيان منهما، وما تحمل إناثهما، وذلك أنهم كانوا يحرّمون ذكورة الأنعام تارةً، وإناثها تارة، وأولادهما كيفما كانت ذكوراً وإناثاً، أو مختلطةً تارة، وكانوا يقولون: قد حرّمها الله، فأنكر ذلك عليهم.
(نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ): أخبروني بأمرٍ معلوم من جهة الله تعالى يدل على تحريم ما حرّمتم (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) في أنّ الله حرّمه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئا بفتح العين) "المعز" - بفتح العين -: ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والباقون: بإسكانها.
قوله: (إنكار أن يحرم الله). قال صاحب "المفتاح": "قل في إنكار نفس الضرب: "أزيداً ضربت أم عمراً؟ "، فإنك إذا أنكرت من يردد الضرب بينهما، تولد منه إنكار الضرب على وجه برهاني. ومنه قوله تعالى: (آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ) ".
قوله: "على وجه برهاني"، يعني به: أن الضرب يستلزم محلاً، فإذا نفيت المحل، نفي اللازم، وانتفاء اللازم مستلزم لانتفاء الملزوم.
стр. 2688
(أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ): بل أكنتم شهداء؟ ومعنى الهمزة الإنكار، يعني أم شاهدتم ربكم حين أمركم بهذا التحريم؟ وذكر المشاهدة على مذهبهم، لأنهم كانوا لا يؤمنون برسولٍ وهم يقولون: الله حرّم هذا الذي نحرّمه، فتهكم بهم في قوله: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ) على معنى: أعرفتم التوصية به مشاهدين، لأنكم لا تؤمنون بالرسل؟ (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً) فنسب إليه تحريم ما لم يحرّم، (لِيُضِلَّ النَّاسَ) وهو عمرو بن لحي بن قمعة الذي بحر البحائر وسيب السوائب.
فإن قلت: كيف فصل بين بعض المعدود وبعضه ولم يوال بينه؟ قلت: قد وقع ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وذكر المشاهدة على مذهبهم) أي: على ما يؤدي إليه مذهبهم، فإنهم كانوا يقولون: الله حرم هذا. وطريق تصحيح هذه الدعوى أن يقال: إن هؤلاء إنما علموا ذلك إما بأن بعث الله تعالى رسولاً أخبرهم به، أو بأن كانوا مشاهدين يسمعون كلام الله في التحريم. والأول منافٍ لمذهبهم، لأنهم لم يكونوا مؤمنين بالرسل، فبقي الثاني، وذلك محال؛ فتهكم بهم.
قال الزجاج: "قد بين الاحتجاج أنهم لا يدعون بأن نبياً أخبرهم عن الله أن هذا حرام، ولا أنهم شاهدوا الله قد حرم ذلك. أي: هل شاهدتم الله قد حرم هذا إذ كنتم لا تؤمنون برسول؟ ثم بين ظلمهم فقال: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا)، ثم قال: (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا)، أعلمهم أن التحليل والتحريم إنما يقبل بالوحي والتنزيل".
قوله: (فصل بين بعض المعدود) وهو قوله: (مِّنَ الضَّانِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ)، (وبعضه)، وهو: (ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ)، والفاصل: (قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ) الآية.
стр. 2689
الفاصل بينهما اعتراضاً غير أجنبي من المعدود؛ وذلك أنّ الله منّ على عباده بإنشاء الأنعام لمنافعهم وبإباحتها لهم، فاعترض بالاحتجاج على من حرّمها، والاحتجاج على من حرّمها تأكيدٌ وتشديدٌ للتحليل، والاعتراضات في الكلام لاتساق إلا للتوكيد.
[(قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)].
(فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ) تنبيهٌ على أنّ التحريم إنما يثبت بوحي الله تعالى وشرعه، لا بهوى الأنفس، (مُحَرَّماً): طعاماً محرّماً من المطاعم التي حرّمتموها، (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً) إلا أن يكون الشيء المحرّم ميتة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (غير أجنبي من المعدود) يريد أن قوله: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ) لما كان بدلاً من قوله: (حمولةً وفرشاً) على تقدير: أنشأ من الأنعام ما يحمل الأثقال، وما يفرش للذبح، وكان ذكرها للامتنان على المكلفين، لينتفعوا بها أنواع الانتفاعات، ثم جيء بقوله: (مِّنَ الضَّانِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ)، تفصيلا لتلك الفذلكة، فصل المعدود بقوله: (آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ) الآية، للاحتجاج على من حرمها، لأن أصل الكلام كان مسوقاً في تحريمهم البحائر والسوائب وما تولد منها، وفي افترائهم على الله، وتضليلهم فيها يدل عليه قولهم: (مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا)، وقوله تعالى: (وحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ومَا كَانُوا مُهْتَدِينَ).
قوله: (طعاماً محرماً من المطاعم التي حرمتموها … إلا أن يكون الشيء المحرم ميتة)،
стр. 2690
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ظاهر هذا التركيب مشعر بأنه ذهب إلى أن الاستثناء منقطع، كما سيجيء بيانه.
وقال أبو البقاء: " (يطعمه) صفة لـ (طاعم)، وقوله: (إلا أن يكون) استثناء من الجنس، وموضعه نصب، أي: لا أجد محرماً إلا الميتة. ويقرأ (يكون) بالياء، و (ميتةً) بالنصب، أي: إلا أن يكون المأكول، أو ذلك. ويقرأ بالتاء، أي: المأكولة".
واعلم أن هذا الموضع من المشكلات، فلابد من بسط الكلام فيه؛ فنقول: المستثنى هاهنا مخصص، لأن اسم (يكون) ضمير راجع إلى ما سبق، ومن ثم قال: "الشيء المحرم"، وقد خصص بقوله: (ميتةً)، وما عطف عليها، وقد قيد المستثنى منه بقوله: "من المطاعم التي حرمتموها"، وما هذا شأنه لا يكون متصلاً، فكأنه قيل: لا أجد فيما أوحي إلى من التنزيل، طعاماً محرماً بما قيدتموه، ولكني أجد ذلك الطعام المحرم مقيداً بهذه القيود المذكورة.
وينكشف هذا التقرير بما ذكره في قوله تعالى: (إنَّا أُرْسِلْنَا إلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * إلاَّ آلَ لُوطٍ إنَّا لَمُنَجُّوهُمْ) [الحجر: ٥٨ - ٥٩]. قال: " (إلا آل لوطٍ): لا يخلو من أن يكون استثناءً من (قومٍ)، فيكون منقطعاً، لأن "القوم" موصوفون بالإجرام، فاختلف لذلك الجنسان، وأن يكون استثناءً من الضمير في (مجرمين) فيكون متصلاً".
والنظم والتركيب يساعد الانقطاع، ويأبي الاتصال؛ أما التركيب: فإن قوله: (يطعمه) صفة مؤكدة لـ (طاعم) على نحو: (ولا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) [الأنعام: ٣٨] فيفيد مزيد التعميم والإحاطة، فإذا استثنى المذكورات، آذن بقصر المحرمات على المذكورات، وليس بذلك؛ فوجب الانقطاع والتخصيص.
стр. 2691
(أَوْ دَماً مَسْفُوحاً) أي: مصبوباً سائلا، كالدم في العروق، لا كالكبد والطحال. وقد رخص في دم العروق بعد الذبح.
(أَوْ فِسْقاً) عطف على المنصوب قبله. سمى ما أهلّ به لغير الله فسقاً لتوغله في باب الفسق. ومنه قوله تعالى: (وَلا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) [الأنعام: ١٢١]، و (أهل): صفةٌ له منصوبة المحل. ويجوز أن يكون مفعولا له من (أهلّ)، أي: أهلّ لغير الله به فسقاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما النظم: فإن هذه الآيات وردت عقب افترائهم على الله من تحريم ما حرموه، قالوا: (هَذِهِ أَنْعَامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ) [الأنعام: ١٣٨]، و (هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا ومُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا) [الأنعام: ١٣٩]، كأنهم ادعوا أن ما حرموه ليس من عند أنفسهم بل هو من عند الله. فقيل لهم: ليست الأطعمة المحرمة ما وصفتموه، ولكنها ما وصفه الله تعالى، ومن ثم قيل: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا)، وعقبه بقوله: (قل لا أجد) الآية، ثم ختمها بقوله: (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا) [الأنعام: ١٥٠]، ثم شرع بعد ذلك فيما حرمه الله تعالى بقوله: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ) [الأنعام: ١٥٠] الآيات.
قوله: (وقد رخص في دم العروق بعد الذبح). قال الإمام: "الدم المسفوح: السائل. وعن ابن عباس: يريد ما خرج من الأنعام وهي أحياء، وما يخرج من الأوداج عند الذبح. وعلى هذا التقدير: لا يدخل فيه الكبد والطحال لجمودهما، ولا ما يختلط باللحم من الدم، فإنه غير سائل. وسئل أبو مجلز عما يتلطخ من اللحم بالدم، وعن القدر يرى فيه حمرة الدم، فقال: لا بأس به، إنما نهي عن الدم المسفوح".
стр. 2692
فإن قلت: فعلام تعطف (أُهِلَّ)؟ وإلام يرجع الضمير في (بِهِ) على هذا القول؟ قلت: يعطف على (يكون)، ويرجع الضمير إلى ما يرجع إليه المستكنّ في (يكون).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الشافعي ﵁: "قوله تعالى: (إنما حرم عليكم الميتة والدم) [البقرة: ١٧٣]: بيان لتحريم الدم مطلقاً، فوجب الحكم بحرمة جميع الدماء، ونجاستها، سوى الكبد والطحال، بالحديث، فيجب إزالتها عن اللحم ما أمكن".
قال صاحب "الجامع": "أبو مجلز: لا حق بن حميدٍ السدوسي البصري، تابعي، سمع عبد الله بن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك. وسمع منه قتادة، وسليمان التيمي، وعمران ابن حدير".
قوله: (فعلام تعطف (أهل)) الفاء: للإنكار؛ يعني: إذا جعل (فسقاً) مفعولاً له، من (أهل) مقدماً على العامل، ينقلب مدخول حرف العطف من الإفراد إلى الجملة، والضمير المجرور بلا عائد ظاهر، إذ تلك الجملة المعطوف عليها، وإلام يرجع الضمير؟
قوله: (يعطف على (يكون)). وقلت: الأول أولى، ليحصل في الكلام الترقي، وليؤذن بأن ما أهل لغير الله أقذر وأخبث من لحم الخنزير، ولذلك علل لحم الخنزير بالرجس، ثم أتبعه ذلك، وسماه أولاً بنفس الفسق، ثم وصفه بما يكشف عن حقيقته، كأن
стр. 2693
(فَمَنِ اضْطُرَّ): فمن دعته الضرورة إلى أكل شيءٍ من هذه المحرّمات، (غَيْرَ باغٍ) على مضطر مثله تارك لمواساته، (وَلا عادٍ): متجاوزٍ قدر حاجته من تناوله، (فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) لا يؤاخذه.
[(وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ* فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَاسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)].
ذو الظفر: ما له أصبعٌ من دابةٍ أو طائر، وكان بعض ذات الظفر حلالاً لهم، فلما ظلموا حرّم ذلك عليهم، فعمّ التحريم كل ذى ظفر بدليل قوله: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) [النساء: ١٦٠].
وقوله: (وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما) كقولك: من زيدٍ أخذت ماله، تريد بالإضافة زيادة الربط
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفسق تفسيره، وبيانه: أنه أهل لغير الله. فعلى هذا ففي تأخير الدم عن الميتة الإشعار بأنه أخبث منه، فيجب أن يحترز منه ما أمكن، كما ذهب إليه الشافعي.
قوله: (ذو الظفر: ما له أصبع من دابةٍ أو طائر). قال القاضي: "وقيل: كل ذي مخلبٍ وحافر. وسمي الحافر ظفراً مجازاً".
قوله: (تريد بالإضافة زيادة الربط). قيل: الإضافة: لفظ مشترك بين نسبة فعل إلى اسم، أو نسبة اسم إلى اسم، بواسطة حرف ملفوظٍ أو مقدر، والأول يسمى جاراً ومجروراً، والثاني مضافاً ومضافاً إليه.
стр. 2694
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلت: والمراد هاهنا إضافة الشحوم إلى الضمير، لأن الظاهر أن يقال: ومن البقر والغنم حرمنا عليهم الشحوم، وأخذت من زيد المال، فأضيف لزيادة الربط. وإلى هذا ذهب صاحب "التقريب".
وأما بيان نسبة الفعل إلى الاسم فإن الظاهر أن يقال: "أخذت مال زيد" فأنت في قولك: "من زيد أخذت" مجمل، لأن المأخوذ يحتمل أن يكون جميع ما يملك، أو يكون شيئاً دون شيء، وإذا قلت: "ماله"، تعين المال.
وقريب منه - من حيث الإجمال والتفصيل - قوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) [الشرح: ١]. هذا، وإن اقتضاه التركيب، لكنه ليس بمعنى هاهنا. وأما الحصر في قوله: "لم يحرم منهما إلا الشحوم الخالصة"، فمن تقديم المعمول على العامل، وتخصيصه في الثاني، وتأخيره وتعميمه في الأول.
وقال أبو البقاء: " (ومن البقر) معطوف على (كل)، وجعل (حرمنا عليهم شحومهما) تبييناً للمحرم من البقر. ويجوز أن يكون (البقر) متعلقاً بـ (حرمنا) الثانية". وقال صاحب "الكشف": "والتقدير حينئذ: وحرمنا من البقر والغنم عليهم
стр. 2695
والمعنى: أنه حرّم عليهم لحم كل ذى ظفرٍ وشحمه وكل شيءٍ منه، وترك البقر والغنم على التحليل لم يحرّم منهما إلا الشحوم الخاصة، وهي الثروب وشحوم الكلى.
وقوله: (إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما) يعني: إلا ما اشتمل على الظهور والجنوب من السحفة، (أَوِ الْحَوايا) أو اشتمل على الأمعاء (أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) وهو شحم الإلية. وقيل (الْحَوايا) عطف على (شحومهما). و (أو) بمنزلتها في قولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شحومهما، فتقف على قوله: (ذي ظفر). فإن حملت (ومن البقر والغنم) على (ذي ظفر) - لأن المعنى: من كل ذي ظفر ومن البقر والغنم - وقفت على قوله: (والغنم). والوجه: الأول".
قوله: (وهي الثروب)، الجوهري: "الثروب: شحم قد غشي الكرش والأمعاء، رقيق". و"السحفة" - بفتح السين وسكون الحاء المهملة، والفاء -: "الشحمة التي على الظهر، الملتزقة بالجلد، فيما بين الكتفين إلى الوركين".
قوله: (و (أو) بمنزلتها في قولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين). قال الزجاج: "يجوز أن يكون (الحوايا) نسقاً على (شحومهما) لا على الاستثناء. المعنى: حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، إلا ما حملت الظهور، فإنه غير محرم، ودخلت (أو) على طريق الإباحة، كما قال: (ولا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) [الإنسان: ٢٤] أي: هؤلاء أهل أن يعصى، فاعص هذا أو اعص هذا، و (أو) بليغة في هذا المعنى، لأنك إذا قلت: لا تطع زيداً وعمراً، فجائز أن تكون نهيتني عن طاعتهما معاً في حال، فإن أطعت زيداً على حدته،
стр. 2696
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..
لم أكن عصيتك، وإذا قلت: لا تطع زيداً أو عمراً أو خالداً، أي: هؤلاء كلهم أهل ألا يطاع، فلا تطع واحداً منهم، ولا تطع الجماعة، ومثله: "جالس الحسن أو ابن سيرين أو الشعبي" فليس المعنى أني أمرتك بمجالسة واحد منهم، بل المعنى: كلهم أهل أن يجالس، فإن جالست واحداً منهم فأنت مصيب، وإن جالست الجماعة فأنت مصيب".
وقال ابن الحاجب: " (أو) في قوله تعالى: (ولا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) [الإنسان: ٢٤] بمعناها، وهو أحد الأمرين، وإنما جاء التعميم من النهي الذي فيه معنى النفي، لأن المعنى قبل وجود النهي فيهما: تطيع آثماً أو كفوراً، أي: واحداً منهما، فإذا جاء النهي ورد على ما كان ثابتاً في المعنى، فيصير المعنى: ولا تطع واحداً منهما، فيجيء التعميم فيهما من جهة النهي الداخل، بخلاف الإثبات، فإنه قد يفعل أحدهما دون الآخر. فهو معنى دقيق" تم كلامه.
وحاصل ذلك أنك إذا عطفت (أَوِ الحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) على (شحومهما) دخلت الثلاث تحت حكم النفي، فيحرم الكل سوى ما استثنى منه، وإذا عطفت على المستثنى لم يحرم سوى "الشحوم". و (أو) على الأول للإباحة، وعلى الثاني للتنويع.
قال أبو البقاء: " (أو): هاهنا لتفصيل مذاهبهم، لاختلاف أماكنها، كقوله تعالى: (وقَالُوا لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) [البقرة: ١١١]، فلما لم يفصل في قوله: (وقالوا) جاء بـ (أو) للتفصيل، إذ كانت موضوعةً لأحد الشيئين".
стр. 2697
(ذلِكَ) الجزاء (جَزَيْناهُمْ)، وهو تحريم الطيبات (بِبَغْيِهِمْ) بسبب ظلمهم (وَإِنَّا لَصادِقُونَ) فيما أوعدنا به العصاة لا نخلفه، كما لا نخلف ما وعدناه أهل الطاعة. فلما عصوا وبغوا ألحقنا بهم الوعيد وأحللنا بهم العقاب.
(فَإِنْ كَذَّبُوكَ) في ذلك وزعموا أن الله واسع الرحمة، وأنه لا يؤاخذ بالبغي ويخلف الوعيد جوداً وكرماً (فَقُلْ) لهم (رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ) لأهل طاعته (وَلا يُرَدُّ بَاسُهُ) مع سعة رحمته (عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) فلا تغترّ برجاء رحمته عن خوف نقمته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ …
قوله: ((وإنا لصادقون) فيما أوعدنا به العصاة لا نخلفه، كما لا نخلف ما وعدناه أهل الطاعة)، الثاني صحيح، والأول اعتزال.
وأنشد أصحابنا:
وإني إذا أوعدته أو وعدته … لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وقال الإمام: " (وإنا لصادقون): في الإخبار عن بغيهم، وفي الإخبار عن تخصيصهم بهذا التحريم بسبب بغيهم".
قوله: ((فإن كذبوك) في ذلك)، أي: في "إنا لصادقون فيما أوعدنا به العصاة، لا نخلفه"، وإنما فسره بقوله: "وزعموا أن الله واسع الرحمة"، لوقوع قوله: (فَقُل رَّبُّكُمْ
стр. 2698
[(سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَاسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ* قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ)].
(سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) إخبار بما سوف يقولونه، ولما قالوه، قال: (وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) [النحل: ٣٥]، يعنون بكفرهم وتمردهم. أن شركهم وشرك آبائهم، وتحريمهم ما أحل الله، بمشيئة الله وإرادته. ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك، كمذهب المجبرة بعينه، (كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: جاءوا بالتكذيب المطلق، لأنّ الله ركب في العقول وأنزل في الكتب ما دل على غناه وبراءته من مشيئة القبائح وإرادتها،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ) جواباً لتكذيبهم، فقرر ما قالوه، وزيد عليه: (ولا يُرَدُّ بَاسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ) أي: رحمته، وإن كانت واسعة، لكن لأهل طاعته. وهو من أسلوب القول بالموجب، كما سيجيء بيانه في سورة التوبة في قوله: (ويَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ) [التوبة: ٦١].
قوله: (وقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا): الآية في سورة "النحل" [٣٥].
قوله: (ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك، كمذهب المجبرة). قال القاضي: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) أي: لو شاء خلاف ذلك مشيئة ارتضاء، كقوله: (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)
стр. 2699
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
لما فعلنا نحن ولا آباؤنا. أرادوا بذلك أنهم على الحق المشروع المرضي عند الله، لا الاعتذار عن ارتكاب هذه القبائح بإرادة الله إياها منهم، حتى ينهض ذمهم به دليلاً للمعتزلة".
وقلت: وأما مقتضي النظم: فهو أن الله تعالى من ابتداء قوله: (وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ) [الأنعام: ١٠٠]، وقوله: (ومَا لَكُمْ أَلاَّ تَاكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) [الأنعام: ١١٩] وهلم جراً، إلى آخر الآيات المتعلقة بأمر الأنعام، يحتج عليهم في اتخاذهم شركاء لله من الجن والملائكة، وينعي عليهم سوء صنيعهم في تحريم البحائر والسوائب، ويعلم نبيه صلي الله عليه وسلم طريقة الرد عليهم بقوله: (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا) [الأنعام: ١٤٥].
وحين لم تجد معهم الآيات والنذر، أخذ يسليه صلي الله عليه وسلم مما قاسي من تكذيبهم، بقوله: (فَإن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ) [الأنعام: ١٤٧] وبقوله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) إلى قوله: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)، أي: لا تتهاون في الإنذار والاحتجاج، ولا تبال بقولهم: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ولا آبَاؤُنَا)، فإنه دأبهم، ودأب من سلف من أمثالهم عند إلزامهم، لأن ديدن المحجوج، إذا لم يبق له حجة يتمسك بهأ، التشبث بأمثال هذا، فإنهم إذا تفكروا في الأمر، ورأوا أن الحجة قد لزمتهم، وتيقنوا بطلان مذهبهم، لابد أن يقولوا: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ولا آبَاؤُنَا).
ونحوه ما روينا عن البخاري ومسلم، عن الحسين بن علي ﵉، أن عليا أخبره: أن النبي صلي الله عليه وسلم طرقه ليلاً وفاطمة، فقال: "ألا تصليان؟ "، قال على: فقلت: يا رسول الله، إن أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله صلي الله عليه وسلم حين قلت له ذلك، ولم يرجع
стр. 2700
والرسل أخبروا بذلك. فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته فقد كذب التكذيب كله، وهو تكذيب الله وكتبه ورسله، ونبذ أدلة العقل والسمع وراء ظهره، (حَتَّى ذاقُوا بَاسَنا): حتى أنزلنا عليهم العذاب بتكذيبهم، (قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ): من أمرٍ معلوم يصح الاحتجاج به فيما قلتم (فَتُخْرِجُوهُ لَنا)، وهذا من التهكم، والشهادة بأن مثل قولهم محال أن يكون له حجة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شيئاً. ثم سمعته وهو منصرف يضرب فخذه، ويقول: " (وكَانَ الإنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً) [الكهف: ٥٤] ".
والحاصل: أن هذه كلمة حق، يريد بها هذا القائل في هذا المقام باطلاً. ويعضد ما ذكرناه، قوله: (هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا)، يعني: هذا الذي قلتموه جهل محض، لأنه لازم عليكم، فإن كان لكم حجة أخرى مما يصح الاحتجاج به، فأخرجوها. وقوله: (قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)، يعني: أن المحق الصادق الدعوى، كأهل السنة، إذا تمسكوا بهذا الكلام ابتداءً على إظهار الحق، فلله ولهم الحجة البالغة، لعلمهم بذلك، ومن تمسك به لمجرد المماراة والجدال وإبطال الحق، يكون حجةً عليهم، ودليلاً على إفحامهم وعجزهم.
ونحوه ما ذكره المصنف في أول "البقرة"، عند قوله تعالى: (وَادْعُوا شُهَداءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ) [البقرة: ٢٣]: "يعني: لا تستشهدوا بالله، ولا تقولوا: الله يشهد أن ما ندعيه حق، كما يقوله العاجز عن إقامة الحجة"، وقال: "هذا بيان لتعجيزهم وانقطاعهم".
فإذاً، التكذيب واقع في واقعة معينةٍ وحالة مخصوصة، فكيف يقال: "جاؤوا بالتكذيب المطلق"، "وقد كذب التكذيب كله"؟ ! ومراده بالتكذيب المطلق: قولهم: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا)، لأنه يهدم جميع قاعدة التكليف.
следующие страницы →