← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

بمعنى: أو لم يهد للذين يخلفون، من خلا قبلهم في ديارهم ويرثون أرضهم هذا الشأن؟ وهو أنا (لو نشاء أصبناهم بذنوبهم)، كما أصبنا من قبلهم، وأهلكنا الوارثين كما أهلكنا المورّثين. وإذا قرئ بالنون، فهو منصوب كأنه قيل: أو لم يهد الله للوارثين هذا الشأن، بمعنى: أولم نبين لهم أنا (لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) كما أصبنا من قبلهم. وإنما عُدِّي فعل الهداية باللام لأنه بمعنى التبيين. فإن قلت: بم تعلق قوله تعالى: (وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ)؟ قلت: فيه أوجهٌ: أن يكون معطوفاً على ما دلّ عليه معنى (أَوَلَمْ يَهْدِ)، كأنه قيل: يغفلون عن الهداية، ونطبع على قلوبهم، أو على (يَرِثُونَ اَلأَرْضَ)، أو يكون منقطعاً بمعنى: ونحن نطبع على قلوبهم. فإن قلت: هل يجوز أن يكون (وَنَطْبَعُ) بمعنى وطبعنا، كما كان (لَوْ نَشاءُ) بمعنى: لو شئنا، ويعطف على (أصبناهم)؟ قلت: لا يساعد عليه المعنى، لأن القوم كانوا مطبوعاً على قلوبهم موصوفين بصفة من قبلهم من اقتراف الذنوب والإصابة بها، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال أبو البقاء: " (أو لم يهد) بالياء، وفاعله: (أن لو تشاء)، و (أن) مخففة من "أن" الثقيلة. أي: أو لم يتبين لهم علمهم بمشيئتنا؟ ". قوله: (وإنما عدي فعل الهداية باللام لأنه ضمن معنى التبيين)، وذلك أنه يتعدى إلى المفعول الثاني باللام، أو بـ"إلى"، كما سبق، وهاهنا تعدى إلى الأول باللام. قوله: (هل يجوز أن يكون (ونطبع) بمعنى: وطبعنا؟ ): يشير بهذا السؤال إلى ما ذكره الزجاج: " (ونطبع على قلوبهم) ليس بمحمولٍ على: (أصبناهم)، لأنه لو حمل عليه

стр. 2907

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لكان "ولطبعنا"، لأنه على لفظ الماضي وفي معناه. ويجوز أن يكون محمولاً على الماضي، ولفظه لفظ المستقبل كما قال: (أن لو تشاء) ومعناه: لو شئنا". وقلت: هذا وإن جاز بحسب اللفظ، لكن المعنى لا يساعد عليه، لأنه لو عطف على ما في خبر (لو) لدخل في حكمه، وهي لامتناع الشيء لامتناع غيره، فيلزم أن القوم لم يكونوا مطبوعاً على قلوبهم، والحال أنهم مطبوعون. قال في "الانتصاف": "يجوز عطفه عليه، ولا يلزم أن يكون المخاطبون موصوفين بالطبع، وإن كانوا كفاراً، إذ ليس الطبع من لوازم الكفر والاقتراف، إذ الطبع هو التمادي في الكفر والإصرار، حتى ييأس من قبول صاحبه للحق، وليس كل كافرٍ ولا مقترفٍ بهذه المثابة، بل يهدد الكافر بأن يطبع على قلبه، فيكون معنى الآية: قد هددتهم بأمرين: الإصابة ببعض الذنوب، والطبع على القلوب. وهذا الثاني، وإن كان نوعاً من الإصابة بالذنوب، فهو أشد، كما قال: (فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلَى رِجْسِهِمْ) [التوبة: ١٢٥]. والآية حجة على الزمخشري". قال صاحب "التقريب": "وفي كلام جار الله نظر، لأن المذكور كونهم مذنبين دون الطبع. وأيضًا جاز أن يراد: "لو شئنا": لزدنا أو لأدمنا". قلت: هذا مردود، لأن الكلام وارد على التوبيخ والتهديد والإهلاك والاستئصال، لقومٍ ورثوا ديار قوم هلكوا بالاستئصال، وهؤلاء استخلفوهم، واقتفوا آثارهم بمثل تلك الذنوب، وهم أهل مكة، كما سبق، لأن قوله تعالى: (للذين يرثون الأرض) إما مظهر وضع موضع المضمر، أو عام، فيدخلون فيه دخولاً أولياً.

стр. 2908

وهذا التفسير يؤدي إلى خلوهم عن هذه الصفة، وأن الله تعالى لو شاء لا تصفوا بها. [(تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ)]. (تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها): كقوله: (هذا بَعْلِي شَيْخاً) [هود: ٧٢] في أنه مبتدأٌ وخبرٌ وحال، ويجوز أن يكون (الْقُرى) صفةً لـ (تلك) و (نَقُصُّ) خبراً، وأن يكون الْقُرى نَقُصُّ خبراً بعد خبر. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولا شك أن الطبع وازدياده ليس من الإهلاك في شيء، حتى يهددوا به، وإن أريد التحقيق فلتتل الآيات السابقة. ثم المختار أن تكون الجملة منقطعة، واردةً على الاعتراض والتذييل، أي: ونحن نطبع على قلوبهم. أي: من شأننا وسنتنا أن نطبع على قلوب من لم نرد منه الإيمان، حتى لا يعتبر بأحوال الأمم السالفة، ولا يلتفت إلى الدلائل الدالة، كما شوهد من هؤلاء، حيث آمنوا واطمأنوا. فالمصنف هاهنا آثر مذهب الحق، وأعرض عن الاعتزال. وهذا مخالف لقول صاحب "المفتاح": "وهو أن الجملة متى نزلت منزلة الجملة العارية عن المعطوف عليها، كما إذا أريد القطع عما قبلها لم تكن موضعاً لدخول الواو هذه منقطعة، ومع الواو". ووجه الجمع: أن قول صاحب "المفتاح" محمول على واو العطف، وقول المصنف على أن الواو واو الاستئناف الداخلة على الجملة المذيلة والمعترضة.

стр. 2909

فإن قلت: ما معنى: (تِلْكَ الْقُرى) حتى يكون كلاماً مفيداً؟ قلت: هو مفيد، ولكن بشرط التقييد بالحال، كما يفيد بشرط التقييد بالصفة في قولك: هو الرجل الكريم. فإن قلت: ما معنى الإخبار عن القرى بـ (نقص عليك من أنبائها)؟ قلت: معناه: أنّ تلك القرى المذكورة نقص عليك بعض أنبائها، ولها أنباءٌ غيرها لم نقصها عليك. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (بشرط التقييد بالحال): قال صاحب "التقريب": "وفيه نظر، لأنه جعل شرط كون (تلك القرى) كلاماً مقيداً تقييده بالحال. وإذا جعل خبراً ثانياً انتفى ذلك الشرط، إلا أن يريد: "تلك القرى المعلومة حالها وصفتها"، على أن اللام للعهد، لكنه حينئذٍ يوجب الاستغناء عن اشتراط إفادته بالحال". وقلت: هذا وهم، لأن السؤال وارد على الوجه الأول، لأن المشهور أن الحال فضلة في فائدة الجملة، بخلافه إذا كان خبراً بعد الخبر، لأن (القرى) حينئذٍ بمنزلة "حلو" في قولك: "هذا حلو حامض"، فلا يكون كلاماً تاماً، فلا يرد السؤال، ولهذا استشهد بالصفة، لأنها قيد كالحال. والجواب مبني على ما قال الزجاج: "والحال هاهنا من لطيف النحو وغامضه، وذلك أنك إذا قلت: "هذا زيد قائماً"، فإن قصدت أن تخبر به من لم يعرف زيداً أنه زيد، لم يجز أن تقول: "هذا زيد قائماً"، لأنه لا يكون زيد ما دام قائماً إذا زال عن القيام وليس بزيد. وإنما تقول ذلك للذي يعرف زيداً، فتعمل في الحال التنبيه، أي: أنبه لزيدٍ في حال قيامه، أو أشير إلى زيد في حال قيامه، لأن هذه إشارة على ما حضر". يريد بقوله: "ما حضر" تقييد المشار إليه بالحال، وإلا فلا فائدة في الجملة لأن السامع يعرفها، وكذلك في الآية، المعنى:

стр. 2910

(فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا) عند مجيء الرسل بالبينات بما كذبوه من آيات الله من قبل مجيء الرسل، أو فما كانوا ليؤمنوا إلى آخر أعمارهم بما كذبوا به أوّلا حين جاءتهم الرسل، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نخبرك عن القرى التي عرفتها في حال أنا قاصون بعض أنبائها، ولها أنباء غيرها لم نقصها عليك، وإذا كان المقصود من الإيراد هذا فلابد من ذكر الحال، فيبطل قوله: "لكنه يوجب الاستغناء عن اشتراط إفادته بالحال". وهو الجواب عن قوله أيضاً: "إلا أن تريد: تلك القرى المعلومة حالها وصفتها"، لأنه ليس من باب: أنا أبو النجم وشعري شعري ولما كان التقييد أيضاً فيه إبهام، لأن معناه الظاهر: نخبرك عن القرى المعهودة، قاصين عليك من أخبارها، سأل: "ما معنى الإخبار عن القرى بـ (نقص عليك من أنبائها)؟ " وأجاب: أنه تعالى أخبر أولاً بقوله: (تلك القرى) مجملاً، ثم فصل بقوله: " (نقص عليك): أن المراد بالأخبار بعض قصتهم لا كلها". نحوه في الأسلوب: "جاءني القوم أكثرهم". قوله: (أو فما كانوا ليؤمنوا إلى آخر أعمارهم): اعلم أنه تعالى جعل عدم إيمانهم مسبباً لتكذيبهم المقيد بقوله: (من قبل). فالفعل المضارع، وهو قوله: (ليؤمنوا)، إما أن يجرى على ظاهره، فيكون المعنى: ما كانوا ليؤمنوا الآن، أي: عند مجيء الرسل، لما سبق

стр. 2911

أي: استمروا على التكذيب من لدن مجيء الرسل إليهم إلى أن ماتوا مصرّين، لا يرعوون ولا تلين شكيمتهم في كفرهم وعنادهم مع تكرر المواعظ عليهم وتتابع الآيات. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ منهم التكذيب قبل مجيئهم. وأما أن يحمل على الاستمرار، فالمعنى أنهم لم يؤمنوا قط، فاستمر تكذيبهم لما حصل منهم التكذيب، حتى مجيء الرسل. ولما اشتمل الفعل على معنى الاستمرار في الحالات، وتلك الحالات متعاقبة، صح أن يقال: "بما كذبوا به أولاً". والوجه الأول مناسب لأصولهم، يعني: إنما لم يؤمنوا بالرسل لما خالفوا، قبل مجيئهم، عقلهم الهادي، فلما أبطلوا استعدادهم لم ينفعهم مجيء الرسل. والثاني موافق لمذهب أهل السنة، لأن العقل غير مستقل، لابد من انضمام إنزال الكتب، وبعثة الرسل معه، فهؤلاء لما كذبوا الرسل والآيات، ولم تؤثر فيهم دعوتهم المتطاولة، والآيات المتتابعة، لا جرم لم يؤمنوا إلى آخر أعمارهم. وهذا أنسب من الأول، لقوله تعالى: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الكَافِرِينَ) [الأعراف: ١٠١]، ووضعه المظهر موضع المضمر يعني: سبب الطبع كفرهم بآيات الله والرسل. ولهذا قال الزجاج: " (كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين): يدل على أنه قد طبع على قلوبهم بكفرهم، فما كانوا ليؤمنوا وقد طبع الله على قلوبهم". قوله: (لا يرعوون): أي: لا يمتنعون ولا ينزجرون. النهاية: "رعا يرعو: إذا كف عن الأمور. وقد ارعوى عن القبيح، يرعوي ارعواء".

стр. 2912

ومعنى اللام: تأكيد النفي، وأنّ الإيمان كان منافياً لحالهم في التصميم على الكفر. وعن مجاهد: هو كقوله: (وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ) [الأنعام: ٢٨]. (كَذلِكَ) مثل ذلك الطبع الشديد نطبع على قلوب الكافرين. [(وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ)]. (وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ) الضمير للناس على الإطلاق، أي: وما وجدنا لأكثر الناس من عهد، يعني: أنّ أكثرهم نقض عهد الله وميثاقه في الإيمان والتقوى، (وَإِنْ وَجَدْنا) وإنّ الشأن والحديث وجدنا أكثرهم "فاسقين" خارجين عن الطاعة مارقين، والآية اعتراض. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ومعنى اللام: تأكيد النفي، وأن الإيمان كان منافياً لحالهم)، قوله: "وأن الإيمان" تفسير لقوله: "تأكيد النفي". يعني: جاء اللام تأكيداً لهذا المعنى الذي يعطيه التركيب. وقد مر في "النساء" في قوله: (لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) [النساء: ١٣٧، ١٦٨] تحقيق هذا البحث. قوله: (وعن مجاهد: هو كقوله: (ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه)): روى محيي السنة عنه: "فما كانوا، لو أحييناهم بعد هلاكهم، ليؤمنوا بما كذبوا به قبل هلاكهم، لقوله : (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) ". وقلت: المعنى: بلغ تكذيبهم الرسل وآيات الله، بحيث لو قدر أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه. قوله: ((وما وجدنا لأكثرهم من عهدٍ)): قال أبو البقاء: " (لأكثرهم) حال من (عهدٍ)، و (من): زائدة. أي: ما وجدنا عهداً لأكثرهم".

стр. 2913

ويجوز أن يرجع الضمير إلى الأمم المذكورين، وأنهم كانوا إذا عاهدوا الله في ضرُّ ومخافةٍ: لئن أنجيتنا لنؤمننّ، ثم نجاهم، نكثوا، كما قال قوم فرعون لموسى ﵇: (لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ) إلى قوله: (إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ) [الأعراف: ١٣٤ - ١٣٥]. والوجود بمعنى العلم، من قولك: وجدت زيداً ذا الحفاظ، بدليل دخول «إن» المخففة واللام الفارقة، ولا يسوغ ذلك إلا في المبتدأ والخبر، والأفعال الداخلة عليهما. [(ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ* وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ* حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويجوز أن يرجع الضمير إلى الأمم المذكورين): فعلى هذا الجملة تكون تتميماً لا اعتراضاً. وعلى الوجهين: قوله: (ومَا وجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وإن وجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ) من باب الطرد والعكس، إن فسر "الفاسقين" بالناكثين. قوله: (ثم نجاهم) معطوف على قوله: "عاهدوا الله"، وقوله: "نكثوا" معطوف على قوله: "إذا"، وقوله: "لئن أنجيتنا لنؤمنن": الجملة اعترضت للبيان والتأكيد. قوله: (ذا الحفاظ)، الجوهري: "المحافظة: المراقبة: ويقال: إنه لذو حفاظ، وذو محافظة: إذا كانت له أنفة".

стр. 2914

(مِنْ بَعْدِهِمْ) الضمير للرسل في قوله: (وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ) [الأعراف: ١٠١]، أو للأمم، (فَظَلَمُوا بها): فكفروا بآياتنا، أجرى الظلم مجرى الكفر لأنهما من وادٍ واحد؛ (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: ١٣]، أو: فظلموا الناس بسببها حين أو عدوهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الضمير للرسل في قوله تعالى: (ولقد جاءتهم رسلهم) أو للأمم): وفي تأخير العطف عن قوله تعالى: (ولقد جاءتهم رسلهم) إشعار بأن الضمير للرسل أوفق، لأن تلك القصص ذكرت تسليةً لرسول الله صلي الله عليه وسلم أصالة: (وكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) [هود: ١٢٠]. يدل عليه قوله تعالى: (تِلْكَ القُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا) [الأعراف: ١٠١]، وقوله: (فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ)، واعتبار الأمة تبعاً، يدل عليه قوله تعالى: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ القُرَى أَن يَاتِيَهُم بَاسُنَا) إلى آخره. ثم لما وبخهم وزجرهم وعنفهم، عاد إلى ذكر نبي هو أعظمهم آية، وأكثفهم أمة، وأشبع في بيان أحواله مع أمته. ولهذا أفرز قصته من قصصهم، وقال فيهم: (نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا) أي: بعض أخبارها، وأطنب في قصته كل الإطناب. والذي يقوي أن الضمير راجع إلى الرسل، أنه قيل: (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُّوسَى وهَارُونَ إلَى فِرْعَوْنَ) ولم يقل: ثم أنشأنا من بعدهم أمة فرعون، وبعثنا إليهم موسى. قوله: (أو: فظلموا الناس بسببها): يريد أن "الظلم" هاهنا إما مضمن فيه معنى "الكفر"، بوساطة تعديته بالباء، أو على معناه، والباء سببية، وإنما كان الثاني ظلماً، لأن الآيات سبب لا يرغب الناس إلى الإيمان بها، فقلبوا، ووضعوا الشيء في غير موضعه، حيث جعلوها سبباً للصد عنها، وإيذاء الناس.

стр. 2915

وصدّوهم عنها، وآذوا من آمن بها، ولأنه إذا وجب الإيمان بها فكفروا بدل الإيمان كان كفرهم بها ظلماً، فكذلك قيل: (فظلموا بها)، أي: كفروا بها واضعين الكفر غير موضعه، وهو موضع الإيمان. يُقال لملوك مصر: الفراعنة، كما يقال لملوك فارس الأكاسرة، فكأنه قال: يا ملك مصر وكان اسمه قابوس، وقيل: الوليد بن مصعب بن الريان، (حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) فيه أربع قراءات: المشهورة، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولأنه إذا وجب الإيمان بها): قيل: هو وجه ثانٍ لإطلاق "الظلم" على "الكفر". وقلت: بل وجه ثالث. وتقريره: أن "الظلم" لا يعدى بالباء، فتعدت به، إما لكونه عبارة عن الكفر بقرينة الباء، وإليه الإشارة بقوله: "أجرى الظلم مجرى الكفر لأنهما من وادٍ واحد"، وإما لأن الباء للسببية، ومفعول "ظلموا" محذوف، وهو المراد من قوله: "فظلموا الناس بسببها". وإما أن الباء فيه دلالة على تضمين "الظلم" معنى "الكفر". وإليه أشار بقوله: "كفروا بها واضعين الكفر غير موضعه". قوله: (فيه أربع قراءات: المشهورة) أي: ما اجتمعت عليه القراء، سوى نافع. وقراءة عبد الله وأبي تؤيدان قراءة نافع. قال الزجاج: "من قرأ: (حقيق علي ألا أقول) فالمعنى: واجب على ترك القول على الله إلا بالحق، ومن قرأ: (حقيق على أن لا أقول)، فالمعنى: حقيق علي ترك القول على الله إلا الحق. والأولى ظاهرة. ولهذا قال: "وفي المشهورة إشكال".

стр. 2916

(وحقيقٌ علي أن لا أقول)، وهي قراءة نافع، و"حقيقٌ أن لا أقول" وهي قراءة عبد الله، "وحقيقٌ بأن لا أقول"، وهي قراءة أُبيّ وفي المشهورة إشكال، ولا تخلو من وجوهٍ: أحدها: أن تكون مما يقلب من الكلام لأمن الإلباس، كقوله: وَتَشْقَى الرِّمَاحُ بِالضَّيَاطِرَةِ الْحُمْرِ ومعناه: وتشقى الضياطرة بالرماح. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولا تخلو)، أي: لا تخلو صحة القراءة المشهورة من وجوه: أحدها: أن يكون من باب القلب، كقولهم: "عرضت الناقة على الحوض". فحقها: حقيق علي ألا أقول، كما عليه قراءة نافع، فقلب كما قلب في قول الشاعر: وتلحق خيل لا هوادة بينها … وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر البيت لخداش بن زهير. الهوادة: الصلح والميل. والتهويد: المشي الرويد، مثل الدبيب. الضيطر: الرجل الضخم الذي لا غناء عنده. والحمر: العجم، لأن الشقرة غلبت عليهم. قوله: (ومعناه): أي: معنى كل واحدٍ من الآية والبيت. ففيه لف ونشر. قوله: (وهي قراءة نافع) يعني: معنى المشهورة يعود إلى قراءة نافع، وهي: "حقيق علي ألا أقول".

стр. 2917

والثاني: أنّ ما لزمك فقد لزمته، فلما كان قول الحق حقيقاً عليه كان هو حقيقاً على قول الحق، أي: لازماً له. والثالث: أن يُضمن (حَقِيقٌ) معنى: حريص، كما ضمن «هيجني» معنى ذكرني في بيت "الكتاب". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أن ما لزمك فقد لزمته): قال صاحب "التقريب": " (حقيق) في هذا الوجه: بمعنى اللازم". وقلت: بل قوله: "أن ما لزمك فقد لزمته" إيماء إلى أن الأسلوب من الكناية الإيمائية، كقول البحتري: أو ما رأيت الجود ألقى رحله … في آل طلحة ثم لم يتحول وقول ابن هانئ: فما جازه جود ولا حل دونه … ولكن يصير الجود حيث يصير يعني: بلغت الملازمة بين الجود والممدوح، بحيث وجب وحق على الجود أن لا يفارق ساحته، فيصير حيث صار. وهو المراد بقوله: "فلما كان قول الحق حقيقاً عليه، كان هو حقيقاً على قول الحق". قوله: (في بيت "الكتاب")، وهو:

стр. 2918

والرابع: وهو الأوجه الأدخل في نكت القرآن: أن يُغرِق موسى في وصف نفسه بالصدق في ذلك المقام، لا سيما وقد روي أنّ عدو الله فرعون قال له- لما قال: (إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) -: كذبت، فيقول: أنا حقيقٌ علي قول الحق، أي: واجبٌ على قول الحق أن أكون أنا قائله والقائم به، ولا يرضى إلا بمثلي ناطقاً به. (فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ): فخلهم حتى يذهبوا معي راجعين إلى الأرض المقدّسة التي هي وطنهم ومولد آبائهم، وذلك أن يوسف ﵇ لما توفي ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إذا تغنى الحمام الورق هيجني … ولو تعزيت عنها أم عمار الورق: جمع أورق، وهو الذي لونه لون الرماد. تعزيت عنها، أي: تسليت. "هيج": يتعدى إلى مفعولٍ واحد، فلما ضمنه معنى "ذكر" عداه إلى المفعول الثاني وهو "أم عمار"، أي: إذا تغنى الحمام ذكرني أم عمار. "ولو تعزيت عنها": معترضة، فلا يكون الضمير في "عنها" إضماراً قبل الذكر، كما قيل. قوله: (أن يغرق موسى في وصف نفسه بالصدق): أي: يبالغ فيه، يعني: كيف ينسب إلى الكذب؟ إذ لو كان الصدق مما يعقل، لكان الواجب عليه أن يجعلني قائله، أي: يجتهد

стр. 2919

وانقرضت الأسباط، غلب فرعون نسلهم واستعبدهم، فأنقذهم الله بموسى ﵇، وكان بين اليوم الذي دخل يوسف مصر واليوم الذي دخله موسى أربعمائة عام. [(قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَاتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ* فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ* وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ للِنَّاظِرِين)]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لتحصيل ما يوجب أن أكون أنا قائله، والقائم بمصالحه، كما يقوم القيم بمصالح الطفل على طريقة قوله: (فَلا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ) [الأعراف: ٢]. فالآية، على هذا، من الاستعارة المكنية. وإنما استدعى المقام المبالغة، لأن موسى ﵇ حين ادعى الرسالة بين يدي فرعون، لم يخل من ارتيابٍ منه، فكان قوله: (إني رسول من رب العالمين)، وارداً لإزالة ذلك الارتياب، كقول الرسل في المرة الأولى: (إنَّا إلَيْكُم مُّرْسَلُونَ) [يس: ١٤]. ثم لما سمع فرعون قوله: (إنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العَالَمِينَ)، أنكره، فزاد موسى ﵇ في المبالغة، بأن قال: (حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق) كما قال.

стр. 2920

فإن قلت: كيف قال له: (فَاتِ بِها) بعد قوله: (إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ)؟ قلت: معناه: إن كنت جئت من عند من أرسلك بآيةٍ فأتني بها وأحضرها عندي لتصح دعواك ويثبت صدقك. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقد روي أن عدو الله قال: كذبت. وكان قوله: "أنا حقيق على قول الحق"، جواباً عن إنكاره، كقولهم في المرة الثانية: (إنَّا إلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) [يس: ١٦]. فعلم من هذا البيان أن قوله: (حقيق على أن لا أقول) - على هذا - يجب أن يكون خبر مبتدأ محذوف ما، بخلافه على الوجوه السابقة. قال أبو البقاء: " (حقيق) هاهنا على الصحيح: صفة لـ (رسول)، أو خبر ثانٍ، كما تقول: أنا حقيق بكذا، أي: أحق". وقال صاحب الكواشي: "قرئ: (حقيق على أن لا أقول)، فـ (حقيق) على هذا صفة (رسول)، فلا تقف على (العالمين). وإن جعلت (حقيق) خبر مبتدأ - أي: أنا حقيق - وقفت عليه". قوله: (كيف قال له: (فأت بها إن كنت من الصادقين)): أي: كيف قيد جزاء الشرط بالشرط؟ وما معناه؟ خلاصة الجواب: أن الشرط الثاني كالتأكيد والتعليل. ولهذا قال: "لتصح دعواك، ويثبت صدقك". وقد مر عن أبي البقاء أن الشرط الثاني جوابه ما يدل عليه الشرط الأول مع جوابه، فالتقدير: إن كنت من الصادقين فأت بآية إن كنت جئت بها.

стр. 2921

(ثُعْبانٌ مُبِينٌ) ظاهرٌ أمره لا يشك في أنه ثعبان، وروي أنه كان ثعباناً ذكراً أشعر فاغراً فاه، بين لحييه ثمانون ذراعاً، وضع لحيه الأسفل في الأرض ولحيه الأعلى على سور القصر، ثم توجه نحو فرعون ليأخذه فوثب فرعون من سريره وهرب، وأحدث ولم يكن أحدث قبل ذلك! وهرب الناس وصاحوا، وحمل على الناس فانهزموا، فمات منهم خمسةٌ وعشرون ألفاً قتل بعضهم بعضاً، ودخل فرعون البيت وصاح: يا موسى، خذه وأنا أو من بك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذه موسى فعاد عصاً. فإن قلت: بم يتعلق (لِلنَّاظِرِينَ)؟ قلت يتعلق بـ (بيضاء)، والمعنى: فإذا هي بيضاء للنظارة، ولا تكون بيضاء للنظارة إلا إذا كان بياضها بياضاً عجيباً خارجاً عن العادة، يجتمع الناس للنظر إليه كما تجتمع النظارة للعجائب، ..... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ولهذا قال الزجاج: "قد أوجب فرعون أنه ليس بإله، كما ادعى، لأنه قد أوجب له الصدق إذا أتى بآيةٍ يعجز عنها المخلوقون". قوله: (فاغراًفاه)، الجوهري: "فغرفاه، أي: فتحه. وفغرفوه: انفتح. يتعدى ولا يتعدى". و"أحدث" أي: استطلق. قوله: (ولا تكون بيضاء للنظارة، إلا إذا كان بياضها بياضاً عجيباً): يريد: أن قوله تعالى: (للناظرين) من التتميم، كقول امرئ القيس: حملت ردينياً كأن سنانه … سنا لهبٍ لم يتصل بدخان فإن النار الشاعلة إذا لم يتصل بها دخان، كانت أشد ثقوباً. جلب في البيت معنىً لتربية المعنى، كما أثبت في الآية معنىً لتربية المعنى.

стр. 2922

وذلك ما يروى: أنه أرى فرعون يده وقال: ما هذه؟ قال: يدك، ثم أدخلها جيبه وعليه مدرعة صوفٍ ونزعها، فإذا هي بيضاء بياضاً نورانياً غلب شعاعها شعاع الشمس، وكان موسى ﵇ آدم شديد الأدمة. [(قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ* يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَامُرُونَ* قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ* يَاتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ)]. (إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ) أي: عالمٌ بالسحر ماهرٌ فيه، قد أخذ عيون الناس بخدعةٍ من خدعه، حتى خيل إليهم العصا حيةً، والآدم أبيض. فإن قلت: قد عزي هذا الكلام إلى فرعون في "سورة الشعراء"، وأنه قاله للملأ، وعزي هاهنا إليهم؟ قلت: قد قاله هو وقالوه هم، فحكى قوله ثم، وقولهم هاهنا، أو قاله ابتداءً فتلقته منه الملأ، فقالوه لأعقابهم، أو قالوه عنه للناس على طريق التبليغ، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وكان موسى ﵇ آدم شديد الأدمة)، روى البخاري عن ابن عمر قال: قال النبي صلي الله عليه وسلم: "وأما موسى فآدم جسيم سبط، كأنه من رجال الزط". النهاية: "الزط: جنس من السودان والهنود". قوله: (قاله هو، وقالوه هم) فهو كوقع الحافر على الحافر. يدل عليه قوله: "أو قاله ابتداء، فتلقته منه الملأ": يعني قال فرعون ما في سورة "الشعراء": (قَالَ لِلْمَلأِ حَوْلَهُ إنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَامُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهْ وأَخَاهُ) [الشعراء: ٣٤ - ٣٦] ابتداءً.

стр. 2923

كما يفعل الملوك؛ يرى الواحد منهم الرأي، فيكلم به من يليه من الخاصة، ثم تبلغه الخاصة العامة. والدليل عليه أنهم أجابوه في قولهم: (أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ* يَاتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ)، وقرئ: (سحار)، ...... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقال الملأ هاهنا نقلاً لكلامه ذلك، وهو: (قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه)، إما على وجه الإعادة لأجل أعقابهم، أو على وجه التبليغ إلى سائر الناس. قال المصنف: "المناسب أن يقال: إن الملأ قالوا هذا الكلام مع الناس بطريق التبليغ، ويكون (فماذا تأمرون) من تتمته. فلما سمع الناس هذا من الملأ، أقبلوا على فرعون، وقالوا: (أرجه وأخاه) ". وإليه الإشارة بقوله: "والدليل عليه أنهم أجابوه في قولهم: (أرجه وأخاه) " يعني: أن الدليل على أن الكلام وارد على التبليغ أنه لو كان الجواب من القوم للملأ لكان المطابق: أرجئوا وأرسلوا. ولأن الظاهر أن قولهم: (فماذا تأمرون) كان مؤامرةً مع القبط ومشاورة، فلابد أن يحصل منهم أيضاً كلام ومشورة، كما قال: "وكانت مؤامرةً مع القبط" إلى قوله: "فأشار عليك برأي". لكن ما في "الشعراء" تصريح في أن قوله تعالى: (أرجه وأخاه) من قول الملأ لفرعون، لا من القبط له، كأنهم لما أبلغوا إلى الناس رسالة فرعون، ما أصغوا إلى مشورتهم، فأشاروا هم إلى فرعون: (أرجه وأخاه). هذا أحسن، ليتجاوب الآيتان، ويؤيده قوله بعد هذا: "كأنه قيل: قال: (فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه) ". قوله: ((يأتوك بكل ساحرٍ عليمٍ)، وقرئ: "سحار"): لف، وقوله: "مثله في العلم

стр. 2924

أي: يأتوك بكل ساحر مثله في العلم والمهارة. أو بخيرٍ منه، وكانت هذه مؤامرة مع القبط. وقولهم: (فَماذا تَامُرُونَ) من: أمرته فأمرني بكذا؛ إذا شاورته فأشار عليك برأي. وقيل: (فَمَاذَا تَامُرُونَ)؟ من كلام فرعون، قاله للملأ لما قالوا له: (إن هذا لساحرٌ عليم* يريد أن يخرجكم)، كأنه لما قيل: فماذا تأمرون؟ قالوا: أرجئه وأخاه، ومعنى "أرجئه وأخاه": أخرهما وأصدرهما عنك، حتى ترى رأيك فيهما وتدبر أمرهما. وقيل: احبسهما. وقرئ: "أرجئه" بالهمزة، و (أرجه)، من أرجأه وأرجاه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والمهارة أو بخير منه" نشر، وذلك أن هذا الجواب مقابل لقول الملأ: (إن هذا لساحر عليم). فمن قرأ: (بكل ساحرٍ) يكون مثله، ومن قرأ: "سحارٍ" يكون خيراً منه. قوله: (والمهارة)، الجوهري: "المهارة: الحذق في الشيء. وقد مهرت الشيء مهارة". قوله: (وقيل: (فماذا تأمرون) من كلام فرعون): نحوه قول يوسف: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) [يوسف: ٥٢] بعد قولها: (الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) [يوسف: ٥١]. فعلى هذا الظاهر أن قول الملأ: (إنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم) ابتداء كلام، كما قال المصنف" "قد قاله هو، وقالوه هم". وقولهم: (يخرجكم من أرضكم) بناء على خطاب الملوك بلفظ الجماعة. قوله: ("أرجئه" بالهمز): أبو بكر وأبو عمروٍ وابن عامر. والباقون: بتركها.

стр. 2925

[(وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ* قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)]. فإن قلت: هلا قيل: وجاء السحرة فرعون فقالوا! قلت: هو على تقديرٍ سائلٍ سأل: ما قالوا إذ جاءوه؟ فأجيب بقوله: "قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً" أي: جُعلاً على الغلبة، وقرئ: (إن لنا لأجراً) على الإخبار وإثبات الأجر العظيم وإيجابه، كأنهم قالوا: لا بد لنا من أجر، والتنكير للتعظيم، كقول العرب: إنّ له لإبلاً، وإنّ له لغنماً، يقصدون الكثرة. فإن قلت: (وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) ما الذي عطف عليه؟ قلت: هو معطوفٌ على محذوف سدّ مسدّه حرف الإيجاب، كأنه قال إيجاباً لقولهم: (إن لنا لأجراً)؟ -: (نعم) إن لكم لأجراً، (وإنكم لمن المقرّبين)، أراد: إني لأقتصر بكم على الثواب وحده، وإنّ لكم مع الثواب ما يقل معه الثواب، وهو التقريب والتعظيم، لأنّ المثاب إنما يتهنأ بما يصل إليه ويغتبط به إذا نال معه الكرامة والرفعة. وروي: أنه قال لهم: تكونون أول من يدخل وآخر من يخرج. وروي: أنه دعا برؤساء السحرة ومعلميهم فقال لهم: ما صنعتم؟ قالوا قد علمنا سحراً لا يطيقه سحرة أهل الأرض، إلا أن يكون أمراً من السماء فإنه لا طاقة لنا به. وروي أنهم كانوا ثمانين ألفاً، وقيل: سبعين ألفاً، وقيل: بضعةً وثلاثين ألفاً. واختلفت الروايات فمن مقل ومن مكثر! ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: (إن لنا لأجراً): نافع وابن كثير وحفص. قوله: (فمن مقل ومن مكثر) الفاء عقيب قوله: "واختلفت الروايات"، مفصلة له.

стр. 2926

وقيل: كان يعلمهم مجوسيان من أهل نينوى. وقيل: قال فرعون: لا نغالب موسى إلا بما هو منه، يعنى السحر. [(قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ* قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ* وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَافِكُونَ* فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ* فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ* وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ* قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ* رَبِّ مُوسى وَهارُونَ)]. تخييرهم إياه أدبٌ حسن راعوه معه، كما يفعل أهل الصناعات إذا التقوا، كالمتناظرين قبل أن يتخاوضوا في الجدال، والمتصارعين قبل أن يتآخذوا للصراع. وقولهم: (وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ) فيه ما يدل على رغبتهم في أن يلقوا قبله من تأكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل وتعريف الخبر، أو تعريف الخبر وإقحام الفصل، وقد سوَّغ لهم موسى ما تراغبوا فيه ازدراء لشأنهم، وقلة مبالاةٍ بهم، وثقةً بما كان بصدده من التأييد السماوي، وأنّ المعجزة لن يغلبها سحر أبداً. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (نينوى): روي عن فخر المشايخ: أنها قرية بقرب الموصل، بعث فيها يونس. قوله: (أو تعريف الخبر وإقحام الفصل): فإن قلت: ما الفرق بين أن يكون الضمير مؤكداً، وبين أن يكون فصلاً؟ قلت: التوكيد يرفع التجوز عن المسند إليه، فيلزم التخصيص من تعريف الخبر، أي: نحن نفعل الإلقاء البتة، لا غيرنا، والفصل يخصص الإلقاء بهم، لأنه لتخصيص المسند بالمسند إليه، فيعرى عن التوكيد.

стр. 2927

(سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ): أروها بالحيل والشعوذة وخيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه، كقوله تعالى: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى) [طه: ٦٦]، روي: أنهم ألقوا حبالاً غلاظاً وخُشُباً طوالاً، فإذا هي أمثال الحيات، قد ملأت الأرض وركب بعضها بعضاً، (وَاسْتَرْهَبُوهُمْ): وأرهبوهم إرهاباً شديداً، كأنهم استدعوا رهبتهم (بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) في باب السحر. روي أنهم لونوا حبالهم وخشبهم وجعلوا فيها ما يوهم الحركة، قيل: جعلوا فيها الزئبق. (ما يَافِكُونَ): (مَا) موصولةٌ أو مصدرية، بمعنى: ما يأفكونه، أي: يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزوّرونه. أو إفكهم، تسمية للمأفوك بالإفك. روي أنها لما تلقفت ملء الوادي من الخشب والحبال ورفعها موسى، فرجعت عصاً كما كانت، وأعدم الله بقدرته تلك الأجرام العظيمة، أو فرّقها أجزاءً لطيفةً، قالت السحرة: لو كان هذا سحراً لبقيت حبالنا وعصينا، (فَوَقَعَ الْحَقُّ) فحصل وثبت، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. قوله: (أو إفكهم) هذا على أن تكون (ما) مصدرية، والمصدر بمعنى اسم المفعول، والمأفوك ما جعلوا فيه الزئبق. قال الزجاج: "معنى قوله: (يأفكون) أي: يأتون بالإفك، وهو الكذب، وذلك أنهم زعموا أن حبالهم وعصيهم حيات، وكذبوا في ذلك، وإنما كانوا قد حشوها بالزئبق، وصوروها بصور الحيات". قال أبو عبيدة: " (تلقف ما يأفكون) أي: تلقم ما يسحرون ويكذبون". قوله: ((فوقع الحق): حصل وثبت). استعير للثبوت وللحصول الوقع، لأنه في

стр. 2928

ومن بدع التفاسير: فوقع قلوبهم، أي: فأثر فيها؛ من قولهم: قاس وقيعٌ، (وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ): وصاروا أذلاء مبهوتين. (وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ): وخرّوا سجداً، كأنما ألقاهم ملقٍ لشدّة خرورهم، وقيل: لم يتمالكوا مما رأوا، فكأنهم ألقوا، وعن قتادة: كانوا أول النهار كفاراً سحرةً، وفي آخره شهداء بررة، وعن الحسن: تراه ولد في الإسلام ونشأ بين المسلمين يبيع دينه بكذا وكذا، وهؤلاء كفار نشؤوا في الكفر، بذلوا أنفسهم لله. [(قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ* لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ)]. (آمَنْتُمْ بِهِ) على الإخبار، أي: فعلتم هذا الفعل الشنيع، توبيخاً لهم وتقريعاً. وقرئ: (أآمنتم) بحرف الاستفهام، ومعناه الإنكار والاستبعاد، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. مقابل "بطل"، فإن الباطل زائل. وفائدتها شدة الرسوخ والتأثير، لأن الوقع يستعمل في الأجسام. الأساس: "وقع الشيء على الأرض وقوعاً، وأوقعته إيقاعاً". وهو كقوله تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ) [الأنبياء: ١٨]، استعير القذف لإيراد الحق على الباطل، والدمغ لإذهاب الباطل، لأن القذف والدمغ يستعملان في الأجسام. ولعل من فسر الوقع بالتأثير نظر إلى هذا المعنى. قوله: ("أآمنتم" بحرف الاستفهام): الجماعة كلهم إلا حفصاً، فإنه قرأها على الإخبار.

стр. 2929

(إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ): إن صنعكم هذا لحيلةٌ احتلتموها أنتم وموسى في مصر قبل أن تخرجوا منها إلى هذه الصحراء، قد تواطأتم على ذلك لغرضٍ لكم، وهو أن تخرجوا منها القبط وتسكنوها بني إسرائيل، وكان هذا الكلام من فرعون تمويهاً على الناس لئلا يتبعوا السحرة في الإيمان. وروي أن موسى ﵇ قال للساحر الأكبر: أتؤمن بي إن غلبتك؟ قال لآتين بسحر لا يغلبه سحر، وإن غلبتني لأومنن بك، وفرعون يسمع، فلذلك قال ما قال، (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) وعيدٌ أجمله، ثم فصله بقوله: (لَأُقَطِّعَنَّ)، وقرئ: "لأقطعن" بالتخفيف، وكذلك (ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ مِنْ خِلافٍ): من كل شق طرفاً، وقيل: إن أوّل من قطع من خلاف وصلب لفرعون. [(قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ* وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ)]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. وفيها أيضاً معنى التوبيخ، كما في الاستفهام. ونحوه قال الحسن في قوله تعالى: (اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً) [الفرقان: ٥] بكسر الهمزة: "إنه قول الله يكذبهم". وإنما أفاد الخبر التوبيخ، لأن الأصل في الإخبار الساذج أن يكون المخاطب خالي الذهن، وألا يلزم تحصيل الحاصل، فإذا ألقى إليه الجملة، وهو عالم بفائدتها، تؤكد بحسب قرائن الأحوال ما ناسب المقام. وهاهنا، لما خاطبهم بما فعلوا، مخبراً إياهم في ذلك المقام، أفاد التوبيخ والتقريع. قوله: (وروي أن موسي ﵇ قال للساحر الأكبر): عطف على قوله: "وكان

стр. 2930

(إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ) فيه أوجهٌ: أن يريدوا: إنا لا نبالي بالموت لانقلابنا إلى لقاء ربنا ورحمته، وخلاصنا منك ومن لقائك، أو ننقلب إلى الله يوم الجزاء فيثيبنا على شدائد القطع والصلب، أو إنا جميعاً- يعنون أنفسهم وفرعون- ننقلب إلى الله فيحكم بيننا. أو إنا لا محالة ميتون منقلبون إلى الله، فما تقدر أن تفعل بنا إلا ما لا بد لنا منه. (وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا): وما تعيب منا إلا الإيمان بآيات الله، أرادوا: وما تعيب منا إلا ما هو أصل المناقب والمفاخر كلها، وهو الإيمان. ومنه قوله: ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. هذا الكلام من فرعون تمويهاً على الناس". أي: لم يسمع شيئاً من السحرة، وموسى ما شعر بهذا المعنى، بل وضعه من تلقاء نفسه تمويهاً على الناس، أو سمع ما يدل عليه، كما جاء في الرواية: "أن موسى قال للساحر الأكبر" إلى آخره، ومن تمويهه قوله: (قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) [الأعراف: ١٢٣] أي: آمركم. يعني: أن غلبة موسى لم تكن غلبةً في الحقيقة، إذ لو كانت لآذنتكم بالإيمان به (إنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ). قوله: ((إنا إلى ربنا منقلبون): فيه أوجه): إنما احتمل الوجوه، لأن هذه القصة في هذه السورة جاءت مختصرة، وفي "الشعراء" أو في منها، فتحمل هذه على تلك، والمذكور فيها: (لا ضَيْرَ إنَّا إلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ * إنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ المُؤْمِنِينَ) [الشعراء: ٥٠ - ٥١]، عللوا عدم المبالاة الذي يعطيه معنى (لا ضير) بالانقلاب إلى الله، والطمع في الثواب. وفسر الآية هناك بوجوه ثلاثة، وزاد هنا، بناءً على ذلك، وجهاً واحداً. الوجه الأول: قوله: "إنا لا نبالي بالموت، لانقلابنا إلى لقاء ربنا ورحمته، وخلاصنا منك"، ومما يقرب منه هنالك قوله: "لا ضير علينا في قتلك، إنك إن قتلتنا انقلبنا إلى ربنا انقلاب من يطمع في مغفرته، ويرجو رحمته".

стр. 2931

(أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً): هب لنا صبراً واسعاً وأكثره علينا، حتى يفيض علينا ويغمرنا، كما يفرغ الماء فراغاً، وعن بعض السلف: إن أحدكم ليفرغ على أخيه ذنوباً، ثم يقول: قد مازحتك، أي: يغمره بالحياء والخجل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. والثاني: قوله: "ننقلب إلى الله يوم الجزاء، فيثيبنا على شدائد القطع والصلب"، ومما يناسبه ثمة قوله: "لا ضرر علينا في ذلك، بل لنا فيه أعظم النفع، لما يحصل لنا في الصبر عليه لوجه الله من تكفير الخطايا، والثواب العظيم، مع الأعواض"، لأن المشار إليه بقوله: "ذلك": "القطع والصلب". والثالث: قوله: "إنا جميعاً - يعنون أنفسهم وفرعون - ننقلب إلى الله فيحكم بيننا" لم يذكره هناك. والمعنى: ننقلب إلى الله جميعاً، فيحكم بيننا، وينتقم لنا منك، بما فعلت بنا، ويثيبنا على ما قاسيناه من البلاء والمحن. والرابع: قوله: "إنا لا محالة ميتون منقلبون إلى الله"، ومما يدانيه هناك قوله: "لا ضير علينا فيما تتوعدنا به من القتل، لأنه لابد لنا من الانقلاب إلى ربنا، بسبب من أسباب الموت، والقتل أهون أسبابه". وقد ذكرنا هناك وجه تخريج كل من الوجوه على التفصيل. قوله: (هب لنا صبراً واسعاً، وأكثره علينا)، هذا أصل المعنى، فاستعير له قوله تعالى: (أفرغ علينا صبراً). فالاستعارة في (أفرغ)، والقرينة (صبراً)، لأن الصبر لا يستعمل فيه الإفراغ، وهي استعارة تبعية.

стр. 2932

أو صب علينا ما يطهرنا من أوضار الآثام، وهو الصبر على ما توعدنا به فرعون، لأنهم علموا أنهم إذا استقاموا وصبروا كان ذلك مطهرةً لهم، (وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ): ثابتين على الإسلام. [(وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ)]. (وَيَذَرَكَ) عطفٌ على (لِيُفْسِدُوا)، لأنه إذا تركهم ولم يمنعهم، ....... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. قوله: (أو صب علينا ما يطهرنا). فعلى هذا الاستعارة في "الصبر"، والقرينة (أفرغ)، وهي استعارة مكنية مستلزمة للتخييلية، لأن الإفراغ يستعمل في الماء، و"الصبر" المكنية، ولذلك قال: "أو صب علينا ما يطهرنا من أوضار الآثام، وهو الصبر". قوله: (لأنه إذا تركهم) تعليل لما يؤدي إليه عطف "يذرك" على علة الفعل المنكر. وهو: (أتذر)، لأن ترك فرعون موسى وقومه على ما أرادوا يؤدي إلى الفساد في الأرض، وإلى ترك فرعون ألا يعظم، وترك الآلهة بألا تعبد. فاللام في (ليفسدوا) كما في قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًا وحَزَنًا) [القصص: ٨]. ولهذا قال: "فكأنه تركهم لذلك" على التشبيه. والإضافة في (والهتك) ليست للتخصيص، لتكون معبودة له، بل لأدنى ملابسة، لأنه صنعها، ودعا القوم إلى عبادتها. يعضده قوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى) [النازعات: ٢٤].

стр. 2933

وكان ذلك مؤدّيا إلى ما دعوه فساداً وإلى تركه وترك آلهته، فكأنه تركهم لذلك. أو هو جوابٌ للاستفهام بالواو كما يجاب بالفاء، نحو قول الحطيئة: ألم أك جاركم ويكون بيني … وبينكم المودّة والإخاء والنصب بإضمار «أن»، تقديره: أيكون منك ترك موسى، ويكون تركه إياك وآلهتك. وقرئ: "ويذرك وآلهتك" بالرفع عطفاً على (أتذر موسى)، بمعنى: أتذره وأيذرك، يعني: أتطلق له ذلك؟ أو يكون مستأنفاً أو حالاً على معنى: أتذره وهو يذرك وآلهتك. وقرأ الحسن: "ويذرك" بالجزم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. قوله: (أو هو جواب الاستفهام بالواو): قال الزجاج: "المعنى: أيكون منك أن تذر موسى، وأن يذرك؟ " يعني: أتذر موسى وقومه ليغيروا دينك، ولنترك عبادتك وعبادة الأصنام التي أمرتنا بعبادتها؟ قوله: (والنصب بإضمار "أن") عطف على قوله: "هو جواب"، أي: هو جواب للاستفهام، والنصب بإضمار "أن". قوله: (وهو يذرك وآلهتك) مثال للاستئناف والحال، كقوله تعالى: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وأَنتُمْ ظَالِمُونَ) [البقرة: ٩٢]. أما الاستئناف، فعلى أن تكون الجملة معترضة مؤكدةً لمعنى ما سبق، أي: أتذر

стр. 2934

كأنه قيل: يفسدوا، كما قرئ: (وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) [المنافقون: ١٠]، كأنه قيل: "أصدّق". وقرأ أنسٌ ﵁: "ونذرك"، بالنون والنصب، أي: يصرفنا عن عبادتك فنذرها. وقرئ: "ويذرك وإلاهتك"، أي: عبادتك. وروي أنهم قالوا له ذلك، لأنه وافق السحرة على الإيمان ستمائة ألف نفس، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. موسى وعادته تركك وآلهتك؟ فلابد من تقدير "هو" ليدل على الدوام. وأما الحال فكذلك لأن "يذرك" مضارع، لا يجوز مجيء الواو معه، فتقدر الجملة أسمية، ليصح دخولها عليه. والحال مقدرة لجهة الإشكال. قوله: (كأنه قيل: يفسدوا): يعني: لو لم يكن في (ليفسدوا) اللام، لكان يجوز فيه الجزم على أنه جواب الاستفهام، بإضمار "إن" الشرطية، فيقدر كأنه ليس فيه اللام، كما في قوله: (وأكن). قال ابن جني: "أما إسكان "يذرك". فهو كقراءة أبي عمرو: "إن الله يأمركم" بإسكان الراء، استثقالاً للضمة على توالي الحركات، ولم يسكن (يأمرهم) [الأعراف: ١٥٧] لخفاء الهاء وخفتها، بخلاف الكاف لثقلها وإظهارها". قوله: (وإلاهتك): قال ابن جني: "قرأها علي وابن عباس والحسن ﵃ أي: عبادتك منه سميت الشمس: إلاهة، لأنهم كانوا يعبدونها". قوله: (وروي أنهم قالوا له ذلك) عطف على قوله: "إلى ما دعوه فساداً" من حيث المعنى،

стр. 2935

فأرادوا بالفساد في الأرض ذلك وخافوا أن يغلبوا على الملك، وقيل: صنع فرعون لقومه أصناماً وأمرهم أن يعبدوها تقرباً إليه، كما يعبد عبدة الأصنامِ الأصنامَ، ويقولون: ليقربونا إلى الله زلفى، ولذلك قال: (أنا ربكم الأعلى) [النازعات: ٢٤]. (سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ) يعني: سنعيد عليهم، ما كنا محناهم به من قتل الأبناء، ليعلموا أنا على ما كنا عليه من الغلبة والقهر، وأنهم مقهورون تحت أيدينا كما كانوا، وأن غلبة موسى لا أثر لها في ملكنا واستيلائنا، ولئلا يتوهم العامة أنه هو المولود الذي أخبر المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يده، فيثبطهم ذلك عن طاعتنا، ويدعوهم إلى اتباعه، وأنه منتظر بعد. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. لأن المراد بالفساد إما ما هو المتعارف، قال تعالى: (لِيُفْسِدَ فِيهَا ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ) [البقرة: ٢٠٥] أو غير المتعارف، وهو إيمان ست مئة ألف نفس، يدل عليه قوله: "فأرادوا بالفساد في الأرض ذلك". قوله: (أن يغلبوا على الملك)، الأساس: "غلبته على الشيء: أخذته، وهو مغلوب عليه". قوله: (محناهم) وهي: من المحنة التي هي واحدة المحن، الذي يمتحن به الإنسان من بلية. قوله: (وأنه منتظر)، قيل: هو معطوف على قوله: "إنه هو المولود" على أسلوب قوله: علفتها تبناً وماءً باردا المعنى: سنقتل أبناءهم، ليعلم بنو إسرائيل أنا على ما كنا عليه، وأن غلبة موسى لا أثر لها، ولئلا يتوهم العامة من القبط أن موسى هو المولود الذي تحدث به المنجمون، وليوقنوا أن ذلك المولود منتظر بعد، وليس بموسى.

стр. 2936

[(قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ* قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَاتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)]. (قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ) قال لهم ذلك - حين قال فرعون: سنقتل أبناءهم فجزعوا منه وتضجروا - ..... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. يريد: أن قوله: (سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ ونَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ) من الأسلوب الحكيم، وإن صدر من الأحمق، لأن الجواب المطابق للملأ عن قولهم: (أتذر موسى وقومه): إنا سنقتله وقومه، ونسبي ذراريهم. ولو أتى بهذا الجواب لظهر عجزه لبني إسرائيل، لأنه إذا ترك قتل الأبناء، وشرع في قتل الرجال، لتوهم أن ذلك للخوف منهم، وأن موسى ﵇ هو الموعود، فلما صرح بالعود إلى ما كانوا عليه من القهر: بإبقاء الرجال، وقتل الأولاد، واستحياء النساء، دل على ذلة بني إسرائيل، وأن موسى غير الموعود به. يعني: لا تلتفتوا إليه أيها القبط، ودوموا على ما كنتم عليه من قتل الأولاد، واستحياء النساء، ولا تعتمدوا عليه، يا بني إسرائيل، ولا تعتضدوا به، فأنتم بعد أذلاء مقهورون. فعلى هذا قوله: (وإنا فوقهم قاهرون) كالتذييل للسابق وكذلك كان قول موسى لقومه: (استعينوا بالله) حين ضجر القوم من قول فرعون، من الأسلوب الحكيم، أي: ليس كما قال فرعون: (وإنا فوقهم قاهرون)، فإن القهر والغلبة لمن صبر، واستعان

стр. 2937

يسكنهم ويسليهم، ويعدهم النصرة عليهم، ويذكر لهم ما وعد الله بني إسرائيل من إهلاك القبط وتوريثهم أرضهم وديارهم. فإن قلت: لم أُخليت هذه الجملة عن الواو، وأُدخلت على التي قبلها؟ قلت: هي جملة مبتدأةٌ مستأنفة، وأمّا (وَقالَ الْمَلَأُ) [الأعراف: ١٢٧] فمعطوفةٌ على ما سبقها من قوله: (قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ). وقوله: (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ) يجوز أن تكون اللام للعهد، ويراد أرض مصر خاصةً، كقوله: (وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ) [الزمر: ٧٤]، وأن تكون للجنس، فيتناول أرض مصر لأنها من جنس الأرض، كما قال ضمرة: "إنما المرء بأصغريه"، فأراد بالمرء الجنس، وغرضه أن يتناوله تناولا أولياً. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. بالله، ولمن وعده الله توريث الأرض، أن ذلك الموعود الذي وعدكم الله النصرة به، وقهر الأعداء، وتوريث أرضهم. فقوله: (إن الأرض لله يورثها من يشاء) كناية تلويحية. قوله: (يسكنهم) قيل: حال من المستتر في "قال". فعلى هذا ترك الواو ظاهر. وفي بعض النسخ بالواو، إما على تأويل الجملة الاسمية، أي: "وهو يسكنهم"، أو على العطف. قوله: (وغرضه) أي: غرض ضمرة بقوله: "المرء بأصغريه" نفسه، كما سبق في أول السورة أن المنذر كان يسمع بشقة بن ضمرة، ويعجبه أخباره، فلما رآه استحقره، وقال: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه"، فأجابه ضمرة: "المرء بأصغريه". فأتى بالحكم

стр. 2938

(وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) بشارةٌ بأن الخاتمة المحمودة للمتقين منهم ومن القبط، وأن المشيئة متناولةٌ لهم. وقرأ: "وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ"- بالنصب- أبيٌّ وابن مسعود، عطفاً على (الأرض). (أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَاتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا) يعنون: قتل أبنائهم قبل مولد موسى ﵇ إلى أن استنبئ، وإعادته عليهم بعد ذلك، وما كانوا يستعبدون به ويمتهنون فيه من أنواع الخدم والمهن ويمسون به من العذاب، (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ) تصريحٌ بما رمز إليه من البشارة قبل، وكشفٌ عنه، وهو إهلاك فرعون واستخلافهم بعده في أرض مصر، (فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ): فيرى الكائن منكم من العمل حسنه وقبيحه، وشكر النعمة وكفرانها، ليجازيكم على حسب ما يوجد منكم. وعن عمرو بن عبيد ﵀: أنه دخل على المنصور قبل الخلافة وعلى مائدته رغيفٌ أو رغيفان، فطلب زيادةً لعمروٍ فلم توجد، فقرأ عمروٌ هذه الآية، ثم دخل عليه بعد ما استخلف فذكر له ذلك، وقال: قد بقي (فينظر كيف تعملون). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. عاماً، وإن كان الغرض نفسه، ليدخل فيه دخولاً أولياً على سبيل الكناية. قوله: ((عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ): تصريح بما رمز إليه من البشارة قبل، وكشف عنه): أراد به ما قال: " (والعاقبة للمتقين): بشارة بأن الخاتمة المحمودة للمتقين منهم ومن القبط، وأن المشيئة متناولة لهم". وفيه أنه كناية رمزية، لأن المسافة من المذكور إلى المقصود قريبة، وفيها نوع خفاء. ثم

стр. 2939

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ. في قوله: "إن المشيئة متناولة لهم" إشارة إلى أن قوله تعالى: (إنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) أيضاً كناية، والثانية كالتذييل للأولى، فحصل في الكلام كنايتان وتصريح: أما الكناية الأولى فتلويحية لتوسيط لوازم بني ما عليه التلاوة، وبين ما هو المقصود، وهو توريث أرض مصر بني إسرائيل، وإهلاك عدوهم، وبيانها أن المقام مقام التسلية، كما قال المصنف: "فجزعوا منه وتضجروا يسكنهم ويسليهم ويعدهم النصرة عليهم". ولا ارتياب أن المراد بالأرض أرض مصر، وكان القبط مسلطين عليها، مملكين فيها، فلما قيل: (يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) علم أن لابد من نزعها من أيدي القبط، وإيتائها غيرهم. ولما لم يكن لهم عدو يناوئهم وينازعهم سوى موسى، ومن معه من بني إسرائيل، وضم إليه مقام التسلية، تناولهم تناولاً أولياً. وهو المراد من قوله: "إن المشيئة متناولة لهم" فكأنه قيل: إن الأرض لله، يورثها إياكم يا بني إسرائيل. وإلى الكناية أشار الواحدي بقوله: "أطمعهم موسى ﵇ بقوله: (إنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) أن يعطيهم الله أرض فرعون وقومه بعد إهلاكهم". وكذا الإمام بقوله: "هذا إطماع من موسى ﵇ لقومه في أن يورثهم الله أرض فرعون بعد إهلاكهم. وذلك معنى الإرث، وهو: جعل الشيء للخلف بعد السلف".

стр. 2940

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. وأما بيان الكناية الثانية فإن قوله: "إن المشيئة متناولة لهم" عطف على قوله: "إن الخاتمة المحمودة للمتقين". ولن يكون بشارة بأن المشيئة متناولة لهم، إذا لم يؤخذ مفهوم الكلام الأول معه، وأن يكون الثاني كالتذييل للأول، كما سبق في قصة شقة قبيل هذا. فكأنه قيل: إن الخاتمة المحمودة للمتقين من بني إسرائيل ومن القبط، وإن مشيئة الله في قوله: (يورثها من يشاء) متناولة لبني إسرائيل، فيلزم أن يقال: إن الخاتمة المحمودة لبني إسرائيل، ولا يبعد أن يعد هذا من تخصيص العام. وفي كلام القاضي إشعار بهذا التقرير، قال: " (والعاقبة للمتقين) وعد لهم بالنصرة، وتذكير لما وعدهم من إهلاك القبط، وتوريثهم ديارهم، وتحقيق له". وقيل: إن الضمير في "لهم" للمتقين، وإن المعنى: الخاتمة المحمودة لمن اتقى من بني إسرائيل ومن القبط، وإن المشيئة متناولة لهم وللقبط، فيلزم منه أن بعضاً من القبط، ومن بني إسرائيل، حسنت خاتمته. يرده قول المصنف: " (عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ): تصريح بما رمز إليه من البشارة". قيل: فكما لا يجوز أن يدخل القبط في التصريح، فكذا لا يجوز أن يدخل فيما هو مكني عنه.

стр. 2941

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .. وإنما قلنا ذلك لأن قولهم: (أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَاتِيَنَا ومِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا) لا يليق إلا ببني إسرائيل. وأيضاً، الواقع أن بني إسرائيل هم الذين ورثوا ديار القبط بعدهم. يدل عليه قوله تعالى بعد هذا: (وأَوْرَثْنَا القَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ ومَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنَى عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ودَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ ومَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) [الأعراف: ١٣٧]، وقول المصنف: "الأرض: أرض مصر والشام، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة". والظاهر أن المراد بهذا الصبر قول موسى ﵇: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا). وأما التصريح بقوله: (عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ويَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ) (عسى) في هذا المقام قطع في إنجاز الموعود، والفوز بالمطلوب. فإن قلت: كيف اتصال التصريح بالكنايتين؟ قلت: إنه ﵇ لما بشرهم ووعدهم النصر وقهر الأعداء، قالوا: (أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَاتِيَنَا ومِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا). يعني: بحق لم نزل مغلوبين مقهورين تحت أيدي القبط، استعبدونا قبل إرسالك وبعده، فمن أين لنا التسلط عليهم، وتوريث ديارهم؟ وكيف نفوز بالنصرة؟ فأجاب بقوله: (عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ). وصرح بأن الله هو وحده يقهر عدوكم ويهلكهم، من غير أن يحاولوا محاربتهم. وعدل إلى المظهر في قوله: (عدوكم) ليؤذن أن استحقاقهم الهلاك بسبب كونهم أعداءكم. وفيه إدماج معنى "من عادى ولياً لله فقد بارز مع الله".

стр. 2942

[(وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)]. (بِالسِّنِينَ): بسني القحط، و «السنة»: من الأسماء الغالبة كالدابة والنجم ونحو ذلك، وقد اشتقوا منها فقالوا: أسنت القوم، بمعنى: أقحطوا. وقال ابن عباسٍ ﵁: أما السنون فكانت لباديتهم وأهل مواشيهم، وأمّا نقص الثمرات فكان في أمصارهم. وعن كعب: يأتي على الناس زمانٌ لا تحمل النخلة إلا تمرة، (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) فيتنبهوا على أن ذلك لإصرارهم على الكفر وتكذيبهم لآيات الله، ولأن الناس في حال الشدّة أضرع خدوداً وألين أعطافاً، وأرق أفئدة. وقيل: عاش فرعون أربعمائة سنة ولم ير مكروهاً في ثلاث مئةٍ وعشرين سنة، ولو أصابه في تلك المدّة وجعٌ أو جوع أو حمى لما ادعى الربوبية. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقد اشتقوا منها فقالوا: أسنت القوم)، الجوهري: "السنة: إذا قلته بالهاء، وجعلت نقصانه الواو، فهو من هذا الباب، أي: باب "سنا"، تقول: أسنى القوم يسنون إسناء: إذا لبثوا في موضع سنة. وأسنتوا: إذا أصابتهم الجدوية، تقلب الواو تاءً للفرق بينهما. قال المازني: هذا شاذ، ولا يقاس عليه. وقال الفراء: توهموا أن الهاء أصلية، إذ وجدوها ثالثة، فقلبوها تاء". قوله: (ولأن الناس) معلله محذوف، أي: لعلهم يذكرون، فيتنبهوا، ويتضرعوا، لأن الناس في حال الشدة أضرع خدوداً. قال القاضي: " (لعلهم يذكرون): لكي يتنبهوا على أن ذلك بشؤم كفرهم ومعاصيهم، فيتعظوا، أو ترق قلوبهم بالشدائد، فيفزعوا إلى الله، ويرغبوا فيما عنده".

стр. 2943

[(فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ)]. (فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ) من الخصب والرخاء، (قالُوا لَنا هذِهِ) أي: هذه مختصةٌ بنا ونحن مستحقوها، ولم نزل في النعمة والرفاهية، واللام مثلها في قولك: الجل للفرس، (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) من ضيقةٍ وجدب، (يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ): يتطيروا بهم ويتشاءموا ويقولوا: هذه بشؤمهم، ولولا مكانهم لما أصابتنا، كما قالت الكفرة لرسول الله ﷺ : (هذه من عندك) [النساء: ٧٨]. فإن قلت: كيف. قيل: (فإذا جاءتهم الحسنة) بـ (إذا) وتعريف (الحسنة)، (وإن تصبهم سيئةٌ) بـ (إنّ) وتنكير "السيئة"؟ قلت: لأنّ جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته واتساعه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولولا مكانهم لما أصابتنا) أي: لولاهم. كقوله: "ونفيت عنه مقام الذئب". قوله: (كيف قيل: (فإذا جاءتهم الحسنة)؟ ): أي: كيف أدخل على الجملة الأولى "إذا"، وهي لا تدخل إلا فيما هو متقين الوجود؟ وعلى الجملة الثانية "إن" وهي لا تدخل إلا فيما هو جائز الوجود؟ قوله: (لأن جنس الحسنة وقوعه كالواجب): أراد بالجنس: العهد الذهني الشائع، كما قال في تفسير (الحمد لله) [الفاتحة: ٢]: "التعريف فيه للجنس، وإن المراد به الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد أن الحمد ما هو". فالمراد بالحسنة: الحسنة التي تحصل في ضمن فرد من الأفراد، ويصدق عليها اسم الحسنة، وهي تارةً تكون خصباً، وأخرى رفاهية، أو صحة، أو غير ذلك.

стр. 2944

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وإليه الإشارة بقوله: " (فإذا جاءتهم الحسنة): من الخصب والرخاء"، فإن بعضاً منها واقع دائماً لا ينقطع، وهو المراد بقوله: "وقوعه كالواجب لكثرته واتساعه"، وهذا ملائم للمقام، لإمكان حمله على الفرد الذي هو حاصل، وعلى الذي يتوقع حصوله، وعلى الذي انعدم. ومن ثم لم يجز حمل التعريف على العهد الخارجي لتعين وتخصصه، فلا يكون مقطوعاً حصوله إذا زال، ولا على الجنس من حيث هو هو، فإن الحقيقة إذا أريد بها شيء بعينه مجازاً، حمل على المبالغة والكمال فيها. والمقام لا يقتضي ذلك، وهو المعنى بقول صاحب "المفتاح": "لكون الحسنة المطلقة مقطوعاً بها كثرة وقوع واتساعاً. ولذلك عرف ذهاباً إلى كونها معهودة، أو تعريف جنس، والأول أقضى لحق البلاغة"، أي: المعهود الذهني أدعى لاقتضاء المقام من تعريف الحقيقة. هذا هو التوفيق بين كلام الشيخين، وإن دل الظاهر على التنافي. فإن قلت: إذا أريد بتعريف الجنس العهد الذهني الشائع، فأي فرقٍ بين الحسنة المعرفة والسيئة المنكرة في الآية، لأن مثل هذا التعريف لا توقيت فيه، وقد فرقت بينهما؟ قلت: الفرق بين تعريف الحقيقة وبين مدلول الاسم الموضوع لها، أن الاسم لها لا لتعينها، واللام لتعينها. فالتعين إذاً بحسب الذهن، والذيوع بحسب الوجود، فيفيد التعريف الذهني الاعتناء بشأن الحقيقة بوجهٍ من الوجوه، إما لأنها عظيمة الخط، أو الحاجة إليها ماسة، أو أن أسباباً بشأنها متأخرة، فهو لذلك بمنزلة المعهود الحاضر، بخلاف النكرة، فإنها غير ملتفتٍ إليها، ولا يقصد بها إلا الابتداء.

стр. 2945

وأمّا السيئة فلا تقع إلا في الندرة، ولا يقع إلا شيء منها. ومنه قول بعضهم: قد عددت أيام البلاء، فهل عددت أيام الرخاء؟ (طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ) أي: سبب خيرهم وشرهم عند الله، وهو حكمه ومشيئته، والله هو الذي يشاء ما يصيبهم من الحسنة والسيئة، وليس شؤم أحدٍ ولا يمنه بسببٍ فيه، كقوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) [النساء: ٧٨]. ويجوز أن يكون معناه: ألا إنما سبب شؤمهم عند الله وهو عملهم المكتوب عنده الذي يجرى عليهم ما يسوءهم لأجله، ويعاقبون له بعد موتهم بما وعدهم الله في قوله سبحانه: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها) الآية [غافر: ٤٦]، ولا طائر أشأم من هذا. وقرأ الحسن: "إنما طيركم عند الله"، وهو اسمٌ لجمع طائرٍ غير تكسيرٍ، ونظيره: التجر والركب. وعند أبي الحسن: هو تكسير. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولا يقع إلا شيء منها) يريد بهذه العبارة قلتها، لتقابل قوله: "لكثرته واتساعه"، وقوله: "إلا في الندرة" مقابل لقوله: "كالواجب". قوله: (بسببٍ فيه)، الضمير المجرور عائد إلى "ما يصيبهم". قوله: (وهو عملهم المكتوب عنده الذي يجري عليهم ما يسوؤهم لأجله) هذا عين مذهب أهل السنة، وإن دل أول كلامه على مذهبه. اعلم أن لفظ "الطائر" قد يطلق على الحظ والنصيب، سواء كان خيراً أو شراً. وهو المراد بقوله: "أي: سبب خيرهم وشرهم عند الله"، وعلى التشاؤم وحده، وهو الوجه الثاني: . قال الزجاج: "إنما قالت العرب: الطيرة فيما يكرهون، لأنهم كانوا يزجرون الطير، فإذا كان على جهة ما يكرهون، جعلوا ذلك أمراً يتشاءمون به. وقال بعضهم: (طائرهم): حظهم".
следующие страницы →