Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
ويجوز أن يتولى عنهم تولي ذاهبٍ عنهم، منكرٍ لإصرارهم حين رأى العلامات قبل نزول العذاب.
وروي: أنّ عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء، ونزل بهم العذاب يوم السبت. وروي: أنه خرج في مئةٍ وعشرةٍ من المسلمين وهو يبكي، فالتفت، فرأى الدخان ساطعاً، فعلم أنهم قد هلكوا، وكانوا ألفاً وخمس مئة دار. وروي: أنه رجع بمن معه، فسكنوا ديارهم.
فإن قلت: كيف صحّ خطاب الموتى وقوله: (وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ)؟ قلت: قد يقول الرجل لصاحبه وهو ميت- وكان قد نصحه حياً فلم يسمع منه حتى ألقى بنفسه في التهلكة-: يا أخي، كم نصحتك، وكم قلت لك فلم تقبل منى! وقوله: (وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) حكاية حالٍ ماضية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يتولى عنهم تولى ذاهبٍ عنهم، منكرٍ) فعلى هذا: الخطاب مع القوم، يؤيده قوله: "حين رأى العلامات قبل نزول العذاب". والأول هو الظاهر، لترتب التولي بالفاء على (فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) وهو المناسب منه ﵇، وأنه من العرب، ومن عادتهم البكاء على الديار وأهلها. وعليه يرد السؤال الآتي: "كيف صح خطاب الموتى؟ ".
قوله: (وكانوا ألفاً وخمس مئة دار) أي: كانت دورهم ألفاً وخمس مئة، فحذف المضاف، فانقلب الضمير المجرور مرفوعاً. كما مر في قوله: (والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلاَّ نَكِدًا) [الأعراف: ٥٨]، أي: لا يخرج نباته.
قوله: (حكاية حالٍ ماضية) وكان من حق الظاهر أن يقال: نصحت لكم ولكن ما قبلتم نصحي، فعدل من الماضي إلى المضارع لاستحضار تلك الحالة التي وقعت فيها النصيحة،
стр. 2872
[وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَاتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ* إِنَّكُمْ لَتَاتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ* وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ* فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ* وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ)].
(وَلُوطاً) وأرسلنا لوطاً، و (إِذْ) ظرف لـ (أرسلنا). أو: واذكر لوطاً، و (إذ) بدلٌ منه، بمعنى: واذكر وقت (قالَ لِقَوْمِهِ أَتَاتُونَ الْفاحِشَةَ): أتفعلون السيئة المتمادية في القبح؟ (ما سَبَقَكُمْ بِها): ما عملها قبلكم، والباء للتعدية، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فأبوا إلا بغضها؛ تعجباً منه وتعجيباً لغيره من عدم القبول إلى المحبة، مبالغاً في الإصرار على الكفر، ومن الإفراد إلى الجمع المحلى باللام إيذاناً بأن ذلك كان دأبهم وعادتهم، وأنهم لا يقبلون نصح ناصحٍ، ومن ثم ما قبلوا نصحه.
قوله: (أو: واذكر لوطاً) على هذا عطف جملة القصة على مثلها. وعلى الأول: هو من عطف بعض مفردات الجملة على مثله، أي: لقد أرسلنا نوحاً ولوطاً.
وقوله: " (إذ) ظرف لـ (أرسلنا) " معناه: الزمان أو القرن الذي أرسل فيه لوط.
وقيل: إن الوقت الحقيقي لقوله: (أتأتون الفاحشة) هو الجزء المعين من الزمان الذي وقع فيه هذا الكلام. وذلك الجزء لا يصح أن يكون ظرفاً للإرسال. لكن كما أن ذلك الجزء زمان هذا القول، فكذلك ذلك اليوم، وذلك الشهر، وتلك السنة، وذلك القرن، فيتحقق من هذا التقرير معنى الأثر الحقيقي وغير الحقيقي.
وعلى عطف القصة على القصة، و (إذ) بدل، يكون أفيد، وذلك أن ذكر الأنبياء لتثبيت
стр. 2873
من قولك: سبقته بالكرة، إذا ضربتها قبله. ومنه قوله ﵇: «سبقك بها عكاشة». (مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ) (من) الأولى: زائدةٌ لتوكيد النفي، وإفادة معنى الاستغراق، والثانية للتبعيض.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلب الرسول ﷺ بتسليته مما يقاسي عن قومه. أي: اذكر تلك الحالة، وصورها في نفسك، لتعلم أن الأنبياء السالفة درجوا على ما أنت عليه مع القوم.
قوله: (سبقك بها عكاشة): عن البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "يدخل من أمتي زمرة هم سبعون ألفاً، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر". فقام عكاشة بن محصن الأسدي، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. فقال صلي الله عليه وسلم: "اللهم اجعله منهم". ثم قام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: "سبقك بها عكاشة".
قال صاحب "الجامع": عكاشة: بضم العين وتشديد الكاف وتخفيفها، والتشديد أكثر، ومحصن: بكسر الميم".
قوله: (والثانية للتبعيض). فتكون بدلاً من محل (من أحدٍ)، أي: ما سبقكم بها بعض العالمين، أي: أنتم تفردتم بهذا الفعل من بين من عداكم من العالمين.
قال في قوله تعالى: (أَتَاتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ العَالَمِينَ) [الشعراء: ١٦٥]: "أراد بالعالمين: الناس. أي: أتأتون من بين أولاد آدم - على فرط كثرتهم، وغلبة إناثهم - ذكرانهم؟ أو: أتأتون أنتم من بين من عداكم من العالمين الذكران؟ ".
стр. 2874
فإن قلت: ما موقع هذه الجملة؟ قلت: هي جملةٌ مستأنفة، أنكر عليهم أوّلاً بقوله: (أَتَاتُونَ الْفاحِشَةَ)، ثم وبخهم عليها فقال: أنتم أوّل من عملها.
أو على أنه جواب لسؤالٍ مقدّر، كأنهم قالوا: لم لا نأتيها؟ فقال: (ما سبقكم بها أحدٍ)، فلا تفعلوا ما لم تسبقوا به.
(إِنَّكُمْ لَتَاتُونَ الرِّجالَ) بيانٌ لقوله: (أتأتون الفاحشة)، والهمزة مثلها في (أَتَاتُونَ) للإنكار والتعظيم. وقرئ: (إنكم) على الإخبار المستأنف. (لتأتون الرجال)، من: أتى المرأة؛ إذا غشيها.
(شَهْوَةً) مفعولٌ له، أي: للاشتهاء لا حامل لكم عليه إلا مجرّد الشهوة من غير داع آخر، ولا ذم أعظم منه، لأنه وصفٌ لهم بالبهيمية، أنه لا داعي لهم من جهة العقل البتة كطلب النسل ونحوه، أو حالٌ بمعنى مشتهين تابعين للشهوة غير ملتفتين ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هي جملة مستأنفة) أي: مبتدأة، مؤكدة لمعنى الإنكار، على سبيل التتميم والمبالغة فيه. أي: ما كفاكم ارتكاب هذه الفاحشة، حتى كنتم مقتدين فيها؟ كقولها:
وإن صخراً لتأتم الهداة به … كأنه علم في رأسه نار
وإنما قلنا: مبتدأة، ليعلم أن معنى قوله: "مستأنفة" وارد على اللغة لا على الاصطلاح، لقوله بعد ذلك: "أو على أنه جواب لسؤال مقدر"، وذلك هو المستأنفة المصطلحة.
قوله: (وقرئ: (إنكم) على الإخبار): نافع وحفص.
قوله: (أو حال بمعنى: مشتهين): وفرق بين أن يكون (شهوةً) حالاً، وبين أن يكون مفعولاً له؛ وذلك أن قضاء الشهوة في نفسه مسترذل سمج، لكن إذا جعل وسيلة إلى طلب
стр. 2875
إلى السماجة، (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) أضرب عن الإنكار إلى الإخبار عنهم بالحال التي توجب ارتكاب القبائح وتدعوا إلى اتباع الشهوات، وهو أنهم قومٌ عادتهم الإسراف وتجاوز الحدود في كل شيء، فمن ثم أسرفوا في باب قضاء الشهوة، حتى تجاوزوا المعتاد إلى غير المعتاد، ونحوه: (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ) [الشعراء: ١٦٦].
(وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا) يعني: ما أجابوه بما يكون جواباً عما كلمهم به لوطٌ ﵇؛ من إنكار الفاحشة، وتعظيم أمرها، ووسمهم بسمة الإسراف الذي هو أصل الشر كله، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الولد، وتكثير النسل، وذريعة إلى التعفف والتخلي للعبادة، كان محموداً.
فإذا قدر أنها حال، كان المطلوب مجرد الذم، والجري على الطبيعة. ولهذا قال: "تابعين الشهوة، غير ملفتتين إلى السماجة".
وإذا قدر أنها مفعول له، يعود معناه إلى تقبيح توخي قلب الحكمة، لأن الحكمة في وضعها: أن تكون ذريعة إلى بقاء النوع، وتكثير النسل، ووسيلةً إلى التعفف، والتخلي للعبادة. فإذا جعل الغرض الأصلي هو الشهوة، كان أسمج وأقبح من طلب مجرد الشهوة. ولذلك قال: "ولا ذم أعظم منه".
وقيل: قوله: "لأنه وصف لهم بالبهمية" يوهم ألا يكون على الحال وصفاً، وليس كذلك.
وأجيب: بأن المراد - على الأول - أنهم جمعوا بين الوصف بالبهمية، والوصف بأنه "لا داعي لهم من جهة العقل البتة" بخلاف الثاني، فإنه ساكت عن القصد وعدمه.
стр. 2876
ولكنهم جاؤوا بشيءٍ آخر لا يتعلق بكلامه ونصيحته؛ من الأمر بإخراجه ومن معه من المؤمنين من قريتهم، ضجراً بهم وبما يسمعونهم من وعظهم ونصحهم.
وقولهم: (إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ) سخريةٌ بهم وبتطهرهم من الفواحش، وافتخاراً بما كانوا فيه من القذارة، كما يقول الشطار من الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم: أبعدوا عنا هذا المتقشف، وأريحونا من هذا المتزهد.
(وَأَهْلَهُ): ومن يختص به من ذويه، أو من المؤمنين، (مِنَ الْغابِرِينَ): من الذين غبروا في ديارهم، أي: بقوا فهلكوا، والتذكير لتغليب الذكور على الإناث. وكانت كافرة مواليةً لأهل سدوم. وروي: أنها التفتت فأصابها حجرٌ فماتت.
وقيل: كانت المؤتفكةُ خمس مدائن. وقيل: كانوا أربعة آلافٍ بين الشام والمدينة، فأمطر الله عليهم الكبريت والنار ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومن معه من المؤمنين) عطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار. وإنما جاز لأنه عطف على محل الضمير، لأنه منصوب على المفعولية، فليس بمتصلٍ بالمضاف اتصال الضمير المجرور في قوله تعالى: (تَسَاءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامَ) [النساء: ١] وسبق الكلام فيه، في قوله تعالى: (كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) [البقرة: ٢٠٠].
قوله: (وكانت كافرةً مواليةً): الواو: للحال. و"قد": مقدرة، والعامل: "تغليب الذكور". ويروى: "فكانت" بالفاء، والمعنى: قدرناها بين الذين غبروا، فالحال أنها كافرة.
قوله: (وروي أنها التفتت، فأصابها حجر، فماتت): عطف على قوله: "من الذين غبروا في ديارهم، أي: بقوا فهلكوا".
стр. 2877
وقيل: خسف بالمقيمين منهم، وأمطرت الحجارة على مسافريهم وشذاذهم. وقيل: أمطر عليهم ثم خسف بهم. وروي: أن تاجراً منهم كان في الحرم، فوقف له الحجر أربعين يوماً حتى قضى تجارته وخرج من الحرم فوقع عليه.
فإن قلت: أي: فرقٍ بين "مطر" و"أمطر"؟ قلت: يقال: مطرتهم السماء ووادٍ ممطور. وفي "نوابغ الكلم": حرى غير ممطور. حريٌّ أن يكون غير ممطور. ومعنى مطرتهم: أصابتهم بالمطر، .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا مبني على ما قاله في سورة "هود": "وفي إخراجها مع أهله روايتان: روي أنه أخرجها معهم، وأمر ألا يلتفت منهم أحد إلا هي، فالتفتت، فأصابها الحجر. وروي أنه أمر بأن يخلفها مع قومها، فلم يسر بها".
وفيه بحث سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله: (وشذاذهم)، الجوهري: "شذاذ الناس: الذين يكونون في القوم وليسوا من قبائلهم".
قلت: يعني قوله: "أمطرت عليهم كذا" مطلق، يحتمل الخير والشر، وليس كذلك، لأن المصنف جعل هذا المثال مقدمة للأمثلة بعده، وهي في الشر.
قوله: (حرى)، الجوهري: "الحرى - بفتح الحاء، مقصوراً - الساحة، والعقوة، والناحية. ويقال: هو حرى أن يفعل ذلك - بالفتح - أي: خليق جدير. لا يثنى ولا يجمع".
قوله: (غير مطور) هو: من قولهم: لا يطور حوله، أي: لا يأتيه.
стр. 2878
كقولهم: غاثتهم ووبلتهم وجادتهم ورهمتهم. ويقال: أمطرت عليهم كذا، بمعنى: أرسلته عليهم إرسال المطر. (فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ) [الأنفال: ٣٢]، (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) [الحجر: ٧٤].
ومعنى (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً): وأرسلنا عليهم نوعاً من المطر عجيباً، يعني: الحجارة، ألا ترى إلى قوله: (فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ) [الشعراء: ١٧٣].
[(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النهاية: "وفي حديث علي ﵁: "والله لا أطور به ما سمر سمير"، أي: لا أقربه أبداً".
قوله: (ورهمتهم)، الأساس: "وقعت رهمته: مطرة لينة صغيرة القطر".
قوله: (ويقال: أمطرت عليهم كذا): عطف على: "يقال: مطرتهم السماء".
الانتصاف: "قصده الرد على من قال: "مطر" في الخير، و"أمطر" في الشر. فبين أن "أمطر" بمعنى أرسل إرسال المطر، خيراً كان أو شراً، لكن اتفق أن السماء لم ترسل شيئاً يشبه المطر، إلا كان عذاباً، فمن هاهنا وقع الوهم لذلك القائل".
قوله: (نوعاً من المطر عجيباً، يعني الحجارة): قال أبو البقاء: " (مطراً): هو مفعول "أمطرنا". والمطر هنا: الحجارة، كما جاء في الآية الأخرى: (وأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً) [هود: ٨٢، والحجر: ٧٤].
стр. 2879
سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ* وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ)].
كان يقال لشعيب ﵇: خطيب الأنبياء؛ لحسن مراجعته قومه، وكانوا أهل بخس للمكاييل والموازين، (قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ): معجزةٌ شاهدةٌ بصحة نبوّتي أوجبت عليكم الإيمان بي، والأخذ بما آمركم به والانتهاء عما أنهاكم عنه، فأوفوا ولا تبخسوا.
فإن قلت: ما كانت معجزته؟ قلت: قد وقع العلم بأنه كانت له معجزةٌ، لقوله: (قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ)،
ولأنه لا بدّ لمدعي النبوة من معجزة تشهد له وتصدقه، وإلا لم تصح دعواه، وكان متنبئاً لا نبياً، غير أنّ معجزته لم تذكر في القرآن، كما لم تذكر أكثر معجزات نبينا ﷺ فيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كانت له معجزة، لقوله: (قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ)): قال الزجاج: "قال بعض النحويين: لم يكن لشعيب معجزة. وهذا غلط فاحش، لأنه تعالى قال: (قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا) فجاء بالفاء، أي: أمرهم بالإيفاء بعد مجيء البينة، ولو ادعى مدعٍ النبوة بغير آية، لم يقبل منه، لكن الله لم يذكرها، فلا يدل على عدمها".
يريد الزجاج أن الفاء في (فأوفوا) سببية فيما يلزم من قوله: (قد جاءتكم بينة).
وإلى هذا المعنى أشار المصنف بقوله: " (قد جاءتكم بينة من ربكم): معجزة شاهدة بصحة نبوتي، أوجبت عليكم الإيمان بي، والأخذ بما آمركم به، (فأوفوا) ".
стр. 2880
ومن معجزات شعيب ﵇: ما روي من محاربة عصا موسى ﵇ التنين حين دفع إليه غنمه، وولادة الغنم الدرع خاصةً حين وعده أن تكون له الدرع من أولادها، ووقوع عصا آدم ﵇ على يده في المرات السبع، وغير ذلك من الآيات؛ لأنّ هذه كلها كانت قبل أن يستنبأ موسى ﵇، فكانت معجزاتٍ لشعيب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومن معجزات شعيبٍ ﵇: ما روي من محاربة عصا موسى ﵇ التنين): قال القاضي: "ما ذكره محتمل أن يكون كرامة لموسى، أو إرهاصاً لنبوته".
قال الإمام: "كلام صاحب "الكشاف" مبني على أصلٍ مختلف فيه، لأنه عندنا أن ذلك إرهاص، وهو أن يظهر الله تعالى على يد من سيصير نبياً خوارق العادات، وعند المعتزلة غير جائز".
وفيه نظر، لأنه قال سورة "آل عمران" في قوله تعالى: (وإذْ قَالَتِ المَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ) [آل عمران: ٤٢]: "إنهم كلموها شفاهاً معجزة لزكريا، أو إرهاصاً لنبوة عيسي ﵇".
قوله: (أن تكون له الدرع)، الجوهري: "الأدرع من الخيل والشاء: ما اسود رأسه، وأبيض سائره. والأنثى: درعاء. ومنه قيل لثلاث ليال من الشهر اللاتي يلين البيض: "درع" لظلمة أوائلها، وظاهر بظهور القمر في سائرها".
стр. 2881
فإن قلت: كيف قيل: (الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ)، وهلا قيل: المكيال والميزان، كما في سورة هودٍ ﵇؟ قلت: أريد بالكيل: آلة الكيل، وهو المكيال، أو سمي ما يكال به بالكيل، كما قيل: العيش، لما يعاش به، أو أُريد: فأوفوا الكيل ووزن الميزان، ويجوز أن يكون الميزان كالميعاد والميلاد بمعنى المصدر.
ويقال: بخسته حقه: إذا نقصته إياه. ومنه قيل للمكس: البخس، وفي أمثالهم: تحسبها حمقاء وهي باخسٌ. وقيل: (أَشْياءَهُمْ) لأنهم كانوا يبخسون الناس كل شيء في مبايعاتهم، أو كانوا مكاسين لا يدعون شيئاً إلا مكسوه، كما يفعل أمراء الحرمين. وروي: أنهم كانوا إذا دخل الغريب بلدهم أخذوا دراهمه الجياد، وقالوا: هي زيوف! فقطعوها قطاعاً، ثم أخذوها بنقصانٍ ظاهر أو أعطوه بدلها زيوفاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومنه قيل للمكس: البخس)، المغرب: "المكس في البيع: استنقاص الثمن. والمكس أيضاً: الجباية، وهو فعل المكاس العشار. ومنه: "لا يدخل صاحب مكسٍ الجنة".
فقوله: "أو كانوا مكاسين" مبني على الوجه الثاني، وقوله: "لأنهم كانوا يبخسون الناس كل شيء في مبايعاتهم" على الأول.
قوله: (تحسبها حمقاء وهي باخس) وفي رواية: "باخسة". فعلى الأول تأويله: إنسان باخس، أو على النسب، كـ: "لابن" و"تامر".
стр. 2882
(بَعْدَ إِصْلاحِها): بعد الإصلاح فيها، أي: لا تفسدوا فيها بعد ما أصلح فيها الصالحون من الأنبياء وأتباعهم العاملين بشرائعهم، وإضافته كإضافة قوله: (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) [سبأ: ٣٣] بمعنى: بل مكركم في الليل والنهار، أو بعد إصلاحٍ أهلها، على حذف المضاف.
(ذلِكُمْ) إشارةٌ إلى ما ذكر من الوفاء بالكيل والميزان وترك البخس والإفساد في الأرض، أو إلى العمل بما أمرهم به ونهاهم عنه.
ومعنى: (خَيْرٌ لَكُمْ) يعني: في الإنسانية وحسن الأحدوثة، وما تطلبونه من التكسب والتربح، لأن الناس أرغب في متاجرتكم إذا عرفوا منكم الأمانة والسوية، (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ): إن كنتم مصدقين لي في قولي: (ذلكم خيرٌ لكم).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الميداني: "أصل المثل أن رجلاً من بني العنبر جاورته امرأة، فنظر إليها، فحسبها حمقاء لا تعقل، ولا تحفظ مالها. فقال العنبري: ألا اخلط مالي ومتاعي بمالها ومتاعها، ثم أقاسمها، فآخذ خير متاعها، وأعطيها الردئ من متاعي؟ فقاسمها بعدما خلط متاعه بمتاعها، فلم ترض عند المقاسمة، حتى أخذت متاعها، ثم نازعته، وأظهرت له الشكوى، حتى افتدى منها بما أرادت، فعوتب عند ذلك، فقال: "تحسبها حمقاء وهي باخسة"، يضرب لمن يتباله. وفيه دهاء".
قوله: (يعني في الإنسانية وحسن الأحدوثة) أي: ما يتحدث به الناس، وهو من باب الاستدراج، وإرخاء العنان، لأن الكلام مع الكفار، ولو كان مع المؤمنين لقيل: لكان خيراً لكم عند الله من الثواب والدرجات، ولذلك فسر قوله: (إن كنتم مؤمنين) بقوله: "إن كنتم مصدقين"، وإنما قال: "مصدقين"، لأنهم ما كانوا مؤمنين مسلمين، وإن مثل هذا الشرط
стр. 2883
(وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ): ولا تقتدوا بالشيطان في قوله: (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) [الأعراف: ١٦]، فتقعدوا بكل صراطٍ أي: بكل منهاجٍ من مناهج الدين. والدليل على أن المراد بالصراط سبيل الحق قوله: (وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)، ومحل (تُوعِدُونَ) وما عطف عليه: النصب على الحال أي: ولا تقعدوا موعدين وصادّين عن سبيل الله، وباغيها عوجاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنما يجاء به في آخر الكلام للتوكيد فعلم منه أن شعيباً ﵇ كان مشهوراً عندهم بالصدق والأمانة، كما كان رسول الله صلي الله عليه وسلم مشهوراً عند قومه بالأمين.
قوله: (ولا تقتدوا بالشيطان في قوله: (لأقعدن): يعني: القعود على الصراط: تمثيل، كما في تلك الآية. مثل إغواءهم الناس عن دين الحق بكل ما يمكن من الحيل، بمن يريد أن يقطع الطريق على السابلة، فيكمن لهم من حيث لا يدرون. ونحوه في التمثيل قول الشيطان: (لأقعدن لهم صراطك المستقيم)، أي: لأعترضن على طريق الإسلام، كما يعترض العدو على الطريق ليقطعه على السابلة.
فلما أشبه هذا التمثيل ذلك، وكان مقدماً عليه، قال: "ولا تقتدوا بالشيطان فتقعدوا بكل صراط".
قوله: (والدليل على أن المراد بالصراط: سبيل الحق، قوله: (وتصدون عن سبيل الله)): يعني: أن قوله تعالى: (ولا تقعدوا بكل صراطٍ) محتمل لأن يراد بها سبيل
стр. 2884
فإن قلت: صراط الحق واحد، (وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) [الأنعام: ١٥٣]، فكيف قيل: (بكل صراطٍ)؟ قلت: صراط الحق واحد، ولكنه يتشعب إلى معارف وحدودٍ وأحكامٍ كثيرةٍ مختلفة، فكانوا إذا رأوا أحداً يشرع في شيءٍ منها أوعدوه وصدّوه.
فإن قلت: إلام يرجع الضمير في (آمَنَ بِهِ)؟ قلت: إلى "كل صراطٍ"، تقديره: توعدون من آمن به وتصدّون عنه، فوضع الظاهر الذي هو (سبيل الله) موضع الضمير، زيادة في تقبيح أمرهم، ودلالة على عظم ما يصدّون عنه.
وقيل: كانوا يجلسون على الطرق والمراصد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحق لوقوعه في التنزيل، وأن يراد بها الجادة المتعارفة. ودل إيقاع (وتصدون) قيداً للفعل على أنها سبيل الحق، كقوله تعالى: (لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ) [الأعراف: ١٦] لاسيما وقد عطف عليه: (وتَبْغُونَهَا عِوَجًا).
والمعنى: لا تقعدوا في كل منهاجٍ من مناهج الدين تصدون الناس عنها، وتصفونها بالاعوجاج.
هذا هو الظاهر، ولهذا إذا حمل على الظاهر، وجب قطع (توعدون) والذهاب إلى الاستئناف.
قوله: (وقيل: كانوا يجلسون على الطرق) عطف على قوله: "ولا تقتدوا بالشيطان" من
стр. 2885
فيقولون لمن مرّ بهم: إن شعيباً كذابٌ فلا يفتننكم عن دينكم، كما كان يفعل قريشٌ بمكة. وقيل: كانوا يقطعون الطرق. وقيل: كانوا عشارين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حيث المعنى، أي: كانوا يضلون الناس عن مناهج الحق ودين الحق، وقيل: كانوا يجلسون على الطرق، ويمنعون الناس أن يقصدوا شعيباً ﵇.
فعلى هذا لا يكون تمثيلاً، ولا يكون (تصدون) حالاً، ولا يكون (سبيل الله) من وضع الظاهر موضع المضمر، كما في الوجه السابق.
قوله: (فيقولون لمن مر بهم: إن شعيباً كذاب): دلت الفاء على أن: (توعدون) استئناف لبيان المقتضى، فكأنه لما قيل لهم: (ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ)، قالوا: لم ذلك؟ فأجيب: لأنكم توعدون وتصدون عن سبيل الله.
قال القاضي: " (من آمن به): الضمير يعود إلى "الصراط" على الأول، وإلى "الله" على الثاني. و (من): مفعول (تصدون) على إعمال الأقرب. ولو كان مفعول (توعدون) لقال: تصدونهم". وكذا عن أبي البقاء. فظاهر الآية مع الكوفيين.
قوله: (وقيل: كانوا يقطعون الطريق): فعلى هذا الآية مبالغة في الوعيد وتغليظ ما
стр. 2886
(وَتَبْغُونَها عِوَجاً): وتطلبون لسبيل الله عوجاً، أي: تصفونها للناس بأنها سبيلٌ معوجةٌ غير مستقيمة، لتصدّوهم عن سلوكها والدخول فيها، أو يكون تهكماً بهم، وأنهم يطلبون لها ما هو محال، لأنّ طريق الحق لا يعوج.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانوا يرومونه من قطع السبيل، لأن قاطع الطريق ساعٍ في الأرض بالفساد، وإخراجها عن أن تكون منتفعاً بها، لأن ضرر ذلك يسري إلى الدين.
ألا ترى كيف أنزل الله فيهم: (إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ) [المائدة: ٣٣] تمهيداً لمحاربة المؤمنين؟
وعلى هذا حكم العشار والمكاسين.
ولهذا اشترط في إيجاب الحج أمن الطريق من نحو الرصدي.
وعلى هذا لا يراد بقوله: (تبغونها عوجاً) التهكم ولا التوبيخ، بل المعنى: تقطعون السبيل، لتفسد الأرض، وتخرج عن أن تكون منتفعا بها، فعبر عن الإفساد بطلب الاعوجاج. ويؤيده قوله: (وانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ). ومعنى هذا الطلب معنى اللام في قوله: (لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًا وحَزَنًا) [القصص: ٨].
قوله: (أو يكون تهكماً بهم): عطف على قوله: "تصفونها للناس"، فعلى الأول يكون قوله: (وتبغونها عوجاً) كناية عن وصفهم لهم بالاعوجاج. فإنه تعالى عبر عن وصف الكافرين سبيل الله بالاعوجاج، بقوله: (تبغونها عوجاً) على سبيل التوبيخ. يعني: ما يريدون بهذا الوصف إلا المحال، وهو اعوجاج ذاتها. فهو إخبار فيه معنى التوبيخ، كما في قوله تعالى: (آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) [طه: ٧١، والشعراء: ٤٩]. فقوله: "وأنهم يطلبون لها ما هو محال" تفسير للوجهين: التوبيخ والتهكم.
стр. 2887
(وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا): (إذ) مفعولٌ به غير ظرف، أى: واذكروا على جهة الشكر وقت كونكم قليلاً عددكم، (فَكَثَّرَكُمْ) الله ووفر عددكم. قيل: إن مدين بن إبراهيم تزوّج بنت لوطٍ فولدت، فرمى الله في نسلها بالبركة والنماء، فكثروا وفشوا. ويجوز: إذ كنتم مقلين فقراء فكثركم، فجعلكم مكثرين موسرين، أو كنتم أقلة أذلةً فأعزكم بكثرة العَدَدِ والعُدَد. (عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) آخر أمر من أفسد قبلكم من الأمم، كقوم نوحٍ وهود وصالحٍ ولوط، وكانوا قريبي العهد مما أصاب المؤتفكة.
(فَاصْبِرُوا): فتربصوا وانتظروا، (حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا) أي: بين الفريقين، بأن ينصر المحقين على المبطلين ويظهرهم عليهم. وهذا وعيدٌ للكافرين بانتقام الله منهم، كقوله: (فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) [التوبة: ٥٢]، أو هو عظةٌ للمؤمنين، وحثّ على الصبر واحتمال ما كان يلحقهم من أذى المشركين إلى أن يحكم الله بينهم وينتقم لهم منهم.
ويجوز أن يكون خطاباً للفريقين، أي: ليصبر المؤمنون على أذى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي الكلام ترق، يعني: ما كفاكم أنكم توعدون الناس عن متابعته، وتصدونهم عن سبيله، حتى تصفونه بالاعوجاج، ليكون الصد بالبرهان والدليل؟ !
قوله: (مما أصاب المؤتفكة): المؤتفكات: قريات لوط، لأنها ائتفكت وانقلبت.
الجوهري: "الأفك - بالفتح - مصدر: أفكه يأفكه، أي: قلبه وصرفه عن الشيء".
قوله: (وهذا وعيد للكافرين): وفي إتيان حرف الشرط دلالة على تناهي إقناطه من رجوعهم، والإقلاع عن تماديهم، وأن البلاء لابد أن ينزل عليهم، وإن كان فيهم الصلحاء
стр. 2888
الكفار، وليصبر الكفار على ما يسوؤهم من إيمان من آمن منهم، حتى يحكم الله، فيميز الخبيث من الطيب (وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ) لأنّ حكمه حق وعدل، لا يخاف فيه الحيف.
[(قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَ لَوْ كُنَّا كارِهِينَ* قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ)].
أي: ليكوننّ أحد الأمرين: إمّا إخراجكم؛ وإمّا عودكم في الكفر.
فإن قلت: كيف خاطبوا شعيباً ﵇ بالعود في الكفر في قولهم: (أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا) وكيف أجابهم بقوله: (إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها)، والأنبياء ﵈ لا يجوز عليهم من الصغائر إلا ما ليس فيه تنفير، فضلاً عن الكبائر، فضلاً عن الكفر؟ قلت: لما قالو: (لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك) فعطفوا على ضميره الذين دخلوا في الإيمان منهم بعد كفرهم، قالوا: (لتعودنّ)، فغلبوا الجماعة على الواحد، فجعلوهم عائدين جميعاً، إجراء للكلام على حكم التغليب، وعلى ذلك أجرى شعيبٌ ﵇ جوابه فقال:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الذين يدفع بهم البلاء، ولبلوغهم في التمادي (قَالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا).
قوله: (وعلى ذلك أجرى شعيب ﵇ جوابه): أي: أجابهم بما أوردوا عليه السؤال من التغليب ليتطابقا. ويجوز أن يكون على المشاكلة، كما في قوله تعالى: (إنَّ اللَّهَ لا
стр. 2889
إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها، وهو يريد عود قومه، إلا أنه نظم نفسه في جملتهم وإن كان بريئاً من ذلك إجراء لكلامه على حكم التغليب.
فإن قلت: فما معنى قوله: (وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ)، والله تعالى متعالٍ أن يشاء ردّة المؤمنين وعودهم في الكفر؟ قلت: معناه: إلا أن يشاء الله خذلاننا ومنعنا الألطاف، لعلمه أنها لا تنفع فينا وتكون عبثاً، والعبث قبيحٌ لا يفعله الحكيم، والدليل عليه قوله: (وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً) أي: هو عالمٌ بكل شيءٍ مما كان وما يكون،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً) [البقرة: ٢٦] في أحد وجهيه.
قال في "الانتصاف": "وقد يستعمل "عاد" - من أخوات "كان" - بمعنى "صار"، فلا يستدعي الرجوع إلى حالةٍ سابقة، بل عكس ذلك: وهو الانتقال من حال سابقة إلى حالٍ مستأنفةٍ كأنهم قالوا: أو لتصيرن كفاراً في ملتنا".
قوله: (والدليل عليه قوله تعالى: (وسع ربنا كل شيءٍ علماً): أي: والدليل على أن المراد بقوله تعالى: (إلا أن يشاء الله): إلا أن يشاء الخذلان، ومنع الألطاف، لا الردة، لأن منع الألطاف لازم لسبق علمه أن الألطاف لا تجدي، وتابع له، ولو أريد: أن يشاء العود إلى الكفر لم يكن لمجيء العلم فائدة.
والجواب: أن في ذكر العلم فائدةً جليلة، لأن المعنى: (وما يكون لنا) أي: ما يصح ولا يستقيم منا على ما نحن عليه من الثبات على الدين، بعد وضوح الآيات البينات، وشرح الله
стр. 2890
فهو يعلم أحوال عباده كيف تتحوّل؟ وقلوبهم كيف تتقلب؟ وكيف تقسو بعد الرقة، وتمرض بعد الصحة، وترجع إلى الكفر بعد الإيمان؟
(عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا) في أن يثبتنا على الإيمان، ويوفقنا لازدياد الإيقان.
ويجوز أن يكون قوله: (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) حسمًا لطمعهم في العود، لأن مشيئة الله لعودهم في الكفر محال خارج عن الحكمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصدور أن نعود إلى الكفر، إلا أن يشاء الله العود، فإن معرفة المشيئة غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله. ويؤيده قوله: عليه توكلنا، أي: في أن تثبتنا على الإيمان. نحوه قوله تعالى: (ومَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ) [الأحقاف: ٩].
قوله: ((إلا أن يشاء الله) حسماً لطمعهم في العود، لأن مشيئة الله لعودهم في الكفر محال): هذا على أن يكون معنى (أن يشاء الله) التأبيد، كما نص عليه في "الكهف".
قال الزجاج: "قال قوم: (إلا أن يشاء الله ربنا)، والله لا يشاء الكفر، مثل قولك: لا أكلمك حتى يبيض الفأر، ويشيب الغراب. والغراب لا يشيب، والفأر لا يبيض. وهذا خطأ لمخالفته كثيراً من النصوص الواردة في الكتاب والسنة، في أن الكائنات تابعة لمشيئة الله، ولكن الله تعالى غيب عن الخلق علمه فيهم، ومشيئته من أعمالهم، فأمرهم ونهاهم، لأن الحجة إنما تثبت من جهة الأمر والنهي. وكل ذلك جارٍ على ما سبق من العلم، وجرت به المشيئة، فعليهم السمع والطاعة للأمر إذا أمروا، وهم جارون على ما علم منهم أنهم يختارون الطاعة أو المعصية".
стр. 2891
(أَوَ لَوْ كُنَّا كارِهِينَ) الهمزة للاستفهام، والواو واو الحال، تقديره: أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا، ومع كوننا كارهين. (وما يكون لنا): وما ينبغي لنا، وما يصح لنا، (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا): احكم بيننا. والفتاحة: الحكومة، أو أظهر أمرنا حتى يتفتح ما بيننا (وَبَيْنَ قَوْمِنا) وينكشف؛ بأن تنزل عليهم عذاباً يتبين معه أنهم على الباطل، (وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ) كقوله: (وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ) [يونس: ١٥٩].
فإن قلت: كيف أسلوب قوله (قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ)؟ قلت: هو إخبارٌ مقيدٌ بالشرط، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون كلاماً مستأنفاً فيه معنى التعجب، كأنهم قالوا: ما أكذبنا على الله إن عدنا في الكفر بعد الإسلام! لأنّ المرتد أبلغ في الافتراء من الكافر، لأنّ الكافر مفترٍ على الله الكذب، حيث يزعم أنّ لله نداً، ولا ندّ له، والمرتدّ مثله في ذلك وزائدٌ عليه، حيث يزعم أنه قد تبين له ما خفي عليه من التمييز بين الحق والباطل. والثاني أن يكون قسماً على تقدير حذف اللام، بمعنى: والله لقد افترينا على الله كذباً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والفتاحة: الحكومة): قال الزجاج: "وأهل عمان يسمون القاضي: الفتاح والفاتح".
قوله: (كيف أسلوب قوله: (قد افترينا)؟ ): يعني: ما معنى التأكيد الذي تعطيه (قد) مع مدخولها الماضي، ثم انضمام (إن) الشرطية معها؟
يدل على هذا التلخيص الجوابان. وأجاب أنه من باب إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر، لأن ظاهره إخبار مقيد بالشرط. وتأويله من وجهين.
стр. 2892
[(وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ* فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ* الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ)].
(وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) أي: أشرافهم للذين دونهم يثبطونهم عن الإيمان: (لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ) لاستبدالكم الضلالة بالهدى، كقوله تعالى: (أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ) [البقرة: ١٦]، وقيل: تخسرون باتباعه فوائد البخس والتطفيف، لأنه ينهاكم عنهما ويحملكم على الإيفاء والتسوية.
فإن قلت: ما جواب القسم الذي وطأته اللام في (لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً)، وجواب الشرط؟ قلت: قوله: (إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ) سادّ مسدّ الجوابين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحدهما: أن يكون من باب التعجب، يعني روم إيقاع النفس في ورطة المهالك، من أولي النهية، بعد المزاولة الطويلة في الإخراج منها، مما يقتضي منه العجب. وإليه الإشارة بقوله: "ما أكذبنا على الله إن عدنا في الكفر بعد الإسلام! ". فكأنه ﵇ لما سمع كلامهم ما التفت إلى الجواب، وأنشأ التعجب من نفسه، قائلاً: (قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم). ولهذا قال: "كلاماً مستأنفاً فيه معنى التعجب".
قال أبو البقاء: " (قد افترينا)، هو معنى المستقبل، لأنه لم يقع، وإنما سد مسد جواب (إن عدنا). وساغ دخول (قد) لأنهم نزلوا الافتراء عند العود منزلة الواقع، فقرنوه بـ (قد). وكأن المعنى: قد افترينا الآن، إن هممنا بالعود"، على أن يكون قسماً، لا يكون مستأنفاً، بل يكون رداً لكلامهم بأبلغ وجه.
стр. 2893
(الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً) مبتدأ، خبره: (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا)، وكذلك (كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ). وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص، كأنه قيل: الذين كذبوا شعيباً هم المخصوصون بأن أُهلكوا واستؤصلوا، كأن لم يقيموا في دارهم؛ لأنّ الذين اتبعوا شعيباً قد أنجاهم الله، الذين كذبوا شعيباً هم المخصوصون بالخسران العظيم، دون أتباعه فإنهم الرابحون. وفي هذا الاستئناف والابتداء وهذا التكرير: مبالغةٌ في ردّ مقالة الملأ لأشياعهم، وتسفيهٌ لرأيهم، واستهزاءٌ بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص): كما في قوله تعالى: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ ويَقْدِرُ) [الرعد: ٢٦] في سورة "الرعد"، "أي: الله وحده هو يبسط الرزق، ويقدره دون غيره".
ولو حمل الجملة الأولى على تقوى الحكم، كما عليه كلام صاحب "المفتاح"، والثانية على التخصيص، لتوسيط ضمير الفصل، وتعريف الخبر باللام، ويكون التكرير، ليناط به كل مرة معنى زائد: لكان أوجه، كما سنقرره.
قوله: (وفي هذا الاستئناف والابتداء، وهذا التكرير، مبالغة في رد مقالة الملأ لأشياعهم، وتسفيه لرأيهم، واستهزاء بنصحهم لقومهم، واستعظام لما جرى عليهم): أما الاستئناف
стр. 2894
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والتكرير، فإنه تعالى لما رتب العقاب بأخذ الرجفة على التكذيب والعناد، وتركهم هامدين لا حراك بهم، اتجه لسائلٍ أن يسأل: إلى ماذا صار مآل أمرهم بعد الجثوم؟ فقيل: (الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا) أي: استؤصلوا، وتلاشت جسومهم، كأن لم يقيموا في ديارهم.
ثم سال: أخصص الدمار بهم، أم تعدى إلى غيرهم؟ فقيل: (الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الخَاسِرِينَ) أي: اختص الدمار بهم. فجعلت صلة الأولى ذريعةً إلى تحقيق الخبر.
كقول الشاعر:
إن التي ضربت بيتاً مهاجرةً … بكوفة الجند غالت ودها غول
ولذلك بولغ في الإخبار عن دمار القوم بقوله: (كأن لم يغنوا فيها)، وأوثر تقوي الحكم على التخصيص.
وجعلت صلة الثانية علةً لوجود الخبر، نحو قولك: الذين آمنوا لهم جنات النعيم، والذين كفروا لهم دركات الجحيم.
стр. 2895
[(فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ)].
الأسى: شدّة الحزن. قال العجاج:
وانحلبت عيناه من فرط الأسى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما تسفيه رأيهم، فهو أنهم لما أظهروا محض النصح لقومهم، بقولهم: (لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكُمْ إذًا لَّخَاسِرُونَ)، حيث أتوا فيه بالجملة القسمية، وأقحموا فيها (إذا)، رد عليهم، يعني: ما تلفظوا به في قوله تعالى: (كانوا هم الخاسرين) ليكون مدمجاً فيه معنى الاستهزاء، يعني: نعم النصيحة التي نصحوهم، نسبوا الخسران إلى متابعته، والربح إلى مخالفته. كان ذلك، لكن بالعكس، وهو المراد من قوله: "واستهزاء بنصحهم".
وحينئذٍ يقع الاختصاص في موقعه، كما قال: "الذين كذبوا شعيباً هم المخصوصون بالخسران، دون أتباعه، فإنهم الرابحون".
ويستفاد عظم الخسران من تعريف الخبر بلام الجنس، أي: هم الكاملون في الخسران.
وأما استعظام ما جرى عليهم فمن قوله: (كأن لم يغنوا فيها) أي: لم يبق عين ولا أثر، ولا جالبة خبر. وكذا من مجموع الكلام، والله أعلم.
قوله: (وانجلبت عيناه من فرط الأسى): وأنشد الشارح تمام البيت:
стр. 2896
اشتدّ حزنه على قومه، ثم أنكر على نفسه، فقال: فكيف يشتدّ حزني على قومٍ ليسوا بأهلٍ للحزن عليهم لكفرهم واستحقاقهم ما نزل بهم! ويجوز أن يريد: لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ والنصيحة والتحذير مما حلّ بكم فلم تسمعوا قولي ولم تصدقوني، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وكيف غربي دالجٍ تبجسا
انحلبت عيناه، أي: سال دمع عينيه. والوكيف: القطر. وغربي: تثنية الغرب، وهو الدلو العظيم. والدالج - بالجيم-: الذي يأخذ الدلو من البئر، فيفرغها في الحوض. تبجس: انفجر بسعة وكثرة.
يقول: سال دمع عينيه من الخزن، ووكفتا وكيف دلوي دالجٍ تفجر وسال.
قوله: (ثم أنكر على نفسه): أي: جرد من نفسه شخصاً، وأنكر عليه حزنه على قوم لا يستحقونه، كما فعل امرؤ القيس في قوله:
تطاول ليلك بالأثمد … ونام الخلي ولم ترقد
وكان من حق الظاهر أن يقول: وكيف يشتد حزنك؟ لقوله: "ثم أنكر على نفسه"، لكن التفت، وقال: "وكيف يشتد حزني! ". هذا إذا كان الخطاب مع نفسه. أما إذا كان مع غيره فلا يكون من التجريد.
قوله: (ويجوز أن يريد: لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ): أي: أنهيت إليكم العذر، وما قصرت فيه.
стр. 2897
فكيف آسى عليكم؟ يعني: أنه لا يأسى عليهم لأنهم ليسوا أحقاء بالأسى.
وقرأ يحيى بن وثاب: "فكيف إيسى"، بكسر الهمزة.
[(وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَاساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ* ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومنه الحديث: "لقد أعذر الله تعالى إلى من بلغ به من العمر ستين سنةً"، أي: لم يبق فيه موضعاً للاعتذار، حيث أمهله طول هذه المدة.
يقال: أعذر الرجل: إذا بلغ أقصى الغاية في العذر.
فعلى هذا لا يكون الخطاب مع نفسه، بل مع القوم، تأنيباً وتوبيخاً لهم، من أوله إلى منتهاه، وعلى الأول قوله: (يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي) فيه معنى التلهف والتحسر، مع إنهاء الندامة إلى القوم، وقوله: (فكيف أسي) فيه معنى الإنكار والتأنيث للنفس. وعلى التقديرين قوله: (على قوم كافرين) إقامة للظاهر موضع المضمر، للإشعار بعدم استحقاقهم التأسف عليهم لكفرهم.
قوله: ("فكيف إيسي"، بكسر الهمزة) يعني: على لغة من يقول: "تعلم".
стр. 2898
(إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَاساءِ): بالبؤس والفقر، (وَالضَّرَّاءِ): بالضر والمرض؛ لاستكبارهم عن اتباع نبيهم وتعززهم عليه، (لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ): ليتضرعوا ويتذللوا ويحطوا أردية الكبر والعزة، (ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ) أي: أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء والمحنة والرخاء والصحة والسعة، كقوله: (وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ) [الأعراف: ١٦٨]، (حَتَّى عَفَوْا): كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم، من قولهم: عفا النبات وعفا الشحم والوبر؛ إذا كثرت، ومنه قوله ﷺ : «وأعفوا اللحى»، وقال الحطيئة:
بِمُسْتَأسِدِ القرْيَانِ عَافٍ نَبَاتُهُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بمستأسد القريان) قبله:
فإن نظرت يوماً بمؤخر عينها … إلى علمٍ في الغور قالت له: ابعد
بأرضٍ ترى فرخ الحبارى كأنه … بها راكب موفٍ على ظهر قردد
بمستأسد القريان عافٍ نباته … تساقطني والرحل من صوت هدهد
стр. 2899
وقال:
ولكنّا نعضّ السّيف منها … بأسوق عافيّات الشّحم كوم
(وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ) يعني: وأبطرتهم النعمة وأشروا فقالوا: هذه عادة الدهر، يعاقب في الناس بين الضراء والسراء، وقد مس آباءنا نحو ذلك، وما هو بابتلاءٍ من الله لعباده، فلم يبق بعد ابتلائهم بالسيئات والحسنات إلا أن نأخذهم بالعذاب، (فَأَخَذْناهُمْ) أشد الأخذ وأفظعه، وهو أخذهم فجأة من غير شعور منهم.
[(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ)].
اللام في (القرى): إشارةٌ إلى القرى التي دل عليها قوله: (وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ) [الأعراف: ٩٤]، كأنه قال: ولو أنّ أهل تلك القرى الذين كذبوا وأهلكوا،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نظرت، أي: الناقة. وفي الغور: حال من الضمير في "نظرت". و"قالت": جزاء الشرط، أو صفة "علم" على التأويل، أو حال من الضمير في "نظرت"، و"قد" مقدرة. وجواب الشرط: "تساقطني". وعلى الأول: "تساقطني" حال من الضمير في "نظرت".
استأسد النبت: قوي والتف. والقربان: جمع القرى، وهو مجمع الماء في الروض. موفٍ: من أوفى الشيء، أي: أشرف. والقردد: المكان الغليظ المرتفع.
قوله: (ولكنا نعض السيف) البيت، أي: نجعله عاضاً. والباء في "بأسوق" زائدة، لأن "نعض" يتعدى إلى المفعولين. أسوق: جمع ساق. عافيات اللحم، أي: كثيراته. وكوم: جمع كوماء: عظيمة السنام. يقول: ننحر للأضياف، ونعقر لهم النوق السمان.
стр. 2900
(آمَنُوا) بدل كفرهم (وَاتَّقَوْا) المعاصي مكان ارتكابها، (لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ): لأتيناهم بالخير من كل وجه، وقيل: أراد المطر والنبات، (وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ) بسوء كسبهم. ويجوز أن تكون اللام في (القرى) للجنس.
فإن قلت: ما معنى فتح البركات عليهم؟ قلت: تيسيرها عليهم كما ييسر أمر الأبواب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أراد المطر والنبات): أي: لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء بالمطر، وبركاتٍ من الأرض بالنبات.
وعلى الأول اعتبر بالجهتين التكرير واستيعاب وجوه الخير كلها، كقوله تعالى: (ولَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وعَشِيًا) [مريم: ٦٢]. ولهذا قال: "لأتيناهم بالخير من كل وجه".
قوله: (كما ييسر أمر الأبواب المستغلقة): يعني: أن الأسلوب من الاستعارة التبعية المستلزمة للتمثيلية، لقوله: "كما ييسر أمر الأبواب المستغلقة بفتحها"، فإنه اعتبر أمر الأبواب وأحوالها، وأطلق التيسير على الفتح بعد تشبيه أحدهما بالآخر، ثم الإفضاء من المصدر إلى الفعل، يدل عليه قوله: "ما معنى فتح البركات؟ " سأل عن المصدر، ليشير إلى أن الاستعارة تبعية، والوجه سهولة الوصول إلى المقصود.
стр. 2901
المستغلقة بفتحها. ومنه قولهم: فتحت على القارئ، إذا تعذرت عليه القراءة فيسرتها عليه بالتلقين.
[(أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَاتِيَهُمْ بَاسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ* أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَاتِيَهُمْ بَاسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ)].
"البيات" يكون بمعنى: البيتوتة، يقال: بات بياتاً، ومنه قوله تعالى: (فَجاءَها بَاسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ) [الأعراف: ٤]، وقد يكون بمعنى التبييت، كالسلام بمعنى: التسليم. يقال: بيته العدو بياتاً، فيجوز أن يراد: أن يأتيهم بأسنا بائتين- أي: وقت بياتٍ- أو مبيتاً، أو مبيتين، أو يكون بمعنى: تبييتاً، كأنه قيل: أن يبيتهم بأسنا بياتاً.
و(ضُحًى) نصبٌ على الظرف، يقال: أتانا ضُحىً، وضُحياً، وضحاء والضحى - في الأصل -: اسمٌ لضوء الشمس إذا أشرقت وارتفعت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (المستغلقة) بكسر اللام، يقال: استغلق الباب، واستصعب الأمر. هذا هو الفصيح المشهور.
قوله: (ويكون بمعنى التبييت): يعني: جواز أن يكون "بياتاً) من الثلاثي، ومن المزيد، فعلى الأول: إما حال من المفعول، أو ظرف والوقت مقدر معه.
وعلى الثاني: إما حال من الفاعل أو المفعول، أو مصدر. والأوجه أن يكون ظرفاً ليناسب قوله: (بأسنا ضحى).
فإن قلت: لم جوز في الوجه الثاني أن يكون (بياتاً) حالاً من الفاعل، ومفعولا مطلقاً، ولم يجوزهما في الأول؟
قلت: لفساد المعنى؛ إذ لا يجوز أن يكون البأس بائتاً، لأن القوم هم البائتون.
стр. 2902
والفاء والواو في (أَفَأَمِنَ) و (أَوَأَمِنَ) حرفا عطفٍ دخلت عليهما همزة الإنكار.
فإن قلت: ما المعطوف عليه؟ ولِمَ عُطفت الأولى بالفاء والثانية بالواو؟ قلت: المعطوف عليه قوله: (فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً)، وقوله: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى) إلى (يَكْسِبُونَ) وقع اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه، وإنما عطف بالفاء، لأنّ المعنى: فعلوا وصنعوا فأخذناهم بغتةً، أبعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً، وأمنوا أن يأتيهم بأسنا ضحىً؟ ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (حرفا عطفٍ دخلت عليهما همزة الإنكار): قال صاحب "الفرائد": "ما ذكر يشكل بما قيل: إن لهمزة الاستفهام صدر الكلام، فلم يجز عطف ما بعدها على ما قبلها. وإنما الواجب أن يقدر المعطوف عليه بعد الهمزة وقبل الواو".
وقال صاحب "الإيجاز": "إنما تدخل ألف الاستفهام على فاء العطف، مع منافاة العطف للاستئناف، لأن التنافي في المفرد، إذ الثاني إذا عمل فيه الأول كان من الكلام الأول، والاستئناف يخرجه عن أن يكون منه. ويصح ذلك في عطف جملةٍ على جملة، لأنه على استئناف جملة بعد جملة".
وقلت: الحق أن هذه الهمزة مقحمه مزيدة، لتقرير معنى الإنكار والتقرير، فتدخل بين الشرط والجزاء، والمبتدأ والخبر، والحال وعاملها، كما سبق مراراً وأطواراً. وقد نص عليه أبو إسحاق الزجاج في قوله: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّار) [الزمر: ١٩].
قوله: (المعطوف عليه قوله تعالى: (فأخذناهم بغتةً) إلى آخره: اعلم أن في تمييز مواقع
стр. 2903
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذه الجمل، كما أشار إليه، موضع تأمل؛ فقوله: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَاتِيَهُم بَاسُنَا بَيَاتًا)، وقوله: (أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَاتِيَهُم بَاسُنَا ضُحًى) متقابلان، نحو قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا) [يونس: ٥٠].
والجملتان من المعطوف والمعطوف عليه معطوفتان معاً على قوله تعالى: (فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً) [الأعراف: ٩٥] على التعقيب، لأن المعنى: أأمن أهل هذه القرى بعدما سمعوا بما فعل أهل تلك القرى من الكفر والكفران وما فعل بم من الأخذ فجأة، من أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون، أو ضحى وهم يلعبون، أي: غافلون؟
والفاء في (فأخذناهم) للتسبب، يدل عليه قوله: "فعلوا وصنعوا"، (فأخذناهم بغتة)، و"فعلوا وصنعوا": كناية عن قوله: واستكبروا عن إتباع نبيهم، وتعززوا عليه، وقالوا بعد ابتلائهم بالحسنات والسيئات: هذه عادة الدهر. فلذلك أخذناهم أشد الأخذ وأفظعه، وهو أخذهم فجأة.
وأما معنى هذه الفاء والاستفهام: فهو أن أهل القرى بخاصة، بعدما سمعوا ما فعل أولئك، وما فعلنا بهم، لم يعتبروا، وأمنوا من أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون، أو ضحى وهم غافلون كما فعلنا.
стр. 2904
وقرئ: (أو أمن) على العطف بـ"أو"، (وَهُمْ يَلْعَبُونَ) يشتغلون بما لا يجدى عليهم كأنهم يلعبون.
[(أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم لما تضمن المعطوف والمعطوف عليه معنى بعث الرسول، وتعرض الأمة للابتلاء ليؤمنوا، ويتركوا كفران النعمة، كان قوله تعالى: (ولَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ) الآية معترضةً مؤكدةً لمضمون الجملتين.
أما قوله في المعترضة: "اللام في (القرى) إشارة إلى القرى التي دل عليها قوله: (ومَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ) [الأعراف: ٩٤] " فإن الظاهر أنها للعهد، لكن لا ينافي إرادة الجنسية؛ لأن (القرى) الأولى مطلقة، ولما كان الثاني عين الأول، كان أيضًا جنساً.
قال الزجاج: "هذا مما أخبر الله تعالى عن الأمم السالفة، لتعتبر أمة محمد صلوات الله عليه".
وأما اللام في قوله: (أفأمن أهل القرى): فإشارة إلى قرى معهودة، وهي ما بعث إليها رسول الله صلي الله عليه وسلم.
قال محيي السنة: " (أفأمن أهل القرى) الذين كفروا وكذبوا، يعني مكة وما حولها".
قوله: (وقرئ: "أو أمن"، على العطف بـ"أو"): نافع وابن كثير وابن عامر.
стр. 2905
فإن قلت: فلم رجع فعطف بالفاء قوله: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ)؟ قلت: هو تكريرٌ لقوله: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى) [الأعراف: ٩٧]، "ومكر الله": استعارةٌ لأخذه العبد من حيث لا يشعر، ولاستدراجه، فعلى العاقل أن يكون في خوفه من مكر الله، كالمحارب الذي يخاف من عدوّه الكمين والبيات والغيلة.
وعن الربيع بن خثيم، أن ابنته قالت له: ما لي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟ فقال: يا بنتاه، إنّ أباك يخاف البيات، أراد قوله: (أَنْ يَاتِيَهُمْ بَاسُنا بَياتاً).
[(أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ)].
إذا قرئ: (أَوَ لَمْ يَهْدِ) بالياء كان (أَنْ لَوْ نَشاءُ) مرفوعاً بأنه فاعله، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هو تكرير لقوله تعالى: (أفأمن أهل القرى)، فحينئذٍ (مكر الله) عبارة عما ذكره الله تعالى في قوله: (أن يأتيهم بأسنا بياتاً) الآيتين. والفاء في (فلا يأمن مكر الله) للعطف على مقدر، والهمزة في (أفأمنوا مكر الله) للتقرير والتوبيخ. يعني: بعد ما عرفوا ذلك أمنوا واطمأنوا؟ فإذا خسروا، لأنه (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون).
قال أبو البقاء: "الفاء هاهنا للتنبيه على تعقيب العذاب أمن مكر الله".
قوله: (والغيلة)، الجوهري: "الغيلة - بالكسر -: الاغتيال. يقال: قتله غيلةً، وهو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع فيقتله".
قوله: (إذ قرئ: (أو لم يهد) بالياء) التحتاني، وهي المشهورة، وبالنون: شاذة.
стр. 2906
بمعنى: أو لم يهد للذين يخلفون، من خلا قبلهم في ديارهم ويرثون أرضهم هذا الشأن؟ وهو أنا (لو نشاء أصبناهم بذنوبهم)، كما أصبنا من قبلهم، وأهلكنا الوارثين كما أهلكنا المورّثين.
وإذا قرئ بالنون، فهو منصوب كأنه قيل: أو لم يهد الله للوارثين هذا الشأن، بمعنى: أولم نبين لهم أنا (لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) كما أصبنا من قبلهم. وإنما عُدِّي فعل الهداية باللام لأنه بمعنى التبيين.
فإن قلت: بم تعلق قوله تعالى: (وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ)؟ قلت: فيه أوجهٌ: أن يكون معطوفاً على ما دلّ عليه معنى (أَوَلَمْ يَهْدِ)، كأنه قيل: يغفلون عن الهداية، ونطبع على قلوبهم، أو على (يَرِثُونَ اَلأَرْضَ)، أو يكون منقطعاً بمعنى: ونحن نطبع على قلوبهم.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون (وَنَطْبَعُ) بمعنى وطبعنا، كما كان (لَوْ نَشاءُ) بمعنى: لو شئنا، ويعطف على (أصبناهم)؟ قلت: لا يساعد عليه المعنى، لأن القوم كانوا مطبوعاً على قلوبهم موصوفين بصفة من قبلهم من اقتراف الذنوب والإصابة بها،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال أبو البقاء: " (أو لم يهد) بالياء، وفاعله: (أن لو تشاء)، و (أن) مخففة من "أن" الثقيلة. أي: أو لم يتبين لهم علمهم بمشيئتنا؟ ".
قوله: (وإنما عدي فعل الهداية باللام لأنه ضمن معنى التبيين)، وذلك أنه يتعدى إلى المفعول الثاني باللام، أو بـ"إلى"، كما سبق، وهاهنا تعدى إلى الأول باللام.
قوله: (هل يجوز أن يكون (ونطبع) بمعنى: وطبعنا؟ ): يشير بهذا السؤال إلى ما ذكره الزجاج: " (ونطبع على قلوبهم) ليس بمحمولٍ على: (أصبناهم)، لأنه لو حمل عليه
стр. 2907
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لكان "ولطبعنا"، لأنه على لفظ الماضي وفي معناه. ويجوز أن يكون محمولاً على الماضي، ولفظه لفظ المستقبل كما قال: (أن لو تشاء) ومعناه: لو شئنا".
وقلت: هذا وإن جاز بحسب اللفظ، لكن المعنى لا يساعد عليه، لأنه لو عطف على ما في خبر (لو) لدخل في حكمه، وهي لامتناع الشيء لامتناع غيره، فيلزم أن القوم لم يكونوا مطبوعاً على قلوبهم، والحال أنهم مطبوعون.
قال في "الانتصاف": "يجوز عطفه عليه، ولا يلزم أن يكون المخاطبون موصوفين بالطبع، وإن كانوا كفاراً، إذ ليس الطبع من لوازم الكفر والاقتراف، إذ الطبع هو التمادي في الكفر والإصرار، حتى ييأس من قبول صاحبه للحق، وليس كل كافرٍ ولا مقترفٍ بهذه المثابة، بل يهدد الكافر بأن يطبع على قلبه، فيكون معنى الآية: قد هددتهم بأمرين: الإصابة ببعض الذنوب، والطبع على القلوب. وهذا الثاني، وإن كان نوعاً من الإصابة بالذنوب، فهو أشد، كما قال: (فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلَى رِجْسِهِمْ) [التوبة: ١٢٥]. والآية حجة على الزمخشري".
قال صاحب "التقريب": "وفي كلام جار الله نظر، لأن المذكور كونهم مذنبين دون الطبع. وأيضًا جاز أن يراد: "لو شئنا": لزدنا أو لأدمنا".
قلت: هذا مردود، لأن الكلام وارد على التوبيخ والتهديد والإهلاك والاستئصال، لقومٍ ورثوا ديار قوم هلكوا بالاستئصال، وهؤلاء استخلفوهم، واقتفوا آثارهم بمثل تلك الذنوب، وهم أهل مكة، كما سبق، لأن قوله تعالى: (للذين يرثون الأرض) إما مظهر وضع موضع المضمر، أو عام، فيدخلون فيه دخولاً أولياً.
стр. 2908
وهذا التفسير يؤدي إلى خلوهم عن هذه الصفة، وأن الله تعالى لو شاء لا تصفوا بها.
[(تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ)].
(تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها): كقوله: (هذا بَعْلِي شَيْخاً) [هود: ٧٢] في أنه مبتدأٌ وخبرٌ وحال، ويجوز أن يكون (الْقُرى) صفةً لـ (تلك) و (نَقُصُّ) خبراً، وأن يكون الْقُرى نَقُصُّ خبراً بعد خبر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولا شك أن الطبع وازدياده ليس من الإهلاك في شيء، حتى يهددوا به، وإن أريد التحقيق فلتتل الآيات السابقة. ثم المختار أن تكون الجملة منقطعة، واردةً على الاعتراض والتذييل، أي: ونحن نطبع على قلوبهم. أي: من شأننا وسنتنا أن نطبع على قلوب من لم نرد منه الإيمان، حتى لا يعتبر بأحوال الأمم السالفة، ولا يلتفت إلى الدلائل الدالة، كما شوهد من هؤلاء، حيث آمنوا واطمأنوا.
فالمصنف هاهنا آثر مذهب الحق، وأعرض عن الاعتزال. وهذا مخالف لقول صاحب "المفتاح": "وهو أن الجملة متى نزلت منزلة الجملة العارية عن المعطوف عليها، كما إذا أريد القطع عما قبلها لم تكن موضعاً لدخول الواو هذه منقطعة، ومع الواو".
ووجه الجمع: أن قول صاحب "المفتاح" محمول على واو العطف، وقول المصنف على أن الواو واو الاستئناف الداخلة على الجملة المذيلة والمعترضة.
стр. 2909
فإن قلت: ما معنى: (تِلْكَ الْقُرى) حتى يكون كلاماً مفيداً؟ قلت: هو مفيد، ولكن بشرط التقييد بالحال، كما يفيد بشرط التقييد بالصفة في قولك: هو الرجل الكريم.
فإن قلت: ما معنى الإخبار عن القرى بـ (نقص عليك من أنبائها)؟ قلت: معناه: أنّ تلك القرى المذكورة نقص عليك بعض أنبائها، ولها أنباءٌ غيرها لم نقصها عليك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بشرط التقييد بالحال): قال صاحب "التقريب": "وفيه نظر، لأنه جعل شرط كون (تلك القرى) كلاماً مقيداً تقييده بالحال. وإذا جعل خبراً ثانياً انتفى ذلك الشرط، إلا أن يريد: "تلك القرى المعلومة حالها وصفتها"، على أن اللام للعهد، لكنه حينئذٍ يوجب الاستغناء عن اشتراط إفادته بالحال".
وقلت: هذا وهم، لأن السؤال وارد على الوجه الأول، لأن المشهور أن الحال فضلة في فائدة الجملة، بخلافه إذا كان خبراً بعد الخبر، لأن (القرى) حينئذٍ بمنزلة "حلو" في قولك: "هذا حلو حامض"، فلا يكون كلاماً تاماً، فلا يرد السؤال، ولهذا استشهد بالصفة، لأنها قيد كالحال.
والجواب مبني على ما قال الزجاج: "والحال هاهنا من لطيف النحو وغامضه، وذلك أنك إذا قلت: "هذا زيد قائماً"، فإن قصدت أن تخبر به من لم يعرف زيداً أنه زيد، لم يجز أن تقول: "هذا زيد قائماً"، لأنه لا يكون زيد ما دام قائماً إذا زال عن القيام وليس بزيد. وإنما تقول ذلك للذي يعرف زيداً، فتعمل في الحال التنبيه، أي: أنبه لزيدٍ في حال قيامه، أو أشير إلى زيد في حال قيامه، لأن هذه إشارة على ما حضر". يريد بقوله: "ما حضر" تقييد المشار إليه بالحال، وإلا فلا فائدة في الجملة لأن السامع يعرفها، وكذلك في الآية، المعنى:
стр. 2910
(فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا) عند مجيء الرسل بالبينات بما كذبوه من آيات الله من قبل مجيء الرسل، أو فما كانوا ليؤمنوا إلى آخر أعمارهم بما كذبوا به أوّلا حين جاءتهم الرسل،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نخبرك عن القرى التي عرفتها في حال أنا قاصون بعض أنبائها، ولها أنباء غيرها لم نقصها عليك، وإذا كان المقصود من الإيراد هذا فلابد من ذكر الحال، فيبطل قوله: "لكنه يوجب الاستغناء عن اشتراط إفادته بالحال".
وهو الجواب عن قوله أيضاً: "إلا أن تريد: تلك القرى المعلومة حالها وصفتها"، لأنه ليس من باب:
أنا أبو النجم وشعري شعري
ولما كان التقييد أيضاً فيه إبهام، لأن معناه الظاهر: نخبرك عن القرى المعهودة، قاصين عليك من أخبارها، سأل: "ما معنى الإخبار عن القرى بـ (نقص عليك من أنبائها)؟ " وأجاب: أنه تعالى أخبر أولاً بقوله: (تلك القرى) مجملاً، ثم فصل بقوله: " (نقص عليك): أن المراد بالأخبار بعض قصتهم لا كلها". نحوه في الأسلوب: "جاءني القوم أكثرهم".
قوله: (أو فما كانوا ليؤمنوا إلى آخر أعمارهم): اعلم أنه تعالى جعل عدم إيمانهم مسبباً لتكذيبهم المقيد بقوله: (من قبل). فالفعل المضارع، وهو قوله: (ليؤمنوا)، إما أن يجرى على ظاهره، فيكون المعنى: ما كانوا ليؤمنوا الآن، أي: عند مجيء الرسل، لما سبق
следующие страницы →