Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..
وإنما قلنا ذلك لأن قولهم: (أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَاتِيَنَا ومِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا) لا يليق إلا ببني إسرائيل. وأيضاً، الواقع أن بني إسرائيل هم الذين ورثوا ديار القبط بعدهم. يدل عليه قوله تعالى بعد هذا: (وأَوْرَثْنَا القَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ ومَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنَى عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ودَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ ومَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) [الأعراف: ١٣٧]، وقول المصنف: "الأرض: أرض مصر والشام، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة".
والظاهر أن المراد بهذا الصبر قول موسى ﵇: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا).
وأما التصريح بقوله: (عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ويَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ) (عسى) في هذا المقام قطع في إنجاز الموعود، والفوز بالمطلوب.
فإن قلت: كيف اتصال التصريح بالكنايتين؟ قلت: إنه ﵇ لما بشرهم ووعدهم النصر وقهر الأعداء، قالوا: (أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَاتِيَنَا ومِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا). يعني: بحق لم نزل مغلوبين مقهورين تحت أيدي القبط، استعبدونا قبل إرسالك وبعده، فمن أين لنا التسلط عليهم، وتوريث ديارهم؟ وكيف نفوز بالنصرة؟
فأجاب بقوله: (عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ). وصرح بأن الله هو وحده يقهر عدوكم ويهلكهم، من غير أن يحاولوا محاربتهم. وعدل إلى المظهر في قوله: (عدوكم) ليؤذن أن استحقاقهم الهلاك بسبب كونهم أعداءكم. وفيه إدماج معنى "من عادى ولياً لله فقد بارز مع الله".
стр. 2942
[(وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)].
(بِالسِّنِينَ): بسني القحط، و «السنة»: من الأسماء الغالبة كالدابة والنجم ونحو ذلك، وقد اشتقوا منها فقالوا: أسنت القوم، بمعنى: أقحطوا. وقال ابن عباسٍ ﵁: أما السنون فكانت لباديتهم وأهل مواشيهم، وأمّا نقص الثمرات فكان في أمصارهم. وعن كعب: يأتي على الناس زمانٌ لا تحمل النخلة إلا تمرة، (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) فيتنبهوا على أن ذلك لإصرارهم على الكفر وتكذيبهم لآيات الله، ولأن الناس في حال الشدّة أضرع خدوداً وألين أعطافاً، وأرق أفئدة.
وقيل: عاش فرعون أربعمائة سنة ولم ير مكروهاً في ثلاث مئةٍ وعشرين سنة، ولو أصابه في تلك المدّة وجعٌ أو جوع أو حمى لما ادعى الربوبية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقد اشتقوا منها فقالوا: أسنت القوم)، الجوهري: "السنة: إذا قلته بالهاء، وجعلت نقصانه الواو، فهو من هذا الباب، أي: باب "سنا"، تقول: أسنى القوم يسنون إسناء: إذا لبثوا في موضع سنة. وأسنتوا: إذا أصابتهم الجدوية، تقلب الواو تاءً للفرق بينهما. قال المازني: هذا شاذ، ولا يقاس عليه. وقال الفراء: توهموا أن الهاء أصلية، إذ وجدوها ثالثة، فقلبوها تاء".
قوله: (ولأن الناس) معلله محذوف، أي: لعلهم يذكرون، فيتنبهوا، ويتضرعوا، لأن الناس في حال الشدة أضرع خدوداً.
قال القاضي: " (لعلهم يذكرون): لكي يتنبهوا على أن ذلك بشؤم كفرهم ومعاصيهم، فيتعظوا، أو ترق قلوبهم بالشدائد، فيفزعوا إلى الله، ويرغبوا فيما عنده".
стр. 2943
[(فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ)].
(فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ) من الخصب والرخاء، (قالُوا لَنا هذِهِ) أي: هذه مختصةٌ بنا ونحن مستحقوها، ولم نزل في النعمة والرفاهية، واللام مثلها في قولك: الجل للفرس، (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) من ضيقةٍ وجدب، (يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ): يتطيروا بهم ويتشاءموا ويقولوا: هذه بشؤمهم، ولولا مكانهم لما أصابتنا، كما قالت الكفرة لرسول الله ﷺ : (هذه من عندك) [النساء: ٧٨].
فإن قلت: كيف. قيل: (فإذا جاءتهم الحسنة) بـ (إذا) وتعريف (الحسنة)، (وإن تصبهم سيئةٌ) بـ (إنّ) وتنكير "السيئة"؟ قلت: لأنّ جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته واتساعه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولولا مكانهم لما أصابتنا) أي: لولاهم. كقوله: "ونفيت عنه مقام الذئب".
قوله: (كيف قيل: (فإذا جاءتهم الحسنة)؟ ): أي: كيف أدخل على الجملة الأولى "إذا"، وهي لا تدخل إلا فيما هو متقين الوجود؟ وعلى الجملة الثانية "إن" وهي لا تدخل إلا فيما هو جائز الوجود؟
قوله: (لأن جنس الحسنة وقوعه كالواجب): أراد بالجنس: العهد الذهني الشائع، كما قال في تفسير (الحمد لله) [الفاتحة: ٢]: "التعريف فيه للجنس، وإن المراد به الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد أن الحمد ما هو".
فالمراد بالحسنة: الحسنة التي تحصل في ضمن فرد من الأفراد، ويصدق عليها اسم الحسنة، وهي تارةً تكون خصباً، وأخرى رفاهية، أو صحة، أو غير ذلك.
стр. 2944
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإليه الإشارة بقوله: " (فإذا جاءتهم الحسنة): من الخصب والرخاء"، فإن بعضاً منها واقع دائماً لا ينقطع، وهو المراد بقوله: "وقوعه كالواجب لكثرته واتساعه"، وهذا ملائم للمقام، لإمكان حمله على الفرد الذي هو حاصل، وعلى الذي يتوقع حصوله، وعلى الذي انعدم. ومن ثم لم يجز حمل التعريف على العهد الخارجي لتعين وتخصصه، فلا يكون مقطوعاً حصوله إذا زال، ولا على الجنس من حيث هو هو، فإن الحقيقة إذا أريد بها شيء بعينه مجازاً، حمل على المبالغة والكمال فيها.
والمقام لا يقتضي ذلك، وهو المعنى بقول صاحب "المفتاح": "لكون الحسنة المطلقة مقطوعاً بها كثرة وقوع واتساعاً. ولذلك عرف ذهاباً إلى كونها معهودة، أو تعريف جنس، والأول أقضى لحق البلاغة"، أي: المعهود الذهني أدعى لاقتضاء المقام من تعريف الحقيقة.
هذا هو التوفيق بين كلام الشيخين، وإن دل الظاهر على التنافي.
فإن قلت: إذا أريد بتعريف الجنس العهد الذهني الشائع، فأي فرقٍ بين الحسنة المعرفة والسيئة المنكرة في الآية، لأن مثل هذا التعريف لا توقيت فيه، وقد فرقت بينهما؟
قلت: الفرق بين تعريف الحقيقة وبين مدلول الاسم الموضوع لها، أن الاسم لها لا لتعينها، واللام لتعينها. فالتعين إذاً بحسب الذهن، والذيوع بحسب الوجود، فيفيد التعريف الذهني الاعتناء بشأن الحقيقة بوجهٍ من الوجوه، إما لأنها عظيمة الخط، أو الحاجة إليها ماسة، أو أن أسباباً بشأنها متأخرة، فهو لذلك بمنزلة المعهود الحاضر، بخلاف النكرة، فإنها غير ملتفتٍ إليها، ولا يقصد بها إلا الابتداء.
стр. 2945
وأمّا السيئة فلا تقع إلا في الندرة، ولا يقع إلا شيء منها. ومنه قول بعضهم: قد عددت أيام البلاء، فهل عددت أيام الرخاء؟ (طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ) أي: سبب خيرهم وشرهم عند الله، وهو حكمه ومشيئته، والله هو الذي يشاء ما يصيبهم من الحسنة والسيئة، وليس شؤم أحدٍ ولا يمنه بسببٍ فيه، كقوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) [النساء: ٧٨].
ويجوز أن يكون معناه: ألا إنما سبب شؤمهم عند الله وهو عملهم المكتوب عنده الذي يجرى عليهم ما يسوءهم لأجله، ويعاقبون له بعد موتهم بما وعدهم الله في قوله سبحانه: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها) الآية [غافر: ٤٦]، ولا طائر أشأم من هذا.
وقرأ الحسن: "إنما طيركم عند الله"، وهو اسمٌ لجمع طائرٍ غير تكسيرٍ، ونظيره: التجر والركب. وعند أبي الحسن:
هو تكسير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا يقع إلا شيء منها) يريد بهذه العبارة قلتها، لتقابل قوله: "لكثرته واتساعه"، وقوله: "إلا في الندرة" مقابل لقوله: "كالواجب".
قوله: (بسببٍ فيه)، الضمير المجرور عائد إلى "ما يصيبهم".
قوله: (وهو عملهم المكتوب عنده الذي يجري عليهم ما يسوؤهم لأجله) هذا عين مذهب أهل السنة، وإن دل أول كلامه على مذهبه.
اعلم أن لفظ "الطائر" قد يطلق على الحظ والنصيب، سواء كان خيراً أو شراً. وهو المراد بقوله: "أي: سبب خيرهم وشرهم عند الله"، وعلى التشاؤم وحده، وهو الوجه الثاني: .
قال الزجاج: "إنما قالت العرب: الطيرة فيما يكرهون، لأنهم كانوا يزجرون الطير، فإذا كان على جهة ما يكرهون، جعلوا ذلك أمراً يتشاءمون به. وقال بعضهم: (طائرهم): حظهم".
стр. 2946
[(وَقالُوا مَهْما تَاتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ* فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ)].
(مَهْما) هي «ما» المضمنة معنى الجزاء، ضمت إليها «ما» المزيدة المؤكدة للجزاء في قولك: متى ما تخرج أخرج، (أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ) [النساء: ٧٨]، (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ) [الزخرف: ٤١]، إلا أنّ الألف قلبت هاءً استثقالاً لتكرير المتجانسين وهو المذهب السديد البصريّ، ومن الناس من زعم أن «مه» هي الصوت الذي يصوت به الكاف، و «ما» للجزاء، كأنه قيل: كف، ما تأتنا به من آيةٍ لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين.
فإن قلت: ما محل (مهما)؟ قلت: الرفع بمعنى: أيما شيءٍ تأتنا به، أو النصب، بمعنى: أيما شيءٍ تحضرنا تأتنا به، ........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..
وسيجئ الكلام فيه مستوفي في سورة "النمل".
وأما بيان النظم فقد قال القاضي: "هذا إغراق في وصفهم بالغباوة والقساوة، فإن الشدائد ترقق القلوب، وتذلل العرائك، سيما بعد مشاهدة الآيات، وهم لم تؤثر فيهم، بل زادوا عنادًا وإنهماكاً في الغي".
قوله: (هي "ما" المضمنة معنى الجزاء)، أراد به معنى الشرط، ولهذا سمى قوله: (إن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) [يوسف: ٩٩] في سورة "يوسف" بالجملة الجزائية.
قوله: (النصب بمعنى: أيما شيءٍ تحضرنا تأتنا به): يريد أنه من باب الإضمار على شريطة التفسير، نحو: زيداً مررت به.
стр. 2947
و (من آية): تبيين لـ (مهما). والضميران في (بِهِ) و (بِها) راجعان إلى (مهما)، إلا أنّ أحدهما ذكر على اللفظ، والثاني أُنث على المعنى، لأنه في معنى الآية، ونحوه قول زهير:
ومهما يكن عند امرئ من خليقةٍ … وإن خالها تخفى على النّاس تعلم
وهذه الكلمة في عداد الكلمات التي يُحرفها من لا يد له في علم العربية، فيضعها غير موضعها، ويحسب "مهما" بمعنى: متى ما، ويقول مهما جئتني أعطيتك، وهذا من وضعه، وليس من كلام واضع العربية في شيء، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أحدهما ذكر على اللفظ، والثاني أنث على المعنى) قالوا: اللطيفة فيه: هي أن الضمير الأول لما عاد إلى (مهما) - ولفظه مذكر - ذكر، والضمير الثاني إنما رجع إليه بعدما بين بقوله تعالى: (من أيةٍ)، فأنث بهذا الاعتبار.
قوله: (ومهما يكن عند امرئٍ من خليقةٍ) البيت، والخلق والخليقة واحد. والشاعر ذكر الضمير في "يكن" حملاً على لفظ "مهما"، وأنث في الباقي حملاً على المعنى، لأنه في معنى الخليقة. ومعنى البيت ظاهر.
قوله: (ويحسب "مهما" بمعنى: متى ما، ويقول: مهما جئتني أعطيتك … ، وليس من وضع العربية في شيء): ألا ترى إلى قوله تعالى: (مهما تأتنا به) فإنه ينادي بأن المراد: ما تأتنا به، لا: متى تأتنا، والهاء في (به): مفعول به، لا مفعول فيه، ولو كان مفعولاً فيه لذكر
стр. 2948
ثم يذهب فيفسر (مَهْما تَاتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ) بمعنى الوقت، فيلحد في آيات الله وهو لا يشعر، وهذا وأمثاله مما يوجب الجثوّ بين يدي الناظر في "كتاب سيبويه".
فإن قلت: كيف سموها آيةً، ثم قالوا (لتسحرنا بها)؟ قلت: ما سموها آيةً لاعتقادهم أنها آية، وإنما سموها اعتباراً لتسمية موسى، وقصدوا بذلك الاستهزاء والتلهي.
(الطُّوفانَ): ما طاف بهم وغلبهم من مطر أو سيل، قيل: طغى الماء فوق حروثهم، وذلك أنهم مطروا ثمانية أيامٍ في ظلمةٍ شديدةٍ لا يرون شمساً ولا قمراً، ولا يقدر أحدهم أن يخرج من داره. وقيل أرسل الله عليهم السماء حتى كادوا يهلكون، وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكةٌ، فامتلأت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم، فمن جلس غرق، ولم تدخل بيوت بني إسرائيل قطرة، وفاض الماء على وجه أرضهم وركد، فمنعهم من الحرث والبناء والتصرف، ودام عليهم سبعة أيام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"في" كما يقال: اليوم خرجت فيه، لأن الهاء في "فيه" عبارة عن اليوم. أما المفعول به فضميره تارةً يجيء مع الباء، وأخرى بغيرها، نحو: ذهب به وأذهبه.
و(مهما) لو كان بمنزلة "متى" والضمير معبر عن المفعول فيه، وهو "متى"، لقال: تأتنا فيه، فعلم أنه ليس بمعنى "متى".
ووجه آخر، وهو أن (من أيةٍ) بيان (مهما)، فيكون عبارةً عنها، و"الآية" ليست بزمان.
قال في "الانتصاف": غر هؤلاء من كلام سيبويه قوله: "وسألت الخليل عن "مهما"، فقال: هي "ما" أدخلت عليها "ما" لغواً، بمنزلتها مع "متى" إذا قلت: متى ما تأتني آتك". انتهى
стр. 2949
وعن أبي قلابة: الطوفان الجدري، وهو أوّل عذابٍ وقع فيهم، فبقي في الأرض، وقيل: هو الموتان، وقيل: الطاعون، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن بك، فدعا فرفع عنهم، فما آمنوا، فنبت لهم تلك السنة من الكلأ والزرع ما لم يعهد بمثله، فأقاموا شهراً، فبعث الله عليهم الجراد، فأكلت عامة زروعهم وثمارهم، ثم أكلت كل شيءٍ حتى الأبواب وسقوف البيوت والثياب ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شيء، ففزعوا إلى موسى، ووعدوه التوبة، فكشف عنهم بعد سبعة أيام، وخرج موسى ﵇ إلى الفضاء، فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب، فرجع الجراد إلى النواحي التي جاء منها، فقالوا: ما نحن بتاركي ديننا، فأقاموا شهراً، فسلط الله عليهم القمل- وهو الحمنان في قول أبي عبيدة: كبار القُردان، وقيل: الدبا، وهو أولاد الجراد. قيل: نبات أجنحتها. وقيل: البراغيث، وعن سعيد بن جبير: السوس- فأكل ما أبقاه الجراد، ولحس الأرض، وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيمصه، وكان يأكل أحدهم طعاماً فيمتلئ قُملاً، وكان يخرج أحدهم عشرة أجربةٍ إلى الرحى، فلا يرد منها إلا يسيراً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلام سيبويه. وكأن هذا القائل اغتر بتشبيه الخليل لها بـ"متى" فظنها بمعنى "متى". وإنما شبه الخليل بها "ما" الثانية من "مهما" في لحوقها زائدةً مؤكدة.
قوله: (وهو الحمنان)، النهاية: "الحمنانة من القراد دون الحلم، أوله: فمقامة، ثم حمنانة، ثم قراد، ثم حلمة، ثم عل". والحلمة بالتحريك: القراد الكبير، والجمع: الحلم.
قوله: (الدبا). الدبا - مقصور -: الجراد قبل أن يطير. وقيل: نوع يشبه الجراد، واحدته: دباة. في "النهاية".
стр. 2950
وعن سعيد بن جبير: أنه كان إلى جنبهم كثيبٌ أعفر، فضربه به موسى بعصاه، فصار قُملاً، فأخذت في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم، ولزم جلودهم كأنه الجدري، فصاحوا وصرخوا وفزعوا إلى موسى، فرفع عنهم، فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، وعزة فرعون لا نصدقك أبداً! فأرسل الله عليهم بعد شهرٍ الضفادع، فدخلت بيوتهم وامتلأت منها آنيتهم وأطعمتهم، ولا يكشف أحدٌ شيئاً من ثوبٍ ولا طعامٍ ولا شرابس إلا وجد فيه الضفادع، وكان الرجل إذا أراد أن يتكلم وثبت الضفدع إلى فيه، وكانت تمتلئ منها مضاجعهم فلا يقدرون على الرقاد، وكانت تقذف بأنفسها في القدور وهي تغلي، وفي التنانير وهي تفور.
فشكوا إلى موسى وقالوا: ارحمنا هذه المرة، فما بقي إلا أن نتوب التوبة النصوح ولا نعود، فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد، فأرسل الله عليهم الدم، فصارت مياههم دماً، فشكوا إلى فرعون فقال:
إنه سحركم فكان يجمع بين القبطي والاسرائيلى على إناء واحد، فيكون ما يلي الإسرائيلى ماءً، وما يلي القبطي دماً، ويستقيان من ماءٍ واحد فيخرج للقبطي الدم وللإسرائيلى الماء، حتى إن المرأة القبطية تقول لجارتها الإسرائيلية: اجعلي الماء في فيك، ثم مجيه في فىَّ، فيصير الماء في فيها دماً، وعطش فرعون حتى أشفى على الهلاك، فكان يمص الأشجار الرطبة، فإذا مضغها صار ماؤها الطيب ملحاً أجاجاً.
وعن سعيد بن المسيب: سال عليهم النيل دماً. وقيل: سلط الله عليهم الرعاف وروي: أنّ موسى ﵇ مكث فيهم بعدما غلب السحرة عشرين سنةً يريهم هذه الآيات، وروي أنه لما أراهم اليد والعصا ونقص النفوس والثمرات قال: يا رب، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كثيب أعفر)، الجوهري: "الأعفر: الرمل الأحمر".
стр. 2951
إنّ عبدك هذا قد علا في الأرض فخذه بعقوبة تجعلها له ولقومه نقمة، ولقومي عظة، ولمن بعدي آية. فحينئذ بعث الله عليهم الطوفان، ثم الجراد، ثم ما بعده من النقم.
وقرأ الحسن: "والقمل"، بفتح القاف وسكون الميم، يريد القمل المعروف.
(آياتٍ مُفَصَّلاتٍ) نصب على الحال، ومعنى (مفصلات): مبيناتٍ ظاهراتٍ لا يشكل على عاقلٍ أنها من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره، وأنها عبرةٌ لهم ونقمةٌ على كفرهم. أو فُصِلَ بين بعضها وبعضٍ بزمانٍ تمتحن فيه أحوالهم، وينظر أيستقيمون على ما وعدوا من أنفسهم، أم ينكثون؟ إلزاماً للحجة عليهم.
[(وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ* فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ* فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ)].
(بِما عَهِدَ عِنْدَكَ): "ما": مصدرية، والمعنى: بعهده عندك، وهو النبوّة، والباء: إمّا أن تتعلق بقوله: (ادْعُ لَنا رَبَّكَ) على وجهين: أحدهما أسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا)، الجوهري: "أسعفت الرجل بحاجته: إذا قضيتها".
يريد: صيغة الأمر، وهو (ادع): للاستدعاء والتضرع، لإسعاف حاجتهم، ولهذا استعطفوه بقوله: (بما عهد عندك) أي: بحق ما عندك من عهد الله وكرامته بالنبوة.
وفي كلامه تضمينان: ضمن "أسعفنا" معنى "أوصلنا"، وضمن "نطلب" معنى "نتضرع".
стр. 2952
بحقِّ ما عندك من عهد الله وكرامته بالنبوّة، أو ادع الله لنا متوسلاً إليه بعهده عندك. وإمّا أن يكون قسما مجاباً بـ (لنؤمنن)، أي: أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمننّ لك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بحق ما عندك). معناه الاستعطاف: وهو طلب العطف والرحمة، إما من موسى ﵇، أو أن يطلب موسى لهم من الله متوسلاً إليه بعهده.
ويجوز أن يكون قسميةً صورةً ومعنىً. وإليه الإشارة بقوله: "وإما أن يكون قسماً".
قال في قوله: (رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ) [القصص: ١٧]: " (رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ): يجوز أن يكون قسماً، أي: أقسم بإنعامك علي، وأن يكون استعطافاً، أي: رب اعصمني بحق ما أنعمت علي".
قالت الفقهاء: إذا قال: "عليك بالله لتفعلن"، أي: عزمت، إن أريد بمثل هذا الكلام الشفاعة، لا ينعقد يمين أحدهما، ولو أريد يمين نفسه انعقد يمينه، ويستحب للمخاطب إبرار يمينه.
قال القاضي: " (بما عهد): إما صلة (ادع) أو حال من الضمير فيه. أي: ادع الله متوسلاً إليه بما عهد عندك، أو متعلق بمحذوف، دل عليه التماسهم، مثل: أسعفنا إلى ما نطلب منك بحق ما عهد عندك".
стр. 2953
(إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ): إلى حدٍّ من الزمن هم بالغوه لا محالة، فمعذبون فيه، لا ينفعهم ما تقدم لهم من الإمهال وكشف العذاب إلى حلوله، (إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ) جواب "لما"، يعني: فلما كشفناه عنهم فاجؤوا النكث وبادروا، لم يؤخروه، ولكن كما كشف عنهم نكثوا.
(فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ): فأردنا الانتقام منهم، (فَأَغْرَقْناهُمْ)، و"اليم": البحر الذي لا يدرك قعره، وقيل: هو لجة البحر ومعظم مائه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إلى حد من الزمان هم بالغوه لا محالة): يعني: ضربنا لعذابهم مدةً معلومةً لابد لهم أن يبلغوه، وهو وقت الغرق والموت، فلما كشفنا عنهم الرجز بسبب الدعاء ليكونوا آمنين، إلى بلوغ تلك المدة المضروبة، فاجؤو النكث وبادروه، ولم يؤخروه.
قوله: (إلى حلوله) متعلق بـ"الإمهال".
قوله: (فاجؤوا النكث) قال المصنف: قيد وجود هذا بوجود ذاك، وكأنهما وجدا في جزءٍ واحد من الزمان، فيكون في الحقيقة جواب "لما" ذلك الفعل المقدر، وهو "فاجؤوا"، ويكون "لما" ظرفه، و"إذا" مفعولاً به.
قوله: (فأردنا الانتقام منهم): إنما قدر "أردنا" لأن "الإغراق" عين "الانتقام". ويجوز أن يكون من باب قوله تعالى: (فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤].
стр. 2954
واشتقاقه من التيمم، لأن المستنفعين به يقصدونه، (بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا) أي: كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بالآيات وغفلتهم عنها وقلة فكرهم فيها.
[(وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ)].
(الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ): هو بنو إسرائيل كان يستضعفهم فرعون وقومه. و"الأرض": أرض مصر والشام، ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة، وتصرفوا كيف شاءوا في أطرافها ونواحيها الشرقية والغربية، (بارَكْنا فِيها) بالخصب وسعة الأرزاق، (كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى): قوله: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ) إلى قوله: (ما كانُوا يَحْذَرُونَ) [القصص: ٥ - ٦]،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (واشتقاقه من التيمم، لأن المستنفعين به يقصدونه): يعني: من يبتغي النفع التام من البحر، يتجاوز عن الساحل إلى اللجة، لأن الغواصين إنما يغوصون على الدرر واللآلئ في اللجة، وما يؤم القاصدون لابتغاء فضل الله إلا فيها، ليحصلوا منها إلى البلاد الشاسعة.
قوله: ((كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنَى): قوله تعالى: (ونُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا) [القصص: ٥])، مبتدأ وخبر. أراد به أن "الكلمة" هاهنا: العلم الأزلي الثابت في أم الكتاب، أي: مضت عليهم واستمرت ما كان مقدراً عليهم من إهلاك عدوهم، وتوريثهم ملكهم وديارهم. ولما كان قصص بني إسرائيل وفرعون لم تكن معلومةً عند رسول الله صلي الله عليه وسلم قبل الوحي، جيء بقوله: (فانتقمنا منهم)، و (أغرقناهم)، و"أورثنا"، و"دمرنا" على الحكاية. وخص هذه اللفظة - وهي (كلمت ربك) بالخطاب على الالتفات، لكونها
стр. 2955
و (الحسنى): تأنيث الأحسن، صفة للكلمة، ومعنى "تمت على بني إسرائيل": مضت عليهم واستمرت؛ من قولك: تمَّ على الأمر إذا مضى عليه.
(بِما صَبَرُوا): بسبب صبرهم، وحسبك به حاثاً على الصبر، ودالاً على أنّ من قابل البلاء بالجزع وكله الله إليه، ومن قابله بالصبر، وانتظار النصر، ضمن الله له الفرج. وعن الحسن: عجبت ممن خف كيف خف وقد سمع قوله، وتلا الآية. ومعنى "خف": طاش جزعاً وقلة صبرٍ، ولم يرزن رزانة أولي الصبر.
وقرأ عاصمٌ -في رواية-: (وتمت كلمات ربك الحسنى)، ونظيره (مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى) [النجم: ١٨].
(ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ): ما كانوا يعملون ويسوّون من العمارات وبناء القصور، (وَما كانُوا يَعْرِشُونَ) من الجنات؛ (هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ) [الأنعام: ١٤١]، أو: وما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء، كصرح هامان وغيره، وقرئ: (يعرشون) بالكسر والضم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معلومةً عنده ﷺ ، أي: تمت ما تعرفه من أجزاء كل شيء، بتقدير ربك وقضائه ومشيئته.
قوله: (مضت عليهم واستمرت)، الجوهري: "مر عليه وبه، أي: اجتاز. ومر يمر مراً ومروراً: ذهب. واستمر: مثله".
قوله: (وقرأ عاصم في رواية) أي: رواية شاذة.
قوله: (ونظيره ((من آيات ربه الكبرى)): يعني: في الجمع وإرادة التعدد في الكلمات والآيات.
قوله: (وقرئ: (يعرشون) بالضم والكسر): بالضم: ابن عامرٍ وأبو بكر، والباقون: بالكسر.
стр. 2956
وذكر اليزيدي أن الكسر أفصح، وبلغني أنه قرأ بعض الناس: "يغرسون"؛ من غرس الأشجار، وما أحسبه إلا تصحيفاً منه.
[(وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ* إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ* قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ)].
وهذا آخر ما اختصّ الله من نبأ فرعون والقبط وتكذيبهم بآيات الله وظلمهم ومعاصيهم، ثم أتبعه اقتصاص نبأ بني إسرائيل وما أحدثوه - بعد إنقاذهم من ملكة فرعون واستعباده، ومعاينتهم الآيات العظام، ومجاوزتهم البحر - من عبادة البقر، وطلب رؤية الله جهرة، وغير ذلك من أنواع الكفر والمعاصي، ليعلم حال الإنسان، وأنه كما وصفه: ظلومٌ كفار جهولٌ كنود، إلا من عصمه الله، (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ: ١٣]، وليسلي رسول الله ﷺ مما رأي: من بني إسرائيل بالمدينة.
وروي: أنه عبر بهم موسى يوم عاشوراء بعد ما أهلك الله تعالى فرعون وقومه، فصاموه شكراً لله تعالى .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من ملكة فرعون)، النهاية: "فلان حسن الملكة: إذا كان حسن الصنيع إلى مماليكه. وفي الحديث: "لا يدخل الجنة سيء الملكة".
قوله: (من عبادة البقر) متعلق بقوله: "أحدثوا".
قوله: (كنود): كند كنوداً: كفر النعمة، فهو كنود.
стр. 2957
(فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ): فمرّوا عليهم، (يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ): يُواظبون على عبادتها ويلازمونها. قال ابن جريج: كانت تماثيل بقر، وذلك أوّل شأن العجل وقيل: كانوا قوماً من لخم. وقيل: كانوا من الكنعانيين الذين أُمر موسى ﵇ بقتالهم، وقرئ: "وجوّزنا" بمعنى: أجزنا. يقال: أجاز المكان وجوزه وجاوزه؛ بمعنى: جازه، كقولك:
أعلاه وعلاه وعالاه. وقرئ: (يعكفون) بضم الكاف وكسرها.
(اجْعَلْ لَنا إِلهاً): صنماً نعكف عليه، (كَما لَهُمْ آلِهَةٌ): أصنامٌ يعكفون عليها، «وما» كافةٌ للكاف، ولذلك وقعت الجملة بعدها. وعن علي ﵁: أنّ يهودياً قال له: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجفّ ماؤه، فقال: قُلتم: اجعل لنا إلهاً قبل أن تجفّ أقدامكم. (إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) تعجبٌ من قولهم على أثر ما رأوا من الآية العظمى والمعجزة الكبرى، فوصفهم بالجهل المطلق وأكده، لأنه لا جهل أعظم مما رأى منهم ولا أشنع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من لخم). اللخم: حي من اليمن، ومنهم كانت ملوك العرب في الجاهلية.
وقيل: لخم: قوم من مضر.
قوله: (وقرئ: (يعكفون) بضم الكاف وكسرها). بالكسر: حمزة والكسائي. والباقون بالضم.
قوله: ((إنكم قوم تجهلون): تعجب). يعني: في إطلاق الجهل، وإجرائه مجرى اللازم. وتصدير الجملة بـ (إن)، وتغليب الخطاب على الغيبة في (تجهلون)، وتعقيب هذه الجملة لقولهم: (اجْعَل لَّنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) بعد ما رأوا من إغراق فرعون، وإنجائهم منه،
стр. 2958
(إِنَّ هؤُلاءِ) يعني: عبدة تلك التماثيل، (مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ): مدمّرٌ مكسر ما هم فيه، من قولهم إناءٌ متبر، إذا كان فضاضاً. ويقال لكسار الذهب: التبر، أي: يتبر الله ويهدم دينهم الذي هم عليه على يديّ، ويحطم أصنامهم هذه ويتركها رضاضاً. (وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) أي: ما عملوا شيئاً من عبادتها فيما سلف إلا وهو باطلٌ مضمحل لا ينتفعون به وإن كان في زعمهم تقرباً إلى الله، كما قال تعالى: (وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً) [الفرقان: ٢٣].
وفي إيقاع (هؤُلاءِ) اسماً لـ (إن)، وتقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً لها،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومجاوزتهم البحر: إشعار بالتعجب العظيم من جهلهم. أي: ما أجهلهم! كأنهم ما شاهدوا تلك الآيات، وما عرفوها، فإن العاقل العالم بحقائق الأمور، بعد ما رأي تلك الآيات العظام، لا يصدر منه مثل تلك الكلمة الحمقاء، فصدورها منهم موضع تعجب وتعجيب.
قوله: (وفي إيقاع (هؤلاء) اسماً لـ (إن) وتقديم خبر المبتدأ) إلى قوله: (وسم)، اعلم أن في تخصيص اسم الإشارة بالذكر، الدال على أن أولئك القوم محقوقون بالدمار، لأجل اتصافهم بالعكوف على عبادة الأصنام، ثم في توكيد مضمون الجملة بـ (إن) مزيد الدلالة على ذلك.
وإليه الإشارة بقوله: "وسم لعبدة الأصنام بأنهم هم المعرضون للتبار"، وليس "هم" ي تركيب المصنف للفصل، إذ لا موجب لأن يقال: إنهم متبرون دون غيرهم، بل هو مبتدأ، فيفيد تقوي الحكم. وفائدة تقديم الخبر الإيذان بأنهم لا يتجاوزون عن الدمار إلى ما يضاده من الفوز والنجاة، على القصر القلبي.
стр. 2959
وسمٌ لعبدة الأصنام بأنهم هم المعرضون للتبار، وأنه لا يعدوهم البتة، وأنه لهم ضربة لازب، ليحذرهم عاقبة ما طلبوا ويبغض إليهم ما أحبوا.
(أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً): أغير المستحقِّ للعبادة أطلب لكم معبوداً، وهو فَعَل بكم ما فعل دون غيره، من الاختصاص بالنعمة التي لم يعطها أحداً غيركم، لتختصوه بالعبادة ولا تشركوا به غيره
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما قوله: "وأنه لا يعدوهم البتة، وأنه لهم ضربة لازب" فمن الكناية، لأنهم إذا لم يتجاوزوا عن الدمار إلى النجاة، فيلزمهم الدمار ضربة لازب.
وموجب هذه المبالغات إيقاع الجملة تعليلاً لإثبات الجهل المؤكد للقوم، لاقتراحهم أن يجعل لهم إلهاً. وأبلغ من ذلك أن المذكور ليس جواباً له، بل مقدمة وتمهيد له. وإنما الجواب قوله: (أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إلَهًا وهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العَالَمِينَ) وكيت وكيت، إلى أن قال ربكم: اذكروا إذ: (أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ).
ومقتضى التقدير وجود العاطف ولا معطوف عليه، فيقدر ما يمكن تقديره، وقد جاء في "البقرة" معطوفاً على الإنعامات. وإنما أضمرنا "قال ربكم"، لأن قوله: (وإذْ أَنجَيْنَاكُم) لا يدخل تحت كلامه ﵊ لأنه من كلام الله .
قوله: (وسم لعبدة الأصنام) أي: علامة شنيعة لاصقة، كالكي على الدابة.
قوله: (من الاختصاص بالنعمة التي لم يعطها أحداً غيركم، لتختصوه بالعبادة): فيه نوعان من الاختصاص:
стр. 2960
ومعنى الهمزة: الإنكار والتعجب من طلبتهم- مع كونهم مغمورين في نعمة الله- عبادة غير الله.
[(وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ)].
(يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ): يبغونكم شدّة العذاب، من سام السلعة إذا طلبها. فإن قلت: ما محل (يسومونكم)؟ قلت: هو استئناف لا محلّ له، ويجوز أن يكون حالاً من المخاطبين أو من آل فرعون، و (ذلِكُمْ) إشارةٌ إلى الإنجاء أو إلى العذاب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحدهما: "وهو فعل بكم ما فعل دون غيره"، وهو مستفاد من تقديم الفاعل المعنوي على الفعل، وهو قوله: (وهو فضلكم).
وثانيهما: "لتختصوه بالعبادة"، فالاختصاص من تقديم المفعول في (أغير الله أبغيكم) وإنكاره بالهمزة. وأما العبادة فمن مفهوم قوله: (إلها)، أي: معبوداً. والجملة (وهو فضلكم) حال مقدرة لجهة الإشكال.
قوله: (من طلبتهم) من إضافة المصدر إلى الفاعل، والطلبة في الأصل: اسم. الجوهري: "الطلبة ٠ بكسر اللام -: ما طلبته من شيء".
стр. 2961
والبلاء: النعمة أو المحنة. وقرئ: (يقتلون) بالتخفيف.
[(وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)].
وروي: أن موسى ﵇ وعد بني إسرائيل - وهو بمصر - إن أهلك الله عدوّهم، أتاهم بكتابٍ من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب، فأمره بصوم ثلاثين يوماً وهو شهر ذي القعدة، فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فيه فسوك، فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك. وقيل: أوحى الله تعالى إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟ فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرة أيامٍ من ذى الحجة لذلك. وقيل: أمره الله أن يصوم ثلاثين يوماً، وأن يعمل فيها بما يقرّبه من الله ثم أنزلت عليه التوراة في العشر وكلم فيها. ولقد أجمل ذكر الأربعين في "سورة البقرة"، وفصلها هاهنا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..
قوله: (البلاء: النعمة أو المحنة) التنويع على التفسيرين لقوله: (ذلكم).
قوله: ("يقتلون" بالتخفيف) نافع.
قوله: (أن خلوف). وفي الحديث: "لخلوف فم الصائم أطيب من المسك" الحديث متفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.
النهاية: "الخلوف - بالضم -: تغير ريح الفم. وأصلها في النبات: أن ينبت الشيء بعد الشيء، لأنها رائحة حدثت بعد الرائحة الأولى. يقال: خلف فمه يخلف خلفةً وخلوفاً".
стр. 2962
(ومِيقاتُ رَبِّهِ): ما وقته له من الوقت وضربه له، و (أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) نصبٌ على الحال أي: تمَّ بالغاً هذا العدد، و (هارُونَ) عطف بيانٍ لـ (أخيه). وقرئ بالضم على النداء، (اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي): كن خليفتي فيهم، (وَأَصْلِحْ): وكن مصلحاً، أو: أصلح ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائيل، ومن دعاك منهم إلى الإفساد فلا تتبعه ولا تطعه.
[(وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)].
(لِمِيقاتِنا): لوقتنا الذي وقتنا له وحدّدناه، ومعنى اللام الاختصاص، فكأنه قيل: واختص مجيئه بميقاتنا، كما تقول: أتيته لعشر خلون من الشهر، (وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) من غير واسطةٍ كما يكلم الملك، وتكليمه: أن يخلق الكلام منطوقاً به في بعض الأجرام، كما خلقه مخطوطاً في اللوح.
وروي: أن موسى ﵇ كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((لميقاتنا): لوقتنا). قيل: لابد هاهنا من تقدير مضاف، أي: لآخر ميقاتنا، أو: لانقضاء ميقاتنا.
قوله: (وروي أن موسى كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة): قال القاضي: "وفيه تنبيه على أن سماع كلامه القديم ليس من جنس سماع كلام المحدثين".
قال في "الانتصاف": "صرح بخلق الكلام، ويرده اختصاص موسى عليه السلام
стр. 2963
وعن ابن عباس ﵁: كلمه أربعين يوماً وأربعين ليلةً، وكتب له الألواح. وقيل إنما كلمه في أول الأربعين.
(أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) ثاني مفعولي أرني محذوفٌ، أي: أرني نفسك أنظر إليك.
فإن قلت: الرؤية عين النظر، فكيف قيل: (أرني أنظر إليك)؟ قلت: معنى "أرني نفسك": اجعلني متمكناً من رؤيتك بأن تتجلى لي، فأنظر إليك وأراك.
فإن قلت: فكيف قال: (لَنْ تَرانِي)، ولم يقل: لن تنظر إليّ؛ لقوله: (أَنْظُرْ إِلَيْكَ)؟ قلت: لما قال: (أَرِنِي) بمعنى: اجعلني متمكناً من الرؤية التي هي الإدراك، علم أن الطلبة هي الرؤية لا النظر الذي لا إدراك معه، فقيل: (لن تراني)، ولم يقل: لن تنظر إليّ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقوله: (بِرِسَالاتِي وبِكَلامِي) [الأعراف: ١٤٤]. وكل أحدٍ يساوي موسى ﵇ فيما ذكره الزمخشري. بل كان أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم قد سمعوا الكلام من أفضل المخلوقات، فلابد من اعتقاد أنه سمع الكلام القديم القائم بذات الله تعالى بلا واسطة، كما أجزنا في العقول أن ترى ذات الله، وإن لم يكن جسماً، فكذلك يجوز سماع كلامه وإن لم يكن حرفاً".
قوله: (الرؤية عين النظر): أي: النظر مقدم على الرؤية، فإنه عبارة عن تقليب الحدقة نحو المرئي التماساً لرؤيته، وقد يتخلف عنه، فكيف جعله مؤخراً عنه؟ ويروى: "الرؤية عين النظر".
ويؤيد الأول قوله في "الشعراء": "الاستماع من السمع بمنزلة النظر من الرؤية، لأن الاستماع جارٍ مجرى الإصغاء". وتقرير هذا السؤال: أن (أرني) تكفي في الطلب، لأنه تعالى
стр. 2964
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إذا أراه نفسه لابد له أن ينظر إليه، فما فائدة إردافه؟ وأجاب بأن فائدته التأكيد والكشف التام، فإنه لما أردفه به أفاد طلب رفع المانع، وكشف الحجاب، والتمكين من الرؤية، بحيث لا يتخلف عنه النظر إليه، نحوه قولك: نظرت بعيني، وقبضت بيدي، فالنظر حينئذٍ مسبب. فلذلك أدخل المصنف الفاء في قوله: "فأنظر"، ثم سأل: "فكيف قال: (لن تراني) " وأتى بالفاء، أي: إذا كان النظر هو الغرض، وهو الذي طلب له الإراءة، كان من الواجب أن يقال: لن تنظر.
وأجاب: وإن كان الغرض النظر، لكن المطلوب، الذي عليه التعويل، طلب التجلي، وكشف الحجاب، إذ به يحصل الإدراك التام، ولولاه لا يجدي النظر شيئاً. ألا ترى كيف أتبع "وأراك": "فأنظر" في الجواب الأول؟ فكأنه قيل: "اجعلني متمكناً من رؤيتك، فانظر إليك وأراك".
وقلت: وهاهنا سؤال آخر، وهو أنه كيف قيل: (لن تراني)، ولم يقل: لن أريك نفسي، لقوله: (أرني)؟ والجواب: إنما عدل عن "لن أريك"، للتفادي عن الإيياس، وحسم الطمع. يعني: لن تراني ما دمت على حالة أنت فيها، فإذا ارتفع المانع أريك نفسي لتنظر إليه. وهذا معنى قول ابن عباس: "لن تراني في الدنيا". والجواب من الأسلوب الحكيم.
стр. 2965
فإن قلت: كيف طلب موسى ﵇ ذلك، وهو من أعلم الناس بالله وما يجوز عليه وما لا يجوز، وبتعاليه عن الرؤية التي هي إدراك ببعض الحواس، وذلك إنما يصحّ فيما كان في جهة، وما ليس بجسمٍ ولا عرضٍ فمحالٌ أن يكون في جهة، ومنعُ المجبرة إحالته في العقول غير لازم، لأنه ليس بأوّل مكابرتهم وارتكابهم، وكيف يكون طالبه وقد قال - حين أخذت الرجفة الذين قالوا: أرنا الله جهرة -: (أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا) [الأعراف: ١٥٥] إلى قوله: (تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ) [الأعراف: ١٥٥]، فتبرأ من فعلهم ودعاهم سفهاء وضلالاً؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإذن معنى قوله: (أرني أنظر إليك) أن المانع من الرؤية كوني غير متمكنٍ منها، لاحتجابك عني، فارفع الحجا بيني وبينك، لأنظر إليك وأراك، وذلك حين سمع الخطاب والكلام القديم بغير واسطة.
ومعنى قوله: (لن تراني) أن المانع ليس إلا من جانبك، وأني غير محجوب، بل متحجب بحجابٍ منك، وهو كونك فانياً في فانٍ، وأنا باقٍ، ووصفي باقٍ، فإذا جاوزت قنطرة الفناء، ووصلت إلى دار البقاء، فزت بمطلوبك.
قوله: (ومنع المجبرة إحالته في العقول غير لازم، لأنه ليس بأول مكابرتهم وارتكابهم) جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه. وجوابه قد سبق بند منه في "الأنعام"، وموضع الإطناب فيه يطلب في الأصول.
قوله: (ودعاهم سفهاء): أي: سماهم سفهاء.
стр. 2966
قلت: ما كان طلب الرؤية إلا ليبكت هؤلاء الذين دعاهم سفهاء وضلالاً، وتبرأ من فعلهم، وليلقمهم الحجر، وذلك أنهم حين طلبوا الرؤية أنكر عليهم وأعلمهم الخطأ، ونبههم على الحق، فلجوا وتمادوا في لجاجهم وقالوا: لا بُدَّ، ولن نؤمن لك حتى نرى الله جهرةً، فأراد أن يسمعوا النص من عند الله باستحالة ذلك، وهو قوله: (لَنْ تَرانِي)، ليتيقنوا وينزاح عنهم ما دخلهم من الشبهة، فلذلك قال: (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ما كان طلب الرؤية إلا ليبكت هؤلاء): الروايات كلها مفتريات، وليس هذا بأول مكابرته، لأن القوم لم يحضروا هذه النوبة، وإنما طلب موسى ﵇ الرؤية لنفسه، وفي النوبة الثانية كان القوم معه، وطلبوا الرؤية فأجابهم، كما سنقرر هذا عند قوله تعالى: (واخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً) [الأعراف: ١٥٥].
وقال صاحب "الفرائد": "إن قوله: (أرني أنظر إليك) كان وقت مجيئه للميقات، وتكليمه لله تعالى مطلق. وما ذكره من قوله: "ما كان طلب الرؤية إلا ليبكت هؤلاء" مقيد، ولا دليل في هذه الآية على هذا القيد، فكان هذا حملاً للمطلق على المقيد من غير دليل، وهو باطل، لأنه خروج عن الأصل بغير ضرورة.
وأيضاً، لو كان مراده من سؤال الرؤية بيان الاستحالة من الله، ليكون نصاً منه لاستحالتها، لوجب أن يقال: لن أرى، أو: لم تجز رؤيتي، إذ كانت ممتنعة، ليتضح لهم أنه تعالى ليس بجائز الرؤية، ويحصل المقصود؛ لأن (لن ترانى) ليس إلا تأكيد النفي، ولم يلزم منه عدم الجواز.
стр. 2967
فإن قلت: فهلا قال: "أرهم ينظروا إليك"؟ قلت: لأنّ الله سبحانه إنما كلم موسى ﵇ وهم يسمعون، فلما سمعوا كلام رب العزة أرادوا أن يرى موسى ذاته فيبصروه معه، كما أسمعه كلامه فسمعوه معه، إرادةً مبنيةً على قياس فاسد، فلذلك قال موسى: (أرني أنظر إليك)، ولأنه إذا زُجِرَ عما طلب، وأُنكر عليه في نبوّته واختصاصه وزلفته عند الله تعالى، وقيل له: لن يكون ذلك، كان غيره أولى بالإنكار، ولأنّ الرسول إمام أمته، فكان ما يخاطب به أو ما يخاطب راجعاً إليهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأيضاً، قوله: "سماهم سفهاء وضلالاً" - يعني به قوله: (أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا) - ممنوع، لم لا يجوز أن يراد بهم السفهاء الذين عبدوا العجل، لا هؤلاء مع أن القرآن مساعد لإرادة ما أردناه؟ ". تم كلامه.
وقلت: وليس هذا من المطلق، حتى يحتاج إلى دليل القيد، فإن الدليل قائم على انتفاء القيد، لأن المقام غير واحد.
وأما قوله: "لوجب أن يقال: لن أرى، أو: لم تجز رؤيتي" فللمصنف أن يقول: إنه من باب أسلوب الحكيم. وإليه الإشارة بقوله: "لأنه إذا زجر وأنكر على نبوته واختصاصه، كان غير أولى".
وقوله: "لم لا يجوز أن يراد بهم السفهاء الذين عبدوا العجل؟ " فهو بناء على حضور القوم في المرة الثانية.
قوله: (وأنكر عليه في نبوته). "في نبوته": حال من المجرور في: "عليه"، أي: أنكر عليه والحالة أنه ثابت في نبوته مستقر عليها.
стр. 2968
وقوله: (أَنْظُرْ إِلَيْكَ) وما فيه من معنى المقابلة التي هي محض التشبيه والتجسيم، دليلٌ على أنه ترجمةٌ عن مقترحهم وحكايةٌ لقولهم، وجل صاحب الجمل أن يجعل الله منظوراً إليه، مقابلاً بحاسة النظر، فكيف بمن هو أعرقُ في معرفة الله تعالى؛ من واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، والنظام، وأبي الهذيل والشيخين، وجميع المتكلمين؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وجل صاحب الجمل) الجمل - في الأصل المملى منه - بضم الجيم ولكن الميم مهملة لا ضبط عليها. ويمكن أن يوجه بأنه أراد الجمالين والملاحين، لأن الجمل حبال السفن، والواحد منها جملة، لكونها جملة من الطاقات والقوى. وفيه نظر، لأن الجمل بمعنى: الحبل، مشدد الميم، وليس جمعاً، ولا واحده جملة، وليس بمستبعدٍ أن يزعم أن "حملاً" كتاب صنفه بعض من المعتزلة من تلامذة هؤلاء المعدودين، واشتمل مضمونه على أصولهم. وفيه دلائلهم على نفي الرؤية. يعني: عظم قدر صاحب هذا الكتاب أن يجعل الله تعالي منظوراً إليه، بنصب الأدلة، وإقامة البراهين، فكيف بمن هو أعرف منه في معرفة الله تعالى.
وقد عثرت بعد ذلك على نقلٍ من جانب الإمام شمس الأئمة الكردري ﵀:
стр. 2969
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صاحب الجمل: صاحب العقل؛ لأن العقل عندهم عبارة عن علوم هي جمل ضرورية، فقيل: هي اثنا عشر، وقيل: هي أربعة، هي: النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان، والكل أعظم من الجزء، والشيئان المساويان لشيء واحدٍ متساويان، والشيء الواحد في زمانٍ واحدٍ لا يكون في مكانين.
أراد بالشيخين أبا علي الجبائي، وابنه أبا هاشم.
قال في "الانتصاف": "وقد صح أن الرؤية لا تستلزم الجسمية، وأما قناعته في تفضيله ﵇ برجحانه على المذكورين من المبتدعين، فهو غض عن منصبه العلي".
قال الإمام: "هذا كله باطل، لأن الذين طلبوا الرؤية إما أن يكونوا مؤمنين بموسى ونبوته وصدقه، وكان يكفيهم قول موسى: هذا السؤال غير جائز، وإن لم يكونوا فلن ينتفعوا بهذا الجواب. وأيضاً، لو كان السؤال طلباً للمحال لمنعهم عنه، كما منعهم عن سؤالهم: (اجْعَل لَّنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) بقوله: (إنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ). وكيف وهذا عندهم أصعب، لأن طلب الرؤية مع استحالته جهل في ذات الله، بإثبات صفةٍ تقتضي نقصاً في ذاته، وطلب اتخاذ العجل جهل في غير الله، باستحقاقه العبادة له. وأيضاً، كان يجب عليه إقامة الدلائل القاطعة على نفي الرؤية. وكيف يظن أنه ترك ما كان واجباً عليه، وطلب ما كان محظوراً بقول بعض الجهال وأنه من أولي العزم".
стр. 2970
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: وفي سؤاله ﵇ إشعار ببطلان أن الطلب للقوم، وذلك أن قوله: (رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إلَيْكَ)، أي: اجعلني متمكناً من رؤيتك، بأن تتجلى لي، فأنظر إليك وأراك، كما فسره، وما فيه من المبالغة، والتأكيد، والدعاء بقوله: "رب"، ليس من كلام من أكره على الشيء، وألزم به، ومن له طبع مستقيم، وذوق سليم، يعلم أن هذا الكلام لا يصدر إلا عمن له قوة عزم، ورسوخ قدمٍ في الطلب، ولو كان معذوراً لكان في الطلب ما ينبئ عنه.
وغاية ما يلزمنا أنه ﵇ توهم أنه تعالى جائز الرؤية في الدنيا. وهذا لا يقدح في مرتبته، ولا يحط من منزلته، كما قال إبراهيم ﵇: (أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى ولَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [البقرة: ٢٦٠].
وروينا عن البخاري ومسلم، عن أبي هريرة: "نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى). ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف، لأجبت الداعي". على أن المشتاق الذي يتوق إلى محبوبه، المتيقن بحصول مطلوبه، يستعجل الوصول، ويتشبث بكل أمارة، وينتظر كل لمحة بارق.
فإنه ﵇ لما وعد الميقات، وسمع الخطاب، لو لم يتحرك له أريحية الطلب، ويقنع بالسؤال والجواب، لما كان له ﵇ اشتياق.
روى محيي السنة عن الحسن: "هاج به الشوق، فسأل الرؤية، وقال: إلهي، سمعت كلامك، فاشتقت إلى النظر إليك، ولأن أنظر إليك، ثم أموت أحب إلي من أن أعيش ولا أراك".
стр. 2971
فإن قلت: ما معنى (لَنْ)؟ قلت: تأكيد النفي الذي تعطيه «لا» وذلك أن «لا» تنفى المستقبل، تقول: لا أفعل غداً، فإذا أكدت نفيها قلت: لن أفعل غداً. والمعنى: أنّ فعله ينافي حالي، كقوله: (لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) [الحج: ٧٣]، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن فعله ينافي حالي) يرده قوله: "فإذا أكدت نفيها، قلت: لن أفعل غداً" فيه إخبار عن عدم مباشرته الفعل على التأكيد، فهو كقولك: هو لا يفعل، لا تفعل، فكما أن هذا لا يدل على المنافاة، فكذا ذلك، بل يدل على أن حاله مستدعية له فينفيه على التأكيد، لأن ما يؤكد نفيه يمكن وقوعه.
ويشهد لذلك ما رواه مسلم عن جابر: أن رجلاً ممن هاجر إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم مرض، فجزع، فأخذ مشاقص، فقطع براجمه، فمات به، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، وهيئته حسنة، ورآه مغطياً يديه، فقال له: ما صنع ربك بك؟ قال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه، فقال: ما لي أراك مغطياً يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فقصها الطفيل على رسول الله صلي الله عليه وسلم: "اللهم وليديه فاغفر".
ولو كان إصلاح ما أفسد مما هو منافٍ لحاله، وكان مفهوماً من هذا التركيب، لأمسك من هو أفصح الخلق عن الدعاء.
وأما قوله: (لن يخلقوا ذبابا) [الحج: ٧٣] فالمنافاة تفهم من دليلٍ خارجي.
стр. 2972
فقوله: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) [الأنعام: ١٠٣] نفيٌ للرؤية فيما يستقبل، و (لن تراني) تأكيد وبيان؛ لأنّ المنفي منافٍ لصفاته.
فإن قلت: كيف اتصل الاستدراك في قوله: (وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ) بما قَبْلَه؟ قلتُ: اتصل به على معنى أنّ النظر إليّ محال فلا تطلبه، ولكن عليك بنظرٍ آخر، وهو أن تنظر إلى الجبل الذي يرجف بك وبمن طلبت الرؤية لأجلهم، كيف أفعل به وكيف أجعله دكاً بسبب طلبك الرؤية؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الإمام: " (لن تراني): يدل على أنه تعالى جائز الرؤية، إذ لو كان مستحيل الرؤية: لقال: "لا أرى"، ألا ترى أنه لو كان مع إنسانٍ حجر، وقال صاحبه: ناولني هذا لأكله، فإنه يقول: هذا لا يؤكل. ولو قال: لن تأكل، لم يصح. ولو كان معه مما يؤكل، فقال: هذا لا يؤكل، لم يصح. ولو قال: لن تأكل، علم أنه مما يؤكل، ولكنك لا تأكله".
وقال القاضي: "والاستدلال بالجواب على استحالتها أشد خطأ، إذ لا يدل الإخبار عن عدم رؤيته إياه، على ألا يراه أبداً، وألا يراه غيره أصلاً، فضلاً عن أن يدل على استحالتها. ودعوى الضرورة فيه مكابرة".
قوله: (وبيان، لأن المنفي منافٍ). اللام صلة "بيان" لا تعليل.
قوله: (اتصل به على معنى أن النظر إلى محال، فلا تطلبه): قال صاحب "الفرائد": إن الاستدراك بالمعنى الذي ذكره لا يناسب هذا المقام، ولو كان المراد به استحالة الرؤية، وجب أن يذكر شيئاً يدل على الاستحالة. ودك الجبل كما يصلح لما ذكر يصلح لغيره، والمشترك لا
стр. 2973
لتستعظم ما أقدمت عليه بما أريك من عظم أثره، كأنه عزّ وعلا حقق عند طلب الرؤية ما مثله عند نسبة الولد إليه في قوله: (وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا* أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً) [مريم: ٩١].
(فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ) كما كان مستقراً ثابتاً ذاهباً في جهاته، (فَسَوْفَ تَرانِي) تعليقٌ لوجود الرؤية بوجود ما لا يكون من استقرار الجبل مكانه حين يدكه دكا ويسويه بالأرض، وهذا كلامٌ مدمج بعضه في بعض، واردٌ على أسلوبٍ عجيبٍ ونمطٍ بديع؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يكون دليلاً. وهو تبع الإمام في قوله: "إنه تعالى علق الرؤية على أمرٍ جائز، والمعلق على الجائز جائز، فيلزم كون الرؤية في نفسها جائزة".
قلت: وأما قوله: "كأنه عز وعلا حقق عند طلب الرؤية ما مثله عند نسبة الولد"، فمن الإغراق والمبالغة التي تؤدي إلى أن طلب الرؤية أعظم من نسبة الولد إلى الله.
ولعمري، إنه كيف ذاق مع هذه الآية قوله: (تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وتَنشَقُّ الأَرْضُ وتَخِرُّ الجِبَالُ هَدًا) [مريم: ٩٠] من تكرير الأفعال، وإخراج كل على ما يناسبه.
وفي إبهام الضمير في (منه)، وإبداله لقوله: (أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا) [مريم: ٩١] من الفخامة والهيبة ما لا يخفى على البليغ، بخلاف هذا التعليق، فإنه كالتمهيد لإثبات الرؤية، كما يعطيه الذوق! وعليه كلام الأئمة. وأيضاً إن نسبة الولد إلى الله تعالى منسوب إلى أجهل الخلق وأضلهم، وطلب الرؤية منسوب إلى أفضل الخلق وأهداهم. فأين هذا من ذاك؟
قوله: (وهذا كلام مدمج بعضه في بعض)، الأساس: "دمج الشيء دموجاً، واندمج اندماجاً: إذا استحكم والتأم. ومن المجاز: أدمج كلامه: أتى به متراصف النظم".
وفي الاصطلاح: هو أن يضمن كلام سيق لوصفٍ وصفاً آخر.
стр. 2974
ألا ترى كيف تخلص من النظر إلى النظر بكلمة الاستدراك؟ ثم كيف بنى الوعيد بالرجفة الكائنة بسبب طلب النظر على الشريطة في وجود الرؤية؟ أعني قوله: (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال ابن نباتة:
فلابد لي من جهلةٍ في وصاله … فمن لي بخل أودع الحلم عنده
فإنه تعالى لما منع المشتاق الهائم عن مطلوبه، أشار إلى ما لا يقطع طمعه، ولا ييأس من متوخاه، بطريق يرمز إلى الموعد، يعني: إن الدنيا لا تصلح لما تطلبه، لأنها في شرف الزوال والهلاك؛ ألا ترى إلى أعظم الأشياء فيها رسوخاً، لم يثبت عند بعض التجلي، وإن الآخرة لهي الحيوان، فالموعد هناك.
فعلم من هذا التقرير أن الكلام إنما يكون مدمجاً، إذا أشير فيه إلى إثبات الرؤية، لا إلى نفيها، فإنه حينئذٍ يكون تذييلاً.
قوله: (ألا ترى كيف تخلص من النظر إلى النظر): التخلص اصطلاحاً: "هو الخروج في الكلام من معنى إلى معنى لا يناسبه، برابطة مناسبة لهما". وهذا المعنى أنسب لتأويلنا من تأويله، فإن الخروج من نفي الرؤية إلى إثباتها بواسطة الاستدراك، هو المعنى بالتخلص، لا من نفيها إلى نفيها.
قوله: (ثم كيف بني الوعيد بالرجفة الكائنة؟ ): يعني: أراد أن يوعده بالرجفة التي هي
стр. 2975
(فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ): فلما ظهر له اقتداره وتصدى له أمره وإرادته (جَعَلَهُ دَكًّا) أي: مدكوكاً مصدر بمعنى: مفعول كضرب الأمير.
و"الدكُّ" و"الدقُّ" أخوان، كالشك والشق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مسببة عن طلب الرؤية، ومكافأة عنه، وهي قوله: (وخر موسى صعقا)، بنى هذا الوعيد على شريطة وجود الرؤية عند استقرار الجبل، حتى حرضه على النظر إلى ما يحصل منه وعيده.
تلخيصه: لن تراني، ولكن انظر إلى ما يحصل لك فيه مكافأتك في هذا الطلب. وفي هذا التحريض والتوكيد إشعار بأن الطلب لم يكن إلا لنفسه ﵇، ثم إنه تكلف في الجواب عن معنى الاستدراك أساليب وفنوناً من البديع: الإغراق في الوصف، والإدماج، والتخلص، وبناء الوعيد على الشريطة! والمعنى، على ما سبق من قول ابن عباسٍ ﵄.
قوله: (فلما ظهر له اقتداره، وتصدى له أمره وإرادته) أي: مثل لظهور اقتداره وتعلق إرادته، بدك الجبل قوله: (تجلى ربه)، لا أن ثم تجلياً، كما قرره في قوله: (أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [يس: ٨٢] أن المراد: "ما قضاه وأراد كونه يدخل تحت الوجود، من غير توقف"، لا أن ثمة قول.
стр. 2976
وقرئ: (دكاء)، والدكاءُ: اسم للرابية الناشزة من الأرض كالدكة، أو أرضاً دكاء مستوية، ومنه قولهم: ناقةٌ دكاء متواضعة السنام، وعن الشعبي: قال لي الربيع بن خُثيم: ابسط يدك دكاء، أي: مدّها مستوية. وقرأ يحيى بن وثاب: "دُكاً" أي: قطعاً دُكاً؛ جمع دُكاء، (وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً) من هول ما رأى. وصعق: من باب: فعلته فَفَعِلَ. يقال: صعقته فصعق، وأصله من الصاعقة. ويقال لها الصاقعة؛ من صقعه: إذا ضربه على رأسه، ومعناه: خرّ مغشياً عليه غشيةً كالموت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال صاحب "الفرائد": هذا المعنى غير مفهوم من الآية، لأن "تجلى" مطاوع "جليته" أي: أظهرته. يقال: جليته فتجلى، أي: أظهرته فظهر، ولا يقدر: تجلى اقتداره، لأنه خلاف الأصل.
قال الإمام: "لا يجوز هذا التقدير، لأن المقصود من الكلام أن موسى لن يطيق رؤية الله، بدليل أن الجبل بعظمته، لما رأي الله اندك. ويجوز أن يخلق الله تعالى له حياةً وسمعاً وبصراً، كما جعله محلا لخطابه، بقوله: (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) [سبأ: ١٠]، وكما جعل الشجرة محلا للكلام. وكل هذا لا يحيله من يؤمن بأن الله على كل شيء قدير.
قوله: (وقرئ: "دكاء"): حمزة والكسائي: بالمد والهمز من غير تنوين، والباقون: بالتنوين من غير همز.
стр. 2977
وروي: أنّ الملائكة مرّت عليه وهو مغشيٌّ عليه، فجعلوا يلكزونه بأرجلهم ويقولون: يا ابن النساء الحيض، أطمعت في رؤية رب العزة؟
(فَلَمَّا أَفاقَ) من صعقته، (قالَ سُبْحانَكَ): أنزهك مما لا يجوز عليك من الرؤية وغيرها، (تُبْتُ إِلَيْكَ) من طلب الرؤية (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) بأنك لست بمرئيٍّ ولا مُدركٍ بشيءٍ من الحواس.
فإن قلت: فإن كان طلب الرؤية للغرض الذي ذكرته، فممّ تاب؟ قلت: من إجرائه تلك المقالة العظيمة - وإن كان لغرضٍ صحيحٍ- على لسانه، من غير إذنٍ فيه من الله تعالى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((سبحانك): أنزهك مما لا يجوز عليك من الرؤية) إلى قوله: (ولا مدركٍ بشيءٍ من الحواس): الزيادات التي ذكرها: تقييد من غير دليل.
قال الإمام: "الرؤية كانت جائزة، إلا أن موسى ﵇ سألها بغير إذن، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، فكانت التوبة لهذا المعنى".
قال في "الانتصاف": "أما تسبيح موسى ﵇ فلما تبين له من أن العلم قد سبق بعدم وقوع الرؤية في الدنيا، والله تعالى مقدس عن وقوع خلاف معلومه، وأما التوبة في حق الأنبياء فلا يلزم أن تكون عن ذنب، لأن منزلتهم العلية تصان عن كل ما يحط عن مرتبة الكمال. وكان عليه أن يتوقف في سؤال الرؤية على الإذن، فترك الأولى. وقد ورد: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
стр. 2978
فانظر إلى إعظام الله تعالى أمر الرؤية في هذه الآية، وكيف أرجف الجبل بطالبيها وجعله دكاً، وكيف أصعقهم ولم يخل كليمه من نفيان ذلك؛ مبالغةً في إعظام الأمر، وكيف سبح ربه ملتجئاً إليه، وتاب من إجراء تلك الكلمة على لسانه، وقال: "أنا أول المؤمنين"، ثم تعجب من المتسمين بالإسلام المتسمين بأهل السنة والجماعة، كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهباً، ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة، فإنه من منصوبات أشياخهم، والقول ما قال بعض العدلية، فيهم:
لجماعة سموا هواهم سنّةً … وجماعة حمر لعمري موكفه
قد شبّهوه بخلقه وتخوّفوا … شنع الورى فتستّروا بالبلكفه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما دك الجبل فلأن الله أظهر له أثراً من الملكوت، ولا تستقر الدنيا لإظهار شيء من الملكوت. هذا هو المأثور عن السلف".
قوله: (من نفيان ذلك)، الجوهري: "نفي الريح: ما تنفي في أصول الشجر من التراب ونحوه. والنفيان مثله. ونفي المطر: ما ينفيه ويرشه، وكذلك ما تطاير من الرشاء على ظهر الماتح".
قوله: (من المتسمين بالإسلام) بتشديد التاء: من الاتسام، و"المتسمين" بتشديد الميم: من التسمي، مطاوع التسمية.
قوله: (بالبلكفة) نحو: البسلمة والحيعلة، أي: القائلين بأن الرؤية تحصل بلا كيف.
وفي بعض الحواشي: البلكفة: قول القائل: بل كفى في إمكان الرؤية تعليقها بشرطٍ ممكن، وهو استقرار الجبل من حيث هو هو.
стр. 2979
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"الموكفة": من الإكاف: وهو البرذعة. أجاب بعض أهل السنة:
عجباً لقومٍ ظالمين تلقبوا … بالعدل ما فيهم لعمري معرفة
قد جاءهم من حيث لا يدرونه … تعطيل ذات الله مع نفي الصفة
وقال صاحب "الانتصاف":
وجماعةٍ كفروا برؤية ربهم … هذا ووعد الله ما لن يخلفه
وتلقبوا عدلية، قلنا: أجل … عدلوا بربهم فحسبهم سفه
وتلقبوا الناجين، كلا إنهم … إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه
стр. 2980
وتفسير آخر: وهو أن يريد بقوله: (أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ): عرّفني نفسك تعريفاً واضحاً جلياً، كأنها إراءةٌ في جلائها، بآيةٍ مثل آيات القيامة التي تضطر الخلق إلى معرفتك، (أَنْظُرْ إِلَيْكَ): أعرفك معرفة اضطرار، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تاب الله عليهم.
قوله: (وتفسير آخر): وقريب من هذا التفسير ما نقله الزجاج: "أرني أمراً عظيماً، لا يرى مثله في الدنيا مما لا يحتمله أحد. فأعلمه الله تعالى أنه لن يرى ذلك الأمر، وأن معنى (تجلى ربه للجبل): تجلى أمر ربه".
ثم قال الزجاج: "هذا خطأ لا يعرفه أهل اللغة ولا في الكلام دليل على ذلك، ولأنه قد أراه الله تعالى من الآيات ما لا غاية لنا بعده؛ أراه العصا ثعباناً، ويده بيضاء، وغيرهما مما يستغني به عن أن يطلب أمراً من الله عظيماً لكن لما سمع كلام الله، أحب أن يراه، فأعلم الله تعالى أنه لن يراه".
واعترض عليه أبو علي الفارسي في كتاب "الإصلاح"، فقال: "أما قوله: "لا يعرفه
следующие страницы →