← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

فإن قلت: ما للواو المضمومة في (وورى) لم تقلب همزةً كما قلت في "أويصل"؟ قلت: لأن الثانية مدّة كألف "وارى". وقد جاء في قراءة عبد الله "أوري"، بالقلب. (إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ): إلا كراهة أن تكونا ملكين. وفيه دليلٌ على أن الملكية بالمنظر الأعلى، وأن البشرية تلمح مرتبتها كـ"لا" و"لا". وقرئ: "ملكين" بكسر اللام، كقوله: (وَمُلْكٍ لا يَبْلى) [طه: ١٢٠]. (مِنَ الْخالِدِينَ): من الذين لا يموتون ويبقون في الجنة ساكنين. وقرئ: "من سوأتهما" بالتوحيد، "وسوّاتهما" بالواو المشدّدة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صدر من السني، كان تأويله أن العقل أدرك المعنى الذي لأجله حسن المشرع الستر، وقبح الكشف". قوله: (في "أو يصل") وهو تصغير: واصل، والأصل: وويصل. قوله: (لأن الثانية مدة). أي: إنما تقلب إذا كانت الثانية متحركة. شبه الواو الثانية بالألف لسكونها في أن لا أثر لها. أما "أو يصل": فحركتها أخرجتها من ذلك الحكم. قوله: (في قراءة عبد الله: "أوري" بالقلب). قال الزجاج: " (ورى): يجوز فيه "أوري"، لأن الواو مضمومة، فإن شئت أبدلت منها همزة، إلا أن القراءة المشهورة تتبع، لأنها موافقة لخط المصحف". قوله: (تلمح مرتبتها كـ"لا" و"لا"): أي: ينظر إلى مرتبتها العليا لمحاً، كـ: "لا لمح ولا لمح"، والثاني تأكيد. قال المطرزي: "وفي الأمثال: أسرع من "ها" و "لا"، وأقل من لفظ (لا) ". وأنشد: يكون نزول الركب فيها كلا ولا … غشاشاً ولا يدنون رحلاً على رحل

стр. 2767

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: ما كان بطؤهم إلا مدةً يسيرة، كالتفوه بـ"لا" و"لا". غشاشاً، بالكسر، أي: على عجلةٍ. قال القاضي: "واستدل على فضل الملائكة على الأنبياء بهذه الآية. وجوابه: أنه كان من المعلوم أن الحقائق لا تنقلب، وإنما كانت رغبتهما في أن يحصل لهما أيضاً ما للملائكة من الكمالات الفطرية، والاستغناء عن الأطعمة والأشربة. وذلك لا يدل على فضلهم مطلقاً". وقلت: بل كان رغبتهما في الأكل لأجل القسم، لا لإخباره المتقدم، لما علم أنه لا يحتمل الصدق، كما قال المصنف: "فنزلهما إلى الأكل من الشجرة بما غرهما به من القسم بالله"، وقوله بعيد هذا: "بلي وعزتك، ولكن ما ظننت أحداً من خلقك يحلف بك كاذباً"، لا لأن يصيرا ملكين بالأكل، لأنه على خلاف ما عليه الملك، ولا لطلب المرتبة، لأن كونه مسجوداً للملائكة كفاه دلالةً على أنه أفضل منهم، ومن ثم امتنع إبليس من السجود. نعم، قد يمكن أن تكون رغبته لأجل الخلود، لقوله: (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لاَّ يَبْلَى) [طه: ١٢٠]. وقال الإمام: "المحققون أنكروا حصول التصديق، وقالوا: إنما أقدما على الأكل لغلبة الشهوة، لا أنهما صدقاه علماً أو ظناً كما نجد من أنفسنا عند الشهوة نقدم على الفعل إذا زينه الغير، وإن لم نعتقد أن الأمر كما قال". وقال صاحب "الانتصاف": "لا يلزم من اعتقاد إبليس ذلك أن يكون الأمر على ما اعتقده، ووسوس به، فقد علل إبليس منع الشجرة بأنه كراهة أن يخلدا أو يكونا ملكين، وهو كاذب فيه، فلم يقرر الله قوله، بل أشار إلى كذبه بقوله: (فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ)، فلعل تفضيله الملائكة من الغرور".

стр. 2768

(وَقاسَمَهُما): وأقسم لهما (إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ). فإن قلت: المقاسمة: أن تقسم لصاحبك ويقسم لك، تقول: قاسمت فلاناً: حالفته، وتقاسما: تحالفا. ومنه قوله تعالى: (تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ) [النمل: ٤٩]؟ . قلت: كأنه قال لهما: أقسم لكما إني لمن الناصحين، وقالا له: أتقسم بالله إنك لمن الناصحين، فجعل ذلك مقاسمةً بينهم. أو أقسم لهما بالنصيحة وأقسما له بقبولها، أو أُخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة، لأنه اجتهد فيه اجتهاد المقاسم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كأنه قال لهما: أقسم لكما إني لمن الناصحين. وقالا له: أتقسم بالله إنك لمن الناصحين؟ )، جعل تقريرهما بقسم إبليس بمنزلة قسمهما، فإن الهمزة في: "أتقسم بالله" للتقرير. قال صاحب "الانتصاف": "فيكون في الكلام لف، لأن آدم وحواء لا يقسمان بلفظ المتكلم، بل بلفظ الخطاب". وقلت: كلام المصنف إلى التغليب أقرب. قوله: (أو أقسم لهما بالنصيحة، وأقسما له بقبولها)، الانتصاف: "إنما يتم هذا لو لم يذكر المقسم عليه، أما إذا ذكره، فلا يتم إلا بأن يسمى قبول النصح نصحاً، للمقابلة، كما قرئ: (ووعدنا موسى) [الأعراف: ١٤٢]، جعل التزامه بالوعد وحضوره: وعداً، وكلامه من أوله إلى آخره مدخول، لأن الكلام لما دل على القسم من الطرفين، فيجب تقدير المقسم والمقسم عليه بغير المذكور".

стр. 2769

(فَدَلَّاهُما): فنزّلهما إلى الأكل من الشجرة، (بِغُرُورٍ): بما غرهما به من القسم بالله. وعن قتادة: وإنما يخدع المؤمن بالله. وعن ابن عمر ﵄: أنه كان إذا رأى من عبده طاعةً وحسن صلاة أعتقه، فكان عبيده يفعلون ذلك طلباً للعتق، فقيل له: إنهم يخدعونك، فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له. (فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ): وجدا طعمها آخذين في الأكل منها. وقيل: الشجرة هي السنبلة. وقيل: شجرة الكرم، (بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما) أي: تهافت عنهما اللباس، فظهرت لهما عوراتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما، ولا أحدهما من الآخر. وعن عائشة ﵂: "ما رأيت منه ولا رأى مني". وعن سعيد بن جبير: "كان لباسهما من جنس الأظفار". وعن وهب: "كان لباسهما نوراً يحول بينهما وبين النظر". ويقال: طفق بفعل كذا، بمعنى: جعل يفعل كذا. وقرأ أبو السمال: "وطفقا" بالفتح (يَخْصِفانِ) ورقة فوق ورقةٍ على عوراتهما ليستترا بها، كما تخصف النعل، بأن تجعل طرقةً على طرقة وتوثق بالسيور. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((فدلاهما): فنزلهما)، روى الإمام عن الأزهري: "أن الرجل العطشان يدلي رجليه في البئر، ليأخذ الماء، فلا يجد فيها ماء، فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه. فيقال: دلاه: إذا أطعمه، أو بمعنى: جرأهما، من الدال والدالة، أي: الجرأة". السجاوندي: " (فدلاهما): حطهما عن درجتهما، وأجرأهما. والدالة: الجرأة. قوله: (بأن تجعل طرقةً على طرقة)، الجوهري: "الطرقة: مثل العرقة والصف". الأساس: "وضع الأشياء طرقةً طرقةً وطريقةً طريقة، أي: وضع بعضها فوق بعض". قوله: (وتوثق بالسيور)، الجوهري: "السير: ما يقد من الجلد. والجمع: السيور".

стр. 2770

وقرأ الحسن: "يخصفان" بكسر الخاء وتشديد الصاد، وأصله يختصفان. وقرأ الزهري: "يخصفان"، من أخصف، وهو منقولٌ من خصف، أي: يخصفان أنفسهما، وقرئ: "يخصفان"، من: خصف بالتشديد. (مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) قيل: كان ورق التين، (أَلَمْ أَنْهَكُما) عتابٌ من الله تعالى وتوبيخٌ وتنبيه على الخطأ، حيث لم يتحذرا ما حذرهما الله من عداوة إبليس. وروي: أنه قال لآدم: ألم يكن لك فيما منحتك من شجر الجنة مندوحةٌ عن هذه الشجرة؟ فقال: بلى وعزتك، ولكن ما ظننت أنّ أحداً من خلقك يحلف بك كاذباً. قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا كدّا. فأهبط وعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث، فحرث وسقى، وحصد وداس وذرى وطحن وعجن وخبز. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وأصله: يختصفان)، قال ابن جني: "آثر إدغام التاء في الصاد، فأسكنها، والخاء قبلها ساكنة، فكسرها لالتقاء الساكنين، فصار "يخصفان"". قوله: (وهو منقول من "خصف")، قال أبو البقاء: " (يخصفان) ": ماضيه "خصف"، وهو متعد إلى مفعول واحد، والمفعول: شيئاً من ورق الجنة. وقرئ بضم الياء وكسر الصاد مخففاً، وماضيه "أخصف"، وبالهمزة يتعدى إلى اثنين. والتقدير: يخصفان أنفسهما". قوله: (حصد وداس وذرى وعجن)، يقال: ذرت الريح التراب. ومنه ذرى الناس الحنطة. اختصر في الكلام، لأن بين التذرية والعجن أموراً كثيرة.

стр. 2771

[(قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ)]. وسميا ذنبهما وإن كان صغيراً مغفوراً ظلماً لأنفسهما، وقالا: (لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) على عادة الأولياء والصالحين في استعظامهم الصغير من السيئات، واستصغارهم العظيم من الحسنات. [(قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ* قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ)]. (اهْبِطُوا) الخطاب لآدم وحواء وإبليس، و (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) في موضع الحال، أي: متعادين؛ يعاديهما إبليس ويعاديانه، (مُسْتَقَرٌّ) استقرار، أو موضع استقرار، (وَمَتاعٌ): وانتفاعٌ بعيشٍ (إِلى حِينٍ): إلى انقضاء آجالكم. وعن ثابتٍ البناني: لما أهبط آدم وحضرته الوفاة أحاطت به الملائكة، فجعلت حواء تدور حولهم، ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وسميا ذنبهما) إلى قوله: (ظلماً) أتى بالواو ليدل على معطوف عليه، فإنه تعالى لما وبخهما بقوله: (أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وأَقُل لَّكُمَا إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ) استكانا إلى الله، واعترفا بالتقصير، وقالا: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا)، وسميا ذنبهما ظلماً، هضماً لأنفسهما، على عادة الأنبياء. قال الإمام: "كان ذلك قبل النبوة، لأنه بعد النبوة لا يجوز عليهم صغيرة ولا كبيرة". وقيل: إن ذلك صدر منه سهواً، لقوله تعالى: (فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) [طه: ١١٥]، وعليه ظاهر كلام المصنف. وقيل: عن قصد، لأن قوله: (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ)، إلى قوله: (وقَاسَمَهُمَا إنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) صدر عن إبليس حال إقدامه على الذنب.

стр. 2772

فقال لها: خلي ملائكة ربي، فإنما أصابني الذي أصابني فيك، فلما توفي غسلته الملائكة بماءٍ وسدرٍ وتراً، وحنطته وكفنته في وترٍ من الثياب، وحفروا له ولحدوا، ودفنوه بسرنديب بأرض الهند، وقالوا لبنيه: هذه سنتكم بعده. [(يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أصابني فيك): أي لأجلك وسببك. الجوهري: "ربما استعمل "في" بمعنى الباء. قال زيد الخيل: ويركب يوم الروع فيها فوارس … بصيرون في طعن الكلى والأباهر أي: بطعن الكلى والأباهر". لعله أراد ما رواه الإمام في سورة "البقرة": "رأيت في بعض التفاسير أن حواء سقته في الجنة خمراً، فسكر، فتناول الشجرة". ويرده قوله: (لا فِيهَا غَوْلٌ) [الصافات: ٤٧]. قوله: (حنطته)، النهاية: "الحنوط: ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى".

стр. 2773

جعل ما في الأرض منزلاً من السماء، لأنه قضي ثم وكتب، ومنه (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ) [الزمر: ٦]، والريش: لباس الزينة، استعير من ريش الطير، لأنه لباسه وزينته، أي: أنزلنا عليكم لباسين: لباساً يواري سوآتكم، ولباساً يزينكم، لأن الزينة غرضٌ صحيح، كما قال: (لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً) [النحل: ٨]، (وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ) [النحل: ٦]. وقرأ عثمان ﵁: "ورياشاً" جمع ريش، كشعبٍ وشعاب. (وَلِباسُ التَّقْوى): ولباس الورع والخشية من الله تعالى، وارتفاعه على الابتداء، وخبره: إمّا الجملة التي هي (ذلِكَ خَيْرٌ)، كأنه قيل: ولباس التقوى هو خير، لأن أسماء الإشارة تقرب من الضمائر فيما يرجع إلى عود الذكر، وإمّا المفرد الذي هو (خيرٌ)، و (ذلك) صفةٌ للمبتدأ، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن الزينة غرض صحيح). يعني إنما عطف (وريشاً) على (لباساً)، ليؤذن بأن الزينة أيضاً غرض صحيح، كقوله تعالى: (والْخَيْلَ والْبِغَالَ والْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وزِينَةً) [النحل: ٨]. وكما أن ستر العورة مأمور به، كذلك أخذ الزينة مأمور به. قال تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الأعراف: ٣١]. قوله: (فيما يرجع إلى عود الذكر)، قال الزجاج: " (ذلك) بمنزلة "هو": أي: لباس التقوى هو خير، لأن أسماء الإشارة تقرب فيما يعود من الذكر من المضمر". قوله: (و (ذلك): صفة للمبتدأ)، قال نور الدين الحكيم: "الوصف بـ"ذلك" غير سديد على الظاهر، لأن حق الموصوف أن يكون أخص، و"ذلك" أخص من (ولباس التقوى) وقد صرحوا بأن عامهم هذا جائز. والمضاف إلى المعرف باللام أحط درجةً من المعرف باللام".

стр. 2774

كأنه قيل: ولباس التقوى المشار إليه خير. ولا تحلو الإشارة من أن يراد بها تعظيم لباس التقوى، أو أن تكون إشارةً إلى اللباس المواري للسوأة، لأنّ مواراة السوأة من التقوى، تفضيلاً له على لباس الزينة. وقيل: "لباس التقوى" خبر مبتدأ محذوف، أي: وهو لباس التقوى، ثم قيل: (ذلك خيرٌ). وفي قراءة عبد الله وأبيّ: "ولباس التقوى خيرٌ"، وقيل: المراد بلباس التقوى: ما يلبس من الدروع والجواشن والمغافر وغيرها مما يتقى به في الحروب. وقرئ: "ولباس التقوى" بالنصب عطفاً على (لباساً وريشاً). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال أبو البقاء: "يجوز ذلك على تأويل المذكور أو المشار إليه". وقال صاحب "الكشف": "كأنه قيل: المشار إليه خير، كما تقول: زيد هذا قائم". قوله: (تعظيم لباس التقوى)، لأن المشار إليه قريب، و"ذلك" موضوع للبعيد، كقوله: (الم (١) ذَلِكَ الكِتَابُ) [البقرة: ١ - ٢]. قوله: (أو أن تكون إشارةً إلى اللباس المواري): عطف على مجموع قوله: "وارتفاعه" إلى آخره، من حيث المعنى، أي: يجوز أن يكون (ذلك) إشارة إلى (ولباس التقوى) على الوجهين المذكورين، أو أن يكون إشارة إلى اللباس المواري، ويكون إما صفة والخبر: (خير"، أو الجملة خبر. وصح لأن اللباس المواري عين لباس التقوى. وإليه الإشارة بقوله: "لأن مواراة السوأة من التقوى". قوله: (تفضيلاً له): مفعول له. والفعل المعلل معنى قوله: "أن تكون إشارة" أي: أشير إلى اللباس المواري تفضيلاً له على لباس الزينة.

стр. 2775

(ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ) الدالة على فضله ورحمته على عباده، يعني إنزال اللباس، (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) فيعرفوا عظيم النعمة فيه. وهذه الآية واردةٌ على سبيل الاستطراد عقيب ذكر بدو السوآت وخصف الورق عليها، إظهاراً للمنة فيما خلق من اللباس، ولما في العري وكشف العورة من المهانة والفضيحة، وإظهاراً بأنّ التستر بابٌ عظيمٌ من أبواب التقوى. [(يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)]. (لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ): لا يمتحننكم بأن لا تدخلوا الجنة، كما محن أبويكم بأنّ أخرجهما منها (يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما) حال، أي: أخرجهما نازعاً لباسهما، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد) يعني: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ) جاءت تابعةً لحديث آدم والشيطان، وإظهار عداوته له، والتحذير عن متابعته، فجرى فيه حديث كشف العورة وقبحه، فاستطرد حديث ستر العورة وحسنه، حتى أنكر على من أعرض عنه، وقال بتحريمه، الدال عليه قوله: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ) الآية [الأعراف: ٣٢]. ثم عاد إلى بيان الزجر عن متابعة الشيطان بقوله: (يَا بَنِي آدَمَ إمَّا يَاتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ) الآيات [الأعراف: ٣٥]. قوله: (كما محن أبويكم بأن أخرجهما منها)، يريد أن قوله: (كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم) وضع موضع مصدر (يفتنتكم)، وضعاً للسبب موضع المسبب، أي: أوقعه في المحن والبلاء بسبب الإخراج.

стр. 2776

بأن كان سبباً في أن نزع عنهما، (إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ) تعليل للنهي، وتحذير من فتنته، بأنه بمنزلة العدوّ المداجي يكيدكم ويغتالكم من حيث لا تشعرون. وعن مالك بن دينار: إنّ عدواً يراك ولا تراه، لشديد المؤنة إلا من عصم الله. (وَقَبِيلُهُ): وجنوده من الشياطين، وفيه دليل بين أن الجنّ لا يرون ولا يظهرون للإنس، وأن إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأن زعم من يدّعي رؤيتهم زورٌ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (العدو المداجي)، الجوهري: "المداجاة: المداراة. يقال: داجيته، أي: داريته، كأنك ساترته العداوة". قوله: (إلا من عصم الله). يجوز أن يكون الاستثناء متصلاً، أي: لا يخلص من مؤنته وكيده، إلا من عصمه الله. ويمكن أن يكون منقطعاً، أي: لكن من عصمه الله خفيف المؤنة. قوله: (وأن زعم من يدعي رؤيتهم زور ومخرقة)، هذا يناقض ما رواه في "الأحقاف"، عن عبد الله بن مسعود، في قصة الجن، وفيها: "غشيته - أي: رسول الله صلي الله عليه وسلم - أسودة كثيرة، حالت بيني وبينه، إلى قوله صلي الله عليه وسلم: "هل رأيت شيئاً؟ " قلت: نعم، رجالاً سوداً، مستثفري ثيابٍ بيض، فقال: "أولئك جن نصيبين". وأورده الإمام أحمد في "مسنده".

стр. 2777

ومخرقة. (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) أي: خلينا بينهم وبينهم، لم نكفهم عنهم حتى تولوهم ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والحق أن الآية واردة في التحذير منهم ومن مكائدهم، والخطاب عام، ويمكن أن يمكن الله بعض البشر على رؤيتهم. وقد ورد في "الصحاح" أحاديث في ذلك؛ منها: ما رواه البخاري، عن أبي هريرة: "وكلني رسول الله صلي الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ، فجعل يحثو … " إلى أن ساق الحديث إلى قوله صلي الله عليه وسلم: "تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة؟ " قلت: لا، قال: "ذلك شيطان". قوله: (مخرقة)، الأساس: "خرق الكذب واخترقه وتخرقه: افتراه"، والمخرقة: الكذب. قوله: ((إنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)، أي: خلينا بينهم وبينهم، لم نكفهم عنهم حتى تولوهم). جعل "الجعل" تخليةً، بناءً على مذهبه. قال الزجاج: "جعل: على ضروب منها: جعلت بعض الشيء فوق بعض، أي: عملته وهيأته. ومنها: جعل زيد فلاناً عاقلاً، أي: سماه عاقلاً. ومنها: بمعنى: أخذ وطفق". وما في الآية على الأول، أي: أنهم عوقبوا بأن سلطت عليهم الشياطين، تزيدهم في غيهم، كقوله تعالى: (أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًا) [مريم: ٨٣] أي: تحملهم على المعاصي حملاً شديداً.

стр. 2778

وأطاعوهم فيما سئلوا لهم من الكفر والمعاصي، وهذا تحذير آخر أبلغ من الأول. فإن قلت: علام عطف (وقبيله)؟ قلت: على الضمير في (يراكم) المؤكد بـ (هو)، والضمير في (إنه) للشأن والحديث، وقرأ اليزيدي: "وَقَبِيلُهُ" بالنصب. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهذا تحذير آخر أبلغ من الأول)؛ لأن فيه التسلط والإطاعة والتسويل، لقوله: "تولوهم وأطاعوهم". وقلت: ليس بتحذيرٍ آخر، إذ لو كان لوجب العطف عليه، بل هو تعليل للتعليل، ولذلك فصل بياناً للموجب. فإن تعالى لما حذر بني آدم من فتنة الشيطان، ونهاهم عنها نهياً بليغاً، اتجه لهم أن يسألوا: لم هذا التحذير والنهي البليغ؟ فقيل: لأنه بمنزلة العدو المداجي يراكم ولا ترونه. ثم قيل: كيف تمكن هذا التمكن؟ ومن أين تسنى له ذلك؟ فقيل: لأنا جعلناه متولياً على أوليائه، ومسلطاً عليهم، كما قال: (واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ والأَوْلادِ) [الإسراء: ٦٤]. وعليه كلام الزجاج، كما مر آنفاً. وقال الإمام: "احتج أصحابنا بهذا النص على أنه تعالى هو الذي سلط الشيطان عليهم حتى أضلهم وأغواهم". قوله: (على الضمير في (يرياكم) المؤكد بـ"هو")، قال المصنف: "فإن قيل: لم امتنع العطف على الضمير المنفصل؟ قلت: لأن العاطف يجعل ما بعده شريكاً لما قبله من معمول الفعل، والذي هو معمول الفعل "هو" المستكن دون البارز، فوجب العطف عليه". قالوا: لعل هذا النقل خطأ، لأن القول بالانسحاب في التوابع هو المختار عنده وعند ابن الحاجب.

стр. 2779

وفيه وجهان: أن يعطفه على اسم "إن"، وأن تكون الواو بمعنى "مع"، وإذا عُطف على اسم "إن" وهو الضمير في (أنه)، كان راجعاً إلى إبليس. [(وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَامُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ)]. الفاحشة: ما تبالغ في قبحه من الذنوب، أي: إذا فعلوها اعتذروا بأن آباءهم كانوا يفعلونها فاقتدوا بهم، وبأنّ الله تعالى أمرهم بأن يفعلوها، وكلاهما باطلٌ من العذر، لأن أحدهما تقليد، والتقليد ليس بطريق العلم. والثاني: افتراء على الله وإلحادٌ في صفاته، كانوا يقولون: لو كره الله منا ما نفعله لنقلنا عنه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: إنما لم يحسن هاهنا، لأن اعتبار الفرع مع وجود الأصل بعيد، لأن استجلاب الثاني لتصحيح العطف عليه، فلا تنقلب الوسيلة أصلاً. قوله: (وإذا عطف على اسم "إن" وهو الضمير في (إنه) كان راجعاً إلى إبليس)، لأن هذا العطف يأبى أن يكون الضمير للشأن، بخلاف الرفع والعطف على الضمير في (يراكم) فإنه غير مانع، وإنما جعل الضمير للشأن، وإن جاز أن يكون للشيطان، لأن مقام التفخيم يقتضيه، لأن قوله: (إنه يراكم) تعليل للنهي، وتحذير من فتنة الشيطان، كأنه قيل: لا يفتننكم الشيطان، لأن الشأن والأمر كيت وكيت. وعلى النصب لا يبقي لضمير المرفوع المؤكد مزيد فائدة.

стр. 2780

وعن الحسن: إن الله تعالى بعث محمداً ﷺ إلى العرب وهم قدرية مجبرةٌ يحملون ذنوبهم على الله. وتصديقه قول الله تعالى: (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَامُرُ بِالْفَحْشاءِ)، لأنّ فعل القبيح مستحيل عليه لعدم الداعي ووجود الصارف، فكيف يأمر بفعله؟ ! (أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) إنكارٌ لإضافتهم القبيح إليه وشهادةٌ على أن مبنى قولهم على الجهل المفرط. وقيل: المراد بالفاحشة: طوافهم بالبيت عراةً. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (هم قدرية مجبرة يحملون ذنبهم على الله تعالى)، هذه فرية على الحسن، فإن القدرية من يثبت خالقاً غير الله. ووجه المناسبة بين هذا الاسم والمسمى يجيء في (حم) السجدة، على وجه يلزم طائرهم في عنقهم. قوله: (لأن فعل القبيح مستحيل عليه، لعدم الداعي، ووجود الصارف)، قال القاضي: "إن الله لا يأمر بالفحشاء، لأن عادته جرت على الأمر بمحاسن الأفعال، والحث على مكارم الخصال، ولا دلالة فيه على أن قبح الفعل - بمعنى ترتب الذم عليه آجلاً - عقلي". قوله: (وقيل: المراد بالفاحشة: طوافهم بالبيت عراةً)، هذا قول ابن عباس ومجاهد. كذا في "معالم التنزيل". ويساعد عليه السياق والسباق. أما السياق فإن قوله: (يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا) يدل على وجه التشبيه في قوله: (لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الجَنَّةِ) [الأعراف: ٢٧] أي: لا تتصفوا بصفةٍ يوقعكم الشيطان بسببها في الفتنة، وهي: العري

стр. 2781

[(قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ)]. (بِالْقِسْطِ): بالعدل وبما قام في النفوس أنه مستقيم حسن عند كل مميز. وقيل: بالتوحيد، (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ): وقل: أقيموا وجوهكم، أي: اقصدوا عبادته مستقيمين إليها غير عادلين إلى غيرها، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في الطواف، فتحرموا دخول الجنة، كما حرمها على أبويكم، حين أخرجهما من الجنة، ونزع عنهما لباسهما، بسبب وسوسته. وأما السباق فقوله: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الأعراف: ٣١]. فعلى هذا: المراد بقولهم: (واللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا): نحن متدينون بالطواف عراةً، وهو شرع شرعه الله لنا. قوله: (وبما قام في النفوس أنه مستقيم)، "أنه": فاعل "قام"، والضمير المنصوب عائد إلى "ما"، أي: بما قام في النفوس استقامته وحسنه. قوله: (وقل: أقيموا وجوهكم)، يريد: أن (وأقيموا) عطف على (أمر ربي بالقسط) على تقدير العامل، لا الانسحاب، لئلا يلزم عطف الإنشائي على الإخباري. وقال أبو البقاء: "في (وأقيموا) وجهان: أحدهما: هو معطوف على موضع "القسط"، أي: أمر ربي، فقال: "أقسطوا وأقيموا". وثانيهما: في الكلام حذف، أي: فأقبلوا وأقيموا".

стр. 2782

(عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ): في كل وقت سجود، أو في كل مكان سجود وهو الصلاة (وَادْعُوهُ): واعبدوه (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي: الطاعة، مبتغين بها وجه الله خالصاً، (كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ): كما أنشأكم ابتداءً يعيدكم، احتجّ عليهم في إنكارهم الإعادة بابتداء الخلق، والمعنى: أنه يعيدكم فيجازيكم على أعمالكم، فأخلصوا له العبادة. [((فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ)]. (فَرِيقاً هَدى) وهم الذين أسلموا، أي: وفقهم للإيمان (وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ) أي: كلمة الضلالة، وعلم الله أنهم يضلون ولا يهتدون. وانتصاب قوله: (وَفَرِيقاً) بفعل مضمرٍ يفسره ما بعده، كأنه قيل: وخذل فريقاً حق عليهم الضلالة، (إِنَّهُمُ): إنّ الفريق الذي حقّ عليهم الضلالة (اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ) أي: تولوهم بالطاعة فيما أمروهم به، وهذا دليلٌ على أن علم الله لا أثر له في ضلالهم، وأنهم هم الضالون باختيارهم وتوليهم الشياطين دون الله. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في كل وقت سجود): إشارة إلى أن قوله: (مسجدٍ) مصدر ميمي والوقت مقدر، أو اسم مكانٍ كني به عن الصلاة. وإليه الإشارة بقوله: "وهو الصلاة". قوله: (وهذا دليل على أن علم الله لا أثر له في ضلالهم)، وجه الاستدلال أن قوله: (إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ) جملة استثنافية على سبيل التعليل، كأنه قيل: لم حق عليهم الضلالة؟ أي: لم ثبت في علم الله أنهم يضلون ولا يهتدون؟ فأجيب: لأنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله. فيكون علمه تعالى تابعاً لضلالتهم وتوليهم الشياطين؛ فلا يكون مؤثراً فيها. وقلت: إذا أجرى قوله تعالى: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) على ما يقتضيه النظم، وورد فيه

стр. 2783

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الآثار من السلف الصالح، نظر: هل يستقيم دليله أم لا؟ كما روى محيي السنة عن ابن عباس: "إن الله بدأ خلق بني آدم مؤمناً وكافراً كما قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ) [التغابن: ٢] ثم يعيدهم يوم القيامة على ما خلقهم: مؤمناً وكافراً"، وقال سعيد بن جبير: "كما كتب عليكم تكونون". وقال محمد بن كعب: "من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إليها، وإن عمل بأعمال أهل السعادة، ومن ابتدأ خلقه على السعادة صار إليها وإن عمل بأعمال أهل الشقاوة". ويؤيده ما روينا عن الترمذي، عن عمرو بن العاص، قال: خرج علينا رسول الله صلي الله عليه وسلم وفي يده كتابان، فقال: "أتدرون ما هذان الكتابان؟ " قلنا: لا يا رسول الله. فقال للذي في يده اليمنى: "هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبداً". ثم قال للذي في شماله: "هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبداً". فقال أصحابه. ففيم العمل يا رسول الله، إن كان الأمر قد فرغ منه؟ فقال: "سددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل. وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار، وإن عمل أي عمل". ثم قال - أي: أشار - رسول الله صلي الله عليه وسلم بيديه، فنبذهما، ثم قال: "فرغ ربكم من العباد: فريق في الجنة، وفريق في السعير".

стр. 2784

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والظاهر أن قوله: "هذا كتاب من رب العالمين" صار على طريق التمثيل والتصوير. و"أجمل على آخرهم": من قولهم: أجمل الحساب: إذا تمم، ورد من التفصيل إلى الجملة، فأثبت في آخر الورقة مجموع ذلك وجملته. و"فرغ ربكم": فذلكة الكلام ونتيجته. قاله القاضي. وأما النظم، فإنهم لما ادعوا أن الله شرع لهم الطواف عرايا، وأمر به كما سبق، ورد الله عليهم بأنه لا يشرع ولا يأمر بما فيه الفحشاء والمنكر، بل يشرع بما فيه القسط والعدل من التوحيد والإخلاص في العمل، نبههم على دقيقةٍ جليلة، وهي التنبيه على خطأ رأي من لا يفرق بين الأمر والإرادة. يعني: أن الله تعالى وإن أمر بالقسط، لكن لا يهدي إليه إلا من أراده له، وسبق حكمه به، وأبرم قضاءه له، لأنه (كما بدأكم تعودون). ومن قضائه وقدره أن هؤلاء الكفرة اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله، وزين لهم سوء عملهم، حيث افتروا على الله الكذب، ومع ذلك يحسبون أنهم مهتدون. ويجوز الاستئناف، كأنه قيل: فإذا ما حكم هؤلاء الضلال؟ فأجيب: (إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ). وحاصل التقرير أن قوله: (كما بدأكم تعودون) متصل بالأمر على ما سبق، لا على ما قال: "كما أنشأكم ابتداءً يعيدكم"، احتج عليهم في إنكارهم الإعادة؛ لأنه لا مدخل له في هذا المقام. وأن قوله: (فَرِيقًا هَدَى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ): بيان وتفصيل لقوله: (كَمَا بَدَأَكُمْ

стр. 2785

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تَعُودُونَ). وموقع هذا البيان مع هذا المبين موقع قوله تعالى: (خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) مع قوله: (إنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ) [آل عمران: ٥٩]. هاهنا نكتة سرية، وهي أنه تعالى قدم في قوله (كما بدأكم تعودون): المشبه به على المشبه، لينبه العاقل على أن قضاء الشؤون لا يخالف القدر والعلم الأزلي ألبتة. وكما روعي هذه الدقيقة في المفسر، روعيت في التفسير، وزيدت عليها، وهي أن قدم مفعول (هدى) للدلالة على الاختصاص، وأن فريقاً آخر ما أراد الله هدايتهم، وقرر ذلك بأن عطف عليه (وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ)، وأبرزه في صورة الإضمار على شريطة التفسير، أي: أضل فريقاً حق عليهم الضلالة. وفيه مع الاختصاص التوكيد، كما قرره صاحب "المفتاح" في كتابه، ليقلع ريبة المخالف من نسخها، ولا يقول: إن علم الله لا أثر له في ضلالهم. فانظر إلى هذا الطريق الواضح، ثم انظر كيف تعسف أولاً بقوله: "كما أنشأكم ابتداءً يعيدكم"، ثم ثنى بقوله: "وخذل فريقاً حق عليهم الضلالة"، كأنه ما التفت إلى تلك

стр. 2786

[(يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)]. (خُذُوا زِينَتَكُمْ) أي: ريشكم ولباس زينتكم (عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) كلما صليتم أو طفتم، وكانوا يطوفون عراة. وعن طاووس: لم يأمرهم بالحرير والديباج، وإنما كان أحدكم يطوف عرياناً ويدع ثيابه وراء المسجد، وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت عنه، لأنهم قالوا: لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها: وقيل: تفاؤلاً ليتعروا من الذنوب كما تعروا من الثياب. وقيل: الزينة المشط. وقيل: الطيب. والسنة أن يأخذ الرجل أحسن هيئته للصلاة. وكان بنو عامرٍ في أيام حجهم لا يأكلون الطعام إلا قوتاً، ولا يأكلون دسماً؛ يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون: فإنا أحق أن نفعل، فقيل لهم: "كلوا واشربوا ولا تسرفوا". وعن ابن عباسٍ ﵁: "كل ما شئت، والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الروايات، ولا إلى هذه الإشارات، مع دقة نظره، حباً لمذهبه، (واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) [الأحزاب: ٤]. قوله: (وعن ابن عباس: "كل ما شئت") الحديث: رواه البخاري عنه تعليقاً. المخيلة: الكبر. النهاية: "اختال، فهو مختال، وفيه خيلاء ومخيلة، والمخيلة: الكبر". يقال: أخطأ فلان كذا: إذا عدمه. الأساس: "ومن المجاز: لن يخطئك ما كتب لك. وأخطأ المطر الأرض: لم يصبها. وتخاطأته النبل: تجاوزته".

стр. 2787

ويحكى: أنّ الرشيد كان له طبيبٌ نصرانيٌ حاذق، فقال لعلي بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء. والعلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان، فقال له: قد جمع الله الطب كله في نصف آيةٍ من كتابه. قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا)، فقال النصراني: ولا يؤثر من رسولكم شيءٌ في الطب؟ فقال: قد جمع رسولنا ﷺ الطب في ألفاظٍ يسيرة. قال: وما هي؟ قال: قوله: «المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواءس، وأعط كل بدن ما عوّدته"، فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طباً. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ("المعدة بيت الداء")، معنى الحديث ما رواه البيهقي في "شعب الإيمان" وابن الجوزي في "لقط المنافع" عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "المعدة حوض البدن، والعروق إليها واردة، فإذا صحت المعدة، صدرت العروق بالصحة، وإذا فسدت المعدة صدرت العروق بالسقم". شبه صلي الله عليه وسلم المعدة بالحوض، والبدن بالشجرة، والعروق الواردة إليها بعروق الشجر الضاربة إلى الحوض، الجاذبة ماءه إلى الأغصان والأوراق، فمتى كان الماء صافياً، ولم يكن ملحاً أجاجاً، كان سبباً لنضارة الأشجار وغضارتها، وإلا كان سبباً لذبولها وجفافها. فكذا حكم البدن مع المعدة. وذلك أن الله تعالى بلطف حكمته، وبديع فطرته، جعل

стр. 2788

[(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)]. (زِينَةَ اللَّهِ) من الثياب وكل ما يتجمل به، (وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ) المستلذات من المآكل والمشارب. ومعنى الاستفهام في (من): إنكار تحريم هذه الأشياء. قيل: كانوا إذا أحرموا حرّموا الشاة وما يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها. (قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) غير خالصةٍ لهم، لأنّ المشركين شركاؤهم فيها، (خالِصَةً) لهم (يَوْمَ الْقِيامَةِ) لا يشركهم فيها أحد. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحرارة الغريزية في بدن الإنسان مسلطةً عليه، تحلل الرطوبات، تسليط السراج على السليط، وخلق فيه أيضاً قوة جاذبةً ساريةً في مجاري عروق واردةٍ إلى الكبد، طالبة منه ما صفا فيها من الأخلاط التي حصلت فيه، بسبب عروقٍ واردةٍ منه إلى المعدة، جاذبةٍ منها ما انهضم فيها من المشروب والمطعوم، لينطبخ في الكبد مرة أخرى، فيصير بدلاً لما تحلل منه. هذا معنى الصدور بعد الورود، لأن العروق مجارٍ لما يرد فيها ويصدر منها، كعروق الشجر. فالأسلوب من باب: سال الوادي، وجرى الميزاب. فإذا كان ما في المعدة غذاءً صالحاً، وانحدر في تلك العروق إلى الكبد يحصل منه الغذاء المحمود للأعضاء، خلفاً لما تحلل منها، وإذا كان فاسداً، إما لكثرة أكلٍ وشرب، أو إدخال

стр. 2789

فإن قلت: هلا قيل: هي للذين آمنوا ولغيرهم. قلت: لينبه على أنها خلقت للذين آمنوا على طريق الأصالة، وأن الكفرة تبعٌ لهم، كقوله تعالى: (وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ) [البقرة: ١٢٦]. وقرئ: (خالصةً) بالنصب على الحال، وبالرفع على أنها خبر بعد خبر. [(قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ طعام على طعام، أو غير ذلك، كان سبباً لتولد الأخلاط الرديئة، المؤدية للأمراض المردية. وذلك بتقدير العزيز العليم. وهذا الحديث أجمع وأعرف وأبين مما أورده المصنف. قوله: (كقوله: (ومن كفر فأمتعه قليلاً))، وذلك أن إبراهيم ﵇ لما قال: (وارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم) [البقرة: ١٢٦] لقنه سبحانه تعالى: (ومن كفر فأمتعه قليلاً). والاستشهاد على قراءة ابن عباس: "فأمتعه" - بلفظ الأمر - أظهر. قال السجاوندي: "الذين آمنوا": الأصل في ضيافة الدنيا، لكن التبع أكثر تمتعاً، والمتبوع أقرب تشرفاً. ولهذا قال: (وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا) [الأعراف: ٦]. قوله: (وقرئ: (خالصةً) بالنصب)، نافع: بالرفع، والباقون: بالنصب.

стр. 2790

(الْفَواحِشَ): ما تفاحش قبحه، أي: تزايد، وقيل هي ما يتعلق بالفروج، (وَالْإِثْمَ) عام لكل ذنب، وقيل: شرب الخمر، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال السجاوندي: " (خالصةً): حال. نحو: "صائداً به غداً". وعامله اللام المحذوفة، أي: في الحياة الدنيا مشتركة، ولهم في الآخرة خالصة". وقال أبو البقاء: "العامل فيها (للذين) أو (في الحيوة الدنيا) إذا جعلته خبراً أو حالاً. أي: هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا، في حال خلوصها لهم يوم القيامة. أي: [أن] الزينة يشاركون فيها في الدنيا، وتخلص لهم في الآخرة. ولا يجوز أن يعمل في (خالصةً) (زينة الله)، لأنه قد وصفها بقوله (التي)، والمصدر إذا وصف لا يعمل. ولا قوله: (أخرج) لأجل الفصل الذي بينهما، وهو قوله: (قل). وأجاز أبو علي أن يعمل فيها (حرم)، وهو بعيد، لأجل الفصل أيضاً". قوله: ((الفواحش): ما تفاحش قبحه، أي: تزايد)، والظاهر أنه أراد أنه تكرار لقوله قبيل هذا: "الفاحشة: ما تبالغ في قبحه من الذنب"، لأن الفواحش: جمع فاحشة. وأما في التنزيل فإن هذه أعم وأشمل من الأولى، كما تقرر أن المراد بالأولى طوافهم بالبيت عرايا، ومن ثم جمعها، ثم فصلها بقوله: (ما ظهر منها وما بطن)، وعطف عليه "الإثم والبغي والشرط"، لأن هذه الآية كالخاتمة للآيات السابقة، وما يعقبها كالأخذ في مشرعٍ آخر، وتلك مستطردة لحديث قبح كشف العورة، كما سبق.

стр. 2791

(وَالْبَغْيَ): الظلم والكبر، أفرده بالذكر كما قال: (وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ) [النحل: ٩٠]. (ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً) فيه تهكم، لأنه لا يجوز أن ينزل برهانا بأن يشرك به غيره، (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ): وأن تتقوّلوا عليه وتفتروا الكذب من التحريم وغيره. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: ((والبغي): الظلم والكبر، أفرده بالذكر)، قال القاضي: "أفرده بالذكر للمبالغة وعلق به قوله: (بغير الحق) توكيداً". قلت: هو مثل قولك: أخذته بيدي، ونظرته بعيني. وقال أبو البقاء: " (بغير الحق): حال من الضمير الذي في المصدر، أي: وأن تبغوا بغير الحق". وقلت: الحال مؤكدة، كما مر في قوله تعالى: (ثُمَّ ولَّيْتُم مُّدْبِرِينَ) [التوبة: ٢٥]. ذكر "الإثم" في هذه الآية، وهو عام لكل ذنب، ثم عطف عليه "البغي" المقيد، كما ذكر "المنكر" في تلك الآية، وهو عام، وعطف عليه "البغي"، ليؤذن بأن الكبر أفحش الإثم وأقبح المنكر، ولذلك ورد: "الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار". أخرجه أبو داود عن أبي هريرة. فالمتكبر يبغي على ربه وينازعه، ويبغي على الخلق، لأنه ينزل نفسه فوق منزلته، ويرى الناس دونه، فيهضم حقهم، والله أعلم. قوله: ((ما لم ينزل به سلطاناً): فيه تهكم، لأنه لا يجوز أن ينزل به برهاناً بأن يشرك به غيره)، قال في "الانتصاف": قياسه أن يكون كقوله:

стр. 2792

[(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَاخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)]. (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) وعيدٌ لأهل مكة بالعذاب النازل في أجل معلوم عند الله كما نزل بالأمم وقرئ: "فإذا جاء آجالهم". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على لاحبٍ لا يهتدى بمناره وقلت: هذا هو الحق، لأن المعنى: حرم ربي أن تشركوا بالله شركاء لا ثبوت لها، ولا أنزل الله بإشراكها سلطاناً. بالغ في نفي الشريك، فنفي لازمه، لينتفي ملزومه بالطريق البرهاني. قوله: (وقرئ: "فإذا جاء آجالهم")، قال ابن جني: "قرأها ابن سيرين. هذا هو

стр. 2793

وقال: (ساعَةً) لأنها أقل الأوقات في استعمال الناس. يقول المستعجل لصاحبه: في ساعة، يريد أقصر وقت وأقربه. [(يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)]. (إِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ) هي «إن» الشرطية ضمت إليها «ما» مؤكدةً لمعنى الشرط، ولذلك لزمت فعلها النون الثقيلة أو الخفيفة. فإن قلت: فما جزاء هذا الشرط؟ قلت: الفاء وما بعده من الشرط والجزاء. والمعنى: فمن اتقى وأصلح منكم، والذين كذبوا منكم. وقرئ: "تأتينكم" بالتاء. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الظاهر، لأن لكل إنسان أجلاً. وأما إفراده فإنه جنس، أتته الجنسية من قبل المصدر. وحسن الإفراد أيضاً لإضافته إلى الجماعة. وقد علم أن لكل إنسانٍ أجلاً". قوله: (أقل الأوقات في استعمال الناس)، يريد أن تقدير "الساعة" ليس للتحديد، بل للمثل لأقصر وقت، لأن التأخير والتقديم لا يتصور ثمة. قال الزجاج: "ولا أقل من ساعة، ولكن ذكرت الساعة، لأنها أقل أسماء الأوقات". قوله: (ضمت إليها "ما" مؤكدةً)، قال الزجاج: "إنما تلزم "ما" النون، لأن "ما" تدخل مؤكدة، كما تلزم اللام النون في القسم، إذا قلت: والله لتفعلن. فـ"ما" توكيد، كما أن اللام توكيد، فلزمت النون".

стр. 2794

[(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ)]. (فَمَنْ أَظْلَمُ): فمن أشنع ظلماً ممن تقوّل على الله ما لم يقله، أو كذب ما قاله. (أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ) أي: مما كتب لهم من الأرزاق والأعمار، (حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا): (حتى) غايةٌ لنيلهم نصيبهم واستيفائهم له، أي: إلى وقت وفاتهم، وهي «حتى» التي يُبتدأ بعدها الكلام، والكلام هاهنا الجملة الشرطية، وهي (إذا جاءتهم رسلنا .... قالوا)، و (يَتَوَفَّوْنَهُمْ) حالٌ من الرسل، أي: متوفيهم. والرسل: ملك الموت وأعوانه. و«ما» وقعت موصولة بـ"أين" في خط المصحف، وكان حقها أن تفصل؛ لأنها موصولةٌ بمعنى: أين الآلهة الذين تدعون (ضَلُّوا عَنَّا): غابوا عنا فلا نراهم ولا ننتفع بهم، اعترافاً منهم بأنهم لم يكونوا على شيءٍ فيما كانوا عليه، وأنهم لم يحمدوه في العاقبة. [(قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ* وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقيل: إن "ما" تفيد زيادة عموم، فمعنى قولك: "إما تفعلن": إن اتفق منك وجود الفعل بوجهٍ من الوجوه. قوله: (أي: متوفيهم)، الياء فيه: ياء الجمع، لا ياء التوفي، أي: متوفين لهم. قوله: (لم يحمدوه) الضمير راجع إلى "ما" في "فيما كانوا عليه".

стр. 2795

(قالَ ادْخُلُوا) أي: يقول الله تعالى يوم القيامة لأولئك الذين قال فيهم: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ) [الأعراف: ٣٧]، وهم كفار العرب، (فِي أُمَمٍ) في موضع الحال، أي: كائنين في جملة أمم، وفي غمارهم مصاحبين لهم، أي: ادخلوا في النار مع أمم، (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ) وتقدّم زمانهم زمانكم (لَعَنَتْ أُخْتَها) التي ضلت بالاقتداء بها، (حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها) أي: تداركوا، بمعنى: تلاحقوا واجتمعوا في النار، (قالَتْ أُخْراهُمْ) منزلةً وهي الأتباع والسفلة، (لِأُولاهُمْ) منزلةً وهي القادة والرؤوس ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفي غمارهم)، الجوهري: "الغمرة: الزحمة من الماء والناس، والجمع: غمار. ودخلت في غمار الناس - يضم ويفتح -، أي: في زحمتهم وكثرتهم". روي عن المصنف أنه قال: (في) في هذه الآية: مثل "في" في قول عروة بن أذينة: إن تك عن أحسن الصنيعة مأ … فوكاً ففي آخرين قد أفكوا أي: في جملة آخرين هم في مثل حالك. أفكه يأفكه أفكاً، أي: قلبه وصرفه عن الشيء. يقول: إن لم توفق للإحسان، فأنت في قومٍ قد صرفوا عن الإحسان. قوله: ((اداركوا فيها) أي: تداركوا)، قال الزجاج: (اداركوا): تداركوا، فأدغمت التاء في الدال. (جميعاً): حال، أي: إذا تداركوا فيها مجتمعين".

стр. 2796

ومعنى (لأولاهم): لأجل أولاهم؛ لأن خطابهم مع الله لا معهم، (عَذاباً ضِعْفاً): مضاعفاً، (لِكُلٍّ ضِعْفٌ) لأنّ كلاً من القادة والأتباع كانوا ضالين مضلين، (وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ) قرئ بالياء والتاء. (فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ) عطفوا هذا الكلام على قول الله تعالى للسفلة: (لِكُلٍّ ضِعْفٌ)، أي: فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا، وأنا متساوون في استحقاق الضعف، (فَذُوقُوا الْعَذابَ) من قول القادة، أو من قول الله لهم جميعاً. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن كلاً من القادة والأتباع كانوا ضالين مضلين)، هذا في حق القادة ظاهر، وأما الأتباع فلأنهم لما اتخذوهم رؤساء عظماء، ورضوا بذلك كأنهم أضلوهم. كقوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ ورُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ) [التوبة: ٣١]. والأحسن أن يقال: إن ضعف الأتباع لإعراضهم عن الحق الواضح وتولي الرؤساء لينالوا منهم عرض الدنيا إتباعاً للهوى، يدل عليه قوله تعالى: (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الهُدَى بَعْدَ إذْ جَاءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ) (سبأ: ٣٢. قوله: (قرئ: بالياء والتاء): بالياء التحتانية: أبو بكر. قال الزجاج: "من قرأ بالتاء، فمعناه: لا تعلمون، أيها المخاطبون، ما لكل فريقٍ منكم من العذاب، ومن قرأ بالياء فالمعنى: لا يعلم كل فريق مقدار عذاب الفريق الآخر". قوله: (عطفوا هذا الكلام على قول الله تعالى): أي: رتبوا كلامهم على كلام الله، على وجه التسهيب، لأن إخبار الله بقوله: (لكل ضعف) سبب لعلمهم بالمساواة، وحملهم على أن يقولوا: وإذا كان كذلك فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا في استحقاق الضعف.

стр. 2797

[(إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ* لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)]. (لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ): لا يصعد لهم عملٌ صالح؛ (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) [فاطر: ١٠]، (كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) [المطففين: ١٨]، وقيل: إنّ الجنة في السماء، فالمعنى: لا يؤذن لهم في صعود السماء ولا يطرّق لهم إليها ليدخلوا الجنة. وقيل: لا تصعد أرواحهم إذا ماتوا كما تصعد أرواح المؤمنين. وقيل: لا تنزل عليهم البركة ولا يغاثون، (ففتحنا أبواب السماء) [القمر: ١١]. وقرئ: (لا تفتح) بالتشديد، "ولا يفتح" بالياء. "ولا تفتح" بالتاء والبناء للفاعل ونصب "الأبواب" على أنّ الفعل للآيات، وبالياء على أن الفعل لله . وقرأ ابن عباس: "الجُمَّل" بوزن "القُمَّل"، وسعيد بن جبير: "الجُمل" بوزن النغر. وقرئ: "الجمل" بوزن "القفل". "والجمل" بوزن "النصب". "والجمل" بوزن "الحبل". ومعناها: القلس الغليظ «لأنه حبال جمعت وجعلت جملة واحدة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لا تنزل عليهم البركة)، هذا أولى الوجوه، لظهور فائدة قوله: (ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ). كأنه قيل: ينسد عليهم طريق خير الدارين، وتنغلق سبيل بركة المنزلين. قوله: (وقرئ: (لا تفتح) بالتشديد): نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم. وبالتخفيف والتاء: أبو عمرو. والياء: حمزة والكسائي. قوله: (بوزن النغر)، وهو طير كالعصافير حمر المناقير.

стр. 2798

وعن ابن عباسٍ ﵁: إنّ الله أحسن تشبيهاً من أن يشبه بالجمل، يعني: أن الحبل مناسب للخيط الذي يُسلك في سم الإبرة، والبعير لا يناسبه؛ إلا أن قراءة العامّة أوقع لأن سم الابرة مثلٌ في ضيق المسلك. يقال: أضيق من خرت الابرة. وقالوا للدليل الماهر: خِرّيت، لاهتدائه في المضايق المشبهة بأخرات الإبر. والجمل: مثل في عظم الجرم. قال: جسم الجمال وأحلام العصافير إن الرجال ليسوا بجزرٍ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن سم الإبرة مثل في الضيق)، الراغب: "السم والسم: كل ثقب ضيق، كخرت الإبرة، وثقب الأنف. وجمعه: سموم. وقد سمه: أدخله فيه. قال تعالى: (حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخِيَاطِ). والسم: القاتل، هو مصدر في معنى الفاعل، فإنه يلطف تأثيره، ويدخل في بواطن البدن. والسموم: الريح الحارة، التي تؤثر تأثير السم". قوله: (جسم الجمال وأحلام العصافير) أوله لحسان: لا بأس بالقوم من طولٍ ومن عظم يقول: لا يعجبنك من القوم عظم أجسامهم، وطول قامتهم، إنما المرء بالحلم والعلم، لا بالشحم واللحم. قوله: (إن الرجال ليسوا بجزرٍ)، الجزر: جمع الجزور، وهو الإبل.

стр. 2799

تراد منهم الأجسام. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الميداني: "قاله شقة بن ضمرة، وكان المنذر يسمع قوله، ويعجبه ما يبلغه عنه، فلما رآه قال: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه". فأرسلها مثلاً. قال شقة: أبيت اللعن، وأسعدك إلهك، إن القوم ليسوا بجزر، وإنما الرجل بأصغريه: لسانه وقلبه. فأعجب المنذر كلامه، وسره كل ما رأى منه". قوله: (تراد منهم الأجسام)، قيل: هو صفة "جزر" وليس بذلك، إذ لا عائد. وهو إما حال من اسم "ليسوا"، أو على تقدير: ليسوا بجزرٍ لأن تراد منهم الأجسام كما يراد منها، ثم حذف "أن" كما في قوله: أحضر الوغى

стр. 2800

فقيل: لا يدخلون الجنة، حتى يكون ما لا يكون أبداً من ولوج هذا الحيوان - الذي لا يلج إلا في بابٍ واسع- في ثقب الإبرة. وعن ابن مسعودٍ أنه سئل عن الجمل، فقال: زوج الناقة، استجهالاً للسائل، وإشارةً إلى أن طلب معنى آخر تكلف. وقرئ: (فِي سَمِّ) بالحركات الثلاث، وقرأ عبد الله: "في سم المخيط"، والخياط، والمخيط - كالحزام والمحزم-: ما يخاط به، وهو الإبرة، (وَكَذلِكَ): ومثل ذلك الجزاء الفظيع (نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) ليؤذن أن الإجرام هو السبب الموصل إلى العقاب، وأن كلّ من أجرم عوقب، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والوجه أن يكون خبراً بعد خبر لقوله: "ليسوا". قوله: (فقيل: لا يدخلون) مترتب على قوله: "لأن سم الإبرة مثل … والجمل مثل" أي: أريد أن يوقع التمثيل فيهما، فقيل: "لا يدخلون" إلى آخره. قوله: (ليؤذن أن الإجرام هو السبب الموصل إلى العقاب)، يريد أنه من باب ترتب الحكم الذي هو الجزاء بالعقاب، على الوصف المناسب الذي هو الإجرام.

стр. 2801

وقد كرره فقال: (وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) لأن كلّ مجرم ظالمٌ لنفسه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقد كرره، فقال: (وكذلك)، يعني: أوقع قوله: (وكذلك نجزى المجرمين) تذييلاً للكلام السابق، لتلك العلة، لأن فائدة التذييل غالباً توكيد المذيل، وإبراز حكمه في صورةٍ كلية. ومن ثم فسره لك بقوله: "وأن كل من أجرم عوقب، لأن كل مجرمٍ ظالم لنفسه". ونحوه قوله تعالى: (إنَّ المُلُوكَ إذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) [النمل: ٣٤] أي: الإفساد. أي: كل من ملك دأبه الإفساد، إذا دخل أرض العدو. وقوله: (لأن كل مجرم ظالم لنفسه) مشعر بأن قوله: (الظالمين) وضع موضع الضمير، وكرر التذييل، ليناط بما لم ينط به أولاً، فآذن أولاً بحرمانهم من دخول الجنة، وثانياً بحرمان خروجهم من النار، لأنهم في بحبوحتها. قال القاضي: "عبر عنهم بالمجرمين تارة، وبالظالمين أخرى، إشعاراً بأنهم بتكذيبهم

стр. 2802

(مِهادٌ): فراشٌ، (غَواشٍ): أغطية. وقرئ: "غواشٌ" بالرفع، كقوله تعالى: (وله الجوار المنشآت) [الرحمن: ٢٤] في قراءة عبد الله. [(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)]. (لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) جملة معترضة بين المبتدأ والخبر، للترغيب في اكتساب ما لا يكتنهه وصف الواصف من النعيم الخالد، مع التعظيم بما هو في الوسع، وهو الإمكان الواسع غير الضيق من الإيمان والعمل الصالح. وقرأ الأعمش: "لا تكلف نفسٌ". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الآيات، اتصفوا بهذه الأوصاف الذميمة. وذكر الجرم مع الحرمان من الجنة، والظلم مع التعذيب بالنار، تنبيهاً على أنه أعظم الإجرام". قوله: (وقرئ: "غواش" بالرفع) جعل عين الفعل معتقباً للإعراب. قوله: (ما لا يكتنهه وصف الواصف): مقتبس من معنى قوله: "فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". وفائدة الاعتراض توكيد الترغيب، وذلك أن في جعل (آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) صلة للموصول، وإيقاع (أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ) خبراً له، إشعاراً بأن العمل الصالح سبب لدخول الجنة، وأن اسم الإشارة دل على أن ما بعده جدير بما قبله، بما اكتسب من الخصال الفاضلة. فإذا سمع المكلف هذا الترغيب، نشط لاكتسابها، ثم إذا سمع أن ذلك على السعة لا الضيق، يزيد في نشاطه ورغبته.

стр. 2803

[(وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)]. من كان في قلبه غلٌّ على أخيه في الدنيا نزع منه، فسلمت قلوبهم وطهرت، ولم يكن بينهم إلا التوادّ والتعاطف، وعن عليّ ﵁: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم. (هَدانا لِهذا) أي: وفقنا لموجب هذا الفوز العظيم، وهو الإيمان والعمل الصالح، (وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ) اللام لتوكيد النفي، ويعنون: وما كان يستقيم أن تكون مهتدين لولا هداية الله وتوفيقه. وفي مصاحف أهل الشام: "ما كنا لنهتدي" بغير واو، على أنها جملةٌ موضحة للأولى، (لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ) فكان لنا لطفاً وتنبيهاً على الاهتداء فاهتدينا، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (اللام لتوكيد النفي)، وقد سبق تقريره في آخر سورة "النساء". قوله: ((لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) فكان لنا لطفاً وتنبيهاً على الاهتداء، فاهتدينا). جعل الجملة القسمية علةً لهدايتهم، وهي إلى إثبات صدق وعدهم بالجنة أقرب وأولى، لتبقي الهداية منحةً من الله، وفضلاً منه، لأن الهداية عقلية، ونبهنا عليها، كما قال في "الانتصاف": "هذه الآية تشهد بنفي الهدى عمن لم يهده الله، لا كمن يزعم أنه يخلق لنفسه الهدى، وإن لم يهده الله. فحرف الزمخشري "الهدى" إلى "اللطف"، فانظر أي المعنيين أقرب إلى لفظ: (ومَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) المقول في دار الجزاء، بعد تحقق الحق، وهم في مقعد صدق".

стр. 2804

يقولون ذلك سروراً واغتباطاً بما نالوا، وتلذذاً بالتكلم به لا تقرباً وتعبداً، كما نرى من رزق خيراً في الدنيا يتكلم بنحو ذلك ولا يتمالك أن لا يقوله للفرح لا للقربة. (أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ) (أن) مخففةٌ من الثقيلة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (واغتباطاً)، النهاية: "يقال: غبطت الرجل أغبطه غبطاً: إذا أنت تمنيت أن يكون لك مثل ما له، وأن يدوم عليه ما هو فيه". الجوهري: "الغبطة: أن تتمنى مثل حال المغبوط، من غير أن تريد زوالها عنه، وليس بحسد. وتقول منه: غبطته بما نال، أغبطه غبطاً وغبطةً، فاغتبط، هو كقولك: منعته فامتنع، وحبسته فاحتبس. قال الشاعر: وبينما المرء في الأحياء مغتبط … إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير أي: هو مغتبط". فقوله: "اغتباطاً بحالهم" معناه: المبالغة، وأنهم يغتبطون بحال أنفسهم، وبما نالوا من الكرامة، فهم مغتبطون.

стр. 2805

تقديره: ونودوا بأنه تلكم الجنة، (أُورِثْتُمُوها) والضمير ضمير الشأن والحديث، أو تكون بمعنى: أي؛ لأنّ المناداة من القول، كأنه قيل: وقيل لهم أي: تلكم الجنة أورثتموها (بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ): بسبب أعمالكم لا بالتفضل، كما تقول المبطلة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ونودوا بأنه تلكم الجنة)، ذكر ضمير الشأن، مع أن في الكلام مؤنثاً، كقولهم: وأنه أمة الله ذاهبة. قال ابن الحاجب: "كأنهم قصدوا بقولهم: يجيء مؤنثاً إذا كان في الكلام مؤنث، إلى المناسبة، وإلا فالمعنى سواء، سواء كان مذكراً أو مؤنثاً". وقال الزجاج: "إنما قيل: (تلكم) لأنهم وعدوا بها في الدنيا، وجائز أن يكون عاينوها، فقيل لهم من قبل دخولها، إشارة إلى ما يرونه، كما تقول لمن تراه: ذلك الرجل أخوك. ولو قلت: هذا الرجل، لأنه يراك، جاز". قوله: (بسبب أعمالكم، لا بالتفضل كما تقول المبطلة)، هذا قول باطل، مناقض لما روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي هريرة وجابر قالا: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعلمه". قالوا: ولا أنت؟ ! قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته".
следующие страницы →