← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

وقد كرره فقال: (وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) لأن كلّ مجرم ظالمٌ لنفسه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقد كرره، فقال: (وكذلك)، يعني: أوقع قوله: (وكذلك نجزى المجرمين) تذييلاً للكلام السابق، لتلك العلة، لأن فائدة التذييل غالباً توكيد المذيل، وإبراز حكمه في صورةٍ كلية. ومن ثم فسره لك بقوله: "وأن كل من أجرم عوقب، لأن كل مجرمٍ ظالم لنفسه". ونحوه قوله تعالى: (إنَّ المُلُوكَ إذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) [النمل: ٣٤] أي: الإفساد. أي: كل من ملك دأبه الإفساد، إذا دخل أرض العدو. وقوله: (لأن كل مجرم ظالم لنفسه) مشعر بأن قوله: (الظالمين) وضع موضع الضمير، وكرر التذييل، ليناط بما لم ينط به أولاً، فآذن أولاً بحرمانهم من دخول الجنة، وثانياً بحرمان خروجهم من النار، لأنهم في بحبوحتها. قال القاضي: "عبر عنهم بالمجرمين تارة، وبالظالمين أخرى، إشعاراً بأنهم بتكذيبهم

стр. 2802

(مِهادٌ): فراشٌ، (غَواشٍ): أغطية. وقرئ: "غواشٌ" بالرفع، كقوله تعالى: (وله الجوار المنشآت) [الرحمن: ٢٤] في قراءة عبد الله. [(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)]. (لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) جملة معترضة بين المبتدأ والخبر، للترغيب في اكتساب ما لا يكتنهه وصف الواصف من النعيم الخالد، مع التعظيم بما هو في الوسع، وهو الإمكان الواسع غير الضيق من الإيمان والعمل الصالح. وقرأ الأعمش: "لا تكلف نفسٌ". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الآيات، اتصفوا بهذه الأوصاف الذميمة. وذكر الجرم مع الحرمان من الجنة، والظلم مع التعذيب بالنار، تنبيهاً على أنه أعظم الإجرام". قوله: (وقرئ: "غواش" بالرفع) جعل عين الفعل معتقباً للإعراب. قوله: (ما لا يكتنهه وصف الواصف): مقتبس من معنى قوله: "فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". وفائدة الاعتراض توكيد الترغيب، وذلك أن في جعل (آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) صلة للموصول، وإيقاع (أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ) خبراً له، إشعاراً بأن العمل الصالح سبب لدخول الجنة، وأن اسم الإشارة دل على أن ما بعده جدير بما قبله، بما اكتسب من الخصال الفاضلة. فإذا سمع المكلف هذا الترغيب، نشط لاكتسابها، ثم إذا سمع أن ذلك على السعة لا الضيق، يزيد في نشاطه ورغبته.

стр. 2803

[(وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)]. من كان في قلبه غلٌّ على أخيه في الدنيا نزع منه، فسلمت قلوبهم وطهرت، ولم يكن بينهم إلا التوادّ والتعاطف، وعن عليّ ﵁: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم. (هَدانا لِهذا) أي: وفقنا لموجب هذا الفوز العظيم، وهو الإيمان والعمل الصالح، (وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ) اللام لتوكيد النفي، ويعنون: وما كان يستقيم أن تكون مهتدين لولا هداية الله وتوفيقه. وفي مصاحف أهل الشام: "ما كنا لنهتدي" بغير واو، على أنها جملةٌ موضحة للأولى، (لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ) فكان لنا لطفاً وتنبيهاً على الاهتداء فاهتدينا، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (اللام لتوكيد النفي)، وقد سبق تقريره في آخر سورة "النساء". قوله: ((لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) فكان لنا لطفاً وتنبيهاً على الاهتداء، فاهتدينا). جعل الجملة القسمية علةً لهدايتهم، وهي إلى إثبات صدق وعدهم بالجنة أقرب وأولى، لتبقي الهداية منحةً من الله، وفضلاً منه، لأن الهداية عقلية، ونبهنا عليها، كما قال في "الانتصاف": "هذه الآية تشهد بنفي الهدى عمن لم يهده الله، لا كمن يزعم أنه يخلق لنفسه الهدى، وإن لم يهده الله. فحرف الزمخشري "الهدى" إلى "اللطف"، فانظر أي المعنيين أقرب إلى لفظ: (ومَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) المقول في دار الجزاء، بعد تحقق الحق، وهم في مقعد صدق".

стр. 2804

يقولون ذلك سروراً واغتباطاً بما نالوا، وتلذذاً بالتكلم به لا تقرباً وتعبداً، كما نرى من رزق خيراً في الدنيا يتكلم بنحو ذلك ولا يتمالك أن لا يقوله للفرح لا للقربة. (أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ) (أن) مخففةٌ من الثقيلة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (واغتباطاً)، النهاية: "يقال: غبطت الرجل أغبطه غبطاً: إذا أنت تمنيت أن يكون لك مثل ما له، وأن يدوم عليه ما هو فيه". الجوهري: "الغبطة: أن تتمنى مثل حال المغبوط، من غير أن تريد زوالها عنه، وليس بحسد. وتقول منه: غبطته بما نال، أغبطه غبطاً وغبطةً، فاغتبط، هو كقولك: منعته فامتنع، وحبسته فاحتبس. قال الشاعر: وبينما المرء في الأحياء مغتبط … إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير أي: هو مغتبط". فقوله: "اغتباطاً بحالهم" معناه: المبالغة، وأنهم يغتبطون بحال أنفسهم، وبما نالوا من الكرامة، فهم مغتبطون.

стр. 2805

تقديره: ونودوا بأنه تلكم الجنة، (أُورِثْتُمُوها) والضمير ضمير الشأن والحديث، أو تكون بمعنى: أي؛ لأنّ المناداة من القول، كأنه قيل: وقيل لهم أي: تلكم الجنة أورثتموها (بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ): بسبب أعمالكم لا بالتفضل، كما تقول المبطلة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ونودوا بأنه تلكم الجنة)، ذكر ضمير الشأن، مع أن في الكلام مؤنثاً، كقولهم: وأنه أمة الله ذاهبة. قال ابن الحاجب: "كأنهم قصدوا بقولهم: يجيء مؤنثاً إذا كان في الكلام مؤنث، إلى المناسبة، وإلا فالمعنى سواء، سواء كان مذكراً أو مؤنثاً". وقال الزجاج: "إنما قيل: (تلكم) لأنهم وعدوا بها في الدنيا، وجائز أن يكون عاينوها، فقيل لهم من قبل دخولها، إشارة إلى ما يرونه، كما تقول لمن تراه: ذلك الرجل أخوك. ولو قلت: هذا الرجل، لأنه يراك، جاز". قوله: (بسبب أعمالكم، لا بالتفضل كما تقول المبطلة)، هذا قول باطل، مناقض لما روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي هريرة وجابر قالا: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعلمه". قالوا: ولا أنت؟ ! قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته".

стр. 2806

[(وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ* الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ)]. (أن) في (أَنْ قَدْ وَجَدْنا) يحتمل أن تكون مخففةً من الثقيلة، وأن تكون مفسرةً كالتي سبقت آنفاً، وكذلك (أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)، وإنما قالوا لهم ذلك اغتباطاً بحالهم، وشماتةً بأصحاب النار، وزيادةً في غمهم، لتكون حكايته لطفاً لمن سمعها، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي رواية أخرى لأبي هريرة: "لن يدخل أحداً منكم عمله الجنة". ذكره الحميدي في "الجمع بين الصحيحين". النهاية: "أن يتغمدني الله برحمته، أي: يلبسنيها، ويسترني بها. مأخوذ من "غمد السيف" وهو: غلافه: "سددوا وقاربوا" أي: اقتصدوا في الأمور كلها، واتركوا الغلو فيها والتقصير. قارب فلان في أموره: إذا اقتصد". الانتصاف: "الآية جعلت الجنة جزاءً للعلم فضلاً ورحمة، لا أنه واجب لهم وجوب الديون. والذين كذبوا الخبر، وأوجبوا على الله ما لا يوجبه على نفسه، هم المبطلون". قوله: (ولتكون حكايته): معطوف على قوله: "اغتباطاً". وصرح باللام لعدم كونه فعلاً لفاعل الفعل المعلل، أي: لتكون حكاية الله قولهم الذي هو بمنزلة الكائن لطفاً لمن سمعها، ليزجرهم عما يبعدهم عن تلك المنزلة، وترغيباً في حصولها. فالظاهر أن معلله محذوف، والجملة عطف على الجملة، أي: إنما قالوا لهم ذلك اغتباطاً، وحكى الله عنهم ذلك ليكون لطفاً لمن سمعها.

стр. 2807

وكذلك قول المؤذن بينهم: "لعنة الله على الظالمين"، وهو ملك يأمره الله فينادي بينهم نداءً يُسمِعُ أهل الجنة وأهل النار. وقرئ: (أنّ لعنة الله) بالتشديد والنصب، وقرأ الأعمش: "إن لعنة الله" بكسر "إن" على إرادة القول، أو على إجراء (أَذَّنَ) مُجرى "قال". فإن قلت: هلا قيل: ما وعدكم ربكم، كما قيل: ما وعدنا ربنا؟ قلت: حذف ذلك تخفيفاً لدلالة (وعدنا) عليه، ولقائلٍ أن يقول: أطلق ليتناول كل ما وعد الله من البعث والحساب والثواب والعقاب وسائر أحوال القيامة؛ لأنهم كانوا مكذبين بذلك أجمع، ولأن الموعود كله مما ساءهم، وما نعيم أهل الجنة إلا عذاب لهم فأطلق لذلك. [(وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ)]. (وَبَيْنَهُما حِجابٌ) يعني: بين الجنة والنار، أو بين الفريقين، وهو السور المذكور في قوله تعالى: (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ) [الحديد: ١٣]. (وَعَلَى الْأَعْرافِ): وعلى أعراف الحجاب - وهو السور المضروب بين الجنة والنار-، وهي أعاليه، جمع "عُرفٍ"، استعير من عرف الفرس وعرف الديك، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "أن لعنة الله" بالتشديد والنصب): ابن عامر وحمزة والكسائي. قوله: (أطلق ليتناول كل ما وعد الله)، يعني أن الله تعالى وعد المؤمنين الثواب، والكافرين العقاب، فلو قيل: "وعدكم" لاختص بالعقاب، لأن المخاطبين أصحاب النار، كما أن (وعدنا) مختص بالثواب، يدل عليه ذكر الجنة والنار في قوله: (ونَادَى أَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ). فأطلق ليتناول الثواب والعقاب، وما يتصل بهما. يعني: هل وجدتم الوعود كلها صدقاً؟ توبيخاً وتقريعاً. أو قالوا كلك شماتةً بهم.

стр. 2808

(رِجالٌ) من المسلمين من آخرهم دخولاً في الجنة لقصور أعمالهم، كأنهم المرجون لأمر الله، يحبسون بين الجنة والنار إلى أن يأذن الله لهم في دخول الجنة، (يَعْرِفُونَ كُلًّا) من زمر السعداء والأشقياء (بِسِيماهُمْ): بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها، يلهمهم الله ذلك: أو تعرّفهم الملائكة. [(وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ* أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (المرجون لأمر الله) بفتح الجيم، وسكون الواو. النهاية: "الإرجاء: التأخير. وهو مهموز، يقال: أرجأت الأمر، وأرجيته: إذا أخرته". هذا تفسير بين، يؤيده قوله: (وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال) أي: على أعراف الحجاب، وهو الأعالي منه. روى الإمام أنه قيل للحسن: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فضرب على فخذه، وقال: هم قوم جعلهم الله على تعرف أهل الجنة وأهل النار، يميزون البعض من البعض. والله لا أدري، لعل بعضهم الآن معنا. ثم آتى الإمام بوجوه ثلاثة متضمنة على أنهم: الأشراف من الملائكة، والأنبياء، والشهداء، وأطال فيها.

стр. 2809

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والذي يقتضيه النظم ما ذهب إليه المصنف، فإنه تعالى بعد أن ذكر الفريقين: أصحاب الجنة، وأصحاب النار، أتى بمقاولاتهم ومناظراتهم، وما جرى بينهم، فقال أولاً: (ونَادَى أَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وجَدْنَا مَا وعَدَنَا رَبُّنَا حَقًا) [الأعراف: ٤٤]. ثم حكى نداء أصحاب النار أصحاب الجنة، بقوله: (ونَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ المَاءِ) [الأعراف: ٥٠]. فوسط بين المقالتين ذكر قوم توسطت حالهم بين حاليهما في المكان والمقام: أما المكان فقوله: (وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال). وأما المقام فهو الخوف والرجاء، فقد أشار إليه بقوله تعالى: (لم يدخلوها وهم يطمعون)، وقوله: (لا تجعلنا مع القوم الظالمين). ويؤيد هذا التقسيم قوله تعالى في التوبة: (وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إمَّا يُعَذِّبُهُمْ وإمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ) [التوبة: ١٠٦] بعد ذكر الفريقين من أهل الثواب والعقاب. وإليه الإشارة بقوله: (كأنهم المرجون". وإنما لم يجزم لاختلاف المفسرين. وقوله: "يعرفون كلا من زمرة السعداء والأشقياء بسيماهم"، الراغب: "المعرفة والعرفان: إدراك الشيء بتفكر وتدبر لأثره، فهو أخص من العلم، يقال: فلان يعرف الله، ولا يقال: يعلم الله، متعدياً إلى مفعول واحد، لما كان معرفة البشر لله تعالى هي بتدبر آثاره دون إدراك ذاته، ويقال: الله يعلم، ولا يقال: يعرف، لأن المعرفة تستعمل في العلم القاصر المتوصل إليه بتفكر، وأصله من عرفت، أي: أصبت عرفه، أي: رائحته، أو من أصبت عرفه، أي: خده، قال تعالى: (تعرفهم بسيماهم)، ويضاد المعرفة الإنكار، كالعلم الجهل، قال تعالى: (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا)، (فَعَرَفَهُمْ وهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ)، والعارف في تعارف القوم: هو المختص بمعرفة الله تعالى، ومعرفة ملكوته، وحسن معاملته لله تعالى".

стр. 2810

إذا نظروا إلى أصحاب الجنة نادوهم بالتسليم عليهم، (وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ) ورأوا ما هم فيه من العذاب استعاذوا بالله، وفزعوا إلى رحمته أن لا يجعلهم معهم. ونادراً رجالاً من رؤوس الكفرة يقولون لهم: (أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ) إشارةً لهم إلى أهل الجنة، الذين كان الرؤساء يستهينون بهم ويحتقرونهم لفقرهم وقلة حظوظهم من الدنيا، وكانوا يقسمون: أن الله لا يدخلهم الجنة (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ) يقال لأصحاب الأعراف: (ادخلوا الجنة)، وذلك بعد أن يحبسوا على الأعراف وينظروا إلى الفريقين، ويعرفوهم بسيماهم، ويقولوا ما يقولون. وفائدة ذلك: بيان أن الجزاء على قدر الأعمال، وأن التقدّم والتأخر على حسبها، وأن أحداً لا بسبق عند الله إلا بسبقه في العمل، ولا يتخلف عنده إلا بتخلفه فيه، وليرغب السامعون في حال السابقين، … .. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إذا نظروا إلى أصحاب الجنة نادوهم)، إشارة إلى أن قوله: (ونادوا أصحاب الجنة) [الأعراف: ٤٦] جزاء شرطٍ محذوف، لدلالة قوله: (وإذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ). وكلاهما كالتفصيل لقوله: (يعرفون كلا بسيماهم) [الأعراف: ٤٦]. وإنما قدر: "نظروا" دون (صرفت) للمقابلة، ليؤذن بأن النظر إلى أصحاب الجنة وجد منهم على الرغبة، وميل النفس، وإلى أصحاب النار بخلافه. وإلى هذا المعنى أشار بقوله: "وفيه أن صارفاً يصرف أبصارهم". قوله: (ونادوا رجالاً من رؤوس الكفرة، يقولون لهم: (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ))، وفي التنزيل: (ونَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُم قَالُوا مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ ومَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ).

стр. 2811

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. أخر تفسير قوله: (ما أغنى عنكم جمعكم) لينبهك على مكان نكتة، وهي: أن أصل الكلام جار في شأن أصحاب الجنة وتكريمهم، وتقريع أصحاب النار وتعييرهم متفرع عليه، وذلك أن أصحاب الأعراف لما سلموا على أصحاب الجنة، أقبلوا إلى أعدائهم ومن كانوا يستهينون بهم، ويحتقرونهم لفقرهم، قائلين: أهؤلاء الذين أقسمتم: إن الله لا يدخلهم الجنة؟ ثم لمزيد التوبيخ ادخلوا: (مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ ومَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) بين الكلامين اعتراضًا. ويمكن أن يقال: إن قوله: (مآ أغني عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون) في مقابل قولهم لأصحاب الجنة: (سلم عليكم). وكل من المتقابلين مضاد لمعنى الآخر، فقيل لهم: (سلام عليكم)، أي: سلمتم من متابع الدنيا، وتبعاتها، وما كنتم تسمعون من أذى المتكبرين الذين كانوا يفتخرون عليكم، ويستضعفونكم، ويستقلون بأحوالكم، وقيل لهؤلاء: ما أغنى عنكم أموالكم وما كنتم به تتنعمون، وتفتخرون على فقرائكم، فقد وقعتم في العذاب. ثم زيد فيما يزيد في حسرتهم وغيظهم، بقوله: (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ) لأن الإحسان إليهم نكال لهم فوق النكال. ويؤيده قول الإمام: "قوله: (وما كنتم تستكبرون) كالدلالة على شماتة أصحاب الأعراف

стр. 2812

ويحرصوا على إحراز قصبتهم، وليتصوروا أن كل أحدٍ يعرف ذلك اليوم بسيماه التي استوجب أن يوسم بها من أهل الخير والشر، فيرتدع المسيء عن إساءته، ويزيد المحسن في إحسانه، وليعلم أنّ العصاة يوبخهم كل أحدٍ حتى أقصر الناس عملاً. وقوله: (وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ) فيه: أن صارفاً يصرف أبصارهم لينظروا فيستعيذوا ويوبخوا وقرأ الأعمش: "وإذا قلبت أبصارهم"، وقرئ: "أدخلوا الجنة" على البناء للمفعول، وقرأ عكرمة: "دخلوا الجنة". فإن قلت: كيف لاءم هاتين القراءتين قوله: (لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ)؟ قلت: تأويله: أدخلوا، أو دخلوا الجنة مقولاً لهم: لا خوفٌ عليكم ولا أنتم تحزنون. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بوقوع أولئك في العقاب، وعلى تبكيتٍ عظيم. ثم زادوا على هذا التبكيت بقولهم: (أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ)، لأنهم كانوا يستضعفونهم، ويستهزئون بهم، وأنفوا من مشاركتهم في دينهم". قوله: (فيه: أن صارفاً يصرفهم)، يعني: في بناء الفعل للمفعول إشارة إلى هذه الرمزة، وهي الإلجاء إلى النظر وإلى الاستعاذة وإلى التوبيخ: أما الاستعاذة فهي قولهم: (ربنا لا تجعلنا مع القوم الظلمين)، وأما التوبيخ فهو قولهم: (أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمةٍ). قوله: (كيف لاءم هاتين القراءتين؟ ) أي: "أدخلوا" على البناء للمفعول، و"دخلوا" على الماضي، لأن مقتضاهما أن يقال: "لا خوف عليهم ولا هم يحزنون".

стр. 2813

فإن قلت: ما محل قوله: (لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ)؟ قلت: لا محل له لأنه استئناف؛ كأن سائلاً سأل عن حال أصحاب الأعراف فقيل: لم يدخلوها وهم يطمعون، يعني: حالهم أنّ دخولهم الجنة استأخر عن دخول أهل الجنة، فلم يدخلوها لكونهم محبوسين، وهم يطمعون لم ييأسوا. ويجوز أن يكون له محل، بأن يقع صفة لـ (رجال). (ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ) المال، أو كثرتكم واجتماعكم (وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) واستكباركم عن الحق وعلى الناس، وقرئ: "تستكثرون"؛ من الكثرة. [(وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ* الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ)]. (أَفِيضُوا عَلَيْنا) فيه دليلٌ على أن الجنة فوق النار، (أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) من غيره من الأشربة؛ لدخوله في حكم الإفاضة، ويجوز أن يراد: أو ألقوا علينا مما رزقكم الله من الطعام والفاكهة، كقوله: ......... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. قوله: (كأن سائلاً سأل) أي: قال: ما حال أصحاب الأعراف حينئذ؟ وأجيب: لم يدخلوا الجنة، لكنهم طامعون أن يدخلوها لم ييأسوا عن دخولها. قوله: ((أو مما رزقكم الله) من غيره من الأشربة)، يعني: عطف قوله: (مما رزقكم الله) على (الماء)، فدخل تحت حكم الإفاضة، فيحمل على غير الماء من الأشربة، ليصح.

стр. 2814

عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِداً وإنما يطلبون ذلك مع يأسهم من الإجابة إليه حيرةً في أمرهم، كما يفعل المضطر الممتحن. (حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ): منعهم شراب الجنة وطعامها، كما يمنع المكلف ما يحرّم عليه ويحظر، كقوله: حَرَامٌ عَلَى عَيْنَيَّ أَنْ تَطْعَمَ الْكَرَى (فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ): نفعل بهم فعل الناسين الذين ينسون عبيدهم من الخير لا يذكرونهم به، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (علفتها تبناً وماءً باردا)، أنشد تمامه ابن قتيبة الدينوري في كتاب "مشكل القرآن" عن الفراء: حتى شكت همالةً عيناها وفي الحواشي أن هذا المصراع تمام قوله: حرام على عيني أن تطعما الكرى قوله: (نفعل بهم فعل الناسين)، يعني: أنه تمثيل، لأنه متعالٍ أن ينسى شيئاً، لكن شبه معاملته مع هؤلاء المنكرين بمعاملة من ينسى عبده من الخير، فلا يلتفت إليه.

стр. 2815

(كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا): كما فعلوا بلقائه فعل الناسين، فلم يخطروه ببالهم ولم يهتموا به. [(وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ* هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَاوِيلَهُ يَوْمَ يَاتِي تَاوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ)]. (فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ): عالمين كيف نفصل أحكامه ومواعظه وقصصه وسائر معانيه، حتى جاء حكيماً قيماً غير ذي عوج؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كما فعلوا بلقائه فعل الناسين)، يعني: أن وصفهم بالنسيان أيضاً تمثيل، لأنهم في الدنيا لم يكونوا ذاكري الله حتى نسوا، فشبه عدم إخطارهم لقاء الله، أي: القيامة، ببالهم، وقلة مبالاتهم، بحال من عرف شيئاً ثم نسيه. قوله: (عالمين كيف نفصل أحكامه؟ )، يعني: أوقع (على علم) حالاً عن ضمير الفاعل في (فصلناه)، ليكون كنايةً عن كون الكتاب حكيماً غير ذي عوج، لأن الفاعل إذا كان عالماً بما يفعل، متقناً فيه، جاء فعله محكماً مستقيماً. قوله: (كيف نفصل أحكامه ومواعظه وقصصه وسائر معانيه؟ ) كأنه يشير إلى أن هذه

стр. 2816

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الآية كالخاتمة لجميع ما سبق، والتخلص إلى مشرع آخر من التذكير بالدلائل الدالة على القدرة الباهرة، وتعداد أحوال الأمم السالفة، تنبيهاً للغافلين، وتبصرةً للمتذكرين، وعبرة للمعتبرين. فإذن الآية متصلة بفاتحة السورة وبما بعدها، على سبيل الاعتراض، والتخلص، وذلك أنه تعالى لما نهاه عن ضيق الصدر، وعلله بإنزال هذا الكتاب المعجز، كما سبق، ثم أمره بأن ينذرهم، بقوله: (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) [الأعراف: ٣]، ويذكرهم بقوله: (ولَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ) الآية [الأعراف: ١٠] ما أولاهم من نعمة التمكين، وما خولهم من الكرامة، بأن جعل أباهم مسجوداً للملائكة، وطرد الشيطان بسبب امتناعه عن السجود، وحذرهم عن متابعته، وأدمج الكلام بعضه في بعض، على أساليب عجيبة، وفنون غريبة - عقبه بقوله: (ولَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ) أي: جئناهم بمثل هذا الكتاب الظاهر التفصيل، البين التأويل، الهادي السعداء إلى الصراط المستقيم. ثم بقوله: (هَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ تَاوِيلَهُ) أي: ما لهم بعد هذا التفصيل والتوضيح لا يؤمنون، وينتظرون فيما ينتظرون، إلا يوم يأتي عاقبة أمره، وما نطق به من قوارع الساعة، حتى "لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل"، وحينئذٍ يقولون متحسرين نادمين: (فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ)! فما أخسرهم! وما أوخم مآل أمرهم! ثم قال: (وضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أي: يفترونه في إبطال ما أنزل عليهم.

стр. 2817

وقرأ ابن محيصن: "فضلناه" بالضاد المعجمة، بمعنى: فضلناه على جميع الكتب، عالمين أنه أهلٌ للتفضيل عليها، و (هُدىً وَرَحْمَةً) حالٌ من منصوب (فضلناه)، كما أن (على علمٍ) حال من مرفوعه. (إِلَّا تَاوِيلَهُ): إلا عاقبة أمره وما يؤول إليه من تبين صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد، (قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ) أي: تبين وصحّ أنهم جاءوا بالحق، (نُرَدُّ) جملة معطوفةٌ على الجملة التي قبلها، داخلة معها في حكم الاستفهام، كأنه قيل: هل لنا من شفعاء، أو هل نُردّ؟ ورافعه: وقوعه موقعاً يصلح للاسم، كما تقول ابتداءً: هل يضرب زيد؟ ولا يطلب له فعلٌ آخر يعطف عليه، فلا يقدّر: هل يشفع لنا شافعٌ أو نردّ؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقوله: (الذين نسوه): مظهر وضع موضع الضمير. والمراد بالنسيان: الترك، وطلب التأويل. قوله: ((نرد): جملة معطوفة على الجملة التي قبلها)، وهي قوله: (لنا من شفعاء) وهي: مبتدأ وخبر، و (من): زائدة، لأن الكلام منفي معنى. قوله: (ورافعه: وقوعه موقعاً يصلح للاسم). يعني به في ابتداء الكلام، لأن الابتداء صالح لأن يقع فيه الاسم أو الفعل المضارع. وأما الماضي لما انتفى استحقاقه الإعراب، انتفى ما هو مبني عليه، وهو استحقاقه الرفيعة. قوله: (فلا يقدر: هل يشفع لنا شافع). يعني: لا يجوز تقدير "يشفع" ليعطف (نرط) عليه فيطابقه، لأن جواب الاستفهام، وهو (فيشفعوا) يأبي ذلك، لما يؤدي هذا العطف إلى الانسحاب والاشتراك فيه، إذ التقدير:

стр. 2818

وقرأ ابن أبي إسحاق: "أو نردّ" بالنصب عطفاً على (فيشفعوا لنا)، أو تكون (أو) بمعنى «حتى أنّ» أي: يشفعوا لنا حتى نردّ فنعمل، وقرأ الحسن بنصب "نُرَدُّ" ورفع "فَنَعْمَلَ"؛ بمعنى: فنحن نعمل. [(إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "هل نرد، فيشفعوا لنا؟ "، فيفسد المعنى، ويعطل أيضاً (فنعمل)، لأنه جواب، أي: للاستفهام الثاني، بخلاف ما عليه الظاهر، فإنه عطف الفعل مع جوابه، على مثلها من الجملة، وإن لزم عطف الجملة الفعلية على الاسمية، على أن "هل" تستدعي الفعلية، فكأنه عطف الفعلية على مثلها. وفائدة العدول إظهار القصد إلى توخي الشفعاء، وأنه أهم شيءٍ عندهم حينئذ، ليتخلصوا من تلك الورطة، بخلاف الرد. قال صاحب "المفتاح": " (فهل): أدعى للفعل من الهمزة. فترك الفعل معه يكون أدخل في الإنباء عن استدعاء المقام عدم التجدد". ومن ثم أدخل (من) الاستغراقية على "الشفعاء". قوله: ("أو نرد" بالنصب: عطفاً على (فيشفعوا)). قال ابن جني: " (فيشفعوا): منصوب لأنه جواب الاستفهام، وفيه معنى التمني. كأنهم

стр. 2819

(يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً) وقرئ: (يغشي) بالتشديد، أي: يلحق الليل النهار، أو النهار بالليل يحتملهما جميعاً. والدليل على الثاني قراءة حميد بن قيس: "يغشى الليل النهار"، بفتح الياء ونصب "الليل" ورفع "النهار"، أي: يدرك النهار الليل و (يطلبه حثيثاً) حسن الملاءمة لقراءة حميد. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قالوا: أنرزق شفعاء فيشفعوا لنا، أو نرد به فنعمل غير الذي كنا نعمل؟ وذلك أنهم مع نصب "نرد" تمنوا الشفعاء وحدهم، وقطعوا بالشفاعة والرد. وعلى قراءة الجماعة برفع (نرد): تمنوا الشفعاء، وقطعوا بالشفاعة، وتمنوا الرد أيضاً، كأنه قال: أو هل نرد فنعمل". قوله: (وقرئ: "يغشى الليل" بالتشديد): أبو بكر وحمزة والكسائي، والباقون: بالتخفيف. قوله: (يحتملهما جميعاً)، أي: يحتمل أن يكون النهار ملحقاً بالليل، وأن يكون الليل ملحقاً بالنهار. قوله: (والدليل على الثاني) أي: على أن يكون الليل ملحقاً بالنهار، قراءة حميد: "يغشى الليل النهار" بنصب "الليل" ورفع "النهار". فقوله: (يطلبه حثيثاً) مبتدأ، وقوله: "حسن الملاءمة" خبره.

стр. 2820

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يعني: يلزم على قراءة حميد، أن يكون الطالب النهار، والليل ملحق به، والطلب بالنهار أولى، والليل أحسن أن يكون ملحقاً به. قال ابن جني: "يغشى الليل النهار" - على قراءة حميد - حال من قوله: (ثم استوى على العرش)، والعائد محذوف، أي: يغشى الليل النهار بأمره أو بإذنه، وإنما التزم هذا الحذف لتتفق القراءتان. فقوله: (يطلبه حثيثاً): يدل من قوله: "يغشى الليل النهار" للتوكيد. وعلى قراءة الجماعة: حال من (لليل)، أي: يغشى الليل النهار طالباً له حثيثاً، و (حثيثاً): حال من الضمير في (يطلبه). ووجه التقاء القراءتين أن الليل والنهار يتعاقبان، وكل واحد منهما فاعل، وإن كان مفعولاً فإن كل واحدٍ منهما مزيل لصاحبه، على أن الظاهر في الاستحثاث هو النهار، لأنه بسفوره وشروقه يظهر أثر الاستحثاث، لأن ضوء النهار هو الهاجم على الظلمة، ويطالبه حثيثاً، وقوله: (يطلبه حثيثاً) على هذا: حال من (النهار)، وإن كان مفعولاً، كقولك: "ضربت هند زيداً مؤلمةً له". فإن "مؤلمةً له" يجوز أن يكون حالاً من كل واحد منهما، لما اشتمل على ضميرهما. وهو نظير قوله: (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ) [مريم: ٢٧]، (تحمله) يجوز أن يكون حالاً من كل واحد منهما، ومنهما معاً. قلت: قوله: "على أن الظاهر في الاستحثاث هو النهار": هو المراد من قول المصنف: " (يطلبه حثيثاً): حسن الملاءمة لقراءة حميد". هذا هو التحقيق، لا ما قال صاحب "التقريب": "حسن الملاءمة اتحاد الإسناد، ورجوع الضمير إلى الأقرب"، وتبعه الجمهور. والذي يؤيد قول ابن جني قوله تعالى: (وآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ) [يس: ٣٧].

стр. 2821

(بِأَمْرِهِ): بمشيئته وتصريفه، وهو متعلق (مسخرات)، أي: خلقهنّ جارياتٍ بمقتضى حكمته وتدبيره، وكما يريد أن يصرفها سمى ذلك "أمراً" على التشبيه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال المرزوقي: "يعلم منه أن الليل قبل النهار، لأن المسلوخ منه يكون قبل المسلوخ". وقال الفراء: "الأصل هي الظلمة، والنهار داخل عليها". وفي معناه أنشد بعضهم: كأنا وضوء الصبح يستعجل الدجي … نطير غراباً ذا قوادم جون النهاية: "حث وأسرع. يقال: حثه على الشيء، وحثحثه بمعنى". قوله: (وكما يريد أن يصرفها): عطف على قوله: "بمقتضي حكمته"، أي: خلقهن جارياتٍ كما يريد أن يصرفها. قوله: (سمى ذلك "أمراً" على التشبيه)، أي: على الاستعارة، فإنها مسبوقة به. بيانه: أنه تعالى جعل هذه الأشياء في كونها تابعةً لتكوينه، وتصرفه فيها بما شاء، غير ممتنعة عليه، كأنها عقلاء يميزون، قد عرفوا عظمته وجلالته، فكما يرد عليهم أمره لا يتوقفون عن الامتثال.

стр. 2822

كأنهنّ مأمورات بذلك. وقرئ: (والشمس والقمر والنجوم مسخرات) بالرفع. ولما ذكر أنه خلقهنّ مسخراتٍ بأمره، قال: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)، أي: هو الذي خلق الأشياء كلها، وهو الذي صرفها على حسب إرادته. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "والشمس والقمر والنجوم مسخرات" بالرفع): ابن عامر، والباقون بالنصب. قوله: (ولما ذكر أنه خلقهن مسخرات بأمره قال: (ألا له الخلق والأمر))، يعني: هذه الآية كالتذييل للكلام السابق. واللام في (الخلق) و (الأمر) للجنس، فيدخل في (الخلق) قوله: (خلق السموات والأرض) وفي (الأمر) قوله: (مسخرات بأمره). وإلى الأول الإشارة بقوله: "هو الذي خلق الأشياء". وإلى الثاني بقوله: "وهو الذي صرفها على إرادته". وأما توجيه النظم فهو ما ذكره القاضي، قال: " (تبارك الله رب العالمين) معناه: تعالى بالوحدانية في الإلوهية، وتعظم بالتفرد في الربوبية". وتحقيق الآية - والله أعلم - أن الكفرة كانوا متخذين أرباباً، فبين لهم أن المستحق للربوبية واحد، وهو الله تعالى؛ لأنه الذي له الخلق والأمر، فإنه تعالى خلق العالم على ترتيب قويم، وتدبيرٍ حكيم، فأبدع الأفلاك، ثم زينها بالكواكب، كما أشار إليه بقوله: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) [فصلت: ١٢]، وعمد إلى إيجاد الأجرام السفلية، فخلق جسماً قابلاً للصور المتبدلة، والهيئات المختلفة، ثم قسمها بصورٍ مختلفة، متضادة الآثار والأفعال. وأشار

стр. 2823

[(ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ* وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ* وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ* وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ)]. (تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) نصبٌ على الحال، أي: ذوي تضرع وخفية، وكذلك: (خوفاً وطمعاً)، والتضرع: تفعلٌ من الضراعة وهي الذل، أي: تذللاً وتملقاً. وقرئ: "خفيةً"، وعن الحسن ﵀: "إنّ الله يعلم القلب التقى والدعاء الخفي، إن كان الرجل ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إليه بقوله: (خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) [فصلت: ٩] أي: ما في جهة السفل، ثم أنشأ أنواع المواليد الثلاثة، بتركيب موادها أولاً، وتصويرها ثانيًا. كما قال بعد قوله: (خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ): (وجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وبَارَكَ فِيهَا وقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) [فصلت: ١٠] أي: مع اليومين الأولين، لقوله في سورة "السجدة": (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ ومَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) [السجدة: ٤]. ثم لما تم له عالم الملك، عمد إلى تدبيره، كالملك الجالس على عرشه لتدبير المملكة، فدبر الأمر من السماء إلى الأرض، بتحريك الأفلاك، وتسيير الكواكب، وتكوير الليالي والأيام. ثم صرح بما هو فذلكة التقرير ونتيجته، فقال: (أَلا لَهُ الخَلْقُ والأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ). ثم أمرهم بأن يدعوه متذللين مخلصين، فقال: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً) [الأعراف: ٥٥]. قوله: (إن كان الرجل)، هي: "إن": المخففة من الثقيلة، وفيه ضمير الشأن. يعني: إن الرجل كان يحفظ القرآن.

стр. 2824

لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير ولا يشعر الناس به، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة وعنده الزور وما يشعر به، ولقد أدركنا أقواماً ما كان على الأرض من عملٍ يقدرون على أن يعملوه في السر، فيكون علانية أبداً، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم، وذلك أنّ الله تعالى يقول: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً)، وقد أثنى على زكريا فقال: (إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا) [مريم: ٣] وبين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفاً". (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) أي: المجاوزين ما أمروا به في كل شيءٍ من الدعاء وغيره، وعن ابن جريجٍ: هو رفع الصوت بالدعاء، وعنه: الصياح في الدعاء مكروهٌ وبدعة. وقيل: هو الإسهاب في الدعاء. وعن النبي ﷺ : «سيكون قوم يعتدون في الدعاء. وحسب المرء أن يقول: اللهمّ إني أسألك الجنة وما قرّب إليها من قولٍ وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول وعمل»، ثم قرأ قوله تعالى: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعنده الزور). الجوهري: "رجل زائر، وقوم زور وزوار، مثل: سافر وسفرٍ وسفار". قوله: (ما كان على الأرض من عملٍ): معناه: لا يوجد على وجه الأرض عمل يقدرون على أن يعملوه في السر، فيعملونه علانية أبداً. يعني: ما أمكنهم أن يعملوه سراً لا يعملونه جهراً اجتناباً عن الرياء. قوله: (سبعون ضعفاً): الأزهري: "الضعف في كلام العرب: المثل فما زاد، وليس بمقصورٍ على مثلين. فأقل الضعف محصور في الواحد، وأكثره غير محصور". ذكره في "النهاية". قوله: (سيكون قوم يعتدون في الدعاء): روينا في "مسند أحمد بن حنبل"، عن سعد بن

стр. 2825

(إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ): كقوله: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً) [طه: ٨٢]، وإنما ذكر (قَرِيبٌ) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أبي وقاص: أنه سمع ابنًا له يدعو ويقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها، ونحواً من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فقال: لقد سألت الله خيراً كثيراً، وتعوذت بالله من شر كثير. فإني سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: "إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء" وقرأ هذه الآية، وقال: "وإن حسبك أن تقول: اللهم إني أسألك الجنة" الحديث. قوله: ((إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ) كقوله تعالى: (وإنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ) [طه: ٨٢]). يعني: هذه الجملة تذييل للكلام السابق، وتعميم بعد تخصيص، وتعليق لرحمته بإحسان عبادته، فإنه تعالى لما أمرهم بأن يدعوا الله متضرعين في الخفية، خائفين راجين، وكرر الأمر به، وذم الاعتداء فيه، ثم نهاهم عن الإفساد في الأرض، علم أن من أتى بهذا المأمور، وكف عن هذا المنهي، كان محسنًا، فجاء بخاتمةٍ تذييلاً له، كما أن قوله تعالى: (وإنِّي لَغَفَّارٌ) تذييل لقوله تعالى: (يَا بَنِي إسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ) إلى قوله تعالى: (كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ولا تَطْغَوْا فِيهِ) [طه: ٨٠ - ٨١]. وتعميم بعد تخصيص، وتعليق لغفرانه بتوبة عباده.

стр. 2826

على تأويل الرحمة بالرحم أو الترحم، أو لأنه صفة موصوف محذوف، أي: شيءٌ قريب، أو على تشبيه بـ"فعيلٍ" الذي هو بمعنى: "مفعول"، كما شبه ذاك به، فقيل: قتلاء وأسراء، أو على أنه بزنة المصدر، الذي هو النقيض والضغيب، أو لأنّ تأنيث "الرحمة" غير حقيقي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بالرحم). الرحم - بالضم -: الرحمة. قال الله تعالى: (وأَقْرَبَ رُحْمًا) [الكهف: ٨١]. قوله: (أو على تشبيه بـ"فعيل" الذي هو بمعنى: "مفعول"). فإنه يستوي فيه المذكر والمؤنث، كجريحٍ وأسيرٍ وقتيل. قوله: (كما شبه ذاك به) أي "الفعيل" الذي بمعنى "مفعول"، بالفعيل الذي بمعنى "فاعل"، فجمع: قتيل وأسير، على: قتلاء، وأسراء، كما جمع: كريم، ورحيم، على: كرماء، ورحماء. ونجيب وعليم، على: نجباء، وعلماء. قوله: (النقيض): الجوهري: "النقيض: صوت المحامل والرحال". "والضغيب: صوت الأرنب". قوله: (أو لأن تأنيث "الرحمة" غير حقيقي): قال صاحب "الفرائد": "المتضمن لضمير المؤنث لم يحسن تذكيره على ما قيل. فهذا الوجه بعيد". وقال الزجاج: "إن الرحمة والغفران والعفو في معنى واحد. وكذلك كل تأنيث ليس بحقيقي. وقال الأخفش: إن الرحمة في معنى المطر" وقال أبو البقاء: "إن الرحمة والترحم بمعنى. وقيل: هو على النسب، أي: ذات قرب. وقيل: هو "فعيل" بمعنى "مفعول". وقيل: فرق بين القريب من النسب وبين القريب من غيره".

стр. 2827

قرئ: (نشراً)، وهو مصدر نشر، وانتصابه إمّا لأن "أرسل" و"نشر" متقاربان، فكأنه قيل: نشرها نشراً، وإمّا على الحال بمعنى: منتشرات، و"نشراً" جمع نشور، و"نشراً" تخفيف "نشر"، كرسلٍ ورسل. وقرأ مسروق: "نشراً"، بمعنى: منشورات، فعل بمعنى: مفعول، كنقضٍ وحسبٍ، ومنه قولهم: «ضم نشره»، و"بشراً" جمع "بشير"، و"بشراً" بتخفيفه، و"بشراً" - بفتح الباء - مصدر من: بشره بمعنى: بشره، أي: باشرات، و"بشرى". (بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ): أمام نعمته، وهي الغيث الذي هو من أتمّ النعم وأجلها وأحسنها أثراً، (أَقَلَّتْ): حملت ورفعت، واشتقاق الإقلال من القلة، لأنّ الرافع المطيق يرى الذي يرفعه قليلاً، (سَحاباً ثِقالًا): سحائب ثقالاً بالماء جمع "سحابة". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الزجاج: "هذا غلط؛ لأن كل ما قرب من مكان أو نسب فيجوز فيه التأنيث والتذكير". قوله: (قرئ: "نشراً"): قرأ عاصم: (بشرا) بالباء الموحدة مضمومة، وإسكان الشين حيث وقع. وابن عامر: بالنون مضمومة وإسكان الشين، وحمزة والكسائي: بالنون مفتوحة وإسكان الشين. والباقون: بالنون مضمومة، وضم الشين. والبواقي شواذ. قوله: (لأن الرافع المطيق يرى ما يرفعه قليلاً): قال المصنف: "حقيقة "أقله": جعله قليلاً، في زعمه، كقولك: أكذبه: إذا جعله كاذبًا في زعمه".

стр. 2828

(سُقْناهُ) الضمير للسحاب على اللفظ، ولو حُمل على المعنى كالثقال لأُنث، كما لو حمل الوصف على اللفظ لقيل ثقيلاً، (لِبَلَدٍ مَيِّتٍ): لأجل بلدٍ ليس فيه حياً ولسقيه. وقرئ: "ميت". (فَأَنْزَلْنا بِهِ): بالبلد أو بالسحاب أو بالسوق، وكذلك (فَأَخْرَجْنا بِهِ). (كَذلِكَ) مثل ذلك الإخراج- وهو إخراج الثمرات (نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فيؤدّيكم التذكر إلى أنه لا فرق بين الإخراجين، إذا كل واحدٍ منهما إعادةٌ للشيء بعد إنشائه. (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ): الأرض العذاة الكريمة التربة، (وَالَّذِي خَبُثَ): الأرض السبخة التي لا تنبت ما ينتفع به، (بِإِذْنِ رَبِّهِ): بتيسيره، وهو في موضع الحال، ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الفاضل نور الدين الحكيم: "أقله: وجده قليلاً، أو اعتقده قليلاً، من الجعل الاعتقادي كالكذبة". قوله: (ولو حمل على المعنى، كالثقال، لأنث). يعني: اعتبر في "سقناه" لفظ "السحاب"، فذكر الضمير، كما اعتبر المعنى في قوله: (ثقالاً) فوصف "السحاب" بالجمع، ولو اعتبر اللفظ لقيل: ثقيلاً، لأن (سحاباً) لفظه مفرد. قوله: (لأجل بلدٍ ليس فيه حياً): حيا - مقصور - وهو الخصب. الجوهري: "أحيا القوم: صاروا في الحيا، وهو الخصب. وأحييت الأرض: وجدتها خصبةً". قوله: ((فأنزلنا به) بالبلد). أي الضمير في (به) إما راجع إلى "البلد"، فتكون الباء بمعنى "في"، أو إلى "السحاب"، فالباء إذا كما في قولك: "كتبت بالقلم"، وكذا إذا رجع إلى "السوق". قوله: (العذاة)، وهي: "الأرض الطيبة التربة، والجمع: عذوات".

стр. 2829

كأنه قيل: يخرج نباته حسناً وافياً، لأنه واقع في مقابلة (نَكِداً)، والنكد: الذي لا خير فيه. وقرئ: "يخرج نباته"، أي: يخرجه البلد وينبته. وقوله: (وَالَّذِي خَبُثَ) صفةٌ للبلد، ومعناه: والبلد الخبيث لا يخرج نباته إلا نكداً، فحذف المضاف الذي هو "النبات"، وأقيم المضاف إليه الذي هو الراجع إلى "البلد" مقامه؛ إلا أنه كان مجروراً بارزاً، فانقلب مرفوعاً مستكناً لوقوعه موقع الفاعل، أو يقدّر: ونبات الذي خبث. وقرئ: "نكداً" بفتح الكاف على المصدر، أي: ذا نكد، و"نكداً"، بإسكانها للتخفيف، كقوله: .. نزهٍ عن الريب بمعنى: نزهٍ. وهذا مثلٌ لمن ينجع فيه الوعظ والتنبيه من المكلفين، ولمن لا يؤثر فيه شيءٌ من ذلك. وعن مجاهدٍ: آدم وذرّيته منهم خبيثٌ وطيب. وعن قتادة: المؤمن سمع كتاب الله فوعاه بعقله وانتفع به، كالأرض الطيبة أصابها الغيث فأنبتت، والكافر بخلاف ذلك. وهذا التمثيل واقعٌ على إثر ذكر المطر، وإنزاله بالبلد الميت، وإخراج الثمرات به على طريق الاستطراد. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأنه واقع في مقابل (نكداً). أي: إنما فسر: (بإذن ربه) بقوله: "حسناً وافياً"، وإن كان معناه: بتيسيره وتسهيله، لكونه واقعاً في مقابلة (نكداً). فالمطابقة إذاً معنوية. الجوهري: "نكدت الركية: قل ماؤها. ورجل نكد: عسر". قوله: (وهذا التمثيل واقع على إثر ذكر المطر … على طريق الاستطراد). يعني: أن قوله:

стр. 2830

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (والبلد الطيب) الآية، بالنظر إلى قوله: (كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) تمثيل. وتقديره: إنا بينا تلك الآيات الدالة على القدرة الباهرة، والعلم الكامل، لعلكم تتفكرون فيها، أيها النظار، لتعلموا أنكم إلينا ترجعون، لكن لا تنجع تلك الآيات إلا فيمن شرح الله صدره، فيخرج نبات فكره طيباً، ومن جعل صدره ضيقاً لا يخر نبات فكره إلا خبيثاً، فلا يرفع بها رأساً، (كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ). روينا عن البخاري ومسلم، عن أبي موسي، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيثٍ أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة، قبلت الماء، فأنبتت الكلا والعشب الكثير. وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفةً منها أخرى، إنما هي قيعان، لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به". وسيجيء شرحه في سورة الأنبياء. وإليه أشار المصنف بقوله: "هذا مثل لمن ينجع فيه الوعظ والتنبيه من المكلفين، ولمن لا يؤثر فيه شيء من ذلك". ثم في إيثار "الطيب" وهو صفة مشبهة في مقابل "الذي خبث" الدال على تجدد الفعل إيماء إلى معنى ما ورد في "صحيح مسلم" عن عياضٍ المجاشعي: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال في خطبته عن الله : "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم

стр. 2831

(كَذلِكَ): مثل ذلك التصريف (نُصَرِّفُ الْآياتِ): نردّدها ونكرّرها (لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ) نعمة الله وهم المؤمنون، ليفكروا فيها ويعتبروا بها. وقرئ: "يصرف" بالياء، أي: يصرفها الله. [(لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)]. (لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً) جواب قسم محذوف. فإن قلت: ما لهم لا يكادون ينطقون بهذه اللام، إلا مع «قد» وقلّ عنهم، نحو قوله: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن دينهم"، وفي "صحيح البخاري" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه". وبالنظر إلى قوله تعالى: (أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ) إلى آخره: استطراد. ولما كان هذا أصلاً للكلام، جيء به في المستطرد بالواو، للمناسبة بينهما. وأما قوله تعالى: (كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ)، بعد قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فمن باب الترقي، لأن من تذكر آلاء الله، عرف حق النعمة فشكر. قوله: (مثل ذلك التصريف (نصرف الآيات): نرددها ونكررها). يعني: ما ذكرنا من الآيات المتعددة المفصلة المبينة من أول هذه السورة، نصرف ونكرر ونبين سائر الآيات التي اشتمل عليها هذا الكتاب الكريم أو غيره.

стр. 2832

حلفت لها بالله حلفة فاجرٍ … لناموا ........ قلت: إنما كان ذلك لأن الجملة القسمية لا تُساق إلا تأكيداً للجملة المقسم عليها، التي هي جوابها، فكانت مظنةً لمعنى التوقع- الذي هو معنى «قد» - عند استماع المخاطب كلمة القسم. قيل: أرسل نوحٌ ﵇ وهو ابن خمسين سنة، وكان نجاراً وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وأخنوخ: اسم إدريس النبي ﵇. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (حلفت لها بالله حلفة فاجرٍ لناموا)، تمامه: فما إن من حديثٍ ولا صال حلفة فاجر، أي: كاذب أو عاهر. واللام جواب القسم. من حديث، أي: من ذي حديث. ويجوز أن يكون الحديث بمعنى المحادث، كالخليل والعشير. والصالي: المصطلي. و"إن": زائدة. يقول: طرقت المحبوبة، فاستشعرت من الرقباء، فحلفت لها أن القوم الذين كانوا يتحدثون، ويبيتون في السمر مصطلين، نيام. والقائل: امرؤ القيس. قوله: (لمعنى التوقع). يعني: أن الجملة إذا أكدت بالقسم، فالمخاطب لابد أن يتوقع حصول المقسم عليه، وينتظر وقوعه، فناسب إدخال "قد".

стр. 2833

وقرئ: (غيره) بالحركات الثلاث؛ فالرفع على المحل، كأنه قيل: ما لكم إله غيره. والجر على اللفظ، والنصب على الاستثناء، بمعنى: ما لكم من إلهٍ إلا إياه، كقولك: ما في الدار من أحدٍ إلا زيداً أو غير زيدٍ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: (غيره) بالحركات الثلاث). الكسائي: بالخفض حيث وقع، إذا كان قبل "الإله" "من" الجارة. والباقون: بالرفع، والنصب: شاذة. قوله: (ما في الدار من أحدٍ إلا زيداً أو غير زيدٍ). أي: سواء قلت: ما في الدار من أحدٍ إلا زيداً، أو قلت: من أحدٍ غير زيد. وقال في "المفصل": "وحكم "غير" حكم الاسم الواقع بعد "إلا" تنصبه في الموجب والمنقطع". وقال الزجاج: "النصب جائز في غير القرآن، على الاستثناء، وعلى الحال من النكرة. وأجاز الفراء: "ما جاءني غيرك". وهو خطأ. وإنما أنشد الخليل وسيبويه قوله:

стр. 2834

فإن قلت: فما موقع الجملتين بعد قوله: (اعْبُدُوا اللَّهَ)؟ قلت: الأولى بيانٌ لوجه اختصاصه بالعبادة. والثانية: بيان للداعي إلى عبادته لأنه هو المحذور عقابه دون ما كانوا يعبدونه من دون الله. واليوم العظيم: يوم القيامة، أو يوم نزول العذاب عليهم وهو الطوفان. [(قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ* قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ* أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت … حمامة في غصونٍ ذات أوفال وأجازا فيه نصب "غير"، فاستشهد هو به، واستهواه اللفظ في قولهما: "إن الموضع موضع رفع، وإنما أضيفت "غير" في البيت إلى شيء غير متمكن، فبنيت على الفتح، كما يبني "يوم" إذا أضيف إلى "إذ" على الفتح". قوله: (ما موقع الجملتين). يعني: (ما لكم من إله غيره) و (إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم). قوله: (الأولى بيان لوجه اختصاصه). وذلك أن نوحاً ﵇ لما قال لقومه وهم مشركون: (يا قوم اعبدوا الله) فهم منه الاختصاص، لأنهم كانوا يشركون [غير] الله في

стр. 2835

(الْمَلَأُ): الأشراف والسادة، وقيل: الرجال ليس معهم النساء، (فِي ضَلالٍ): في ذهابٍ عن طريق الصواب والحق. ومعنى الرؤية: رؤية القلب. فإن قلت: لم قال: (لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ) ولم يقل "ضلالٌ" كما قالوا؟ قلت: "الضلالة" أخصّ من "الضلال"، فكانت أبلغ في نفي الضلال عن نفسه، كأنه قال: ليس بي شيءٌ من الضلال، كما لو قيل لك: ألك تمر؟ فقلت: ما لي تمرة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عبادته، فقال: (اعبدوا الله) يعني: لا تصح عبادة الله مع عبادة غيره، فكأنكم ما عبدتم الله حين أشركتم به غيره في العبادة. ثم لما أراد بيان هذا المعنى قال: (ما لكم من إلهٍ غيره) ثم أتي بقوله: (إني أخاف عليكم) مستأنفاً معللاً لدعواه، أي: إنما دعوتكم إلى ما دعوتكم، لأني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم، إظهاراً للشفقة والمرحمة. قوله: (الملأ): الأشراف والسادة): سموا ملأ لأنهم يملؤون العيون والقلوب، أو لأنهم مليئون قادرون بما يراد منهم من كفاية الأمور. قوله: (ليس بي شيء من الضلال): روي عن المصنف أنه قال: نفى أن يكون معه طرف من الضلال، وأثبت أنه في الغاية القصوى من الهدى، حيث كان رسولاً من رب العالمين. وفيه إظهار لمكابرتهم وفرط عنادهم، حيث وصفوا من هو بهذه المنزلة من الهدى بالضلال المبين الظاهر شأنه، لا ضلال بعده. قال صاحب "الفرائد": "جعل التاء في "الضلالة" بمنزلة التاء في التمرة والفعلة، في أنها للوحدة". وقد قال صاحب "المجمل": "الضلال والضلالة بمعنى واحد".

стр. 2836

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال صاحب "المثل السائر": "الأسماء المفردة الواقعة على الجنس، التي يكون بينها وبني وأحدها تاء التأنيث، فإنه متى أريد النفي، كان استعمال واحدها أبلغ، ومتى أريد الإثبات كان استعمالها أبلغ، كما في الآية، ولا تظنن أنه لما كان الضلال والضلالة مصدرين، من قولك: ضل يضل ضلالا وضلالةً، كان القولان سواء، لأن الضلالة هنا ليست عبارة عن المصدر، بل عن المرة الواحدة. فإذا نفى نوح ﵇ عن نفسه المرة الواحدة من الضلال، فقد نفى ما فوقها من المرتين والمرات الكثيرة". وقال صاحب "الفلك" الدائر على المثل السائر": "الذي ذكره غير صحيح، لا أن كانت "الضلالة" مصدراً، ولا أن كانت المرة الواحدة. أما الأول فلأنهما لما دلا على المصدر، لم يكن دلالة أحدهما أبلغ من الآخر، لأن المصدر يدل على الماهية فقط، فإذا نفي نفيت الماهية، وأما الثاني فلا يصح أيضاً، لأنه لو قال القائل: ما عندي تمرة، بمعنى تمرة واحدة، وعنده تمر كثير، يصح ذلك، لأنه لو أظهر ما أضمر، فقال: ليس عندي تمرة واحدة بل تمرات، لم يكن متناقضاً. وقول نوح ﵇: (ليس بي ضلالة) بمعنى: ضلالة واحدة، لم يكن نافياً لكونه ضالا، لأنه إذا كانت الضلالات مختلفة الأنواع لم يفده قوله، لجواز ألا يكون ضلالةً واحدة، بل ضلالات مختلفة متنوعة. ومن وجدت عنده ضلالات كثيرة، فقد صدق عليه أنه قد انتفت عنه ضلالة واحدة". وقال صاحب "التقريب": "في قول المصنف نظر، لأن الضلال إما أن يراد به الكثير أو الجنس، فعلى الأول لا نسلم أن الواحد أخص، بل الصحيح العكس، لأنه كلما وجد الكثير

стр. 2837

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وجد الواحد، ولا ينعكس، فالواحد أعم. ويتم الجواب، إذ يلزم من نفي العام نفي الخاص من غير عكس، فكان نفيها أبلغ، أي: ليس بي شيء من الضلال. وعلى الثاني: يصح أن الضلالة أخص، ولكن لا يتم الجواب، إذ لا يلزم من نفي الخاص نفي العام. ولما تضمن كونه رسولاً، بمعنى كونه مهتدياً، صح الاستدلال به على انتفاء الضلالة". وقريب من هذه المعاني ما ذكره صاحب "الانتصاف". وقلت - وبالله التوفيق -: العجب من هؤلاء الفضلاء كيف يتكلمون بما لا جدوى معه؟ ! أين تفسير كلام الله المجيد المقدس عن العوج، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، من اصطلاح المنطقي؟ ! فإن المصنف إنما يتكلم لمقتضى الحال، ومطابقة الجواب للسؤال، ولا يعتبر مفردات اللفظ. بيانه: أن القوم لما أثبتوا له نوعاً من الضلال، وهو كونه ضلالاً مبيناً، لا مطلق الضلال كما توهموه، يدل عليه ما رويناه عنه: وصفوه بالضلال البين الظاهر شأنه، لا ضلال بعده. فالجواب إنما يطابق إذا كان أبلغ منه، فإذا لم تحمل "الضلالة" على ما قدره، فمن أين يفيد

стр. 2838

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأبلغية؟ ولو لم ترد المبالغة، لكان مقتضى الظاهر أن يقال في جواب (إنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ): ليس بي ضلال، فلما أثبتوا النوع نفى الوحدة. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنه ﵇ نفى الجنس لتنتفي الماهية، فيحصل المقصود؟ قلت: فإذن يفوت مقتضى العدول من لفظ "الضلال" إلى "الضلالة" وإرادة التردة منها، لأن نفي الشيء مع الصفة في مقام نفيه أبلغ من نفيه وحده، كما ستقف عليه في قوله تعالى: (ولا شَفِيعٍ يُطَاعُ) [غافر: ١٨]، ولأن نفي الوحدة لإرادة انتفاء الماهية أبلغ من العكس، لمكان الكناية، واستلزام الاستغراق بحسب أفراد الجنس، كما قال صاحب "المثل السائر": "فإذا نفى نوح ﵇ عن نفسه المرة الواحدة من الضلال، فقد نفى ما فوقها من المرتين والمرات الكثيرة، فظهر أن التركيب إنما يفيد المطلوب إذا وقع جواباً مع إرادة المبالغة، لا بالنظر إلى اللفظ من حيث هو هو. ألا ترى إلى أن قوله تعالى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) [البقرة: ١٥] إنما كان أبلغ من قوله: (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) [البقرة: ١٤] حيث وقع جواباً له؟ ولو نظر إلى اللفظ فقط كان هو أحط منه بدرجاتٍ كثيرة".

стр. 2839

فإن قلت: كيف وقع قوله: (وَلكِنِّي رَسُولٌ) استدراكاً للانتفاء عن الضلالة؟ قلت: كونه رسولاً من الله مبلغاً رسالاته ناصحاً، في معنى كونه على الصراط المستقيم، فصحّ لذلك أن يكون استدراكاً للانتفاء ....... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأما مسألة التمرة، فإذا قال القائل: ليس عندي تمرة ابتداءً، لصح ما قاله الزاعم، أما لو قاله إنكاراً لمن يتهمه بادخار التمر، كيف يصح ما قال؟ والحاصل أن اقتضاء المقام ينحي بالهدم لجميع ما بنوه. ولما كان الإمام الداعي إلى الله ذا حظ وافر من علم البيان، قال في تفسيره: "فإن قيل: إن القوم قالوا: (إنا لنراك في ضلال)، وجوابه أن يقال: ليس بي ضلال، فلم ترك هذا، وعدل إلى قوله: (ليس بي ضلالة)؟ قلنا: لأن المراد بقوله: (ليس بي ضلالة) أي: ليس بي نوع من أنواع الضلالة البتة، فكان أبلغ في عموم السلب. وقال القاضي: " (ليس بي ضلالة) أي: شيء من الضلال، بالغ في النفي كما بالغوا في الإثبات". قوله: (فصح لذلك أن يكون استدراكاً). تلخيص السؤال أن "لكن" حقها أن تتوسط بين كلامين متغايرين نفياً وإيجاباً. وأين هذا المعنى في الآية؟

стр. 2840

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأجاب: إن التغاير حاصل من حيث المعنى، لأن معنى قوله تعالى: (رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ) أي: على صراطٍ مستقيم، كأنه قال: ليس بي ضلالة قط، لكني على الهداية البينة. كقولك: جاءني زيد لكن عمراً غائب. فإن قلت: ما فائدة العدول عن الظاهر؟ قلت: إرادة المبالغة في إثبات الهداية، على أقصى ما يمكن، كما نفى الضلالة كذلك. فكونه رسولاً من رب العالمين يوجب أن يكون مهتدياً، لا غاية بعده، لكونها انتهاء مراتب البشرية، وكمال الرسالة، وكونه ناصحاً للأمة، وأميناً في أداء الرسالة إليهم - كما سنقرره - يقتضي أن يكون هادياً، مرشداً، ليس بعده. ومن شأنه هذا كيف يقال في حقه: (إنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ)؟ وهذا التقرير يؤيد ما ذهب إليه المصنف في تفسير الضلالة، لأن المعنى: ليس في شيء من الضلالة، لكني على هدى لا يكتنه كنهه. وعلى منواله قول القائل: له حاجب في كل أمرٍ يشينه … وليس له عن طالب العرف حاجب
следующие страницы →