Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
فإن قلت: بم تعلق قوله (لِتُنْذِرَ)؟ قلت: بـ (أنزل)، أي: أنزل إليك لإنذارك به أو بالنهي، لأنه إذا لم يخفهم أنذرهم، وكذلك إذا أيقن أنه من عند الله شجعه اليقين على الإنذار، لأن صاحب اليقين جسورٌ متوكل على ربه، متكل على عصمته.
فإن قلت: فما محل "ذكرى"؟ قلت: يحتمل الحركات الثلاث. والنصب بإضمار فعلها، كأنه قيل: لتنذر به وتذكر تذكيراً، لأن "الذكرى" اسم بمعنى التذكير، والرفع عطفاً على (كتاب)، أو بأنه خبر مبتدأٍ محذوف. والجر للعطف على محل "أن تنذر"، أي: للإنذار وللذكرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكذلك إذا أيقن): تعليل لتعلق (لتنذر) بالنهي على تأويل الحرج بالشك.
قوله: (متكل على عصمته)، التوكل: إظهار العجز، والاعتماد على الغير.
قوله: (النصب بإضمار فعلها). روي عن المصنف أنه قال: "لم أزعم معطوفاً على محل (لتنذر)، لأن المفعول له يجب أن يكون فاعله وفاعل الفعل المعلل واحداً حتى يجوز حذف اللام منه".
قوله: (أو بأنه خبر مبتدأ محذوف). قال الزجاج: "التقدير: هو ذكرى للمؤمنين. كقولك: هو ذكر للمؤمنين". تم كلامه.
فإذا قلت: ما الفرق بينه إذا كان عطفاً على (كتب) وبينه إذا كان خبر مبتدأ محذوف؟
قلت: المعنى على الأول: هو جامع بين كونه كتاباً وكونه ذكرى للمؤمنين أنذر به.
وعلى الثاني: عطف جملةٍ على جملة، أي: هو كتاب منزل من عند الله، لإنذار الكافرين،
стр. 2732
فإن قلت: النهي في قوله (فَلا يَكُنْ) متوجه إلى الحرج فما وجهه؟ قلت: هو من قولهم: لا أرينك هاهنا.
[(اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ)].
(اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) من القرآن والسنة، (وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ): من دون الله (أَوْلِياءَ) أي: ولا تتولوا من دونه من شياطين الجن والإنس، فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهو ذكرى للمؤمنين، وبشارة لهم، فيكون كل من الوصفين مستقلين بنفسهما، والتركيبان مستبدين برأسهما. وهذا يؤيد الوجه الثاني في تفسير الحرج، فيكون من إرادة التبليغ والتحدي، فتكون الآية على وزان قوله تعالى: (فَاتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ) إلى قوله: (فَإن لَّمْ تَفْعَلُوا ولَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ) إلى قوله: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا) [البقرة: ٢٣ - ٢٥] كما سبق تقريره في موضعه.
قوله: (هو من قولهم: لا أرينك هاهنا). أي: هو من الكناية، ظاهره يقتضي أن المتكلم ينهي نفسه عن أن يرى المخاطب هناك، والمراد نهي المخاطب، أي: لا تكن هاهنا حتى لا أراك فيه، فإن كينونتك هاهنا مستلزمة لرؤيتي إياك.
المعنى: أن الحرج لو كان مما ينهي لنهيناه عنك، فانته عنه بترك التعرض له.
قوله: ((اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم) من القرآن والسنة). أمر الله الأمة بمتابعة جميع ما أنزل إليهم، بعدما نهى حبيبه عن ضيق الصدر، بتبليغ ما أوحي إليه، ليكون أدعى لانشراح الصدر.
стр. 2733
ويضلوكم عن دين الله وما أنزل إليكم، وأمركم باتباعه.
وعن الحسن: "يا ابن آدم، أمرت باتباع كتاب الله وسنة محمدٍ ﷺ ، والله ما نزلت آيةٌ إلا وهو يحب أن تعلم فيم نزلت وما معناها؟ ".
وقرأ مالك بن دينار: "ولا تبتغوا"، من الابتغاء، (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً) [آل عمران: ٨٥].
ويجوز أن يكون الضمير في (مِنْ دُونِهِ) لـ (ما أنزل)، على: ولا تتبعوا من دون دين الله دين أولياء.
(قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ) حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الزجاج: " (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم) أي: القرآن، وما أتي عن النبي صلي الله عليه وسلم لأنه مما أنزل عليه، لقوله تعالى: (ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) [الحشر: ٧] ".
قوله: (ما نزلت آية إلا وهو يحب أن تعلم فيم أنزلت وما معناها؟ ). يعن: ما أنزل الله آية إلا لأن تتبع، حتى يعلم معناها، ويعمل بمقتضاها.
روينا عن الدارمي، عن ابن مسعود: "ليس من مؤدبٍ إلا وهو يحب أن يرتى أدبه، وإن أدب الله القرآن".
قوله: ((قليلا ما تذكرون) حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره). تخصيص الذكر بقوله: "تتركون دين الله" يوهم أن هذه الفاصلة متعلقة بالتفسير الثاني: يعني أن الضمير في (من دونه) لما أنزل الله تعالى، لقوله: "ولا تتبعوا من دون دين الله أولياء" لكنها
стр. 2734
وقرئ: (تذكرون) بحذف التاء، (ويتذكرون)، بالياء. و (قَلِيلًا): نصب بـ (تذكرون)، أي: تذكرون تذكراً قليلاً. وما مزيدة لتوكيد القلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تذييل على التفسيرين، لأن معنى: (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ): هو دين الله. وعقب بقوله: (ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ). فيرجع معناه - على تقدير أن يكون الضمير لله أيضاً - إلى دين الله. ويؤيده قوله: "ويضلوكم عن دين الله"، فيكون في قوله: (اتبعوا)، وتوكيده بقوله: (ولا تتبعوا) دلالة على التقريع على توانيهم وتقاعدهم عن متابعة دين الله إلى إتباع غيره، فجيء بقوله: (قليلاً ما تذكرون) توكيداً لذلك. ثم أتبعه قوله: (وكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا) [الأعراف: ٤] يعني: إن كان مواعظ الله لا تنجع فيكم، فاعتبروا بأحوال الأمم السالفة، الذين ظلموا أنبياءهم، وانظروا كم أهلكنا؟ فعلى هذا قوله: و (اتبعوا) شروع في تفصيل ما أجمل في قوله: (لتنذر) أي: كيف أنذرهم؟ فقيل: قل اتبعوا وانظروا.
قوله: (و "يتذكرون" بالياء): ابن عامر، والباقون: بغير ياء.
قال الزجاج: " (تذكرون): أصله: تتذكرون، حذفت التاء الثانية لا الأولي، فإنها تدل على الاستقبال، فلا يجوز حذفها. والثانية إنما دخلت على معنى: فعلت الشيء على تمهل، نحو: تفهمت الشيء وتعلمت، أي: أخذت الشيء على مهل، وعلى معنى إظهار الشيء والحقيقة غيره، نحو: تقيست، أي: أظهرت أني قيسي. والمحذوف التاء الثانية، لأن الباقي في الكلمة من تشديد العين يدل على المعنى، ولو حذفت الأولى لبطل معنى الاستقبال".
قوله: (و (ما) مزيدة لتوكيد القلة) فيؤذن بالعدم، كقوله:
стр. 2735
[(وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَاسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ)].
(فَجاءَها): فجاء أهلها (بَياتاً) مصدرٌ واقعٌ موقع الحال، بمعنى بائتين. يقال: بات بياتاً حسناً، وبيتةً حسنة، وقوله: (هُمْ قائِلُونَ) حالٌ معطوفةٌ على (بياتا)، كأنه قيل: فجاءهم بأسنا بائتين أو قائلين.
فإن قلت: هل يقدر حذف المضاف الذي هو "الأهل" قبل (قَرْيَةٍ) أو قبل الضمير في (أَهْلَكْناها)؟ قلت: إنما يقدّر المضاف للحاجة ولا حاجة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قليل التشكي …
البيت.
وقال القاضي: "أو: زماناً قليلاً تذكرون. وإن جعلت (ما) مصدريةً لم ينتصب (قليلاً) بـ (تذكرون) "
وقال أبو البقاء: "لا يجوز أن تكون (ما) مصدرية، لأن (قليلاً) لا يبقى له ناصب".
стр. 2736
فإنّ القرية تهلك كما يهلك أهلها، وإنما قدّرناه قبل الضمير في (فَجاءَها) لقوله: (أَوْ هُمْ قائِلُونَ).
فإن قلت: لا يقال: جاءني زيدٌ هو فارسٌ، بغير واو، فما بال قوله (هُمْ قائِلُونَ)؟ قلت: قدّر بعض النحويين الواو محذوفة، ورده الزجاج وقال: لو قلت: جاءني زيدٌ راجلاً، أو هو فارس. أو جاءني زيدٌ هو فارسٌ، لم يحتج فيه إلى "واو"، لأن الذكر قد عاد على الأول. والصحيح أنها إذا عطفت على حال قبلها حذفت الواو استثقالاً، .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فإن القرية تهلك كما يهلك أهلها). يعني: أن الهلاك كما يطلق على الحيوان حقيقة، كذا يطلق على الجماد.
الجوهري: "هلك الشيء يهلك هلاكاً وهلوكاً ومهلكاً وتهلكةً"، قال الله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ) [القصص: ٨٨].
قوله: (وإنما قدرناه قبل الضمير في (فجآءها)) يعني: إنما يقدر المضاف ضرورة طلب الراجع، ولولاه لكان لنا مندوحة عن التقدير، لصحة إطلاق الهلاك على القرية نفسها.
قال صاحب "الفرائد": "إرادة الحقيقة مانعة من إرادة المجاز، وهو "الأهل" هاهنا. فإن كان المراد من ذكر القرية هنا الأهل بدليل قوله: (أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) امتنع أن يكون مفهوم القرية مراداً، وأن يكون داخلاً في الإرادة".
والجواب: إرادة الحقيقة والمجاز إنما تلزم إذا أريد بالقرية أهلها ونفسها معاً، وليس بذاك، فإنا نقدر المضاف في الثاني لا في الأول. فعلى هذا توجه الإهلاك إلى الأهل أصالةً، ليستلزم إهلاك القرية على الكناية. فكأنه قيل: وكم من قريةٍ أردنا إهلاكها، فأهلكنا أهلها
стр. 2737
لاجتماع حرفي عطف، لأنّ واو الحال هي واو العطف استعيرت للوصل، فقولك: جاءني زيدٌ راجلاً أو هو فارس، كلامٌ فصيحٌ واردٌ على حدّه، وأمّا جاءني زيدٌ هو فارسٌ، فخبيث.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لتبقى معطلةً خاوية على عروشها، لتكون عبرةً لمن بعدها. فالضمير في (أهلكنها) وفي (فجآءها) راجع إلى "القرية"، وفي "أولهم" راجع إلى الأهل المقدر في (فجآءها).
قال ابن الحاجب: "وفي الضمائر على "القرية" وجهان؛ أحدهما: أنك أقمته مقام المحذوف، فصارت المعاملة معه"، يعني: أن الضمائر الثلاثة راجعة إلى "القرية" تارة باعتبار لفظها، وأخرى باعتبار المحذوف. "وثانيهما: أن يقدر في الثاني حذف المضاف، كما قدر في الأول"، أي: وكم من قريةٍ أهلكنا أهلها، فجاء أهلها (بَاسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ).
قوله: (وأما: "جاءني زيد هو فارس" فخبيث)، قال صاحب "الفرائد": فيه نظر، لأنه يشكل بقوله: (اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) [البقرة: ٣٦]، والجملة حال بدون الواو. وإنما صح ذلك لمكان العائد، وقد حصل به الارتباط المطلوب بالواو.
فعلى هذا لا وجه لما ذكر أن الحال المعطوفة على الحال صحت بدون الواو لاستثقال حرفي العطف، وأن الحال التي لم يعطف عليها لم تصح بدون الواو، فلم يمتنع صحة قولنا: "جاءني زيد هو فارس" - لتحقيق العائد". والجواب أن المصنف قابل قوله: "خبيث" بقوله: "فصيح"، فلا يلزم منه الامتناع، بل عدم الفصاحة.
стр. 2738
فإن قلت: فما معنى قوله: (أَهْلَكْناها فَجاءَها بَاسُنا بيتاً)، والإهلاك إنما هو بعد مجيء البأس؟ قلت: معناه أردنا إهلاكها، كقوله: (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) [المائدة: ٦]،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال صاحب "المفتاح": "الأصل في غير الحال المؤكدة أن يكون وصفاً غير ثابت من الصفات الجارية، وكالجملة الفعلية. وأما الاسمية فالوجه الواو، لأنها دالة على الثبوت، إلا صوراً معدودة".
وأما قوله: تعالى: (اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) فعلى تأويل متعاديين يعديهما إبليس ويعاديانه، كما قال ابن الحاجب: (معنى قولهم: كلمته فوه إلى في: كلمته مشافهاً. والوجه أنه لما كثر استعماله حتى علم منه معنى المشافهة، من غير نظرٍ إلى التفصيل؛ حتى يفهم ذلك من لا يخطر بباله فاه المتكلم، ولا فاه [غير] المتكلم، ولا مدلول الحال، فصار كالمفردات".
فعلم أن التأويل إنما يصح في جملة يمكن أن ينتزع من طرفي الجملة هيئة تدل على معنى مفرد، ولا كذلك: جاءني زيد هو فارس. فعلى هذا معنى قوله: "حذفت الواو استثقالاً" أن الواو المحذوفة مرادة، لأن الذكر وحده غير رابط، ولولا الاستثقال لم يجز حذفها.
الانتصاف: "الاكتفاء بالضمير في الجملة الاسمية الواقعة حالاً ضعيف، والأفصح دخول الواو، كما اختاره الزمخشري، ولكن في قوله: "إن واو الحال واو عطف" نظر، فإنها امتازت بدخولها على جملة اسميةٍ بعد جملة فعلية. تقول: جاءني زيد وهو راكب. ويقبح ذلك
стр. 2739
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في العاطفة، فلامتيازها يصح اجتماعها معها، وإن كان معنى العطف فيها. ولهذا لم يقبح دخولها كما يقبح الجمع بين حرفي عطف، فنقول: سبح الله وأنت راكع، أو: وأنت ساجد. والتحقيق أن المصحح لوقوع الجملة المعطوفة على الحال حالاً [من غير واو] هو العطف المقتضي للمشاركة، واستغني به عن واو الحال، كما تعطف على المقسم به، فتدخله في حكم القسم من غير حرف قسم في مثل: (وَالضُّحَى * واللَّيْلِ) [الضحى: ١ - ٢]، ولو قلت في غير التلاوة: "وبالليل" لصح. والحاصل أنه لو جاءت واو الحال مع العاطف لم يكن مستكرهاً، بل مؤكداً، وإن لم تأت بها كان فصيحاً مختصراً".
قال في "الإنصاف": "تنظيره بالقسم فاسد، لأن حرف القسم لا يشارك حرف العطف في معناه، بخلاف واو الحال. والعلة التي علل بها مفقودة في القسم".
وقلت: الجواب عن "الانتصاف" أن قول المصنف: "واو الحال هي واو العطف استعيرت للوصول" صريح في أن واو الحال غير العاطفة الصرفة. وكذا قوله: "استثقالاً" ليس غير ما قال: "وإن لم تأت بها لكان فصيحاً مختصراً".
وتحقيق ذلك ما قال صاحب "المفتاح": "وحق النوعين - أي: الحال بالإطلاق والحال المؤكدة - ألا يدخلهما الواو، نظراً إلى إعرابهما الذي ليس بتبع، لأن هذه الواو، وإن كنا
стр. 2740
وإنما خُصّ هذان الوقتان - وقت البيات ووقت القيلولة- لأنهما وقت الغفلة والدعة. فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع، وقوم لوطٍ أهلكوا بالليل وقت السحر، وقوم شُعيب وقت القليلوة.
[(فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَاسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ)].
(فَما كانَ دَعْواهُمْ): ما كانوا يدعونه من دينهم وينتحلونه من مذهبهم، إلا اعترافهم ببطلانه وفساده، وقولهم: (إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) فيما كنا عليه. ويجوز: فما كان استغاثتهم إلا قولهم هذا، لأنه لا مستغاث من الله بغيره، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نسميها واو الحال - أصلها العطف"، وقال أيضاً: "إن الأصل في الجملة إذا وقعت موقع الحال ألا يدخلها الواو، ولكن النظر إليها من حيث كونها جملة مفيدة مستقلة بفائدة، غير متحدة بالأولى، وغير منقطعةٍ عنها كجهات جامعةٍ بينهما، يبسط العذر في أن يدخلها واو للجمع بينها وبين الأولي. مثله في نحو: قام زيد وقعد [عمرو] ".
قوله: (والدعة)، الجوهري: "الدعة: الخفض، والهاء: عوض من الواو. تقول: ودع الرجل - بالضم - فهو وديع، أي: ساكن، ووادع أيضاً. مثل: حمض فهو حامض".
وإنما خولف بين العبارتين، وبنيت الحال الثانية على تقوي الحكم، والدلالة على قوة أمرهم فيما أسند إليهم، لأن القيلولة أظهر في إرادة الدعة، وخفض العيش، فإنها من دأب المترفين والمتنعمين، دون من اعتاد الكدح والتعب. وفيه إشارة إلى أنهم كانوا أرباب أشر وبطر.
قوله: ((فما كان دعواهم): ما كانوا يدعونه من دينهم). اعلم أن (دعواهم) إما من الدعوى، أو من الدعاء. وعلى الأول: قوله: (إنا كنا ظالمين): كناية عن اعترافهم ببطلان
стр. 2741
من قولهم: دعواهم: يا لكعبٍ. ويجوز: فما كان دعواهم ربهم إلا اعترافهم؛ لعلمهم أن الدعاء لا ينفعهم، وأن لات حين دعاء، فلا يزيدون على ذمّ أنفسهم وتحسرهم على ما كان منهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما كانوا يدعونه، أي: وضعنا الشيء في غير موضعه، وعلى الثاني: الدعاء، إما محمول على الاستغاثة، أي: فما كان استغاثتهم إلا عن أنفسهم، والإقرار بالعجز، فيكون قوله: (إنا كنا ظالمين) كناية عن أنهم رجعوا مما كانوا يستغيثون إليه قبل ذلك، لأنهم علموا حينئذٍ أن لا مستغاث من الله بغيره. وإما هو مجرى على ظاهره. فقوله: (إنا كنا ظالمين) أيضاً كناية عن اعترافهم، لكن بالظلم على أنفسهم، بسبب المعاصي، من قوله: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا) [الأعراف: ٢٣]، وقوله: (فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا) [غافر: ١١]. وإليه الإشارة بقوله: "فلا يزيدون على ذم أنفسهم، وتحسرهم على ما كان منهم".
قوله: (دعواهم: يا لكعبٍ). قل: إنما أدخلوا اللام على المستغاث، لأن النداء حينئذٍ اضطراري، نحو: يا لكعب، فلابد من نصب علامةٍ ليتميز من النداء الاختياري، نحو: يا غلام، وعينت اللام للاختصاص، والموضع موضعه.
قوله: (وأن لات حين دعاء)، قال صاحب "المقتبس": "إن التاء إنما أردفت بـ"لا" المشبهة بـ"ليس" لتصير بها مشبهاً بـ"ليس" صورةً، كما لها شبه معنى، فيحسن فيها إضمار اسمها، لأن إضمار الاسم لا يكون في الحروف. والإضمار في "لات" كما في "ليس" ذكره سيبويه. وإنما اختصت بالأحيان لما في دخولها على غيرها من إلباس، لأن "لا" ليست لنفي الحال صريحاً، فتختص بالدخول على الأحيان، بخلاف "ليس" فهي أينما وقعت: لنفي الحال، فلا تختص بالأحيان".
стр. 2742
و (دَعْواهُمْ) نصبٌ؛ خبرٌ لـ (كان)، و (أَنْ قالُوا) رفعٌ اسمٌ له، ويجوز العكس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز العكس). أي: يكون (دعواهم) الاسم، و (أن قالوا) الخبر. وفيه إشعار بأن الوجه هو الأول.
قال أبو البقاء: "جعل (أن) مع ما بعدها اسماً أولى، لأنه يشبه المضمر في أن لا يوصف". ولا يعلم الفرق بين الوجهين من أداة الحصر، لأنك سواء جعلت (دعواهم) اسماً أو خبراً لـ (كان) أفاد معنى الدعوى، على هذا القول، لأن التقدير: فما كان دعواهم قولاً من الأقوال إلا هذا القول المخصوص، أو: ما كان دعواهم قولاً من الأقوال إلا هذا، لأنه من قصر المطلق على المقيد. مثاله: "ما كان كلامهم إلا أن قالوا: كيت وكيت".
وإياك أن تأتي بمثال على غير هذا المنوال، فتزل عن الصواب.
نعم، التفاوت فيه من كون الاسم والخبر معرفتين، وفيهما التقديم والتأخير. أما الأول: فإنك إذا قلت: كان زيد أخاك، أو: كان زيداً أخوك، وجدت الفرق، فإن الأول يقال لمن عرف زيداً، لكنه متردد: هل هو أخوه أم لا، والثاني لمن عرف أخاً له، لكنه شاك في أنه زيد أم غيره. فإذا أتيت بالنفي والإثبات، أشرت إلى أن ذلك التردد ارتقى إلى الإنكار، فأنت تقصد ردة إلى الصواب بما أمكن لكون "ما" و"لا" إنما يتلقى بهما من يصر على الإنكار.
стр. 2743
[(فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ* فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ)].
(فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ): (أُرْسِلَ) مسندٌ إلى الجار والمجرور، وهو (إِلَيْهِمْ) ومعناه: فلنسألنّ المرسل إليهم وهم الأمم، يسألهم عما أجابوا عنه رسلهم، كما قال: (وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) [القصص: ٦٥] ويسأل المرسلين عما أجيبوا به، كما قال: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ) [المائدة: ١٠٩].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كذا هاهنا إذا جعلت "الدعوى" اسماً، وقع التردد في القول، أي: الدعوى هي القول ليست غيره، فيتفق معنى هذا مع معنى القصر، فكان توكيداً مثله. وإذا عكست وقع التردد في "الدعوى"، أي: القول هو هذه الدعوى ليس غيرها. وفيه إشكال.
وأما اعتبار التقديم، فإنك إذا جعلت "الدعوى" خبراً، فقد أزلتها عن مقرها، فكان الاهتمام بشأنها، والمقام يقتضيه، لأن المقصود من الإيراد إظهار عجزهم، وإبداء تضرعهم واستغاثتهم. وأما تخصيص القول فتابع، والله أعلم.
قوله: (كما قال: (ويَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ)): دليل على أن قوله: (فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ) واقع في الحشر، كما يدل عليه في هذا المقام قوله: (والْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ) الآية [الأعراف: ٨]، قوله: (فما كان دعواهم): وارد في الدنيا، لأنه متعقب لقوله: (وكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا) الآية: فالفاء في (فَلَنَسْئَلَنَّ) فصيحة، كأنه قيل: فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا في الدنيا إلا أن قالوا: إنا كنا ظالمين، فقطعنا دابرهم، ثم لنحشرنهم فلنسألنهم، فجيء بالجملة القسمية، ووضع (الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ) موضع الضمير، لمزيد التقرير.
стр. 2744
(فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ): على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم (بِعِلْمٍ): عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة وأقوالهم وأفعالهم (وَما كُنَّا غائِبِينَ) عنهم وعما وجد منهم.
فإن قلت: فإذا كان عالماً بذلك وكان يقصه عليهم، فما معنى سؤالهم؟ قلت: معناه التوبيخ والتقريع والتقرير إذا فاهوا به بألسنتهم وشهد عليهم أنبياؤهم.
[(وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ)].
(وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ) يعني وزن الأعمال والتمييز بين راجحها وخفيفها، ورفعه على الابتداء، وخبره: (يَوْمَئِذٍ)، و (الْحَقُّ) صفته، أي: والوزن يوم يسأل الله الأمم ورسلهم الوزن الحق، أي: العدل. وقرئ: "القسط".
واختلف في كيفية الوزن فقيل: توزن صحف الأعمال بميزانٍ له لسانٌ وكفتان، تنظر إليه الخلائق، تأكيداً للحجة، وإظهاراً للنصفة، وقطعاً للمعارة، كما يسألهم عن أعمالهم فيعترفون بها بألسنتهم، وتشهد بها عليهم أيديهم وأرجلهم وجلودهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكذا الفاء في (فلنقصن)، وذلك أنه لما سأل المرسلين عما أجيبوا به، والمرسل إليهم عما أجابوا به رسلهم، وكل منهم أجابوا بما له وعليه إجمالاً، فيقص الله تعالى تفصيل ما أقروا به مجملاً بالنقير والقطمير لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وإليه أشار بقوله: (بعلم)، ثم تتميمه بقوله: (ومَا كُنَّا غَائِبِينَ)، فيكون أدخل في التقريع والتوبيخ.
قوله: (إذا فاهوا): متعلق بقوله: "والتقرير". يعني: تكلموا بألسنتهم، فكان تقريراً لاستحقاق الوعيد.
стр. 2745
وتشهد عليهم الأنبياء والملائكة والأشهاد، وكما تثبت في صحائفهم فيقرءونها في موقف الحساب. وقيل: هي عبارةٌ عن القضاء السويّ والحكم العادل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: هي عبارة عن القضاء السوي والحكم العادل). قال الإمام: "هذا قول مجاهد، والضحاك، والأعمش. وهو كناية عن العدل، كما يقال في رجل لا قدر له: فلان لا يقيم لفلان وزناً".
وقلت: الأول هو الصحيح، وعليه الاعتقاد، وهو قول ابن عباس. قال: "يؤتى بالأعمال الحسنة على صورة حسنة، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة، فتوضع في الميزان". ذكره محيي السنة.
والأحاديث الصحيحة متعاضدة له، منها: ما روى أبو داود، عن عائشة ﵂ قالت: ذكرت النار فبكيت، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "ما يبكيك؟ " قالت: ذكرت النار فبكيت. فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل" الحديث.
روى صاحب "جامع الأصول"، عن رزين العبدري، عن عائشة ﵂ أن أبا بكرٍ ﵁ حين حضرته الوفاة، دعا عمر ﵁ فقال: "إني مستخلفك على
стр. 2746
٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أصحاب رسول الله ﷺ . يا عمر، إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الحق، وثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه غلا الحق أن يكون ثقيلاً. يا عمر، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الباطل، وخفته عليهم، وحق لميزانٍ لا يوضع فيه سوى الباطل أن يكون خفيفاً".
وقال الزجاج: "الأولي أن يتبع ما جاء في الإسناد الصحيح، أنه ميزان له كفتان، من حيث ينقل عن أهل الثقة".
وقال القاضي: "والجمهور على أن صحائف الأعمال توزن بميزانٍ له لسان وكفتان، ينظر إليه الخلائق إظهاراً للمعدلة، وقطعاً للمعذرة".
ويؤيده ما روي أن "الرجل يؤتى به إلى الميزان، فينشر عليه تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل مثل مد البصر، فيخرج له بطاقة فيها كلمتا الشهادة، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة".
وقلت: الحديث أخرجه الترمذي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، مع تغيير يسير.
البطاقة: رقيعة صغيرة، وهي ما يجعل في طي الثوب يكتب فيها ثمنه.
стр. 2747
(فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ) جمع "ميزانٍ" أو "موزون"، أي: فمن رجحت أعماله الموزونة التي لها وزنٌ وقدر، وهي الحسنات. أو ما توزن به حسناتهم. وعن الحسن: "وحقّ لميزانٍ توضع فيه الحسنات أن يثقل، وحق لميزانٍ توضع فيه السيئات أن يخف".
(بِآياتِنا يَظْلِمُونَ): يُكذبون بها ظلماً، كقوله: (فَظَلَمُوا بِها) [الإسراء: ٥٩].
[(وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ)].
(مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ): جعلنا لكم فيها مكاناً وقراراً، أو ملكناكم فيها وأقدرناكم على التصرف فيها، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو ما توزن به حسناتهم) عطف على قوله: "أعماله الموزونة". هذا على أن يراد بقوله: (موازينه) جمع: ميزان.
فقوله: "فمن رجحت … " إلى آخره نشر لقوله: "جمع ميزان أو موزون" من غير ترتيب، بناءً على تفسير الميزان، على الخلاف.
قال القاضي: " (فمن ثقلت موازينه) أي: حسناته، أو ما يوزن به حسناته فهو جمع "موزون" أو "ميزان"، وجمعه باعتبار اختلاف الموزونات، وتعدد الوزن".
قوله: (يكذبون بها ظلما). يريد أن قوله: (يظلمون) ضمن معنى التكذيب، فعدي بالباء.
قوله: (أو ملكناكم فيها): يعني: (مكناكم في الأرض)، إما: مجرى على ظاهره، أي: "جعلنا لكم فيها مكاناً وقراراً"، أو: هو كناية عن: "أقدرناكم على التصرف فيها".
стр. 2748
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قلت: قد ذكر في "الأنعام" عند قوله: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ) [الأنعام: ٦]، أن كلتا العبارتين كناية، وخالف هاهنا. قلت: الخطاب في "الأنعام" مع أهل مكة، كما صرح به، وتضمين الكلام معنى الاعتبار بالأمم السالفة، فالمناسب سلوك طريق الكناية، ليكون أبلغ. يعني: أن أهل مكة لم يكونوا متمكنين في الأرض تمكنهم من البسطة في الأجسام، والسعة في الأموال، والاستظهار بالدنيا، وهاهنا الخطاب عام، والكلام متضمن للامتنان، لدلالة قوله: (ولَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ) [الأعراف: ١١]، فالمناسب الإجراء على الظاهر، لأن جميع بني آدم لم يكونوا متصرفين في الأرض، مملكين، وكذلك عطف قوله: (وجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ) عليه، وأخر المصنف الكناية عن التصريح.
واعلم أن هذا نوع آخر من أنواع الإنذار. فإن قوله: (ولَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ) جملة قسمية معطوفة على جملة قوله: (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ) [الأعراف: ٣] على تقدير: قل اتبعوا، وقل: والله لقد مكناكم، ولهذا ذيله بقوله: (قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ)، كما ذيل ذلك بقوله: (قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ)، فإن الشكر مناسب لتمكنهم في البلاد، والتصرف فيها، كما أن التذكر موافق للتمييز بين إتباع دين الحق ودين الباطل.
стр. 2749
(وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ) جمع معيشة، وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرها. وما يتوصل به إلى ذلك. والوجه تصريح الياء، وعن ابن عامرٍ: أنه همز، على التشبيه بـ"صحائف".
[(وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ)].
(وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ) يعني خلقنا أباكم آدم طيناً غير مصوّر، ثم صورناه بعد ذلك، ألا ترى إلى قوله: (ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) الآية؟
(مِنَ السَّاجِدِينَ): ممن سجد لآدم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والوجه تصريح الياء، وعن ابن عامرٍ أنه همز؛ تشبيهاً بالصحائف).
قال الزجاج: "قرأ نافع بالهمز، وأجمع البصريون على أن الهمز لا يكون إلا إذا كانت الياء زائدة، نحو: صحيفة وصحائف، لأنها من "الصحف"، وأما "معايش" فمن "العيش"، فالياء أصلية، وإنما همزت الزائدة، لأنها لا حظ لها في الحركة، وقد قربت من آخر الكلمة، ولزمتها الحركة، فأوجبوا الهمز. وحكوا في "مصائب" الهمز في جمع "مصيبة"، وأجمعوا على أن الاختيار "مصاوب" ولا أعرف وجه "معائش" إلا أن هذه الياء أسكنت في "معيشة"، فصارت على لفظ "صحيفة". فحمل الجمع على ذلك".
قوله: (ألا ترى إلى قوله: (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ)؟ ). يعني: لا يجوز أن يحمل قوله: (خلقناكم) على "خلقناكم يا بني آدم" بل على خلقنا أباكم، لأن التعقيب بقوله: (ثم قلنا" يأباه.
стр. 2750
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الزجاج: "زعم الأخفش أن (ثم) هاهنا بمعنى الواو، يعني في قوله: (ثم قلنا)، لأنه يستدعي أن يعقب القول خلق المخاطبين بعد زمانٍ متراخٍ، وليس كذلك، والواو ليست للترتيب، فـ (ثم) بمعنى الواو". ثم قال الزجاج: "وهذا خطأ كبير لا يجيزه الخليل وسيبويه، ولا من يوثق بعلمه. وإنما المعنى إنا بدأنا خلق آدم من تراب، ثم صورناه. أي: هذا أصل خلقكم، ثم بعد الفراغ من أصلكم أمرت الملائكة بالسجود".
ولخصه القاضي حيث قال: "ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن خلقنا آدم ثم صورناه، ثم قلنا للملائكة: اسجدوا، وقيل: (ثم قلنا) لتأخير الإخبار".
وقال السجاوندي: "المراد بهما آدم. يقال: ضربناكم وهزمناكم. كقوله تعالى: (وإذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ورَفَعْنَا فَوْْقَكُمُ الطُّورَ) [البقرة: ٦٣]. وفائدته الامتنان على المخاطبين".
وقلت: يمكن أن تحمل (ثم) على التراخي في الرتبة، لأن مقام الامتنان يقتضي أن يقال: إن كون أبيهم مسجوداً للملائكة، أرفع درجة من خلقهم وتصويرهم. وفيه تلويح إلى شرف العلم، وتنبيه للمخاطبين على تحصيل ما فاز به أبوهم من تلك الفضيلة، ومن ثم عقب في "البقرة" الأمر بالسجود مسألة التحدي بالعلم.
стр. 2751
[(قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)].
(أَلَّا تَسْجُدَ) «لا» في "أَلَّا تَسْجُدَ" صلةٌ، بدليل قوله: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) [ص: ٧٥]. ومثلها: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ) [الحديد: ٢٩] بمعنى ليعلم.
فإن قلت: ما فائدة زيادتها؟ قلت: توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه كأنه قيل: ليتحقق علم أهل الكتاب، وما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك، (إِذْ أَمَرْتُكَ) لان أمري لك بالسجود أوجبه عليك إيجاباً، وأحتمه عليك حتما لا بدّ لك منه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (توكيد معنى الفعل): قال صاحب "المفتاح": "وللتعليق بين الصارف عن فعل الشيء وبين الداعي إلى تركه يحتمل عندي أن يكون (منعك) في قوله علت كلمته: (ما منعك ألا تسجد) مراداً به: ما دعاك إلى أن لا تسجد، وأن تكون "لا" غير صلة قرينة للمجاز". وقال الراغب: "المنع يقال في ضد العطية، وقد منع، وفلان ذو منعة، أي: عزيز ممتنع على من يرومه، وقوله: (مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ) ما حملك، وقيل: ما الذي حملك على ترك ذلك".
قوله: ((إذ أمرتك)، لأن أمري لك بالسجود أوجبه عليك إيجاباً). قال القاضي: "هذا دليل على أن مطلق الأمر للوجوب والفور".
стр. 2752
فإن قلت: لم سأله عن المانع من السجود، وقد علم ما منعه؟ قلت: للتوبيخ، ولإظهار معاندته وكفره وكبره وافتخاره بأصله وازدرائه بأصل آدم، وأنه خالف أمر ربه معتقداً أنه غير واجب عليه، لما رأى أنّ سجود الفاضل للمفضول خارجٌ من الصواب.
فإن قلت: كيف يكون قوله: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) جواباً لـ (ما منعك)، وإنما الجواب أن يقول: منعني كذا؟ قلت: قد استأنف قصة أخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم، وبعلة فضله عليه، وهو أنّ أصله من نارٍ، وأصل آدم من طين، فعلم منه الجواب وزيادة عليه، وهي إنكار للأمر واستبعادٌ أن يكون مثله مأموراً بالسجود لمثله، كأنه يقول: من كان على هذه الصفة كان مستبعداً أن يؤمر بما أُمر به.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأنه خالف أمر ربه): عطف تفسيري على قوله: "معاندته وكفره". وقال الزجاج: "كل من خالف الله في أمره، ولم يره واجباً عليه، فهو كافر بالإجماع".
قوله: (كيف يكون [قوله: ] (أنا خير منه) جواباً؟ ): قال الزجاج: "موضع (ما) في قوله تعالى: (ما منعك) رفع. المعنى: أي شيءٍ منعك من السجود؟ والجواب: منعني كذا وكذا. لكن أتى بشيءٍ في معنى الجواب، ولفظه غير جواب، لأن قوله: (أنا خير منه) إنما هو جواب أيكما خير؟ المعنى: منعني من السجود فضلي عليه".
وقلت: فالجواب من الأسلوب الأحمق، كقول نمروذ: (أَنَا أُحْيِي وأُمِيتُ) [البقرة: ٢٥٨].
قال القاضي: "قد غلط إبليس فيما قال، لأنه رأي الفضل كله باعتبار العنصر، وغفل عما يكون باعتبار الفاعل، قال: (مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) [ص: ٧٥]، وباعتبار الصورة،
стр. 2753
[(قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ)].
(فَاهْبِطْ مِنْها): من السماء التي هي مكان المطيعين المتواضعين من الملائكة، إلى الأرض التي هي مقرّ العاصين المتكبرين من الثقلين (فَما يَكُونُ لَكَ): فما يصح لك (أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها) وتعصي، (فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ): من أهل الصغار والهوان على الله وعلى أوليائه لتكبرك، كما تقول للرجل: قم صاغراً؛ إذا أهنته. وفي ضدّه: قم راشداً، وذلك أنه لما أظهر الاستكبار ألبس الصغار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال: (ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [الحجر: ٢٩]، وباعتبار الغاية وهو ملاكه، (قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ) [البقرة: ٣٣]. وفي الآية دليل على أن الشياطين أجسام كائنة. وفيه أن إبليس بني كلامه على كون الحسن والقبح عقليين".
قوله: (إلى الأرض التي هي مقر العاصين المتكبرين). وفيه أن مكان المتكبر السفل وإن استعلى، ومكان المتواضع العلو وإن سفل، ومن ثم قال: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ) [الزمر: ٦٠].
وروينا عن الترمذي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكانٍ، يساقون إلى سجنٍ في جهنم يقال له: بولس" الحديث.
стр. 2754
وعن عمر ﵁: من تواضع لله رفع الله حكمته، وقال: انتعش أنعشك الله، ومن تكبر وعدا طوره وهصه الله إلى الأرض.
[(قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ* قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ)].
فإن قلت: لم أجيب إلى استنظاره، وإنما استنظر ليفسد عباده ويغويهم؟ قلت: لما في ذلك من ابتلاء العباد، وفي مخالفته من أعظم الثواب، وحكمه حكم ما خلق في الدنيا من صنوف الزخارف وأنواع الملاذ والملاهي، وما ركب في الأنفس من الشهوات؛ ليمتحن بها عباده.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..
قوله: (رفع الله حكمته). أي: قدره ومنزلته.
النهاية: "يقال: له عندنا حكمة، أي: قدر".
الأساس: "يقال: لا يقدر على الله من هو أعظم حكمةً منك".
الراغب: "الحكمة من الإنسان: أسفل وجهه. ورفع الحكمة: كناية عن الاعتزاز، لأن من صفة الذليل أن ينتكس، ويضرب بذقنه صدره. وقيل: الحكمة: القدر والمنزلة، من قولهم: لا يقدر على هذا من هو أعظم حكمةً منك".
قوله: (انتعش). أي: ارتفع. يقال: نعشه الله ينعشه: إذا رفعه. وانتعش العاثر: إذا نهض من عثرته. وهو اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه من قول عمر ﵁، أو هو عطف على "رفع الله"، أي: أراد الله رفعه. قال: "انتعش نعشك الله" أي: رفعك. ولا قول ثمة، كقوله تعالى: (كُن فَيَكُونُ) [البقرة: ١١٧].
قوله: (وهصه الله)، النهاية: "وهصه الله إلى الأرض، أي: رماه رمياً شديداً. والوهص أيضاً: شدة الوطء، وكسر الشيء الرخو".
стр. 2755
[(قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ* ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ)].
(فَبِما أَغْوَيْتَنِي): فبسبب إغوائك إياي: (لأقعدنّ لهم)، وهو تكليفه إياه ما وقع به في الغي، ولم يثبت كما ثبتت الملائكة، مع كونهم أفضل منه ومن آدم أنفسا ومناصب.
وعن الأصم: أمرتني بالسجود فحملني الأنف على معصيتك. والمعنى: فبسبب وقوعي في الغىّ لأجتهدن في إغوائهم حتى يفسدوا بسببي، كما فسدت بسببهم.
فإن قلت: بم تعلقت الباء، فإن تعلقها بـ (لأقعدنّ) يصدّ عنه لام القسم، لا تقول: والله بزيد لأمرّنّ؟ قلت: تعلقت بفعل القسم المحذوف، تقديره: فبما أغويتني أقسم بالله لأقعدنّ، أي: فبسبب إغوائك أقسم.
ويجوز أن تكون الباء للقسم، أي: فأقسم بإغوائك لأقعدنّ، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهو تكليفه إياه): بيان للسبب، و (ما وقع به في الغي): ثاني مفعولي التكليف. يعني: إغواء الله هو تكليفه إياه ما وقع به في الغي من أمره بالسجود. وفيه ميل إلى مذهبه.
قال الزجاج: "في (أغويتني) قولان، أحدهما: فبما أضللتني. وثانيهما: فبما دعوتني إلى شيء غويت به".
قوله: (فحملني الأنف)، النهاية: "الأنف: الحمية، من الغيرة والغضب".
قوله: (لا تقول: والله بزيدٍ لأمرن)، لأن معمول المقسم عليه لا يتقدم عليه.
стр. 2756
وإنما أقسم بالإغواء، لأنه كان تكليفاً، والتكليف من أحسن أفعال الله، لكونه تعريضاً لسعادة الأبد، فكان جديراً بأن يقسم به.
ومن تكاذيب المجبرة ما حكوه عن طاووس: "أنه كان في المسجد الحرام، فجاء رجلٌ من كبار الفقهاء يرمى بالقدر، فجلس إليه فقال له طاووس: تقوم أو تقام؟ فقام الرجل، فقيل له: أتقول هذا لرجلٍ فقيه؟ فقال: إبليس أفقه منه، قال: (رَبِّ بِما أَغْوَيْتَني) [الحجر: ٣٩]، وهذا يقول: أنا أغوى نفسي"، وما ظنك بقوم بلغ من تهالكهم على إضافة القبائح إلى الله سبحانه، أن لفقوا الأكاذيب على الرسول والصحابة والتابعين.
وقيل: (ما) للاستفهام، كأنه قيل: بأي: شيءٍ أغويتني، ثم ابتدئ: (لأقعدنّ)، وإثبات الألف إذا أدخل حرف الجر على «ما» الاستفهامية: قليلٌ شاذ.
وأصل الغيّ: الفساد. ومنه: غوى الفصيل؛ إذا بشم، والبشم: فسادٌ في المعدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وإنما أقسم بالإغواء؛ لأنه كان تكليفاً) خلاصته: أنه إقسام بفعل الله. وللفقهاء فيه خلاف ذكرناه في سورة "الحجر".
قوله: (يرمي بالقدر)، أي: بالاعتزال. وقوله هذا حكاية عن لسان أهل السنة، لأنه لا يسمى أصحابه قدرية، فكيف وقد سمى أهل السنة بالقدرية في "حم" السجدة؟ ويعيد هذا في قوله: (وإذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) [الأعراف: ٢٨].
قوله: (وأصل الغي: الفساد)، الراغب: "الغي: جهل من اعتقادٍ فاسد، وذلك أن الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقدٍ اعتقاداً لا صالحاً ولا فاسداً، وقد يكون من اعتقاد شيءٍ فاسد. وهذا الثاني يقال له: الغي. قال تعالى: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ ومَا غَوَى) [النجم: ٢]. وقال تعالى: (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًا) [مريم: ٥٩] أي: أثر الغي. وقوله: (وعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) [طه: ١٢١] أي: خاب. قال:
стр. 2757
(لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ): لأعترضن لهم على طريق الإسلام، كما يعترض العدوّ على الطريق ليقطعه على السابلة وانتصابه على الظرف، كقوله:
كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
وقيل: فسد عيشه. من: غوى الفصيل".
قوله: (وانتصابه على الظرف): وقيل: فيه إشكال، لأن حكم مؤقت المكان كحكم غير الظروف، فلا يحذف "في" والبيت شاذ. وعذره ما قاله الزجاج: "لأقعدن لهم على صراطك المستقيم. ولا اختلاف بين النحويين في أن "على" محذوفه. ومثله قوله: ضرب زيد الظهر والبطن، أي: على الظهر والبطن".
قوله: (كما عسل الطريق الثعلب)
أوله:
لدن بهز الكف يعسل متنه … فيه كما عسل
стр. 2758
وشبهه الزجاج بقولهم: ضرب زيد الظهر والبطن، أي: على الظهر والبطن.
وعن رسول الله ﷺ : «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقة؛ قعد له بطريق الإسلام فقال له:
تدع دين آبائك، فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال له: تدع ديارك وتتغرب، فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له: تقاتل فتقتل فيقسم مالك وتنكح امرأتك، فعصاه فقاتل».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يصف الرمح.
لدن، أي: لين. عسل الذئب، يعسل عسلاً وعسلاناً، أي: أسرع. وعسل الرمح: اهتز واضطرب. والضمير في "فيه" للهز أو الكف.
قوله: (إن الشيطان قعد لابن آدم باطرقه). الحديث: أخرجه النسائي عن سبرة بن معبد، مع زيادة ونقصان.
النهاية: "الطريق يذكر ويؤنث، فجمعه على التذكير: أطرقة، كرغيفٍ وأرغفة، وعلى التأنيث: أطرق، كيمين وأيمن".
стр. 2759
(ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ) من الجهات الأربع التي يأتي منها العدوّ في الغالب. وهذا مثلٌ لوسوسته إليهم وتسويله ما أمكنه وقدر عليه، كقوله: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) [الإسراء: ٦٤].
فإن قلت: كيف قيل: (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ) بحرف الابتداء، (وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ) بحرف المجاوزة؟ قلت: المفعول فيه عدّي إليه الفعل نحو تعديته إلى المفعول به، فكما اختلفت حروف التعدية في ذاك اختلفت في هذا، وكانت لغة تؤخذ ولا تقاس، وإنما يفتش عن صحة موقعها فقط، فلما سمعناهم يقولون: جلس عن يمينه وعلى يمينه، وعن شماله وعلى شماله، قلنا: معنى «على يمينه» أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مثل لوسوسته إليهم)، أي: استعمال، أي: استعمال هذه الألفاظ على التمثيل والتخييل، وهو أن يؤخذ الزبدة والخلاصة من المجموع، وهي تسويله ما أمكنه، وقدر عليه، من غير تصور الجهات.
قال القاضي: "من أي وجه يمكنه، كإتيان العدو من الجهات الأربع، ولذلك لم يقل: من فوقهم ومن تحت أرجلهم".
قوله: (وتسويله)، النهاية: "التسويل: تحسين الشيء وتزيينه إلى الإنسان ليفعله أو يقوله".
قوله: ((واستزز)). استفزه الخوف: استخفه، وأفززته، أي: أزعجته.
قوله: (وكانت لغةً تؤخذ)، "لغة": خبر "كان"، و"تؤخذ": صفته.
стр. 2760
ومعنى «عن يمينه»: أنه جلس متجافياً عن صاحب اليمين منحرفاً عنه غير ملاصقٍ له، ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره، كما ذكرنا في «تعال».
ونحوه من المفعول به قولهم: "رميت عن القوس"، و"على القوس"، و"من القول"؛ لأنّ السهم يبعد عنها، ويستعليها إذا وضع على كبدها للرمي، ويبتدئ الرمي منها. كذلك قالوا: "جلس بين يديه وخلفه" بمعنى: في؛ لأنهما ظرفان للفعل، و"من بين يديه ومن خلفه"، لأن الفعل يقع في بعض الجهتين، كما تقول: جئته من الليل، تريد بعض الليل.
وعن شقيق: "ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربع مراصد: من بين يديّ، ومن خلفي، وعن يمينى، وعن شمالي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقيل: "لغة": تمييز، و"تؤخذ" خبر "كان"، واسمه ضمير "الحروف".
وزبدة الجواب: أن اختصاص كل من المفعول فيه والمفعول به بما اختص به من الحرف، إنما كان بوضع الواضع، فلا يسأل عن علة ذلك، وإنما يسأل عن حسن موقع كل واحدٍ عند الاستعمال. كأن الجواب من الأسلوب الحكيم.
قوله: (كما ذكرنا في "تعال") أي: "تعال" من الخاص الذي صار عاماً. وقد مر في قوله: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ) [الأنعام: ١٥١].
قوله: (على كبدها)، الجوهري: "كبد القوس: مقبضها. يقال: ضع السهم على كبد القوس، وهي: ما بين طرفي مقبضها ومجرى السهم منها".
стр. 2761
أمّا من بين يدي فيقول: لا تخف، فإن الله غفور رحيم، فأقرأ: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً) [طه: ٨٢]، وأمّا من خلفي، فيخوّفني الضيعة على مخلفي فأقرأ: (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها) [هود: ٦]، وأمّا من قبل يميني، فيأتيني من قبل الثناء، فأقرأ: (وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: ١٢٨]، وأمّا من قبل شمالي، فيأتيني من قبل الشهوات، فأقرأ: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ) [سبأ: ٥٤] ".
(وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ) قاله تظنيناً، بدليل قوله: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) [سبأ: ٢٠]، وقيل: سمعه من الملائكة بإخبار الله تعالى لهم.
[(قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أما من بين يدي). تقديره: أما إذا جلس بين يدي فيقول.
قوله: (فأقرأ: (وإنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ)): أي: أدفع هذه الوسوسة بهذه الآية، لأنها تدل على أن الغفران منوط بالتوبة والإيمان والعمل الصالح، فمن ليس له هذا المجموع كيف يأمن؟ !
قوله: (على مخلفي) بفتح اللام وتشديدها، وتشديد الياء، على الجمع المضاف. مخلف الرجل: من يخلف بعده، كالأولاد.
النهاية: "الخلف - بالتحريك والسكون -: من يجيء من بعد من مضى، إلا أنه بالتحريك في الخير، وبالتسكين في الشر. يقال: خلف صدق، وخلف سوء".
قوله: (قاله تظنيناً، بدليل قوله: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ))، قال القاضي: "لما رأى فيهم مبدأ الشر متعدداً، ومبدأ الخير واحداً، قاله".
стр. 2762
(مَذْؤُماً) من: ذأمه: إذا ذمّه. وقرأ الزهري: "مذوماً" بالتخفيف، مثل مسولٍ في مسؤول. واللام في (لَمَنْ تَبِعَكَ) موطئة للقسم، (ولَأَمْلَأَنَّ) جوابه، وهو سادّ مسدّ جواب الشرط، (مِنْكُمْ): منك ومنهم، نغلب ضمير المخاطب، كما في قوله: (إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) [الأعراف: ١٣٨].
وروى عصمة عن عاصم: "لمن تبعك" بكسر اللام، بمعنى: لمن تبعك منهم هذا الوعيد، وهو قوله: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ)، على أن (لَأَمْلَأَنَّ) في محل الابتداء، و"لَمَنْ تَبِعَكَ" خبره.
[(وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ* فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ* وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ* فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ)].
(وَيا آدَمُ) وقلنا: يا آدم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (منك ومنهم): تفسير لقوله: (لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ).
قوله: (كما في قوله: (إنكم قوم تجهلون)) الأصل: "يجهلون" بالياء التحتاني، على الغيبة، لأنه صفة "قوم"، فغلب المخاطبين.
قوله: ((ويا آدم): وقلنا: يا آدم)، إنما قدر: "قلنا"، ليؤذن بأن هذه القصة بتمامها معطوفة على مثلها، وهي قوله: (قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا) [الأعراف: ١١] لا على (قال)، وهو أقرب. وأنها كرامة أخرى، منحت أبا البشر، امتناناً على المخاطبين من أولاده، ومن ثم
стр. 2763
وقرئ: "هذي الشجرة"، والأصل الياء، والهاء بدلٌ منها، ويقال: وسوس، إذا تكلم كلاماً خفياً يكرره، ومنه: وسوس الحليّ، وهو فعلٌ غير متعدّ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أتى بصيغة التعظيم. وأن قوله: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ) [الأعراف: ١٢] إلى آخره، وارد على الاستطراد لحديث الأمر بالسجدة، وامتناع إبليس منه، كما أن قوله: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا) [الأعراف: ٢٨] مستطرد لذكر بدو السوآت. وقوله: (وإذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) [الأعراف: ٢٨] استطراد في استطراد، لأنه حكاية عن فعل قبيحٍ كانوا يفعلونه، ويزعمون أنه نسك من المناسك، وهو طوافهم بالبيت عراةً، فشنع عليهم بتسميته فاحشة.
والدليل على كونه متسطرداً: العود إلى حديث الاستطراد الأول، بقوله: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الأعراف: ٣١]. وفائدة تأخيره عنه الأمر بالتستر، وأكل المباحات، بعد تقبيح تلك الفعلة، والتزني بزي المتقين، ولذلك صرح بذكر (كل مسجدٍ).
ويؤيده قول الإمام: "إن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون الطعام في الموسم إلا القليل، ويحترزون عن الدسم تعظيماً، فأنزل الله تعالى: (وكُلُوا واشْرَبُوا) [الأعراف: ٣١] بياناً لفساد تلك الطريقة".
وسبيل هذا الاستطراد سبيل قوله تعالى: (ولَيْسَ البِرُّ بِأَن تَاتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى واتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) [البقرة: ١٨٩] سواء بسواء.
قوله: (وقرئ: "هذي الشجرة")، قال ابن جني: "قرأها ابن محيصن. والهاء في "ذه": بدل من الياء في "ذي". ويدل على أن الياء الأصل قولهم في المذكر: "ذا"، فالألف: بدل
стр. 2764
كولولت المرأة ووعوع الذئب، ورجلٌ موسوسٌ - بكسر الواو - ولا يقال: موسوسٌ -بالفتح-، ولكن: موسوس له، وموسوسٌ إليه، وهو الذي تلقى إليه الوسوسة. ومعنى "وسوس له": فعل الوسوسة لأجله، و"وسوس إليه": ألقاها إليه.
(لِيُبْدِىَ) جعل ذلك غرضاً له ليسوءهما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من الياء، فإن أصله عندنا "ذي" مثل "حي" فحذفت الياء الثانية، فبقي "ذي". قال أبو علي: فكرهوا أن يشبه آخره آخر "كي" و"أي" فأبدلوها ألفاً. والذي يدل على أن "ذا": "ذي"، وأنه ثلاثي، جواز تحقيره في قولك: "ذيا"، ولو كان ثنائياً لما جاز تحقيره، كما لا تحقر "ما" و "من"".
قوله: ((ليبدي) جعل ذلك غرضاً له)، قال القاضي: "وقيل: اللام للعاقبة أو للغرض، على أنه أراد أيضاً بوسوته أن يسوءهما بانكشاف عورتيهما، ولذلك عبر عنهما بالسوآة".
وقيل: إن اللام، على هذا، غير واقعةٍ موقعها، لأن شرائط الإضمار موجودة، وهو كونه: مصدراً، وفعلاً لفاعل الفعل المعلل، ومقارناً في الوجود.
وأجيب: أن عند فقدان الشرط ينعدم المشروط، ولا يجب عند وجوده، كما أن الوضوء شرط للصلاة، ولا يجب من وجوده وجود الصلاة.
والدليل على أنه شرط قوله في "المفصل": "وفيه ثلاث شرائط. واللام هاهنا للتأكيد، ليؤذن أن هذا الغرض كان مهتماً بشأنه في الوسوسة".
стр. 2765
إذا رأيا ما يؤثران ستره وأن لا يطلع عليه مكشوفاً. وفيه دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور، وأنه لم يزل مستهجناً في الطباع مستقبحاً في العقول.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال صاحب "المفتاح": "والأصل فيه اللام، فإذا لم يجتمع ما ذكر، التزم الأصل. ويعلم من المفهوم أنه إذا اجتمع لا يلتزم الحذف".
قوله: (ما يؤثران ستره)، "ما": موصولة، وهي عبارة عن العورة، أي: الذي يختار أن ستره، لأن كل أحد يجتهد في ستر عورته، و"أن لا يطلع" معطوف على "ستره" على سبيل التفسير.
قوله: (وفيه دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور): أي: في جعل الإبداء غرضاً للشيطان في الوسوسة، دليل على أنه المطلوب الأولي منه، وأنه مهتم بشأنه، لكونه مستتبعاً للإخراج من الجنة، وموجباً للفضيحة وشماتة العدو، ثم في إيقاع الصلة والموصولة، وهي (ما ورى عنهما)، موضع العورة، على نحو قوله تعالى: (ورَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا) [يوسف: ٢٣]، إشعار بزيادة التقبيح، وفي جعل (سوءاتهما) بياناً له إيذان بمزيد الشناعة والقبح، على منوال قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ) [البقرة: ١٨٧]. وإنما كان مستقبحاً في الطباع والعقول، لأنه لم يكن في الجنة تكليف سوى المنع من قربان الشجرة، وإنما علم قبحة من جهة العقل.
قال في "الانتصاف": "فيه ميل إلى الاعتزال، وأن العقل يقبح ويحسن. وهذا اللفظ لو
стр. 2766
فإن قلت: ما للواو المضمومة في (وورى) لم تقلب همزةً كما قلت في "أويصل"؟ قلت: لأن الثانية مدّة كألف "وارى". وقد جاء في قراءة عبد الله "أوري"، بالقلب.
(إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ): إلا كراهة أن تكونا ملكين. وفيه دليلٌ على أن الملكية بالمنظر الأعلى، وأن البشرية تلمح مرتبتها كـ"لا" و"لا". وقرئ: "ملكين" بكسر اللام، كقوله: (وَمُلْكٍ لا يَبْلى) [طه: ١٢٠]. (مِنَ الْخالِدِينَ): من الذين لا يموتون ويبقون في الجنة ساكنين. وقرئ: "من سوأتهما" بالتوحيد، "وسوّاتهما" بالواو المشدّدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صدر من السني، كان تأويله أن العقل أدرك المعنى الذي لأجله حسن المشرع الستر، وقبح الكشف".
قوله: (في "أو يصل") وهو تصغير: واصل، والأصل: وويصل.
قوله: (لأن الثانية مدة). أي: إنما تقلب إذا كانت الثانية متحركة. شبه الواو الثانية بالألف لسكونها في أن لا أثر لها. أما "أو يصل": فحركتها أخرجتها من ذلك الحكم.
قوله: (في قراءة عبد الله: "أوري" بالقلب). قال الزجاج: " (ورى): يجوز فيه "أوري"، لأن الواو مضمومة، فإن شئت أبدلت منها همزة، إلا أن القراءة المشهورة تتبع، لأنها موافقة لخط المصحف".
قوله: (تلمح مرتبتها كـ"لا" و"لا"): أي: ينظر إلى مرتبتها العليا لمحاً، كـ: "لا لمح ولا لمح"، والثاني تأكيد.
قال المطرزي: "وفي الأمثال: أسرع من "ها" و "لا"، وأقل من لفظ (لا) ". وأنشد:
يكون نزول الركب فيها كلا ولا … غشاشاً ولا يدنون رحلاً على رحل
стр. 2767
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي: ما كان بطؤهم إلا مدةً يسيرة، كالتفوه بـ"لا" و"لا". غشاشاً، بالكسر، أي: على عجلةٍ.
قال القاضي: "واستدل على فضل الملائكة على الأنبياء بهذه الآية. وجوابه: أنه كان من المعلوم أن الحقائق لا تنقلب، وإنما كانت رغبتهما في أن يحصل لهما أيضاً ما للملائكة من الكمالات الفطرية، والاستغناء عن الأطعمة والأشربة. وذلك لا يدل على فضلهم مطلقاً".
وقلت: بل كان رغبتهما في الأكل لأجل القسم، لا لإخباره المتقدم، لما علم أنه لا يحتمل الصدق، كما قال المصنف: "فنزلهما إلى الأكل من الشجرة بما غرهما به من القسم بالله"، وقوله بعيد هذا: "بلي وعزتك، ولكن ما ظننت أحداً من خلقك يحلف بك كاذباً"، لا لأن يصيرا ملكين بالأكل، لأنه على خلاف ما عليه الملك، ولا لطلب المرتبة، لأن كونه مسجوداً للملائكة كفاه دلالةً على أنه أفضل منهم، ومن ثم امتنع إبليس من السجود. نعم، قد يمكن أن تكون رغبته لأجل الخلود، لقوله: (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لاَّ يَبْلَى) [طه: ١٢٠].
وقال الإمام: "المحققون أنكروا حصول التصديق، وقالوا: إنما أقدما على الأكل لغلبة الشهوة، لا أنهما صدقاه علماً أو ظناً كما نجد من أنفسنا عند الشهوة نقدم على الفعل إذا زينه الغير، وإن لم نعتقد أن الأمر كما قال".
وقال صاحب "الانتصاف": "لا يلزم من اعتقاد إبليس ذلك أن يكون الأمر على ما اعتقده، ووسوس به، فقد علل إبليس منع الشجرة بأنه كراهة أن يخلدا أو يكونا ملكين، وهو كاذب فيه، فلم يقرر الله قوله، بل أشار إلى كذبه بقوله: (فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ)، فلعل تفضيله الملائكة من الغرور".
стр. 2768
(وَقاسَمَهُما): وأقسم لهما (إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ).
فإن قلت: المقاسمة: أن تقسم لصاحبك ويقسم لك، تقول: قاسمت فلاناً: حالفته، وتقاسما: تحالفا. ومنه قوله تعالى: (تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ) [النمل: ٤٩]؟ . قلت: كأنه قال لهما: أقسم لكما إني لمن الناصحين، وقالا له: أتقسم بالله إنك لمن الناصحين، فجعل ذلك مقاسمةً بينهم. أو أقسم لهما بالنصيحة وأقسما له بقبولها، أو أُخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة، لأنه اجتهد فيه اجتهاد المقاسم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كأنه قال لهما: أقسم لكما إني لمن الناصحين. وقالا له: أتقسم بالله إنك لمن الناصحين؟ )، جعل تقريرهما بقسم إبليس بمنزلة قسمهما، فإن الهمزة في: "أتقسم بالله" للتقرير.
قال صاحب "الانتصاف": "فيكون في الكلام لف، لأن آدم وحواء لا يقسمان بلفظ المتكلم، بل بلفظ الخطاب".
وقلت: كلام المصنف إلى التغليب أقرب.
قوله: (أو أقسم لهما بالنصيحة، وأقسما له بقبولها)، الانتصاف: "إنما يتم هذا لو لم يذكر المقسم عليه، أما إذا ذكره، فلا يتم إلا بأن يسمى قبول النصح نصحاً، للمقابلة، كما قرئ: (ووعدنا موسى) [الأعراف: ١٤٢]، جعل التزامه بالوعد وحضوره: وعداً، وكلامه من أوله إلى آخره مدخول، لأن الكلام لما دل على القسم من الطرفين، فيجب تقدير المقسم والمقسم عليه بغير المذكور".
стр. 2769
(فَدَلَّاهُما): فنزّلهما إلى الأكل من الشجرة، (بِغُرُورٍ): بما غرهما به من القسم بالله. وعن قتادة: وإنما يخدع المؤمن بالله. وعن ابن عمر ﵄: أنه كان إذا رأى من عبده طاعةً وحسن صلاة أعتقه، فكان عبيده يفعلون ذلك طلباً للعتق، فقيل له: إنهم يخدعونك، فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له.
(فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ): وجدا طعمها آخذين في الأكل منها. وقيل: الشجرة هي السنبلة. وقيل: شجرة الكرم، (بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما) أي: تهافت عنهما اللباس، فظهرت لهما عوراتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما، ولا أحدهما من الآخر. وعن عائشة ﵂: "ما رأيت منه ولا رأى مني". وعن سعيد بن جبير: "كان لباسهما من جنس الأظفار". وعن وهب: "كان لباسهما نوراً يحول بينهما وبين النظر".
ويقال: طفق بفعل كذا، بمعنى: جعل يفعل كذا. وقرأ أبو السمال: "وطفقا" بالفتح (يَخْصِفانِ) ورقة فوق ورقةٍ على عوراتهما ليستترا بها، كما تخصف النعل، بأن تجعل طرقةً على طرقة وتوثق بالسيور.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((فدلاهما): فنزلهما)، روى الإمام عن الأزهري: "أن الرجل العطشان يدلي رجليه في البئر، ليأخذ الماء، فلا يجد فيها ماء، فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه. فيقال: دلاه: إذا أطعمه، أو بمعنى: جرأهما، من الدال والدالة، أي: الجرأة".
السجاوندي: " (فدلاهما): حطهما عن درجتهما، وأجرأهما. والدالة: الجرأة.
قوله: (بأن تجعل طرقةً على طرقة)، الجوهري: "الطرقة: مثل العرقة والصف".
الأساس: "وضع الأشياء طرقةً طرقةً وطريقةً طريقة، أي: وضع بعضها فوق بعض".
قوله: (وتوثق بالسيور)، الجوهري: "السير: ما يقد من الجلد. والجمع: السيور".
стр. 2770
وقرأ الحسن: "يخصفان" بكسر الخاء وتشديد الصاد، وأصله يختصفان. وقرأ الزهري: "يخصفان"، من أخصف، وهو منقولٌ من خصف، أي: يخصفان أنفسهما، وقرئ: "يخصفان"، من: خصف بالتشديد. (مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) قيل: كان ورق التين، (أَلَمْ أَنْهَكُما) عتابٌ من الله تعالى وتوبيخٌ وتنبيه على الخطأ، حيث لم يتحذرا ما حذرهما الله من عداوة إبليس. وروي: أنه قال لآدم: ألم يكن لك فيما منحتك من شجر الجنة مندوحةٌ عن هذه الشجرة؟ فقال: بلى وعزتك، ولكن ما ظننت أنّ أحداً من خلقك يحلف بك كاذباً. قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا كدّا. فأهبط وعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث، فحرث وسقى، وحصد وداس وذرى وطحن وعجن وخبز.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وأصله: يختصفان)، قال ابن جني: "آثر إدغام التاء في الصاد، فأسكنها، والخاء قبلها ساكنة، فكسرها لالتقاء الساكنين، فصار "يخصفان"".
قوله: (وهو منقول من "خصف")، قال أبو البقاء: " (يخصفان) ": ماضيه "خصف"، وهو متعد إلى مفعول واحد، والمفعول: شيئاً من ورق الجنة. وقرئ بضم الياء وكسر الصاد مخففاً، وماضيه "أخصف"، وبالهمزة يتعدى إلى اثنين. والتقدير: يخصفان أنفسهما".
قوله: (حصد وداس وذرى وعجن)، يقال: ذرت الريح التراب. ومنه ذرى الناس الحنطة. اختصر في الكلام، لأن بين التذرية والعجن أموراً كثيرة.
следующие страницы →