Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال صاحب "المثل السائر": "الأسماء المفردة الواقعة على الجنس، التي يكون بينها وبني وأحدها تاء التأنيث، فإنه متى أريد النفي، كان استعمال واحدها أبلغ، ومتى أريد الإثبات كان استعمالها أبلغ، كما في الآية، ولا تظنن أنه لما كان الضلال والضلالة مصدرين، من قولك: ضل يضل ضلالا وضلالةً، كان القولان سواء، لأن الضلالة هنا ليست عبارة عن المصدر، بل عن المرة الواحدة. فإذا نفى نوح ﵇ عن نفسه المرة الواحدة من الضلال، فقد نفى ما فوقها من المرتين والمرات الكثيرة".
وقال صاحب "الفلك" الدائر على المثل السائر": "الذي ذكره غير صحيح، لا أن كانت "الضلالة" مصدراً، ولا أن كانت المرة الواحدة. أما الأول فلأنهما لما دلا على المصدر، لم يكن دلالة أحدهما أبلغ من الآخر، لأن المصدر يدل على الماهية فقط، فإذا نفي نفيت الماهية، وأما الثاني فلا يصح أيضاً، لأنه لو قال القائل: ما عندي تمرة، بمعنى تمرة واحدة، وعنده تمر كثير، يصح ذلك، لأنه لو أظهر ما أضمر، فقال: ليس عندي تمرة واحدة بل تمرات، لم يكن متناقضاً. وقول نوح ﵇: (ليس بي ضلالة) بمعنى: ضلالة واحدة، لم يكن نافياً لكونه ضالا، لأنه إذا كانت الضلالات مختلفة الأنواع لم يفده قوله، لجواز ألا يكون ضلالةً واحدة، بل ضلالات مختلفة متنوعة. ومن وجدت عنده ضلالات كثيرة، فقد صدق عليه أنه قد انتفت عنه ضلالة واحدة".
وقال صاحب "التقريب": "في قول المصنف نظر، لأن الضلال إما أن يراد به الكثير أو الجنس، فعلى الأول لا نسلم أن الواحد أخص، بل الصحيح العكس، لأنه كلما وجد الكثير
стр. 2837
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجد الواحد، ولا ينعكس، فالواحد أعم. ويتم الجواب، إذ يلزم من نفي العام نفي الخاص من غير عكس، فكان نفيها أبلغ، أي: ليس بي شيء من الضلال. وعلى الثاني: يصح أن الضلالة أخص، ولكن لا يتم الجواب، إذ لا يلزم من نفي الخاص نفي العام. ولما تضمن كونه رسولاً، بمعنى كونه مهتدياً، صح الاستدلال به على انتفاء الضلالة".
وقريب من هذه المعاني ما ذكره صاحب "الانتصاف".
وقلت - وبالله التوفيق -: العجب من هؤلاء الفضلاء كيف يتكلمون بما لا جدوى معه؟ ! أين تفسير كلام الله المجيد المقدس عن العوج، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، من اصطلاح المنطقي؟ ! فإن المصنف إنما يتكلم لمقتضى الحال، ومطابقة الجواب للسؤال، ولا يعتبر مفردات اللفظ.
بيانه: أن القوم لما أثبتوا له نوعاً من الضلال، وهو كونه ضلالاً مبيناً، لا مطلق الضلال كما توهموه، يدل عليه ما رويناه عنه: وصفوه بالضلال البين الظاهر شأنه، لا ضلال بعده. فالجواب إنما يطابق إذا كان أبلغ منه، فإذا لم تحمل "الضلالة" على ما قدره، فمن أين يفيد
стр. 2838
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأبلغية؟ ولو لم ترد المبالغة، لكان مقتضى الظاهر أن يقال في جواب (إنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ): ليس بي ضلال، فلما أثبتوا النوع نفى الوحدة.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنه ﵇ نفى الجنس لتنتفي الماهية، فيحصل المقصود؟
قلت: فإذن يفوت مقتضى العدول من لفظ "الضلال" إلى "الضلالة" وإرادة التردة منها، لأن نفي الشيء مع الصفة في مقام نفيه أبلغ من نفيه وحده، كما ستقف عليه في قوله تعالى: (ولا شَفِيعٍ يُطَاعُ) [غافر: ١٨]، ولأن نفي الوحدة لإرادة انتفاء الماهية أبلغ من العكس، لمكان الكناية، واستلزام الاستغراق بحسب أفراد الجنس، كما قال صاحب "المثل السائر": "فإذا نفى نوح ﵇ عن نفسه المرة الواحدة من الضلال، فقد نفى ما فوقها من المرتين والمرات الكثيرة، فظهر أن التركيب إنما يفيد المطلوب إذا وقع جواباً مع إرادة المبالغة، لا بالنظر إلى اللفظ من حيث هو هو.
ألا ترى إلى أن قوله تعالى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) [البقرة: ١٥] إنما كان أبلغ من قوله: (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) [البقرة: ١٤] حيث وقع جواباً له؟ ولو نظر إلى اللفظ فقط كان هو أحط منه بدرجاتٍ كثيرة".
стр. 2839
فإن قلت: كيف وقع قوله: (وَلكِنِّي رَسُولٌ) استدراكاً للانتفاء عن الضلالة؟ قلت: كونه رسولاً من الله مبلغاً رسالاته ناصحاً، في معنى كونه على الصراط المستقيم، فصحّ لذلك أن يكون استدراكاً للانتفاء .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما مسألة التمرة، فإذا قال القائل: ليس عندي تمرة ابتداءً، لصح ما قاله الزاعم، أما لو قاله إنكاراً لمن يتهمه بادخار التمر، كيف يصح ما قال؟
والحاصل أن اقتضاء المقام ينحي بالهدم لجميع ما بنوه.
ولما كان الإمام الداعي إلى الله ذا حظ وافر من علم البيان، قال في تفسيره: "فإن قيل: إن القوم قالوا: (إنا لنراك في ضلال)، وجوابه أن يقال: ليس بي ضلال، فلم ترك هذا، وعدل إلى قوله: (ليس بي ضلالة)؟ قلنا: لأن المراد بقوله: (ليس بي ضلالة) أي: ليس بي نوع من أنواع الضلالة البتة، فكان أبلغ في عموم السلب.
وقال القاضي: " (ليس بي ضلالة) أي: شيء من الضلال، بالغ في النفي كما بالغوا في الإثبات".
قوله: (فصح لذلك أن يكون استدراكاً). تلخيص السؤال أن "لكن" حقها أن تتوسط بين كلامين متغايرين نفياً وإيجاباً. وأين هذا المعنى في الآية؟
стр. 2840
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأجاب: إن التغاير حاصل من حيث المعنى، لأن معنى قوله تعالى: (رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ) أي: على صراطٍ مستقيم، كأنه قال: ليس بي ضلالة قط، لكني على الهداية البينة. كقولك: جاءني زيد لكن عمراً غائب.
فإن قلت: ما فائدة العدول عن الظاهر؟ قلت: إرادة المبالغة في إثبات الهداية، على أقصى ما يمكن، كما نفى الضلالة كذلك. فكونه رسولاً من رب العالمين يوجب أن يكون مهتدياً، لا غاية بعده، لكونها انتهاء مراتب البشرية، وكمال الرسالة، وكونه ناصحاً للأمة، وأميناً في أداء الرسالة إليهم - كما سنقرره - يقتضي أن يكون هادياً، مرشداً، ليس بعده. ومن شأنه هذا كيف يقال في حقه: (إنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ)؟
وهذا التقرير يؤيد ما ذهب إليه المصنف في تفسير الضلالة، لأن المعنى: ليس في شيء من الضلالة، لكني على هدى لا يكتنه كنهه.
وعلى منواله قول القائل:
له حاجب في كل أمرٍ يشينه … وليس له عن طالب العرف حاجب
стр. 2841
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قلت: إن كان المعنى على ما ذكرت: لكني على هدىً لا يكتنه كنهه، فلم ترك الاختصار، وسلك طريق الإطناب؟ .
قلت: لا ارتياب أن هذا الاستدراك زيادة على الجواب، لأن قوله: (ليس بي ضلالة) كان كافياً كما مر، فيكون من الأسلوب الحكيم الوارد على التخلص إلى الدعوة على وجه الترجيع المعنوي، لأنه بدأ بالدعوة إلى إثبات التوحيد، وإخلاص العبادة لله تعالى. فلما أراد إثبات الرسالة لم يتمكن، لما اعترضوا عليه من قولهم: (إنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مِبينٍ) فانتهز الفرصة وأدمج مقصوده في الجواب على أحسن وجه، حيث أخرجه مخرج الملاطفة والكلام المنصف. يعني: دعوا نسبة الضلالة إلى، وانظروا ما هو أهم لكم من متابعة ناصحكم، وأمينكم، ورسول رب العالمين.
стр. 2842
عن الضلالة. وقرئ: (أبلغكم) بالتخفيف.
فإن قلت: كيف موقع قوله (أُبَلِّغُكُمْ)؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون كلاماً مستأنفاً بياناً لكونه رسول رب العالمين. والثاني: أن يكون صفةً لـ (رسول).
فإن قلت: كيف جاز أن يكون صفةً، والرسول لفظه لفظ الغائب؟ قلت: جاز ذلك، لأن "الرسول" وقع خبراً عن ضمير المخاطب، وكان معناه، كما قال:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِ أُمِّي حَيْدَرَهْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ألا ترى أن صالحاً ﵇ لما لم يعترضوا عليه، عقب بإثبات الرسالة إثبات التوحيد في قوله: (اعْبُدُوا اللَّهَ) إلى: (قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ) [الأعراف: ٧٣].
ففيه خمسة أنواع من الأنواع البديعية. فإذا اقتضى المقام هذا الإطناب، كان الاقتصار على تلك العبارة تقصيراً، والله أعلم.
قوله: (وقرئ: "أبلغكم" بالتخفيف): أبو عمرو.
وقوله: (لأن "الرسول" وقع خبراً عن ضمير المخاطب) بكسر الطاء، أي: المتكلم، في قوله: "لكني"، كأنه قال: لكني أبلغكم رسالات ربي. فأقحم (رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ) للإبهام، ثم بينه بقوله: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي) تفخيماً وتعظيماً. ومن ثم زيد قوله: (رَّبِّ العَالَمِينَ).
стр. 2843
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكذلك قوله: "أنا الذي سمتني أمي حيدره" أصله: أنا سمتني أمي حيدرة، فأقحم الموصولة للتفخيم.
ويعضده ما بعده:
كليث غاباتٍ كريه المنظره
أو فيهم بالصاع كيل السندره
أي: أنا ذلك المشهور، المعروف في الشجاعة، الذي لا يخفى على كل أحد. ولا يريد مجرد الإخبار عن أن أمه سمته بهذا الاسم؛ إذ لو أريد ذلك لقال: أنا الذي سمته أمه حيدرة.
قائله أمير المؤمنين علي ﵁.
الجوهري: "سمته أمه فاطمة بنت أسد باسم أبيها، وأبو طالب غائب، فلما قدم كرهه، وسماه علياً".
وكان القياس: أنا الذي سمته، ليرجع الضمير إلى الموصول، ولكنه ذهب إلى المعنى، لأن خبر المبتدأ هو الموصول مع الصلة، وفيه ضمير "أنا" الراجع إلى المبتدأ، كأنه قال: أنا سمتني.
стр. 2844
(رِسالاتِ رَبِّي): ما أوحي إليّ في الأوقات المتطاولة، أو في المعاني المختلفة من الأوامر والنواهي والمواعظ والزواجر والبشائر والنذائر.
ويجوز أن يريد رسالاته إليه وإلى الأنبياء قبله من صحف جدّه إدريس، وهي ثلاثون صحيفة، ومن صحف شيث وهي خمسون صحيفة.
(وَأَنْصَحُ لَكُمْ) يقال: نصحته ونصحت له، وفي زيادة اللام مبالغةٌ ودلالةٌ على إمحاض النصيحة وأنها وقعت خالصة للمنصوح له مقصوداً بها جانبه لا غير، فرب نصيحة ينتفع بها الناصح، فيقصد النفعين جميعاً، ولا نصيحة أمحض من نصيحة الله تعالى ورسله ﵈.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والحيدرة: من أسماء الأسد. والسندرة: مكيال ضخم.
أي: أقتلهم قتلاً سريعاً.
وفي رواية مسلم: "قالها - أي: الأبيات - في مبارزة المرحب، ثم ضرب رأسه، فقتله".
قوله: ((رسالات ربي): ما أوحي إلى). يعني: إنما جمع: (رسالات ربي) لاختلاف أوقاتها، أو لتنوع معانيها، أو لكثرة المنزل عليهم من الرسل.
قوله: (ولا نصيحة أمحض من نصيحة الله ورسله)، لاجتماع الرسل قاطبةً على نحو قوله: "قل ما سألتكم عليه أجراً فهو لكم إن أجري إلا على الله"، وأصل النصح في اللغة: الخلوص، يقال: نصحت العسل: إذا خلصته من الشمع، ويقال: هو مأخوذ من: نصح الرجل ثوبه، أي: خاطه، شبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بفعل الخياط فيما يسد من خلل الثوب.
واعلم أن النصيحة باب عظيم في الدين، روينا عن مسلم وأبي داود والنسائي عن تميم الداري: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "إن الدين النصيحة" ثلاثاً، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله
стр. 2845
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم" هذا رواية مسلم. وأخرج نحوه الترمذي عن أبي هريرة.
قال أبو سليمان الخطابي: "النصيحة: كلمة جامعة يعبر بها عن جملة إرادة الخير، وليس يمكن أن يعبر بهذا المعنى بكلمة وجيزة يحصرها ويجمع معناها غيرها، كما قالوا في "الفلاح": ليس في كلامهم كلمة أجمع لخير الدنيا والآخرة منه.
فقوله صلي الله عليه وسلم: "الدين النصيحة" يريد: عماد أمر الدين إنما هو النصيحة، وبها ثباته، كقوله صلي الله عليه وسلم: "الأعمال بالنيات"، أي: صحتها وثباتها بالنية.
فمعنى نصيحة الله: الإيمان به وصحة الاعتقاد في وحدانيته، وترك الإلحاد في صفاته، وإخلاص النية في عبادته، وبذل الطاعة فيما أمر به ونهي عنه، والاعتراف بنعمته والشكر له عليها، وموالاة من أطاعه، ومعاداة من عصاه، وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العبد في نصيحة نفسه، والله غني عن نصح كل ناصحٍ.
ومعنى نصيحة الكتاب: الإيمان به، وبأنه كلام الله ووحيه وتنزيله، لا يقدر على مثله أحد من المخلوقين، وإقامة حروفه في التلاوة، والتصديق بوعده ووعيده، والاعتبار بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه، والتسليم لمتشابهه.
وأما النصيحة لرسول الله صلي الله عليه وسلم: فهو التصديق بنبوته، وقبول ما جاء به ودعا إليه، وبذل الطاعة فيما أمر ونهي، والانقياد له، وإيثاره بالمحبة فوق نفسه، ووالده، وولده، والناس أجمعين.
стр. 2846
(وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) أي: من صفات الله وأحواله، يعني: قدرته الباهرة وشدّة بطشه على أعدائه، وأن بأسه لا يردّ عن القوم المجرمين.
وقيل: لم يسمعوا بقوم حلّ بهم العذاب قبلهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ونصيحة الأئمة: أن تطيعهم في الحق، ولا ترى الخروج عليهم إذا جاروا.
ونصيحة عامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم في الدنيا والدين".
وجماع القول فيه: أن النصيحة هي خلوص المحبة للمنصوح له، والتحري فيما يستدعيه حقه، فلا يبعد أن يدخل في المعنى ما رويناه عن البخاري ومسلم والترمذي عن معاذ، عن رسول الله صلي الله عليه وسلم: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً" فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر به الناس؟ قال: "لا تبشرهم فيتكلوا". ويدخل فيه أيضًا قوله تعالى: (تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا) [التحريم: ٨]، قال: "التوبة النصوح: هي أن ينصحوا بالتوبة أنفسهم فيأتوا بها على طريقتها، متداركةً للفرطات، ماحيةً للسيئات"، وعلى هذا جميع أعضاء الإنسان، كل على حسب ما خلق لأجله.
قوله: (أي: من صفات الله وأحواله). قيل: فيه نظر، لأن الحال صفة سريعة الزوال، وشيكة الانتقال، تدل على التغير والانفعال، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
والجواب أن المراد بالأحوال: الشؤون التي يبديها، كقوله تعالى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ) [الرحمن: ٢٩].
وإليه الإشارة بقوله: "وشدة بطشه على أعدائه".
стр. 2847
فكانوا آمنين لا يعلمون ما علمه نوحٌ بوحي الله إليه، أو أراد: وأعلم من جهة الله أشياء لا علم لكم بها قد أوحي إليّ بها.
[(أَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)].
(أَوَعَجِبْتُمْ) الهمزة للإنكار، والواو للعطف، والمعطوف عليه محذوف، كأنه قيل: أكذبتم وعجبتم. (أَنْ جاءَكُمْ): من أن جاءكم (ذِكْرٌ): موعظةٌ، (مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ): على لسان رجل منكم، كقوله: (ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ) [آل عمران: ١٩٤]، وذلك أنهم يتعجبون من نبوّة نوح ﵇ ويقولون: (ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين) يعنون إرسال البشر، (ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة) [المؤمنون: ٢٤].
(لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا): ليحذركم عاقبة الكفر وليوجد منكم التقوى، وهي الخشية بسبب الإنذار، (وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ): ولترحموا بالتقوى إن وجدت منكم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو أراد: وأعلم من جهة الله). يريد: أن (من) في قوله: (وأعلم من الله): إما بيان (ما) حال منه، أو من العائد المحذوف في الصلة. فالمعنى: وأعلم ما لا تعلمون من صفات الله تعالى، وهي: شدة بطشه على أعدائه. وإنما لم يعلموا لأنهم أول الأمم الهالكة، لم يسمعوا بقوم حل بهم العذاب قبلهم. أو هو متعلق بقوله: "أعلم"، ابتدائية. فالمعنى ما قال: "وأعلم من جهة الله أشياء لا علم لكم بها"، لأن الوحي إنما يختص بالأنبياء.
قوله: (وليوجد منكم التقوى). أي: ليوجد منه الإنذار، وليوجد منكم التقوى.
نزلهما منزلة اللازم، وجعل العطف على مجموع (لينذركم) مع اللام، على منوال قوله
стр. 2848
[(فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ)].
(وَالَّذِينَ مَعَهُ) قيل: كانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأة. وقيل: تسعة، بنوه سامٌ وحامٌ ويافث، وستةٌ ممن آمن به.
فإن قلت: (فِي الْفُلْكِ) بم يتعلق؟ قلت: هو متعلق بـ (مَعَهُ)، كأنه قيل: والذين استقروا معه في الفلك أو صحبوه في الفلك. ويجوز أن يتعلق بفعل الإنجاء، أي: أنجيناهم في السفينة من الطوفان، (عَمِينَ): عُمي القلوب غير مستبصرين، وقرئ: "عامِين". والفرق بين العَمِي والعامي: أن العمي يدل على عمىً ثابت، والعامي على عمىً حادث. ونحوه (قوله وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) [هود: ١٢].
[(وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ* قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ* قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ* أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعالى: (ولَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وسُلَيْمَانَ عِلْمًا وقَالا الحَمْدُ لِلَّهِ) [النمل: ١٥]، على رأي صاحب "المفتاح". ولهذا قال: "وهي الخشية بسبب الإنذار"، لأن إنذاره مقدم على خشيتهم.
قال القاضي: "لينذركم عاقبة الكفر والمعاصي، ولتتقوا منها بسبب الإنذار".
قوله: (أن العمى يدل على عمى ثابت) لدلالة الصفة المشبهة على الثبوت، (والعامي على عمىً حادث) لأن اسم الفاعل دونها في الدلالة على الثبوت.
стр. 2849
لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ* أَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)].
(أَخاهُمْ): واحداً منهم، من قولك: يا أخا العرب، للواحد منهم، وإنما جعل واحداً منهم، لأنهم أفهم عن رجلٍ منهم وأعرف بحاله في صدقه وأمانته، وهو هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، و (أخاهم) عطفٌ على (نوحاً) [الأعراف: ٥٩]، و (هُوداً) عطف بيان له.
فإن قلت: لم حذف العاطف من قوله: (قالَ يا قَوْمِ)، ولم يقل: «فقال» كما في قصة نوح؟ قلت: هو على تقدير سؤال سائلٍ قال: فما قال لهم هود؟ فقيل: قال يا قوم اعبدوا الله، وكذلك (قالَ الْمَلَأُ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأنهم أفهم عن رجلٍ منهم): أي: أفهم للكلام الصادر عن رجلٍ هو من أنفسهم، من رجلٍ من غيرهم، وأعرف بحاله من حال غيره، كقوله تعالى: (ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ) [إبراهيم: ٤]، وقوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ) [التوبة: ١٢٨].
قوله: (على تقدير سؤال سائل): وحاصله: إن كان الفاء رابطاً لفظياً، فالاستئناف رابط معنوي، كما سبق في أول "البقرة".
قال صاحب "الفرائد": "إنما حسن هذا لأن قصة نوح ﵇ ابتداء كلام، فالسؤال غير مقتضى الحال. وأما قصة "هود" فكانت معطوفة على قصة "نوح"، فيمكن أن يقع في خاطر السامع: أقال هود ما قال نوح، أم قال غيره؟ فكانت مظنه أن يسأل: ماذا قال هود لقومه؟ فقيل: قال ما قاله نوح لقومه: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ).
стр. 2850
فإن قلت: لم وصف الملأ بـ (الَّذِينَ كَفَرُوا) دون الملأ من قوم نوح؟ قلت: كان في أشراف قوم هود من آمن به، منهم مرثد بن سعدٍ الذي أسلم وكان يكتم إسلامه فأريدت التفرقة بالوصف، ولم يكن في أشراف قوم نوح مؤمن. ونحوه قوله تعالى: (وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة) [المؤمنون: ٣٣]، ويجوز أن يكون وصفاً وارداً للذمّ لا غير.
(فِي سَفاهَةٍ): في خفة حلمٍ وسخافة عقل، حيث تهجر دين قومك إلى دينٍ آخر، وجعلت السفاهة ظرفاً على طريق المجاز. أرادوا أنه متمكنٌ فيها غير منفك عنها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فأريدت التفرقة بالوصف): يعني: إنما وصف الملأ من قوم هود، دون قوم نوح، ليمتاز الذين كفروا من الذين آمنوا منهم. ولما لم يكن في أشراف قوم نوح مؤمن، لم يفتقر إلى التفرقة.
قال مولانا الإمام بهاء الدين الكاشي، تغمده الله برحمته: "وفيه نظر، لأن قوله تعالى في سورة "المؤمنين": (فَقَالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ) [المؤمنون: ٢٤] وارد في قوم نوح، وهو لا يساعد هذا الجواب. بقي أن يكون وصف ذم". يعني الجواب الأول مدخول، فتعين الجواب الثاني، وهو قوله: "ويجوز أن يكون وصفاً وارداً للذم".
وقلت: ويمكن أن يقال: إن اختصاص هذا المقام بالذم دون الأول، لأن هوداً كان
стр. 2851
وفي إجابة الأنبياء ﵈ من نسبهم إلى الضلال والسفاهة، بما أجابوهم به، من الكلام الصادر عن الحلم والإغضاء وترك المقابلة، بما قالوا لهم مع علمهم بأنّ خصومهم أضلّ الناس وأسفههم: أدبٌ حسنٌ وخلقٌ عظيم، وحكاية الله ذلك تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء وكيف يغضون عنهم ويسبلون أذيالهم على ما يكون منهم.
(ناصِحٌ أَمِينٌ) أي: عرفت فيما بينكم بالنصح والأمانة، فما حقي أن أُتهم، أو: أنا لكم ناصحٌ فيما أدعوكم إليه، أمين على ما أقول لكم لا أكذب فيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منهم، لقوله تعالى: (أخاهم)، وكانوا أعرف بحاله أنه أحلم الناس، وأرشدهم سجيةً، وأصدقهم لهجة، فكان جوابهم: (إنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وإنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكَاذِبِينَ) كفراً وعناداً، وستراً للحق، بخلاف قول الملأ من أشراف قوم نوحٍ في هذا المقام.
ألا ترى كيف ذمهم في سورة "المؤمنين"، حيث قالوا: (مَا هَذَا إلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ولَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنزَلَ مَلائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ (٢٤) إنْ هُوَ إلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ) [المؤمنون: ٢٤ - ٢٥].
قوله: (في إجابة الأنبياء) خبر، وقوله: "أدب حسن" مبتدأ، "وترك المقابلة" عطف على "إجابة"، و"بما أجابوهم به" متعلق بـ"إجابة"، والكلام فيه الإدماج المسمى بإشارة النص في الأصول.
قوله: ((ناصح أمين): أي عرفت فيما بينكم): يشير بهذا إلى أن قوله: (وأنا لكم ناصح أمين) جملة مستأنفه، وقعت معترضة. ثم قوله: "وأنا لكم ناصح فيما أدعوكم إليه، أمين"
стр. 2852
(خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ) أي: خلفتموه في الأرض، أو جعلكم ملوكاً في الأرض قد استخلفكم فيها بعدهم، (فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً) فيما خلق من أجرامكم ذهاباً في الطول والبدانة، قيل: كان أقصرهم ستين ذراعاً، وأطولهم مئة ذراع، (فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ) في استخلافكم وبسطة أجرامكم وما سواهما من عطاياه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يؤذن أن الواو للحال. ونحوه صرح به في "البقرة" في قوله: (اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وأَنتُمْ ظَالِمُونَ) [البقرة: ٩٢] اعتراضاً وحالاً.
قوله: (فيما خلق من أجرامكم): جعل قوله: (في الخلق) ظرفاً لقوله: (وزادكم)، (بصطة): مفعول به. وفسر "البسطة": بالطول والبدانة.
قال أبو البقاء: (في الخلق) يجوز أن يكون حالاً من (بصطةً)، وأن يكون متعلقاً بـ"زادكم".
واختار القاضي أن يكون حالاً، حيث قال: (وزادكم في الخلق بصطةً): قامةً وقوة. وهو تعميم بعد تخصيص".
قوله: ((فأذكروا الاء الله): في استخلافكم، وبسطة أجرامكم): يعني: أن المراد بـ (ألاء الله) ما ذكره في قوله تعالى: (واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزَادَكُمْ فِي الخَلْقِ بَصْطَةً). كرره تقريراً وتوكيداً، ليشكروا تلك النعمة، بتصديق رسوله، وما
стр. 2853
وواحد "الآلاء": «إلى» ونحو: إنىً وآناء، وضلعٍ وأضلاع، وعنبٍ وأعناب.
فإن قلت: (إذ) في قوله: (إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ)، ما وجه انتصابه؟ قلت: هو مفعولٌ به وليس بظرف، أي: اذكروا وقت استخلافكم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جاء به، فيعبدوا الله، ويوحدوه، ويتركوا العناد والتعجب.
وفي ذكر نوح إشارة إلى دفع التعجب، يعني: هذا الذي جئت به ليس ببدع، فاذكروا نوحاً وإرساله إلى قومه، وإلى الوعيد والتهديد. أي: اذكروا إهلاك قومه لتكذيبهم رسول ربهم.
قوله: (وواحد "الآلاء": "إلى"): قال الزجاج: "آلاء الله: نعم الله. واحدها: إلى. قال الأعشى:
أبيض لا يرهب الهزال، ولا … يقطع رحماً، ولا يخون إلا
واحدها: إلى، وألا، وإلى.
قوله: (هو مفعول به وليس بظرف): قال صاحب "الفرائد": "يشكل هذا بقولهم: "إذ" و"إذا"، وقوعهما ظرفين لازم". وأجيب: أن باب الاتساع واسع.
стр. 2854
[(قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَاتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ* قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ* فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ)].
(أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ) أنكروا واستبعدوا اختصاص الله وحده بالعبادة، وترك دين الآباء في اتخاذ الأصنام شركاء معه، حباً لما نشؤوا عليه، وإلفاً لما صادفوا آباءهم يتدينون به.
فإن قلت: ما معنى المجيء في قوله: (أَجِئْتَنا)؟ قلت: فيه أوجه: أن يكون لهودٍ ﵇ مكانٌ معتزلٌ عن قومه يتحنث فيه، كما كان يفعل رسول الله ﷺ بحراءٍ قبل المبعث، فلما أوحي إليه جاء قومه يدعوهم.
وأن يريدوا به الاستهزاء، لأنهم كانوا يعتقدون أنّ الله تعالى لا يرسل إلا الملائكة، فكأنهم قالوا: أجئتنا من السماء كما يجيء الملك. وأن لا يريدوا حقيقة المجيء،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يتحنث فيه)، النهاية: "أي: يتعبد. يقال: فلان يتحنث، أي: يفعل فعلاً يخرج به من الإثم، كما يقال: يتأثم ويتحرج: إذا فل ما يخرج به من الإثم والحرج".
قوله: (فكأنهم قالوا: أجئتنا من السماء؟ ): فإن قلت: أين قرينة هذا المجيء؟ قلت: إنهم لما استبعدوا اختصاص الله وحده بالعبادة، بنوا الأمر على المحال، كقوله تعالى: (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) [الأنعام: ١٢٥]، فإثبات المجيء حينئذٍ على الحقيقة استهزاء.
стр. 2855
ولكن التعرّض بذلك والقصد، كما يقال: ذهب يشتمني، ولا يراد حقيقة الذهاب، كأنهم قالوا: أقصدتنا لنعبد الله وحده وتعرّضت لنا بتكليف ذلك؟
(فَاتِنا بِما تَعِدُنا) استعجالٌ منهم للعذاب.
(قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ) أي: حق عليكم ووجب، أو قد نزل عليكم. جعل المتوقع الذي لا بدّ من نزوله بمنزلة الواقع، .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((قد وقع عليكم): أي: حق عليكم ووجب): يعني: استعمال (وقع) في الرجس والغضب مجاز من الوجوب الذي هو اللزوم، من إطلاق السبب، كاستعمال الوجوب الشرعي، لأنه في الأصل للوقوع.
قال تعالى: (فَإذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا) [الحج: ٣٦].
قال المصنف: "وجوب الجنوب: وقوعها على الأرض".
ويجوز أن يكون استعارة تبعية، شبه تعلق الغضب والرجس بهم، بنزول جسم من علو إلى سفل. وهو المراد من قوله: "أو قد نزل عليكم".
стр. 2856
ونحوه قولك لمن طلب إليك بعض المطالب: قد كان ذلك.
وعن حسان: أن ابنه عبد الرحمن لسعه زنبورٌ وهو طفل، فجاء يبكي، فقال له يا بني مالك؟ قال: لسعني طويرٌ كأنه ملتفٌ في بردي حبرة، فضمه إلى صدره وقال له: يا بني، قد قلت الشعر.
والرجس: العذاب، من الارتجاس، وهو الاضطراب، (فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها): في أشياء ما هي إلا أسماءٌ ليس تحتها مسميات، لأنكم تسمونها آلهة، ومعنى الإلهية فيها معدومٌ محالٌ وجوده، وهذا كقوله تعالى: (ما تدعون من دونه من شيء) [العنكبوت: ٤٢]، ومعنى (سَمَّيْتُمُوها): سميتم بها، من قولك: سميته زيداً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لمن طلب إليك بعض المطالب): أي: احتاج إليك في الطلب. وفيه تضمين.
قوله: (في بردي حبرة): النهاية: "الحبير من البرود: ما كان موشياً مخططاً. يقال: برد خبير، وبرد حبرة - بوزن: عنبة - على الوصف والإضافة، وهو برد يمانٍ".
قوله: (قد قلت الشعر): لما لفق ابنه هذه الألفاظ، توقع منه أنه سيقوله. فجعل المتوقع كالواقع، فقال: "قد قلت" على الماضي.
стр. 2857
وقطعُ دابرهم: استئصالهم وتدميرهم عن آخرهم، وقصتهم: أن عاداً قد تبسطوا في البلاد ما بين عمان وحضرموت. وكانت لهم أصنام يعبدونها، صداء. وصمود، والهباء، فبعث الله إليهم هوداً نبياً، وكان من أوسطهم وأفضلهم حسباً، فكذبوه وازدادوا عتوّاً وتجبراً، فأمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا، وكان الناس إذا نزل بهم بلاءٌ طلبوا إلى الله تعالى الفرج منه عند بيته المحرّم، مسلمهم ومشركهم، وأهل مكة إذ ذاك العماليق؛ أولاد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وسيدهم معاوية بن بكر، فجهزت عادٌ إلى مكة من أماثلهم سبعين رجلاً، منهم قيل ابن عنز، ومرثد بن سعد الذي كان يكتم إسلامه، فلما قدموا نزلوا على معاوية بن بكر، وهو بظاهر مكة خارجاً من الحرم، فأنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله وأصهاره، فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان- قينتان كانتا لمعاوية - فلما رأى طول مقامهم وذهولهم باللهو عما قدموا له أهمه ذلك، وقال: قد هلك أخوالي وأصهاري، وهؤلاء على ما هم عليه، وكان يستحي أن يكلمهم؛ خيفة أن يظنوا به ثقل مقامهم عليه، فذكر ذلك للقينتين، فقالتا: قل شعراً نغنيهم به لا يدرون من قاله، فقال معاوية:
ألا يا قيل ويحك قم فهينم … لعلّ الله يسقينا غماما
فيسقي أرض عادٍ إن عاداً … قد امسوا ما يبينون الكلاما
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فهينم)، الهينمة: إخفاء الكلام. وهاهنا: عبارة عن الدعاء.
قوله: (يسقينا غماماً): أي: غيثاً.
قوله: (ما يبينون الكلاما) أي: لا يفقهون قولاً من ضعفهم.
стр. 2858
فلما غنتا به قالوا: إن قومكم يتغوثون من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم، فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم، فقال لهم مرثد بن سعد: والله لا تسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى الله سقيتم، وأظهر إسلامه، فقالوا لمعاوية: احبس عنا مرثداً لا يقدمنّ معنا مكة، فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا، ثم دخلوا مكة فقال قيل: اللهم اسق عاداً ما كنت تسقيهم، فأنشأ الله تعالى سحاباتٍ ثلاثاً: بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه منادٍ من السماء:
يا قيل، اختر لنفسك ولقومك، فقال: اخترت السوداء فإنها أكثرهنّ ماءً، فخرجت على عادٍ من وادٍ لهم يقال له: المغيث، فاستبشروا بها وقالوا: هذا عارض ممطرنا، فجاءتهم منها ريحٌ عقيمٌ فأهلكتهم، ونجا هودٌ ﵇ والمؤمنون معه، فأتوا مكة، فعبدوا الله فيها حتى ماتوا.
فإن قلت: ما فائدة نفي الإيمان عنهم في قوله: (وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ) مع إثبات التكذيب بآيات الله؟ قلت:
هو تعريضٌ بمن آمن منهم، كمرثد بن سعد، ومن نجا مع هودٍ ﵇، كأنه قال: وقطعنا دابر الذين كذبوا منهم ولم يكونوا مثل من آمن منهم، ليؤذن أنّ الهلاك خص المكذبين، ونجى الله المؤمنين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هو تعريض بمن آمن منهم): يعني: إذا سمع المؤمن أن الهلاك اختص بالمكذبين، وعلم أن سبب النجاة هو الإيمان، تزيد رغبته فيه، ويعظم قدره عنده.
ونظيره في اعتبار شرف الإيمان قوله تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ) إلى قوله: (ويُؤْمِنُونَ بِهِ) [غافر: ٧]. وحملة العرش ليسوا ممن لا يؤمنون، لكن ذكر الإيمان لشرفه والترغيب فيه.
стр. 2859
[(وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَاكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَاخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ* وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)].
قرئ: (وَإِلى ثَمُودَ) بمنع الصرف بتأويل القبيلة، و"إلى ثمودٍ" بالصرف بتأويل الحيّ، أو باعتبار الأصل؛ لأنه اسم أبيهم الأكبر وهو ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح. وقيل: سميت ثمود لقلة مائها، من الثمد، وهو الماء القليل، وكانت مساكنهم الحِجْرَ بين الشام والحجاز إلى وادي القرى.
(قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ): آيةٌ ظاهرةٌ وشاهدٌ على صحة نبوّتي، وكأنه قيل: ما هذه البينة؟ فقال: (هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً)، و (آيةً) نصبٌ على الحال، والعامل فيها ما دل عليه اسم الإشارة من معنى الفعل، كأنه قيل: أشير إليها آية.
و(لكم) بيانٌ لمن هي له آيةٌ موجبةٌ عليه الإيمان خاصة وهم ثمود، لأنهم عاينوها وسائر الناس أخبروا عنها وليس الخبر كالمعاينة، كأنه قال: لكم خصوصاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أخو إدريس) في بعض النسخ بعد ذكر نسب ثمود، وهو خطأ. ويعلم من انتسابه نوحاً قبيل هذا.
قوله: (لمن هي له آية موجبة عليه): اللام في "لمن" صلة "بيان"، و"من" موصولة، وصلتها الجملة، وقوله: "هي": مبتدأ، "آية موجبة": خبر، و"له": حال من "آية"، والجملة صلة الموصول.
стр. 2860
وإنما أضيفت إلى اسم الله تعظيما لها وتفخيما لشأنها، وأنها جاءت من عنده مكوّنة من غير فحلٍ وطروقةٍ آيةً من آياته، كما تقول: آية الله.
وروي أن عاداً لما أهلكت عمرت ثمود بلادها، وخلفوهم في الأرض وكثروا، وعمروا أعماراً طوالاً، حتى إن الرجل كان يبني المسكن المحكم فينهدم في حياته، فنحتوا البيوت من الجبال، وكانوا في سعةٍ ورخاءٍ من العيش، فعتوا على الله، وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأوثان، فبعث الله تعالى إليهم صالحاً ﵇، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مكونةً) أي: موجودة، لكن من غير واسطة، كما قيل لعيسى "كلمة".
قوله: (وطروقةٍ)، الجوهري: "يقال: ناقة طروقة الفحل، للتي بلغت أن يضربها الفحل"، "وناقة مخترجة: إذا خرجت على هيئة الجمل".
الراغب: "الطرق في الأصل: الضرب، إلا أنه أخص، لأنه ضرب يوقع بطرق الحديد بالمطرقة، ويتوسع فيه توسعهم في الضرب. ومنه قيل: طرق الفحل الناقة، وأطرقها، واستطرقت فلاناً فحلاً. ويقال للناقة: طروقة".
قوله: (آية من آياته): حال من ضمير "جاءت"، وكذا "مكونة"، والظاهر أنها حال من ضمير "مكونة" متداخلة.
وذكر المصنف في سورة "هود" "أن (لكم): حال من (آية)، وكانت: صفة، فقدمت، وصارت حالاً".
стр. 2861
وكانوا قوماً عرباً، وصالحٌ من أوسطهم نسباً، فدعاهم إلى الله تعالى، فلم يتبعه إلا قليلٌ منهم مستضعفون، فحذرهم وأنذرهم، فسألوه آيةً، فقال: أية آيةٍ تريدون؟ قالوا: تخرج معنا إلى عيدنا في يوم معلوم لهم من السنة، فتدعوا إلهك وندعو آلهتنا، فإن استجيب لك اتبعناك، وإن استجيب لنا اتبعتنا، فقال صالح: نعم، فخرج معهم ودعوا أوثانهم وسألوها الاستجابة فلم تجبهم، ثم قال سيدهم جندع بن عمرو- وأشار إلى صخرةٍ منفردةٍ في ناحية الجبل يقال لها: الكاثبة -: أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة مخترجةً جوفاء وبراء - والمخترجة: التي شاكلت البُختَ-، فإن فعلت صدّقناك وأجبناك، فأخذ صالحٌ ﵇ عليهم المواثيق: لئن فعلت ذلك لتؤمننّ ولتصدّقنّ! قالوا: نعم، فصلى ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، فانصدعت عن ناقةٍ عشراء جوفاء وبراء. كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها إلا الله تعالى، وعظماؤهم ينظرون، ثم نتجت ولداً مثلها في العظم فآمن به جندعٌ ورهطٌ من قومه، ومنع أعقابهم ناسٌ من رؤوسهم أن يؤمنوا، فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر وتشرب الماء، وكانت ترد غباً، فإذا كان يومها وضعت رأسها في البئر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقريب منه معنى ما قاله هنا: "و (لكم): بيان لمن هي له آية".
قال أبو البقاء: "ويجوز أن يكون (لكم) حالاً من (آيةً). ويجوز أن يكون (ناقة الله) بدلاً من (هذه)، أو عطف بيان، و (لكم) الخبر. ويجوز أن يعمل في (أية): (لكم). وجاز أن يكون (آية) حالاً، لأنها بمعنى علامة ودليلاً".
قوله: (وسألوها) أي: سألوا الأصنام أن تستجيب دعاءهم، أي: تجيب. قال تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ) [آل عمران: ١٩٥].
стр. 2862
فما ترفعه حتى تشرب كلّ ماء فيها، ثم تتفحج فيحتلبون ما شاؤوا حتى تمتلئ أوانيهم، فيشربون ويدخرون.
قال أبو موسى الأشعري: أتيت أرض ثمود فذرعت مصدر الناقة فوجدته ستين ذراعاً.
وكانت الناقة إذا وقع الحرّ تصيفت بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم، فتهبط إلى بطنه، وإذا وقع البرد تشتت بطن الوادي فتهرب مواشيهم إلى ظهره، فشق ذلك عليهم وزينت عقرها لهم امرأتان: عنيزة أمّ غنم، وصدقة بنت المختار، لما أضرّت به من مواشيهما وكانتا كثيرتي المواشي، فعقروها واقتسموا لحمها وطبخوه، فانطلق سقبها حتى رقي جبلاً اسمه قارة، فرغى ثلاثاً، وكان صالحٌ قال لهم: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه وانفجت الصخرة بعد رغائه فدخلها. فقال لهم صالح: تصبحون غداً ووجوهكم مصفرّة، وبعد غدٍ ووجوهكم محمرةٌ، واليوم الثالث ووجوهكم مسودّة، ثم يصبحكم العذاب، فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه، فأنجاه الله إلى أرض فلسطين، ولما كان اليوم الرابع وارتفع الضحى تحنطوا بالصبر، وتكفنوا بالأنطاع، فأتتهم صيحةٌ من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ثم تتفحج) بالفاء، والحاء المهملة، والجيم بعدها.
نقل الجوهري عن أبي عمرو: "والتفحج مثل: التفشج: وهو أن يفرج بين رجليه".
قوله: (تصيفت): أي: تلبثت بالصيف. و"تشتت": إذا تلبثت بالشتاء.
قوله: (سقبها). السقب: الذكر من أولاد الإبل. "تحنطوا": أي: اتخذوا حنوطاً. والحنوط: الذريرة. "لا تريبوها"، من قولهم: "رابني فلان: إذا رأيت منه ما يسوؤك وتكرهه".
стр. 2863
(تأكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ) أي: الأرض أرض الله والناقة ناقة الله، فذروها تأكل في أرض ربها، فليست الأرض لكم ولا ما فيها من النبات من إنباتكم، (وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ): لا تضربوها ولا تطردوها ولا تريبوها بشيءٍ من الأذى، إكراماً لآية الله.
ويروى: أنّ رسول الله ﷺ حين مر بالحِجر في غزوة تبوك قال لأصحابه: «لا يدخلنّ أحد منكم القرية، ولا تشربوا من مائها، ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل الذي أصابهم». وقال ﷺ : «يا عليّ، أتدري من أشقى الأوّلين»؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: «عاقر ناقة صالح، أتدري من أشقى الآخرين»؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال «قاتلك».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي: الأرض أرض الله، والناقة ناقة الله): فإن قلت: هذه الإضافة آذنت بالاختصاص، وقد قدر فيما سبق أن الإضافة في (ناقة الله) للتعظيم والتفخيم، ولا ارتياب أن الإضافة في (أرض الله) غير مطلوبٍ منها التعظيم، بل الاختصاص، فأين التطابق؟ قلت: الاختصاص لا يدفعه التعظيم.
قوله: (ويروى: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم): الحديث من رواية البخاري ومسلم، عن ابن عمر قال: "لما مر رسول الله صلي الله عليه وسلم بالحجر"، قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين". ثم قنع رأسه، وأسرع السير، حتى جاز الوادي.
أما رواية الكتاب. "باكين أن يصيبكم" فمعناه: خائفين أن يصيبكم مثل ما أصابهم.
قوله: (يا علي، أتدري من أشقى الأولين؟ ): وروى ابن عبد البر في "الاستيعاب" عن
стр. 2864
وقرأ أبو جعفر - في رواية-: "تأكل في أرض الله"، وهو في موضع الحال بمعنى آكلة.
(وَبَوَّأَكُمْ): ونزلكم، والمباءة: المنزل (فِي الْأَرْضِ): في أرض الحِجرِ بين الحجاز والشام، (مِنْ سُهُولِها قُصُوراً) أي: تبنونها من سهولة الأرض بما تعملون منها من الرهص واللبن والآجر. وقرأ الحسن: "وتنحتون" بفتح الحاء، و"تنحاتون" بإشباع الفتحة، كقوله:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النسائي، من حديث عمار بن ياسر، عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال لعلي ﵁: "أشقى الناس الذي قتل الناقة، والذي يضربك على هذا" - ووضع يده على رأسه - "حتى يخضب هذه" يعني: لحيته.
قوله: (من الرهص واللبن): الرهص: "العرق الأسفل من الحائط. كذا في "الأساس". والذي يوافق قول المصنف ما في "المغرب": "الرهص: الطين الذي يجعل بعضه على بعض".
"من) - في "من سهولة الأرض" -: بيان "ما" في "بما تعملون منها"، والباء - في "بما تعملون" - متعلقة بـ"تبنونها"، كما تقول: بنيت الدار بالحص والآجر والطين.
قال أبو البقاء: " (من سهولها): حال من (قصوراً)، أو مفعولاً ثانياً لـ (تتخذون) ".
стр. 2865
يَنْبَاعُ مِنْ ذَفْرَى أَسِيلٍ حُرَّةٍ
فإن قلت: علام انتصب (بُيُوتاً)؟ قلت: على الحال، كما تقول: خط هذا الثوب قميصاً وأبر هذه القصبة قلماً، وهي من الحال المقدّرة، لأن الجبل لا يكون بيتاً في حال النحت، ولا الثوب ولا القصبة قميصاً وقلما في حال الخياطة والبري.
وقيل: كانوا يسكنون السهول في الصيف والجبال في الشتاء.
[(قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ* قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ* فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ* فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ* فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ينباع من ذفرى أسيلٍ حرةٍ): تمامه:
زيافةٍ مثل الفنيق المكدم
البيت لعنترة.
ينباع: أصله: ينبع، فأشبع الفتحة لإقامة الوزن، فتولدت ألف، أي: يسيل.
والذفري من القفا: هو الموضع الذي يعرق من البعير خلف الأذن، ولا ينون، لأن ألفها للتأنيث.
والأسيل: صفة الناقة. يقال: خد أسيل، إذا كان ليناً طويلاً. والحر من كل شيء: خالصه وجيده.
стр. 2866
(لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا): للذين استضعفهم رؤساء الكفار واستذلوهم، و (لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) بدلٌ من "الذين استضعفوا".
فإن قلت: الضمير في (منهم) راجعٌ إلى ماذا؟ قلت: إلى (قَوْمِهِ) أو إلى "اِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا".
فإن قلت: هل لاختلاف المرجعين أثرٌ في اختلاف المعنى؟ قلت: نعم، وذلك أن الراجع إذا رجع إلى (قومه) فقد جعل "مَنْ آمَنَ" مفسراً لـ"من استضعف منهم"، فدل أن استضعافهم كان مقصوراً على المؤمنين، وإذا رجع إلى "الذين استضعفوا"، لم يكن الاستضعاف مقصوراً عليهم، ودلّ أن المستضعفين كانوا مؤمنين وكافرين.
(أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ) شيءٌ قالوه على سبيل الطنز والسخرية، كما تقول للمجسمة: أتعلمون أن الله فوق العرش؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والزيافة من النوق: المختالة. والزيف: التبختر.
الفنيق: الفحل المكرم، والمكدم: المعضوض. يقال: ما بالبعير كدمة، أي: لم يكن به وسم ولا أثر.
يصف ناقةً يسيل العرق من خلف أذنيها، مؤثقة الخلق، شديدة التبختر، مثل فحل الإبل قد كدمته الفحول.
قوله: (فقد جعل "من آمن" مفسراً لـ"من استضعف منهم"): قال القاضي: " (لمن آمن منهم): يدل من (للذين استضعفوا)، بدل الكل، إذا رجع الضمير إلى (قولمه)، وإذا رجع إلى (للذين استضعفوا) بدل البعض"، لوجود الضمير حينئذ.
стр. 2867
فإن قلت: كيف صحّ قولهم: (إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ) جواباً عنه؟ قلت: سألوهم عن العلم بإرساله، فجعلوا إرساله أمراً معلوماً مكشوفاً مسلماً لا يدخله ريب، كأنهم قالوا: العلم بإرساله وبما أرسل به ما لا كلام فيه ولا شبهة تدخله لوضوحه وإنارته، وإنما الكلام في وجوب الإيمان به، فنخبركم أنا به مؤمنون، ولذلك كان جواب الكفرة (إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ) فوضعوا (آمَنْتُمْ بِهِ) موضع (أُرْسِلَ بِهِ) رداً لما جعله المؤمنون معلوما وأخذوه مسلماً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (سألوهم عن العلم بإرساله): حاصل الجواب أنه من باب الأسلوب الحكيم، وهو تلقي المخاطب بغير ما يترقب.
قوله: (إنما الكلام في وجوب الإيمان به) أي: لا تسألوا عن العلم بإرساله، بل سلوا: هل يجب الإيمان به لأنه الأهم بشأنكم؟ فإن قلت: من أين دل الجواب على وجوب الإيمان به؟ قلت: من حيث إن أصل السؤال: أتعلمون أن صالحاً مرسل ثابت الرسالة بالدليل، فيجب الإيمان به عليكم وعلينا؟ فالجواب: نعم: علمنا وحققنا ثبوت رسالته بدعواه وإظهار المعجزة عليها، فنحن آمنا به وبما أرسل به من البينات، فأنتم أيضاً آمنوا به، فعدلوا عن ظاهر الجواب إلى ما تراه لتلك النكتة التي ذكرها المصنف، والقوم لما كانوا منكرين رسالة البشر تكبراً وعناداً، كما قالوا: (أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا) [المؤمنون: ٤٧] ما أنصفوا، وقالوا: (إنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ).
قوله: (ولذلك كان جواب الكفرة): أي: ولأجل أنهم ساقوا الكلام في وجوب الإيمان به، دون الإرسال، وكونه مرسلاً، قالت الكفرة: (إنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ). فإنهم
стр. 2868
(فَعَقَرُوا النَّاقَةَ) أُسند العقر إلى جميعهم، لأنه كان برضاهم وإن لم يباشره إلا بعضهم، وقد يقال للقبيلة الضخمة: أنتم فعلتم كذا، وما فعله إلا واحد منهم، (وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ): وتولوا عنه واستكبروا عن امتثاله عاتين، و"أمر ربهم": ما أمر به على لسان صالح ﵇ من قوله: (فَذَرُوها تَاكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ) [الأعراف: ٧٣]، أو شأن ربهم وهو دينه. ويجوز أن يكون المعنى: وصدر عتوّهم عن أمر ربهم، كأن أمر ربهم بتركها كان هو السبب في عتوّهم. ونحو "عن" هذه ما في قوله (وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) [الكهف: ٨٢].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أيضاً عدلوا عن الظاهر، لأن جوابهم المطلق: إنا بالذي أرسل به كافرون. أي: ليس الأمر كما قلتم بأن الكلام في وجوب الإيمان به.
قال في "الانتصاف": "لو طابقوا، لقالوا: إنا بالذي أرسل به لكافرون، لكن عدلوا عن ذلك، لما فيه من إثبات رسالته، وهم يحجدونها، وقد ثبت مثل ذلك على وجه التهكم، كما قال: (إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) [الشعراء: ٢٧]. لكن هؤلاء بالغوا في التحرز حذراً من النطق بثبوت الرسالة".
قوله: (ويجوز أن يكون المعنى: وصدر عتوهم): عطف على قوله: "وتولوا عنه". يريد أن الأمر في قوله: (عن أمر ربهم) إما بمعنى واحد الأوامر، أو واحد الأمور. فإن كان الأول، (فعتوا) إما مضمن لمعنى "التولي"، فالمعنى: تولوا واستكبروا عن امتثال أمرٍ عاتين. أو مضمن لمعنى الإصدار، فالمعنى: صدر عتوهم عن أمر ربهم. وسببه لأنه تعالى لما أمرهم بقوله: (فذروها تأكل في أرض الله) ابتلاءً، وهم ما امتثلوا الأمر، فصاروا عاتين لذلك. ولولا ذلك الأمر ما ترتب العتو.
стр. 2869
(ائْتِنا بِما تَعِدُنا) أرادوا: من العذاب، وإنما جاز الإطلاق لأنه كان معلوماً، واستعجالهم له لتكذيبهم به، ولذلك علقوه بما هم به كافرون، وهو كونه من المرسلين.
(الرَّجْفَةُ): الصيحة التي زلزلت لها الأرض واضطربوا لها (فِي دارِهِمْ): في بلادهم أو في مساكنهم (جاثِمِينَ): هامدين لا يتحركون موتى. يقال: الناس جُثمٌ، أي: قعودٌ لا حراك بهم ولا ينبسون نبسة، ومنه: المجثمة التي جاء النهي عنها، وهي البهيمة تربط وتجمع قوائمها لترمى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإن كان الثاني، فالمعنى: تولوا واستكبروا عن شأن الله، أي: دينه.
قوله: (واستعجالهم له) أي: للعذاب، لأجل تكذيبهم بالعذاب، لأن من حق من خاف النازلة، حذر واحترز، فضلاً عن أن يستعجل نزولها.
والدليل على أن استعجالهم كان للتكذيب تعليقهم استعجال العذاب، أي: بقوله: (إن كنت من المرسلين)، وقد أنكروا أنه من المرسلين، في قولهم: (إنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ).
قوله: (لا ينبسون)، الجوهري: "ما نبس بكلمة، أي: ما تكلم".
قوله: (المجثمة) بفتح الثاء المثلثة.
المغرب: "هي بالفتح: ما يجثم، ثم يرمي حتى يقتل. وعن عكرمة: هي الشاة ترمى بالنبل. وعن شمر: بالحجارة. وقيل: إنها في الطير خاصة، والأرانب، وأشباه ذلك.
стр. 2870
وعن جابر: أنّ النبي ﷺ لما مر بالحِجر قال: «لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح فأخذتهم الصيحة، فلم يبق منهم إلا رجلٌ واحدٌ كان في حرم الله. قالوا: من هو؟ قال: ذاك أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه». وروي: أنّ صالحاً كان بعثه إلى قوم، فخالف أمره. وروي: أنه ﵇ مرّ بقبر أبي رغالٍ فقال: «أتدرون من هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. فذكر قصة أبي رغال، وأنه دفن هاهنا ودفن معه غصنٌ من ذهب، فابتدروه وبحثوا عنه بأسيافهم فاستخرجوا الغصن.
(فَتَوَلَّى عَنْهُمْ) الظاهر أنه كان مشاهداً لما جرى عليهم، وأنه تولى عنهم بعد ما أبصرهم جاثمين، تولي مغتمّ متحسرٍ على ما فاته من إيمانهم، يتحزن لهم ويقول: يا قَوْمِ لَقَدْ بذلت فيكم وسعي، ولم آل جهداً في إبلاغكم والنصيحة لكم، ولكنكم (لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قال: أبو رغال). روى أبو داود عن ابن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول حين خرجنا معه إلى الطائف، فمررنا بقبر، فقال صلي الله عليه وسلم: "هذا قبر أبي رغال، وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان، فدفن فيه. وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهبٍ، إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه" فابتدر الناس، فاستخرجوا الغصن.
قوله: (ولم آل جهداً)، الجوهري: "ألا يألو، أي: قصر. وفلان لا يألوك نصحاً، فهو آلٍ، والمرأة آلية".
стр. 2871
ويجوز أن يتولى عنهم تولي ذاهبٍ عنهم، منكرٍ لإصرارهم حين رأى العلامات قبل نزول العذاب.
وروي: أنّ عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء، ونزل بهم العذاب يوم السبت. وروي: أنه خرج في مئةٍ وعشرةٍ من المسلمين وهو يبكي، فالتفت، فرأى الدخان ساطعاً، فعلم أنهم قد هلكوا، وكانوا ألفاً وخمس مئة دار. وروي: أنه رجع بمن معه، فسكنوا ديارهم.
فإن قلت: كيف صحّ خطاب الموتى وقوله: (وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ)؟ قلت: قد يقول الرجل لصاحبه وهو ميت- وكان قد نصحه حياً فلم يسمع منه حتى ألقى بنفسه في التهلكة-: يا أخي، كم نصحتك، وكم قلت لك فلم تقبل منى! وقوله: (وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) حكاية حالٍ ماضية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يتولى عنهم تولى ذاهبٍ عنهم، منكرٍ) فعلى هذا: الخطاب مع القوم، يؤيده قوله: "حين رأى العلامات قبل نزول العذاب". والأول هو الظاهر، لترتب التولي بالفاء على (فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) وهو المناسب منه ﵇، وأنه من العرب، ومن عادتهم البكاء على الديار وأهلها. وعليه يرد السؤال الآتي: "كيف صح خطاب الموتى؟ ".
قوله: (وكانوا ألفاً وخمس مئة دار) أي: كانت دورهم ألفاً وخمس مئة، فحذف المضاف، فانقلب الضمير المجرور مرفوعاً. كما مر في قوله: (والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلاَّ نَكِدًا) [الأعراف: ٥٨]، أي: لا يخرج نباته.
قوله: (حكاية حالٍ ماضية) وكان من حق الظاهر أن يقال: نصحت لكم ولكن ما قبلتم نصحي، فعدل من الماضي إلى المضارع لاستحضار تلك الحالة التي وقعت فيها النصيحة،
стр. 2872
[وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَاتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ* إِنَّكُمْ لَتَاتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ* وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ* فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ* وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ)].
(وَلُوطاً) وأرسلنا لوطاً، و (إِذْ) ظرف لـ (أرسلنا). أو: واذكر لوطاً، و (إذ) بدلٌ منه، بمعنى: واذكر وقت (قالَ لِقَوْمِهِ أَتَاتُونَ الْفاحِشَةَ): أتفعلون السيئة المتمادية في القبح؟ (ما سَبَقَكُمْ بِها): ما عملها قبلكم، والباء للتعدية، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فأبوا إلا بغضها؛ تعجباً منه وتعجيباً لغيره من عدم القبول إلى المحبة، مبالغاً في الإصرار على الكفر، ومن الإفراد إلى الجمع المحلى باللام إيذاناً بأن ذلك كان دأبهم وعادتهم، وأنهم لا يقبلون نصح ناصحٍ، ومن ثم ما قبلوا نصحه.
قوله: (أو: واذكر لوطاً) على هذا عطف جملة القصة على مثلها. وعلى الأول: هو من عطف بعض مفردات الجملة على مثله، أي: لقد أرسلنا نوحاً ولوطاً.
وقوله: " (إذ) ظرف لـ (أرسلنا) " معناه: الزمان أو القرن الذي أرسل فيه لوط.
وقيل: إن الوقت الحقيقي لقوله: (أتأتون الفاحشة) هو الجزء المعين من الزمان الذي وقع فيه هذا الكلام. وذلك الجزء لا يصح أن يكون ظرفاً للإرسال. لكن كما أن ذلك الجزء زمان هذا القول، فكذلك ذلك اليوم، وذلك الشهر، وتلك السنة، وذلك القرن، فيتحقق من هذا التقرير معنى الأثر الحقيقي وغير الحقيقي.
وعلى عطف القصة على القصة، و (إذ) بدل، يكون أفيد، وذلك أن ذكر الأنبياء لتثبيت
стр. 2873
من قولك: سبقته بالكرة، إذا ضربتها قبله. ومنه قوله ﵇: «سبقك بها عكاشة». (مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ) (من) الأولى: زائدةٌ لتوكيد النفي، وإفادة معنى الاستغراق، والثانية للتبعيض.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلب الرسول ﷺ بتسليته مما يقاسي عن قومه. أي: اذكر تلك الحالة، وصورها في نفسك، لتعلم أن الأنبياء السالفة درجوا على ما أنت عليه مع القوم.
قوله: (سبقك بها عكاشة): عن البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "يدخل من أمتي زمرة هم سبعون ألفاً، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر". فقام عكاشة بن محصن الأسدي، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. فقال صلي الله عليه وسلم: "اللهم اجعله منهم". ثم قام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: "سبقك بها عكاشة".
قال صاحب "الجامع": عكاشة: بضم العين وتشديد الكاف وتخفيفها، والتشديد أكثر، ومحصن: بكسر الميم".
قوله: (والثانية للتبعيض). فتكون بدلاً من محل (من أحدٍ)، أي: ما سبقكم بها بعض العالمين، أي: أنتم تفردتم بهذا الفعل من بين من عداكم من العالمين.
قال في قوله تعالى: (أَتَاتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ العَالَمِينَ) [الشعراء: ١٦٥]: "أراد بالعالمين: الناس. أي: أتأتون من بين أولاد آدم - على فرط كثرتهم، وغلبة إناثهم - ذكرانهم؟ أو: أتأتون أنتم من بين من عداكم من العالمين الذكران؟ ".
стр. 2874
فإن قلت: ما موقع هذه الجملة؟ قلت: هي جملةٌ مستأنفة، أنكر عليهم أوّلاً بقوله: (أَتَاتُونَ الْفاحِشَةَ)، ثم وبخهم عليها فقال: أنتم أوّل من عملها.
أو على أنه جواب لسؤالٍ مقدّر، كأنهم قالوا: لم لا نأتيها؟ فقال: (ما سبقكم بها أحدٍ)، فلا تفعلوا ما لم تسبقوا به.
(إِنَّكُمْ لَتَاتُونَ الرِّجالَ) بيانٌ لقوله: (أتأتون الفاحشة)، والهمزة مثلها في (أَتَاتُونَ) للإنكار والتعظيم. وقرئ: (إنكم) على الإخبار المستأنف. (لتأتون الرجال)، من: أتى المرأة؛ إذا غشيها.
(شَهْوَةً) مفعولٌ له، أي: للاشتهاء لا حامل لكم عليه إلا مجرّد الشهوة من غير داع آخر، ولا ذم أعظم منه، لأنه وصفٌ لهم بالبهيمية، أنه لا داعي لهم من جهة العقل البتة كطلب النسل ونحوه، أو حالٌ بمعنى مشتهين تابعين للشهوة غير ملتفتين ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هي جملة مستأنفة) أي: مبتدأة، مؤكدة لمعنى الإنكار، على سبيل التتميم والمبالغة فيه. أي: ما كفاكم ارتكاب هذه الفاحشة، حتى كنتم مقتدين فيها؟ كقولها:
وإن صخراً لتأتم الهداة به … كأنه علم في رأسه نار
وإنما قلنا: مبتدأة، ليعلم أن معنى قوله: "مستأنفة" وارد على اللغة لا على الاصطلاح، لقوله بعد ذلك: "أو على أنه جواب لسؤال مقدر"، وذلك هو المستأنفة المصطلحة.
قوله: (وقرئ: (إنكم) على الإخبار): نافع وحفص.
قوله: (أو حال بمعنى: مشتهين): وفرق بين أن يكون (شهوةً) حالاً، وبين أن يكون مفعولاً له؛ وذلك أن قضاء الشهوة في نفسه مسترذل سمج، لكن إذا جعل وسيلة إلى طلب
стр. 2875
إلى السماجة، (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) أضرب عن الإنكار إلى الإخبار عنهم بالحال التي توجب ارتكاب القبائح وتدعوا إلى اتباع الشهوات، وهو أنهم قومٌ عادتهم الإسراف وتجاوز الحدود في كل شيء، فمن ثم أسرفوا في باب قضاء الشهوة، حتى تجاوزوا المعتاد إلى غير المعتاد، ونحوه: (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ) [الشعراء: ١٦٦].
(وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا) يعني: ما أجابوه بما يكون جواباً عما كلمهم به لوطٌ ﵇؛ من إنكار الفاحشة، وتعظيم أمرها، ووسمهم بسمة الإسراف الذي هو أصل الشر كله، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الولد، وتكثير النسل، وذريعة إلى التعفف والتخلي للعبادة، كان محموداً.
فإذا قدر أنها حال، كان المطلوب مجرد الذم، والجري على الطبيعة. ولهذا قال: "تابعين الشهوة، غير ملفتتين إلى السماجة".
وإذا قدر أنها مفعول له، يعود معناه إلى تقبيح توخي قلب الحكمة، لأن الحكمة في وضعها: أن تكون ذريعة إلى بقاء النوع، وتكثير النسل، ووسيلةً إلى التعفف، والتخلي للعبادة. فإذا جعل الغرض الأصلي هو الشهوة، كان أسمج وأقبح من طلب مجرد الشهوة. ولذلك قال: "ولا ذم أعظم منه".
وقيل: قوله: "لأنه وصف لهم بالبهمية" يوهم ألا يكون على الحال وصفاً، وليس كذلك.
وأجيب: بأن المراد - على الأول - أنهم جمعوا بين الوصف بالبهمية، والوصف بأنه "لا داعي لهم من جهة العقل البتة" بخلاف الثاني، فإنه ساكت عن القصد وعدمه.
следующие страницы →