Полный текст (9 345 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
وقرئ: (دكاء)، والدكاءُ: اسم للرابية الناشزة من الأرض كالدكة، أو أرضاً دكاء مستوية، ومنه قولهم: ناقةٌ دكاء متواضعة السنام، وعن الشعبي: قال لي الربيع بن خُثيم: ابسط يدك دكاء، أي: مدّها مستوية. وقرأ يحيى بن وثاب: "دُكاً" أي: قطعاً دُكاً؛ جمع دُكاء، (وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً) من هول ما رأى. وصعق: من باب: فعلته فَفَعِلَ. يقال: صعقته فصعق، وأصله من الصاعقة. ويقال لها الصاقعة؛ من صقعه: إذا ضربه على رأسه، ومعناه: خرّ مغشياً عليه غشيةً كالموت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال صاحب "الفرائد": هذا المعنى غير مفهوم من الآية، لأن "تجلى" مطاوع "جليته" أي: أظهرته. يقال: جليته فتجلى، أي: أظهرته فظهر، ولا يقدر: تجلى اقتداره، لأنه خلاف الأصل.
قال الإمام: "لا يجوز هذا التقدير، لأن المقصود من الكلام أن موسى لن يطيق رؤية الله، بدليل أن الجبل بعظمته، لما رأي الله اندك. ويجوز أن يخلق الله تعالى له حياةً وسمعاً وبصراً، كما جعله محلا لخطابه، بقوله: (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) [سبأ: ١٠]، وكما جعل الشجرة محلا للكلام. وكل هذا لا يحيله من يؤمن بأن الله على كل شيء قدير.
قوله: (وقرئ: "دكاء"): حمزة والكسائي: بالمد والهمز من غير تنوين، والباقون: بالتنوين من غير همز.
стр. 2977
وروي: أنّ الملائكة مرّت عليه وهو مغشيٌّ عليه، فجعلوا يلكزونه بأرجلهم ويقولون: يا ابن النساء الحيض، أطمعت في رؤية رب العزة؟
(فَلَمَّا أَفاقَ) من صعقته، (قالَ سُبْحانَكَ): أنزهك مما لا يجوز عليك من الرؤية وغيرها، (تُبْتُ إِلَيْكَ) من طلب الرؤية (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) بأنك لست بمرئيٍّ ولا مُدركٍ بشيءٍ من الحواس.
فإن قلت: فإن كان طلب الرؤية للغرض الذي ذكرته، فممّ تاب؟ قلت: من إجرائه تلك المقالة العظيمة - وإن كان لغرضٍ صحيحٍ- على لسانه، من غير إذنٍ فيه من الله تعالى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((سبحانك): أنزهك مما لا يجوز عليك من الرؤية) إلى قوله: (ولا مدركٍ بشيءٍ من الحواس): الزيادات التي ذكرها: تقييد من غير دليل.
قال الإمام: "الرؤية كانت جائزة، إلا أن موسى ﵇ سألها بغير إذن، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، فكانت التوبة لهذا المعنى".
قال في "الانتصاف": "أما تسبيح موسى ﵇ فلما تبين له من أن العلم قد سبق بعدم وقوع الرؤية في الدنيا، والله تعالى مقدس عن وقوع خلاف معلومه، وأما التوبة في حق الأنبياء فلا يلزم أن تكون عن ذنب، لأن منزلتهم العلية تصان عن كل ما يحط عن مرتبة الكمال. وكان عليه أن يتوقف في سؤال الرؤية على الإذن، فترك الأولى. وقد ورد: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
стр. 2978
فانظر إلى إعظام الله تعالى أمر الرؤية في هذه الآية، وكيف أرجف الجبل بطالبيها وجعله دكاً، وكيف أصعقهم ولم يخل كليمه من نفيان ذلك؛ مبالغةً في إعظام الأمر، وكيف سبح ربه ملتجئاً إليه، وتاب من إجراء تلك الكلمة على لسانه، وقال: "أنا أول المؤمنين"، ثم تعجب من المتسمين بالإسلام المتسمين بأهل السنة والجماعة، كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهباً، ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة، فإنه من منصوبات أشياخهم، والقول ما قال بعض العدلية، فيهم:
لجماعة سموا هواهم سنّةً … وجماعة حمر لعمري موكفه
قد شبّهوه بخلقه وتخوّفوا … شنع الورى فتستّروا بالبلكفه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما دك الجبل فلأن الله أظهر له أثراً من الملكوت، ولا تستقر الدنيا لإظهار شيء من الملكوت. هذا هو المأثور عن السلف".
قوله: (من نفيان ذلك)، الجوهري: "نفي الريح: ما تنفي في أصول الشجر من التراب ونحوه. والنفيان مثله. ونفي المطر: ما ينفيه ويرشه، وكذلك ما تطاير من الرشاء على ظهر الماتح".
قوله: (من المتسمين بالإسلام) بتشديد التاء: من الاتسام، و"المتسمين" بتشديد الميم: من التسمي، مطاوع التسمية.
قوله: (بالبلكفة) نحو: البسلمة والحيعلة، أي: القائلين بأن الرؤية تحصل بلا كيف.
وفي بعض الحواشي: البلكفة: قول القائل: بل كفى في إمكان الرؤية تعليقها بشرطٍ ممكن، وهو استقرار الجبل من حيث هو هو.
стр. 2979
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"الموكفة": من الإكاف: وهو البرذعة. أجاب بعض أهل السنة:
عجباً لقومٍ ظالمين تلقبوا … بالعدل ما فيهم لعمري معرفة
قد جاءهم من حيث لا يدرونه … تعطيل ذات الله مع نفي الصفة
وقال صاحب "الانتصاف":
وجماعةٍ كفروا برؤية ربهم … هذا ووعد الله ما لن يخلفه
وتلقبوا عدلية، قلنا: أجل … عدلوا بربهم فحسبهم سفه
وتلقبوا الناجين، كلا إنهم … إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه
стр. 2980
وتفسير آخر: وهو أن يريد بقوله: (أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ): عرّفني نفسك تعريفاً واضحاً جلياً، كأنها إراءةٌ في جلائها، بآيةٍ مثل آيات القيامة التي تضطر الخلق إلى معرفتك، (أَنْظُرْ إِلَيْكَ): أعرفك معرفة اضطرار، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تاب الله عليهم.
قوله: (وتفسير آخر): وقريب من هذا التفسير ما نقله الزجاج: "أرني أمراً عظيماً، لا يرى مثله في الدنيا مما لا يحتمله أحد. فأعلمه الله تعالى أنه لن يرى ذلك الأمر، وأن معنى (تجلى ربه للجبل): تجلى أمر ربه".
ثم قال الزجاج: "هذا خطأ لا يعرفه أهل اللغة ولا في الكلام دليل على ذلك، ولأنه قد أراه الله تعالى من الآيات ما لا غاية لنا بعده؛ أراه العصا ثعباناً، ويده بيضاء، وغيرهما مما يستغني به عن أن يطلب أمراً من الله عظيماً لكن لما سمع كلام الله، أحب أن يراه، فأعلم الله تعالى أنه لن يراه".
واعترض عليه أبو علي الفارسي في كتاب "الإصلاح"، فقال: "أما قوله: "لا يعرفه
стр. 2981
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أهل اللغة"، ففاسد، وفشو هذا في اللغة، وكثرته واشتهاره أظهر وأوضح، وفي التنزيل ما لا يكاد ينحصر. منه قوله تعالى: (هَلْ يَنظُرُونَ إلاَّ أَن تَاتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أَوْ يَاتِيَ رَبُّكَ) [الأنعام: ١٥٨] يدل عليه قوله: (أَوْ يَاتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ) [النحل: ٣٣]. وكذا: (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) [الحشر: ٢]، (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ القَوَاعِدِ) [النحل: ٢٦] يدل عليه قوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) [النحل: ١]. وقوله: (فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ) [هود: ٦٣] يدل عليه قوله: (فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَاسِ اللَّهِ) [غافر: ٢٩].
وما أرى هذا الذي قاله إلا تحاملاً، ودافعه في اللغة كدافع الضروريات.
وأما دفعه أن يسأل موسى أمراً عظيماً، فإن ذلك مما لا ينكر منه على ما آتاه الله من الآيات، لأنهم كانوا يقترحون عليه الآيات مع هذه الآيات التي أوتيها ويسألونه إياها. ألا ترى إلى قولهم: (لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) [البقرة: ٥٥] و (لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ واحِدٍ) [البقرة: ٦٣]. فإذا جاز ذلك فلا وجه لإنكار أن موسى ﵇ سأل أمراً عظيماً، لاقتراح القوم، ويكون سؤاله جائزاً، ليؤتى ما يجوز إيتاؤه، ويعرفوا ما لا يجوز إيتاؤه، فيعلموا امتناعه".
وقلت - والله أعلم -:
أما الجواب عن الأول: فإن الزجاج لا ينكر حذف المضاف، وإنما ينكر أن المضاف هو أمر عظيم لا يرى مثله في الدنيا مما لا يحتمله أحد. فالحق أن المقام يأباه، وذلك أنه بين
стр. 2982
كأني أنظر إليك، كما جاء في الحديث: «سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر»، بمعنى: ستعرفونه معرفة جليةً هي في الجلاء كإبصاركم القمر إذا امتلأ واستوى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المقام، وهو أنه: "لما سمع كلام الله، أحب أن يراه" كما نقلنا عن الحسن ومحيي السنة، وبينا أن ذلك هو اقتضاء المقام.
ولا شك أن مقام الأنبياء، ونزول تجليات الجمال، يأبي طلب الأمر العظيم الذي لا يحتمله أحد، ويؤدي إلى الوعيد العظيم والتهديد، لأن الآيات الوارد فيها الأمر من القوارع والزواجر.
وأما الجواب عن الثاني: فإن كلامه مبني على أن القوم كانوا معه في هذه المرة، وقد أبطلناه غير مرة.
قوله: (كما جاء في الحديث): اعلم أن المصنف أدمج تأويل الحديث في تأويل الآية، لئلا يتمسك به مخالفوه. والحديث من رواية البخاري ومسلم والترمذي، عن أبي هريرة: أن الناس قالوا: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: "هل تمارون في الشمس، ليس دونها سحاب؟ " قالوا: لا. قال: "فإنكم ترونه كذلك".
وعن البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود، عن جرير بن عبد الله، قال: كنا عند رسول الله صلي الله عليه وسلم، فنظر إلى القمر ليلة البدر، وقال: "سترون ربكم عياناً، كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته".
стр. 2983
(قالَ لَنْ تَرانِي) أي: لن تُطيق معرفتي على هذه الطريقة، ولن تحتمل قوّتك تلك الآية المضطرة، (ولكن انظر إلى الجبل) فإني أورد عليه وأظهر له آيةً من تلك الآيات، فإن ثبت لتجليها واستقرّ مكانه ولم يتضعضع فسوف تثبت لها وتطبيقها، (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ): فلما ظهرت له آية من آيات قدرته وعظمته، (جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً) لعظم ما رأى، (فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ) مما اقترحت وتجاسرت، (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) بعظمتك وجلالك، وأن شيئاً لا يقوم لبطشك وبأسك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعن مسلم والترمذي، عن صهيب، أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله ﵎: "تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﵎".
قال صاحب "الجامع": "إنها الغاية القصوى في نعيم الآخرة، بلغنا الله منها ما نرجوه".
ومن رد هذه الروايات الصريحة الصحيحة، أو أولها بمدركته الركيكة، فقد غطى عين الشمس بعينه الضعيفة.
وسمعت بعض العارفين قدس سره: "نحن - معاشر السنة - هممنا مصروفة لنيل هذه البغية السنية. والمعتزلة على العكس، يجتهدون في الدفع، (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً) [الإسراء: ٨٤].
قوله: (المضطرة): هي اسم فاعل، كقولهم: "المغتاب - فض الله فمه - يأكل لحم المغتاب، ويشرب دمه".
стр. 2984
[(قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ)].
(إنِي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ): اخترتك على أهل زمانك وآثرتك عليهم، (بِرِسالاتِي) وهي أسفار التوراة، (وَبِكَلامِي): وبتكليمى إياك، (فَخُذْ ما آتَيْتُكَ): ما أعطيتك من شرف النبوة والحكمة، (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) على النعمة في ذلك فهي من أجل النعم. وقيل: خَرَّ موسى صعقاً يوم عرفة، وأُعطي التوراة يوم النحر.
فإن قلت: كيف قيل: (اصطفيتك على الناس) وكان هرون مصطفى مثله ونبياً؟ قلت: أجل، ولكنه كان تابعاً له وردءاً ووزيراً، والكليم: هو موسى ﵇، والأصيل في حمل الرسالة.
[(وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَامُرْ قَوْمَكَ يَاخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ* سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ* وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهي أسفار التوراة): أي: مجلداتها. الأساس: "حملوا أسفار التوراة، وله سفر من الكتاب، وسفر الكتاب: كتبه، والكرام السفرة: الكتبة".
قوله: (فهي من أجل النعم): الفاء للتسبب، لأن قوله تعالى: (وكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ) من باب المبالغة، أي: كن بليغ الشكر، أي: معدوداً في عداد الشاكرين، بأن تكون لك مساهمة كاملة فيهم، لأن النعمة، وهي شرف النبوة والحكمة، من أجل النعم.
стр. 2985
ذكروا في عدد الألواح وفي جوهرها وطولها: أنها كانت عشرة ألواحٍ، وقيل: سبعة، وقيل: لوحين، وأنها كانت من زمرّدٍ أخضر، جاء بها جبريل ﵇. وقيل: من زبرجدةٍ خضراء وياقوتةٍ حمراء. وقيل: أمر الله موسى بقطعها من صخرةٍ صماء لينها له، فقطعها بيده، وشقها بأصابعه. وعن الحسن: كانت من خشبٍ نزلت من السماء فيها التوراة، وأن طولها كان عشرة أذرع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (زمرد) بضمتين، والراء مضمومة مشددة، والدال معجمة: معرب، عن الجوهري.
قوله: (زبرجدةٍ خضراء، وياقوتةٍ حمراء): الواو ليس للجمع، بل بمعنى "أو"، لما روى محيي السنة: "قال الكلبي: كانت الألواح من زبرجدةٍ خضراء، وقال سعيد بن جبير: كانت من ياقوت أحمر".
قوله: (وسقفها بأصابعه) أي: جعلها سقائف. الجوهري: "السقائف: ألواح السفينة، كل لوحٍ منها سقيفة".
وفي بعض النسخ: "شقفها" بالشين المعجمة.
قوله: (عشرة أذرع) الذراع يذكر ويؤنث.
стр. 2986
وقوله: (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) في محل النصب مفعول "كتبنا"، و (مَوْعِظَةً وتفصيلاً) بدلٌ منه. والمعنى: كتبنا له كل شيءٍ كان بنو إسرائيل محتاجين إليه في دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام.
وقيل أُنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير، يقرأ الجزء منه في سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى، ويوشع، وعزيرٌ، وعيسى ﵈.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((من كل شيءٍ) في محل النصب مفعول "كتبنا"، و (موعظة وتفصيلاً) بدل منه): قال الإمام: "لا شبهة في أن قوله: (من كل شيء) ليس على العموم، لأن المراد: كل شيء كانوا محتاجين إليه: من الحلال والحرام والمحاسن والقبائح، وهو على ضربين: أحدهما: ما يوجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية، من الوعد والوعيد، وهو الضرب الثاني. ولما قرر ذلك، أتبعه شرح أقسام الأحكام، وتفصيل الحلال والحرام".
قلت: و (من) على هذا: ابتدائية، أو زائدة، ويمكن أن تحمل على التبعيض وتكون (موعظة) وحدها بدلاً منه، و"تفصيلاً" عطفاً على محل الجار والمجرور. فيختلف جهتا كل من قوله: (كل شيءٍ) و"تفصيلاً"، ويأخذ كل من (موعظة وتفصيلاً) حقه، ولا تضيع فائدة اتصال لـ (كل شيء) الثاني بـ"تفصيلاً".
والمعنى: كتبنا بعض كل شيء في التوراة: من نحو السور والآيات وغيرهما (موعظة)، وكتبنا فيها تفصيل كل شيء يحتاجون إليه من الحلال والحرام، ونحوه.
وفيه وجوه من الفوائد، منها: اختصاص الإجمال والتفصيل بالموعظة، للإيذان بأن الاهتمام بها أشد، والعناية بها أتم، ولعمري هو كذلك، ومن ثم أكثر مدح النبي صلي الله عليه وسلم بالبشير النذير.
стр. 2987
وعن مقاتل: كتب في الألواح: إني أنا الله الرحمن الرحيم، لا تشركوا بي شيئاً، ولا تقطعوا السبيل، ولا تحلفوا باسمي كاذبين؛ فإنّ من حلف باسمي كاذباً فلا أزكيه، ولا تقتلوا ولا تزنوا، ولا تعقوا الوالدين.
(فَخُذْها) فقلنا له: "خذها"، عطفاً على "كتبنا"،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومنها: أن في جعل (من) تبعيضاً إشعاراً بأن الموعظة مما يجب أن يرجع إليه في كل أمر، ويكر به في كل سورة، بل في كل آية؛ ألا ترى أن أكثر الفواصل التنزيلية وارد على هذا النمط، نحو: (أفلا تتقون)، (أفلا تذكرون)، (أفلا تعقلون) ونحوها. وإلى سورة "الرحمن" كيف أعيد فيها ذكر (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، بعد كل إشارة، وذلك ليستأنف السامع به أذكاراً واتعاظاً، ويجدد به تنبيهاً واستيقاظاً، وأن تقرع لهم العصا مرات، وتقعقع لهم الشنان تارات.
ولما اشتمل الكلام على هذه المطالب عقبها بقوله: (فخذها بقوة)، أي: بصدق نية، وعزيمةٍ ماضية.
قوله: (فلا أزكيه) أي: فأنا لا أزكيه. كقوله تعالى: (فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا) [الجن: ١٣]، أي: فهو لا يخاف بخساً.
قوله: (فقلنا له: خذها) يعني: "فخذها"، على إضمار القول، فيكون عطفاً على "كتبنا".
стр. 2988
ويجوز أن يكون بدلاً من قوله: (فَخُذْ ما آتَيْتُكَ) [الأعراف: ١٤٤]، والضمير في (خُذْها) للألواح، أو لـ (كل شيء)، لأنه في معنى الأشياء، أو الرسالات، أو للتوراة. ومعنى (بِقُوَّةٍ): بجدّ وعزيمةٍ فعل أولي العزم من الرسل، (يَاخُذُوا بِأَحْسَنِها) أي: فيها ما هو حسنٌ وأحسن،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يكون بدلاً من قوله: (فخذ ما أتيتك)). والعطف على "كتبنا" أجرى على سنن البلاغة، لما يلزم في البدل من التعاظل والتراكب وفك النظم، لأن قوله تعالى: (وكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ) مع ما عقب به من قوله: (فخذها بقوة) معطوف على قوله: (قَالَ يَا مُوسَى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ) مع ما عقب به وهو: (فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ) على سبيل البيان والتفصيل، فلو جعل بدلاً، لدخل بين المعطوف والمعطوف عليه أجنبي.
والذي يدل على التفصيل بسط ما أجمل. قال أولاً: (إني اصطفيتك) ففصله بقوله: (وكتبنا له) على التعظيم. وقال: (بلاسالاتي وبكلامي) ففصله بقوله: (من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيءٍ). وقال: (فخذ ما أتيتك) ففصله بقوله: (فخذها بقوةٍ وأمر قومك). وقال: (وكن من الشاكرين) ففصله بقوله: (سأوريكم دار الفاسقين).
ويؤيده قول الزجاج: "قال الله تعالى: فخذ ما أعطيتك. ثم أعلم أنه أعطاه من كل شيء يحتاج إلى أمر الدين، فقال: (وكتبنا له في الألواح).
قوله: (فعل أولي العزم): نصب مفعول مطلق، أي: خذها أخذاً مثل أخذ أولي العزم من الرسل، مجدين صابرين ثابتين، لأنه إذا أخذها بضعف، أداه ذلك إلى الفتور.
قوله: (أي: فيها ما هو حسن وأحسن): اعلم أن كلام الله المجيد، بحسب كونه كلامه، كله حسن.
стр. 2989
كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر. فمرهم أن يحملوا على أنفسهم في الأخذ بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب، كقوله تعالى: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) [الزمر: ٥٥]. وقيل: يأخذوا بما هو واجبٌ أو ندب، لأنه أحسن من المباح. ويجوز أن يراد: يأخذوا بما أُمروا به، دون ما نهوا عنه، على قولك: الصيف أحرّ من الشتاء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روى محيي السنة عن قطرب: " (بأحسنها) أي: بحسنها، وكلها حسن".
وقلت: لكن بحسب أحوال المكلف، تتفاوت إلى الحسن والأحسن، والوجوه مبنية على هذا.
قوله: (كالاقتصاص والعفو): هذا يقوي ما أوردناه على كلامه في "البقرة"، عند قوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) [البقرة: ١٧٨]: "أن أهل التوراة كتب عليهم القصاص، وحرم العفو". ويخالف قوله بعدها في تفسير قوله تعالى: (ويَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ والأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) [الأعراف: ١٥٧]: "نحو بت القضاء بالقصاص، عمداً كان أو خطأ".
قوله: (أن يراد: أن يأخذوا بما أمروا به، دون ما نهوا عنه): يعني: أن التوراة مشتملة على الأمر والنهي، وعلى ما يجب فعله، وعلى ما ينبغي تركه. فقال: (بأحسنها)، أي: بأحسن ما فيها من الأمرين: من الفعل والترك، والمتروك لا يكون حسناً، وإنما هو على باب قولك: "الصيف أحر من الشتاء"، أي: الصيف أبلغ في بابه من الحرارة من الشتاء في بابه من البرودة. والمعنى: ما أمروا به أبلغ في بابه من الحسن مما نهوا عنه في بابه من القبح.
стр. 2990
(سَأورِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ) يريد دار فرعون وقومه وهي مصر، كيف أقفرت منهم ودمّروا لفسقهم، لتعتبروا، فلا تفسقوا مثل فسقهم فينكل بكم مثل نكالهم. وقيل منازل عادٍ وثمود والقرون الذين أهلكهم الله لفسقهم في ممرّكم عليها في أسفاركم. وقيل: دار الفاسقين: نار جهنم. وقرأ الحسن: "سأوريكم"، وهي لغةٌ فاشيةٌ بالحجاز. يقال: أورني كذا، وأوريته. ووجهه أن تكون من: أوريت الزند، كأن المعنى: بينه لي وأنره لأستبينه، وقرئ: "سأورثكم"، وهي قراءةٌ حسنةٌ يصححها قوله: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ) [الأعراف: ١٣٧].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الزجاج: "إنهم أمروا بالخير، ونهوا عن الشر، وعرفوا ما لهم وما عليهم، فقيل: (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) ".
قوله: (لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم): إشارة إلى أن قوله: (سأوريكم دار الفاسقين) توكيد لأمر بالأخذ بأحسن ما في التوراة، وبعث عليه.
وفي وضع الإراءة موضع الاعتبار إقامة للسبب مقام المسبب أيضاً مبالغة، كقوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُجْرِمِينَ) [النمل: ٦٩].
стр. 2991
(سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ) بالطبع على قلوب المتكبرين وخذلانهم، فلا يفكرون فيها ولا يعتبرون بها، غفلة وانهماكاً فيما يشغلهم عنها من شهواتهم.
وعن الفضيل بن عياضٍ: ذكر لنا عن رسول الله ﷺ : "إذا عظمت أمّتي الدنيا نزع عنها هيبةُ الإسلام، وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي".
وقيل: سأصرفهم عن إبطالها وإن اجتهدوا كما اجتهد فرعون أن يبطل آية موسى، بأن جمع لها السحرة، فأبى الله إلا علو الحق وانتكاس الباطل. ويجوز: سأصرفهم عنها وعن الطعن فيها والاستهانة بها وتسميتها سحراً بإهلاكهم .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي وضع (دار الفاسقين) موضع "أرض مصر" الإشعار بالعلية، والتنبيه على أن تخترزوا، ولا تستنوا بسنتهم من الفسق، وإليه الإشارة بقوله: "فلا تفسقوا مثل فسقهم". وفيه التفات أيضاً، لأن أصل الكلام: (وامُرْ قَوْمَكَ يَاخُذُوا بِأَحْسَنِهَا)، سأريهم دار الفاسقين، ليجدوا، ولا يتهاونوا في امتثال الأمر.
وعلى قراءة: "سأورثكم" بالثاء المثلثة، يكون تغليباً، لأن المعنى: سأورثك وقومك أرض مصر، فالجملة استئنافية، على سبيل التعليل للأمر، وعلى المشهورة: الخطاب مخصوص بالقوم، لأن المعنى: ليعتبروا ولا يفسقوا.
قوله: (سأصرفهم عن إبطالها وإن اجتهدوا): فعلى هذا: الكلام مع قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 2992
وفيه إنذارٌ للمخاطبين من عاقبة الذين يصرفون عن الآيات لتكبرهم وكفرهم بها، لئلا يكونوا مثلهم، فيسلك بهم سبيلهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيكون متصلاً بما سبق من قصتهم، وهي: (أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ ونَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) [الأعراف: ١٠٠]، فيكون إيراد قصة موسى وفرعون للاعتبار كما قال: "وإن اجتهدوا كما اجتهد فرعون"، فقوله: (وإن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا) الآية عطف على قوله: (يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ).
وعلى الأول الآية عامة، وعطف (وإن يروا) على (سأصرف) للتعليل، على منوال قوله: (ولَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وسُلَيْمَانَ عِلْمًا وقَالا الحَمْدُ لِلَّهِ) [النمل: ١٥] على رأي صاحب "المفتاح"، ولذلك جاء بالفاء في "فلا يفكرون فيها"، أي: سأصرف عن آياتي الغافلين المشتغلين بالدنيا، فلذلك لا يتفكرون في الآيات، ولا يعتبرون بها، ويجوز على هذا، أن يكون متصلاً بقوله: (وامُرْ قَوْمَكَ يَاخُذُوا بِأَحْسَنِهَا)، أي: الأمر كذلك، وأما الإرادة فإني سأصرف عن الأخذ بآياتي أهل الطبع والشقاوة.
قال الإمام: "واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الله قد يمنع عن الإيمان، ويصد عنه".
وفي "الوسيط": "سأصرفهم عن قبول آياتي، والتصديق بها، لعنادهم الحق".
стр. 2993
(بِغَيْرِ الْحَقِّ) فيه وجهان: أن يكون حالاً، بمعنى: يتكبرون غير محقين، لأنّ التكبر بالحق لله وحده، وأن يكون صلةً لفعل التكبر، أي: يتكبرون بما ليس بحق وما هم عليه من دينهم، (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ) من الآيات المنزلة عليهم (لا يُؤْمِنُوا بِها)، وقرأ مالك بن دينار: "وإن يروا" بضم الياء. وقرئ: (سبيل الرشد) و"الرشد" و"الرشاد"، كقولهم: السقم والسقم والسقام. وما أسفه من ركب المفازة، فإن رأى طريقاً مستقيماً أعرض عنه وتركه، وإن رأى معتسفاً مُردياً أخذ فيه وسلكه، ففاعل نحو ذلك في دينه أسفه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: (لأن التكبر بالحق لله تعالى): المعنى مقتبس من قوله صلوات الله عليه: "قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري. فمن نازعني في واحدٍ منهما قذفته في النار". أخرجه أبو داود عن أبي هريرة، وقريب منه أخرجه مسلم عن أبي سعيد.
قال الزجاج: "معنى (يتكبرون): يرون أنهم أفضل الخلق، وأن لهم من الحق ما ليس لغيرهم، وهذه الصفة لا تكون إلا لله تعالى خاصة، لأن الله له القدرة والفضل على الكمال، وليس لأحدٍ أن يتكبر، لأن الناس في الحقوق سواء".
قوله: (وما هم عليه من دينهم) عطف تفسيري على قوله: "ما ليس بحق"، فعلى هذا: (يتكبرون) بمعنى: يتعززون، أي: يتعززون بالباطل، وبما يؤديهم إلى الذل والهوان، ولا يرفعون للحق رأساً. فقوله: (وإن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا) مع ما عطف عليه مناسب بهذا الوجه.
قوله: (وقرئ: (سبيل الرشد) و"الرشد": حمزة والكسائي: بفتحتين، والباقون: بضم الراء وإسكان الشين، و"الرشاد": شاذ
стр. 2994
(ذلِكَ) في محل الرفع أو النصب؛ على معنى: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم، أو صرفهم الله ذلك الصرف بسببه، (وَلِقاءِ الْآخِرَةِ) يجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول به، أي: ولقائهم الآخرة ومشاهدتهم أحوالها، ومن إضافة المصدر إلى الظرف؛ بمعنى: ولقاء ما وعد الله في الآخرة.
[(وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ* وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ)].
(مِنْ بَعْدِهِ): من بعد فراقه إياهم إلى الطور.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله (من بعده): من بعد فراقه إياهم إلى الطور)، فيكون: (واتخذ قوم موسى) عطفاً على قوله: (وواعدنا موسى) [الأعراف: ١٤٢] عطف قصةٍ على قصة. وذلك أنه تعالى لما أخبر أن بني إسرائيل لما جاوزوا البحر، بعد إغراق فرعون، ورأوا قوماً يعكفون على أصنام لهم، فطلبوا من موسى ﵇ أن يجعل لهم إلهاً، أي: يتخذ لهم أصناماً مثل تلك الأصنام، ليعكفوا على عبادتها، كما كانوا عاكفين، وأجابهم نبي الله ذلك الجواب العنيف، أخبر بعد ذلك عن حاله ﵇ مع ربه وفراقه إياهم إلى الطور، وعن حال قومه بعده، وانتهازهم تلك الفرصة، لتحقيق متمناهم.
ويؤيد هذا التأويل ما رواه المصنف عن ابن جريج في وصف تلك الأصنام: "كانت تماثيل بقر"، وذلك أول شأن العجل، فعلى هذا الوجه يكون (واتخذ) مما يتعدى إلى مفعولين، وأن المعنى: "واتخذوا"، أي: العجل الموصوف إلهاً، كما تمنوا.
стр. 2995
فإن قلت: لم قيل: واتخذ قوم موسى عجلاً، والمتخذ هو السامري؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن ينسب الفعل إليهم، لأن رجلاً منهم باشره ووجد فيما بين ظهرانيهم، كما يقال: بنو تميمٍ قالوا كذا وفعلوا كذا، والقائل والفاعل واحد، ولأنهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به، فكأنهم أجمعوا عليه.
والثاني: أن يراد: واتخذوه إلهاً وعبدوه. وقرئ: (مِنْ حُلِيِّهِمْ) بضم الحاء والتشديد، جمع حلي، كثدي وثديّ، "ومن حليهم" بالكسر للإتباع كدلي، و"من حليهم" على التوحيد. والحلي: اسم لما يتحسن به من الذهب والفضة.
فإن قلت: لم قال: (من حليهم)، ولم يكن الحليّ لهم، إنما كانت عواري في أيديهم؟ قلت: الإضافة تكون بأدنى ملابسة، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي إفراد الضمير في (بعده) الدلالة على أن موسى ﵇ فارق القوم إلى الطور وحده، ولم يصحب معه أولئك السبعين، الذين طلبوا الرؤية كما زعم.
قوله: (فيما بين ظهرانيهم)، الجوهري: "يقال: هو نازل بين ظهريهم وظهرانيهم، بفتح النون".
النهاية: "وفي الحديث: "فأقاموا بين ظهرانيهم وبين أظهرهم"، أي: أنهم أقاموا بينهم، على سبيل الاستظهار والاستناد إليهم.
وزيدت فيه ألف ونون مفتوحة، تأكيداً، وقد مر في "البقرة" أبسط منه.
قوله: (وقرئ: (من حليهم) بالضم والكسر): حمزة والكسائي: بالكسر، والباقون: بالضم.
стр. 2996
وكونها عواري في أيديهم كفى به ملابسةً على أنهم قد ملكوها بعد المهلكين، كما ملكوا غيرها من أملاكهم. ألا ترى إلى قوله عزّ وعلا: (فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ* كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ) [الشعراء: ٥٧ - ٥٩].
(جَسَداً): بدناً ذا لحم ودم كسائر الأجساد. والخوار: صوت البقر، قال الحسن: إن السامري قبض قبضةً من ترابٍ من أثرِ فرس جبريل ﵇ يوم قطع البحر، فقذفه في العِجل، فكان عِجلاً له خُوار. وقرأ عليٌّ ﵁: "جؤار" بالجيم والهمزة، من جأر: إذا صاح، وانتصاب (جَسَدًا) على البدل من (عِجْلاً).
(أَلَمْ يَرَوْا) حين اتخذوه إلهاً أنه لا يقدر على كلامٍ ولا على هداية سبيل، حتى لا يختاروه على من لو كان البحر مداداً لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (على أنهم قد ملكوها): إعراض عن الجواب، ورد للسؤال، وأن الحلي كانت عواري في أيديهم، بل كانت ملكاً لهم، ملكوها كسائر ما ملكوا من فرعون وقومه.
قوله: ((جسداً): بدناً ذا لحم ودم)، الراغب: "الجسد كالجسم، لكنه أخص، قال الخليل: لا يقال: الجسد، لغير الإنسان من خلق الأرض ونحوه، وأيضاً فإن الجسد يقال لما له لون، والجسم يقال لما لا يبين له لون، كالماء والهواء، وقال تعالى: (ومَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لاَّ يَاكُلُونَ الطَّعَامَ) [الأنبياء: ٨] يشهد لما قال الخليل. وقال: (عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ) وقال: (وأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا) [ص: ٣٤]، وباعتبار اللون قيل للزعفران: جساد، وثوب مجسد: مصبوغ بالجساد، والمجسد: الثوب الذي يلي الجسد".
قوله: (حتى لا يختاره على من لو كان البحر مداداً لكلماته): يريد: أن قوله: (لا يُكَلِّمُهُمْ ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً) تعريض بالإله الحق، وبعلمه الشامل، وبهدايته الواضحة، ولو
стр. 2997
وهو الذي هدى الخلق إلى سبل الحق ومناهجه بما ركز في العقول من الأدلة، وبما أنزل في كتبه.
ثم ابتدأ فقالك (اتَّخَذُوهُ) أي: أقدموا على ما أقدموا عليه من الأمر المُنكر، (وَكَانُوا ظَالِمِينَ): واضعين كل شيءٍ في غير موضعه، فلم يكن اتخاذ العجل بدعاً منهم، ولا أول مناكيرهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جعله تعريضاً بالله تعالى وبكلامه مع موسى ﵇ وبهدايته لقومه، لأن المقام يقتضيه، كان أحسن.
قوله: (ثم ابتدأ فقال: (اتخذوه)): عطف على مقدر، يعني: ذكر الله تعالى ظلم القوم، وإيثارهم ما لا يكلمهم ولا يهديهم، على من لو كان البحر مداداً لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته، ومن هدى الخلق إلى سبيل الحق، ثم أراد أن يوصل به قوله: (وكانوا ظالمين) تذييلاً وتوكيداً لوضع الشيء في غير موضعه ابتداء، فقال: (اتخذوه)، وعلق به التذييل مزيداً للتبجيل. فقوله تعالى: (اتخذوه) كنايةً عن المذكور السابق، ولهذا قال: "أقدموا على ما أقدموا عليه".
وقوله: (فلم يكن اتخاذ العجل بدعاً منهم، ولا أول مناكيرهم) تقدير لمعنى التذييل.
стр. 2998
(وَلَمَّا سُقِطَ في اَيّدِيِهِمْ): ولما اشتدَّ نَدمهم وحسرتهم على عبادة العجل، لأن من شأن من اشتد ندمه وحسرته أن يعض يده غماً، فتصير يده مسقوطاً فيها، لأن فاه قد وقع فيها. و (سُقط) مسندٌ إلى (في أيديهم) وهو من باب الكناية.
وقرأ أبو السميفع: "سقط في أيديهم"، على تسمية الفاعل، أي: وقع العض فيها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((ولما سقط في أيديهم): ولما اشتد ندمهم): إنما قال: "اشتد" لأنه كناية عن "ندموا"، والكناية أبلغ. والأصل: سقط فوه في يده، لأن النادم يعض أنامله، ويقرع أسنانه عليها، ثم بني للمفعول، نحو مر بزيدٍ، وسير بعمرو.
وأما قراءة ابن السميفع: (سقط في أيديهم) على إضمار الفاعل، فوجهها أن يكون الفاعل أيضاً الفم، والذي شجعه على إضماره استمرار الاستعمال فيما لم يسم فاعله، واشتهاره في معنى الندم، وصيرورته مثلاً فيه. ومن ثم جسر الزجاج، حتى قال: "سقط الندم في أيديهم".
فإن قلت: قوله: "تشبيهاً لما يحصل في القلب وفي النفس بما يحصل في اليد ويرى بالعين" يؤذن بأنه من الاستعارة التمثيلية، فهل ينافي قوله: "وهو من باب الكناية"؟ قلت: لا، لأن الكناية الإيمائية عبارة عن أخذ الزبدة من مجموع الأشياء المتوهمة، فهي مسبوقة بالاستعارة التمثيلية، لأن الوجه في التمثيلية منتزع من عدة أمورٍ متوهمة، فإذا نزر إلى مفردات التركيب، قيل: استعارة، وهي مسبوقة بالتشبيه، وإذا نظر إلى زبدة المجموع من حيث هي هي، قيل: كناية إيمائية، وهي مسبوقة بالاستعارة.
стр. 2999
وقال الزجاج: معناه: سقط الندم في أيديهم، أي: في قلوبهم وأنفسهم، كما يقال: حصل في يده مكروه، وإن كان محالاً أن يكون في اليد، تشبيهاً لما يحصل في القلب وفي النفس، بما يحصل في اليد ويُرى بالعين، (ورأوا أنهم قد ضلوا): وتبينوا ضلالهم تبيناً كأنهم أبصروه بعيونهم. وقرئ: "لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا" بالتاء، و"ربنا" بالنصب على النداء، وهذا كلامُ التائبين، كما قال آدم وحواء ﵉: (وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا) [الأعراف: ٢٣].
[(وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَاسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "لئن لم ترحمنا ربنا"): حمزة والكسائي: بالتاء على الخطاب، ونصب الباء، والباقون: بالياء على الغيبة، ورفع الباء.
قوله: (وهذا كلام التائبين) لأن في ذكر الرب وتخصيص الرحمة والغفران الاستعطاف، وفي ذكر الخسران الهضم، ونحوه قول القائل:
إلهي، عبدك العاصي أتاكا … مقراً بالذنوب وقد دعاكا
стр. 3000
الأَسِف: الشديدُ الغضب؛ (فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ) [الزخرف: ٥٥]، وقيل: هو الحزين، (خَلَفْتُمُوني): قمتم مقامي وكنتم خلفائي من بعدي.
وهذا الخطاب إما أن يكون لعبدة العجل من السامري وأشياعه، أو لوجوه بني إسرائيل، وهم هارون ﵇ والمؤمنون معه، ويدل عليه قوله: (اخْلُفْنِي فيِ قَوْمِي) [الأعراف: ١٤٢]، والمعنى: بئس ما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله، أو حيثُ لم تكفوا من عَبَدَ غير الله.
فإن قلت: أين ما تقتضيه "بئس" من الفاعل والمخصوص بالذم؟ قلت: الفاعل مضمرٌ يفسره "ما خلفتموني"، والمخصوص بالذم محذوف، تقديره: بئس خلافةٌ خلفتمونيها من بعد خلافتكم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الأسف: الشديد الغضب) إلى قوله: (هو الحزين)، الراغب: "الأسف: الحزن والغضب معاً، وقد يقال لكل منهما على الإنفراد، وحقيقته ثوران دم القلب شهوة الانتقام، فمتى كان على من دونه، انتشر، فصار غضباً، ومتى كان على من فوقه، انقبض، فصار حزناً، ولذلك لما سئل ابن عباسٍ عن الحزن والغضب، فقال: مخرجهما واحد، واللفظ مختلف".
قوله: (الفاعل مضمر يفسره "ما خلفتموني")، قيل: إنما خص بالمضمر، لأن "ما خلفتموني" إما أن يكون فاعل "بئس" أو المخصوص بالذم، أو المفسر للفاعل المستكن في "بئس"، لا يجوز أن يكون فاعل "بئس"، لأن "ما خلفتموني" مفصل، وفاعل "بئس" يجب أن يكون مبهماً، ولا يجوز أن يكون المخصوص بالذم، لأنه يبقي "بئس" بلا فاعل، لأنه إنما يضمر فاعل "بئس" بشرط أن يعقبه المفسر، فبقي أن يكون مفسراً لفاعل "بئس" المضمر.
стр. 3001
فإن قلت: أي: معنى لقوله: (مِنْ بَعْدِي) بعد قوله: (خَلَفْتُمُونِي)؟ قلت: معناه: من بعد ما رأيتم مني؛ من توحيد الله، ونفي الشركاء عنه، وإخلاص العبادة له. أو: من بعد ما كنت أحمل بني إسرائيل على التوحيد، وأكفهم عما طمحت نحوه أبصارهم من عبادة البقر، حين قالوا: (اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ) [الأعراف: ١٢٨]. ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة المستخلف من بعده ولا يخالفوه، ونحوه: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) [مريم: ٥٩] أي: من بعد أولئك الموصوفين بالصفات الحميدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي معنى لقوله: (من بعدي)، بعد قوله: (خلفتموني))، يريد أن الخليفة هو الذي يخلف المنوب فيما كان قائماً فيه بعد تخلفه، فلفظ (بعدي) كالتكرير.
وخلاصة الجواب أنه من باب قوله تعالى: (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ) [النحل: ٢٦]، ومعلوم أن السقف لا يكون إلا من فوق، وفائدة ذكره تصوير حالة الخرور في الذهن وما يتصل منه إلى المخرور عليه، تهويلاً وتخويفاً، وكذلك قال: (من بعدي) تصويراً لمعنى نيابة المستخلف، ومزاولة سيرته، وسلوك هديه. ولذلك قال: "ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة المستخلف من بعده".
ولما كان جل هدي الأنبياء وسمتهم، الدعوة إلى التوحيد، والأمر بالعبادة بالإخلاص، والنهي عن الشرك والرذائل، قال مرة: "ما رأيتم مني من توحيد الله وإخلاص العبادة له"، وأخرى: "من بعد ما كنت أحمل بني إسرائيل على التوحيد، والنهي عن عبادة البقر".
ولما كان ديدن أصحاب الأنبياء محافظة الصلوات، والاعتزال عن ملاذ الدنيا وشهواتها، استشهد بقوله: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) [مريم: ٥٩]. فقوله:
стр. 3002
يقال: عجل عن الأمر: إذا تركه غير تام، ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره، ويضمن معنى "سبق" فيتعدى تعديته، فيقال: عجلت الأمر، والمعنى: أعجلتم عن أمر ربكم، وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به، فبنيتم الأمر على أن الميعاد قد بلغ آخره ولم أرجع إليكم، فحدَّثتم أنفسكم بموتي، فغيرتم كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"من بعد ما رأيتم مني" بناءً على أن الخطاب مع عبدة العجل، وقوله: "ومن بعد ما كنت أحمل" بناءً على أن الخطاب مع وجوه بني إسرائيل.
قوله: (تم عليه)، الأساس: "تم على أمر: مضى عليه".
ونحوه: عجل عنه، في معنى: شرع فيه، ولم يتم.
"وأعجلته عن استلال سيفه: كلفته أن يعجله".
قوله: (وأعجله عنه غيره): عطف على قوله: "عجل عن الأمر: إذا تركه غير تام".
قوله: (وما وصاكم به) عطف على سبيل البيان على قوله: "عهده". ويؤيده رواية: "ما وصيتم به".
وقوله: "وهو انتظار موسى حافظين لعهده" من كلام المصنف؛ تفسير للأمر، اعتراض بين "أعجلتم" ومتعلقه، وهو: "فبنيتم". ويجوز أن يكون "وما وصاكم به" عطفاً على "أمر ربكم" على أن يكون من كلام موسى ﵇، وقوله: "وهو انتظار موسى حافظين لعهده" من كلام المصنف؛ معترض بين المعطوف والمعطوف عليه، فـ"الأمر" في (أعجلتم أمر ربكم): واحد الأمور والشؤون.
стр. 3003
وروي أنّ السامري قال لهم- حين أخرج لهم العجل وقال: (هذا إلهكم وإله موسى) [طه: ٨٨]-: إن موسى لن يرجع، وإنه قد مات.
وروي: أنهم عدّوا عشرين يوما بلياليها فجعلوها أربعين، ثم أحدثوا ما أحدثوا.
(وَأَلْقَى الْأَلْواحَ): وطرحها لما لحقه من فرط الدهش وشدّة الضجر عند استماعه حديث العجل، غضباً لله وحمية لدينه، وكان في نفسه حديداً شديد الغضب، وكان هارون ألين منه جانباً ولذلك كان أحبَّ إلى بني إسرائيل من موسى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الإمام: (أعجلتم أمر ربكم) أي: ميعاد ربكم، فلم تصبروا له. وعن الحسن: وعد ربكم الذي وعده من الأربعين. وقال عطاء: أعجلتم سخط ربكم؟ .
وهو المراد من قوله: "وهو انتظار موسى حافظين لعهده".
ويجوز أن يراد به: واحد الأوامر، أي: سبقتم ما أمر الله تعالى من انتظاري المدة المضروبة، يعني قول الله تعالى: انتظروا موسى أربعين يوماً حافظين لما وصاكم به، فقوله: "حافظين"، حال من فاعل المصدر المضاف إلى المفعول، وقيل: هو حال من فاعل "أعجلتم"، وليس بشيء.
قوله: (وروي أنهم عدوا عشرين يوماً): روى الإمام عن الحسن: "وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين".
وقلت: هذا الميعاد غير ميعاد الله تعالى لموسى ﵇ في قوله تعالى: (ووَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ) [الأعراف: ١٤٢]، لقرب ميعاد موسى قبل مضية إلى الطور، لقوله تعالى: (فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي) [الأعراف: ١٤٢]. وميعاد القوم عند مضية لقوله تعلى: (بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ).
стр. 3004
وروي: أن التوراة كانت سبعة أسباعٍ، فلما ألقى الألواح تكسرت، فرفع منها ستة أسباعها وبقي منها سبعٌ واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء، وفيما بقي الهدى والرحمة.
(وَأَخَذَ بِرَاسِ أَخِيهِ) أي: بشعر رأسه (يَجُرُّهُ إِلَيْهِ) بذؤابته، وذلك لشدّة ما ورد عليه من الأمر الذي استفزه وذهب بفطنته، وظنا بأخيه أنه فرط في الكف.
(ابْنَ أُمَّ) قرئ بالفتح تشبيها بـ"خمسة عشر"، وبالكسر على طرح ياء الإضافة، "وابن أمي"، بالياء، "وابن إمِّ" بكسر الهمزة والميم. وقيل: كان أخاه لأبيه وأمّه، فإن صح فإنما أضافه إلى الأم، إشارة إلى أنهما من بطنٍ واحد. وذلك أدعى إلى العطف والرقة، وأعظم للحق الواجب، ولأنها كانت مؤمنة فاعتدَّ بنسبها، ولأنها هي التي قاست فيه المخاوف والشدائد، فذكره بحقها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وروي أن التوراة كانت سبعة أسباع، فلما ألقى الألواح تكسرت، فرفع منها ستة أسباعها، وبقي منها سبع واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء، وفيما بقي الهدى والرحمة)، وروى محيي السنة: "فرفع ما كان فيه من أخبار الغيب، وبقي ما فيه من المواعظ والأحكام".
هذه الرواية منافية لما رواه قبل هذا: "أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير، يقرأ الجزء منه في سنة، لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى، ويوشع، وعزير، وعيسى".
ورواه محيي السنة عن الربيع بن أنس. وما ذلك إلا من قلة ضبط الرواة، وعدم إتقان الناقلين، جزى الله المحدثين خيراً.
قوله: (ابن أم) قرئ بالفتح)، ابن عامر وأبو بكرٍ والكسائي: بكسر الميم، والباقون: بفتحها.
стр. 3005
(إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي) يعني: أنه لم يأل جهداً في كفهم بالوعظ والإنذار، وبما بلغته طاقته من بذل القوة في مضادّتهم حتى قهروه واستضعفوه ولم يبق إلا أن يقتلوه (فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ): فلا تفعل بي ما هو أمنيتهم من الاستهانة بي والإساءة إليّ، وقرئ: "فلا يشمت بي الأعداء"، على نهي الأعداء عن الشماتة، والمراد أن لا يحل به ما يشمتون به لأجله، (وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ): ولا تجعلني في موجدتك عليّ وعقوبتك لي قريناً لهم وصاحباً. أو: ولا تعتقد أني واحد من الظالمين مع براءتي منهم ومن ظلمهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الزجاج: "من قرأ بالفتح، فلأن كثرة الاستعمال دعا إلى الخفة، وأن النداء مظنة الحذف، فجعلوا "ابن أم" شيئاً واحداً. ومن العرب من يقول: يا ابن أمي، بإثبات الياء".
قوله: (فلا تفعل بي ما هو أمنيتهم من الاستهانة)، الراغب: "الشماتة: الفرح ببلية من تعاديه ويعاديك، يقال: شمت به، فهو شامت، والتشميت: الدعاء للعاطس، كأنه إزالة الشماتة عنه بالدعاء له، فهو كالتمريض في إزالة المرض".
قوله: (في موجدتك)، الأساس: "وجد عليه موجدة: غضب عليه".
قوله: (أو: ولا تعتقد أني واحد من الظالمين) من باب الكناية، والفرق بين الوجهين هو أن في الوجه الأول قيد مطلق قوله: (ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ) بحالة الغضب، وإرادة الانتقام.
وفي الوجه الثاني أبقاه على إطلاقه، ولكن جعل "الجعل" بمعنى الاعتقاد من باب قوله تعالى: (وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إنَاثًا) [الزخرف: ١٩].
стр. 3006
لما اعتذر إليه أخوه وذكر له شماتة الأعداء (قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي)؛ ليرضي أخاه، ويظهر لأهل الشماتة رضاه عنه، فلا تتم لهم شماتتهم، واستغفر لنفسه مما فرط منه إلى أخيه، ولأخيه أن عسى فرط في حسن الخلافة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (واستغفر لنفسه .... ولأخيه إن عسى فرط في حسن الخلافة)، في التركيب إشكال، وهو أن "عسى" تقتضي أن يؤتى لها إما باسمٍ وخبر، وشرط الخبر أن يكون "أن" مع الفعل المضارع. وربما يستعمل بغير "أن" تشبيهاً لها بـ"كاد"، نحو قوله:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه … يكون وراءه فرج قريب
وقد يجئ خبرها اسماً منصوباً، للرجوع إلى أصله المتروك، نحو قولها: "عسى الغوير أبؤساً". وإما بـ"إن" والفعل خاصة، فيستغنى بذلك عن اسمٍ قبلها، نحو: "عسى أن يخرج زيد"، وهي في هذا التركيب غير واقعة على إحدى هذه الصور. فما وجهه؟ فيقال: لا شك أن أفعال المقاربة، وأفعال القلوب، والأفعال الناقصة، تشترك في معنى كونها من دواخل المبتدأ والخبر.
стр. 3007
وطلب أن لا يتفرقا عن رحمته، ولا تزال منتظمة لهما في الدنيا والآخرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال صاحب "اللباب": "ويتصل بهذه الأفعال "كان" وأخواتها، لأنها لا تتم بالمرفوع كلاماً". تم كلامه.
وكما جاز مجيء "كان" و"ظننت" زائدتين، في نحو قول الشاعر:
وجيرانٍ لنا كانوا كرامٍ
وقولهم: زيد ظني مقيم، كذا هذا، على أن الأخفش أجاز زيادة "كاد" مستدلا بقوله تعالى: (إنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا) [طه: ١٥].
فعلى هذا لا يبعد أن تكون "عسى" في تركيب "الكشاف" زائدة.
المعنى: واستغفر موسى لأخيه أن فرط في حسن الخلافة، ثم أقحم "عسى" لإعطاء تأكيد معنى "إن" الشرطية، وهو الخلو عن الجزم بوقوع الشرط.
قيل: فيه ضمير عائد إلى التفريط، وخبره محذوف، أي: عسى التفريط أن يكون حاصلاً.
قال ابن الحاجب في "شرح المفصل" في "التنازع": "إن خبر "عسى" قد يحذف".
قوله: (ولا تزال - أي: الرحمة - منتظمةً لهما في الدنيا والآخرة): هذا الدوام إنما يعطيه جعل الرحمة كالدار التي يدخلها أهلها وساكنوها، وتقييده بالجملة الاسمية، وهو قوله:
стр. 3008
[(إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ)].
(غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ) الغضب: ما أمروا به من قتل أنفسهم، والذلة: خروجهم من ديارهم، لأنّ ذل الغربة مثلٌ مضروب. وقيل: هو ما نال أبناءهم- وهم بنو قريظة والنضير- من غضب الله تعالى بالقتل والجلاء، ومن الذلة بضرب الجزية.
(الْمُفْتَرِينَ): المتكذبين على الله، ولا فرية أعظم من قول السامري: هذا إلهكم وإله موسى [طه: ٨٨] ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(وأنت أرحم الراحمين)، وهذا من أسلوب قوله: (وأصلح لي في ذريتي) [الأحقاف: ١٥].
قوله: (الغضب: ما أمروا به من قتل أنفسهم): قال محيي السنة: "هو قول أبي العالية".
وقلت: وهو مأخوذ من قوله تعالى: (فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) [البقرة: ٥٤] وذلك أنه تعالى لما بين أن القوم ندموا على عبادة العجل بقوله: (ولَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ورَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا)، والندم توبة، ولذلك عقبوه بقوله: (لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا ويَغْفِرْ لَنَا)، وذكر غضب موسى على أخيه ﵉ ثم استغفاره بقوله: (رَبِّ اغْفِرْ لِي ولأَخِي) - اتجه لسائلٍ أن يقول: يا رب إلى ماذا مصير ندم القوم وتوبتهم واستغفار نبي الله؟ وهل قبل الله توبتهم؟ فأجاب: (إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ)، أي: نعم، قبل توبة موسى وأخيه، وغفر له ولأخيه خاصة، وكان من تمام توبة القوم أن أمرهم الله تعالى بقتل أنفسهم، فوضع (الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ) موضع "القوم" إشعاراً بالعلية، والله أعلم.
стр. 3009
ويجوز أن يتعلق (في الحياة الدنيا) بـ"الذلة" وحدها، ويراد: سينالهم غضبٌ في الآخرة، وذلةٌ في الحياة الدنيا، (وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله) [البقرة: ٦١].
[(وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)].
(وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ) من الكفر والمعاصي كلها، (ثُمَّ تابُوا): ثم رجعوا، (مِنْ بَعْدِها) إلى الله واعتذروا إليه (وَآمَنُوا) وأخلصوا الإيمان، (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها): من بعد تلك العظائم، (لَغَفُورٌ): لستورٌ عليهم محاءٌ لما كان منهم، (رَحِيمٌ): منعم عليهم بالجنة، وهذا حكمٌ عامٌ يدخل تحته متخذو العجل ومن عداهم.
عظم جنايتهم أولاً ثم أردفها تعظيم رحمته،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يتعلق (في الحياة الدنيا) بـ"الذلة" وحدها): عطف من حيث المعنى على قوله: "الغضب: ما أمروا به من قتل أنفسهم"، لأنه - على الأول - متعلق بالغضب والذلة معاً.
قوله: (عظم جنايتهم أولاً): يعني جمع (السيئات) وعرفها باللام الاستغراقي، ثم أعادها بعد ذكر التوبة في قوله: (من بعدها)، وعطف "آمنوا" على (تابوا)، تعظيما للذنب، وعقب ذلك بوصف الربوية، ثم أعاد لفظ (بعدها) لشدة العناية، وأردفها بقوله: (لغفور رحيم) ليفيد تلك الفائدة التي ذكرها.
ومثله في المعنى، وتكرير "بعد" للطول، قوله تعالى: (ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وأَصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) [النحل: ١١٩].
стр. 3010
ليعلم أن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفوه وكرمه أعظم وأجل، ولكن لا بدّ من حفظ الشريطة، وهي وجوب التوبة والإنابة، وما وراءه طمعٌ فارغٌ وأشعبيةٌ باردة، لا يلتفت إليها حازم.
[(وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ)].
(وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ) هذا مثل، كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول له: قل لقومك كذا وألق الألواح، وجرّ برأس أخيك إليك، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء، ولم يستحسن هذه الكلمة ولم يستفصحها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ليعلم أن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفوة وكرمة أعظم وأجل)، أخذ هذا المعنى من أبي نواس:
يا رب، إن عظمت ذنوبي كثرةً … فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن … فبمن يلوذ ويستجير المجرم!
قوله: (وما رواءه طمع فارغ) تعريض بأهل السنة، وهم لا يمتنعون في هذه الآية من حفظ تلك الشريطة، لأن التوبة فيها مقترنة بالإيمان، مصحوبة به، والآية بجملتها تذييل لحديث عبدة العجل، وإنما الكلام في توبة المؤمن الموحد المرتكب للمعاصي.
قوله: (هذا مثل) أي: ليس بحقيقة، وهو استعارة مكنية مقارنة بالتخييلية.
شبه الغضب بإنسانٍ يغري موسى ﵇ ويقول له: افعل كذا وكذا، ثم يترك كلامه، ويترك الإغراء.
стр. 3011
كل ذي طبع سليم وذوقٍ صحيح إلا لذلك، ولأنه من قبيل شعب البلاغة، وإلا فما لقراءة معاوية بن قرة: "ولما سكن عن موسى الغضب"، لا تجد النفس عندها شيئاً من تلك الهزة، وطرفاً من تلك الروعة؟ ! وقرئ: "ولما سُكِّتَ". و"أُسْكِتَ"، أي: أسكته الله، أو أخوه باعتذاره إليه وتنصله، والمعنى: ولما طفئ غضبه. (أَخَذَ الْأَلْواحَ) التي ألقاها، (وَفِي نُسْخَتِها): وفيما نسخ منها، أي: كتب، والنسخة: فعلة بمعنى: مفعول، كالخطبة (لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) دخلت اللام لتقدم المفعول، لأن تأخر الفعل عن مفعوله يكسبه ضعفاً، ونحوه (لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ) [يوسف: ٤٣] وتقول: لك ضربت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجعلها صاحب "المفتاح" استعارةً تبعية، لأنه استعار لتفاوت الغضب عن اشتداده إلى السكون، إمساك اللسان عن الكلام.
والظاهر الأول.
قوله: (لا تجد النفس): حال من المجرور في "فما لقراءة معاوية"، كقولك: ما لك لا تضرب؟ !
قوله: (الروعة)، الأساس: "رعته، وروعته، وارتعت منه، وأصابته روعة الفراق. ومن المجاز: فرس رائع: يروع الرائي بجماله. وكلام رائع: رائق".
قوله: (وتنصله) وهو من: تنصل فلان من ذنبه: تبرأ.
قوله: (والنسخة: فعلة)، نون "فعلة" لأنه تابع لموزونها.
стр. 3012
[(وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِين* وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَامُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)].
(وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ) أي: من قومه، فحذف الجار وأوصل الفعل، كقوله:
ومنّا الّذى اختير الرّجال سماحةً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال ابن الحاجب: "هذه الأمثلة وضعت لموزونها أعلاماً، على الإيجاز، نحو: أسامة، على قول"، إلى قوله: "وإن كان موزونها مذكوراً معها، كقولك: وزن قائمة: فاعلة، منهم من يجعل له حكم نفسه، فلا يصرفه، ومنهم من يجعل له حكم الموزون فيصرفه". كذا في هذا المقام، لأن "النسخة" مصروفة.
قوله: (منا الذي اختير الرجال سماحةً): وأنشد الزجاج تمامه:
وجوداً إذا هب الرياح الزعازع
стр. 3013
قيل اختار من اثني عشر سبطاً، من كل سبطٍ ستةً، حتى تتاموا اثنين وسبعين، فقال: ليتخلف منكم رجلان، فتشاحوا، فقال: إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والبيت للفرزدق.
والزعازع: الرياح الشديدة، والأصل: اختير من الرجال، يصف قومه بالسماحة والجود، في فصل الشتاء، الذي فيه تنقطع الميرة عن أهل البوادي، وتعز الأقوات، ويعدم المرعى، فمن كان يجوز في ذلك الوقت، ففي غيره من الأوقات أجود.
وهو من أبيات "الكتاب".
وقيل: هذا البيت إذا روي: "ومنا" بالواو، يكون ظاهر التقطيع، وإن روي بغيرها يكون أخرم. فنقول: ومن نل / فعولن، لذي اختيرر / مفاعيلن. وكذا نقول: من نل / فعلن، لذي اختيرر / مفاعيلن. والباقي ظاهر.
قوله: (حتى تتاموا)، النهاية: "وفي الحديث: "تتامت إليه قريش"، أي: جاءته متوافرة متتابعة". الأساس: "اجتمعوا، فتتاموا عشرة".
стр. 3014
وروي: أنه لم يصب إلا ستين شيخاً، فأوحى الله تعالى إليه أن تختار من الشبان عشرة، فاختارهم فأصبحوا شيوخاً. وقيل: كانوا أبناء ما عدا العشرين، ولم يتجاوزوا الأربعين، قد ذهب عنهم الجهل والصبا، فأمرهم موسى أن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم، ثم خرج بهم إلى طور سينا، لميفات ربه، وكان أمره ربه أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى ودخل فيه وقال للقوم: ادنوا، فدنوا، حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سُجداً، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل.
ثم انكشف الغمام فأقبلوا إليه، فطلبوا الرؤية فوعظهم وزجرهم وأنكر عليهم، فقالوا: (يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) [البقرة: ٥٥]، فقال: (رب أرني أنظر إليك)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ثم انكشف الغمام، فأقبلوا إليه، فطلبوا الرؤية) إلى قوله: (فقال: (رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إلَيْكَ))، هذا التأويل مبني على أن هذه القصة هي القصة الأولى، وهي على خلاف نظم الآيات، وأقوال المفسرين.
أما نظم الآيات فظاهر. قال الإمام: "إنه تعالى ذكر قصة ميقات الكلام، وطلب الرؤية، ثم أتبعها بذكر قصة العجل وما يتصل بها. وظاهر الحال أن تكون هذه القصة مغايرةً القصة المتقدمة. ولا يليق بالفصاحة أن يذكر بعض القصة، ثم ينتقل إلى أخرى، ثم يرجع إلى القصة الأولى، فإنه يوجب نوعاً من الاضطراب. والأولى صون كلام الله المجيد عنه.
وأيضاً، إنه تعالى ذكر في القصة الأولى أنه خر موسى صعقاً، وجعل الجبل دكاً. وذكر في شأن القوم أخذتهم الرجفة دون موسى. وكيف يقال: إن أخذته الرجفة، وهو الذي قال: (لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي).
السفهاء؟ ولم يقل لو كانت الرجفة إنما حصلت بسبب طلب رؤيتهم، لقال: أتهلكنا بما يقوله "بما فعل"، والفعل هو عبادة العجل".
стр. 3015
يريد: أن يسمعوا الردّ والإنكار من جهته، فأجيب (لن تراني)، ورجف بهم الجبل فصعقوا. ولما كانت الرجعة (قالَ) موسى: (رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ)، وهذا تمنٍّ منه للإهلاك قبل أن يرى ما رأي: من تبعة طلب الرؤية، .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: وقال في "البقرة": (وإذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ) [البقرة: ٥٥ - ٥٦]، ولم يذكر فيه صعقة موسى ﵇ ولا طلب الرؤية منه.
وأما أقوال المفسرين، فقد روى محيي السنة عن السدي أنه قال: "أمر الله تعالى موسى ﵇ أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً، فلما أتوا ذلك المكان قالوا: (لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) [البقرة: ٥٥]، فأخذتهم الصاعقة".
وذكر في القصة الأولى: "أن الله تعالى أنزل ظلمة في سبعة فراسخ: فطرد عنه الشيطان، وهوام الأرض، وكشطت له السماء، فرأى الملائكة قياماً في الهواء، ورأى العرش بارزاً، وكلمه الله، وناجاه، فاستحلى كلام الله، واشتاق إلى رؤيته، فقال: (رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إلَيْكَ) ".
وكذا ذكر الواحدي، وابن الأثير في "التاريخ الكامل". ونعوذ بالله من إبطال الحق، وكيد الشيطان، وندعوه تعالى أن يتجاوز عن المصنف بالغفران.
قوله: ((لو شئت أهلكتهم من قبل وإيي)، وهذا تمن منه للإهلاك)، وطريقة إفادته
следующие страницы →