Полный текст (9 345 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
كل ذي طبع سليم وذوقٍ صحيح إلا لذلك، ولأنه من قبيل شعب البلاغة، وإلا فما لقراءة معاوية بن قرة: "ولما سكن عن موسى الغضب"، لا تجد النفس عندها شيئاً من تلك الهزة، وطرفاً من تلك الروعة؟ ! وقرئ: "ولما سُكِّتَ". و"أُسْكِتَ"، أي: أسكته الله، أو أخوه باعتذاره إليه وتنصله، والمعنى: ولما طفئ غضبه. (أَخَذَ الْأَلْواحَ) التي ألقاها، (وَفِي نُسْخَتِها): وفيما نسخ منها، أي: كتب، والنسخة: فعلة بمعنى: مفعول، كالخطبة (لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) دخلت اللام لتقدم المفعول، لأن تأخر الفعل عن مفعوله يكسبه ضعفاً، ونحوه (لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ) [يوسف: ٤٣] وتقول: لك ضربت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجعلها صاحب "المفتاح" استعارةً تبعية، لأنه استعار لتفاوت الغضب عن اشتداده إلى السكون، إمساك اللسان عن الكلام.
والظاهر الأول.
قوله: (لا تجد النفس): حال من المجرور في "فما لقراءة معاوية"، كقولك: ما لك لا تضرب؟ !
قوله: (الروعة)، الأساس: "رعته، وروعته، وارتعت منه، وأصابته روعة الفراق. ومن المجاز: فرس رائع: يروع الرائي بجماله. وكلام رائع: رائق".
قوله: (وتنصله) وهو من: تنصل فلان من ذنبه: تبرأ.
قوله: (والنسخة: فعلة)، نون "فعلة" لأنه تابع لموزونها.
стр. 3012
[(وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِين* وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَامُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)].
(وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ) أي: من قومه، فحذف الجار وأوصل الفعل، كقوله:
ومنّا الّذى اختير الرّجال سماحةً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال ابن الحاجب: "هذه الأمثلة وضعت لموزونها أعلاماً، على الإيجاز، نحو: أسامة، على قول"، إلى قوله: "وإن كان موزونها مذكوراً معها، كقولك: وزن قائمة: فاعلة، منهم من يجعل له حكم نفسه، فلا يصرفه، ومنهم من يجعل له حكم الموزون فيصرفه". كذا في هذا المقام، لأن "النسخة" مصروفة.
قوله: (منا الذي اختير الرجال سماحةً): وأنشد الزجاج تمامه:
وجوداً إذا هب الرياح الزعازع
стр. 3013
قيل اختار من اثني عشر سبطاً، من كل سبطٍ ستةً، حتى تتاموا اثنين وسبعين، فقال: ليتخلف منكم رجلان، فتشاحوا، فقال: إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والبيت للفرزدق.
والزعازع: الرياح الشديدة، والأصل: اختير من الرجال، يصف قومه بالسماحة والجود، في فصل الشتاء، الذي فيه تنقطع الميرة عن أهل البوادي، وتعز الأقوات، ويعدم المرعى، فمن كان يجوز في ذلك الوقت، ففي غيره من الأوقات أجود.
وهو من أبيات "الكتاب".
وقيل: هذا البيت إذا روي: "ومنا" بالواو، يكون ظاهر التقطيع، وإن روي بغيرها يكون أخرم. فنقول: ومن نل / فعولن، لذي اختيرر / مفاعيلن. وكذا نقول: من نل / فعلن، لذي اختيرر / مفاعيلن. والباقي ظاهر.
قوله: (حتى تتاموا)، النهاية: "وفي الحديث: "تتامت إليه قريش"، أي: جاءته متوافرة متتابعة". الأساس: "اجتمعوا، فتتاموا عشرة".
стр. 3014
وروي: أنه لم يصب إلا ستين شيخاً، فأوحى الله تعالى إليه أن تختار من الشبان عشرة، فاختارهم فأصبحوا شيوخاً. وقيل: كانوا أبناء ما عدا العشرين، ولم يتجاوزوا الأربعين، قد ذهب عنهم الجهل والصبا، فأمرهم موسى أن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم، ثم خرج بهم إلى طور سينا، لميفات ربه، وكان أمره ربه أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى ودخل فيه وقال للقوم: ادنوا، فدنوا، حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سُجداً، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل.
ثم انكشف الغمام فأقبلوا إليه، فطلبوا الرؤية فوعظهم وزجرهم وأنكر عليهم، فقالوا: (يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) [البقرة: ٥٥]، فقال: (رب أرني أنظر إليك)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ثم انكشف الغمام، فأقبلوا إليه، فطلبوا الرؤية) إلى قوله: (فقال: (رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إلَيْكَ))، هذا التأويل مبني على أن هذه القصة هي القصة الأولى، وهي على خلاف نظم الآيات، وأقوال المفسرين.
أما نظم الآيات فظاهر. قال الإمام: "إنه تعالى ذكر قصة ميقات الكلام، وطلب الرؤية، ثم أتبعها بذكر قصة العجل وما يتصل بها. وظاهر الحال أن تكون هذه القصة مغايرةً القصة المتقدمة. ولا يليق بالفصاحة أن يذكر بعض القصة، ثم ينتقل إلى أخرى، ثم يرجع إلى القصة الأولى، فإنه يوجب نوعاً من الاضطراب. والأولى صون كلام الله المجيد عنه.
وأيضاً، إنه تعالى ذكر في القصة الأولى أنه خر موسى صعقاً، وجعل الجبل دكاً. وذكر في شأن القوم أخذتهم الرجفة دون موسى. وكيف يقال: إن أخذته الرجفة، وهو الذي قال: (لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي).
السفهاء؟ ولم يقل لو كانت الرجفة إنما حصلت بسبب طلب رؤيتهم، لقال: أتهلكنا بما يقوله "بما فعل"، والفعل هو عبادة العجل".
стр. 3015
يريد: أن يسمعوا الردّ والإنكار من جهته، فأجيب (لن تراني)، ورجف بهم الجبل فصعقوا. ولما كانت الرجعة (قالَ) موسى: (رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ)، وهذا تمنٍّ منه للإهلاك قبل أن يرى ما رأي: من تبعة طلب الرؤية، .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: وقال في "البقرة": (وإذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ) [البقرة: ٥٥ - ٥٦]، ولم يذكر فيه صعقة موسى ﵇ ولا طلب الرؤية منه.
وأما أقوال المفسرين، فقد روى محيي السنة عن السدي أنه قال: "أمر الله تعالى موسى ﵇ أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً، فلما أتوا ذلك المكان قالوا: (لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) [البقرة: ٥٥]، فأخذتهم الصاعقة".
وذكر في القصة الأولى: "أن الله تعالى أنزل ظلمة في سبعة فراسخ: فطرد عنه الشيطان، وهوام الأرض، وكشطت له السماء، فرأى الملائكة قياماً في الهواء، ورأى العرش بارزاً، وكلمه الله، وناجاه، فاستحلى كلام الله، واشتاق إلى رؤيته، فقال: (رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إلَيْكَ) ".
وكذا ذكر الواحدي، وابن الأثير في "التاريخ الكامل". ونعوذ بالله من إبطال الحق، وكيد الشيطان، وندعوه تعالى أن يتجاوز عن المصنف بالغفران.
قوله: ((لو شئت أهلكتهم من قبل وإيي)، وهذا تمن منه للإهلاك)، وطريقة إفادته
стр. 3016
كما يقول النادم على الأمر إذا رأي: سوء المغبة: لو شاء الله لأهلكني قبل هذا.
(أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا) يعني: أتهلكنا جميعاً؟ يعني: نفسه وإياهم، لأنه إنما طلب الرؤية زجراً للسفهاء، وهم طلبوها سفهاً وجهلاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التمني أن "لو" لامتناع الشيء لامتناع غيره، فناسبت معنى التمني، لأنها لطلب غير الواقع واقعاً، وضم معها حصول ما يوجب الندم من تبعة طلب الرؤية، كما قال، فالمعنى: ليت مشيئتك تعلقت بإهلاكنا قبل.
وقلت: إنما ذهب إلى هذا المعنى ليوافق ما أسس عليه مذهبه، وهو خلاف الظاهر، لأن "لو" للامتناع، وإنما يتولد معنى التمني إذا اقتضاه المقام، وهاهنا المقام يقتضي ألا يهلكهم حينئذ، لقوله: (أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ)؟
قال محيي السنة: "لما رأوا الهيبة، أخذتهم الرعدة، فرحمهم موسى، وخاف عليهم الموت، واشتد عليه فقدهم، وكانوا له وزراء مطيعين، وذلك قوله: (رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ).
وقال القاضي: "عنى بقوله: (شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم): أنك قدرت على إهلاكهم قبل ذلك، بحمل فرعون عليهم، أو إغراقهم في البحر، فترحمت عليهم بالإنقاذ منها، فإن ترحمت عليهم مرة أخرى، لم يبعد من عميم إحسانك".
قوله: (سوء المغبة)، الجوهري: "غب كل شيء: عاقبته. وقد غبت الأمور، أي: صارت إلى أواخرها".
قوله: (يعني: أتهلكنا جميعاً؟ يعني: نفسه وإياهم): يريد أنه استبعد هلاك نفسه لإهلاك القوم، يدل عليه قوله: "لأنه إنما طلب الرؤية زجراً للسفهاء، وهم طلبوها سفهاً".
стр. 3017
(إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ) أي: محنتك وابتلاؤك حين كلمتني وسمعوا كلامك، فاستدلوا بالكلام على الرؤية استدلالاً فاسداً، حتى افتتنوا وضلوا (تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ): تُضلّ بالمحنة الجاهلين غير الثابتين في معرفتك، وتهدي العالمين بك الثابتين بالقول الثابت. وجعل ذلك إضلالاً من الله وهدىً منه، لأن محنته لما كانت سبباً لأن ضلوا واهتدوا فكأنه أضلهم بها وهداهم؛ على الاتساع في الكلام، (أَنْتَ وَلِيُّنا): مولانا القائم بأمورنا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال محيي السنة: " (أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا) يعن: عبدة العجل، ظن موسى أنهم عوقبوا باتخاذ بني إسرائيل العجل".
والظاهر أن الفاء في قوله: (فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) فصيحة، إذ التقدير: واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا، فحضروا الميقات، وقالوا: أرنا الله جهرة، فأخذتهم الرجفة، فلما أخذتهم الرجفة قال: "رب .... ".
يدل عليه ما في "البقرة": (وإذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ) [البقرة: ٥٥].
قوله: ((إن هي إلا فتنتك) أي: محنتك [وابتلاؤك] حين كلتني وسمعوا كلامك، فاستدلوا بالكلام على الرؤية): قال محيي السنة: " (إن هي إلا فتنتك)، أي: التي وقع فيها السفهاء".
وقال القاضي: "أوجدت في العجل خواراً، فزاغوا به".
стр. 3018
(وَاكْتُبْ لَنا): وأثبت لنا واقسم (فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً): عافيةً وحياةً طيبةً وتوفيقاً في الطاعة (وَفِي الْآخِرَةِ) الجنة، (هُدْنا إِلَيْكَ): تبنا إليك. وهاد إليه يهود: إذا رجع وتاب، والهود: جمع هائد، وهو التائب. ولبعضهم:
يا راكب الذّنب هدهد … واسجد كأنّك هدهد
وقرأ أبو وجرة السعدي: "هدنا إليك" بكسر الهاء، من هاده يهيده: إذا حرّكه وأماله. ويحتمل أمرين: أن يكون مبنياً للفاعل والمفعول بمعنى: حركنا إليك أنفسنا وأملناها، أو حرّكنا إليك وأملنا؛ على تقدير: فعلنا، كقولك: عدت يا مريض بكسر العين، فعلت؛ من العيادة. ويجوز: "عدت" بالإشمام، و"عدت" بإخلاص الضمة فيمن قال: عود المريض، وقول القول. ويجوز على هذه اللغة أن يكون (هُدْنا) بالضم: فعلنا؛ من هاده يهيده.
(عَذابِي) من حاله وصفته أني (أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ) أي: من وجب عليّ في الحكمة تعذيبه، ولم يكن في العفو عنه مساغٌ لكونه مفسدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: ثم قوله: (أَنتَ ولِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وارْحَمْنَا وأَنتَ خَيْرُ الغَافِرِينَ) شروع فيما جاء به وقومه من الاعتذار، على ما سبق قوله عن السدي، "إنه أمر الله تعالى موسى ﵇ أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل".
قوله: (ويحتمل أمرين)، أي: القراءة بكسر الهاء.
قوله: ((عذابي) من حاله وصفته أني (أصيب به من أشاء)) إلى آخره، يشير إلى أن هذا الجواب وارد على الأسلوب الحكيم، وهذا - أعني قوله: (عذابي أصيب به من أشاء
стр. 3019
وأمّا "رَحْمَتِي" فمن حالها وصفتها أنها واسعةٌ تبلغ كل شيء، ما من مسلمٍ ولا كافرٍ ولا مطيعٍ ولا عاصٍ إلا وهو متقلبٌ في نعمتي.
وقرأ الحسن: "من أساء" من الإساءة، فسأكتب هذه الرحمة كتبةً خاصةً منكم - يا بني إسرائيل - للذين يكونون في آخر الزمان من أمّة محمدٍ ﷺ ، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ورحمتي وسعت كل شيءٍ) - كالتمهيد للجواب، والجواب: (فسأكتبها).
طلب موسى ﵇ الغفران والرحمة والحسنة في الدارين، لنفسه ولأمته خاصة، بقوله: (واكتب لنا)، وتعليله بقوله: (إنا هدنا إليك). وأجابه تعالى: بأن تقييدك المطلق ليس من الحكمة، فإن عذابي من شأنه أنه تابع لمشيئتي، فإن أمتك، لو تعرضوا لما اقتضى الحكمة تعذيب من باشره، لا ينفعهم دعاؤك لهم، وإن رحمتي من شأنها أن تعم الخلق: صالحهم وطالحهم، مؤمنهم وكافرهم، فتخصيصك لأمتك بقوله: (واكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً) [الأعراف: ١٥٦] تحجر للواسع.
قوله: (فسأكتب هذه الرحمة كتبةً خاصة منكم يا بني إسرائيل)، "من" في "منكم": للذين يكونون.
وشاهد الاختصاص ترتب (فسأكتبها) على الأوصاف المتواليات، ومنها قوله: (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ والإنجِيلِ) الآية. ولا شك أن الموصوف بها لم يوجد إلا في زمن نبي الرحمة صلوات الله عليه ممن آمن منهم.
وأما تطبيق هذا الكلام على دعاء موسى ﵇ فإن قوله: (فسأكتبها) كالقول بالموجب، لأنه ﵇ جعل العلة الوصف بكونهم تائبين راجعين من الذنوب إليه، بقوله: (إنا هدنا إليك). ولما لم يكن الوصف كافياً قرره وضم معه الوصف بالتقوى،
стр. 3020
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبأداء الزكاة، والإيمان بجميع الكتب المنزلة، وسائر الآيات، ومتابعة النبي الأمي، حبيبه صلوات الله عليه.
يعني: الذي يوجب اختصاص الحسنتين معاً هذه الصفات المتعددة، لا التوبة المجردة، وجعل قوله: (عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) تمهيداً وتوطئة للجواب.
يعني: أن الحسنة الدنيوية عامة، فلا تختص بأمتك، فإن المؤمن والكافر، والبر والفاجر، يعيشون برحمته، وأما الحسنة الأخروية فمختصة بالمتقين، كما أن عذابي مصيب لمن لم يكن متقياً. ثم رتب على هذا التقرير بالفاء قوله: (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) إلى آخره.
وهو على منوال قوله تعالى جواباً عن قول إبراهيم ﵇: (ومن ذريتي)، أي: اجعل من ذريتي للناس إماماً (قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) [البقرة: ١٢٤].
ويؤيد هذا التقرير ما روى محيي السنة عن الحسن وقتادة: "وسعت رحمته في الدنيا البر والفاجر، وهي يوم القيامة للمتقين خاصة".
وأما قضية النظم فهو أنه تعالى لما أورد في هذه السورة قصص الأنبياء، وأحوال القرون الماضية، ومن جملتها قصة موسى ﵇، وأراد أن يتخلص منها إلى مدح سيد المرسلين، وقائد الغر المحجلين، حكى من موسى هذا الدعاء، ليورد عليه الجواب على
стр. 3021
الذين هم بجميع آياتنا وكتبنا يؤمنون، لا يكفرون بشيءٍ منها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأسلوب الحكيم، ويجعله تخلصاً إلى ذكر أمته صلي الله عليه وسلم ثم يتخلص من ذكرهم إلى مدحه صلوات الله عليه.
ولهذا قال صاحب "المثل السائر": "هذا من التخلصات الفائقة التي تسكر العقول، وتحير الأوهام".
وقلت: ما أحسن تعقيبه بقوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا)!
يعني: اسمعوا، أيها اليهود خاصة، هذا الدعاء والإجابة، واعلموا أن نبيكم وكتابكم شاهدان بأن اختصاص الحسنتين إنما يكون بالتقوى، وبمتابعة النبي الأمي المكتوب اسمه في التوراة والإنجيل، وهو تبكيت لليهود، وتنبيه لسائر الناس على افتراء اليهود أنه مبعوث إلى العرب خاصة. وذلك أن بعض اليهود كانوا يقولن: إنه مبعوث إلى العرب خاصة.
قال الزجاج: "هذا أبلغ الاحتجاج عليهم، لأنه إخبار بما في كتبهم. فمن لم يكتب، ولم يقرأ، ولم يسمع، فإيتاؤه بما في كتبهم من آياته العظام".
قوله: (هم بجميع آياتنا وكتبنا يؤمنون، لا يكفرون بشيءٍ منها) دل على الاختصاص:
стр. 3022
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ) الذي نوحي إليه كتاباً مختصاً به، وهو القرآن، (النَّبِيَّ): صاحب المعجزات، (الَّذِي يَجِدُونَهُ): يجد نعته أولئك الذين يتبعونه من بني إسرائيل، (مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ)، (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ): ما حُرِّم عليهم من الأشياء الطيبة، كالشحوم وغيرها، أو ما طاب في الشريعة والحكم، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التقديم، وعلى الاستغراق: جميع الآيات، وإضافتها إلى الله، وكون الكلام تعريضاً ببعض أمة موسى، وهم الذين أومى إليهم بقوله: (عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ) والله أعلم.
قوله: ((النبي): صاحب المعجزات)، إشارة إلى أنه تعالى جمع بين ذكر الرسول والنبي في الوصف، ولابد من المخالفة بين مفهوميهما، وذكر في سورة "مريم" أن "الرسول: هو الذي معه كتاب من الأنبياء، والنبي: الذي ينبئ عن الله، وإن لم يكن معه كتاب"، وإلى الأول الإشارة بقوله: (الذي نوحي إليه كتاباً مختصاً به"، وإلى الثاني بقوله: " (النبي): صاحب المعجزات"، لأنه لابد لكل من ادعى النبوة من معجزة، ليثبت دعواه بها.
قال الزجاج في قصة "شعيب": "وقد أخطأ القائل بقوله: لم يكن لشعيبٍ آية. ولو ادعى مدعٍ النبوة بغير آية، لم يقبل منه".
قال القاضي: "إنما سماه رسولاً بالإضافة إلى الله، ونبياً بالإضافة إلى العباد".
قوله: (أو ما طاب في الشريعة والحكم) عطف على قوله: "ما حرم عليهم من الأشياء"، والطيبات: إما بحسب ملاءمة الطبع من الأشياء المستلذة. وهي ما حرم الله عليهم، من
стр. 3023
مما ذُكر اسم الله عليه من الذبائح، وما خلى كسبه من السحت، (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ): ما يستخبث من نحو الدم والميتة ولحم الخنزير، وما أُهِلّ لغير الله به، أو ما خبث في الحكم، كالربا والرشوة وغيرهما من المكاسب الخبيئة.
الإصر: الثقل الذي يأصر صاحبه، أي: يحبسه من الحراك لثقله، وهو مثلٌ لثقل تكليفهم وصعوبته، نحو: اشتراط قتل الأنفس في صحة توبتهم، وكذلك الأغلال، مثلٌ لما كان في شرائعهم من الأشياء الشاقة، نحو: بت القضاء بالقصاص عمداً كان أو خطأً من غير شرع الدية، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب، وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم، وتحريم السبت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لحوم الإبل، والشحوم، وغيرها. وإما بحسب الشرع والحكم، وهو إما في المأكول أو في غيره.
وإلى الأول أشار بقوله: "مما ذكر اسم الله عليه من الذبائح"، وإلى الثاني بقوله: "وما خلا كسبه من السحت".
وأما "الخبائث" فهو: إما بحسب استخباث العقل، كالدم والميتة، وإما بحسب الحكم، كالربا والرشوة.
والطيبات - على التفسير الثاني - هو أحرى، لاقتضاء المقام، لأن قوله: (ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ) عطف على قوله: (يَامُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ). والجملة بيان لكونه صلوات الله عليه نبياً مكتوباً في التوراة والإنجيل، لأن النبي هو الواضع للحكم والشريعة.
قوله: (من الحراك)، الجوهري: "ما به حراك، أي: حركة".
قوله: (الأغلال: مثل لما كان في شرائعهم من الأشياء الشاقة): قال الزجاج: "الأغلال: تمثيل. ألا ترى أنك تقول: "قد جعلت هذا طوقاً في عنقك، وليس هناك طوق.
стр. 3024
وعن عطاء: كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم، وربما ثقب الرجل ترقوته، وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها إلى السارية يحبس نفسه على العبادة. وقرئ: (آصارهم) على الجمع.
(وعزروه): ومنعوه حتى لا يقوى عليه عدو، وقرئ بالتخفيف، وأصل العزر: المنع، ومنه: "التعزير": الضرب دون الحد، لأنه منعٌ من معاودة القبيح، ألا ترى إلى تسميته الحد، والحد هو المنع. و (النور): القرآن.
فإن قلت: ما معنى قوله: (أُنزل معه)، وإنما أُنزل مع جبريل؟ قلت: معناه أنزل مع نبوته، لأن استنباءه كان مصحوباً بالقرآن مشفوعاً به. ويجوز أن يعلق بـ (اتبعوا).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإنما تأويله: إني قد وليتك هذا، وألزمتك القيام به، فجعلت لزومه لك كالطوق في عنقك".
قوله: ("آصارهم" على الجمع) هذه قراءة ابن عامر.
قوله: (الضرب دون الحد)، أي: الضرب الذي هو دون الحد، وسمي تعزيراً لكونه مانعاً من المعاودة، كما سميت العقوبة المعينة على ارتكاب المناهي الشرعية "حداً"، لكونه مانعاً أيضاً.
قوله: (معناه: أنزل مع نبوته). علق (معه) تارةً بـ (أنزل)، وأخرى بـ (اتبعوا)، فعلى الأول هو حال من الضمير في (أنزل)، والمضاف مقدر. المعنى: اتبعوا النور الذي أنزل
стр. 3025
أي: واتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي والعمل بسنته وبما أمر به ونهى عنه، أو: واتبعوا القرآن كما اتبعه، مصاحبين له في اتباعه.
فإن قلت: كيف انطبق هذا الجواب على قول موسى ﵇ ودعائه؟ قلت: لما دعا لنفسه ولبني إسرائيل، أجيب بما هو منطوٍ على توبيخ بني إسرائيل على استجازتهم الرؤية على الله تعالى وعلى كُفرهم بآيات الله العظام التي أجراها على يد موسى، وعُرِّض بذلك في قوله: (وَالَّذِينَ هُم بِآَياتِنا يؤمنون)، وأريد أن يكون استماع أوصاف أعقابهم الذين آمنوا برسول الله ﷺ وما جاء به، كعبد الله بن سلامٍ وغيره من أهل الكتابين لُطفاً لهم وترغيباً في إخلاص الإيمان والعمل الصالح، وفي أن يُحشروا معهم، ولا يفرق بينهم وبين أعقابهم عن رحمة الله التي وسعت كل شيء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصحوباً معه نبوته. يعني: أن حكم ثبوت نبوته نزل من السماء، وهو مشفوع بهذا النور، وإنما سمي القرآن نوراً لأنه بإعجازه ظاهر في نفسه، مظهر لغيره، كاشف للحقائق، مجل لظلمات الباطل.
وعلى الثاني يكون ظرفاً لـ (اتبعوا)، فيكون كل واحد من النور والنبي مستقلاً بالإتباع. وقد أشير به إلى متابعة الكتاب والسنة. ومن ثم قال: "مع إتباع النبي، والعمل بسنته".
ويجوز أن يكون (معه) حالاً من فاعل: (اتبعوا)، أي: اتبعوا القرآن مصاحبين للرسول صلي الله عليه وسلم في متابعته.
قوله: (كيف انطبق هذا الجواب - يعني: (عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ) إلى آخره - على قول موسى؟ )، يريد: (واكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وفِي الآخِرَةِ إنَّا هُدْنَا إلَيْكَ). بدليل قوله في الجواب: "لما دعا لنفسه ولبني إسرائيل"، يعني: كيف دعا نبي الله لنفسه ولبني إسرائيل بالخير، وأجيب بما فيه التهديد والتوبيخ؟ فما وجه المطابقة؟ .
стр. 3026
[(قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)].
(إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) قيل: بعث كل رسول إلى قومه خاصة وبعث محمد ﷺ إلى كافة الإنس وكافة الجن. و (جميعاً): نصبٌ على الحال من (إليكم).
فإن قلت: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ما محله؟ قلت: الأحسن أن يكون منتصباً بإضمار "أعني"، وهو الذي يسمى النصب على المدح، .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وخلاصة الجواب: أنه من الأسلوب الحكيم، وأن التهديد والتوبيخ توطئة للجواب. والجواب قوله: (فسأكتبها)، وهو كالقول بالموجب، كما سبق.
وفائدة الجواب بعد التوبيخ إرادة اللطف في حقهم، والانزجار عن ارتكاب المعاصي، والترغيب في إخلاص الإيمان، والعمل الصالح، كأعقابهم الذين اتبعوا النبي الأمي، ليندرجوا في زمرتهم، حتى لا يفرق بينهم وبينهم عن رحمة الله.
فالجواب منطوٍ على الترهيب والترغيب، والتخلية بعد التحلية.
فقوله: "وأريد أن يكون" عطف على قوله: "أجيب"، وكلاهما جواب "لما".
وقوله: "وعرض" متعلق بـ"منطوٍ على توبيخ بني إسرائيل" يعني: قوله: (والذين هم بآياتنا يؤمنون) قرينة لإرادة التوبيخ، بقوله: (عذابي أصيب به من أشاء) للذين كفروا بآيات الله، واستجازوا الرؤية، على سبيل التعريض.
قوله: (الأحسن أن يكنو منتصباً بإضمار "أعني"): فإن قلت: القول إنما كان أحسن، لأنه لم يلزم منه الفصل بين الصفة والموصوف، كما قيل. قلت: لا أبالي به، إذا ساعدت عليه
стр. 3027
ويجوز أن يكون جراً على الوصف، وإن حيل بين الصفة والموصوف بقوله: (إِلَيْكُمْ جَمِيعاً)، وقوله: (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) بدلٌ من الصلة التي هي (لهُ مُلْكُ السَّمَاوَات وَالأَرْضِ)، وكذلك (يُحيِ وَيُمِيتُ)، وفي (لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) بيانٌ للجملة قبلها، لأن من ملك العالم كان هو الإله على الحقيقة، وفي (يُحيِ وَيُمِيتُ) بيانٌ لاختصاصه بالإلهية،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفخامة، وإنما الفخامة مع الأول، لاستقلاله جملةً مؤذنة بأن المذكور علم فيه، أي: اذكر من لا يخفى شأنه عند الموافق والمخالف، بخلاف الوصف، وإن كانت أوصاف الله جاريةً على المدح.
قوله: ((لا إله إلا هو): بدل من الصلة): اعلم أن في قوله: " (لا إله إلا هو) بيان للجملة قبلها"، بعد قوله: " (لا إله إلا هو) بدل من الصلة"، وكذا قوله: " (يحي ويميت) بيان لاختصاصه" بعد قوله: "وكذلك: (يحي ويميت) " أي: بدل، إيذاناً بأن البدل بيان، وأن قوله: (له ملك السموات والأرض) مشتمل على معنييهما إجمالاً. وذلك أن مالك السموات والأرض هو الإله على الحقيقة، (ولَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [لقمان: ٢٥].
ومن كان إلهاً على الحقيقة، كان محيياً ومميتاً، لأن غير الإله الحقيقي لا يقدر عليهما، (قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ) [البقرة: ٢٥٨].
فالوجه أن يقال: إن مالك السموات والأرض، فيه دلالة على أنه ينبغي أن يكون [متصرفاً فيهما] تصرفاً تاماً، وألا يكون متصرفاً فيهما غيره، لقوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء: ٢٢].
وإلى الأول الإشارة بقوله: (يحي ويميت). وإلى الثاني بقوله: (لا إله إلا هو).
стр. 3028
لأنه لا يقدر على الإحياء والإماتة غيره، (وَكَلِماتِهِ): وما أنزل عليه وعلى من تقدّمه من الرسل من كتبه ووحيه- وقرئ: "وكلمته" على الإفراد، وهي القرآن-، أو أراد جنس ما كلم به. وعن مجاهد: أراد عيسى بن مريم.
وقيل: هي الكلمة التي تكوَّنَ منها عيسى وجميع خلقه، وهي قوله: "كُنْ"، وإنما قيل: إن عيسى كلمة الله، فخُص بهذا الاسم، لأنه لم يكن لكونه سببٌ غير الكلمة، ولم يكن من نُطفةٍ تمنى، (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ): إرادة أن تهتدوا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعن مجاهد: أراد عيسى ابن مريم): روينا عن البخاري عن عبادة عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "من شهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة، على ما كان من العمل".
وقلت: إن القول بأن عيسى كلمة الله على ما هو عليه، مختص بالمسلم لا غير.
قال القاضي: "أريد بالكلمة عيسى تعريضاً باليهود، وتنبيهاً على أن من لم يؤمن به لم يعتبر إيمانه.
قوله: (إرادة أن تهتدوا): قال القاضي: "جعل رجاء الاهتداء أثر الأمرين، تنبيهاً على أن من صدقه، ولم يتابعه بالتزام شرعه، فهو يعد في خطط الضلالة".
стр. 3029
فإن قلت: هلا قيل: "فآمنوا بالله وبي"، بعد قوله: (إني رسول الله إليكم)؟ قلت: عدل عن المضمر إلى الاسم الظاهر لتجري عليه الصفات التي أجريت عليه، ولما في طريقة الالتفات من مزية البلاغة، وليعلم أنّ الذي وجب الإيمان به واتباعه هو هذا الشخص المستقل بأنه النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته، كائناً من كان، أنا أو غيري، إظهاراً للنصفة وتفادياً من العصبية لنفسه.
[(وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وليعلم أن الذي وجب الإيمان به وإتباعه هو هذا الشخص المستقل): هذا يجوز أن يكون فائدة ثالثة مستقلة للعدول، فيكون من باب التجريد، يعني أنه صلي الله عليه وسلم خاطبهم بقوله: (إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا)، فلما أراد أن يدعوهم إلى متابعته، جرد عن نفسه الزكية (النبي الأمي)، الموصوف بما يجب على كل أحدٍ متابعته، كأنه قال: لا أدعي أني ذلك الموصوف، فانظروا من هو، فاتبعوه كائناً من كان، ، أنا أو غيري.
والخطاب على سبيل الاستدراج.
ومعنى الاستقلال يفيده التجريد، كقولهم: "مررت بالرجل الكريم، والنسمة المباركة".
قوله: (كائناً من كان): حال من المشار إليه، وهو "الشخص المستقل"، والعامل معنى اسم الإشارة، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في "المستقل".
قال الخطيب بن زكريا: الحال قد يكون فيها معنى الشرط، كما أن الشرط فيه معنى
стр. 3030
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحال، فالأول: لأفعلنه كائناً من كان، أي: إن كان هذا وإن كان هذا، والثاني: كقول عمرو ابن معدي كرب:
ليس الجمال بمئزر … فاعلم وإن رديت بردا
أي: ليس جمالك بمئزرٍ مردى معه برداً.
قال بعض الأدباء: كيف يكون ذو الحال مشخصاً محدداً والحال غير محددٍ؟ قلت: ليس ذو الحال بمحدد، إذ المراد بقوله: "هذا الشخص المستقل" هذا هو الموصوف الذي ميز بتلك الصفات التي أجريت عليه، وجعلته كالمشخص المعين، ونظيره قول الحامد: (إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، فإنه بعد إجراء تلك الصفات على اسم الذات كأنه اعتمد أنه كالمشاهد الحاضر يخاطبه بقوله: (إياك)، على أنه من الجائز أن يقال: اضرب زيداً كائناً من كان، قلنا: ليس ذو الحال بمحددٍ، مع أن المراد به رسول الله صلي الله عليه وسلم ليستقيم الذهاب إلى التجريد. وأنشد أبو علي:
أفاءت بنو مروان ظلماً دماءنا … وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل
قال ابن جني: "وهو تعالى أعرف المعارف، وقد سماه الشاعر: حكماً عدلاً، فأخرج اللفظ مخرج التنكير، فقد ترى كيف آل الكلام من لفظ التنكير إلى معنى التعريف".
وأنشد المصنف - مستشهداً لقراءة من قرأ: "فكانت وردة كالدهان" [الرحمن: ٣٧] بالرفع - قول القائل:
فلئن بقيت لأرحلن بغزوة … تحوي الغنائم أو يموت كريم
стр. 3031
(وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ): هم المؤمنون التائبون من بني إسرائيل، لما ذكر الذين تزلزلوا منهم في الدين وارتابوا حتى أقدموا على العظيمتين: عبادة العجل واستجازة رؤية الله تعالى، ذكر أنّ منهم أمة موقنين ثابتين يهدون الناس بكلمة الحق، ويدلونهم على الاستقامة ويرشدونهم، وبالحق يعدلون بينهم في الحكم لا يجورون، أو أراد الذين وصفهم ممن أدرك النبي ﷺ وآمن به من أعقابهم. وقيل: إنّ بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً تبرأ سبطٌ منهم مما صنعوا واعتذروا، وسألوا الله أن يفرق بينهم وبين إخوانهم، ففتح الله لهم نفقاً في الأرض، فساروا فيه سنةً ونصفاً حتى خرجوا من وراء الصين، وهم هنالك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا.
وذُكر عن النبي ﷺ أن جبريل ذهب به ليلة الإسراء نحوهم، فكلمهم فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا: لا. قال: هذا محمد النبي الأمي، فآمنوا به وقالوا: يا رسول الله، إن موسى أوصانا: من أدرك منكم أحمد، فليقرأ عليه مني السلام،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لما ذكر الذين تزلزلوا منهم في الدين) إلى آخره: يريد أن قوله: (وقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا) معطوف على ما سبق من قصص بني إسرائيل عطف نوع قصةٍ على مثله.
وقوله تعالى: (ومِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ) مستطرد لبيان أن بعضهم ثبتوا على الحق، كما سبق في "آل عمران"، في قوله تعالى: (ولَوْ آمَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ) [أل عمران: ١١٠].
стр. 3032
فردّ محمد على موسى ﵉ السلامَ، ثم أقرأهم عشر سورٍ من القرآن نزلت بمكة، ولم تكن نزلت فريضةٌ غير الصلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم، وكانوا يسبتون، فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت.
وعن مسروقٍ: قرئ: بين يدي عبد الله فقال رجل: إني منهم، فقال عبد الله- يعني: لمن كان في مجلسه من المؤمنين- وهل يزيد صلحاؤكم عليهم شيئاً؟ من يهدي بالحق وبه يعدل؟
وقيل: لو كانوا في طرف من الدنيا متمسكين بشريعة ولم يبلغهم نسخها كانوا معذورين. وهذا من باب الفرض والتقدير،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فقال رجل: إني منهم) أي: ممن عمل عملهم، لا: أنا من نسلهم.
قوله: (من يهدي بالحق، وبه يعدل؟ )، الجملة استفهامية. قال أولاً: "هل يقدر صلحاؤكم أن يزيدوا على عملهم شيئاً؟ "، ثم استأنف على الإنكار، قائلاً: من الذي على صفتهم منكم؟ من يهدي بالحق كما هدوا؟ ومن يعدل كما عدلوا؟
قوله: (وقيل: لو كانوا في طرفٍ من الدنيا): يعني: يمكن أن تحمل الآية على أنه لو قدر وفرض أن يكون من قوم موسى أمة هذه صفتهم، لجاز، وكانوا على الحق، لأنهم معذورون. فقوله: "وقيل: لو كانوا" عطف على قوله: "وقيل: إن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم".
والحاصل أنه حمل قوله: (ومن قوم موسى) أنه على وجوه:
أحدها: أنهم وجدوا في زمن موسى ﵇.
وثانيها: أنهم حدثوا في عهد رسول الله ﷺ .
стр. 3033
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وثالثها: حصلوا في زمن من الأزمنة.
ورابعها: ما وجدوا، ولكن فرض لو كانوا في طرف من الدنيا، إلى آخره.
وأقرب الوجوه - والعلم عند الله - الثاني، وذلك أنه تعالى لما أجاب عن دعاء موسى ﵇ بقوله: (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) إلى قوله: (يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ) [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧]، وقد سبق أن قوله: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا) تبكيت لليهود، وتنبيه لسائر الناس على افتراء اليهود بأنه مبعوث إلى العرب خاصة، وقوله: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ) [الأعراف: ١٥٨] إظهار للنصفة، عقبه بقوله: (ومِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ): يعني أن بعض هؤلاء الذين حكينا منهم ما حكينا آمنوا، وأنصفوا من أنفسهم، ويهدون الناس بكلمة الحق، من أنه الرسول الموعود، النبي الأمي، الذي نجده في التوراة. ويعدلون في الحكم، ولا يجورون، ولكن أكثرهم ما أنصفوا، ولبسوا الحق بالباطل، وكتموه، وجاروا في الأحكام، فيكون ذكر هذه الفرقة تعظيماً بالأكثر.
وهاهنا تم الكلام في جواب موسى ﵇ عن دعائه وما يتصل به، ثم عاد إلى قصة القوم، فيكون قوله: (وقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا) [الأعراف: ١٦٠] عطفاً على قوله: (وجَاوَزْنَا بِبَنِي إسْرَائِيلَ البَحْرَ) [الأعراف: ١٣٨]، وقوله: (ووَاعَدْنَا مُوسَى) [الأعراف: ١٤٢]، وقوله: (واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى) [الأعراف: ١٤٨].
стр. 3034
وإلا فقد طار الخبر بشريعة محمدٍ ﷺ إلى كل أفق، وتغلغل في كل نفق، ولم يبق الله أهل مدرٍ ولا وبر، ولا سهلٍ ولا جبل، ولا برٍّ ولا بحر، في مشارق الأرض ومغاربها، إلا وقد ألقاه إليهم، وملأ به مسامعهم، وألزمهم به الحجة، وهو سائلهم عنه يوم القيامة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويعضده ما ورد في "البقرة" من قوله: (وإذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البَحْرَ) [البقرة: ٥٠]، (وإذْ واعَدْنَا مُوسَى) [البقرة: ٥١]، وقوله: (وإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ [يا قوم] إنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ العِجْلَ)، وقوله: (وإذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ) [البقرة: ٦٠] إجمال لقوله: (وقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا) [الأعراف: ١٦٠].
وأنت إذا أمعنت النظر، وجدت ما في هذه السورة كالتفصيل لما هنالك، وعثرت أيضاً على أن مقام (لن تراني) [الأعراف: ١٤٣] غير مقام: (أرنا الله جهرةً) [النساء: ١٥٣].
وقد ذكرنا في سورة "هود" قانوناً لوجه الموازنة بين القصص المذكورة في التنزيل، فلينظر هناك، والله أعلم.
قوله: (تغلغل)، الجوهري: "تغلغل الماء في الشجر: إذا تخللها".
قوله: (ولا بر ولا بحر): البر: البوادي، والبحر: القرى والمدن.
النهاية: "العرب تسمي المدن والقرى: البحار".
стр. 3035
[(وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)].
(وَقَطَّعْناهُمُ): وصيرناهم قطعاً، أي: فرقاً، وميزنا بعضهم من بعضٍ لقلة الألفة بينهم. وقرئ: "وقطعناهم" بالتخفيف، (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً) كقولك اثنتي عشرة قبيلةً. والأسباط: أولادُ الولد، جمع سبط، وكانوا اثنتي عشرة قبيلةً من اثني عشر ولداً من ولد يعقوب ﵇.
فإن قلت: مميز ما عدا العشرة مفرد، فما وجه مجيئه مجموعاً؟ وهلا قيل: اثني عشر سبطاً؟ قلت: لو قيل ذلك لم يكن تحقيقاً لأنّ المراد: وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلةً، وكل قبيلةٍ أسباطٌ لا سبط، فوضع (أَسْبَاطاً) موضع "قبيلة"، ونظيره: .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لم يكن تحقيقاً، لأن المراد)، اللام في قوله: "لأن المراد" يجوز أن يكون صلة "تحقيقاً"، وأن يكون تعليلاً لقوله: "ولو قيل ذلك لم يكن تحقيقاً".
قوله: (وكل قبيلةٍ أسباط لا سبط): توضيح ذلك ما ذكره في "الحجرات": "القبيلة تجمع العمائر، والعمائر تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل، كنانة: قبيلة، قريش: عمارة، وقصى: بطن، وهاشم: فخذ، والعباس: فصيلة".
فلو قيل: اثنا عشر سبطاً، لأوهم أن المجموعة قبيلة واحدة، والمراد اثنتا عشرة قبيلة. فوضع "أسباطاً" موضع قبيلة.
ذهب الجوهري والزجاج وأبو البقاء إلى أن (أسباطاً): بدل من (اثنتى عشرة)، وليس
стр. 3036
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تفسيراً لها، لأن التفسير لا يكون إلا واحداً منكوراً، كقولك: اثني عشر درهماً، ولا يجوز: دراهم.
وقلت: نص المصنف في قوله تعالى: (ثالث مائةٍ سنين) [الكهف: ٢٥] في قراءة حمزة والكسائي على الإضافة، أنه "وضع الجمع موضع الواحد في التمييز، كقوله تعالى: (بالأخسرين أعمالاً) [الكهف: ١٠٣] "
وقال ابن الحاجب في "شرح المفصل": "ذهب الزجاج على أن (سنين) في هذه القراءة: بدل لا تمييز، لما يلزم على التمييز أن يكونوا قد لبثوا تسع مئة سنة، قال: "ووجهه أنه فهم من لغة العرب أن مميز المئة واحد من مئة، فإذا قلت: مئة رجل، فمميزها رجل، وهو واحد من المئة. وإذا قلت: مئة سنين، فيكون "سنين" واحداً من المئة، وهي ثلاث مئة، وأقل السنين ثلاثة، فيجب أن يكون لبثهم تسع مئة سنة. وهذا يطرد في (اثنتى عشرة أسباطاً) فيلزم على التمييز أن يكونوا ستة وثلاثين سبطاً".
ثم قال ابن الحاجب: "ما ذكره الزجاج غير لازم، لأن ذلك إنما يلزم إذا كان المميز مفرداً، وأما إذا كان جمعاً، فيكون القصد فيه كالقصد في وقوع التمييز جمعاً، في نحو: ثلاثة أثواب، على أنه قد تقرر أن الأصل في جميع المميزات الجمع، وإنما عدل إلى المفرد لغرض، فإذا استعمل على الأصل في جميع المميزات، لا على الوجه الذي ألزمه الزجاج".
стр. 3037
بين رماحي مالك ونهشل
و(أُمَماً) بدلٌ من (اثنتي عشرة) بمعنى: وقطعناهم أمماً، لأنّ كل أسباطٍ كانت أمةً عظيمةً وجماعةً كثيفة العدد، وكل واحدةٍ كانت تؤمُّ خلاف ما تؤمّه الأخرى، لا تكاد تأتلف. وقرئ: "اثنتي عشرة" بكسر الشين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بين رماحي مالكٍ ونهشل): أوله:
تبقلت في أول التبقل
تبقلت الماشية: إذا رعت النبات أول ما نبت. ومالك: هو ابن ضبيعة. ونهشل: هو ابن دارم، من أمراء العرب.
يصف رمكةً مرتاضة، اعتادت ممارسة الحرب.
إنما ثنى الرماح، وهي جمع، لأن كل فرد من هذه التثنية يراد به جماعة من الرماح، كما يراد بكل فردٍ من أفراد هذا الجمع - وهو (أسباطاً) - قبيلة.
стр. 3038
(فَانْبَجَسَتْ): فانفجرت، والمعنى واحدٌ، وهو الانفتاح بسعة وكثرة: قال العجاج:
وكيف غربي دالج تبجّسا
فإن قلت: فهلا قيل: فضرب فانبجست؟ قلت: لعدم الإلباس، وليجعل الانبجاس مسبباً عن الإيحاء بضرب الحجر، للدلالة على أنّ الموحى إليه لم يتوقف عن اتباع الأمر، وأنه من انتفاء الشك عنه بحيث لا حاجة إلى الإفصاح به.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكيف غربي دالجٍ تبجسا) أوله:
وانحلبت عيناه من فرط الأسى
الو كيف: القطر. يقال: وكف البيت وكفاً ووكيفاً، أي: قطر، وهو صفة مصدرٍ محذوف، أي: انحلبت انحلاباً مثل انحلاب وكيف.
الدالج: الذي يحمل الراوية. وقيل: الذي يأخذ الدلو ويمضي بها من رأس البئر إلى الحوض، حتى يفرغها فيه.
شبه عينيه بدلوٍ هذه صفته، من شدة البكاء والحزن.
قوله: (وليجعل الانبجاس مسبباً عن الإيحاء بضرب الحجر): والحاصل أن الفاء في (فانبجست) فصيحة. مضى الكلام فيه في "البقرة".
стр. 3039
وقوله: (كُلُّ أُناسٍ): نظير قوله: (اثنتي عشرة أسباطاً)، يريد كل أمّةٍ من تلك الأمم الثنتي عشرة. و"الأناس": اسم جمعٍ غير تكسير، نحو: رخالٍ، وثناءٍ، وتؤامٍ، وأخواتٍ لها. ويجوز أن يقال: إن الأصل الكسرة والتكسير، والضمة بدل من الكسرة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يريد أن الانبجاس في الحقيقة مسبب عن "فضرب" الذي هو امتثال الأمر، فجعل مسبباً عن قوله: (فقلنا اضرب) الذي هو الإيحاء بضرب الحجر، ليدل على سرعة امتثال المأمور، وأن اتباعه الأمر بحيث لا حاجة أن يقال: "فضرب".
فالضمير في "أنه من انتفاء الشك" للضرب، أي: الضرب استقر وثبت من جهة انتفاء الشك، بحيث لا حاجة إلى ذكره.
قوله: ((كل إناسٍ) نظير قوله: (اثنتى عشرة أسباطاً)): يعني: جمع ليبين أن المراد كل فرقةٍ وجماعة، كما جمع "أسباطاً"، إذ لو قيل: كل أناس، لم يكن تحقيقاً للمراد.
قوله: (والأناس: اسم جمعٍ): يعني: ليس "أناس" جمع "إنس" على التكسير، بل اسم جمع، كالقوم.
قوله: (نحو: رخالٍ، وثناءٍ، وتؤامٍ، وأخواتٍ لها): وهي: رذال، ونذال، وبساط، وظهار، وبراء، ورباب، وظؤار، وعراق، وفرار، وعرام.
وقد نظمها المصنف، فقال:
ما سمعنا كلماً غير ثمانٍ … هي جمع، وهي في الوزن فعال
فرباب وفرار وتؤام … وعرام وعراق ورخال
وظؤار جمع ظئر، وبساط … جمع بسط، هكذا فيما يقال
стр. 3040
كما أبدلت في نحو: سكارى وغيارى، من الفتحة. (وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ): وجعلناه ظليلاً عليهم في التيه، و (كُلُوا) على إرادة القول، (وَما ظَلَمُونا): وما رجع إلينا ضرر ظلمهم بكفرانهم النعم، ولكن كانوا يضرون أنفسهم. ويرجع وبال ظلمهم إليهم.
[(وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ* فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الرخل: الأنثى من ولد الضأن، والجمع: رخال، بكسر الراء وضمها. وثناء: جمع ثني. وتؤام: جمع تؤأم، على فوعل. ورذال كل شيء: رديئه، واحده: رذل. ونذال: جمع نذل، وهو الخسيس. وبساط: جمع بسط - بكسر الباء - وهي: الناقة تخلى مع ولدها لا يمنع منها. والظهار، بالضم: ما جعل من عسيب السهام. والبراء: جمع البرأة، بالضم، وهي: قترة الصائد. والرباب: جمع ربي، على فعلى، بالضم: وهي الشاة التي وضعت حديثاً، وفي "الصحاح": "ربي" مقصور مشدد مضموم الراء. وظؤار: جمع ظئر. والعراق: جمع عرق، بفتح العين: العظم الذي أخذ عنه اللحم. والعرام: بمعناه. وفرار: جمع فرير: ولد البقر الوحشية. وقيل: واحد، مثل: طويل وطوال.
قوله: (غيارى)، الجوهري: "جمع غيران. يقال: غيران، وغيور".
стр. 3041
(وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ): واذكر إذ قيل لهم، والقرية: بيت المقدس.
فإن قلت: كيف اختلفت العبارة هاهنا وفي سوره البقرة؟ قلت: لا بأس باختلاف العبارتين إذا لم يكن هناك تناقض. ولا تناقض بين قوله: (اسكنوا هذه القرية وكلوا منها) وبين قوله: (فكلوا) [البقرة: ٥٨] لأنهم إذا سكنوا القرية فتسببت سكناهم للأكل منها، فقد جمعوا في الوجود بين سكناها والأكل منها، وسواءٌ قدّموا "الحِطَّة" على دخول الباب أو أخروها، فهم جامعون في الإيجاد بينهم، وترك ذكر "الرغد" لا يناقض إثباته، وقوله: (نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) موعدٌ بشيئين: بالغفران وبالزيادة، وطرح الواو لا يُخلّ بذلك، لأنه استئنافٌ مرتبٌ على تقدير قول القائل:وماذا بعد الغفران؟ فقيل له: (سنزيد المحسنين)، وكذلك زيادة (مِنْهُمْ) زيادةُ بيان، و"أرسلنا"، و"أنزلنا"، و (يَظْلِمُونَ) و (يَفْسُقُونَ) من وادٍ واحدٍ.
وقرئ: "يغفر لكم خطيئاتكم"، "وتغفر لكم خطاياكم"، و"خطيئاتكم"، و"خطيئتكم"، على البناء للمفعول.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فقد جمعوا في الوجود بين سكناها والأكل)، يعني: إذا تفرع المسبب على السبب، فقد اجتمعا في الوجود، فيصح الإخبار بالفاء تارة، وبالواو أخرى، لكن الواو دل على جودة ذهن السامع، وأنه ممن يستغني في استفادة الترتب بمجرد الإشارة، أو تكون تلك الآية كالتقييد لهذه، لأن الاجتماع أعم من السببية والمسببية.
قوله: (خطاياكم) أي: وقرئ: "خطاياكم"؛ أبو عمرو، و"خطيئاتكم": نافع، و"خطيئتكم" - برفع التاء -: ابن عامر.
стр. 3042
[(وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَاتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَاتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ* وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ* فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ* فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ)].
(وَسَلْهُمْ): وسل اليهود، وقرئ: (واسألهم)، وهذا السؤال معناه التقرير والتقريع بقديم كفرهم وتجاوزهم حدود الله، والإعلام بأنّ هذا من علومهم التي لا تعلم إلا بكتابٍ أو وحي، فإذا أعلمهم به من لم يقرأ كتابهم، علم أنه من جهة الوحي. ونظيره همزة الاستفهام التي يراد بها التقرير في قولك: "أعدوتم في السبت؟ ".
والقربة: أيلة. وقيل: مدين. وقيل: طبرية. والعرب تسمى المدينة قرية.
وعن أبي عمرو بن العلاء: ما رأيت قرويين أفصح من الحسن والحجاج، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وسلهم)، ابن كثير والكسائي.
قوله: (ونظيره همزة الاستفهام التي يراد بها التقرير): أي: ونظير السؤال في قوله: (وسئلهم) للتقرير والتقريع، قولك ابتداءً: "أعدوتم في السبت؟ " كما أن معنى الهمزة هاهنا للتقرير والتقريع، كذلك السؤال.
قال الزجاج: "السؤال على ضربين: أن تسأل عما لا تعلم لتعلم، وأن تسأل على وجه التقرير، فتقول: أنت فعلت كذا؟ لما فعله، وهو يعلم أنك تعلمه، وإنما تسأله لتقرره وتوبخه، أمر الله تعالى نبيه أن يسأل أهل الكتاب عن أهل هذه القرية، وقد أخبره الله تعالى بقصتها، ليقررهم بقديم كفرهم، وأن يعلمهم بما لا يعلم إلا بكتابٍ أو وحي".
стр. 3043
يعني: رجلين من أهل المدن، (كَانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ): قريبةً منه راكبة لشاطئه، (إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ): إذ يتجاوزون حدّ الله فيه، وهو اصطيادهم في يوم السبت، وقد نهوا عنه. وقرئ: "يَعدّون" بمعنى: يعتدون، أدغمت التاء في الدال ونقلت حركتها إلى العين، ويُعدّون من الإعداد، وكانوا يُعِدُّون آلات الصيد يوم السبت، وهم مأمورون بأن لا يشتغلوا فيه بغير العبادة. و"السبت": مصدر سبتت اليهود: إذا عظمت سبتها بترك الصيد والاشتغال بالعبادة؛ فمعناه: يعدون في تعظيم هذا اليوم، كذلك قوله: (يَوْمَ سَبْتِهِمْ) معناه: يوم تعظيمهم أمر السبت، ويدل عليه قوله: (وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ)، وقراءة عمر بن عبد العزيز: "يوم إسباتهم". وقرئ: "لا يسبتون" بضم الباء. وقرأ على: "لا يسبتون" بضم الياء، من أسبتوا. وعن الحسن: "لا يسبتون" على البناء للمفعول، أي: لا يدار عليهم السبت، ولا يؤمرون بأن يسبتوا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: وعلى هذا قوله: (وسئلهم) عطف على (واذكر) المقدر عند قوله: (وإذ قيل) [الأعراف: ١٦١]، وإنما عدل إلى السؤال لأنه أبلغ في التحدي والتوبيخ، كما قال.
قوله: (ويدل عليه قوله: (ويوم لا يسبتون)) [أي: (لا يسبتون)] مشعر بأن قوله: (في السبت) محمول على مصدر سبتت اليهود، لا على الاسم، لأنه نفي لما أثبت أولاً. وهذا مشتق من المصدر، فيجب أن يحمل ما يقابله عليه، ليتطابقا.
قوله: (ولا يؤمرون بأن يسبتوا) عطف على سبيل البيان، على قوله: "لا يدار عليهم السبت"، وذلك بأن يكون يوماً آخر من أيام الأسبوع. وهو من باب قوله:
على لا حبٍ لا يهتدى بمناره
стр. 3044
فإن قلت: (إذ يعدون)، و (إذ تأتيهم)، ما محلهما من الإعراب؟ قلت: أمّا الأوّل فمجرور؛ بدلٌ من (القرية)، والمراد بالقرية أهلها، كأنه قيل: واسألهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في السبت، وهو من بدل الاشتمال.
ويجوز أن يكون منصوباً بـ (كانت) أو بـ (حاضرة).
وأمّا الثاني: فمنصوبٌ بـ (يعدون)، ويجوز أن يكون بدلاً بعد بدل.
والحيتان: السمك، وأكثر ما تستعمل العرب الحوت في معنى السمكة. (شُرَّعاً): ظاهرة على وجه الماء. وعن الحسن: تشرع على أبوابهم كأنها الكباش البيض. يقال: شرع علينا فلان إذا دنا منا وأشرف علينا. وشرعت على فلان في بيته فرأيته يفعل كذا كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ أي: مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بسبب فسقهم وَإِذْ قالَتْ معطوف على إذ يعدون، وحكمه حكمه في الإعراب أُمَّةٌ مِنْهُمْ جماعة من أهل القرية من صلحائهم الذين ركبوا الصعب والذلول في موعظتهم، حتى أيسوا من قبولهم، لآخرين كانوا لا يقلعون عن وعظهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أي: مخترمهم ومطهر الأرض منهم، (أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً) لتماديهم في الشر، وإنما قالوا ذلك، لعلمهم أن الوعظ لا ينفع فيهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراغب: "أصل السبت: قطع العمل. ومنه: سبت السير، أي: قطعه، وسبت شعره: قطعه. وسمي يوم السبت لأن الله تعالى ابتدأ بخلق السموات والأرض يوم الأحد، فخلقها في ستة أيام، فقطع عمله يوم السبت. وسبت فلان: صار في السبت".
قوله: (معطوف على (إذ يعدون)) لا يجوز أن يكون معطوفاً على (إذ تأتيهم)؛ لأنه إما بدل أو ظرف، فيلزم أن يدخل هؤلاء في حكم أهل العدوان، وليس كذلك.
стр. 3045
(قالُوا مَعْذِرَةٌ إِلى رَبِّكُمْ) أي: موعظتنا إبلاء عذر إلى الله، ولئلا نسب في النهى عن المنكر إلى بعض التفريط، (وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ): ولطمعنا في أن يتقوا بعض الاتقاء. وقرئ: (مَعْذِرَةً) بالنصب، أي: وعظناهم معذرةً إلى ربكم، أو اعتذرنا معذرةً.
(فَلَمَّا نَسُوا) يعني: أهل القرية، فلما تركوا ما ذكرهم به الصالحون ترك الناسي لما ينساه، (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا) الظالمين الراكبين للمنكر.
فإن قلت: الأمة الذين قالوا: (لِمَ تَعِظُونَ) من أي: الفريقين هم؟ أمن فريق الناجين أم المعذبين؟ قلت: من فريق الناجين، لأنهم من فريق الناهين، وما قالوا ما قالوا إلا سائلين عن علة الوعظ والغرض فيه، حيث لم يروا فيه غرضاً صحيحاً لعلمهم بحال القوم، وإذا علم الناهي حال المنهي، وأن النهي لا يؤثر فيه، سقط عنه النهي، وربما وجب الترك لدخوله في باب العبث، ألا ترى أنك لو ذهبت إلى المكاسين القاعدين على المآصر والجلادين المرتبين للتعذيب؛ لتعظهم وتكفهم عما هم فيه، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إبلاء عذرٍ): أي: إظهاره. الأساس: "يقال: أبليته عذراً: إذا بينته له بياناً لا لوم عليك بعده. وحقيقته: جعلته بالياً لعذر، أي: خابراً له، عالماً بكنهه. ومنه: أبلى في الحرب بلاءً حسناً: إذا أظهر بأسه، حتى بلاه الناس وخبروه".
قوله: (وقرئ: (معذرةً) بالنصب): حفص، والباقون: بالرفع.
قوله: (على المآصر)، الجوهري: "أصره يأصر أضراً: حبسه. والموضع: مَأصِر ومَأصَر، والجمع: مآصِر".
الأساس: "هو مفعل من الأصر، أو فاعل من المصر: بمعنى الحاجز: ولعن الله المآصر والمواصر". والمكاسون: الذين يحفظون الطرق.
стр. 3046
كان ذلك عبثاً منك، ولم يكن إلا سبباً للتلهي بك! وأما الآخرون فإنما لم يعرضوا عنهم إمّا لأن يأسهم لم يستحكم كما استحكم يأس الأولين، ولم يخبروهم كما خبروهم، أو لفرط حرصهم وجدّهم في أمرهم كما وصف الله تعالى رسوله ﵊ في قوله: (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ) [الكهف: ٦]، وقيل: الأمةُ: هم الموعوظون، لما وعظوا قالوا للواعظين: لم تعظون منا قوماً تزعمون أنّ الله مهلكهم أو معذبهم؟ وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: يا ليت شعري ما فعل بهؤلاء الذين قالوا: (لم تعظون قوماً)؟ قال عكرمة: فقلت جعلني الله فداك، ألا ترى أنهم كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا: (لم تعظون قوماً الله مهلكهم)؟ فلم أزل به حتى عرفته أنهم قد نجوا. وعن الحسن: نجت فرقتان وهلكت فرقة، وهم الذين أخذوا الحيتان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: الأمة: هم الموعوظون) قيل: هو معطوف على قوله: "من فريق الناجين"، والظاهر: أنه عطف على قوله: "جماعة من أهل القرية، من صلحائهم".
والسؤال والجواب مستدرك؛ لما علم من تقريره السابق أن القوم افترقوا فرقاً: فرقةً وعظوا، والثانية القائلة: (لم تعظون) هم الصلحاء منهم. وكان حقه أن يقول: الفرقة التي قالت: (لم تعظون) هل نجت أم لا؟ كما التبس على ابن عباس.
ولعل التكرير في السؤال والجواب لتعليق الزيادات عليه.
قوله: (لم تعظون منا قوماً؟ ): "من": تجريدية، مثل: رأيت منك أسداً.
قوله: (ما فعل بهؤلاء الذين قالوا): روى محيي السنة: أن ابن عباس قال: نسمع الله يقول: (أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا)، فلا أدري ما فعلت الفرقة
стр. 3047
وروي: أنّ اليهود أُمروا باليوم الذين أُمرنا به وهو يوم الجمعة، فتركوه واختاروا يوم السبت، فابتلوا به وحرّم عليهم فيه الصيد، وأمروا بتعظيمه، فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شُرعًا بيضاً سماناً كأنها المخاض، لا يرى الماء من كثرتها، ويوم لا يستبون لا تأتيهم، فكانوا كذلك بُرهةً من الدهر، ثم جاءهم إبليس فقال لهم: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فاتخذوا حياضًا تسوقون الحيتان إليها يوم السبت، فلا تقدر على الخروج منها، وتأخذونها يوم الأحد، وأخذ رجلٌ منهم حوتاً، وربط في ذنبه خيطاً إلى خشبةٍ في الساحل، ثم شواه يوم الأحد، فوجد جاره ريح السمك، فتطلع في تنوره، فقال له: إني أرى الله سيعذبك، فلما لم يره عُذبَ أخذ في السبت القابل حوتين، فلما رأوا أنّ العذاب لا يعاجلهم، صادوا وأكلوا وملحوا وباعوا، وكانوا نحوا من سبعين ألفاً، فصار أهل القرية أثلاثاً: ثُلُثٌ نهوا وكانوا نحواً من اثني عشر ألفاً، وثلثٌ قالوا: لم تعظون قوماً؟ وثلثٌ هم أصحاب الخطيئة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الساكتة؟ قال عكرمة: "جعلني الله فداك، ألا تراهم كيف أنكروا، وكرهوا ما هم عليه، وقالوا: (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ)، وإن لم يقل الله: أنجيتهم، لم يقل: أهلكتهم. فأعجبه قولي، وأمر لي ببردين، وقال: نجت الساكتة".
قوله: (المخاض)، الجوهري: "هي بفتح الميم: النوق الحوامل، ولا واحد لها من لفظها".
قوله: (فلما لم يره عذب)، أي: لم ير نفسه يعذبه الله، الرؤية بمعنى العلم، نحو قوله تعالى: (أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) [العلق: ٧].
стр. 3048
فلما لم ينتهوا قال المسلمون: إنا لا نُساكنكم، فقسموا القرية بجدار: للمسلمين باب، وللمعتدين باب، ولعنهم داود ﵇، فأصبح الناهون ذات يومٍ في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن للناس شأناً، فعلوا الجدار فنظروا، فإذا هم قردة، ففتحوا الباب ودخلوا عليهم فعرفت القرود أنسباءها من الإنس، والإنس لا يعرفون أنسباءهم من القرود، فجعل القرد يأتي نسيبه فيشم ثيابه ويبكي، فيقول: ألم ننهك؟ فيقول برأسه: بلى، وقيل: صار الشباب قردة، والشيوخ خنازير.
وعن الحسن: أكلوا - والله - أوخم أكلةٍ أكلها أهلها، أثقلها خزياً في الدنيا، وأطولها عذاباً في الآخرة، هاه! وايم الله، ما حوتٌ أخذه قومٌ فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم. ولكن الله جعل موعدا، (والساعة أدهى وأمرّ) [القمر: ٤٦].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أوخم أكلةٍ)، الأساس: "أوخمه الطعام، فوخم، واتخم، وأصابته التخمة".
الرواية: "أكلة"، بفتح الهمزة، ويجوز ضمها. فالفتح: المصدر، والضم: الاسم. والضمير في "أكلها" يجوز أن يكون مفعولاً به، وأن يكون مفعولاً مطلقاً للتأكيد.
قوله: (أكلها أهلها): صفة "أكلة". وفي الكلام معنى التعجب، أي: أكلوا - والله - أكلةً ما أوخمها من جهة الأكل! وما أثقلها من جهة الخزي! وما أطولها من جهة العذاب!
قوله: (ولكن الله جعل موعداً)، أي: إن لم يعذب قاتل النفس في الدنيا، على أن قتل النفس أعظم من تلك الأكلة، لكن الله يعذبه في الآخرة (والسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ)، هذه في الدنيا، وأما في الآخرة فالأمر أشد وأفظع. والداهية: الأمر المنكر، الذي لا يهتدي لدوائه.
стр. 3049
(بَئِيسٍ): شديد، يقال: بؤس يبؤس بأساً، إذا اشتدّ، فهو بئيس. وقرئ: "بئسٍ"، بوزن حَذِر. و (بئسٍ) على تخفيف العين ونقل حركتها إلى الفاء، كما يقال: كبدٌ في كبدٍ، و (بيسٍ) على قلب الهمزة ياءً، كذيبٍ في ذئب، و"بيئسٍ" على: فيعل، بكسر الهمزة وفتحها. و"بيسٍ" بوزن ريس، على قلب همزة "بيئسٍ" ياءً، وإدغام الياء فيها، و"بيسٍ" على تخفيف "بيس"، كهينٍ في: هين، و"بائس" على فاعلٍ.
(فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ): فلما تكبروا عن ترك ما نهوا عنه، كقوله: (وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ) [الأعراف: ٧٧]، (قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً) عبارةً عن مسخهم قردة، كقوله: (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: ٨٢]،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (و"بئسٍ" على تخفيف العين): ابن عامر، وعلى قلب الهمزة ياء: نافع، وعلى "فعيل": أبو بكر.
قوله: (كقوله: (وعتوا عن أمر ربهم)) يعني: لم ينتهوا عما نهوا عنه، وذلك بأن أتوا بالفعل المنهي عنه تكبراً وعدم مبالاة به، كما أمروا بالإتيان بالفعل المأمور به، فتكبروا عنه، وتركوه. وفيه أن النهي عن الشيء أمر بضده.
قوله: ((كونوا قردةً): عبارةً عن مسخهم) أي: لم يكن ثمة قول.
قال الزجاج: "جائز أن يكون ثمة قول مسموع، وأن يكون مثل قوله تعالى: (كن فيكون)، والأول أبلغ في النازلة بهم".
стр. 3050
والمعنى: أنّ الله تعالى عذبهم أوّلاً بعذابٍ شديد، فعتوا بعد ذلك فمسخهم. وقيل: (فلما عتوا)، تكرير لقوله: (فَلَمَّا نَسُوا)، والعذاب البئيس: هو المسخ.
[(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والمعنى: أن الله تعالى عذبهم أولاً بعذابٍ شديد، فعتوا بعد ذلك): يريد أن الفاء في قوله تعالى: (فلما عتوا) فصيحة، أي: فلما نسوا عما ذكروا به عذبناهم، ليتنبهوا ويتعظوا، فما نجع فيهم الوعظ، فعتوا بعد ذلك، فمسخناهم. فإذاً العذاب غير المسخ، والنسيان غير العتو. نحوه قوله تعالى: (ومَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَاسَاءِ والضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ) إلى قوله: (فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وهُمْ لا يَشْعُرُونَ) [الأعراف: ٩٤ - ٩٥].
أو هي تكرير، فيراد بقوله تعالى: (عتوا عن ما نهوا) قوله: (نسوا ما ذكروا به)، ومعناه: فلما تركوا ما ذكرهم به الصالحون من أمر بهم، مسخناهم، لأنهم كانوا مأمورين بألا يشتغلوا فيه بغير العبادة، فلما اشتغلوا بالصيد عتوا عن أمر ربهم. ويراد بقوله تعالى: (كونوا قردةً خاسئين) قوله: (وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس) وهو المسخ، كما سبق.
قال القاضي: "يجوز أن تكون الآية الثانية تقريراً وتفصيلاً للأولى".
следующие страницы →