← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. لم أكن عصيتك، وإذا قلت: لا تطع زيداً أو عمراً أو خالداً، أي: هؤلاء كلهم أهل ألا يطاع، فلا تطع واحداً منهم، ولا تطع الجماعة، ومثله: "جالس الحسن أو ابن سيرين أو الشعبي" فليس المعنى أني أمرتك بمجالسة واحد منهم، بل المعنى: كلهم أهل أن يجالس، فإن جالست واحداً منهم فأنت مصيب، وإن جالست الجماعة فأنت مصيب". وقال ابن الحاجب: " (أو) في قوله تعالى: (ولا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) [الإنسان: ٢٤] بمعناها، وهو أحد الأمرين، وإنما جاء التعميم من النهي الذي فيه معنى النفي، لأن المعنى قبل وجود النهي فيهما: تطيع آثماً أو كفوراً، أي: واحداً منهما، فإذا جاء النهي ورد على ما كان ثابتاً في المعنى، فيصير المعنى: ولا تطع واحداً منهما، فيجيء التعميم فيهما من جهة النهي الداخل، بخلاف الإثبات، فإنه قد يفعل أحدهما دون الآخر. فهو معنى دقيق" تم كلامه. وحاصل ذلك أنك إذا عطفت (أَوِ الحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) على (شحومهما) دخلت الثلاث تحت حكم النفي، فيحرم الكل سوى ما استثنى منه، وإذا عطفت على المستثنى لم يحرم سوى "الشحوم". و (أو) على الأول للإباحة، وعلى الثاني للتنويع. قال أبو البقاء: " (أو): هاهنا لتفصيل مذاهبهم، لاختلاف أماكنها، كقوله تعالى: (وقَالُوا لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) [البقرة: ١١١]، فلما لم يفصل في قوله: (وقالوا) جاء بـ (أو) للتفصيل، إذ كانت موضوعةً لأحد الشيئين".

стр. 2697

(ذلِكَ) الجزاء (جَزَيْناهُمْ)، وهو تحريم الطيبات (بِبَغْيِهِمْ) بسبب ظلمهم (وَإِنَّا لَصادِقُونَ) فيما أوعدنا به العصاة لا نخلفه، كما لا نخلف ما وعدناه أهل الطاعة. فلما عصوا وبغوا ألحقنا بهم الوعيد وأحللنا بهم العقاب. (فَإِنْ كَذَّبُوكَ) في ذلك وزعموا أن الله واسع الرحمة، وأنه لا يؤاخذ بالبغي ويخلف الوعيد جوداً وكرماً (فَقُلْ) لهم (رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ) لأهل طاعته (وَلا يُرَدُّ بَاسُهُ) مع سعة رحمته (عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) فلا تغترّ برجاء رحمته عن خوف نقمته. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ … قوله: ((وإنا لصادقون) فيما أوعدنا به العصاة لا نخلفه، كما لا نخلف ما وعدناه أهل الطاعة)، الثاني صحيح، والأول اعتزال. وأنشد أصحابنا: وإني إذا أوعدته أو وعدته … لمخلف إيعادي ومنجز موعدي وقال الإمام: " (وإنا لصادقون): في الإخبار عن بغيهم، وفي الإخبار عن تخصيصهم بهذا التحريم بسبب بغيهم". قوله: ((فإن كذبوك) في ذلك)، أي: في "إنا لصادقون فيما أوعدنا به العصاة، لا نخلفه"، وإنما فسره بقوله: "وزعموا أن الله واسع الرحمة"، لوقوع قوله: (فَقُل رَّبُّكُمْ

стр. 2698

[(سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَاسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ* قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ)]. (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) إخبار بما سوف يقولونه، ولما قالوه، قال: (وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) [النحل: ٣٥]، يعنون بكفرهم وتمردهم. أن شركهم وشرك آبائهم، وتحريمهم ما أحل الله، بمشيئة الله وإرادته. ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك، كمذهب المجبرة بعينه، (كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: جاءوا بالتكذيب المطلق، لأنّ الله ركب في العقول وأنزل في الكتب ما دل على غناه وبراءته من مشيئة القبائح وإرادتها، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ) جواباً لتكذيبهم، فقرر ما قالوه، وزيد عليه: (ولا يُرَدُّ بَاسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ) أي: رحمته، وإن كانت واسعة، لكن لأهل طاعته. وهو من أسلوب القول بالموجب، كما سيجيء بيانه في سورة التوبة في قوله: (ويَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ) [التوبة: ٦١]. قوله: (وقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا): الآية في سورة "النحل" [٣٥]. قوله: (ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك، كمذهب المجبرة). قال القاضي: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) أي: لو شاء خلاف ذلك مشيئة ارتضاء، كقوله: (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)

стр. 2699

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. لما فعلنا نحن ولا آباؤنا. أرادوا بذلك أنهم على الحق المشروع المرضي عند الله، لا الاعتذار عن ارتكاب هذه القبائح بإرادة الله إياها منهم، حتى ينهض ذمهم به دليلاً للمعتزلة". وقلت: وأما مقتضي النظم: فهو أن الله تعالى من ابتداء قوله: (وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الجِنَّ) [الأنعام: ١٠٠]، وقوله: (ومَا لَكُمْ أَلاَّ تَاكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) [الأنعام: ١١٩] وهلم جراً، إلى آخر الآيات المتعلقة بأمر الأنعام، يحتج عليهم في اتخاذهم شركاء لله من الجن والملائكة، وينعي عليهم سوء صنيعهم في تحريم البحائر والسوائب، ويعلم نبيه صلي الله عليه وسلم طريقة الرد عليهم بقوله: (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا) [الأنعام: ١٤٥]. وحين لم تجد معهم الآيات والنذر، أخذ يسليه صلي الله عليه وسلم مما قاسي من تكذيبهم، بقوله: (فَإن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ) [الأنعام: ١٤٧] وبقوله: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) إلى قوله: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)، أي: لا تتهاون في الإنذار والاحتجاج، ولا تبال بقولهم: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ولا آبَاؤُنَا)، فإنه دأبهم، ودأب من سلف من أمثالهم عند إلزامهم، لأن ديدن المحجوج، إذا لم يبق له حجة يتمسك بهأ، التشبث بأمثال هذا، فإنهم إذا تفكروا في الأمر، ورأوا أن الحجة قد لزمتهم، وتيقنوا بطلان مذهبهم، لابد أن يقولوا: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ولا آبَاؤُنَا). ونحوه ما روينا عن البخاري ومسلم، عن الحسين بن علي ﵉، أن عليا أخبره: أن النبي صلي الله عليه وسلم طرقه ليلاً وفاطمة، فقال: "ألا تصليان؟ "، قال على: فقلت: يا رسول الله، إن أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله صلي الله عليه وسلم حين قلت له ذلك، ولم يرجع

стр. 2700

والرسل أخبروا بذلك. فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته فقد كذب التكذيب كله، وهو تكذيب الله وكتبه ورسله، ونبذ أدلة العقل والسمع وراء ظهره، (حَتَّى ذاقُوا بَاسَنا): حتى أنزلنا عليهم العذاب بتكذيبهم، (قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ): من أمرٍ معلوم يصح الاحتجاج به فيما قلتم (فَتُخْرِجُوهُ لَنا)، وهذا من التهكم، والشهادة بأن مثل قولهم محال أن يكون له حجة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ شيئاً. ثم سمعته وهو منصرف يضرب فخذه، ويقول: " (وكَانَ الإنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً) [الكهف: ٥٤] ". والحاصل: أن هذه كلمة حق، يريد بها هذا القائل في هذا المقام باطلاً. ويعضد ما ذكرناه، قوله: (هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا)، يعني: هذا الذي قلتموه جهل محض، لأنه لازم عليكم، فإن كان لكم حجة أخرى مما يصح الاحتجاج به، فأخرجوها. وقوله: (قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)، يعني: أن المحق الصادق الدعوى، كأهل السنة، إذا تمسكوا بهذا الكلام ابتداءً على إظهار الحق، فلله ولهم الحجة البالغة، لعلمهم بذلك، ومن تمسك به لمجرد المماراة والجدال وإبطال الحق، يكون حجةً عليهم، ودليلاً على إفحامهم وعجزهم. ونحوه ما ذكره المصنف في أول "البقرة"، عند قوله تعالى: (وَادْعُوا شُهَداءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ) [البقرة: ٢٣]: "يعني: لا تستشهدوا بالله، ولا تقولوا: الله يشهد أن ما ندعيه حق، كما يقوله العاجز عن إقامة الحجة"، وقال: "هذا بيان لتعجيزهم وانقطاعهم". فإذاً، التكذيب واقع في واقعة معينةٍ وحالة مخصوصة، فكيف يقال: "جاؤوا بالتكذيب المطلق"، "وقد كذب التكذيب كله"؟ ! ومراده بالتكذيب المطلق: قولهم: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا)، لأنه يهدم جميع قاعدة التكليف.

стр. 2701

(إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) في قولكم هذا، (وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ): تقدّرون أن الأمر كما تزعمون أو تكذبون. وقرئ: "كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ" بالتخفيف. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ثم إني، بعد استخراج هذه المعاني، وقفت على كلام إمام الحرمين في كتاب "الإرشاد"، قال: "إنهم إنما استوجبوا التوبيخ، لأنهم كانوا يهزؤون بالدين، ويبغون رد دعوة الأنبياء، وكان قد قرع مسامعهم من شرائع الرسل تفويض الأمور إلى الله تعالى، فلما طولبوا بالإسلام، والتزام الأحكام، تعللوا بما احتجوا به على النبيين، وقالوا: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا)، ولم يكن غرضهم ذكر ما ينطوي عليه عقدهم، والدليل عليه قوله: (قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إن تَتَّبِعُونَ إلاَّ الظَّنَّ وإنْ أَنتُمْ إلاَّ تَخْرُصُونَ)، فكيف لا يكون الأمر كذلك، والإيمان بصفات الله تعالى فرع الإيمان بالله تعالى والمقرعون بالآية كفرة؟ ! ". قوله: (وقرئ: "كذلك كذب الذين من قبلهم" بالتخفيف). هذه القراءة شاذة، بل كادت أن تكون موضوعة، وابن جني ما ذكرها في "المحتسب"، وردها الإمام أبلغ رد. والقراءة بالتشديد هي المتفق عليها، والاستدلال بها لا بهذه. ولو أريد التفصي منها يقال: إن قوله: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) دفع لداعيهم إلى الإيمان. المعنى: إن الله تعالى لم يشأ منا الإيمان على زعمكم، فامضوا من حيث جئتم منه، واتركونا، فإذا قالوه أجب عنه، وقل: هل عندكم من علم أن الله تعالى أراد منكم الكفر، ولم يرد الإيمان؟ بل هذا الذي تقولونه كذب بحت، لأن مشيئة الله مخفية عن الخلق، ولا يعلم أحد ما قضي له من الكفر والإيمان، ومن ادعى أنه يعلم ما قدره الله تعالى عليه، يكون جاهلاً خارصاً.

стр. 2702

(قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) يعني: فإن كان الأمر كما زعمتم أن ما أنتم عليه بمشيئة الله، فلله الحجة البالغة عليكم على قود مذهبكم، (فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) منكم ومن مخالفيكم في الدين، فإن تعليقكم دينكم بمشيئة الله يقتضى أن تعلقوا دين من يخالفكم أيضاً بمشيئته، فتوالوهم ولا تعادوهم، وتوافقوهم ولا تخالفوهم، لأنّ المشيئة تجمع بين ما أنتم عليه وبين ما هم عليه. [(قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)]. (هَلُمَّ) يستوي فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث عند الحجازيين، وبنو تميم تؤنث وتجمع. والمعنى: هاتوا شهداءكم وقرّبوهم. فإن قلت: كيف أمره باستحضار شهدائهم الذين يشهدون أنّ الله حرم ما زعموه محرما، ثم أمره بأن لا يشهد معهم؟ ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هذا معنى ما روي عن الحسن أنهم قالوا: إن الله رضي منا ما نحن عليه، وأراده منا، ولو لم يرض منا لحال بيننا وبين ما نحن عليه، ولعالجنا بالعقوبة. قوله: (على قود مذهبكم)، الجوهري: "قدت الفرس وغيره، أقوده قوداً ومقادةً وقيدودةً. وفرس قؤود: سلس منقاد". والقود في الكتاب: بمعنى مفعول. المعنى: فلله الحجة البالغة على ما يقوده مذهبكم، وهو مساواة جميع الملل المخالفة، لأن ما خالف مذهبكم من الملل يجب أن يكون عندكم حقاً، لأنه بمشيئة الله، فيؤدي إلى تصحيح الأديان المتناقضة. هذا تفسير في نهاية من التعسف. والحق ما مر.

стр. 2703

قلت: أمره باستحضارهم- وهم شهداء بالباطل-، ليلزمهم الحجة، ويلقمهم الحجر، ويظهر للمشهود لهم بانقطاع الشهداء أنهم ليسوا على شيء، لتساوي أقدام الشاهدين والمشهود لهم في أنهم لا يرجعون إلى ما يصح التمسك به. وقوله: (فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ) يعني: فلا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم، لأنه إذا سلم لهم فكأنه شهد معهم مثل شهادتهم، وكان واحداً منهم، (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) من وضع الظاهر موضع المضمر؛ للدلالة على أنّ من كذب بآيات الله وعدل به غيره فهو مُتبع للهوى لا غير، لأنه لو اتبع الدليل لم يكن إلا مصدقا بالآيات موحداً لله تعالى. فإن قلت: هلا قيل: قل هلم شهداء يشهدون أنّ الله حرّم هذا؟ وأي: فرقٍ بينه وبين المنزل؟ قلت: المراد أن يحضروا شهداءهم الذين علم أنهم يشهدون لهم وينصرون قولهم، وكان المشهود لهم يقلدونهم، ويثقون بهم، ويعتضدون بشهادتهم، ليهدم ما يقومون به، فيحق الحق ويبطل الباطل، فأضيفت الشهداء لذلك، وجيء بـ (الذين) للدلالة على أنهم شهداء معروفون موسومون بالشهادة لهم وبنصرة مذهبهم، والدليل عليه قوله تعالى: (فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ)، ولو قيل: "هلم شهداء يشهدون" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأنه إذا سلم لهم، فكأنه شهد معهم). تلخيصه: أن قوله: "لا تشهد معهم" أبلغ في النهي من قوله: "ولا تصدقهم"، فهو من باب الكناية، ويجوز أن يكون من باب المشاكلة. قوله: (والدليل عليه)، أي: على أنهم شهداء معروفون، قوله تعالى: (فَإن شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ)، لأنه لو أريد مطلق الشهداء، لم يقل: (فإن شهدوا)، فإن العاقل لا يشهد بالباطل، ومن يشهد بالحق لا يجوز أن يقال لمن يشهد معه: لا تشهد معه، أي: لا تصدقه.

стр. 2704

لكان معناه: هاتوا أناساً يشهدون بتحريم ذلك، فكان الظاهر طلب شهداء بالحق، وذلك ليس بالغرض، ويناقضه قوله تعالى: (فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ). [(قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)]. تعال: من الخاص الذي صار عاماً، وأصله أن يقوله من كان في مكانٍ عالٍ لمن هو أسفل منه ثم كثر واتسع فيه حتى عمّ. و (ما حَرَّمَ) منصوب بفعل التلاوة، أي: أتل الذي حرمه ربكم، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولا يقال ذلك إلا في حق من علم بطلان شهادته. وإليه الإشارة بقوله: "ويناقضه قوله تعالى: (فَإن شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ) ". قال في "الانتصاف": "وجه مناقضته: أن قوله: (هلم شهدآءكم) يفهم منه أن الطالب لذلك ليس على يقين أن ثم شهداء، كما يقول الحاكم: "هات بينةً تشهد لك" من غير أن يتحقق أن ثم بينة، ويكون قوله: "هلم شهداء يشهدون" تحقيقاً أن ثم شهداء". وقلت: بل مثاله أن يقول الحاكم لمن يدعي أن له شهداء، وهو يعرف بأنهم شهداء زورٍ وباطل، فيقول: "هات شهداءك ليشهدوا لك" فإذا شهدوا له، ثم خرجوا، وعرف كذبهم، كان أفحم له من أن يطلب الشهداء مطلقاً. وإليه الإشارة بقوله: "ويلقمهم الحجر".

стр. 2705

أو بـ (حرم) بمعنى: أقل أي: شيء حرّم ربكم، لأن التلاوة من القول، و «أن» في (أَلَّا تُشْرِكُوا) مفسرة و «لا» للنهى. فإن قلت: هلا قلت هي التي تنصب الفعل، وجعلت (ألا تشركوا) بدلاً من (ما حَرَّمَ)؟ قلت: وجب أن يكون (َلَّا تُشْرِكُوا) و (لا تَقْرَبُوا) و (لا تَقْتُلُوا) و (لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ) [الأنعام: ١٥٣] نواهي لانعطاف الأوامر عليها، وهي قوله: (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً)، لأن التقدير: وأحسنوا بالوالدين إحساناً، و (أَوْفُوا)، (وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا) [الأنعام: ١٥٢]، (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا) [الأنعام: ١٥٢]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو بـ (حرم) بمعنى: أقل). يريد أن (ما) في قوله: (ما حرم ربكم): إما أن تكون موصولةً أو استفهامية، فإن كان الأول كان مفعولاً لـ: (أتل)، "وأن" في (ألا تشركوا): ناصبة للفعل، و"لا" نافية، والمنصوب - وهو: (ألا تشركوا) - بدل من الهاء المحذوفة. قال أبو البقاء: "أن: مصدرية، وفي موضعها وجهان؛ أحدهما: أنها منصوبة، وفي ذلك وجهان، أحدهما: هي بدل من الهاء المحذوفة، أو من (ما)، و"لا" زائدة؛ أي: حرم ربكم أن تشركوا، والثاني: أنها منصوبة على الإغراء، والعامل فيها: (عليكم)، والوقف على ما قبل (عليكم) أي: الزموا ترك الشرك. والوجه الثاني: أنها مرفوعة، والتقدير: المتلو: هو (ألا تشركوا)، أو المحرم: أن تشركوا، و "لا" زائدة". وإن كان الثاني - أي: "ما" استفهامية - كان (حرم) عاملاً فيها، و "أن" هي المفسرة، و (أتل): في معنى القول، و "لا": للنهي. التقدير: أقل: أي شيء حرم ربكم؛ أي: أقل قولاً فيه تحريم أشياء، وهي: (ألا تشركوا به شيئاً) إلى آخره. قوله: (هلا قلت: هي التي تنصب الفعل؟ ): أي: لم لا تجعل "أن" ناصبة، والمنصوب بدلاً من (ما حرم)؟

стр. 2706

فإن قلت: فما تصنع بقوله: (وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ) [الأنعام: ١٥٣] فيمن قرأ بالفتح، وإنما يستقيم عطفه على (ألا تشركوا) إذا جعلت "أن" هي الناصبة للفعل، حتى يكون المعنى: أتل عليكم نفى الإشراك والتوحيد، وأتل عليكم أن هذا صراطي مستقيماً؟ قلت: أجعل قوله (وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً) [الأنعام: ١٥٣] علة للاتباع بتقدير اللام، كقوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً) [الجن: ١٨]، بمعنى: ولأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه. والدليل عليه القراءة بالكسر، كأنه قيل: واتبعوا صراطي لأنه مستقيم، أو: واتبعوا صراطي إنه مستقيم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأجاب عنه أن المانع من ذلك وجوب حمل (ألا تشركوا)، (ولا تقتلوا)، (ولا تقربوا) على أن تكون نواهي، ليحسن عطف "أحسنوا" و (وأوفوا) عليها. ولو جعلت "أن" ناصبة، و "لا" نافية، لزم عطف الطلبي على الخبري، فالواجب أن تجعل "أن" مفسرة، و "لا" ناهية، لتتفق الأوامر مع النواهي. ثم أورد على القول الذي اختاره سؤالين. أحدهما: قوله: "فما تصنع بقوله: (وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا) [الأنعام: ١٥٣]؟ ". وأجاب بأن الواو ليست عاطفة، بل هي استئنافية، والجملة معترضة مؤكدة لمضمون الجمل، واللام متعلقة بقوله: (فاتبعوه)، أي: فاتبعوا صراطي لأنه مستقيم، كما قدر في قوله: (وأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) [الجن: ١٨]: أي: "فلا تدعوا مع الله أحداً في المساجد، لأنها لله تعالى خاصة". والدليل عليها القراءة بكسر "إن"، لأنها صريحة في العلية.

стр. 2707

فإن قلت: إذا جعلت "أَنَّ" مفسرة لفعل التلاوة وهو معلق بـ (ما حرم ربكم)، وجب أن يكون ما بعده منهياً عنه محرما كله، كالشرك وما بعده مما دخل عليه حرف النهي، فما تصنع بالأوامر؟ قلت: لما وردت هذه الأوامر مع النواهي، وتقدمهنّ جميعاً فعل التحريم، واشتركن في الدخول تحت حكمه، علم أن التحريم راجعٌ إلى أضدادها، وهي الإساءة إلى الوالدين، وبخس الكيل والميزان، وترك العدل في القول، ونكث عهد الله. (مِنْ إِمْلاقٍ) من أجل فقر ومن خشيته، كقوله تعالى: (خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) [الإسراء: ٣١]. (ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ) مثل قوله: (ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ) [الأنعام: ١٢٠]، (إِلَّا بِالْحَقِّ) كالقصاص، والقتل على الردّة، والرجم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والسؤال الثاني قوله: "إذا جعلت "أن" مفسرة". وتقديره: أنك إذا جعلت "أن" مفسرةً لفعل التلاوة، لزمك أيضاً محذور، وهو وجوب اشتراك النواهي والأوامر في التحريم، لأن فعل التلاوة معلق بـ (ما حرم)، أي: مفعول له، وأجاب بما أجاب. فتفطن له، فإنه دقيق جداً. قوله: (محرماً كله) بالرفع: إما تأكيد لقوله: "ما بعده"، أو فاعل "محرماً". قوله: (أن التحريم راجع إلى أضدادها). قال صاحب "الفرائد": ومما يشاكل هذا في اعتبار المعطوف عليه من حيث المعنى: قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِي حَاجَّ إبْرَاهِيمَ) [البقرة: ٢٥٨]، ثم قوله: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ) [البقرة: ٢٥٩]، وقوله: (وإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى) [البقرة: ٢٦٠]، وقول الشاعر: بدا لي أني لست مدرك ما مضى … ولا سابقٍ شيئاً إذا كان جائيا

стр. 2708

[(وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)]. (إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ): إلا بالخصلة التي هي أحسن ما يفعل بمال اليتيم، وهي حفظه وتثميره والمعنى: احفظوه عليه حتى يبلغ أشدّه فادفعوه إليه (بِالْقِسْطِ): بالسوية والعدل، (لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها): إلا ما يسعها ولا تعجز عنه. وإنما أتبع الأمر بإيفاء الكيل والميزان ذلك، لأن مراعاة الحدّ من القسط الذي لا زيادة فيه ولا نقصان مما يجري فيه الحرج، فأمر ببلوغ الوسع وأن ما وراءه معفوّ عنه، (وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى): ولو كان المقول له أو عليه في شهادةٍ أو غيرها من أهل قرابة القائل، فما ينبغي أن يزيد في القول أو ينقص، كقوله: (وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) [النساء: ١٣٥]. [(وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)]. وقرئ: (وأن هذا صراطي مستقيماً) بتخفيف «أن» وأصله: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: تقدير الآية: أرأيت كالذي حاج إبراهيم، أو كالذي مر على قرية. وفائدة الاختلاف: أن المنهيات، نحو: الشرك، وقتل الأولاد، وقربان الزنا، وقتل النفس المحرمة، كانت العرب مستقرةً عليها، ولا يستنكفون منها، بل كانوا متدينين بها. وأما إحسان الوالدين، وإيفاء الكيل، والقول الصدق، والوفاء بالعهد، ونحوها فكانوا يفتخرون بالانتساب إليها، ويذكرونها في أشعارهم، فأمروا بإزالة ما كانوا فيه من الرذائل، والثبات على ما كانوا عليه من الفضائل. قوله: (وقرئ: (وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا) بتخفيف "أن"): ابن عامر.

стр. 2709

وأنه هذا صراطي، على أن الهاء ضمير الشأن والحديث. وقرأ الأعمش: "وهذا صراطي"، وفي مصحف عبد الله: "هذا صراط ربكم"، وفي مصحف أُبيّ: "وهذا صراط ربك". (وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ): الطرق المختلفة في الدين، من اليهودية والنصرانية، والمجوسية وسائر البدع والضلالات، (فَتَفَرَّقَ بِكُمْ): فتفرقكم أيادي سبأ، (عَنْ سَبِيلِهِ): عن صراط الله المستقيم، وهو دين الإسلام. وقرئ: (فتفرق) بإدغام التاء. وروى أبو وائل عن ابن مسعودٍ عن النبي ﷺ : أنه خط خطاً ثم قال: هذا سبيل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أيادي سبأ) وقع في الكتاب صفة مصدرٍ محذوف، أي: فيفرقكم إتباع السبل تفرقاً مثل تفرق أيادي سبأ، والأيدي: كناية عن الأبناء والأسرة، لأنهم في التقوى والبطش بهم بمنزلة الأيدي. الجوهري: "ذهبوا أيدي سبأ، وأيادي سبأ، أي: متفرقين، وهما اسمان جعلا أسماً واحداً". النهاية: "سبأ: اسم مدينة بلقيس باليمن، وقيل: هو اسم رجل ولد عامة قبائل اليمن. وكذا جاء مفسراً في الحديث. وسميت المدينة به". قوله: ("فتفرق بكم" بإدغام التاء): ابن كثير. قال أبو البقاء: " (فتفرق) جواب النهي، والأصل: فتتفرق. و (بكم): في موضع المفعول، أي: فتفرقكم. ويجوز أن يكون حالاً، أي: فتتفرق وأنتم معها". قوله: (عن النبي صلي الله عليه وسلم "أنه خط خطاً"). الحديث: رواه أحمد بن حنبل، والنسائي، والدارمي، مع اختلافٍ يسير.

стр. 2710

الرشد، ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطاً ثم قال: "هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه"، ثم تلا هذه الآية (وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ). وعن ابن عباس ﵄: "هذه الآيات محكمات لم ينسخهنّ شيء من جميع الكتب". وقيل: إنهنّ أمّ الكتاب، ومن عمل بهنّ دخل الجنة، ومن تركهنّ دخل النار. وعن كعب الأحبار: والذي نفس كعبٍ بيده، إنّ هذه الآيات لأول شيء في التوراة. فإن قلت: علام عطف قوله: (ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ) [الأنعام: ١٥٤]؟ قلت: على (وَصَّاكُمْ بِهِ). فإن قلت: كيف صح عطفه عليه بـ (ثم)، والإيتاء قبل التوصية بدهر طويل؟ قلت: هذه التوصية قديمة، لم تزل توصى بها كل أمّة على لسان نبيهم، كما قال ابن عباس ﵄: "محكمات لم ينسخهنّ شيءٌ من جميع الكتب"، فكأنه قيل: ذلكم وصاكم به، يا بني آدم قديماً وحديثاً. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هذه الآيات محكمات). يعني: من قوله: (قل تعالوا) إلى قوله: (لعلكم تتقون). قوله: (إنهن أم الكتاب)، لأنها جامعة لمعظم ما يجب أن يؤتي به، وما ينبغي أن يتحرز عنه. كما سميت "الفاتحة" بأم القرآن. قوله: (وعن كعب الأحبار). قال صاحب "الجامع": "هو كعب بن ماتع، بكسر التاء، فوقها نقطتان، وبالعين المهملة: من حمير، أدرك زمن النبي صلي الله عليه وسلم ولم يره، وأسلم في زمن عمر بن الخطاب".

стр. 2711

[(ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ)]. (ثُمَّ) أعظم من ذلك أنَّا (آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ) وأنزلنا هذا الكتاب المبارك. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النهاية: "الأحبار: هم العلماء. جمع حبر وحبر بالفتح والكسر، والفتح أكثر". قوله: ((ثم) أعظم من ذلك أنا (آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ)). اعلم أنه أوهم في الجواب بقوله: "هذه التوصية قديمة" أن معنى التراخي في (ثم) زماني، وبقوله: "ثم أعظم من ذلك" أنها للتراخي في الرتبة. وذهب القاضي إلى أن "ثم" للتفاوت في الرتبة. وما يفهم من كلام الزجاج أنها للتراخي في الزمان، لكن بحسب الإخبار والتلاوة. قال: "أدخلت (ثم) في العطف على معنى التلاوة. المعنى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ)، ثم أتل عليكم ما آتاه الله موسي". وقلت: يمكن الجمع بينهما، إذ لا منافاة بين الاعتبارين، وذلك أن قوله: (ثُمًّ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ)، وقوله: (وهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ) [الأنعام: ١٥٥] من جملة ما وصاه الله تعالى قديماً وحديثاً، ويكون قوله: (ذلكم وصاكم) مشاراً به إلى جميع ما ذكر من أول هذه السورة، لاسيما هذه المنهيات المختتمة بقوله: (وأن هذا صراطي). فالعطف على طريقة: (ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكَالَ) [البقرة: ٩٨] لشرفهما على سائر وصاه الله، وأنزل فيه كتاباً،

стр. 2712

وقيل: هو معطوفٌ على ما تقدّم قبل شطر السورة من قوله تعالى: (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ) [الأنعام: ٨٤]. (تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ): تماماً للكرامة والنعمة، (على الذي أحسن)، على من كان محسناً صالحاً، يريد جنس المحسنين. وتدل عليه قراءة عبد الله: "على الذين أحسنوا"، أو أراد به موسى ﵇، أي: تتمةً للكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ وفي كل ما أمر به أو تماماً على الذي أحسن موسى من العلم والشرائع، من: أحسن الشيء؛ إذا أجاد معرفته، أي: زيادةً على علمه على وجه التتميم. وقرأ يحيى بن يعمر: "على الذي أحسن" بالرفع، أي: على الذي هو أحسن، بحذف المبتدأ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فحصل التراخي بحسب الزمان، وبحسب الرتبة أيضاً، ثم ربي معنى التعظيم بالالتفات من الغيبة إلى التكلم، وإيثار ضمير الجمع المؤذن بالتعظيم. قوله: (وقيل: هو معطوف على ما تقدم). فعلى هذا (ثم) للتراخي بحسب الزمان، وهو متعسف. قوله: (أي: على الذي هو أحسن، بحذف المبتدأ). فعلى هذا الصلة والموصول صفة موصوفٍ محذوف، وهو: "الدين"، والعائد محذوف. قال ابن جني: "هذا مستضعف لحذف المبتدأ العائد على (الذي)، وذلك إنما يحذف في نحو: "مررت بالذي ضربت" أي: ضربته، لأن من المفعول بداً، وطال الاسم بصلته، وليس المبتدأ بفضلة، فيحذف تخفيفاً، لاسيما وهو عائد إلى الموصول، وقد جاء نحوه عنهم. حكي سيبويه عن الخليل: ما أنا بالذي قائل لك شيئاً وسوءاً". و"أحسن" على هذا على التفضيل.

стр. 2713

كقراءة من قرأ: "مَثَلًا ما بَعُوضَةً" [البقرة: ٢٦] بالرفع، أي: على الدين الذي هو أحسن دين وأرضاه. أو آتينا موسى الكتاب تماماً- أي: تامّاً كاملاً- على أحسن ما تكون عليه الكتب، أي: على الوجه والطريق الذي هو أحسن وهو معنى قول الكلبي: أتمَّ له الكتاب على أحسنه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أو آتينا موسى الكتاب تماماً): عطف على قوله: "تماماً للكرامة". فعلى الوجوه: الأول: (تماماً): مفعول له. قال الزجاج: "وكذلك (تفصيلاً)، أي: إتيانه للتمام والتفصيل". وعلى الثاني: حال من (الكتاب). ثم التعريف في (الذي أحسن): إما للجنس أو للعهد. فعلى الجنس يوافق معناه قوله تعالى: (الم * ذَلِكَ الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) [البقرة: ١ - ٢]. وإليه الإشارة بقوله: "على من كان محسناً صالحاً، يريد جنس المحسنين". وعلى العهد: (أحسن) إما بمعنى الإحسان في الطاعة، والامتثال بجميع ما أمر به، كقوله تعالى: (وأَحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ) [البقرة: ١٩٥]، أو بمعنى الجودة في العمل والإتقان فيه. قال الله تعالى في سورة يوسف: (من المحسنين) [يوسف: ٣٦]: "من الذين يحسنون عبارة الرؤيا، ويجيدونها، أو من المحسنين إلى أهل السجن". وفي هذا الوجه من المبالغة ما ليس في الأول، لأن الإحسان على الأول نفس الطاعة، وفي هذا زيادة عليها. ومن ثم قال: "أي: زيادة على علمه وجه التتميم". والتتميم على هذا للاستيعاب، وعلى الأول بمعنى التكميل.

стр. 2714

[(وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ* أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ* أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ)]. (أَنْ تَقُولُوا): كراهة أن تقولوا، (عَلى طائِفَتَيْنِ): يريدون أهل التوراة وأهل الإنجيل (وَإِنْ كُنَّا) هي "إن" المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينها وبين النافية. والأصل: وإنه كنا عن دراستهم غافلين، على أن الهاء ضمير الشأن، (عَنْ دِراسَتِهِمْ): عن قراءتهم، أي: لم نعرف مثل دراستهم. (لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ) لحدّة أذهاننا، وثقابة أفهامنا، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كراهة أن تقولوا). قال الزجاج: "قال بعضهم: معناه: أنزلناه لئلا تقولوا: إنما أنزل الكتاب على الطائفتين، أي: أنزلناه لتنقطع حجتكم، وإن كانت الحجة لله. وقال البصريون: معناه: أنزلناه كراهة أن تقولوا. ولا يجيزون إضمار "لا". فالمعنى: هذا كتاب أنزلناه إلى العرب، لئلا يحتجوا فيقولوا: إنما أنزل على اليهود والنصارى الكتاب، وما أنزل إلينا كتاب". قوله: (مثل دراستهم)، أي: مثل قراءتهم. أي: لم يكن على لغتنا، فلم نقدر على قراءته مثل ما قدروا عليها. قوله: (وثقابة أفهامنا)، النهاية: "ومنه قول الحجاج لابن عباس: "إن كان لمثقباً" أي: ثاقب العلم مضيئه. والمثقب - بكسر الميم -: "العالم الفطن"". ويروى: "ثقافة"، بالفاء.

стр. 2715

وغزارة حفظنا لأيام العرب ووقائعها، وخطبها وأشعارها، وأسجاعها وأمثالها، على أنا أمّيون. وقرئ: "أن يقولوا"، "أو يقولوا"، بالياء. (فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) تبكيتٌ لهم، وهو على قراءة من قرأ "يقولوا" على لفظ الغيبة أحسن، لما فيه من الالتفات. والمعنى: إن صدّقتكم فيما كنتم تعدّون من أنفسكم فقد جاءكم بينةٌ من ربكم، فحذف الشرط وهو من أحاسن الحذوف، (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ) بعد ما عرف صحتها وصدقها، أو تمكن من معرفة ذلك (وَصَدَفَ عَنْها) الناس، فضلّ وأضلّ، (سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ) كقوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ) [النحل: ٨٨]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النهاية: (وهو غلام ثقف: كـ"قضبٍ"، أي: ذو فطنة وذكاء". قوله: (ووقائعها): عطف تفسيري لقوله: "أيام العرب". قوله: ((فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ): تبكيت لهم). فالفاء: جزاء شرطٍ محذوف. نحوه قول الشاعر: قالوا: خراسان أقصى ما يراد بنا … ثم القفول، فقد جئنا خراسانا أي: إن صح ما قلتم: إن خراسان المقصد، فقد جئناه، وأين الخلاص؟ ولهذا قدر: "إن صدقتم فيما كنتم تعدون من أنفسكم، فقد جاءكم بينة من ربكم". وقد حققنا القول فيه في "الحجرات". قوله: (على لفظ الغيبة أحسن، لما فيه من الالتفات) لأنه من مجازه، فإنه تعالى لما خاطبهم بقوله: (وهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ) الآية، ثم قال على الغيبة: (أَن تَقُولُوا

стр. 2716

[(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَاتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَاتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَاتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ)]. (الْمَلائِكَةُ): ملائكة الموت، أو العذاب (أَوْ يَاتِيَ رَبُّكَ): أو يأتي كل آيات ربك، بدليل قوله (أَوْ يَاتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ). يريد آيات القيامة والهلاك الكلي، وبعض الآيات: أشراط الساعة، كطلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إنَّمَا أُنزِلَ) الآية، (لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ)، جعلهم بعداء، أي: أنزلنا [الكتاب إليكم] لئلا يقول أولئك البعداء المتصلفون: (لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ). ولما عاد إلى ذكر المنزل عليهم، خاطبهم تبكيتاً وإلزاماً؛ أي: أنتم أولئك الذين تصلفتم، وقلتم: كيت وكيت! فقد جاء مطلوبكم، فأين مقتضي قولكم؟ وساعد عليه حذف الشرط. يعني: لم يثبت عنكم مجيء ما طالبتموه، مع بلوغه أقصى غاياته، وهو كونه بينةً ظاهرة من خالقطم ومالككم، وهادياً إلى طريق مستقيم، ورحمةً من الله، كثير البركات. ومن ثم قال: "وهو من أحاسن الحذوف". وقد سمى مثل هذه الفاء في سورة "الحجرات": فاء فصيحة، وإن كانت جزائية، لدلالتها على السرعة، كما في قوله تعالى: (اضْرِب بِّعَصَاكَ الحَجَرَ فَانفَجَرَتْ) [البقرة: ٦٠]. قوله: (أشرط الساعة كطلوع الشمس). روينا عن أحمد بن حنبل، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "ثلاث إذا خرجن لا

стр. 2717

وعن البراء بن عازب: كنا نتذاكر الساعة إذ أشرف علينا رسول الله ﷺ فقال: "ما تتذاكرون"؟ فقلنا: نتذاكر الساعة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض". وعند هذا البيان، أمر الله تعالى حبيبه صلوات الله عليه أولاً بأن يقول لهم: انتظروا ذلك الموعود، إني معكم من المنتظرين، إقناطاً له عن إيمانهم. ثم ثنى بما ينبئ عن الإعراض عنهم، بقوله: (إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) [الأنعام: ١٥٩]. وثلث بالإقبال على من ينجع فيه الإنذار والوعظ، بقوله: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) [الأنعام: ١٦٠]. وربع بما يسليه من خاصة نفسه بقوله: (قُلْ إنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الأنعام: ١٦١]. وخمس بخاتمةٍ شريفةٍ مطابقة لما بدئت السورة به من المقاصد، وهي قوله: (قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ) [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. فإن الفاتحة فتحت بذكر بدء النشأة الأولي، لبيان إثبات التوحيد، ونفي الشرك، والخاتمة بذكر بدء النشأة الأخرى، والأمر بالإخلاص، ونفي الشرك. فسبحانه ما أعظم شأنه! وما أعجز بيانه قوله: (وعن البراء بن عازب). الحديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي، عن حذيفة

стр. 2718

قال: "إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان، ودابة الأرض، وخسفاً بالمغرب، وخسفاً بالمشرق، وخسفاً بجزيرة العرب، والدجال، وطُلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى، وناراً تخرج من عدن". (لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) صفة لقوله: (نفساً)، وقوله (أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً) عطف على (آمنت). والمعنى: أنّ أشراط الساعة إذا جاءت - وهي آيات ملجئة مضطرّة- ذهب أوان التكليف عندها، فلم ينفع الإيمان حينئذٍ نفساً غير مقدّمةٍ إيمانها من قبل ظهور الآيات، أو مقدّمة الإيمان غير كاسبة خيراً في إيمانها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ابن أسيد الغفاري. وفي موضع: "نار تخرج من عدن". وآخر ذلك: "نار تطرد الناس إلى محشرهم". قوله: (بجزيرة العرب)، النهاية: "قال أبو عبيد: هو اسم صقعٍ من الأرض، وهو ما بين حفر أبي موسي الأشعري، إلى أقصى اليمن في الطول، وما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة في العرض. قال الأزهري: سميت جزيرةً لأن بحر فارس وبحر السودان أحاطا بجانبيها، وأحاط بجانبها الشمالي دجلة والفرات".

стр. 2719

فلم يفرّق كما ترى بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان، وبين النفس التي آمنت في وقته ولم تكسب خيراً، ليعلم أنَّ قوله (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) [البقرة: ٢٥] جمع بين قرينتين، لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخرى، حتى يفوز صاحبهما ويسعد، وإلا فالشقوة والهلاك (قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) وعيد. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فلم يفرق - كما ترى - بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان، وبين النفس التي آمنت في وقتها، ولم تكسب خيراً)، قال في "الانتصاف": "يروم الاستدلال على أن الكافر والعاصي في الخلود سواء، حيث سوي في الآية بينهما في عدم الانتفاع بما يستدركانه بعد ظهور الآيات. ولا يتم ذلك، فإن هذا الكلام في البلاغة يلقب باللف. وأصله: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً - لم تكن مؤمنة قبل - إيمانها بعد، ولا نفساً - لم تكسب في إيمانها خيراً قبل - ما تكسبه من الخير بعد، ويظهر بذلك أنها لا تخالف مذهب الحق، فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير، وإن نفع الإيمان المتقدم في إسلامه". وقال ابن الحاجب في "الأمالي": "الإيمان قبل مجيء الآيات نافع، وإن لم يكن عمل صالح غيره. ومعنى الآية: لا ينفع نفساً إيمانها، ولا كسبها، وهو العمل الصالح، لم تكن آمنت قبل الآية، أو كان العمل الصالح لا مع الإيمان قبلها، فاختصر للعلم به".

стр. 2720

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((لم تكن) صفة لـ (نفساً)، وإن وقع الفصل، لأن المعنى على التأخير، لأن: (إيمانها) فاعل (لا ينفع)، وكان الواجب: لا ينفع إيمان نفسٍ نفساً لم تكن آمنت من قبل، فلما أوجب الضمير التقديم ليعود إلى النفس، بقيت الصفة في محلها. وقال صاحب "التقريب": "وقد ثبت أن "من قال: "لا إله إلا الله" دخل الجنة" فلنؤول الآية بأن (أو) بمعنى الواو، كـ"جالس الحسن أو ابن سيرين". أي: إذا انتفيا لم ينفع وجودهما حال ظهور الأشراط، أو لا ينفع نفعاً منجياً من دخول النار، بل من الخلود، أو لا ينفع من لا يؤمن إيمانها، ولا من لم يكسب كسبها، فحذف لدلالة الكلام عليه. أو الإيمان: هو الاعتقاد، والكسب: هو العمل، والقول اللساني عمل وكسب. فالمراد بمن لم يكسب: من لم يتلفظ بالشهادتين، ونقول بشقاوته، أو نقول: ظاهر اللفظ أن عند انتفاء أحد الأمرين من الإيمان والكسب، ينتفي النفع، فلا يجزم بانتفاء النفع إلا بالجزم بانتفاء أحد الأمرين، ولا يجزم بانتفاء أحد الأمرين إلا عند انتفائهما جميعاً. فإذا انتفيا جميعاً فلا نزاع في أنه لا ينفع قطعاً، وأما إذا انتفي أحدهما دون الآخر، فهو محل الاحتمال. فلا يتم الاستدلال".

стр. 2721

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال القاضي ﵀: " (أو كسبت): عطف على (آمنت). والمعنى: لا ينفع الإيمان حينئذ نفساً غير مقدمةٍ إيمانها، أو مقدمةً إيمانها غير كاسبةٍ في إيمانها خيراً. وهو دليل لمن لم يعتبر الإيمان المجرد عن العمل، وللمعتبر تخصيص هذا الحكم بذاك اليوم. وحمل الترديد على اشتراط النفع بأحد الأمرين، على معنى لا ينفع نفساً خلت عنها إيمانها، والعطف على (لم تكن) بمعنى: لا ينفع نفساً إيمانها الذي أحدثته حينئذ، وإن كسبت فيه خيراً قبل ذلك". وقال الإمام: "المعنى: أن أشراط الساعة إذا ظهرت ذهب أو أن التكليف عندها فلم ينفع الإيمان نفساً ما آمنت قبل ذلك، وما كسبت في إيمانها خيراً قبل ذلك". وقلت - والعلم عند الله -: والذي يقتضيه البلاغة والنظم الفائق، ويستدعيه مقام الحث على الاعتصام بحبل الله المجيد، والقرآن الكريم، والحض على الاهتداء بهديه، بقدر الوسع والإمكان، والاغتنام بالفرصة قبل فوات الأوان، ما عليه كلام ابن الحاجب، وصاحب "الانتصاف" مع تغيير يسير. وبيانه: أنه تعالى لما خاطب المعاندين المكذبين من قوم رسول الله صلي الله عليه وسلم بقوله: (وهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأنعام: ١٥٥]. وعلل الإنزال بقوله: (أَن تَقُولُوا إنَّمَا أُنزِلَ الكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا) [الأنعام: ١٥٦]، وبقوله: (أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ) [الأنعام: ١٥٧]، إزاحةً للعذر، وإلزاماً للحجة - كر إلى قوله: (فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وهُدًى ورَحْمَةٌ) [الأنعام: ١٥٧] تبكيتاً لهم، وتقريراً لما سبق من طلب الاتباع والتقوى.

стр. 2722

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يعني: أنزلنا هذا الكتاب المبارك الكاشف لكل ريب، والهادي إلى طريقٍ مستقيم، والرحمة من الله للخلق ليجعلوه زاداً لمسيرهم إلى الله، في يومٍ لا ينفع فيه شيء سوى ما قدموه من الإيمان، والعمل الصالح، فجعلوا شكر تلك النعمة الخطيرة الجليلة، أن كذبوا بها، ومنعوا الناس عن الانتفاع بها: فضلوا وأضلوا، (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْهَا) [الأنعام: ١٥٧]. يعني: ما ينتظر هؤلاء الضالون المضلون بما يفعلون إلا أن يأتيهم عذاب الدنيا، بنزول الملائكة، أو عقابٍ من الله تعالى يستأصل شأفتهم، كما فعل بالمكذبين من الأمم السالفة، أو يأتي عذاب الآخرة وبأسها، بأن يأتي بعض قوارعها، فحينئذ تفوت تلك الفرصة السابقة، فلا ينفعهم شيء قط مما كان ينفعهم من قبل من الإيمان، أو العمل الصالح مع الإيمان. فكأنه قيل: (يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إيمَانُهَا) أو كسبها في إيمانها حينئذ، (لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمَانِهَا خَيْرًا) من قبل. ففي الآية لف، لكن حذف إحدى القرنتين بإعانة النشر عليه، كما في قوله تعالى: (ومَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إلَيْهِ جَمِيعًا) [النساء: ١٧٢] على ما مر بيانه في موضعه. هذا الذي عناه صاحب "الانتصاف" بقوله: "هذا الكلام يلقب باللف".

стр. 2723

وقرئ: أن يأتيهم الملائكة، بالياء والتاء، وقرأ ابن سيرين: لا تنفع، بالتاء، لكون الإيمان مضافاً إلى ضمير المؤنث الذي هو بعضه كقولك: ذهبت بعض أصابعه. [(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ)]. (فَرَّقُوا دِينَهُمْ) اختلفوا فيه كما اختلفت اليهود والنصارى. وفي الحديث: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلا واحدة وهي الناجية، وافترقت النصارى اثنتين وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلا واحدة. وتفترق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في الهاوية إلا واحدة» وقيل: (فرّقوا دينهم) فآمنوا ببعض وكفروا ببعض ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومن فواضل نعم الله المتكاثرة، وسوابغ آلائه المتتابعة، العثور بعد هذا التقرير - معنى ولفظاً، من غير إفراطٍ وتقتير - على قوله تعالى: (ولَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ تَاوِيلَهُ يَوْمَ يَاتِي تَاوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) [الأعراف: ٥٢ - ٥٣]. فوازن معه، لنقف على صنع الملك العلام، ما نقر معه بالتحدث والإلهام، فنقول: (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا ومَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) [الأعراف: ٤٣]، ونستعيذ من أن نتلفظ بمثل (قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا) [الأعراف: ٥٣]. وظهر منه أن الإيمان المجرد - قبل كشف قوارع الساعة - نافع، وأن الإيمان المقارن بالعمل الصالح أنفع، وأما بعدها فلا ينفع شيء قط. قوله: (افترقت اليهود) الحديث: من رواية عبد الله بن عمرو، عن النبي صلي الله عليه وسلم: "إن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملةً، وتفترق أمتي على ثلاثٍ وسبعين ملة، كلهم في النار،

стр. 2724

وقرئ: "فارقوا دينهم"، أي: تركوه (وَكانُوا شِيَعاً): فرقاً كل فرقة تشيع إماماً لها، (لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) أي: من السؤال عنهم وعن تفرقهم. وقيل من عقابهم. وقيل: هي منسوخة بآية السيف. [(مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)]. (عَشْرُ أَمْثالِها) على إقامة صفة الجنس المميز مقام الموصوف، تقديره: عشر حسنات أمثالها، وقرئ: "عشر أمثالها"، برفعهما جميعاً على الوصف. وهذا أقل ما وعد من الأضعاف، وقد وعد بالواحد سبع مئة، ووعد ثواباً بغير حساب. ومضاعفة الحسنات فضل، ومكافأة السيئات عدل، (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ): لا ينقص من ثوابهم ولا يزاد على عقابهم. [(قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إلا ملةً واحدةً. قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي"، أخرجه الترمذي. قوله: (ومضاعفة الحسنات فضل، ومكافأة السيئات عدل). قال الزجاج: "معنى الآية غامض، لأن المجازاة من الله تعالى على الحسنة بدخول الجنة شيء لا يبلغ وصف مقداره. فإذا قال: (عشر أمثالها)، أو سبعمئة، أو أضعافاً كثيرة، فمعناه أن جزاء الله على الحسنات على التضعيف للمثل الواحد، الذي هو النهاية في التقدير وفي النفوس". قلت: فعلى هذا لا يتصور في الحسنات إلا الفضل.

стр. 2725

(دِيناً) نصب على البدل من محل (إِلى صِراطٍ مستقيمٍ)، لأنّ معناه: هداني صراطاً، بدليل قوله (وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً) [الفتح: ٢]، والقيم: فيعل، من قام، كسيدٍ من: ساد، وهو أبلغ من القائم. وقرئ: (قيماً). والقيم: مصدر بمعنى: القيام وصف به. و (مِلَّةَ إِبْراهِيمَ) عطف بيان. و (حَنِيفاً) حال من (إبراهيم). [(قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ* لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)]. (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي) وعبادتي وتقرّبى كله. وقيل: وذبحى. وجمع بين الصلاة والذبح كما في قوله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر: ٢]، وقيل: صلاتي وحجي من مناسك الحج، (وَمَحْيايَ وَمَماتِي): وما آتيه في حياتي، وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح، (لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) خالصة لوجهه، (وَبِذلِكَ) من الإخلاص (أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) لأن إسلام كل نبيّ متقدّم لإسلام أمّته. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: (قيماً)) بكسر القاف وفتح الياء مخففة: الكوفيون، والباقون: بفتح القاف وكسر الياء مشددة. قوله: (ملة إبراهيم): عطف بيان)، يريد أن الدين القيم هو ملة إبراهيم بعينه. قال الراغب: "الملة كالدين، وهو اسم لما شرع الله تعالى على لسان الأنبياء ﵈ ليتوصلوا به إلى جوار الله تعالى. والفرق بينها وبين الدين: أن الملة لا تضاف إلا للنبي الذي تسند إليه، نحو: (فاتبعوا ملة إبراهيم) [آل عمران: ٩٥] ولا تكاد توجد مضافة إلى الله تعالى ولا إلى آحاد أمة النبي صلي الله عليه وسلم، ولا تستعمل إلا في حملة الشرائع، وأصلها من: أمللت الكتاب".

стр. 2726

[(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)]. (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا) جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم، والهمزة للإنكار، أي: منكر أن أبغي ربا غيره (وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) فكل من دونه مربوب، ليس في الوجود من له الربوبية غيره، كما قال: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ) [الزمر: ٦٤]، (وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها) جواب عن قولهم: (اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ) [العنكبوت: ١٢]. [(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)]. (جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ) لأن محمداً ﷺ خاتم النبيين، فحلفت أمّته سائر الأمم. أو جعلهم يخلف بعضهم بعضاً، أو هم خلفاء الله في أرضه، يملكونها ويتصرفون فيها. (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ) في الشرف والرزق، (لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ) من نعمة المال والجاه، كيف تشكرون تلك النعمة؟ وكيف يصنع الشريف بالوضيع، والحرّ بالعبد، والغني بالفقير؟ (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ) لمن كفر نعمته ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أغير الله أبغي ربا): جواب عن دعائهم له)، لأن كل تقديم إما للاهتمام، أو جواب إنكار، وكذا ما فيه أداة الحصر. ولهذا قال: " (ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلاَّ عَلَيْهَا): جواب عن قولهم: (اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا) [العنكبوت: ١٢] ".

стр. 2727

(وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) لمن قام يشكرها. ووصف العقاب بالسرعة، لأن ما هو آت قريب. عن رسول الله ﷺ : «أنزلت عليّ سورة الأنعام جملة واحدة، يشيعها سبعون ألف ملكٍ لهم زجلٌ بالتسبيح والتحميد، فمن قرأ الأنعام صلى الله عليه، واستغفر له أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من سورة الأنعام يوماً وليلة». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن ما هو آتٍ قريب) أي: الموعود سريع الوصول، فإن سرعة العقاب تستدعي سرعة إنجاز الوعيد. تمت السورة بعون الله وحسن توفيقه، والله أعلم. * * *

стр. 2728

سورة الأعراف مكية، غير ثمان آيات: (واسئلهم عن القرية) [١٦٣] إلى: (وإذ نتقنا الجبل) [١٧١] وهي مائتان وست آيات [(المص* كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ)]. (كِتابٌ) خبر مبتدأٍ محذوف، أي: هو كتاب. و (أُنْزِلَ إِلَيْكَ) صفة له. والمراد بالكتاب: السورة، (فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) أي: شك منه، كقوله (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ) وسمي الشك حرجاً، لأن الشاك ضيق الصدر حرجه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة الأعراف مكية غير ثمان آيات: (واسْئَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ) إلى (وإذْ نَتَقْنَا الجَبَلَ) وهي مئتان وأربع آيات. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (لأن الشاك ضيق الصدر)، أي: الحرج لضيق الشك ولازمه، فأطلق الحرج،

стр. 2729

كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه. أي: لا تشك في أنه منزلٌ من الله، أو (حرج) من تبليغه، لأنه كان يخاف قومه وتكذيبهم له وإعراضهم عنه وأذاهم، فكان يضيق صدره من الأداء ولا ينبسط له فأمّته الله ونهاه عن المبالاة بهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأريد الشك، فيكون كناية. قوله: (أو (حرج) من تبليغه). فعلى هذا "الحرج" في موضعه على ظاهره، والمضاف محذوف. ويمكن أن يكون كناية عن الخوف، لأن الخائف أيضاً غير منشرح الصدر. يشهد للأول: "وكان يضيق صدره من الأداء"، وللثاني: "فأمنه الله". قال الزجاج: معناه: لا يضق صدرك بالإبلاغ، ولا تخافن، يروى أنه صلي الله عليه وسلم قال: "أخاف أن يثلغوا رأسي". وقلت: الحديث رواه الإمام أحمد بن حنبل ومسلم، عن عياض المجاشعي، عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "قال الله تعالى: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان. وإن الله أمرني أن أحرق قريضاً، فقلت: رب إذا يثلغوا رأسي، فيدعوه خبزةً. قال: استخرجهم كما استخرجزك، واغزهم نغزك، وأنفق، فسننفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمسةً مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك" الحديث.

стр. 2730

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا يغسله الماء": إما عبارة عن أن يكون محفوظاً في الصدور، غير متكل مما في المصاحف، كما جاء في الحديث: "أنا جيلهم في صدورهم"، يؤيده قوله: "تقرؤه نائماً ويقظان". أو عبارة عن ثباته وبقائه، وأنه يغلب ولا يغلب، ويعلو ولا يعلى. الثلغ: الشدخ. قال القاضي: "الفاء في (فلا يكن) تحتمل العطف والجواب، فكأنه قيل: إذا أنزل إليك لتنذر به، فلا يحرج صدرك". وقلت: إن الفاء آذنت بترتيب النهي على كون الكتاب منزلاً - وتقريره على "الشك" - أن يقال: إذا حققت أن الكتاب منزل من عند الله، فلا ينبغي أن تشك فيه، لأن اليقين والشك لا يجتمعان. فالنهي من باب التهييج والإلهاب، ليداوم على اليقين، ويزيد فيه، كقوله تعالى: (فَإن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا) [يونس: ٩٤]، وقوله: (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ) [البقرة: ١٤٧]. وعلى نفي الضيق والحرج أن يقال: إن (المص) إما وارد على قرع العصا لمن تحدي بالقرآن وبغرابة نظمه، أو هو تقدمة لدلائل الإعجاز. والمعنى: (المص) هو كتاب منزل من عند الله، بالغ حد الإعجاز، فكن منشرح الصدر، فسيح البال، قوي الجأش، ولا تبال بهم، وأنذرهم به، فإن لك الغلبة والسلطان، وهم مقهورون. وإليه الإشارة بقوله: "ونهاه عن المبالاة بهم". فالنهي من باب التشجيع. هذا هو الوجه معنى ونظماً كما سيجيء.

стр. 2731

فإن قلت: بم تعلق قوله (لِتُنْذِرَ)؟ قلت: بـ (أنزل)، أي: أنزل إليك لإنذارك به أو بالنهي، لأنه إذا لم يخفهم أنذرهم، وكذلك إذا أيقن أنه من عند الله شجعه اليقين على الإنذار، لأن صاحب اليقين جسورٌ متوكل على ربه، متكل على عصمته. فإن قلت: فما محل "ذكرى"؟ قلت: يحتمل الحركات الثلاث. والنصب بإضمار فعلها، كأنه قيل: لتنذر به وتذكر تذكيراً، لأن "الذكرى" اسم بمعنى التذكير، والرفع عطفاً على (كتاب)، أو بأنه خبر مبتدأٍ محذوف. والجر للعطف على محل "أن تنذر"، أي: للإنذار وللذكرى. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وكذلك إذا أيقن): تعليل لتعلق (لتنذر) بالنهي على تأويل الحرج بالشك. قوله: (متكل على عصمته)، التوكل: إظهار العجز، والاعتماد على الغير. قوله: (النصب بإضمار فعلها). روي عن المصنف أنه قال: "لم أزعم معطوفاً على محل (لتنذر)، لأن المفعول له يجب أن يكون فاعله وفاعل الفعل المعلل واحداً حتى يجوز حذف اللام منه". قوله: (أو بأنه خبر مبتدأ محذوف). قال الزجاج: "التقدير: هو ذكرى للمؤمنين. كقولك: هو ذكر للمؤمنين". تم كلامه. فإذا قلت: ما الفرق بينه إذا كان عطفاً على (كتب) وبينه إذا كان خبر مبتدأ محذوف؟ قلت: المعنى على الأول: هو جامع بين كونه كتاباً وكونه ذكرى للمؤمنين أنذر به. وعلى الثاني: عطف جملةٍ على جملة، أي: هو كتاب منزل من عند الله، لإنذار الكافرين،

стр. 2732

فإن قلت: النهي في قوله (فَلا يَكُنْ) متوجه إلى الحرج فما وجهه؟ قلت: هو من قولهم: لا أرينك هاهنا. [(اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ)]. (اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) من القرآن والسنة، (وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ): من دون الله (أَوْلِياءَ) أي: ولا تتولوا من دونه من شياطين الجن والإنس، فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهو ذكرى للمؤمنين، وبشارة لهم، فيكون كل من الوصفين مستقلين بنفسهما، والتركيبان مستبدين برأسهما. وهذا يؤيد الوجه الثاني في تفسير الحرج، فيكون من إرادة التبليغ والتحدي، فتكون الآية على وزان قوله تعالى: (فَاتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ) إلى قوله: (فَإن لَّمْ تَفْعَلُوا ولَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ) إلى قوله: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا) [البقرة: ٢٣ - ٢٥] كما سبق تقريره في موضعه. قوله: (هو من قولهم: لا أرينك هاهنا). أي: هو من الكناية، ظاهره يقتضي أن المتكلم ينهي نفسه عن أن يرى المخاطب هناك، والمراد نهي المخاطب، أي: لا تكن هاهنا حتى لا أراك فيه، فإن كينونتك هاهنا مستلزمة لرؤيتي إياك. المعنى: أن الحرج لو كان مما ينهي لنهيناه عنك، فانته عنه بترك التعرض له. قوله: ((اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم) من القرآن والسنة). أمر الله الأمة بمتابعة جميع ما أنزل إليهم، بعدما نهى حبيبه عن ضيق الصدر، بتبليغ ما أوحي إليه، ليكون أدعى لانشراح الصدر.

стр. 2733

ويضلوكم عن دين الله وما أنزل إليكم، وأمركم باتباعه. وعن الحسن: "يا ابن آدم، أمرت باتباع كتاب الله وسنة محمدٍ ﷺ ، والله ما نزلت آيةٌ إلا وهو يحب أن تعلم فيم نزلت وما معناها؟ ". وقرأ مالك بن دينار: "ولا تبتغوا"، من الابتغاء، (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً) [آل عمران: ٨٥]. ويجوز أن يكون الضمير في (مِنْ دُونِهِ) لـ (ما أنزل)، على: ولا تتبعوا من دون دين الله دين أولياء. (قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ) حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الزجاج: " (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم) أي: القرآن، وما أتي عن النبي صلي الله عليه وسلم لأنه مما أنزل عليه، لقوله تعالى: (ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) [الحشر: ٧] ". قوله: (ما نزلت آية إلا وهو يحب أن تعلم فيم أنزلت وما معناها؟ ). يعن: ما أنزل الله آية إلا لأن تتبع، حتى يعلم معناها، ويعمل بمقتضاها. روينا عن الدارمي، عن ابن مسعود: "ليس من مؤدبٍ إلا وهو يحب أن يرتى أدبه، وإن أدب الله القرآن". قوله: ((قليلا ما تذكرون) حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره). تخصيص الذكر بقوله: "تتركون دين الله" يوهم أن هذه الفاصلة متعلقة بالتفسير الثاني: يعني أن الضمير في (من دونه) لما أنزل الله تعالى، لقوله: "ولا تتبعوا من دون دين الله أولياء" لكنها

стр. 2734

وقرئ: (تذكرون) بحذف التاء، (ويتذكرون)، بالياء. و (قَلِيلًا): نصب بـ (تذكرون)، أي: تذكرون تذكراً قليلاً. وما مزيدة لتوكيد القلة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تذييل على التفسيرين، لأن معنى: (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ): هو دين الله. وعقب بقوله: (ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ). فيرجع معناه - على تقدير أن يكون الضمير لله أيضاً - إلى دين الله. ويؤيده قوله: "ويضلوكم عن دين الله"، فيكون في قوله: (اتبعوا)، وتوكيده بقوله: (ولا تتبعوا) دلالة على التقريع على توانيهم وتقاعدهم عن متابعة دين الله إلى إتباع غيره، فجيء بقوله: (قليلاً ما تذكرون) توكيداً لذلك. ثم أتبعه قوله: (وكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا) [الأعراف: ٤] يعني: إن كان مواعظ الله لا تنجع فيكم، فاعتبروا بأحوال الأمم السالفة، الذين ظلموا أنبياءهم، وانظروا كم أهلكنا؟ فعلى هذا قوله: و (اتبعوا) شروع في تفصيل ما أجمل في قوله: (لتنذر) أي: كيف أنذرهم؟ فقيل: قل اتبعوا وانظروا. قوله: (و "يتذكرون" بالياء): ابن عامر، والباقون: بغير ياء. قال الزجاج: " (تذكرون): أصله: تتذكرون، حذفت التاء الثانية لا الأولي، فإنها تدل على الاستقبال، فلا يجوز حذفها. والثانية إنما دخلت على معنى: فعلت الشيء على تمهل، نحو: تفهمت الشيء وتعلمت، أي: أخذت الشيء على مهل، وعلى معنى إظهار الشيء والحقيقة غيره، نحو: تقيست، أي: أظهرت أني قيسي. والمحذوف التاء الثانية، لأن الباقي في الكلمة من تشديد العين يدل على المعنى، ولو حذفت الأولى لبطل معنى الاستقبال". قوله: (و (ما) مزيدة لتوكيد القلة) فيؤذن بالعدم، كقوله:

стр. 2735

[(وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَاسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ)]. (فَجاءَها): فجاء أهلها (بَياتاً) مصدرٌ واقعٌ موقع الحال، بمعنى بائتين. يقال: بات بياتاً حسناً، وبيتةً حسنة، وقوله: (هُمْ قائِلُونَ) حالٌ معطوفةٌ على (بياتا)، كأنه قيل: فجاءهم بأسنا بائتين أو قائلين. فإن قلت: هل يقدر حذف المضاف الذي هو "الأهل" قبل (قَرْيَةٍ) أو قبل الضمير في (أَهْلَكْناها)؟ قلت: إنما يقدّر المضاف للحاجة ولا حاجة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قليل التشكي … البيت. وقال القاضي: "أو: زماناً قليلاً تذكرون. وإن جعلت (ما) مصدريةً لم ينتصب (قليلاً) بـ (تذكرون) " وقال أبو البقاء: "لا يجوز أن تكون (ما) مصدرية، لأن (قليلاً) لا يبقى له ناصب".
следующие страницы →